فَصْل فِي ذَكْرِ بَعْضِ المَسَائِلِ المُلْحَقَة
مسألة [١]: هل يُشترط في الزكاة إمكان الأداء ؟
• في المسألة أقوال:
الأول: أنَّ إمكانَ الأداءِ شرطٌ في الضمان لا في الوجوب، وهو قول الشافعي، وهو الأصح عند الشافعية.
الثاني: أنَّ إمكان الأداء ليس شرطًا في الضمان، ولا في الوجوب، وهو مذهب أحمد.
الثالث: قال أبو حنيفة: إذا تلف بعد التمكن لم يضمن إلا أن يطالبه الإمام، أو الساعي.
الرابع: قال بعض الشافعية: لا يضمن، وإنْ طُولِبَ.
الخامس: أنَّ إمكان الأداء شرطٌ في الوجوب، وهو قولٌ للشافعي، ومذهب مالك.
قلتُ: الذي يظهر أنَّ الوجوب يتعلق بالذمة بحلول الحول، وأما إنْ تلف النصاب قبل أن يتمكن من إخراج الزكاة، وليس ذلك عن تفريط منه؛ فالصواب القول الأول: أنه لا يضمن، فيكون إمكان الأداء شرطًا في الضمان كما قال
стр. 1892
الشافعي، وهو رواية عن أحمد، وهو قول إسحاق، وأبي ثور، والحسن بن صالح، وابن المنذر. (١)
مسألة [٢]: إذا تلفت الزكاة على العامل؛ فهل يضمن ؟
أما إن كان فرَّط في حفظها، أو تعدى فيها فتلفت؛ فهو ضامن عند أهل العلم؛ لأن يده صارت يدًا متعدية؛ فعليه الضمان.
• وأما إن لم يحصل منه تفريط، أو تعدي فلا ضمان عليه؛ لأن يده يد أمينه، وقد قال تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾، ويعطى نصيب عمله عند الجمهور. وخالف أبو حنيفة؛ فقال: لا يعطى نصيبه؛ لأن لم يوصل الزكاة إلى محلها. والصحيح قول الجمهور. (٢)
فائدة: العامل على الصدقة ليس له أن يبيع منها شيئًا إلا لضرورة أو حاجة. (٣)
مسألة [٣]: إذا مات صاحب المال، وانتقل المال إلى الوارث، أيبنى الحول أم يستأنف ؟
قال الإمام النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٥/ ٣٦٣): إذا مات في أثناء الحول وانتقل المال إلى وارثه، هل يبني على الحول؟ فيه قولان، وهما مشهوران، أصحهما باتفاقهم: لا يبني، بل يستأنف حولًا من حين انتقل إليه الملك، هذا
стр. 1893
نصه في الجديد، والثاني وهو القديم: أنه يبني على حول الميت؛ لأنه يقوم مقامه في الرد بالعيب، وغيره. اهـ
قلتُ: الخلاف المذكور على مذهب الشافعية، والراجح أنه يستأنف حولًا جديدًا، وهو مقتضى قول الجمهور. (١)
مسألة [٤]: هل تتكرر زكاة الأموال من الماشية، والأثمان في كل عام ؟
قال ابن حزم ﵀ في «المحلى» (٦٧٦): والزكاة تتكرر في كل سنة في الإبل، والبقر، والغنم، والذهب، والفضة، بخلاف البر، والشعير، والتمر؛ فإنَّ هذه الأصناف إذا زُكِّيت فلا زكاة فيها بعد ذلك أبدًا، وإنما تُزَكَّى عند تصفيتِها، وَكَيْلِهِا، وَيُبْسُ التمر، وَكَيْلِهِ، وهذا لا خلاف فيه من أحد؛ إلا في الحلُي والعوامل. اهـ
стр. 1894
٥٩١ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁، قَالَ: لَيْسَ فِي البَقَرِ العَوَامِلِ صَدَقَةٌ. رَوَاهُ أَبُودَاوُد وَالدَّارَقُطْنِيّ، وَالرَّاجِحُ وَقْفُهُ أَيْضًا. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: هل في البقر، والإبل العوامل صدقة ؟
• ذهب جمهور العلماء إلى أنه ليس فيها زكاة، واستدلوا بحديث الكتاب، وبأنه قد صح عن علي، وجابر ﵄، بأنه ليس فيها زكاة، ولا يُعلم لهما من الصحابة مخالفٌ.
• وذهب مالك إلى أنَّ فيها زكاة، وهو قول مكحول، وقتادة، ورواية عن الليث رواها عنه ابن وهب، واستدلوا بعموم الأحاديث التي فيها إيجاب الزكاة على الإبل، والبقر؛ فليس فيها تخصيص العوامل من غيرها.
قلتُ: الصواب في المسألة أنَّ العوامل إن كانت معلوفة، وليست سائمة كما هو الأغلب فيها؛ فليس فيها زكاة كما تقدم، وأما إنْ كانت عاملة، وهي سائمة؛ ففيها الزكاة؛ لعموم الأدلة.
стр. 1895
والذي يظهر أنَّ الصحابة قالوا: ليس فيها زكاة؛ لأنَّ العوامل لم تكن سائمة عندهم؛ ولذلك فإنَّ جماعةً من أهل العلم يذكرون أثر علي، وجابر في مسألة اشتراط السَّوم في زكاة الإبل، والبقر، والله أعلم. (١)
٥٩٢ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَبْدِاللهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ وَلِيَ يَتِيمًا لَهُ مَالٌ، فَلْيَتَّجِرْ لَهُ وَلَا يَتْرُكْهُ حَتَّى تَأْكُلَهُ الصَّدَقَةُ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيّ، وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ، وَلَهُ شَاهِدٌ مُرْسَلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ. (٢)
الحكم المستفاد من الحديث
في هذا الحديث دلالة على وجوب الزكاة في مال اليتيم، وقد تقدمت هذه المسألة في أوائل [كتاب الزكاة].
стр. 1896
٥٩٣ - وَعَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إذَا أَتَاهُ قَوْمٌ بِصَدَقَتِهِمْ قَالَ: «اللهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِمْ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: الدعاء لصاحب الصدقة .
دلَّ الحديث على استحباب الدعاء لمن جاء بالصدقة، وقد أمر الله تعالى نبيه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بذلك بقوله: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة:١٠٣].
قال الأثيوبي في «شرح النسائي» (٢٢/ ١٣٢): اختلف في حكم الدعاء للمتصدق: ذهب الجمهور إلى أنَّ الدعاء لدافع الزكاة سُنَّة مستحبة، وليس بواجب، وذهب أهل الظاهر إلى أنه واجب، قال النووي: وبه قال بعض أصحابنا، حكاه أبو عبد الله الحناطي، واعتمدوا الأمر في الآية، قال الجمهور: الأمر في حقنا للندب؛ لأنَّ النبي ﷺ بعث معاذًا وغيره لأخذ الزكاة، ولم يأمرهم بالدعاء. انتهى المراد.
وقول الجمهور أقرب، والله أعلم.
стр. 1897
٥٩٤ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّ العَبَّاسَ ﵁ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ فِي تَعْجِيلِ صَدَقَتِهِ قَبْلَ أَنْ تَحِلَّ، فَرَخَّصَ لَهُ فِي ذَلِكَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالحَاكِمُ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: حكم تعجيل الزكاة قبل تمام الحول بعد سبب الوجوب .
قال البغوي ﵀ في «شرح السنة» (١٥٧٧): واختلف أهل العلم في تعجيل الزكاة قبل تمام الحول، فذهب أكثرهم إلى جوازه، وهو قول الزهري، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي. وقال الثوري: أُحِبُّ أن لا تعجل. وذهب قومٌ إلى أنه لا يجوز التعجيل، ويعيد لو عجل، وهو قول الحسن، ومذهب مالك. قال: واتفقوا على أنه لا يجوز إخراجها قبل كمال
стр. 1898
النصاب، ولا يجوز تعجيل صدقة عامين عند الأكثر. اهـ
قلتُ: ووافق مالكًا على عدم جواز التعجيل ربيعةُ، والليث، وداود الظاهري، ونصر ذلك ابن حزم ﵀.
وقد استدل الجمهور على جواز تعجيل الزكاة بحديث الباب، وبحديث أبي هريرة ﵁، أنَّ العباس منع الزكاة، فقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «أما العباس فهي عليَّ ومثلها معها» متفق عليه. (١)
فقالوا: معناه: أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قد تعجل منه صدقة عامين، كما جاء ذلك في بعض الروايات، منها: ما أخرجه البيهقي (٤/ ١١١) بإسناد صحيح إلى أبي البختري عن علي ﵁ بنحو حديث أبي هريرة ﵁، وفيه: «أما علمت يا عمر أنَّ عم الرجل صنو أبيه، إنا كنا احتجنا فاستلفنا العباس صدقة عامين»، ورجاله ثقات إلا أنه منقطع؛ لأنَّ أبا البختري لم يدرك عليًّا ﵁، كما في «جامع التحصيل».
وقالوا: حقوق الأموال كلها جائزٌ تعجيلها قبل أجلها قياسًا على ديون الناس المؤجلة، وحقوقهم، كالنفقات وغيرها.
وقد أجاب القائلون بعدم جواز التعجيل عن حديثهم بأنه ضعيفٌ.
وأما حديث أبي هريرة ﵁ الذي في «الصحيحين» فليس فيه التنصيص على ما ذكروا، بل يحتمل أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- تحمَّل الصدقة عن عمه العباس كما هو ظاهر اللفظ، ويؤيد ذلك أنَّ عمر بن الخطاب لم يكن ليقول: (منع العباس)، وهو قد
стр. 1899
قدمها، ولكان النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- سيخبره أن العباس قد قدمها؛ فلا يأخذ منه، أو لاعتذر العباس بأنه قد قدم الصدقة.
وأجابوا على القياس على ديون الناس: بأنَّ الدَّيْنَ واجبٌ في الذمة من حين أخذه، وأما الزكاة فلا تجب إلا بحلول الحول، فقياس ما لم يجب على ما قد وجب في الأداء باطل.
قالوا: وأولى أن يُقاس تعجيل الزكاة قبل وقتها على تعجيل الصلاة قبل وقتها، والصوم قبل وقته.
قال ابن حزم ﵀: نَسْأَلُهُمْ: أَوَجَبَتْ الزَّكَاةُ قَبْلَ الْحَوْلِ، أَمْ لَمْ تَجِبْ؟ فَإِنْ قَالُوا: لَمْ تَجِبْ. قُلْنَا: فَكَيْفَ تُجِيزُونَ أَدَاءَ مَا لَمْ يَجِبْ، وَمَا لَمْ يَجِبْ فِعْلُهُ تَطَوُّعٌ؟ وَمَنْ تَطَوَّعَ فَلَمْ يُؤَدِّ الْوَاجِبَ. وَإِنْ قَالُوا: قَدْ وَجَبَتْ. قُلْنَا: فَالْوَاجِبُ إجْبَارُ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ حَقٌّ عَلَى أَدَائِهِ ...
قال: وَنَسْأَلُهُمْ: كَيْفَ الْحَالُ إنْ مَاتَ الَّذِي عَجَّلَ الصَّدَقَةَ قَبْلَ الْحَوْلِ، أَوْ تَلِفَ الْمَالُ قَبْلَ الْحَوْلِ أَوْ مَاتَ الَّذِينَ أَعْطُوهَا قَبْلَ الْحَوْلِ أَوْ خَرَجُوا عَنِ الصِّفَاتِ الَّتِي بِهَا تُسْتَحَقُّ الزَّكَوَاتُ؟ فَصَحَّ أَنَّ تَعْجِيلَهَا بَاطِلٌ، وَإِعْطَاءٌ لِمَنْ لَا يَسْتَحِقُّهَا، وَمَنْعٌ لِمَنْ يَسْتَحِقُّهَا، وَإِبْطَالُ الزَّكَاةِ الْوَاجِبَةِ؛ وَكُلُّ هَذَا لَا يَجُوزُ. اهـ
قال أبو عبد الله غفر الله له: القول بجواز التعجيل أظهر؛ لحديث أبي هريرة، وعلي اللذين تقدما، وما ذكره ابن حزم مُعَارَضٌ بالحديث.
стр. 1900
والذي نختاره: عدم التعجيل إلا لحاجة، وبالله التوفيق.
وقد أفتى بجواز التعجيل الإمام الألباني، والإمام ابن باز، والإمام العثيمين رحمة الله عليهم أجمعين. (١)
стр. 1901
٥٩٥ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ (١) مِنَ الوَرِقِ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ (٢) مِنَ الإِبِلِ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسَاق مِنَ التَّمْرِ صَدَقَةٌ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (٣)
٥٩٦ - وَلَهُ (٤) مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ ﵁: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ (٥) مِنْ تَمْرٍ وَلَا حَبٍّ صَدَقَةٌ». وأصل حديث أبي سعيد متفق عليه. (٦)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين
مسألة [١]: النصاب الذي تجب فيه الزكاة في المزروعات، والثمار .
• ذهب أكثر أهل العلم إلى أنَّ الزكاة لا تجب في شيء من الزروع، والثمار، حتى تبلغ خمسة أوسق.
قال ابن قدامة ﵀: ولا نعلم أحدًا خالف؛ إلا مجاهدًا، وأبا حنيفة، ومن تابعه، قالوا: تجب الزكاة في قليل ذلك وكثيره؛ لعموم قوله ﵇: «فيما سقتِ السماء العُشر» (٧)، ولأنَّه لا يعتبر له حول، فلا يعتبر له نصاب.
стр. 1902
قال: ولنا قوله ﷺ : «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة» متفق عليه، وهذا خاصٌّ يجب تقديمه، وتخصيص عموم ما رووه به.
ثم قال: وإنما لم يعتبر الحول؛ لأنه يكمل نماؤه باستحصاده لا ببقائه، واعتبر الحول في غيره؛ لأنه مظنة لكمال النماء في سائر الأموال. اهـ. (١)
فائدة: الوسق يساوي ستين صاعًا بالإجماع، نقل الإجماع ابن المنذر، والنووي، وغيرهما. (٢)
مسألة [٢]: متى تعتبر الخمسة الأوسق ؟
قال ابن قدامة ﵀: وَتُعْتَبرُ الْخَمْسَة الأَوْسُق بَعْدَ التَّصْفِيَةِ فِي الْحُبُوبِ، وَالْجفَافِ فِي الثِّمَارِ، فَلَوْ كَانَ لَهُ عَشَرَةُ أَوْسُقٍ عِنَبًا لَا يَجِيْءُ مِنْهُ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ زَبِيْبًا؛ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ حَالُ وُجُوبِ الْإِخْرَاجِ مِنْهُ فَاعْتُبِرَ النِّصَابُ بِحَالِهِ. (٣)
مسألة [٣]: هل يعتبر النصاب بالكيل، أم بالوزن ؟
دلَّ حديث أبي سعيد، وجابر المتقدمان في الباب في ذكر الأوسق على أنَّ النصاب مُعتبرٌ بالكيل لا بالوزن، وعلى هذا أكثر أهل العلم.
والكيل المعتبر هو كيل أهل المدينة؛ لحديث ابن عمر ﵄ عند أبي داود (٣٣٤٠)، وهو في «الصحيح المسند» (٧٦٧) أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «المكيال مكيال أهل المدينة، والوزن وزن أهل مكة». (٤)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين
مسألة [١]: ما هي الأصناف التي تجب فيها الزكاة من المزروعات، والثمار ؟
• في هذه المسألة أقوال منها:
الأول: أنَّ الزكاة تجب في التمر، والزبيب، وفي كل الحبوب التي تقتات، وتدَّخر، ولا زكاة في الخضروات، والفواكه، وهو قول الشافعي، ومالك، وأبي يوسف، ومحمد.
الثاني: تجب الزكاة في كل ما يُكال، ويُدَّخر من الحبوب، والثمار، وهو مذهب أحمد، فيدخل في ذلك من الحبوب: الحنطة، والشعير، والذرة، والأرز، والدُّخن، وغير ذلك، ويدخل في الثمار: التَّمر، والزبيب، واللوز، والفُستُق، والبندق، وغيرها.
الثالث: تجب الزكاة في أربعة أصناف فقط، وهي: التمر، والزبيب، والحنطة، والشعير، وهذا قول أحمد في رواية، وهو قول موسى بن طلحة، والحسن، وابن سيرين، والشعبي، والحسن بن صالح، وابن المبارك، وأبي عبيد، والثوري، وصحَّ عن ابن عمر، وأبي موسى، ومعاذ ﵃، واستدلوا بحديث الكتاب، وآثار الصحابة المذكورة.
الرابع: تجب الزكاة في التمر، والحنطة، والشعير، ولم يذكر الزبيب، وهو قول شُريح، وابن حزم.
стр. 1908
الخامس: أنَّ الزكاة تجب في كل ما أخرجته الأرض؛ إلا الحطب، والقصب الفارسي، والحشيش الذي ينبتُ بنفسه، وهو قول أبي حنيفة، وزُفر، وقول داود الظاهري بنحو قول أبي حنيفة؛ إلا أنه قال: ما كان موسَّقًا؛ فلا زكاة فيه حتى يبلغ خمسة أوسق، وما لم يكن موسَّقًا؛ فتجب الزكاة في قليله، وكثيره.
قال أبو عبد الله غفر الله له: أما من عمَّمَ في كل ما يخرج من الأرض؛ فاستدل بعموم قوله تعالى: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [البقرة:٢٦٧]، وبحديث ابن عمر ﵄: «فيما سقتِ السماء العُشر»، وأما من قال في كل ما يُقتات ويُدَّخر؛ فحجَّتُهم القياس على ما ورد فيه النصوص، وهذا قول له حظه من النظر؛ لأنه في بعض البلدان لا يقتاتون الأربعة المذكورة في حديث الباب؛ ففي بعض البلدان أقواتهم الأرز، وفي بعضها أقواتهم الذرة، وفي بعضها لهم أقوات أخرى، وعليه فما سيعطى الفقراء من أموال الأغنياء، ولا تلزم الأغنياء في ذلك المكان زكاة واجبة، وهذا فيه ما فيه؟!.
وأما ابن حزم فاستدل على مذهبه بحديث جابر المذكور في الكتاب: «وليس فيما دون خمسة أوسق من تمر، ولا حبٍّ صدقة»، قال: والحبُّ في اللغة يُطلق على الشعير، والبر.
والأقرب في هذه المسألة هو قول مالك والشافعي؛ لما تقدم ذكره.
وأما حديث الباب فالأقرب أنه موقوف، ثم يتأول الموقوف على أنهم في ذلك الوقت ما وجدوا إلا هذه المزروعات، والله أعلم.
стр. 1909
وقول ابن حزم في الحب دعوى تحتاج إلى بينة، والمعروف أنَّ الحبَّ يُطلق على ما هو أعم مما ذُكِر، والله أعلم. (١)
تنبيه: جاءت أحاديث تُوجِبُ الزكاة في الذرة، ولكنها لا تثبت، منها: حديث عبدالله ابن عمرو بن العاص عند ابن ماجه (١٨١٥)، وفي إسناده: محمد ابن عبيد الله العرزمي متروكٌ، وإسماعيل بن عياش يرويه عن غير أهل بلده، وفي روايته عن غير أهل بلده ضعفٌ.
ومنها: مرسل مجاهد عند البيهقي (٤/ ١٢٩)، ومع إرساله فيه: خُصيف الجزري سيء الحفظ، وعتاب الجزري مختَلَفٌ فيه.
فائدة: قال شيخ الإسلام ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ١٠): قال ابن المنذر الإمام أبو بكر النيسابوري: أجمع أهل العلم على أن الزكاة تجب في تسعة أشياء: في الإبل، والبقر، والغنم، والذهب، والفضة، والبر، والشعير، والتَّمر، والزبيب إذا بلغ من كل صنف منها ما تجب فيه الزكاة. اهـ
стр. 1910
فَصْل فِي ذِكْرِ بَعْض المَسَائِل المُلْحَقَة
مسألة [١]: وقت وجوب الزكاة .
قال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٥/ ٤٦٥): قال الشافعي والأصحاب ﵃: وقتُ وجوب زكاة النخل، والعنب بدو الصلاح، ووقت الوجوب في الحبوب اشتداداها. اهـ
وقال ابن قدامة أيضًا (٤/ ١٦٩ - ١٧٠): وَوَقْتُ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْحَبِّ إذَا اشْتَدَّ، وَفِي الثَّمَرَةِ إذَا بَدَا صَلَاحُهَا. وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: تَجِبُ زَكَاةُ الْحَبِّ يَوْمَ حَصَادِهِ؛ لِقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام:١٤١]، وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ أَنَّهُ لَوْ تَصَرَّفَ فِي الثَّمَرَةِ أَوْ الْحَبِّ قَبْلَ الْوُجُوبِ، لَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ تَصَرَّفَ فِيهِ قَبْلَ الْوُجُوبِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَكَلَ السَّائِمَةَ أَوْ بَاعَهَا قَبْلَ الْحَوْلِ، وَإِنْ تَصَرَّفَ فِيهَا بَعْدَ الْوُجُوبِ؛ لَمْ تَسْقُطْ الزَّكَاةُ عَنْهُ، كَمَا لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ فِي السَّائِمَةِ. اهـ
قلتُ: وخالف ابن حزم في الحب، فقال: تجب الزكاة في البر، والشعير على من ملكهما قبل دراسهما، وإمكان تصفيتها من التبن، وكيلهما، سواء ملكهما بشراء أو هبة أو زراعة، ولا تجب عليه إلا بعد تصفيتها؛ فإن صفى الحب فالزكاة عليه، وإذا باعها قبل تصفيتها؛ فليس عليه زكاة، وهي على المشتري بعد تصفيتها.
стр. 1911
وحجَّةُ الجمهور: أنه ملك نصابًا من الشعير، أو البر عند اشتداده، وإن كان ما زال في الزرع؛ فتعلق به الوجوب.
والصحيح قول الجمهور. (١)
مسألة [٢]: متى يجب إخراج الزكاة ؟
قال النووي ﵀ في «المجموع» (٥/ ٤٦٦): قال الشافعي والأصحاب: لا يجب الإخراج في ذلك الوقت بلا خلاف -يعني عند بدو الصلاح واشتداد الحب- لكن ينعقد سببًا لوجوب الإخراج إذا صار تمرًا، أو زبيبًا، أو حبًّا مصفى، ويصير للفقراء في الحال حق يجب دفعه إليهم بعد مصيره تمرًا، أو حبًّا، فلو أخرج الرطب، أو العنب في الحال؛ لم يجزئه بلا خلاف. اهـ. (٢)
مسألة [٣]: هل عليه إخراج الزكاة أكثر من مرة من محصول واحد ؟
قال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٥/ ٥٦٧ - ٥٦٨): قال أصحابنا: إذا وجب العُشر في الزروع، والثمار؛ لم يجب فيها بعد ذلك شيء، وإنْ بقيت في يد مالكها سنين، هذا مذهبنا، وبه قال جميع الفقهاء؛ إلا الحسن البصري، فقال: على مالكها العشر في كل سنة، كالماشية، والدراهم، والدنانير. قال الماوردي: وهذا خلاف الإجماع، ولأنَّ الله تعالى علَّق وجوب الزكاة بحصاده، والحصاد لا يتكرر؛ فلم يتكرر العُشر. اهـ
стр. 1912
مسألة [٤]: هل يضم القمح إلى الشعير ؟
• ذهب أكثر أهل العلم إلى أنَّ القمح لا يُضم إلى الشعير في الزكاة، بل يخرج من كل منهما إذا بلغ النصاب بمفرده، وهذا مذهب عطاء، ومكحول، والأوزاعي، والثوري، والشافعي، وأحمد، والحسن بن صالح، وأبي حنيفة، وابن المنذر، وهو قول الظاهرية.
• وذهب مالك، وأحمد في رواية إلى أنَّ القمح، والشعير، والسّلت يُضمُّ بعضها إلى بعض، و (السّلت) ضرب من الشعير ليس له قشرة.
• وذهب طاوس، وعكرمة، والليث، وأبو يوسف إلى ضم الحبوب مطلقًا.
قلتُ: الصواب هو القول الأول؛ لأنَّ كلًّا منهما جنس آخر، فأشبه الماشية؛ فإن الإبل لا تضم إلى البقر، ولا إلى الغنم، ولا يُضم كل منها إلى الآخر بالإجماع، وبالله التوفيق. (١)
مسألة [٥]: هل يُضم التمر إلى الزبيب ؟
قال ابن حزم ﵀ في «المحلَّى» (٥/ ٢٥٢): وكلهم متفق على أن لا يُجمع التمر إلى الزبيب. اهـ
وقد نقل الإجماع أيضًا ابن المنذر كما في «المجموع» (٥/ ٥١٤).
مسألة [٦]: هل يضم التمر إلى البر أو الشعير ؟
قال ابن حزم ﵀ في «المحلَّى» (٥/ ٢٥٢): ولا خلاف بين كل من يرى
стр. 1913
الزكاة في الخمسة الأوسق فصاعدًا لا في أقل في أنه لا يجمع التمر إلى البر، ولا إلى الشعير. اهـ
مسألة [٧]: هل تُضم أنواع البر مع بعضها، وكذا الشعير، والتمر، والزبيب ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٤/ ٥٠): ولا نعلم خلافًا بين أهل العلم في ضم أنواع الأجناس بعضها إلى بعض في إيجاب الزكاة. اهـ. (١)
مسألة [٨]: هل تضم ثمرة المحصولين ؟
• إذا كانت ثمرة المحصول الأول في عام، وثمرة المحصول الثاني في عام آخر؛ فلا تُضم لتكملة النصاب كما ذكر ذلك أهل العلم، وأما إن كانت ثمرة المحصول الأول، وثمرة المحصول الثاني في عام واحد، فأكثر الحنابلة والشافعية على أنها تضم.
• وذهب بعض الشافعية، والحنابلة إلى أنها لا تضم، بل يؤدي من كل محصول إذا بلغ النصاب، وإذا لم يبلغ النصاب كل واحد منهما بمفرده؛ فليس فيه زكاة، وهذا القول اختاره ابن حزم، وهو أقرب، والله أعلم. (٢)
مسألة [٩]: إذا باع المحصول بعد بدو الصلاح، فعلى من زكاتُه ؟
• ذهب أكثر أهل العلم إلى أنَّ الزكاة على البائع صاحب الزرع؛ إلا أن يشترط
стр. 1914
على المشتري، وهو مذهب أحمد، والشافعي، والثوري، والأوزاعي، والليث، والحسن، وغيرهم.
• وذهب ابن حزم إلى أنَّ الزكاة على المشتري بناء على مذهبه: أنَّ الوجوب لا يتعلق بِبُدُوِّ الصلاح، بل بمصيره حبًّا يمكن كيله.
والصواب قول الجمهور. (١)
مسألة [١٠]: إذا وهب المحصول لإنسان قبل بدو الصلاح ؟
ذكر أهل العلم أنَّ الزكاة على الموهوب له، وعلى من أصبح مالكًا لها؛ لأنَّ وجوب الزكاة إنما يكون عند بدو الصلاح، وقد بدا صلاحها، وهي في ملكه؛ فوجبت عليه فيها الزكاة، والله أعلم. (٢)
مسألة [١١]: هل مؤنة العمل تخرج من المحصول ثم يزكى لما بقي ؟
جاء عن عطاء أنه قال: يسقط مما أصاب النفقة؛ فإنْ بقي مقدار ما فيه الزكاة؛ زكَّى، وإلا فلا. وصح هذا القول عن ابن عمر، وابن عباس ﵃، كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (٣/ ١٤٧)، و «سنن البيهقي» (٤/ ١٤٨)، وهو قول للحنابلة.
قال ابن حزم ﵀: أوجب رسول الله ﷺ في التمرِ، والبرِّ، والشعيرِ الزكاةَ جملة إذا بلغ الصنف منها خمسة أوسق فصاعدًا، ولم يسقط الزكاة عن ذلك بنفقة الزارع، وصاحب النخل، فلا يجوز إسقاط حقٍّ أوجبه الله تعالى بغير نص قرآن، ولا سنة
стр. 1915
ثابتة، وهذا قول مالك، والشافعي، وأبي حنيفة، وأصحابنا. اهـ. (١)
مسألة [١٢]: إذا استأجر إنسان أرضًا فزرع فيها، فعلى من الزكاة ؟
قال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٥/ ٥٦٢): مذهبنا أنَّ عُشر زرعها على المستأجر الزارع، وبه قال مالك، وأبو يوسف، ومحمد، وأحمد، وداود، وقال أبو حنيفة: يجب على صاحب الأرض. ولو استعار أرضًا فَزَرَعَهَا؛ فَعُشر الزرع على المستعير عندنا، وعند العلماء كافة، وعند أبي حنيفة روايتان أشهرهما هكذا، والثانية رواها عنه ابن المبارك أنه علي المعير، وهذا عجب. اهـ
قال شيخ الإسلام ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ٥٤ - ): وَأَمَّا الْعُشْرُ: فَهُوَ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ، كَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَد وَغَيْرِهِمْ، عَلَى مَنْ نَبَتَ الزَّرْعُ عَلَى مِلْكِهِ، كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [البقرة:٢٦٧]، فَالْأَوَّلُ يَتَضَمَّنُ زَكَاةَ التِّجَارَةِ، وَالثَّانِي يَتَضَمَّنُ زَكَاةَ مَا أَخْرَجَ اللهُ لَنَا مِنْ الْأَرْضِ، فَمَنْ أَخْرَجَ اللهُ لَهُ الْحَبَّ فَعَلَيْهِ الْعُشْرُ، فَإِذَا اسْتَأْجَرَ أَرْضًا لِيَزْرَعَهَا فَالْعُشْرُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ عِنْدَ هَؤُلَاءِ الْعُلَمَاءِ كُلِّهِمْ، وَكَذَلِكَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٍ. وَأَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ: الْعُشْرُ عَلَى الْمُؤَجِّرِ. وَإِذَا زَارَعَ أَرْضًا عَلَى النِّصْفِ فَمَا حَصَلَ لِلْمَالِكِ فَعَلَيْهِ عُشْرُهُ، وَمَا حَصَلَ لِلْعَامِلِ فَعَلَيْهِ عُشْرُهُ، عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عُشْر مَا أَخْرَجَهُ اللهُ له، وَمَنْ أُعِيرَ أَرْضًا، أَوْ أُقْطِعَهَا، أَوْ كَانَتْ مَوْقُوفَةً عَلَى عَيْنِهِ، فَازْدَرَعَ فِيهَا زَرْعًا؛ فَعَلَيْهِ عُشْرُهُ، وَإِنْ آجَرَهَا؛
стр. 1916
فَالْعُشْرُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ، وَإِنْ زَارَعَهَا؛ فَالْعُشْرُ بَيْنَهُمَا. اهـ
وقال ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ٥٢): وَالْعُشْرُ عَلَى مَنْ يَمْلِكُ الزَّرْعَ، فَإِذَا زَارَعَ الْفَلَّاحُ فَفِي صِحَّةِ الْمُزَارَعَةِ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ، فَمَنْ اعْتَقَدَ جَوَازَ الْمُزَارَعَةِ أَخَذَ نَصِيبَهُ وَأَعْطَى الْفَلَّاحَ نَصِيبَهُ، وَعَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا زَكَاةُ نَصِيبِهِ، وَمَنْ لَمْ يُصَحِّحْ الْمُزَارَعَةَ؛ جَعَلَ الزَّرْعَ كُلَّهُ لِصَاحِبِ الْحَبِّ، فَإِذَا كَانَ هُوَ الْفَلَّاحَ؛ اسْتَحَقَّ الزَّرْعَ كُلَّهُ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْمَالِكِ إلَّا أُجْرَةُ الْأَرْضِ، وَالزَّكَاةُ حِينَئِذٍ عَلَى الْفَلَّاحِ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ: إنَّ المُقَاسَمَةَ جَائِزَةٌ، وَالْعُشْرَ كُلَّهُ عَلَى الْفَلَّاحِ. بَلْ مَنْ قَالَ: الْعُشْرُ عَلَى الْفَلَّاحِ. قَالَ: لَيْسَ لِلْمَالِكِ فِي الزَّرْعِ شَيْءٌ. وَلَا الْمُقْطِعُ، وَلَا غَيْرُهُمَا. فَمَنْ ظَنَّ أَنَّ الْعُشْرَ عَلَى الْفَلَّاحِ مَعَ جَوَازِ المُقَاسَمَةِ؛ فَقَدْ خَالَفَ إجْمَاعَ المُسْلِمِينَ. اهـ
قلتُ: والصواب قول الجمهور، والله أعلم.
مسألة [١٣]: من كان يزرع في أرض عليه فيها الخراج لبيت المال، فهل عليه زكاة أيضًا ؟
قال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٥/ ٥٤٣ - ): مذهبنا: اجتماعهما، ولا يمنع أحدهما وجوب الآخر، وبه قال جمهور العلماء، قال ابن المنذر: هو قول أكثر العلماء، ممن قال به: عمر ابن عبد العزيز، وربيعة، والزهرى، ويحيى الأنصاري، ومالك، والأوزاعي، والثوري، والحسن بن صالح، وابن أبي ليلى، والليث، وابن المبارك، وأحمد، وإسحاق، وأبو عبيد، وداود، وقال أبو حنيفة: لا يجب العشر مع
стр. 1917
الخراج. واحتج بحديث يُروى عن ابن مسعود مرفوعًا: «لا يجتمع عشر وخراج في أرض مسلم».
ثم ذكر النووي ﵀ أنَّ هذا الحديث باطلٌ، مُجمَعٌ على ضعفه، انفرد به يحيى ابن عنبسة، عن أبي حنيفة، عن حماد، عن علقمة، عن ابن مسعود مرفوعًا.
قال البيهقي ﵀ في «معرفة السنن والآثار»: هذا المذكور إنما يرويه أبو حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم من قوله، فرواه يحيى بن عنبسة هكذا مرفوعًا، ويحيى بن عنبسة مكشوف الأمر في الضعف؛ لروايته عن الثقات الموضوعات، قاله أبو أحمد بن عدي الحافظ فيما أخبرنا أبو سعيد الماليني عنه. اهـ
قلتُ: وقد حكم عليه بالوضع أيضًا الدارقطني، وابن حبان كما في «لسان الميزان»، والراجح قول الجمهور؛ لأنهما حَقَّان وجبا عليه، فما هو الدليل على إسقاط أحدهما؟!
قال شيخ الإسلام ﵀ بعد أن رجَّح قول الجمهور: وَأَصْلُ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ: أَنَّ الْعُشْرَ حَقُّ الزَّرْعِ؛ وَلِهَذَا كَانَ عِنْدَهُمْ يَجْتَمِعُ الْعُشْرُ وَالْخَرَاجُ؛ لِأَنَّ الْعُشْرَ حَقُّ الزَّرْعِ، وَمُسْتَحِقُّهُ أَهْلُ الزَّكَاةِ، وَالْخَرَاجُ حَقُّ الْأَرْضِ، وَمُسْتَحِقُّهُ أَهْلُ الْفَيْءِ، فَهُمَا حَقَّانِ لِمُسْتَحِقَّيْنِ بِسَبَبَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ فَاجْتَمَعَا كَمَا لَوْ قَتَلَ مُسْلِمًا خَطَأً فَعَلَيْهِ الدِّيَةُ لِأَهْلِهِ، وَالْكَفَّارَةُ حَقٌّ لله، وَكَمَا لَوْ قَتَلَ صَيْدًا مَمْلُوكًا وَهُوَ مُحْرِمٌ؛ فَعَلَيْهِ الْبَدَلُ لِمَالِكِهِ وَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ حَقًّا لله، وَأَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ: الْعُشْرُ حَقُّ الْأَرْضِ؛ فَلَا يَجْتَمِعُ عَلَيْهَا حَقَّانِ. وَمِمَّا احْتَجَّ بِهِ الْجُمْهُورُ: أَنَّ الْخَرَاجَ يَجِبُ فِي الْأَرْضِ الَّتِي يُمْكِنُ أَنْ
стр. 1918
تُزْرَعَ سَوَاءٌ زُرِعَتْ أَوْ لَمْ تُزْرَعْ، وَأَمَّا الْعُشْرُ فَلَا يَجِبُ إلَّا فِي الزَّرْعِ. وَالْحَدِيثُ الْمَرْفُوعُ: «لَا يَجْتَمِعُ الْعُشْرُ وَالْخَرَاجُ» كَذِبٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْحَدِيثِ. اهـ
مسألة [١٤]: هل يجب إخراج الزكاة من عين المال الذي وجبت فيه الزكاة، أم لا ؟
قال الإمام أبو محمد بن حزم ﵀ في «المحلَّى» (٦٦٤): لا خلاف بين أحد من الأمة من زمننا إلى زمن رسول الله ﷺ في أنَّ من وجبت عليه زكاة بُرٍّ، أو شعير، أو تمر، أو فضة، أو ذهب، أو إبل، أو بقر، أو غنم، فأعطى زكاته الواجبة عليه من غير ذلك الزرع، ومن غيرذلك التمر، ومن غيرذلك الذهب، ومن غير تلك الفضة، ومن غير تلك الإبل، ومن غير تلك البقر، ومن غير تلك الغنم؛ فإنه لا يمنع من ذلك، ولايكره ذلك له، بل سواء أعطى من تلك العين، أو مما عنده من غيرها، أو مما يشتري، أومما يُوهب، أو مما يُستقرض. انتهى المراد. (١)
مسألة [٢]: حكم الخرص .
• ذهب جمهور أهل العلم إلى مشروعيته، واستدلوا بحديث الباب، وبحديث أبي حميد الساعدي في «الصحيحين» (١): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- خرج إلى تبوك، فلما جاء وادي القرى إذا امرأة في حديقة لها، فقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لأصحابه: «اخرصوا»، وخرص رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عشرة أوسق، فقال لها «أحصي ما يخرج منها»، فلما رجع قال للمرأة: «كم جاء حديقتك؟» قالت: عشرة أوسق كخراص رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.
واستدلوا بحديث جابر ﵁ عند أبي داود (٣٤١٤)(٣٤١٥)، قال: لما أفاء الله على رسوله خيبر، فأقرهم رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كما كانوا، وجعلها بينه، وبينهم، فبعث عبد الله بن رواحة، فخرصها عليهم.
وفي رواية: فخرصها عبدالله بن رواحة أربعين ألف وسق، وزعم أنَّ اليهود لما خيرهم ابن رواحة أخذوا التمر وعليهم عشرون ألف وسق.
وقد حسَّنه الإمام الوادعي ﵀ في «الجامع الصحيح» (٢/ ٣٢٧).
• وذهب إلى عدم مشروعيته الشعبي، والثوري، وأصحاب الرأي.
قَالَ الْخَطَّابِيّ ﵀: أَنْكَرَ أَصْحَاب الرَّأْيِ الْخَرْص، وَقَالَ بَعْضهمْ: إِنَّمَا كَانَ يَفْعَلُ تَخْوِيفًا لِلْمُزَارِعِينَ؛ لِئَلَّا يَخُونُوا لا لِيُلْزَم بِهِ الْحُكْم؛ لِأَنَّهُ تَخْمِين وَغُرُور، أَوْ كَانَ يَجُوزُ قَبْلَ تَحْرِيمِ الرِّبَا وَالْقِمَارِ.
وَتَعَقَّبَهُ الْخَطَّابِيُّ: بِأَنَّ تَحْرِيمَ الرِّبَا وَالْمَيْسِرِ مُتَقَدِّم، وَالْخَرْص عُمِلَ بِهِ فِي
стр. 1921
حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ حَتَّى مَاتَ، ثُمَّ أَبُو بَكْر، وَعُمَر، فَمَنْ بَعْدَهُمْ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ، وَلَا مِنْ التَّابِعِينَ تَرْكُهُ إِلَّا عَنْ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: وَأَمَّا قَوْلُهُمْ إِنَّهُ تَخْمِينٌ وَغُرُورٌ؛ فَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هُوَ اِجْتِهَادٌ فِي مَعْرِفَةِ مِقْدَارِ التَّمْرِ وَإِدْرَاكِهِ بِالْخَرْصِ الَّذِي هُوَ نَوْعٌ مِنْ المَقَادِيرِ. انتهى المراد. (١)
قال الحافظ ابن حجر ﵀ (١٤٨١): وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِهِ: هَلْ هُوَ وَاجِب أَوْ مُسْتَحَبّ؟ فَحَكَى الصَّيْمَرِيّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ وَجْهًا بِوُجُوبِهِ. وَقَالَ الجمْهُورُ: هُوَ مُسْتَحَبٌّ؛ إِلَّا إِنْ تَعَلَّقَ بِهِ حَقٌّ لِمَحْجُورٍ مَثَلًا، أَوْ كَانَ شُرَكَاؤُهُ غَيْر مُؤْتَمَنِينَ؛ فَيَجِبُ لِحِفْظِ مَالِ الْغَيْرِ. اهـ. (٢)
مسألة [٣]: هل يترك لأصحاب النخل شيء ليأكلونه، ولا يخرص عليهم ؟
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في «الفتح» (١٤٨١) بعد أن ذكر حديث سهل بن أبي حثمة الذي في الباب: وَقَالَ بِظَاهِرِهِ اللَّيْث، وَأَحْمَد، وَإِسْحَاق، وَغَيْرُهُمْ. وَفَهِمَ مِنْهُ أَبُو عُبَيْد فِي كِتَاب «الْأَمْوَال» أَنَّهُ الْقَدْرُ الَّذِي يَأْكُلُونَهُ بِحَسَبِ اِحْتِيَاجِهِمْ إِلَيْهِ، فَقَالَ: يُتْرَكُ قَدْر اِحْتِيَاجهمْ. وَقَالَ مَالِك، وَسُفْيَان: لَا يُتْرَكُ لَهُمْ شَيْء. وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ الشَّافِعِيِّ، قَالَ اِبْن الْعَرَبِيِّ: وَالْمُتَحَصَّلُ مِنْ صَحِيحِ النَّظَرِ أَنْ يُعْمَلَ بِالْحَدِيثِ، وَهُوَ قَدْر المؤنَة، وَلَقَدْ جَرَّبْنَاهُ فَوَجَدْنَاهُ كَذَلِكَ فِي الْأَغْلَبِ مِمَّا يُؤْكَلُ رُطَبًا. انتهى كلام الحافظ.
стр. 1922
قلتُ: وما ذهب إليه الشافعي، ومالك هو الصواب، وهو مذهب أصحاب الرأي، وقد خالفوا مذهبهم هنا في الاحتجاج بقول الصحابي إذا لم يوجد له مخالفٌ، وقد تقدم أن أثر عمر أنه يترك لهم قدر ما يأكلون، ولا يُعلم له مخالف، وأما حديث سهل بن أبي حثمة، فقد تقدم أنه ضعيفٌ، وظاهر حديث أبي حميد، وحديث جابر اللذين تقدما أنه لم يترك لهم قدر ما يأكلون، والله أعلم. (١)
مسألة [٤]: إذا تلف النخل بعد أن خُرِص ؟
قال ابن المنذر ﵀: أجمع أهل العلم على أنَّ الخارص إذا خرص الثمرة، ثم أصابته جائحة، فلا شيء عليه إذا كان قبل الجذاذ. وقال ابن قدامة ﵀: لا نعلم فيه خلافًا.
قلتُ: قد خالف ابن حزم، والراجح قول الجمهور، وكذلك الزرع إذا تلف بعد بُدُوِّ صلاحه؛ فلا شيء على صاحبها، والله أعلم. (٢)
مسألة [٥]: هل يكفي الخارص الواحد، أم لا بد من اثنين ؟
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في «الفتح» (١٤٨١): وهل يكفي خارصٌ واحدٌ عارفٌ ثقةٌ، أو لابد من اثنين؟ وهما قولان للشافعي، والجمهور على الأول. اهـ
قلتُ: ويدل على قول الجمهور إرسال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عبدالله بن رواحة على اليهود، وإرسال عمرُ سهلَ بن أبي حثمة كما تقدم، والله أعلم.
стр. 1923
٦٠١ - وَعَنْ عَتَّابِ بْنِ أَسِيدٍ ﵁، قَالَ: أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَنْ يُخْرَصَ العِنَبُ كَمَا يُخْرَصُ النَّخْلُ وَتُؤْخَذُ زَكَاتُهُ زَبِيبًا. رَوَاهُ الخَمْسَةُ، وَفِيهِ انْقِطَاعٌ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: هل يخرص العنب كما يخرص النخل ؟
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في «الفتح» (١٤٨١): وَاخْتُلِفَ أَيْضًا هَلْ يَخْتَصُّ بِالنَّخْلِ، أَوْ يُلْحَقُ بِهِ الْعِنَب، أَوْ يَعُمُّ كُلّ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ رَطِبًا وَجَافًّا؟ وَبِالْأَوَّلِ قَالَ شُرَيْح الْقَاضِي، وَبَعْضُ أَهْل الظَّاهِر، وَالثَّانِي قَوْل الجمْهُورِ، وَإِلَى الثَّالِثِ نَحَا الْبُخَارِيّ. اهـ
قال أبو عبدالله غفر الله له: الذي يظهر -والله أعلم- هو دخول العنب في الخرص؛ لأنَّ كثيرًا من أصحاب الأعناب ينتفعون بها، ويأكلون منها قبل تحويلها إلى زبيب.
стр. 1924
وفي «سنن البيهقي» (٤/ ١٢٢) بإسناد صحيح عن الزهري، قال: سمعت أبا أمامة بن سهل بن حنيف يحدثنا في مجلس سعيد بن المسيب، قال: مضت السنة أن لا تؤخذ الزكاة من نخل ولا عنب حتى يبلغ خرصها خمسة أوسق. قال الزهري: ولا نعلم يخرص من الثمر إلا التمر والعنب.
هذا وننبه على أنَّ العنب الذي لا يأتي منه زبيب ليس فيه زكاة على الصحيح خلافًا للجمهور؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أوجب الزكاة في الزبيب.
وإليه يميل الإمام العثيمين ﵀ كما في «مجموع فتاواه» (١٨/ ٦٢).
قال ﵀: والأحوط أن يزكيه. (١)
٦٠٣ - وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ. (١)
٦٠٤ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ أَنَّهَا كَانَتْ تَلْبَسُ أَوْضَاحًا (٢)، مِنْ ذَهَبٍ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَكَنْزٌ هُوَ؟ قَالَ: «إذَا أَدَّيْت زَكَاتَهُ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ». رَوَاهُ أَبُودَاوُد وَالدَّارَقُطْنِيّ. وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ. (٣)
المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث
مسألة [١]: هل في الحُلي من الذهب، والفضة زكاة ؟
• في هذه المسألة أقوال:
القول الأول: تجب فيه الزكاة.
وهذا القول جاء عن عمر ﵁ بسند ضعيفٍ مُنقطعٍ، وعن ابن مسعود ﵁ بإسناد حسنٍ، وعن عبد الله بن عمرو ﵄ بإسناد ضعيفٍ، وعن عائشة ﵂
стр. 1927
بإسناد حسنٍ، وهو قول سعيد بن جبير، وسعيد بن المسيب، وجابر بن زيد، وميمون بن مهران، ومحمد بن سيرين، والزهري، وعطاء، ومكحول، وعلقمة، والأسود، والنخعي، وطاوس، وعمر بن عبد العزيز، وهو مذهب الثوري، والأوزاعي، وابن المبارك، والحسن بن حي، وأحمد في رواية، وداود الظاهري، ورجَّحه ابن المنذر، ثم ابن حزم، ثم الصنعاني، ثم ابن باز وابن عثيمين والوادعي رحمة الله عليهم أجمعين.
وقد استدلوا بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة:٣٤]، فالآية عامة تشمل الحُلي، وكذلك الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «ما من صاحب ذهبٍ، ولا فضَّةٍ لا يؤدي زكاتها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار ... » يشمل الحُلي، واستدلوا أيضًا بأحاديث الباب.
• القول الثاني: لا زكاة فيه.
صحَّ عن ابن عمر، وجابر بن عبد الله، وعائشة، وأسماء بنت أبي بكر ﵃، وهو قول الحسن، والشعبي، وقتادة، ورُوي عن ابن المسيب، والقاسم، وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد، والليث، وإسحاق، وأبي ثور، وأبي عبيد، وابن خزيمة.
واستدلوا بحديث جابر ﵁ عند الدارقطني (٢/ ١٠٧)، وغيره مرفوعًا: «ليس في الحُلي زكاة»، وفي إسناده: أبو حمزة ميمون، وهو متروك.
وله طريق أخرى أحسن منها أخرجه ابن الجوزي في «التحقيق» برقم
стр. 1928
٩٨١ - ، وهو من طريق: إبراهيم بن أيوب، عن عافية بن أيوب، عن ليث بن سعد، عن أبي الزبير، عن جابر، وهو حديثٌ ضعيفٌ، أعلَّه بعضهم بجهالة عافية ابن أيوب، والواقع أنه ليس بمجهول؛ فقد قال فيه أبو زرعة: لا بأس به.
ولكن علة الحديث إبراهيم بن أيوب؛ فإنه ضعيفٌ، أو مجهول؛ فقد ضعفه أبو الطاهر المقدسي، وأبو العرب الأفريقي، وقال أبو حاتم: لا أعرفه.
والصواب في الحديث الوقف على جابر، فقد رواه ابن جريج، وأيوب، وعبد الملك عن أبي الزبير، عن جابرٍ موقوفًا، وإسناده صحيح، وفيه تصريح أبي الزبير بالسماع من جابر.
وقالوا: وجدت الحُلي عند الصحابة، ولم يؤمروا بإخراج الزكاة منها، ولأنها مستعملة وليست للتجارة والتنمية.
• القول الثالث: زكاته عاريته.
وهو قول الشعبي، والحسن، وقتادة، ورُوي عن جابر، ورُوي عن ابن عمر بإسنادٍ ضعيفٍ، وقال به أحمد في رواية، ومعنى كلام أحمد: أنه إذا لم يُعَرْ؛ ففيه زكاة، ورجَّح ذلك ابن القيم في «الطرق الحكمية».
• القول الرابع: تجب الزكاة فيه مرة واحدة.
وهذا القول ثبت عن أنس بن مالك ﵁، أخرجه ابن زنجويه (٣/ ٩٨٤)، والبيهقي (٤/ ١٣٨).
قال أبو عبد الله غفر الله له: الراجح هو القول الأول؛ لقوة أدلته، ولا معارض
стр. 1929
لها يصلح للمعارضة، والله أعلم. (١)
مسألة [٢]: هل في السيف المحلى زكاة ؟
مقتضى القول الصحيح في المسألة الأولى من وجوب زكاة الحلي أنه واجب أيضًا ههنا، وقد ثبت عن أبي أمامة ﵁ القول بالزكاة فيه، وهو قول مكحول، ومالك بن مغول.
• وذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا زكاة فيه، نقل عن عطاء، وحماد، وإبراهيم، وهو قول لا دليل عليه؛ فإن الأدلة العامة التي تقدمت في المسألة السابقة واضحة الدلالة في وجوب الزكاة فيها، والله أعلم. (٢)
مسألة [٣]: الأواني المتخذة من الذهب والفضة، هل فيها زكاة ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٤/ ٢٢٨): فِيْهَا الزَّكَاةُ بِغَيْرِ خِلَافٍ بَيْنَ أَهْلِ العِلْمِ، وَلَا زَكَاةَ فِيْهَا حَتَّى تَبْلُغَ نِصَابًا بِالْوَزْنِ، أَوْ يَكُونَ عِنْدَهُ مَا يَبْلُغُ نِصَابًا بِضَمِّهَا إِلَيْهِ. انتهى المراد.
قال الإمام ابن عبد البر ﵀ في «التمهيد» (١٦/ ١٠٩): أجمع العلماء على أن متخذ الآنية من الفضة أو الذهب عليه الزكاة فيها؛ إذا بلغت من وزنها ما تجب فيها الزكاة، وليس ذلك عندهم من باب الحلي المتخذ لزينة النساء، ولا من باب
стр. 1930
السيف المحلى، ولا المصحف المحلى في شيء فقف على هذا الأصل، واعلم أن ما أجمعوا عليه؛ فهو الحق الذي لا شك فيه وبالله التوفيق. اهـ
مسألة [٤]: هل يعتبر نصاب الحلي بالوزن، أم بالقيمة ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٤/ ٢٢٣): وَيُعْتَبَرُ فِي النِّصَابِ فِي الْحُلِيِّ الَّذِي تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ بِالْوَزْنِ، فَلَوْ مَلَكَ حُلِيًّا قِيمَتُهُ مِائَتَا دِرْهَمٍ، وَوَزْنُهُ دُونَ الْمِائَتَيْنِ؛ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ زَكَاةٌ، وَإِنْ بَلَغَ مِائَتَيْنِ وَزْنًا؛ فَفِيهِ الزَّكَاةُ وَإِنْ نَقَصَ فِي الْقِيمَةِ؛ لِقَوْلِهِ ﵇: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ مِنْ الْوَرِقِ صَدَقَةٌ». (١) انتهى المراد.
مسألة [٥]: الجواهر الأخرى من غير الذهب والفضة .
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٤/ ٢٢٤): فَإِنْ كَانَ فِي الْحُلِيِّ جَوْهَرٌ وَلَآلِئُ مُرَصَّعَةٌ؛ فَالزَّكَاةُ فِي الْحُلِيِّ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ دُونَ الجوْهَرِ؛ لِأَنَّهَا لَا زَكَاةَ فِيهَا عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ. اهـ