به، هذا مذهبنا ومذهب العلماء كافة، إلا ما حكاه أصحابنا عن الحسن البصري ﵀ أنه قال: ينجس إن كان قام من نوم الليل. وحكي هذا عن إسحاق بن راهويه، ومحمد بن جرير، وداود، وهو ضعيف جدًّا؛ لأن الأصل طهارة الماء واليد، فلا ينجس بالشك، وقواعد الشرع متظاهرة على هذا، ولا يمكن أن يقال: الظاهر من اليد النجاسة. اهـ. (١)
مسألة [٥]: إذا كانت يد النائم مشدودة بجراب، أو نحوه ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١/ ١٤٢): وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ يَدِ النَّائِمِ مُطْلَقَةً، أَوْ مَشْدُودَةً بِشَيْءٍ، أَوْ فِي جِرَابٍ، أَوْ كَوْنِ النَّائِمِ عَلَيْهِ سَرَاوِيلُهُ، أَوْ لَمْ يَكُنْ. قَالَ أَبُو دَاوُد: سُئِلَ أَحْمَدُ إذَا نَامَ الرَّجُلُ وَعَلَيْهِ سَرَاوِيلُهُ؟ قَالَ: السَّرَاوِيلُ، وَغَيْرُهُ وَاحِدٌ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ مَنَامِهِ فَلَا يُدْخِلْ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا». يَعْنِي أَنَّ الْحَدِيثَ عَامٌّ، فَيَجِبُ الْأَخْذُ بِعُمُومِهِ.
مسألة [٦]: هل يفتقر غسل اليدين إلى نية ؟
• فيه وجهان عند الحنابلة:
الأول: أنه لابد من النية؛ لأنه طهارة تعبد، فأشبه الوضوء، والغسل.
الثاني: أنه لا يفتقر إلى نية؛ لأنه ليس تعبديًّا محضًا، فقد قال في آخر الحديث: «فإنه لا يدري أين باتت يده»، وهذا القول أرجح، وهو مقتضى مذهب الشافعية؛ لأنَّ العلة عندهم هي احتمال النجس، والله أعلم. (٢)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: إسباغ الوضوء .
إسباغ الوضوء يطلق على إيصال الماء إلى جميع أجزاء العضو، وهذا واجب لا يصح الوضوء إلا به، وعليه يحمل حديث المسيء في صلاته في «الصحيحين» (١) عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة ... ،»، واللفظ لمسلم.
ويطلق إسباغ الوضوء على إكماله المستحب، ويدل على ذلك حديث أسامة في «الصحيحين» (٢): أنه دفع مع النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- من عرفة، فنزل بالشعب، قال: فبال، وتوضأ، ولم يسبغ الوضوء.
والإسباغ بهذا المعنى مستحب؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قد تركه في هذا الموضع، وقد
стр. 214
ثبت عنه أنه توضأ مرة مرة، ومرتين مرتين، والله أعلم.
مسألة [٢]: تخليل الأصابع .
• ذهب الشوكاني، والصنعاني إلى وجوب تخليل الأصابع؛ لظاهر حديث لقيط ابن صبرة.
• بينما ذهب جمهور أهل العلم إلى الاستحباب.
• ومنهم من خصَّه بأصابع الرجلين.
والصحيح عمومه في أصابع اليدين، والرجلين؛ لعموم حديث لقيط الذي في الباب، وصرَّح بذلك إسحاق كما في «شرح المهذب» (١/ ٤٢٥).
قال البغوي ﵀ في «شرح السنة» (١/ ٣٠٩): وتخليل الأصابع سنة في الوضوء مع وصول الماء إلى باطنها من غير تخليل؛ فإن انضمت الأصابع بعضها إلى بعض، بحيث لا يصل الماء إلى باطنها إلا بالتخليل، فيجب حينذاك. اهـ
وقال ابن سيد الناس ﵀ كما في «النيل» (١/ ٢٤٣): قال أصحابنا: من سنن الوضوء تخليل أصابع الرجلين في غسلهما، وهذا إذا كان الماء يصل إليهما من غير تخليل، فلو كانت الأصابع ملتفة لا يصل الماء إليها إلا بالتخليل، فحينذٍ يجب التخليل، لا لذاته، ولكن لأداء فرض الغسل. اهـ
قال البسَّام في «توضيح الأحكام» (١/ ٢١٨): والصارف عن الوجوب دقة الماء، ووصوله إلى ما بينها بدون تخليل، وبهذا يحصل القدر الواجب، فيبقى
стр. 215
الاستحباب على الاحتياط في ذلك. اهـ
قلتُ: الراجح قول الجمهور؛ لأنَّ الغاية من التخليل هو إيصال الماء، وفي الغالب أن الماء يصل من غير تخليل إذا كُوثِرَ على الرِّجْل كما قال البسام، والله أعلم. (١)
مسألة [٣]: المبالغة في الاستنشاق .
قال أبو محمد بن قدامة ﵀ في «المغني» (١/ ١٤٧): وذلك سنة مستحبة في الوضوء إلا أن يكون صائمًا، فلا يستحب، لا نعلم في ذلك خلافًا. انتهى.
وقال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (١/ ٣٥٦): المبالغة في المضمضة، والاستنشاق سنَّةٌ بلا خلاف. انتهى.
وقال الصنعاني ﵀ في «سبل السلام» (١/ ١٠٠): والحديث دليل على المبالغة في الاستنشاق لغير الصائم، وإنما لم يكن في حقه المبالغة؛ لئلا ينزل إلى حلقه ما يفطره، ودلَّ ذلك على أنَّ المبالغة ليست بواجبة؛ إذ لو كانت واجبة لوجب عليه التحري، ولم يجز له تركها. اهـ
стр. 216
٣٧ - وَعَنْ عُثْمَانَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُخَلِّلُ لِحْيَتَهُ فِي الوُضُوءِ. أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: إيصال الماء إلى باطن اللحية .
• قال النووي ﵀ في «شرح المهذب»: اللحية الكثيفة يجب غسل ظاهرها بلا خلاف، ولا يجب غسل باطنها، ولا البشرة تحته، هذا هو المذهب الصحيح المشهور الذي نص عليه الشافعي ﵀، وقطع به جمهور الأصحاب في الطرق كلها، وهو مذهب مالك، وأبي حنيفة، وأحمد، وجماهير العلماء من الصحابة، والتابعين، وغيرهم. انتهى المراد. وممن ثبت عنه التخليل من الصحابة رضوان الله عليهم ابن عمر، وابن عباس ﵃، كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (١/ ١٢).
стр. 217
وقد استدل الشيرازي في «المهذب»، و المجد ابن تيمية في «المنتقى» بحديث ابن عباس، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- توضأ، وغرف غرفة، وغسل بها وجهه. وهو في البخاري برقم (١٤٠)، ثم رأيت ابن المنذر قد سبقهما إلى الاستدلال به كما في «الأوسط»، وبغرفة واحدة لا يصل الماء إلى ما تحت الشعر مع كثافة اللحية، ولأنه باطن دونه حائل معتاد، فهو كداخل الأنف، والفم.
• وذهب المزني، وأبو ثور، وإسحاق إلى وجوب غسل البشرة قياسًا على غسل الجنابة.
والراجح هو القول الأول، ويدل عليه أيضًا حديث الباب؛ فإنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- اكتفى بالتخليل؛ فدل على عدم وجوب غسل البشرة، والله أعلم. (١)
وأما اللحية الخفيفة، فقد قال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (١/ ٣٧٦): قد ذكرنا أنَّ مذهبنا أنه يجب غسل اللحية الخفيفة، والبشرة تحتها، وبه قال مالك، وأحمد، وداود، قال أصحابنا، وقال أبو حنيفة ﵀ لا يجب غسل ما تحتها كداخل الفم، قال: وكما سوينا بين الخفيف، والكثيف في غسل الجنابة، وأوجبنا غسل ما تحتها فكذا نسوي بينهما في الوضوء، فلا نوجبه.
قال النووي ﵀: واحتج أصحابنا بقول الله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة:٦]، وهذه البشرة من الوجه، ويقع بها المواجهة، ولأنه موضع ظاهرٌ من الوجه، فأشبه الخدَّ، ويخالف الكثيف؛ فإنه يشق إيصال الماء إليه بخلاف هذا.
стр. 218
والجواب عن داخل الفم: أنه يحول دونه حائل أصلي، فأسقط فرض الوضوء، واللحية طارئ، والطارئ إذا لم يستر الجميع لم يسقط الفرض، كالخف المخرق. اهـ
وما ذهب إليه الجمهور هو الصحيح، والله أعلم.
مسألة [٢]: تخليل اللحية الكثيفة .
• اختلف أهل العلم في تخليل اللحية على أقوال:
الأول: الوجوب في الوضوء، والغسل، وهو قول إسحاق، والحسن بن صالح، وأبي ثور، والمزني.
الثاني: الوجوب في الغسل، والاستحباب في الوضوء، وهو قول أحمد، والشافعي، والأوزاعي، وداود، والطبري، والثوري، وغيرهم، بل هو قول جمهور العلماء؛ لأنَّ الغسل يجب فيه غسل جميع الجسد، واللحية منه، وأما الوضوء فيجب فيه غسل الوجه، وهو ما يحصل به المواجهة، وأما باطن اللحية فيستحب تخليلها لفعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.
الثالث: ذهب مالك، وأحمد في رواية، وطائفة من أهل المدينة إلى الاستحباب في الوضوء، والغسل.
والقول الثاني هو الراجح، والله أعلم. (١)
стр. 219
مسألة [٣]: ضابط اللحية الخفيفة، والكثيفة .
• في هذه المسألة ثلاثة أقوال، وهي ثلاثة أوجه عند الشافعية ذكرها النووي في «شرح المهذب» (١/ ٣٧٥):
الأول: أنَّ ذلك راجع إلى عرف الناس.
الثاني: ما وصل الماء إلى تحته بلا مشقة، فهو خفيفٌ، وإلا فكثيفٌ.
الثالث: أن ما ستر البشرة عن الناظر في مجلس التخاطب؛ فهو كثيف، وما لا؛ فخفيف، وهذا الثالث نصَّ عليه الشافعي، وصححه النووي.
مسألة [٤]: إذا كانت اللحية بعضها خفيف، وبعضها كثيف ؟
قال الشيرازي ﵀ في «المهذب» (١/ ٣٧٤): فإن كان بعضها خفيفًا، وبعضها كثيفًا غسل ما تحت الخفيف، وأفاض الماء على الكثيف.
стр. 220
٣٨ - وَعَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ زَيْدٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِثُلُثَيْ مُدٍّ، فَجَعَلَ يَدْلُكُ ذِرَاعَيْهِ. أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: حكم الدَّلك .
قال النووي ﵀ في «شرح مسلم» (٣/ ١٠٩): واتفق الجمهور على أنه يكفي في غسل الأعضاء في الوضوء، والغسل جريان الماء على الأعضاء، ولا يشترط الدلك، وانفرد مالك، والمزني باشتراطه. اهـ
قلتُ: ولا خلاف في استحبابه؛ لحديث الباب، والراجح قول الجمهور، ولكن لو أنَّ مكانًا من العضو لا يصل إليه الماء إلا بالدلك، فيجب دلكه، والله أعلم.
فائدة: قال الصنعاني ﵀ في «السبل» (١/ ١٠٢): فَثُلُثَا المد هو أقل ما روي أنه توضأ به -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وأما حديث أنه توضأ بثلث مُدٍّ، فلا أصل له. اهـ
стр. 221
٣٩ - وَعَنْهُ، أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ يَأْخُذُ لِأُذُنَيْهِ مَاءً خِلافَ المَاءِ الَّذِي أَخَذَهُ لِرَأْسِهِ. أَخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ، وَهُوَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ هَذَا الوَجْهِ بِلَفْظِ: وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ بِمَاءٍ غَيْرِ فَضْلِ يَدَيْهِ، وَهُوَ المَحْفُوظُ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: أخذ ماء جديد للأذن .
• ذهب جمهور أهل العلم فيما حكاه النووي في «شرح المهذب» (١/ ٤١٣) إلى أنه يأخذ ماءً جديدًا لمسح الأذن، وبهذا قال مالك، والشافعي، وأحمد، وصحَّ ذلك عن ابن عمر ﵄، وقد استدلوا على ذلك بحديث الباب.
• وذهب الثوري، وأبو حنيفة إلى أنهما يمسحان بماء الرأس؛ لأنهما من الرأس، وقد صحَّ ذلك عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، كما في حديث الباب، وحديث ابن عباس
стр. 222
الذي تقدم قريبًا.
وقال أبو بكر بن المنذر ﵀ في «الأوسط» (١/ ٤٠٤): وغير موجود في الأخبار الثابتة التي فيها صفة وضوء رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أخذه لأذنيه ماء جديدًا، بل في حديث ابن عباس أنه غرف غرفة، فمسح برأسه، وأذنيه داخلهما بالسبابتين، وخالف بإبهاميه إلى ظاهر أذنيه، فمسح ظاهرهما، وباطنهما. اهـ
وقال ابن القيم ﵀ في «زاد المعاد» (١/ ١٩٤): ولم يثبت عنه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنه أخذ لهما ماءً جديدًا. اهـ
وهذا القول هو الراجح، وهو ترجيح: الألباني، والوادعي، وابن عثيمين رحمة الله عليهم.
مسألة [٢]: مسح الرأس بماء غير فضل اليدين .
• حديث عبد الله بن زيد الذي في الباب بلفظ رواية مسلم يدل على أن مسح الرأس يكون بماء غير فضل اليدين، وبهذا أخذ أحمد، والشافعي، وأبو حنيفة، واشترطوا ذلك، وقالوا: لا يجزئ أن يمسح رأسه بفضل يديه، وهذا بناء على ما ذهبوا إليه من أنَّ الماء المستعمل ليس بمطهر.
• وذهب الحسن، وعروة بن الزبير، والأوزاعي إلى أنه يجزئ أن يمسح رأسه بفضل يديه؛ لأنَّ الماء الملاصق لليد لم يخرج عن حد الطهورية.
قال ابن المنذر ﵀: ويشبه أن يكون قول مالك؛ لأنه قال: لا أحب ذلك.
стр. 223
قال ابن قدامة ﵀: ويتخرج لنا مثل ذلك إذا قلنا: إن المستعمل لا يخرج عن طهوريته سيما الغسلة الثانية والثالثة. اهـ
قال أبو عبد الله غفر الله لهُ: القول بالإجزاء هو الصحيح، والأفضل: أخذ ماء جديد؛ لفعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.
وقد قال أبو بكر بن المنذر ﵀ في «الأوسط» (١/ ٣٩٢): والذي أحب أن يأخذ لمسح رأسه ماءً جديدًا؛ فإن لم يفعل، ومسح رأسه بما في يده من فضل الماء الذي غسل به ذراعيه رجوت أن يجزئه. اهـ. (١)
стр. 224
٤٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إنَّ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ (١)، مِنْ أَثَرِ الوُضُوءِ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ. (٢)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: المجاوزة في غسل اليدين والرجلين على المرفقين، والكعبين .
• ذهب أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد، وأصحابهم إلى استحباب مجاوزة الفرض في الوضوء، وهو مذهب جمهور العلماء.
واستدلوا بقوله: «فمن استطاع منكم أن يطيل غرته، وتحجيله فليفعل».
قال النووي ﵀: واتفق أصحابنا على غسل ما فوق المرفقين، والكعبين.
• وذهب الإمام مالك، وأهل المدينة إلى عدم استحباب مجاوزة محل الفرض، وهو رواية عن الإمام أحمد، اختارها شيخ الإسلام، وابن القيم.
стр. 225
واختار هذه الرواية من علمائنا المعاصرين الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، والشيخ عبد الرحمن السعدي، والشيخ عبد العزيز بن باز، والشيخ الألباني، والشيخ مقبل الوادعي، والشيخ ابن عثيمين، وغيرهم، رحمة الله عليهم أجمعين.
واستدلوا على ذلك بما يلي:
١) مجاوزة محل الفرض على أنها عبادة دعوى تحتاج إلى دليل.
٢) كل الواصفين لوضوء النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ذكروا أنه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يغسل الوجه، واليدين إلى المرفقين، والرجلين إلى الكعبين.
٣) آية الوضوء حددت محل الفرض: المرفقين، والكعبين، وهي من آخر ما نزل من القرآن.
٤) لو سلمنا بهذا؛ لاقتضى الأمر أن نتجاوز الحد في الوجه إلى بعض الشعر من الرأس، وهذا لا يسمى غرة، فيكون متناقضًا.
٥) الحديث لا يدل على الإطالة؛ فإن الحلية إنما تكون زينة في الساعد، والمعصم، لا العضد، والكتف.
٦) قوله: «من استطاع ... » تقدم أنه مدرج.
وهذا القول هو الراجح، والله أعلم. (١)
стр. 226
٤١ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ فِي تَنَعُّلِهِ، وَتَرَجُّلِهِ، وَطَهُورِهِ وَفِي شَأْنِهِ كُلِّهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١)
٤٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إذَا تَوَضَّأْتُمْ فَابْدَءُوا بِمَيَامِنِكُمْ». أَخْرَجَهُ الأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ. (٢)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين
مسألة [١]: حكم التيمن في أعضاء الوضوء .
نقل غير واحد من أهل العلم الإجماع على استحباب التيمن، وأن ذلك من باب الأفضلية لا الوجوب، وممن نقل ذلك ابن المنذر في «الأوسط» (١/ ٣٨٧)، وابن عبد البر في «الاستذكار» (٢/ ٢١)، وابن قدامة في «المغني» (١/ ١٥٣)، والنووي في «شرح مسلم» (٣/ ١٦٣).
وقد خالف الشيعة كما في «شرح مسلم»، وابن حزم كما في «المحلَّى» (٢٠٦)، وهو محجوج بالإجماع قبله، فقد نقله ابن المنذر وهو أقدم منه.
وقال الشوكاني ﵀ في «نيل الأوطار» (١/ ٢٦٨): حديث الباب المقترن بالتيامن باللبس المجمع على عدم وجوبه صالح لجعله قرينة تصرف الأمر إلى الندب، ودلالة الاقتران، وإن كانت ضعيفة، لكنها لا تقصر عن الصلاحية للصرف، لا سيما مع اعتضادها بدعوى الإجماع على عدم الوجوب.
стр. 227
وقال الإمام العثيمين ﵀ في «شرح البلوغ»: هو للاستحباب؛ لأنَّ الله قال: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة:٦]، ولم يرتب، وإنما رتب بين الأعضاء دون العضوين اللذين هما في مقام عضو واحد. اهـ
تنبيه: قال النووي ﵀ في «شرح مسلم» (٣/ ١٦٣): ثم اعلم أنَّ من أعضاء الوضوء ما لا يستحب فيه التيامن، وهو الأذنان، والكفان، والخدان، بل يطهران دفعة واحدة؛ فإن تعذر ذلك كما في حق الأقطع، ونحوه، قدم اليمين، والله أعلم.
стр. 228
٤٣ - وَعَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأَ. فَمَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ، وَعَلَى العِمَامَةِ وَالخُفَّيْنِ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: المسح على العمامة .
• ذهب أكثر العلماء فيما نقله النووي، والخطابي، والماوردي إلى عدم الإجزاء إذا اقتصر بالمسح على العمامة، وحكاه ابن المنذر عن عروة بن الزبير، والشعبي، والنخعي، والقاسم، ومالك، وأصحاب الرأي، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾، والعمامة ليست برأس.
• وذهب جماعة إلى جواز المسح على العمامة، والاقتصار عليه، وهو مذهب الثوري، والأوزاعي، وأحمد، وأبي ثور، وإسحاق، والطبري، وداود.
قال ابن المنذر ﵀: وممن مسح على العمامة: (أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وأنس بن مالك، وأبو أمامة) (٢)، وروي ذلك عن سعد بن أبي و قاص، وأبي الدرداء، وعمر بن عبد العزيز، ومكحول، والحسن البصري، وقتادة. اهـ
واستدلوا بحديث عمرو بن أمية الضمري في «البخاري» (٢٠٥)، قال: رأيت رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يمسح على عمامته، وخفيه. وبحديث بلال في مسلم (٢٧٥): أنَّ
стр. 229
النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مسح على الخفين، والخمار.
وفي «مسند أحمد» (١) من حديث ثوبان أن رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بعث سرية، فأمرهم أن يمسحوا على العصائب، والتساخين.
وقد أجاب الخطابي، والبيهقي، وغيرهما عن هذه الأحاديث: بأنه وقع فيها اختصار، والمراد الناصية، والعمامة ليكمل سنة الاستيعاب، كما في حديث المغيرة بن شعبة الذي في هذا الباب، وهذا تأويل مخالف للظاهر، ولا دليل عليه.
وأما استدلالهم بقوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾، فقد أجاب عنه ابن قدامة في «المغني» (١/ ٣٨٠)، فقال: وَالْآيَةُ لَا تَنْفِي مَا ذَكَرْنَاهُ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ مُبَيِّنٌ لِكَلَامِ الله، مُفَسِّرٌ لَهُ، وَقَدْ مَسَحَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى الْعِمَامَةِ، وَأَمَرَ بِالْمَسْحِ عَلَيْهَا، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْآيَةِ الْمَسْحُ عَلَى الرَّأْسِ، أَوْ حَائِلِهِ، وَمِمَّا يُبَيِّنُ ذَلِكَ: أَنَّ الْمَسْحَ فِي الْغَالِبِ لَا يُصِيبُ الرَّأْسَ، وَإِنَّمَا يَمْسَحُ عَلَى الشَّعْرِ، وَهُوَ حَائِلٌ بَيْنَ الْيَدِ وَبَيْنَهُ، فَكَذَلِكَ الْعِمَامَةُ. اهـ
وهذا القول هو الصحيح، وفي النفس شيء من عزو القول الأول لأكثر العلماء، فقد قال بالقول الآخر أيضًا جماعة كُثُر كما تقدم، واللهُ أعلم. (٢)
مسألة [٢]: إذا مسح مقدمة شعر الرأس مع العمامة ؟
دلَّ حديث المغيرة الذي في الباب على جواز ذلك، وهو قول من تقدم ذكره
стр. 230
في ترجيح مشروعية المسح على العمامة.
وقد قال بجواز ذلك الشافعية أيضًا، وغيرهم ممن منع المسح على العمامة مقتصرًا عليها، ولكنهم يقولون: يجب عليه مسح مقدمة الرأس، وإلا فلا يجزئه.
وهو وجه عند الحنابلة؛ لأنَّ العمامة نابت عما استتر، فبقي الباقي على مقتضى الأصل كالجبيرة.
والوجه الثاني عند الحنابلة: عدم الوجوب؛ لأنَّ العمامة نابت عن الرأس، فتعلق الحكم بها، وانتقل الفرض إليها، فلم يبق لما ظهر حكم.
ولأنَّ وجوبهما معًا يفضي إلى الجمع بين بدلٍ ومبدل في عضو واحد، فلم يجز من غير ضرورة، كالخف، وعلى هذا تخرج الجبيرة. كذا في «المغني» (١/ ٣٨١ - ٣٨٢).
والوجه الثاني هو الراجح والله أعلم؛ لأنَّ العمامة وإن غطت الناصية أحيانًا؛ فإنها لا تغطي جميع أجزاء الرأس، ولم ينقل أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يمسح على بقية أجزاء رأسه الذي ليس بمغطى مع العمامة، فدل على الاستحباب، والله أعلم.
ورجح ذلك الشيخ ابن عثيمين ﵀ في «الشرح الممتع» (١/ ١٩٥).
مسألة [٣]: مسح الأذنين مع العمامة .
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١/ ٣٨٢): ولا خلاف في أنَّ الأذنين لا يجب مسحهما؛ لأنه لم ينقل ذلك، وليسا من الرأس إلا على وجه التبع. اهـ
стр. 231
قلتُ: نفى ابن قدامة ﵀ الوجوب، ولم ينف المشروعية، والاستحباب، فتنبه، ومسحهما مع العمامة مستحب؛ لعموم الأدلة في مسح الأذنين. وهو مقتضى مذهب الشافعي، ومالك، وأبي حنيفة؛ لأنهم لا يرون جواز الاقتصار على مسح العمامة.
مسألة [٤]: هل يشترط لبسها على طهارة ؟
قال الشوكاني ﵀ في «النيل» (١/ ٢٥٩): قال أبو ثور: لا يمسح على العمامة، والخمار إلا من لبسهما على طهارة قياسًا على الخفين، ولم يشترط ذلك الباقون. اهـ
وهذا قول الظاهرية أيضًا.
قلتُ: والراجح أنه لا يشترط، وهو ترجيح ابن حزم في «المحلَّى» (٢٠٢)، وقال: القياس باطل، وليس هنا علة جامعة بين حكم المسح على العمامة، والخمار، والمسح على الخفين، وإنما نصَّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في اللباس على الطهارة على الخفين، ولم ينص ذلك في العمامة، والخمار، قال الله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل:٤٤]، ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم:٦٤]، فلو وجب هذا في العمامة، والخمار؛ لبينه النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كما بين ذلك في الخفين. اهـ
مسألة [٥]: هل لها توقيت في المسح عليها ؟
قال الشوكاني ﵀ في «النيل» (١/ ٢٥٩): وكذلك اختلفوا في التوقيت،
стр. 232
فقال أبو ثور أيضًا: إنَّ وقته كوقت المسح على الخفين. وروي مثل ذلك عن عمر، والباقون لم يوقتوا ذلك بوقت. اهـ
قلتُ: أما أثر عمر بن الخطاب ﵁، فقال ابن حزم في «المحلَّى»: إنه ثابت عنه أنه يقول بالتوقيت.
وقد وافق أبا ثور على ذلك جماعة من الحنابلة، كما في «المغني» (١/ ٣٨٣).
والصحيح عدم التوقيت؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مسح على العمامة، ولم يوقت ذلك بحد كالمسح على الخفين.
وهو ترجيح ابن حزم في «المحلَّى» (٢٠٣)، ثم الشيخ ابن عثيمين كما في «مجموع فتاواه» (١١/ ١٧٠).
стр. 233
بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَةِ
مسألة [١]: هل يشترط في العمامة أن تكون محنكة، أو ذات ذؤابة ؟
اشترط ذلك جماعة من الحنابلة كما في «المغني» (١/ ٣٨١).
قال النووي ﵀ بعد أن ذكر القائلين بمشروعية المسح على العمامة: ثم شرط بعض هؤلاء لبسها على طهارة، وشرط بعضهم كونها محنكة، أي: بعضها تحت الحنك، ولم يشترط بعضهم شيئا من ذلك. اهـ «المجموع» (١/ ٤٠٧).
قال المرداوي ﵀ في «الإنصاف» (١/ ١٤٠): قلت: الخلاف في اشتراط الذؤابة مع التحنيك ضعيف قل من ذكره والمذهب جواز المسح على المحنكة وإن لم تكن بذؤابة وعليه الأصحاب كما تقدم. اهـ
قلتُ: والصحيح عدم اشتراط ذلك؛ لعدم وجود دليل يدل على الاشتراط، وهذا ترجيح ابن حزم كما في «المحلَّى» (٢٠١)، وشيخ الإسلام كما في «الاختيارات الفقهية» (ص ١٤)، ثم الشيخ ابن عثيمين كما في «الشرح الممتع» (١/ ١٩٥).
مسألة [٢]: إذا نزع العمامة بعد المسح عليها، فهل ينتقض وضوؤه ؟
• ذهب الإمام أحمد إلى أنه ينتقض وضوؤه كما في «المغني» (١/ ٣٨٢)، وذهب ابن حزم في «المحلَّى» (٢١٩) إلى أنه لا ينتقض وضوؤه، وهو الصحيح، واختاره شيخ الإسلام كما في «الاختيارات الفقهية» (ص ١٥)، وقال ابن حزم:
стр. 234
وهو قول طائفة من السلف.
وهو ترجيح الشيخ مقبل الوادعي، والشيخ ابن عثيمين رحمة الله عليهما؛ لعدم وجود دليل على انتقاض الطهارة، وهو يشبه شعر الرأس إذا مسح عليه، ثم حلقه.
مسألة [٣]: هل يجزئ أن يمسح الرجل العمامة توضع على رأسه بدون عَصْبٍ ؟
• ذهب ابن حزم، وأبو ثور إلى جواز المسح عليه؛ لحديث بلال في «صحيح مسلم» (٢٧٥) أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مسح على الخفين، والخمار.
• وذهب عامة أهل العلم إلى عدم المسح عليها، وذلك لأنَّ الرخصة جاءت بالعمامة، فلا يتجاوزها إلا بدليل، وأما حديث بلال فليس بصريح في ذلك؛ لأنَّ العمامة يطلق عليها خمار؛ لأنها تخمر الرأس، ولذلك قال النووي ﵀ في شرح الحديث (٣/ ١٧٧): يعني بالخمار العمامة؛ لأنها تخمر الرأس، أي: تغطيه. اهـ
وقال ابن الأثير ﵀ في «النهاية» (٢/ ٧٨): والخمار أراد به العمامة؛ لأنَّ الرجل يغطي بها رأسه كما أنَّ المرأة تغطيه بخمارها. اهـ
قلتُ: فالخمار يطلق في لغة العرب على العمامة، وقد كان النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- غالب لبسه العمامة، فالظاهر أنَّ المراد بحديث بلال هو العمامة، والله أعلم.
ويدل على ذلك أن حديث عمرو بن أمية الضمري الذي تقدم، وهو في البخاري بلفظ: «مسح على عمامته، وخفيه»، جاء في بعض رواياته عند أحمد بلفظ:
стр. 235
«الخمار» بدل العمامة.
ثم رأيت حديث بلال عند البيهقي (١/ ٢٧١) بإسناد صحيح بلفظ: «ومسح على الخفين، والعمامة»، ومخرجه مع مسلم واحد، فلا إشكال بعد ذلك، ولله الحمد.
فالراجح هو عدم المسح على ما يوضع على الرأس كهيئة الخمار، والله أعلم.
مسألة [٤]: المسح على القلنسوة .
قال ابن المنذر ﵀ في «الأوسط» (١/ ٤٧٢): وكان الأوزاعي، وسعيد بن عبد العزيز، ومالك، والشافعي، والنعمان، وإسحاق، وكل من نحفظ عنه من أهل العلم لا يرون ذلك.
ونقل ابن المنذر عن أنس أنه مسح على قلنسوته، ولكن في إسناده سعيد بن عبد الله بن ضرار، وفيه ضعف، قال أبو حاتم: ليس بقوي، وقد صحَّ عن أبي موسى الأشعري كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (١/ ٢٢) أنه مسح على قلنسوته، وقال به الثوري، وابن حزم في «المحلَّى» (٢٠١)، وشيخ الإسلام في «الاختيارات» (ص ١٤)، واختار هذا القول الخلَّال كما في «المغني» (١/ ٣٨٤).
قلتُ: الذي يظهر -والله أعلم- أنَّ مذهب الجمهور هو الراجح؛ لأنَّ النصوص لم تأت بالقلانس، وإنما جاءت في العمائم مع وجود الفارق بينهما.
стр. 236
مسألة [٥]: مسح المرأة على خمارها .
• ذهب جمهور العلماء إلى أنَّ المرأة لا تمسح على خمارها، وهو قول مالك، والأوزاعي، والشافعي، ورواية عن أحمد، وقال به نافع، والنخعي، وعطاء، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وغيرهم.
• وذهب أحمد في رواية، وهو قول ابن حزم إلى أنها تمسح، وهومذهب الحسن، وقد ثبت عن أم سلمة عند ابن أبي شيبة (١/ ٢٢) بإسناد حسن أنها كانت تمسح على خمارها.
قال أبو عبد الله غفر الله لهُ: الراجح -والله أعلم- أنَّ المرأة إن شق عليها النزع لبردٍ، أو لثبوت الخمار، فيشق نزعه، ثم لفه، فلها أن تمسح؛ لأنها شبيهة بالعمامة، وهو ظاهر ترجيح شيخ الإسلام ﵀ كما في «مجموع فتاواه» (٢١/ ٢١٨).
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀ في «الشرح الممتع» (١/ ١٩٦): وعلى كل حال إذا كان هناك مشقة، إما لبرودة الجو، أو لمشقة النزع واللف مرة أخرى، فالتسامح في مثل هذا لا بأس به، وإلا فالأولى أن لا تمسح، ولم ترد نصوص صحيحة في هذا الباب. (١)
فائدة: قال الإمام ابن عثيمين ﵀ في «الشرح الممتع» (١/ ١٩٦ - ١٩٧): ولو كان الرأس ملبدًا بحناء، أو صمغ، أو عسل، أو نحو ذلك، فيجوز المسح؛ لأنه ثبت أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان في إحرامه مُلَبِّدًا رأسه، فما وُضِعَ على الرأس من التلبيد
стр. 237
فهو تابع له، وهذا يدل على أنَّ طهارة الرأس فيها شيء من التساهل، وعلى هذا لو لبدت المرأة رأسها بالحناء، جاز لها المسح عليه، ولا حاجة إلى أن تنقض رأسها، وتَحُتَّ هذا الحناء. اهـ
стр. 238
٤٤ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِاللهِ ﵄ -فِي صِفَةِ حَجِّ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ ﷺ : «ابْدَءُوا بِمَا بَدَأَ اللهُ بِهِ». أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ هَكَذَا بِلَفْظِ الأَمْرِ، وَهُوَ عِنْدَ مُسْلِمٍ بِلَفْظِ الخَبَرِ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: حكم ترتيب أعضاء الوضوء .
• في المسألة قولان:
القول الأول: وجوب الترتيب، وهو مذهب الشافعي، وأبي ثور، وأبي عبيد، وإسحاق، والمشهور عن أحمد، واستدل هؤلاء بالآية: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ الآية.
ووجه الدلالة منها من أوجه:
١) أنه أدخل ممسوحًا بين مغسولين، وعادة العرب إذا ذكرت أشياء متجانسة، وغير متجانسة جمعت المتجانسة على نسق، ثم عطفت غيرها، لا يخالفون في ذلك
стр. 239
إلا لفائدة، فلو لم يكن الترتيب واجبًا لما قطع النظير عن نظيره؛ فإن قيل: فائدته استحباب الترتيب. فالجواب من وجهين، أحدهما: أنَّ الأمر للوجوب على المختار، وهو مذهب جمهور الفقهاء. والثاني: أنَّ الآية بيان للوضوء الواجب لا للمسنون، فليس فيها شيء من سنن الوضوء.
٢) أن مذهب العرب إذا ذكرت أشياء، وعطفت بعضها على بعض تبتدئ الأقرب، فالأقرب، لا يخالف ذلك إلا لمقصود، فلما بدأ سبحانه بالوجه، ثم اليدين، ثم الرأس، ثم الرجلين، دلَّ على الأمر بالترتيب، وإلا لقال: فاغسلوا وجوهكم وامسحوا برؤوسكم، واغسلوا أيديكم وأرجلكم. (١)
٣) هذه الجملة وقعت جوابًا للشرط، وما كان جوابًا للشرط؛ فإنه يكون مرتبًا حسب وقوع الجواب، ولأنَّ الله ذكرها مرتبة، وقد قال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «أَبْدَأُ بِما بَدَأَ اللهُ بِهِ»، وكذلك فإن جميع الواصفين لوضوئه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ما ذكروه إلا مرتبًا. (٢)
القول الثاني: استحباب الترتيب، وجواز مخالفة الترتيب، وهو قول الأوزاعي، وأبي حنيفة، ومالك، وأصحابهما، والمزني، وداود، وهو قول ابن المسيب، والحسن، وعطاء، ومكحول، والزهري، ونقله البغوي عن أكثر العلماء، واختاره ابن المنذر، واستدلوا بالآية، وقالوا: الواو لا تفيد الترتيب.
والراجح هو القول الأول؛ لأن (الواو) وإن كانت لا تفيد الترتيب، ولكن
стр. 240
الآية قد أفادت الترتيب بقرائن أخرى تقدم ذكرها، والله أعلم.
وهو ترجيح الشيخ ابن عثيمين، والشيخ مقبل الوادعي رحمة الله عليهما. (١)
مسألة [٢]: هل تدخل المضمضة، والاستنشاق في وجوب الترتيب ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١/ ١٧١): وَلَا يَجِبُ التَّرْتِيبُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ غَسْلِ بَقِيَّةِ الْوَجْهِ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ أَجْزَائِهِ، وَلَكِنْ الْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَبْدَأَ بِهِمَا قَبْلَ الْوَجْهِ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ وَصَفَ وُضُوءَ رَسُولِ الله ﷺ ذَكَرَ أَنَّهُ بَدَأَ بِهِمَا؛ إلَّا شَيْئًا نَادِرًا.
وَهَلْ يَجِبُ التَّرْتِيبُ، وَالْمُوَالَاةُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ سَائِرِ الْأَعْضَاءِ غَيْرِ الْوَجْهِ؟
عَلَى رِوَايَتَيْنِ:
إحْدَاهُمَا: تَجِبُ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ الْوَجْهِ، فَوَجَبَ غَسْلُهُمَا قَبْلَ غَسْلِ الْيَدَيْنِ لِلْآيَةِ، وَقِيَاسًا عَلَى سَائِرِ أَجْزَائِهِ.
وَالثَّانِيَةُ: لَا تَجِبُ، بَلْ لَوْ تَرَكَهُمَا فِي وُضُوئِهِ، وَصَلَّى، تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، وَأَعَادَ الصَّلَاةَ، وَلَمْ يُعِدْ الْوُضُوءَ؛ لِمَا رَوَى الْمِقْدَامُ بْنُ مَعْدِي كَرِبَ، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ أُتِيَ بِوَضُوءٍ، فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ ذِرَاعَيْهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. (٢)
стр. 241
وَلِأَنَّ وُجُوبَهُمَا بِغَيْرِ الْقُرْآنِ، وَإِنَّمَا وَجَبَ التَّرْتِيبُ بَيْنَ الْأَعْضَاءِ الْمَذْكُورَةِ؛ أَنَّ فِي الْآيَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى إرَادَةِ التَّرْتِيبِ، وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ فِيهِمَا. انتهى.
وأقول: الرواية الثانية أرجح -والله أعلم- لما ذكره ابن قدامة ﵀.
٤٥ - وَعَنْهُ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إذَا تَوَضَّأَ أَدَارَ المَاءَ عَلَى مِرْفَقَيْهِ. أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ. (١)
الحكم المستفاد من الحديث
ساق المصنف ﵀ هذا الحديث للاستدلال به على دخول المرفقين في غسل اليدين، ويغني عنه حديث أبي هريرة ﵁ في «مسلم»: أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- توضأ، فغسل يديه حتى شرع في العضد.
وقد تقدم ذكر هذه المسألة تحت حديث عثمان ﵁.
المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث
مسألة [١]: حكم التسمية على الوضوء .
• ذهب جمهور أهل العلم إلى أن التسمية على الوضوء مستحبة، وهو مذهب مالك، وأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد في أشهر الروايات عنه، قال الخلَّال: الذي استقرت الروايات عنه أنه لا بأس به. يعني إذا ترك التسمية.
• وذهب إسحاق، وأحمد في رواية إلى وجوبها، وهو قول أهل الظاهر، لكن قال إسحاق، وأحمد: إن تركها سهوًا لم تبطل طهارته. وهو اختيار الإمام ابن باز ﵀.
• وعن أحمد رواية -وقال بذلك جماعة من أصحابه- أنها لا تسقط بالسهو، بل عليه الإعادة، كقول أهل الظاهر.
واستدلوا بحديث الباب، وهو ظاهر اختيار الإمام الألباني ﵀.
• وجاء عن أبي حنيفة في رواية أنها ليست بمستحبة.
• وعن مالك رواية أنها بدعة، ورواية أنها مباحة.
فأما من أوجبها فاستدل بحديث الباب، والحديث ضعيفٌ كما تقدم.
واستدل لمذهب الجمهور بأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يباشر أعماله بالتسمية.
وهو ترجيح البخاري، وشيخ الإسلام، والصنعاني، والشيخ مقبل الوادعي، والشيخ ابن عثيمين رحمة الله عليهم، وهو الصحيح في المسألة، والله أعلم. (١)
стр. 244
٤٩ - وَعَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: رَأَيْت رَسُولَ اللهِ ﷺ يَفْصِلُ بَيْنَ المَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد، بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ. (١)
٥٠ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ -فِي صِفَةِ الوُضُوءِ- ثُمَّ تَمَضْمَضَ ﷺ وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثًا، يُمَضْمِضُ وَيَنْثُرُ مِنَ الكَفِّ الَّذِي يَأْخُذُ مِنْهُ المَاءَ. أَخْرَجَهُ أَبُودَاوُد وَالنَّسَائِيُّ. (٢)
٥١ - وَعَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ زَيْدٍ ﵁ -فِي صِفَةِ الوُضُوءِ- ثُمَّ أَدْخَلَ ﷺ يَدَهُ، فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مِنْ كَفٍّ وَاحِدٍ، يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلَاثًا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (٣)
المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث
مسألة [١]: الجمع بين المضمضة والاستنشاق من كف واحد .
دلَّ الحديث الأول على جواز الفصل بين المضمضة، والاستنشاق، وأخذ به جماعة من الشافعية، ولكن الحديث ضعيفٌ كما تقدم، والأحاديث الأخرى الصحيحة تدل على الجمع بين المضمضة، والاستنشاق من ماء من كفٍّ واحد، ونصَّ على ذلك أحمد، وهو مذهب جماعة من الشافعية.
قال النووي ﵀ في «شرح المهذب»: والصحيح، بل الصواب تفضيل الجمع؛ للأحاديث الصحيحة المتظاهرة فيه، كما سبق، وليس لها معارض.
قال ابن القيم ﵀ في «زاد المعاد» (١/ ١٩٢ - ١٩٣): ولم يجيء الفصل بين
стр. 245
المضمضة، والاستنشاق في حديث صحيح البتة. اهـ. (١)
٥٢ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: رَأَى النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا، وَفِي قَدَمِهِ مِثْلُ الظُّفُرِ لَمْ يُصِبْهُ المَاءُ. فَقَالَ: «ارْجِعْ فَأَحْسِنْ وُضُوءَك». أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ. (٢)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: حكم الموالاة .
قال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (١/ ٤٥٢): التفريق اليسير بين أعضاء الوضوء لا يضر بإجماع المسلمين. اهـ
• وأما التفريق الكثير، فاختلفوا فيه على قولين:
الأول: أنه لا يضر، ولا تجب الموالاة، وهو قول ابن المسيب، والنخعي،
стр. 246
والثوري، وأبي حنيفة، والصحيح عند الشافعية، ورواية عن أحمد، وهو قول داود، وابن المنذر، ورجَّحه الشيخ مقبل الوادعي ﵀.
واحتج هؤلاء بأنَّ الله تعالى أمر بغسل الأعضاء، ولم يوجب الموالاة، وقد صحَّ عن ابن عمر أنه توضأ في السوق، ثم دعي إلى الجنازة فدخل المسجد، ثم مسح على خُفَّيْهِ. (١) واحتجوا أيضًا بحديث الباب: «ارجع فأحسن وضوءك»، ولم يأمره بالإعادة.
الثاني: أنه يجب الموالاة، وأن التفريق الكثير يضر، وهو قول قتادة، وربيعة، والليث، والأوزاعي، وأحمد في المشهور عنه، ومالك، واستدلوا بحديث خالد بن معدان عن بعض أصحاب النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بنحو حديث الباب، وفيه: فأمره النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أن يعيد الوضوء. أخرجه أبو داود (١٧٥)، وأحمد (٣/ ٤٢٤)، وفي إسناده: بقية بن الوليد، ولم يصرح بالتحديث عن شيخ شيخه، وخالد بن معدان كثير الإرسال، ولم يسمِّ الصحابي؛ فيخشى من الانقطاع.
ووجه الدلالة من الحديث: أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أمر بإعادة الوضوء، ولو لم تجب الموالاة؛ لأمره بغسل اللمعة، والآية دلت على وجوب الغسل، والنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بيَّن كيفيته، وفسَّر مجمله بِفِعْلِهِ، وَأَمْرِهِ؛ فإنه لم يتوضأ إلا متواليًا، وأمر تارك الموالاة بإعادة الوضوء، وهذا القول رجحه ابن عثيمين ﵀، والشيخ يحيى الحجوري حفظه الله، وهو الراجح عندنا، والله أعلم.
عَلَيْهَا حِينَ دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ، ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهَا. وَأُصُولُ الشَّرِيعَةِ تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦]، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرِ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ»، وَاَلَّذِي لَمْ يُمْكِنْهُ الْمُوَالَاةُ -لِقِلَّةِ الْمَاءِ، أَوْ انْصِبَابِهِ، أَوْ اغْتِصَابِهِ مِنْهُ بَعْدَ تَحْصِيلِهِ، أَوْ لِكَوْنِ الْمَنْبَعِ، أَوْ الْمَكَانِ الَّذِي يَأْخُذُ مِنْهُ هُوَ وَغَيْرُهُ- كَالْأُنْبُوبِ، أَوْ الْبِئْرِ، لَمْ يَحْصُلْ لَهُ مِنْهُ الْمَاءُ إلَّا مُتَفَرِّقًا تَفَرُّقًا كَثِيرًا وَنَحْوَ ذَلِكَ؛ لَمْ يُمْكِنْهُ أَنْ يَفْعَلَ مَا أُمِرَ بِهِ إلَّا هَكَذَا بِأَنْ يَغْسِلَ مَا أَمْكَنَهُ بِالْمَاءِ الْحَاضِرِ، وَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ ثُمَّ غَسَلَ الْبَاقِيَ بِمَاءِ حَصَّلَهُ فَقَدْ اتَّقَى اللهَ مَا اسْتَطَاعَ، وَفَعَلَ مَا اسْتَطَاعَ مِمَّا أُمِرَ بِهِ. اهـ
قلتُ: وما رجحه شيخ الإسلام هو الراجح، والله أعلم. (١)
مسألة [٢]: ضابط التفريق الكثير الذي ينافي الموالاة .
قال النووي ﵀ في «المجموع» (١/ ٤٥٣): وفي ضبط التفريق الكثير والقليل أربعة أوجه، الصحيح الذي قطع به المصنف والجمهور: أنه إذا مضى بين العضوين زمن يجف فيه العضو المغسول مع اعتدال الزمان، وحال الشخص؛ فهو تفريق كثير، وإلا فقليل، ولا اعتبار بتأخر الجفاف بسبب شدة البرد، ولا بتسارعه لشدة الحر، ولا بحال المبرود والمحموم، ويعتبر التفريق من آخر الفعل المأتي به من أفعال الوضوء، حتى لو غسل وجهه ويديه ثم اشتغل لحظة، ثم مسح رأسه بعد جفاف الوجه وقبل جفاف اليد، فتفريق قليل، وإذا غسل ثلاثًا ثلاثًا؛
стр. 249
فالاعتبار من الغسلة الأخيرة، هكذا صرح بمعنى هذه الجملة الشيخ أبو حامد، والبندنيجي، والمحاملى، والروياني، والرافعي، وآخرون، وأهمل المصنف اعتبار اعتدال حال الشخص، ولابد منه، كما صرح به الأصحاب، ومتى كان في غير حال الاعتدال قدر بحال الاعتدال، وكذا في التيمم يقدر لو كان ماء.
والوجه الثاني: التفريق الكثير هو الطويل المتفاحش، حكاه صاحب «البيان»، وحكاه الشيخ أبو حامد عن حكاية شيخه أبي القاسم الداركي عن نص الشافعي في الإملاء، قال أبو حامد: ولم أره في الإملاء، ولا حكاه غيره من أصحابنا.
والوجه الثالث: يؤخذ التفريق الكثير والقليل من العادة.
والرابع: أن الكثير قدر يمكن فيه تمام الطهارة. حكاهما الرافعي. اهـ
والوجه الأول هو الأشهر عند الحنابلة أيضًا، والوجه الثاني هو وجه أيضًا للحنابلة، قال الخلال: هو الأشبه بقوله -يعني أحمد- والعمل عليه. واستقرب الإمام العثيمين ﵀ الوجه الأول، وقال: العرف قد لا ينضبط.
وأقول: الذي يظهر -والله أعلم- أنَّ الوجه الثاني أقرب؛ لعدم وجود دليل يضبط ذلك بجفاف العضو الذي قبله، والله أعلم. (١)
فائدة: قال الإمام ابن عثيمين ﵀ في «الشرح الممتع» (١/ ١٥٧): ويستثنى من ذلك يعني وجوب الموالاة ما إذا فاتت الموالاة؛ لأمر يتعلق بالطهارة، مثل: أن يكون بأحد أعضائه حائل يمنع وصول الماء، كالبوية مثلًا، فاشتغل بإزالته؛
стр. 250
فإنه لا يضر، وكذا لو نفد الماء وجعل يستخرجه من البئر، أو انتقل من صنبور إلى آخر، ونشفت الأعضاء؛ فإنه لا يضر، أما إذا فاتت الموالاة لأمر لا يتعلق بالطهارة، كأن يجد على ثوبه دمًا فينشغل بإزالته حتى نشفت أعضاؤه؛ فيجب عليه إعادة الوضوء؛ لأنَّ هذا لا يتعلق بطهارته. انتهى.
مسألة [٣]: تعميم العضو .
قال ابن حزم ﵀ في «المحلَّى» (٢٠٥): ومن ترك مما يلزمه غسله في الوضوء، أو الغسل الواجب، ولو قدر شعرة عمدًا، أو نسيانًا، لم تُجْزِه الصلاة بذلك الغسل والوضوء، حتى يوعيه كله؛ لأنه لم يُصَلِّ بالطهارة التي أُمِرَ بها، وقال ﵇: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ».
قال النووي ﵀ في «شرح مسلم» (٣/ ١٣٢) في الكلام على حديث عمر في الذي ترك في قدمه مثل الظفر لم يصبه الماء، قال: في هذا الحديث أنَّ من ترك جزءًا يسيرًا مما يجب تطهيره لا تصح طهارته، وهذا متفق عليه. اهـ