← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 165

فتح العلام في دراسة أحاديث بلوغ المرام ط 4

محمد بن علي بن حزام البعداني

Полный текст (5 956 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.

стр. 1856

مسألة [٣]: بقر الوحش . قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٤/ ٣٥): وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ يعني عن أحمد فِي بَقَرِ الْوَحْشِ، فَرُوِيَ أَنَّ فِيهَا الزَّكَاةَ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْبَقَرِ يَشْمَلُهَا، فَيَدْخُلُ فِي مُطْلَقِ الْخَبَرِ، وَعَنْهُ: لَا زَكَاةَ فِيهَا. وَهِيَ أَصَحُّ، وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْبَقَرِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ لَا يَنْصَرِفُ إلَيْهَا، وَلَا يُفْهَمُ مِنْهُ إذَا كَانَتْ لَا تُسَمَّى بَقَرًا بِدُونِ الْإِضَافَةِ، فَيُقَالُ: بَقَرُ الْوَحْشِ، وَلِأَنَّ وُجُودَ نِصَابٍ مِنْهَا مَوْصُوفًا بِصِفَةِ السَّوْمِ حَوْلًا لَا وُجُودَ لَهُ، وَلِأَنَّهَا حَيَوَانٌ لَا يُجْزِئُ نَوْعُهُ فِي الْأُضْحِيَّةِ وَالْهَدْيِ، فَلَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ، كَالظِّبَاءِ، وَلِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ، فَلَا تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ، كَسَائِرِ الْوُحُوشِ. مسألة [٤]: المتولد من البقر الوحشي، والأهلي . • فيها ثلاثة أقوال: الأول: وجوب الزكاة فيها، سواء كانت الإناث وحشية، أو إنسية، وكذا الفحول، وهذا مذهب الحنابلة. الثاني: إنْ كانت الأمهات أهلية؛ وجبت الزكاة وإلا فلا، وهو قول مالك، وأبي حنيفة. الثالث: لا زكاة فيها، وهو قول الشافعي، وقد رجَّح ابن قدامة ﵀ هذا القول بكلامٍ لا بأس به. وحاصله أنَّ الأصل عدم الوجوب، ولا ينتقل عن هذا الأصل إلا بدليل صريح، والله أعلم. (١)

стр. 1857

٥٨٦ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ، أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «تُؤْخَذُ صَدَقَاتُ المُسْلِمِينَ عَلَى مِيَاهِهِمْ». رَوَاهُ أَحْمَدُ. وَلِأَبِي دَاوُد: «لَا تُؤْخَذُ صَدَقَاتُهُمْ إلَّا فِي دُورِهِمْ». (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: أخذ الزكاة من أصحاب الأموال عند ديارهم ومياههم . يدل الحديث المتقدم على أنَّ السعاة يذهبون إلى أصحاب الأموال، فيأخذون زكاتها عند ديارهم، وأموالهم، وقد جرى العمل على هذا في زمن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ثم الخلفاء بعده. والأدلة متواترة في ذلك، منها: حديث أبي هريرة ﵁، في «الصحيحين»، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بعث عمر ﵁ على الصدقة. (٢) وفيهما (٣) عن أبي حميد الساعدي: أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بعث رجلًا من الأَزد، يقال له: ابن الُّلتْبِيَّة. والأدلة في هذا الباب متكاثرة، والله أعلم. (٤)

стр. 1858

مسألة [٢]: هل يجزئ إخراج الصدقة إلى السلطان الجائر ؟ • ذهب عامة أهل العلم إلى أنها تجزئ؛ لحديث ابن مسعود في «الصحيحين»، (١) أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «إِنَّهَا سَتَكُونُ بَعْدِي أَثَرَةٌ وَأُمُورٌ تُنْكِرُونَهَا»، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، فَمَا تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: «تُؤَدُّونَ الحَقَّ الَّذِي عَلَيْكُمْ، وَتَسْأَلُونَ اللهَ الَّذِي لَكُمْ»، وحديث وائل بن حُجر في «صحيح مسلم» (١٨٤٦)، قال: سمعت رسول الله ﷺ ورجلٌ يسأله: أرأيت إن كانت علينا أمراء يمنعونا حقَّنَا، ويسألونا حقَّهم؟ فقال: «اسْمَعُوا، وَأَطِيْعُوا، فَإِنَّمَا عَلَيْهِم مَا حُمِّلُوا، وَعَلَيْكُم مَا حُمِّلْتُم». وقد ثبت عن جمع من الصحابة الأمر بإخراجها إلى السلطان الجائر، ثبت ذلك عن سعد، وابن عمر، وأبي هريرة، وأبي سعيد ﵃. أخرجها عنهم عبد الرزاق (٤/ ٤٦)، وابن أبي شيبة (٣/ ١٥٦). قال الشوكاني ﵀ في «النيل»: وَحَكَى الْمَهْدِيُّ فِي «الْبَحْرِ» عَنْ الْعِتْرَةِ، وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ دَفْعُ الزَّكَاةِ إلَى الظَّلَمَةِ، وَلَا يُجْزِئ، وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:١٢٤]، وَيُجَابُ: بِأَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ عَلَى تَسْلِيمِ صِحَّةِ الِاسْتِدْلَالِ بِهَا عَلَى مَحَلِّ النِّزَاعِ عُمُومُهَا مُخَصَّصٌ بِالْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْبَابِ. اهـ مسألة [٣]: أيهما أفضل: دفع الزكاة إلى الإمام، أو إخراجها بنفسه ؟ • اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:

стр. 1859

الأول: أنَّ الأفضل أن يُخرِجها بنفسه، وهو مذهب أحمد، والحسن، ومكحول، وابن جبير، وميمون بن مهران، والثوري، وطاوس، وعطاء، والشعبي، وأبي جعفر، والنخعي، وبعض هؤلاء يقيد ذلك بما إذا كانوا أهل جَورٍ، والحجَّة لأهل هذا القول أنه إذا أخرجها بنفسه يكون على يقين من وصولها إلى مستحقها، وربما أعطاها بعض أقاربه؛ فتكون صدقة، وصِلة. الثاني: دفع الزكاة إلى الإمام العادل أفضل، وهو مذهب الشافعية، وقال به الشعبي، ومحمد بن علي، وأبو رزين، والأوزاعي، وبعض الحنابلة، وبعض من قال بهذا القول يَعُمُّ الحكم، حتى ولو كان الإمام جائرًا. ومنع مالك، وأبو حنيفة، وأبو عبيد أن يخرج الإنسان بنفسه الأموال الظاهرة، كالمواشي، والزروع؛ لقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة:١٠٣]، ولأنَّ أبا بكر ﵁، قاتلهم على منعهم الزكاة. قال ابن قدامة ﵀: وَلَنَا عَلَى جَوَازِ دَفْعِهَا بِنَفْسِهِ، أَنَّهُ دَفَعَ الْحَقَّ إلَى مُسْتَحِقِّهِ الْجائِزِ تَصَرُّفُهُ؛ فَأَجْزَأهُ، كَمَا لَوْ دَفَعَ الدَّيْنَ إلَى غَرِيمِهِ، وَكَزَكَاةِ الْأَمْوَالِ الْبَاطِنَةِ، وَلِأَنَّهُ أَحَدُ نَوْعَيْ الزَّكَاةِ، فَأَشْبَهَ النَّوْعَ الْآخَرَ، وَالْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِلْإِمَامِ أَخْذَهَا، وَلَا خِلَافَ فِيهِ، وَمُطَالَبَةُ أَبِي بَكْرٍ لَهُمْ بِهَا؛ لِكَوْنِهِمْ لَمْ يُؤَدُّوهَا إلَى أَهْلِهَا، وَلَوْ أَدَّوْهَا إلَى أَهْلِهَا لَمْ يُقَاتِلْهُمْ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مُخْتَلَفٌ فِي إجْزَائِهِ. انتهى المراد. قال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب أنَّ الإمام إذا كان عادلًا يضعُ الزكاةَ في مواضعها: أنَّ الأفضل أن يُعْطَى الزَّكاةَ، وأما إذا كان جائرًا؛ فالأفضل أن يفرِّقَها

стр. 1860

بنفسه؛ إذا لم يطالب الإمام بها، والله أعلم. قال شيخ الإسلام ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ٨١): أَمَّا مَا يَأْخُذُهُ وُلَاةُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ الْعُشْرِ، وَزَكَاةِ الْمَاشِيَةِ، وَالتِّجَارَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ ذَلِكَ مِنْ صَاحِبِهِ إذَا كَانَ الْإِمَامُ عَادِلًا يَصْرِفُهُ فِي مَصَارِفِهِ الشَّرْعِيَّةِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ؛ فَإِنْ كَانَ ظَالِمًا لَا يَصْرِفُهُ فِي مَصَارِفِهِ الشَّرْعِيَّةِ؛ فَيَنْبَغِي لِصَاحِبِهِ أَنْ لَا يَدْفَعَ الزَّكَاةَ إلَيْهِ، بَلْ يَصْرِفُهَا هُوَ إلَى مُسْتَحِقِّيهَا؛ فَإِنْ أُكْرِهَ عَلَى دَفْعِهَا إلَى الظَّالِمِ بِحَيْثُ لَوْ لَمْ يَدْفَعْهَا إلَيْهِ لَحَصَلَ لَهُ ضَرَرٌ؛ فَإِنَّهَا تُجْزِئُهُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَهُمْ فِي هَذِهِ الْحَالِ ظَلَمُوا مُسْتَحِقِّيهَا، كَوَلِيِّ الْيَتِيمِ، وَنَاظِرِ الْوَقْفِ إذَا قَبَضُوا مَالَهُ وَصَرَفُوهُ فِي غَيْرِ مَصَارِفِهِ. اهـ. (١)

стр. 1861

٥٨٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَيْسَ عَلَى المُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ وَلَا فَرَسِهِ صَدَقَةٌ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ. (١) وَلِمُسْلِمٍ: «لَيْسَ فِي العَبْدِ صَدَقَةٌ إلَّا صَدَقَةُ الفِطْرِ». (٢) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: هل في الخيول زكاة ؟ قال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٥/ ٣٣٩): مذهبنا أَنَّهُ لا زكاة فيها مُطْلقًا، وحكاه ابن المنذر عن علي بن أبي طالب (٣)، وابن عمر (٤)، والشعبي، والنخعي، وعطاء، والحسن البصري، وعمر بن عبد العزيز، والحكم، والثوري، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وأبي خيثمة، وأبي بكر بن أبي شيبة، وحكاه غيره عن عمر بن الخطاب (٥)، والأوزاعي، ومالك، والليث، وداود، وقال حماد بن أبي سليمان، وأبو حنيفة: يفرق، فتجب الزكاة فيها إن كانت ذكورًا وإناثا، وإن كانت ذكورًا متمحضة؛ فلا زكاة على المشهور، وعنه رواية شاذة بالوجوب، ويُعتبر فيها الحول دون النصاب، قال:

стр. 1862

ومالكها بالخيار، إنْ شاء أعطى من كل فرس دينارًا، وإنْ شاء قومها وأخرج ربع عشر قيمتها. واحتج بحديث جابر عن النبي ﷺ ، أنه قال في الخيل السائمة: «في كل فرس دينار»، واحتج أصحابنا بحديث أبي هريرة المذكور هنا -يعني حديث الباب-، وهو في «الصحيح» كما سبق، وفى المسألة أحاديث أخر، والجواب عن حديث جابر: أنَّه ضعيفٌ باتفاق المحدثين، قال الدارقطني: تفرد به غورك، وهو الحضرمي وهو ضعيف جِدًّا، واتفقوا على تضعيف غورك. اهـ وقد استدل من قال بأنه لا زكاة فيه بما روى أحمد (١/ ١٤)، بإسناد صحيح عن حارثة بن مضرب، قال: جاء ناسٌ من أهل الشام إلى عمر، فقالوا: إنَّا قد أصبنا أموالًا، وخيلًا، ورقيقًا، ونُحِبُّ أن يكون لنا فيها زكاة وطهور، قال: ما فعله صاحباي قبلي فأفعله. واستشار أصحاب محمد ﷺ ، وفيهم علي، فقال علي: هو حسنٌ إنْ لم يكن جزية راتبة يؤخذون بها من بعدك. قال ابن قدامة ﵀: حَدِيثُ عُمَرَ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُها: (قَوْلُهُ: مَا فَعَلَهُ صَاحِبَايَ)، يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ ، وَأَبَا بَكْرٍ، وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا؛ لَمَا تَرَكَا فِعْلَهُ. الثَّانِي: أَنَّ عُمَرَ امْتَنَعَ مِنْ أَخْذِهَا، وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ الْوَاجِبِ. الثَّالِثُ: قَوْلُ عَلِيٍّ: (هُوَ حَسَنٌ إنْ لَمْ يَكُنْ جِزْيَةٌ يُؤْخَذُونَ بِهَا مِنْ بَعْدِكَ)؛ فَسَمَّاه جِزْيَةً إنْ أُخِذُوا بِهَا، وَجَعَلَ حُسْنَهُ مَشْرُوطًا بِعَدَمِ أَخْذِهِمْ بِهِ، فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَخْذَهُمْ بِذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ.

стр. 1863

الرَّابِعُ: اسْتِشَارَةُ عُمَرَ أَصْحَابَهُ فِي أَخْذِهِ، وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا؛ لَمَا احْتَاجَ إلَى الِاسْتِشَارَةِ. الْخَامِسُ: أَنَّهُ لَمْ يُشِرْ عَلَيْهِ بِأَخْذِهِ أَحَدٌ سِوَى عَلِيٍّ بِهَذَا الشَّرْطِ الَّذِي ذَكَرَهُ، وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا لَأَشَارُوا بِهِ. انتهى المراد. والصواب قول الجمهور. (١) مسألة [٢]: هل على السيد في عبيده زكاة ؟ دل حديث أبي هريرة ﵁ الذي في الباب أنه ليس فيهم زكاة، وذكر ابن الملقن في «شرح العمدة» (٥/ ٥٤) أنَّ هذا قول العلماء كافة، والله أعلم. مسألة [٣]: هل في الحمير زكاة ؟ قال الشوكاني ﵀: ولا أعرف قائلًا من أهل العلم يقول بوجوب الزكاة في الحُمُر لغير تجارة واستغلال. (٢)

стр. 1864

٥٨٨ - وَعَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «فِي كُلِّ سَائِمَةِ إبِلٍ: فِي أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ، لَا تُفَرَّقُ إبِلٌ عَنْ حِسَابِهَا، مَنْ أَعْطَاهَا مُؤْتَجِرًا بِهَا فَلَهُ أَجْرُهَا، وَمَنْ مَنَعَهَا فَإِنَّا آخِذُوهَا وَشَطْرَ مَالِهِ، عَزْمَةً مِنْ عَزَمَاتِ رَبِّنَا، لَا يَحِلُّ لِآلِ مُحَمَّدٍ مِنْهَا شَيْءٌ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُودَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ، وَعَلَّقَ الشَّافِعِيُّ القَوْلَ بِهِ عَلَى ثُبُوتِهِ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث تقدمت مباحث هذا الحديث. وقوله: «فَإِنَّا آخِذُوهَا وَشَطْرَ مَالِهِ ... » إنْ صحَّت؛ فهي محمولةٌ على التهديد، وعدم إرادة ظاهرها، أو أن هذا الحكم منسوخ؛ فإنَّ الصحابة لم يرد عنهم أنهم فعلوا ذلك في عهد أبي بكر الصِّدِّيق مع الذين منعوا الزكاة، وقد تقدم أنَّ جمهور العلماء لا يقولون بذلك، وبالله التوفيق.

стр. 1865

٥٨٩ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إذَا كَانَتْ لَك مِائَتَا دِرْهَمٍ وَحَالَ عَلَيْهَا الحَوْلُ فَفِيهَا خَمْسَةُ دَرَاهِمَ، وَلَيْسَ عَلَيْك شَيْءٌ حَتَّى يَكُونَ لَك عِشْرُونَ دِينَارًا، وَحَالَ عَلَيْهَا الحَوْلُ، فَفِيهَا نِصْفُ دِينَارٍ، فَمَا زَادَ فَبِحِسَابِ ذَلِكَ، وَلَيْسَ فِي مَالِ زَكَاةٌ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الحَوْلُ». رَوَاهُ أَبُودَاوُد، وَهُوَ حَسَنٌ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي رَفْعِهِ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: وجوب الزكاة في الذهب والفضة . دلَّ على وجوبها الكتاب، والسنة، والإجماع. أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة:٣٤].

стр. 1866

وأما السنة: فحديث الباب، وقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا؛ إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِحُ مِنْ نَارٍ، فَأُحْمِيَ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ، فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ، وَجَبِينُهُ، وَظَهْرُهُ، كُلَّمَا بَرَدَتْ أُعِيدَتْ لَهُ، فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ ... » أخرجه مسلم عن أبي هريرة ﵁. وكذلك حديث أنس ﵁ في «البخاري» المتقدم في الكتاب. وأجمع العلماء على وجوب الزكاة في الذهب، والفضة، نقله ابن المنذر، وابن قدامة، وغيرهم. (١) مسألة [٢]: كم نصاب الفضة، وكم يجب فيها ؟ دلَّ حديثُ الباب على أنَّ نصاب الفضة مائتا درهم. قال ابن قدامة ﵀ في «المغني»: نصاب الفضة مائتا درهم، لا خلاف في ذلك بين علماء الإسلام، وقد بَيَّنَتْهُ السنة التي رويناها، والحمد لله. اهـ قلتُ: يعني حديث أنس الذي في «البخاري»، وهو المذكور في أول الكتاب، وحديث أبي سعيد في «الصحيحين» (٢): «ليس فيما دون خمس أواقٍ صدقة»، والواجب في الفضة إذا بلغت النِّصاب هو ربع العُشْرِ، بلا خلاف. ويدل عليه حديث أنس المتقدم وحديث الباب، وأثر علي ﵁ والله أعلم. (٣)

стр. 1867

مسألة [٣]: نصاب الذهب والواجب فيه . قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٤/ ٢١٢): أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الذَّهَبَ إذَا كَانَ عِشْرِينَ مِثْقَالًا قِيمَتُهَا مِائَتَا دِرْهَمٍ، أَنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ فِيهَا، إلَّا مَا حُكِيَ عَنْ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ: لَا زَكَاةَ فِيهَا حَتَّى تَبْلُغَ أَرْبَعِينَ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ إذَا كَانَ أَقَلَّ مِنْ عِشْرِينَ مِثْقَالًا، وَلَا يَبْلُغُ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ؛ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ. اهـ قال ابن قدامة ﵀: نِصَابُ الذَّهَبِ عِشْرُونَ مِثْقَالًا مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ قِيمَتِهَا؛ إلَّا مَا حُكِيَ عَنْ عَطَاءٍ، وَطَاوُسٍ، وَالزُّهْرِيِّ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ، وَأَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ، أَنَّهُمْ قَالُوا: هُوَ مُعْتَبَرٌ بِالْفِضَّةِ، فَمَا كَانَ قِيمَتُهُ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ، فَفِيهِ الزَّكَاةُ، وَإِلَّا فَلَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ تَقْدِيرٌ فِي نِصَابِهِ، فَثَبَتَ أَنَّهُ حَمَلَهُ عَلَى الْفِضَّةِ. اهـ قال أبو عبد الله غفر الله له: تقدير نصاب الذهب بعشرين دينارًا جاء في حديث علي المذكور في الكتاب، وتقدَّم أنَّ الراجح وقفه، وجاء من حديث عائشة، وابن عمر ﵃، أخرجه ابن ماجه (١٧٩١)، عن عبيد الله بن موسى، ثنا إبراهيم بن إسماعيل، عن عبد الله بن واقد، عن ابن عمر، وعائشة، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يأخذ من كل عشرين دينارًا نصف دينار، ومن الأربعين دينارًا دينارًا. وإسناده ضعيفٌ؛ لأنَّ إبراهيم بن إسماعيل -وهو ابن مجمع- قال ابن معين: ليس بشيء. وقال أبو نُعيم: لا يُساوي فلسين. وقال البخاري: كثير الوهم. وقال النسائي: ضعيفٌ. وقال أبو حاتم: كثير الوهم، ليس بالقوي، يُكتب حديثه، ولا يُحتجُّ به. وقال ابن عدي: مع ضعفه يُكتب حديثه. وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالمتين

стр. 1868

عندهم. وقال أبو داود: ضعيفٌ، متروكُ الحديث، سمعت يحيى يقوله. قلتُ: لم يذكر ابن عدي الحديث المذكور في ترجمته، والرجل قد استشهد له البخاري، فروى له تعليقًا، ذكره المِزِّي في «تهذيب الكمال»، والذهبي في «الميزان»؛ فالأظهر أن مثله لا بأس أن يصلح بالشواهد، والمتابعات. وله شاهد من حديث: عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أخرجه أبوعبيد (١١١٣)، والدارقطني (٢/ ٩٣)، وفي إسناده: عبدالكريم بن أبي المخارق، وابن أبي ليلى، والأول شديد الضعف، والثاني ضعيف. وله شاهد آخر من حديث: محمد بن عبدالله بن جحش عند الدارقطني (٢/ ٩٥)، في إسناده: عبدالله بن شبيب، وهو واهٍ. وله شاهدٌ من طريق: محمد بن عبد الرحمن الأنصاري، أخرجه أبو عبيد في «الأموال» (١١٠٦): حدثنا يزيد، عن حبيب بن أبي حبيب، عن عمرو بن هرم، عن محمد بن عبدالرحمن الأنصاري، أنَّ في كتاب رسول الله ﷺ ، وفي كتاب عمر في الصدقة أنَّ الذهب لا يؤخذ منه شيء حتى يبلغ عشرين دينارًا، فإذا بلغ عشرين دينارًا؛ ففيه نصف دينار ... . وهذا إسناد صحيح مرسل، قال الإمام الألباني ﵀: ولكنه في حكم المسند؛ لأنَّ الأنصاري أخذه عن كتاب رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وكتاب عمر ﵁. ثم قال: فالحديث صحيح من هذا الوجه؛ لأنَّ التابعي نقله عن كتاب النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إلى عمرو ابن حزم المحفوظ عند آل عمرو؛ فهي وجادة من أقوى الوجادات، وهي حجة.

стр. 1869

قلتُ: وثبت عن بعض الصحابة القول بما يوافق هذه الأحاديث، منهم: علي بن أبي طالب كما تقدم، ومنهم: عمر بن الخطاب كما في «الأموال» لأبي عبيد (١١٦٧)، وفي إسناده: يحيى بن أيوب الغافقي، وحديثه يحتمل التحسين، ومنهم: ابن مسعود كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (٣/ ١٢٠)، بإسنادٍ لا بأس به. قلتُ: وعامة أهل العلم على ما أفتى به هؤلاء الصحابة الذين لا يُعرف لهم مخالفٌ من الصحابة، وعلى تلك الأحاديث التي ترتقي إلى الحُجِّيَّة إن شاء الله؛ لاسيما طريق محمد بن عبد الرحمن مع حديث عائشة، وابن عمر، وهذا هو الصواب، والله حسبنا ونِعْمَ الوكيل. وقد رجَّح هذا جمعٌ من علمائنا في هذا اليوم، وعلى رأسهم الألباني، وابن باز، والوادعي، وابن عثيمين رحمة الله عليهم أجمعين. (١) تنبيه: مقدار نصاب الذهب، والفضة بالجرامات. ذكر جماعة من العلماء أنَّ نصاب الذهب بالجرامات يُساوي (٨٥) جرامًا، وأنَّ نصاب الفضة بالجرامات يساوي (٥٩٥) جرامًا. فيكون الدينار يساوي أربع جرامات وربعًا (٤،٢٥)، والدرهم يساوي (٢،٩٧٥) جرامًا، قريبًا من ثلاث جرامات، وهذا التقدير ارتضاه الإمام العثيمين ﵀. (٢)

стр. 1870

وفي «فتاوى اللجنة الدائمة» (٩/ ٢٥٥) تقدير الذهب بواحد وتسعين جرامًا وثلاثة أسباع جرام، وكان ذلك برئاسة الإمام ابن باز، ونائبه العفيفي، وعضوية ابن غديان، وابن قعود. قلتُ: والأخذ بالأقل أحوط، وأبرأ للذمة، والله أعلم. مسألة [٤]: هل في الأوراق النقدية والعملة المعدنية زكاة ؟ قال البسَّام في «توضيح الأحكام» (٣/ ٣١٩): والآن بعد أن اختفى النقدان من الذهب والفضة من أيدي الناس، وحلَّ محلهما في التعامل والثمنية الورق النقدي، أجمعت المجامع الفقهية على أنَّ الحكم منوط بالورق النقدي، بجامع الثمنية بينهما، فصار الحكم للعملة الحاضرة، بكل ما يقوم به النقدان، من الزكاة، والديات، وأثمان المبيعات، وأحكام الربا، والمصارفة، وغير ذلك. اهـ قلتُ: وأفتى علماؤنا بأنَّ نصاب العملة النقدية الورقية والمعدنية ما يعادل نصاب الذهب، أو الفضة، ويكون ذلك بالأحظ للفقراء من أحد النصابين، وذلك نظرًا إلى اختلاف سعرها باختلاف الأوقات، والبلاد. (١) مسألة [٥]: هل يضم الذهب إلى الفضة لتكملة النصاب ؟ • ذهب جمهور العلماء إلى عدم ضم أحدهما بالآخر، ولو كان النقص يسيرًا، وهو مذهب أحمد، والشافعي، والحسن بن صالح، وأبي عبيد، وأبي ثور، وغيرهم.

стр. 1871

• وذهب الحسن، وقتادة، والأوزاعي، والثوري، ومالك، وأصحاب الرأي إلى ضم أحدهما إلى الآخر، وهو رواية عن أحمد، ثم اختلفوا في كيفية الضم، وحجتهم أنَّ كلًّا منهما ثمن من الأثمان، فأشبها أنواع الجنس الواحد. قال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب هو القول الأول؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «ليس فيما دون خمس أواقٍ من الورق صدقة»، ولأنَّ كلًّا منهما مال له نصاب يختص به، فلا يضم أحدهما إلى الآخر كأجناس الماشية، وقد رجَّح ذلك الإمام ابن عثيمين ﵀. (١) مسألة [٦]: الواجب في الذهب والفضة . قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٤/ ٢١٤): إذَا تَمَّتْ الْفِضَّةُ مِائَتَيْنِ، وَالدَّنَانِيرُ عِشْرِينَ؛ فَالْوَاجِبُ فِيهَا رُبْعُ عُشْرِهَا، وَلَا نَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي أَنَّ زَكَاةَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ رُبْعُ عَشْرِهَا. اهـ ويدل على ذلك حديث الباب، وحديث أنس الذي تقدم في الكتاب، وفيه: «وَفِي الرِّقَةِ: رُبُعُ العُشْرِ»، والأحاديث المتقدمة في نصاب الذهب. (٢) مسألة [٧]: هل يعتبر نصاب الذهب والفضة بالوزن، أم العدد ؟ قال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٦/ ١٨ - ١٩): مذهبنا، ومذهب العلماء كافة أن الاعتبار في نصاب الذهب والفضة بالوزن لا بالعدد، وحكى

стр. 1872

صاحب «الحاوي» وغيره من أصحابنا عن المغربي، وبشر المريسي المعتزلي أن الاعتبار بمائتي درهم عددًا لا وزنًا، حتى لو كان معه مائة درهم عددًا وزنها مائتان؛ فلا شئ فيها، وإن كانت مائتان عددًا وزنها مائة؛ وجبت الزكاة، قال أصحابنا: وهذا غلط منهما؛ لمخالفته النصوص والإجماع؛ فهو مردود. اهـ. (١) مسألة [٨]: هل في المغشوش زكاة ؟ قال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٦/ ١٩): ذكرنا أن مذهبنا أنه لا زكاة في المغشوش من ذهب ولا فضة، حتى يبلغ خالصه نصابًا، وبه قال جمهور العلماء، وقال أبو حنيفة: إن كان الغش مثل نصف الفضة، أو الذهب، أو أكثر؛ فلا زكاة حتى يبلغ الخالص نصابًا، وإن كان أقل؛ وجبت الزكاة إذا بلغ بغشه نصابًا. قال الماوردي: وفساد هذا القول ظاهر، والاحتجاج عليه تكلف، ويكفي في رَدِّه قوله ﷺ : «ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة» (٢). انتهى. قال الإمام ابن عثيمين ﵀ في «الشرح الممتع» (٦/ ١٠٣): إن كان في الذهب خلطٌ يسير؛ فهو تبعٌ لا يضره؛ لأنَّ الذهب لابد أن يُجعل معه شيء من المعادن لأجل أن يقويه، ويصلبه، وإلا لكان لَيِّنًا. اهـ مسألة [٩]: ما زاد على النصاب من الذهب والفضة، هل فيه زكاة ؟ • في المسألة أقوال: القول الأول: أنَّ ما زاد؛ ففيه زكاة، وإنْ كانت الزيادة قليلة، وكلما زاد

стр. 1873

فبحسابه، وهذا القول ثبت عن علي ﵁، بإسناد حسن، وجاء عن ابن عمر بسند منقطع؛ لأنَّ خالدًا الحذاء يرويه عن ابن عمر، ولم يسمع منه، وهو قول جمهور العلماء، ومنهم: عمر بن عبد العزيز، والنخعي، ومالك، والثوري، وابن أبي ليلى، والشافعي، وأحمد، وأبو عبيد، وأبو ثور، وابن المنذر، وآخرون، واستدل بعضهم بحديث علي الذي في الكتاب: «فما زاد؛ فبحساب ذلك»، وقد تقدم أن الرَّاجح وقفه. واستدل على ذلك أبو عبيد بحديث أبي سعيد الخدري ﵁، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «ليس فيما دون خمس أواق صدقة»، فيدل على أنَّ الخمسة، وما زاد فيها زكاة، ولم يأت عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنه جعل فيها أوقاصًا لا شيء فيها. القول الثاني: لا شيء في زيادة الدراهم، حتى تبلغ أربعين؛ ففيها درهم، ولا شيء في زيادة الدنانير، حتى تبلغ أربعة؛ ففيها درهم، أو ربع عشرها. وهذا القول جاء عن عمر بن الخطاب، أخرجه أبو عبيد في «الأموال» من طريق: يحيى بن أيوب، عن حميد، عن أنس، أنَّ عمر أمره بذلك. وهذا الإسناد يحتمل التحسين. وقال بهذا القول: سعيد بن المسيب، وعطاء، وطاوس، والحسن، والشعبي، ومكحول، والزهري، وعمرو بن دينار، وأبو حنيفة. قلتُ: وقد جاء في هذا المذهب حديثٌ شديد الضعف، أخرجه الدارقطني

стр. 1874

(٢/ ٩٣)، من حديث معاذ ﵁ مرفوعًا: «إذا بلغ الورق مائتين؛ ففيها خمسة دراهم، ثم لا شيء فيها، حتى يبلغ أربعين درهمًا»، وفي إسناده: أبو العطوف الجراح بن منهال، متروكٌ، وعُبَادَةُ بْنُ نُسَي يرويه عن معاذ، ولم يلقه. القول الثالث: ذهب طاوسٌ إلى أنها إذا زادت على مائتين؛ فليس فيها شيء، حتى تبلغ أربعمائة، ثم كذلك حتى تبلغ ستمائة، رُوي هذا عن طاوس، وقد تقدم أنه من القائلين بالقول الثاني. قال أبو عبيد: لا نعلم أحدًا وافق طاوسًا على هذا، ولا عمل به. وقال أبو عبيد: وأما القول الذي يُروى عن عمر، والحسن، وابن شهاب؛ فإنه عندي على تأويل الأواقي: أنه لما جاء في الأثر: «إنه ليس في أقل من خمس أواق شيء»، ثم فيها خمسة دراهم، رأوا أن في كل أوقية درهمًا، ولم يروا في الكسور شيئًا؛ إذ لم يكن لها ذكرٌ في الحديث. قال: وقد يحتمل قول عمر بن الخطاب: في كل أربعين درهمًا: درهمٌ، وفي كل أربعة دنانير: درهمٌ. أن يكون إنما أراد أن يفهم الناس الحساب، وأن يعلمهم أنَّ في كل أوقية درهمًا، وهو مع هذا يرى أن ما زاد على المائتين، وعلى عشرين دينارًا؛ ففيه الزكاة بالحساب. قال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب قول الجمهور، وهو اختيار أئمة العصر

стр. 1875

كالألباني، وابن باز، والوادعي، وابن عثيمين ﵏. (١) مسألة [١٠]: هل يجزئ إخراج أحد النقدين عن الآخر ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٤/ ٢١٨): وَهَلْ يَجُوزُ إخْرَاجُ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ عَنْ الْآخَرِ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ نَصَّ عَلَيْهِمَا يعني أحمد إحْدَاهُمَا: لَا يَجُوزُ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ؛ لِأَنَّ أَنْوَاعَ الْجنْسِ لَا يَجُوزُ إخْرَاجُ أَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ إذَا كَانَ أَقَلَّ فِي الْمِقْدَارِ، فَمَعَ اخْتِلَافِ الْجنْسِ أَوْلَى. وَالثَّانِيَةُ: يَجُوزُ، وَهُوَ أَصَحُّ إنْ شَاءَ اللهُ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ أَحَدِهِمَا يَحْصُلُ بِإِخْرَاجِ الْآخَرِ؛ فَيُجْزِئُ كَأَنْوَاعِ الْجنْسِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُمَا جَمِيعًا الثَّمَنِيَّةُ وَالتَّوَسُّلُ بِهَا إلَى الْمَقَاصِدِ، وَهُمَا يَشْتَرِكَانِ فِيهِ عَلَى السَّوَاءِ ... اهـ قلتُ: وما صححه ابن قدامة هو الصحيح؛ لما ذكره، ودليل المخالف محل نزاع، والله المستعان. مسألة [١١]: هل يجزئ إخراج النقود الورقية، والمعدنية عن الذهب، والفضة ؟ قال الإمام ابن باز ﵀: لا حرج في إخراج زكاة الذهب، والفضة عملة ورقية بما تُساوي وقت تمام الحول؛ لاشتراكهما جميعًا في الثمنية. (٢)

стр. 1876

فَصْل فِي ذِكْرِ بَعْضِ المَسَائِلِ المُلْحَقَة مسألة [١]: من كان عليه دين ينقص النصاب الذي عنده، هل عليه زكاة، أم لا ؟ • ذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنَّ الدَّين يمنع الزكاة، وهو قول عطاء، وسليمان بن يسار، وميمون، والحسن، والنخعي، والليث، ومالك، والثوري، والأوزاعي، وإسحاق، وأحمد، وأبي ثور، وأصحاب الرأي، والشافعي في القديم، وحجتهم في ذلك أنَّ من هذا حاله يعتبر فقيرًا، والزكاة تؤخذ من الأغنياء، وكذلك كيف تؤخذ منه الزكاة، وهو يصلح أن يكون مصرفًا للزكاة، واستدلوا بأثرٍ عن عثمان بن عفان ﵁، أنه كان يقول: هذا شهر زكاتكم، فمن كان عليه دينٌ؛ فليقضه، وزكوا بقية أموالكم. وهذا الأثر ثابتٌ عن عثمان ﵁، (١) قالوا: ولا يُعلم له مخالفٌ. وفي «مصنف ابن أبي شيبة» (٣/ ١٤٧)، و «سنن البيهقي» (٤/ ١٤٨) بإسناد صحيح، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس، وابن عمر ﵃، في الرجل يستقرض، فينفق على ثمرته، وأهله. قال: قال ابن عمر: يبدأ بما استقرض فيقضيه، ويزكي ما بقي، وقال ابن عباس: يقضي ما أنفق على الثمرة، ثم يزكي ما بقي. • وذهب بعض أهل العلم إلى أنَّ دَينَهُ لا يمنع وجوب الزكاة عليه، وهو مذهب الشافعي في الجديد، وحماد، وربيعة، والظاهرية، وحجتهم أنه مالٌ مملوك له بلغ

стр. 1877

النصاب، وحال عليه الحول؛ فوجب فيه الزكاة. وهذا القول رجَّحه ابن حزم بكلام قوي، وهو اختيار الإمام ابن باز، والإمام ابن عثيمين رحمة الله عليهما. قال الإمام ابن عثيمين ﵀: وأما أثر عثمان؛ فإننا نسلم أنه إن كان على الإنسان دينٌ حال، وقام بالواجب، وهو أداؤه؛ فليس عليه زكاة؛ لأنه سيؤدي من ماله، وسبق الدين يقتضي أن يقدم في الوفاء على الزكاة؛ لأنَّ الزكاة لا تجب إلا إذا حالَ الحول، والدين سابق، فكان لسبقه أحق بالتقديم من الزكاة، ونحن نقول لمن اتقى الله وأوفى ما عليه: لا زكاة عليك؛ إلا فيما بقي، أما إذا لم يف ما عليه، وماطل؛ لينتفع بالمال، ثم نقول: هذا الدين الذي عليك يسقط عليك الزكاة؛ فهذا لا يتطابق مع الأثر. قال: فإن قال قائل: فكيف يكون مُزَكِّيًا وله أن يأخذ الزكاة؟ فنقول: ليس فيه غرابة، لو كان عند الإنسان نصاب، أو نصابان لا تكفيه المؤنة، لكنهما يبقيان عنده إلى الحول، فنقول: نعطيه المؤنة، ونأمره بالزكاة، ولا تناقض. اهـ وأما قولهم: (إنه فقير)؛ فالغني في قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «تؤخذ من أغنيائهم» هو من ملك النصاب. قلتُ: وقد استدل الإمام ابن عثيمين ﵀ على ترجيح القول الثاني بأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يبعث العمال الذين يقبضون الزكاة بدون استفصال مع أنَّ الغالب أنَّ أهل الثمار عليهم ديون؛ لأنَّ من عادتهم السَّلف، قال: ولأنَّ الدين يجب في

стр. 1878

الذمة، والزكاة في العين؛ فالجهة مختلفة. واستدل أيضًا بعموم الأدلة؛ فإنها تشمل المديون وغيره، وهذا هو الصواب، والله أعلم. تنبيه: ذهب بعض أهل العلم القائلين بأنَّ الدين يمنع الزكاة بأنه لا يمنعها إذا كان المال من الأموال الظاهرة، وإليه ذهب الزهري، وابن سيرين، ومالك، والأوزاعي، والشافعي في القديم، وأحمد في رواية، وقد اختار هذا التفصيل الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀، والصواب أنَّ الدين لا يمنع الزكاة مطلقًا، سواء كان المال ظاهرًا، أو باطنًا. (١) مسألة [٢]: هل على صاحب الدين أن يزكي عن دينه ؟ له حالتان: الحالة الأولى: أن يكون الذي عنده الدين معترفًا باذلًا له. • ففيه أقوال: الأول: أنَّ عليه الزكاة عن كل عام إذا قبضها، ولا يلزمه قبل ذلك، وهذا مذهب الثوري، وأبي ثور، والحنابلة، وأصحاب الرأي؛ لأنَّه في ملكه، وإن كان غائبًا، ويزكيه إذا قبضه؛ لاحتمال أن يصبح صاحب الدين معسرًا. الثاني: أنَّ عليه الزكاة عن ماله في كل عام بوقته، وهذا مذهب طاوس، والنخعي، والحسن، وميمون بن مهران، والزهري، وقتادة، وحماد، والشافعي،

стр. 1879

وإسحاق، وأبي عبيد، وصحَّ هذا عن عمر، وعثمان، وابن عمر، وجابر ﵃، كما في كتاب «الأموال» و «مصنف ابن أبي شيبة». الثالث: يزكيه إذا قبضه لعام واحد، وهو مذهب سعيد بن المسيب، وعطاء، وأبي الزناد، ومالك. الرابع: ليس عليه في دَيْنِه زكاة، وهذا قول عطاء، وعكرمة، والظاهرية، ورُوي عن عائشة ﵂، من وجهين يُحسَّن بهما كما في «مصنف ابن أبي شيبة»، وحجتهم أنَّ هذا مال في الذمة، وليس موجودًا حتى يزكي عليه. قال أبو عبد الله غفر الله له: القول الثاني هو الصواب، وهو ترجيح الإمام ابن باز، والإمام ابن عثيمين رحمة الله عليهما، وذلك لأنه وإن كان غائبًا؛ فهو ماله، ويملكه؛ فوجب عليه فيه الزكاة، والله أعلم. الحالة الثانية: أن يكون الدَّيْن عند معسرٍ، أو جاحدٍ، أو مماطل. • فذهب طائفة من أهل العلم إلى أنه ليس عليه زكاة، وهو قول قتادة، وأبي ثور، وأهل العراق، وإسحاق، وأحمد في رواية، وذلك لأنه يشبه ما ليس مملوكًا له، وهذا قولٌ للشافعي، واختاره الإمام ابن باز ﵀. • وذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه يزكيه إذا قبضه لِما مضى، وهو قول الثوري، وأبي عبيد، ورواية عن أحمد، وقول للشافعي، وصحَّ هذا عن علي بن أبي طالب، وعبدالله ابن عباس ﵃.

стр. 1880

• وذهب بعضهم إلى أنه إذا قبضه زَكَّاهُ لعام واحد، وهذا قول مالك، وعمر بن عبدالعزيز والحسن والليث والأوزاعي واختار هذا القول الإمام ابن عثيمين ﵀. قال أبو عبدالله غفر الله له: لا دليل على التفريق بين المعسر والموسر، وكله ماله مدخر له؛ فيجب عليه فيه الزكاة، إلا أنه في حق المعسر، والجاحد، والمماطل يتأخر في تزكيته حتى يقبض ماله ثم يزكيه؛ لاحتمال عدم القدرة على ماله، وعلى هذا فالراجح هو قول علي بن أبي طالب ﵁، ومن قال بقوله، وبالله التوفيق. (١) مسألة [٣]: المال المغصوب أو المسروق، هل على مالكه زكاة ؟ • ذهب جمعٌ من أهل العلم إلى أنه لا زكاة فيه، وهو قول قتادة، والليث، والثوري في رواية، وأحمد في رواية، وهو القول القديم للشافعي، قالوا: فإذا قبضه يستقبل به حولًا. • وذهب أحمد في رواية إلى أنَّ فيه الزكاة، وهو مذهب أبي عبيد، وداود، والثوري في رواية؛ لأنَّ ملكه عليه مستقر، ونماءه له متى قدر عليه. • وذهب مالك، وعمر بن عبد العزيز إلى أنه يزكيه إذا قبضه لعام واحد. والراجح -والله أعلم- أن فيه الزكاة؛ لِمَا تقدم ذكره. (٢)

стр. 1881

فائدة عن دين الماشية: قال أبوعبيد ﵀ في كتاب «الأموال» (ص ٥٩٩): الصدقة لم تكن تؤخذ من ديون الماشية، ولا تنازع المسلمون في ذلك قط. اهـ مسألة [٤]: هل يجوز لصاحب الدين أن يجعل الدين زكاةً لماله ؟ • ذهب إلى جواز ذلك: الحسن، وعطاء، ونصرَ قولَهم ابن حزم ﵀، وذهب الجمهور إلى عدم الإجزاء. قال أبو عبيد ﵀ -بعد أن ذكر قول الحسن وعطاء-: ولا أعلم أحدًا يعمل به، ولا يذهب إليه من أهل الأثر، وأهل الرأي. اهـ ورجَّح أبو عبيد قول الجمهور؛ لأنَّ سنة رسول -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في الصدقة على خلاف هذا الفعل؛ لأنه كان يأخذها من الأغنياء، فيردها على الفقراء، ولأنه مال غير موجود، قد خرج عن يد صاحبه على معنى القرض، والدَّيْن، ثم يريد تحويله بعد ذلك بالنية. قال: ولا آمن أن يكون إنما أراد أن يقي ماله بهذا الدَّين الذي قد يئس منه؛ فيجعله ردءًا لماله يقيه به إذا كان منه يائسًا، ولا يقبل الله إلا ما كان خالصًا له. وهذا القول هو ترجيح الإمام ابن باز، والإمام العثيمين رحمة الله عليهما، وهو الذي أختاره في المسألة؛ إلا أني لا أحكم على من فعل ذلك بأنه مانع للزكاة، والله أعلم. (١)

стр. 1882

مسألة [٥]: هل على مهر المرأة وصداقها الذي في ذمة الزوج زكاة ؟ • قال شيخ الإسلام ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ٤٧ - ٤٨): هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِيهَا لِلْعُلَمَاءِ أَقْوَالٌ: قِيلَ: يَجِبُ تَزْكِيَةُ السِّنِينَ الْمَاضِيَةِ، سَوَاءٌ كَانَ الزَّوْجُ مُوسِرًا أَوْ مُعْسِرًا، كَأَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَد، وَقَدْ نَصَرَهُ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِمَا. وَقِيلَ: يَجِبُ مَعَ يَسَارِهِ، وَتَمَكُّنِهَا مِنْ قَبْضِهَا، دُونَ مَا إذَا لَمْ يُمْكِنْ تَمْكِينُهُ مِنْ الْقَبْضِ كَالْقَوْلِ الْآخَرِ فِي مَذْهَبِهِمَا. وَقِيلَ: تَجِبُ لِسَنَةٍ وَاحِدَةٍ. كَقَوْلِ مَالِكٌ، وَقَوْلٍ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد. وَقِيلَ: لَا تَجِبُ بِحَالِ. كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَوْلٍ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد. اهـ • وذهب ابن حزم إلى أنه ليس فيه زكاة؛ إلا أن يكون المهر مالًا معينًا يجب فيه الزكاة، فعليها زكاته. قال أبو عبدالله غفر الله له: حكمه كحكم الدَّين؛ لأنه دين في ذمة الزوج، والله أعلم. (١) مسألة [٦]: هل على المؤجر في إجارته زكاة ؟ لو استأجر إنسان من إنسان محلًّا، أو عقارًا لمدة عامين مثلًا، فهل على المؤجر الزكاة، أم لا؟ لها حالتان: الحالة الأولى: أن لا يقبض المال في مجلس العقد ويقبضه عند انتهاء العامين.

стр. 1883

• فذهب أحمد وأصحابه إلى أنَّ حكمها حكم الدين. • وذهب مالك، وأبو حنيفة إلى أنه لا يزكيها حتى يقبضها، ثم يحول عليها الحول عنده. والراجح ما ذهب إليه أحمد؛ لأنَّ المؤجر يملك المال من حين العقد، بدليل أنه إذا قبضه فله حقُّ التصرف فيه، ولو كانت جارية جاز له وطؤها. الحالة الثانية: أن يقبض المال. • فذهب أحمد إلى أنَّ عليه زكاة جميع المال إذا حال الحول، وهو مذهب الشافعي وأصحابه. ولكن اختار كثير من الشافعية أنه يقدم زكاة المال الذي قد ملكه ملكًا مستقرًّا، وهو إجارة العام الأول، ويؤخر زكاة بقية المال حتى يحول الحول الثاني، فيخرجه مع زكاة المال كاملًا للحول الثاني. فمثلا: إذا كان معه في كل عام مائتا درهم، فيخرج في العام الأول خمسة دراهم، ويؤخر الخمسة الأخرى، فيخرج في العام الثاني خمسة عشر درهمًا. • وذهب مالك، وأبو حنيفة إلى أنَّ الأجرة إنما تستحق بانقضاء مدة الإجارة، وعلى هذا فلا زكاة عليه عندهم، وإنْ قبض المال. والصواب ما ذهب إليه أحمد، والشافعي، والاحتراز الذي ذكره الشافعية من

стр. 1884

عمل به؛ فلا بأس، ومن تركه فهو أفضل، والله أعلم. (١) مسألة [٧]: هل على الرجل في ماله المرهون زكاة ؟ ذكر أهل العلم أنَّ عليه فيه الزكاة، وقالوا: يؤدي من غيره إذا كان له ما يؤديه؛ وإلا فيخرج من ذلك المال الذي عند المرتهن، ولا يلزمه أن يعوضه؛ لأنه لم يخرج ما أخرجه منه بباطل وعدوان، فيقضى عليه برده، وإنما أخرجه بحق مفترض إخراجه. (٢)

стр. 1885

٥٩٠ - وَلِلتِّرْمِذِيِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: مَنِ اسْتَفَادَ مَالًا، فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الحَوْلُ. وَالرَّاجِحُ وَقْفُهُ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: هل يُشترط في الزكاة أن يحول الحول على المال ؟ نقل غير واحد من أهل العلم الإجماع على أنَّ الماشية، والذهب، والفضة، لا زكاة فيها حتى يحول عليها الحول، منهم: ابن قدامة، والنووي. (٢) مسألة [٢]: هل يُعتبر وجود النصاب في جميع الحول ؟ قال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٦/ ١٩ - ٢٠): مذهبنا ومذهب مالك، وأحمد، والجمهور: أنه يُشترط في المال الذي تجب الزكاة في عينه، ويعتبر فيه الحول كالذهب، والفضة، والماشية وجود النصاب في جميع الحول؛ فإنْ نقص النصاب في لحظة من الحول؛ انقطع الحول؛ فإنْ كمل بعد ذلك؛ استؤنف الحول من حين يكمل النصاب.

стр. 1886

وقال أبو حنيفة: المعتبر وجود النصاب في أول الحول وآخره، ولا يضر نقصه بينهما، حتى لو كان معه مائتا درهم فتلفت كلها في أثناء الحول إلا درهمًا، أو أربعون شاة، فتلفت في أثناء الحول إلا شاة، ثم ملك في آخر الحول تمام المائتين، وتمام الأربعين؛ وجبت زكاة الجميع، والله أعلم. اهـ قلتُ: وقول الجمهور هو الصواب، وقول أبي حنيفة ظاهر الفساد، لا يحتاج إلى التكلف في ردِّه. مسألة [٣]: إذا باع ماله: ماشيةً، أو ذهبًا، أو فضةً قبل حَوَلَانِ الحول بمثلها ؟ • ذهب أحمد، ومالك إلى أنه يتم حوله، ولا يستأنف؛ لأنها نوع واحد. • وذهب الشافعي، وداود إلى أنه يستأنف حولًا آخر، ونصره ابن حزم. • وأما أبو حنيفة فوافق أحمد، ومالكًا في الأثمان، ووافق الشافعي، وداود في الماشية. وقد رجح الإمام العثيمين ﵀ قول أحمد، ومالك، وهو الأقرب فيما يظهر لي؛ لأنه باع بمثله؛ فصار كأنه لم يخرج من ملكه، ولأن القول بعدم وجوب الزكاة عليه يؤدي إلى فتح باب التحيل، والله أعلم. (١) مسألة [٤]: من باع ماشيته مثلاً قبل الحول فرارًا من الزكاة ؟ • في المسألة قولان:

стр. 1887

الأول: أنَّ الزكاة لا تسقط عنه، وتؤخذ من ماله، وهو قول أحمد، ومالك، والأوزاعي، وإسحاق، وابن الماجشون، وأبي عبيد. الثاني: تسقط عنه الزكاة، ويأثم لنِيَّتِه، وهذا قول الشافعي، وداود وأصحابه، وأبي حنيفة، ورجَّحه ابن حزم، وهو الصواب؛ لأنه لا يملك نصابًا وقت حلول الزكاة، ويأثم على صنيعه، والله المستعان. (١) مسألة [٥]: حكم المال المستفاد أثناء الحول . إنِ استفاد مالًا كمَّل النصاب ولم يكن عنده قبل ذلك نصاب انعقد عليه الحول من حينئذ، فإذا تم حولٌ؛ وجبت الزكاة فيه، وأما إنْ كان المال المستفاد قد أُضيف إلى ما فيه نصاب؛ فله حالات: الحالة الأولى: أن يكون المستفاد من نمائه كنتاج السائمة. • فجمهور العلماء كما تقدم يضمونه إلى أصله، فيعتبرون حوله بحوله، بل قال ابن قدامة: لا نعلم فيه خلافًا. والواقع وجود الخلاف، وقد تقدمت المسألة. الحالة الثانية: أن يستفيد مالا من غير جنسِ ما عنده. • فهذا له حكم نفسه، فلا يضم إلى ما عنده من حولٍ، ولا نصاب، بل إنْ كان نصابًا؛ استقبل به حولًا كاملًا، وزكَّاه، وإلا فلا شيء فيه، وهذا قول جمهور العلماء. قال ابن عبد البر: على هذا جمهور العلماء، والخلاف في ذلك شذوذٌ، ولم يعرج

стр. 1888

عليه أحدٌ من العلماء، ولا قال به أحدٌ من أئمة الفتوى. اهـ وفي قوله: (والخلاف في ذلك شذوذ) إشارة إلى قول من قال: يزكيه حين يستفيده، وقد ثبت هذا القول عن ابن عباس ﵄ كما في «مصنف عبد الرزاق» (٤/ ٤٦)، و «مصنف ابن أبي شيبة» (٣/ ١٦٠)، واستحب ذلك الزهري، كما في «مصنف عبد الرزاق» (٤/ ٣٢)، ولا دليل على هذا القول. الحالة الثالثة: أن يستفيد مالا من جنس نصاب ما عنده. وقد انعقد عليه حول الزكاة بسبب مستقل، مثل أن يكون عنده أربعون من الغنم مضى عليها بعض الحول، فيشتري أو يوهب له مائة، فهذا لا تجب فيه الزكاة حتى يمضي عليه حولٌ أيضًا، وبهذا قال أحمد، والشافعي، وقال أبو حنيفة: يضمه إلى ما عنده في الحول، فيزكيهما جميعًا عند تمام حول المال الذي كان عنده؛ إلا أن يكون عِوَضًا عن مالٍ مُزكَّى؛ لأنه يضم إلى جنسه في النصاب؛ فوجب ضمه إليه في الحول كالنتاج، ولأنه إذا ضم في النصاب وهو سبب؛ فضمه إليه في الحول الذي هو شرطٌ أولى. وقال مالك كقول أبي حنيفة في السائمة دفعًا للتشقيص، وكقول أحمد، والشافعي في الأثمان؛ لعدم ذلك فيها. اهـ قلتُ: وقول أحمد، والشافعي هو الصواب، وهو قول الظاهرية؛ لأنَّ المال أصلًا لا زكاة فيه حتى يحول عليه الحول، فمن أين لهم أن يخرجوا المال المستفاد من هذا الحكم، ولأنَّ هذا قول الصحابة، منهم: علي، وابن عمر، وهو ثابتٌ عنهما، وجاء عن أبي بكر، وعائشة عند ابن أبي شيبة، وعبد الرزاق، وفيهما

стр. 1889

ضعفٌ؛ فأثر أبي بكر ﵁، فيه عند ابن أبي شيبة رجل مبهم، وعند عبد الرزاق، فيه انقطاع، وأما أثر عائشة ﵂؛ ففي إسناده عند ابن أبي شيبة حارثة بن أبي الرجال، وهو شديد الضعف. وأما مسألة تشقيص الماشية فيمكن أن يخرج منها بتقديم الزكاة، ويكون ذلك للحاجة، والله المستعان. (١) مسألة [٦]: هل الزكاة تجب في الذمة، أم في عين المال ؟ • فيه قولان: الأول: أنها تجب في الذمة، وهو قول الشافعي في القديم، ورواية عن أحمد، وهو قول الظاهرية؛ وذلك لأنَّ إخراج الزكاة من غير (النصاب) من جنسه جائز بلا خلاف، ولو وجبت في عينه؛ لامتنع تصرف المالك فيه؛ لأنَّ ماله أصبح مُشتركًا. الثاني: أنها تجب في عين المال، وهو قول الشافعي في الجديد، وهو الأصح عند أصحابه، وهو رواية عن أحمد، وهي الظاهرة عند جماعة من الحنابلة؛ لحديث: «في أربعين شاة شاة» «فيما سقت السماء العشر ... »، وغير ذلك من الألفاظ الواردة بحرف (في) وهي للظرفية، وإنما جاز الإخراج من غير النصاب رخصة. قلتُ: قال صاحب «زاد المستقنع»: وتجب الزكاة في عين المال، ولها

стр. 1890

تعلق بالذمة. قال الإمام ابن عثيمين ﵀ (٦/ ٤٥): فالقول الذي مشى عليه المؤلف قولٌ جامعٌ بين المعنيين، وهو أنها تجب في عين المال، ولها تَعَلُّقٌ في الذمة، فالإنسان في ذمته مُطَالبٌ بها، وهي واجبة في المال، ولولا المال لم تجب الزكاة؛ فهي واجبة في عين المال. فائدة هذا الخلاف: لو كان عند رجلٍ نصاب كأربعين شاة، فلم يؤد زكاتها حتى حال عليه حولٌ آخر؛ فإنْ قلنا: إنَّ الزكاة في العين؛ فعليه شاةٌ عن الحول الأول، ولا يجب عليه في الحول الثاني شاةٌ؛ لأنَّ ماله قد نقص عن النصاب، وإنْ قلنا: إنها تجب في الذمة؛ وجبت عليه شاتان، والله أعلم. (١)

стр. 1891

فَصْل فِي ذَكْرِ بَعْضِ المَسَائِلِ المُلْحَقَة مسألة [١]: هل يُشترط في الزكاة إمكان الأداء ؟ • في المسألة أقوال: الأول: أنَّ إمكانَ الأداءِ شرطٌ في الضمان لا في الوجوب، وهو قول الشافعي، وهو الأصح عند الشافعية. الثاني: أنَّ إمكان الأداء ليس شرطًا في الضمان، ولا في الوجوب، وهو مذهب أحمد. الثالث: قال أبو حنيفة: إذا تلف بعد التمكن لم يضمن إلا أن يطالبه الإمام، أو الساعي. الرابع: قال بعض الشافعية: لا يضمن، وإنْ طُولِبَ. الخامس: أنَّ إمكان الأداء شرطٌ في الوجوب، وهو قولٌ للشافعي، ومذهب مالك. قلتُ: الذي يظهر أنَّ الوجوب يتعلق بالذمة بحلول الحول، وأما إنْ تلف النصاب قبل أن يتمكن من إخراج الزكاة، وليس ذلك عن تفريط منه؛ فالصواب القول الأول: أنه لا يضمن، فيكون إمكان الأداء شرطًا في الضمان كما قال

стр. 1892

الشافعي، وهو رواية عن أحمد، وهو قول إسحاق، وأبي ثور، والحسن بن صالح، وابن المنذر. (١) مسألة [٢]: إذا تلفت الزكاة على العامل؛ فهل يضمن ؟ أما إن كان فرَّط في حفظها، أو تعدى فيها فتلفت؛ فهو ضامن عند أهل العلم؛ لأن يده صارت يدًا متعدية؛ فعليه الضمان. • وأما إن لم يحصل منه تفريط، أو تعدي فلا ضمان عليه؛ لأن يده يد أمينه، وقد قال تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾، ويعطى نصيب عمله عند الجمهور. وخالف أبو حنيفة؛ فقال: لا يعطى نصيبه؛ لأن لم يوصل الزكاة إلى محلها. والصحيح قول الجمهور. (٢) فائدة: العامل على الصدقة ليس له أن يبيع منها شيئًا إلا لضرورة أو حاجة. (٣) مسألة [٣]: إذا مات صاحب المال، وانتقل المال إلى الوارث، أيبنى الحول أم يستأنف ؟ قال الإمام النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٥/ ٣٦٣): إذا مات في أثناء الحول وانتقل المال إلى وارثه، هل يبني على الحول؟ فيه قولان، وهما مشهوران، أصحهما باتفاقهم: لا يبني، بل يستأنف حولًا من حين انتقل إليه الملك، هذا

стр. 1893

نصه في الجديد، والثاني وهو القديم: أنه يبني على حول الميت؛ لأنه يقوم مقامه في الرد بالعيب، وغيره. اهـ قلتُ: الخلاف المذكور على مذهب الشافعية، والراجح أنه يستأنف حولًا جديدًا، وهو مقتضى قول الجمهور. (١) مسألة [٤]: هل تتكرر زكاة الأموال من الماشية، والأثمان في كل عام ؟ قال ابن حزم ﵀ في «المحلى» (٦٧٦): والزكاة تتكرر في كل سنة في الإبل، والبقر، والغنم، والذهب، والفضة، بخلاف البر، والشعير، والتمر؛ فإنَّ هذه الأصناف إذا زُكِّيت فلا زكاة فيها بعد ذلك أبدًا، وإنما تُزَكَّى عند تصفيتِها، وَكَيْلِهِا، وَيُبْسُ التمر، وَكَيْلِهِ، وهذا لا خلاف فيه من أحد؛ إلا في الحلُي والعوامل. اهـ

стр. 1894

٥٩١ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁، قَالَ: لَيْسَ فِي البَقَرِ العَوَامِلِ صَدَقَةٌ. رَوَاهُ أَبُودَاوُد وَالدَّارَقُطْنِيّ، وَالرَّاجِحُ وَقْفُهُ أَيْضًا. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: هل في البقر، والإبل العوامل صدقة ؟ • ذهب جمهور العلماء إلى أنه ليس فيها زكاة، واستدلوا بحديث الكتاب، وبأنه قد صح عن علي، وجابر ﵄، بأنه ليس فيها زكاة، ولا يُعلم لهما من الصحابة مخالفٌ. • وذهب مالك إلى أنَّ فيها زكاة، وهو قول مكحول، وقتادة، ورواية عن الليث رواها عنه ابن وهب، واستدلوا بعموم الأحاديث التي فيها إيجاب الزكاة على الإبل، والبقر؛ فليس فيها تخصيص العوامل من غيرها. قلتُ: الصواب في المسألة أنَّ العوامل إن كانت معلوفة، وليست سائمة كما هو الأغلب فيها؛ فليس فيها زكاة كما تقدم، وأما إنْ كانت عاملة، وهي سائمة؛ ففيها الزكاة؛ لعموم الأدلة.

стр. 1895

والذي يظهر أنَّ الصحابة قالوا: ليس فيها زكاة؛ لأنَّ العوامل لم تكن سائمة عندهم؛ ولذلك فإنَّ جماعةً من أهل العلم يذكرون أثر علي، وجابر في مسألة اشتراط السَّوم في زكاة الإبل، والبقر، والله أعلم. (١) ٥٩٢ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَبْدِاللهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ وَلِيَ يَتِيمًا لَهُ مَالٌ، فَلْيَتَّجِرْ لَهُ وَلَا يَتْرُكْهُ حَتَّى تَأْكُلَهُ الصَّدَقَةُ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيّ، وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ، وَلَهُ شَاهِدٌ مُرْسَلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ. (٢) الحكم المستفاد من الحديث في هذا الحديث دلالة على وجوب الزكاة في مال اليتيم، وقد تقدمت هذه المسألة في أوائل [كتاب الزكاة].
следующие страницы →