← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 165

فتح العلام في دراسة أحاديث بلوغ المرام ط 4

محمد بن علي بن حزام البعداني

Полный текст (5 956 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.

стр. 1926

٦٠٣ - وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ. (١) ٦٠٤ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ أَنَّهَا كَانَتْ تَلْبَسُ أَوْضَاحًا (٢)، مِنْ ذَهَبٍ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَكَنْزٌ هُوَ؟ قَالَ: «إذَا أَدَّيْت زَكَاتَهُ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ». رَوَاهُ أَبُودَاوُد وَالدَّارَقُطْنِيّ. وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ. (٣) المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث مسألة [١]: هل في الحُلي من الذهب، والفضة زكاة ؟ • في هذه المسألة أقوال: القول الأول: تجب فيه الزكاة. وهذا القول جاء عن عمر ﵁ بسند ضعيفٍ مُنقطعٍ، وعن ابن مسعود ﵁ بإسناد حسنٍ، وعن عبد الله بن عمرو ﵄ بإسناد ضعيفٍ، وعن عائشة ﵂

стр. 1927

بإسناد حسنٍ، وهو قول سعيد بن جبير، وسعيد بن المسيب، وجابر بن زيد، وميمون بن مهران، ومحمد بن سيرين، والزهري، وعطاء، ومكحول، وعلقمة، والأسود، والنخعي، وطاوس، وعمر بن عبد العزيز، وهو مذهب الثوري، والأوزاعي، وابن المبارك، والحسن بن حي، وأحمد في رواية، وداود الظاهري، ورجَّحه ابن المنذر، ثم ابن حزم، ثم الصنعاني، ثم ابن باز وابن عثيمين والوادعي رحمة الله عليهم أجمعين. وقد استدلوا بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة:٣٤]، فالآية عامة تشمل الحُلي، وكذلك الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «ما من صاحب ذهبٍ، ولا فضَّةٍ لا يؤدي زكاتها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار ... » يشمل الحُلي، واستدلوا أيضًا بأحاديث الباب. • القول الثاني: لا زكاة فيه. صحَّ عن ابن عمر، وجابر بن عبد الله، وعائشة، وأسماء بنت أبي بكر ﵃، وهو قول الحسن، والشعبي، وقتادة، ورُوي عن ابن المسيب، والقاسم، وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد، والليث، وإسحاق، وأبي ثور، وأبي عبيد، وابن خزيمة. واستدلوا بحديث جابر ﵁ عند الدارقطني (٢/ ١٠٧)، وغيره مرفوعًا: «ليس في الحُلي زكاة»، وفي إسناده: أبو حمزة ميمون، وهو متروك. وله طريق أخرى أحسن منها أخرجه ابن الجوزي في «التحقيق» برقم

стр. 1928

٩٨١ - ، وهو من طريق: إبراهيم بن أيوب، عن عافية بن أيوب، عن ليث بن سعد، عن أبي الزبير، عن جابر، وهو حديثٌ ضعيفٌ، أعلَّه بعضهم بجهالة عافية ابن أيوب، والواقع أنه ليس بمجهول؛ فقد قال فيه أبو زرعة: لا بأس به. ولكن علة الحديث إبراهيم بن أيوب؛ فإنه ضعيفٌ، أو مجهول؛ فقد ضعفه أبو الطاهر المقدسي، وأبو العرب الأفريقي، وقال أبو حاتم: لا أعرفه. والصواب في الحديث الوقف على جابر، فقد رواه ابن جريج، وأيوب، وعبد الملك عن أبي الزبير، عن جابرٍ موقوفًا، وإسناده صحيح، وفيه تصريح أبي الزبير بالسماع من جابر. وقالوا: وجدت الحُلي عند الصحابة، ولم يؤمروا بإخراج الزكاة منها، ولأنها مستعملة وليست للتجارة والتنمية. • القول الثالث: زكاته عاريته. وهو قول الشعبي، والحسن، وقتادة، ورُوي عن جابر، ورُوي عن ابن عمر بإسنادٍ ضعيفٍ، وقال به أحمد في رواية، ومعنى كلام أحمد: أنه إذا لم يُعَرْ؛ ففيه زكاة، ورجَّح ذلك ابن القيم في «الطرق الحكمية». • القول الرابع: تجب الزكاة فيه مرة واحدة. وهذا القول ثبت عن أنس بن مالك ﵁، أخرجه ابن زنجويه (٣/ ٩٨٤)، والبيهقي (٤/ ١٣٨). قال أبو عبد الله غفر الله له: الراجح هو القول الأول؛ لقوة أدلته، ولا معارض

стр. 1929

لها يصلح للمعارضة، والله أعلم. (١) مسألة [٢]: هل في السيف المحلى زكاة ؟ مقتضى القول الصحيح في المسألة الأولى من وجوب زكاة الحلي أنه واجب أيضًا ههنا، وقد ثبت عن أبي أمامة ﵁ القول بالزكاة فيه، وهو قول مكحول، ومالك بن مغول. • وذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا زكاة فيه، نقل عن عطاء، وحماد، وإبراهيم، وهو قول لا دليل عليه؛ فإن الأدلة العامة التي تقدمت في المسألة السابقة واضحة الدلالة في وجوب الزكاة فيها، والله أعلم. (٢) مسألة [٣]: الأواني المتخذة من الذهب والفضة، هل فيها زكاة ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٤/ ٢٢٨): فِيْهَا الزَّكَاةُ بِغَيْرِ خِلَافٍ بَيْنَ أَهْلِ العِلْمِ، وَلَا زَكَاةَ فِيْهَا حَتَّى تَبْلُغَ نِصَابًا بِالْوَزْنِ، أَوْ يَكُونَ عِنْدَهُ مَا يَبْلُغُ نِصَابًا بِضَمِّهَا إِلَيْهِ. انتهى المراد. قال الإمام ابن عبد البر ﵀ في «التمهيد» (١٦/ ١٠٩): أجمع العلماء على أن متخذ الآنية من الفضة أو الذهب عليه الزكاة فيها؛ إذا بلغت من وزنها ما تجب فيها الزكاة، وليس ذلك عندهم من باب الحلي المتخذ لزينة النساء، ولا من باب

стр. 1930

السيف المحلى، ولا المصحف المحلى في شيء فقف على هذا الأصل، واعلم أن ما أجمعوا عليه؛ فهو الحق الذي لا شك فيه وبالله التوفيق. اهـ مسألة [٤]: هل يعتبر نصاب الحلي بالوزن، أم بالقيمة ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٤/ ٢٢٣): وَيُعْتَبَرُ فِي النِّصَابِ فِي الْحُلِيِّ الَّذِي تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ بِالْوَزْنِ، فَلَوْ مَلَكَ حُلِيًّا قِيمَتُهُ مِائَتَا دِرْهَمٍ، وَوَزْنُهُ دُونَ الْمِائَتَيْنِ؛ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ زَكَاةٌ، وَإِنْ بَلَغَ مِائَتَيْنِ وَزْنًا؛ فَفِيهِ الزَّكَاةُ وَإِنْ نَقَصَ فِي الْقِيمَةِ؛ لِقَوْلِهِ ﵇: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ مِنْ الْوَرِقِ صَدَقَةٌ». (١) انتهى المراد. مسألة [٥]: الجواهر الأخرى من غير الذهب والفضة . قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٤/ ٢٢٤): فَإِنْ كَانَ فِي الْحُلِيِّ جَوْهَرٌ وَلَآلِئُ مُرَصَّعَةٌ؛ فَالزَّكَاةُ فِي الْحُلِيِّ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ دُونَ الجوْهَرِ؛ لِأَنَّهَا لَا زَكَاةَ فِيهَا عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ. اهـ

стр. 1931

٦٠٥ - وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﵁، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَأْمُرُنَا أَنْ نُخْرِجَ الصَّدَقَةَ مِنَ الَّذِي نَعُدُّهُ لِلْبَيْعِ. رَوَاهُ أَبُودَاوُد، وَإِسْنَادُهُ لَيِّنٌ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: هل في الأشياء المعروضة للتجارة زكاة ؟ • ذهب جمهور العلماء إلى أنَّ المعروضات للتجارة فيها الزكاة إذا حال عليها الحول، وذلك بأن تُقَوَّم ثم يُخرج ربع عشر قيمتها، وقد حكاه بعضهم إجماعًا، كابن المنذر وتبعه آخرون، والواقع وجود الخلاف؛ فقد قال الشافعي ﵀ في القديم: اختلف الناس في زكاة التجارة، فقال بعضهم: لا زكاة فيها، وقال بعضهم: فيها الزكاة، وهذا أحب إلينا. وهذا صريح في وجود الخلاف، وكذا قال أبو عبيد في «الأموال»: وقد قال بعض من يتكلم في الفقه: إنه لا زكاة في أموال التجارة. وهذا صريحٌ أيضًا في وجود الخلاف. ومن الذين قالوا بأنه لا زكاة في معروضات التجارة: عطاء، وداود الظاهري، ونصره ابن حزم، وهو ترجيح الشوكاني، وصديق بن حسن، والإمام الألباني، والإمام الوادعي رحمة الله عليهم أجمعين.

стр. 1932

وقد استدل الجمهور على ذلك بأدلة منها: حديث سمرة بن جندب ﵁ الذي في الباب، وقد تقدم بيان ضعفه. وبحديث أبي ذرٍّ ﵁ عند الدارقطني (٢/ ١٠٠ - ١٠١)، والحاكم (١/ ٣٨٨) وغيرهما، أن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «في الإبل صدقتها، وفي البقر صدقتها، وفي البز صدقته». وبحديث أبي هريرة ﵁ في «الصحيحين»، وفيه: «فأما خالد؛ فإنكم تظلمون خالدًا، فقد احتبس أدراعه، وأعتاده في سبيل الله» (١)، قالوا: إنما طالبوا خالدًا الزكاةَ في أدراعه، وأعتاده؛ لأنهم ظنوها معروضة للتجارة، فأخبرهم النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنه قد وقفها في سبيل الله. واستدلوا بأثر عمر بن الخطاب ﵁ عند أبي عبيد (ص ٥٨٠) وغيره، أنه قال لحماس: يا حماس، أَدِّ زكاة مالك. قال: فقلت: مالي مالٌ إلا جِعَاب وأُدُم. فقال: قَوِّمْها، ثم أَدِّ زكاتها. وأخرج ابن أبي شيبة (٣/ ١٨٣)، والبيهقي (٤/ ١٤٧) بإسناد صحيح عن ابن عمر ﵄، قال: ليس في العروض زكاة؛ إلا ما كان للتجارة. وقد أجاب القائلون بأنه لا زكاة في عروض التجارة عن حديث سمرة: بأنه ضعيفٌ كما تقدم، وكذلك حديث أبي ذر؛ فإنه من طريق: عمران بن أبي أنس، عن مالك بن أوس بن الحدثان، عن أبي ذر به.

стр. 1933

وقد رواه عنه ابن جريج، وموسى بن عبيدة الرَّبَذي، وسعيد بن سلمة بن أبي الحسام، وابن جريج لم يسمع من عمران كما قال البخاري، وقد جاء في «مسند أحمد» أنه قال: بلغه عن عمران. وموسى بن عبيدة الربذي شديد الضعف، ويحتمل أن ابن جريج دلَّسه، فهذه طبقته، وقد كان يدلس عن مثل هؤلاء، وأما سعيد بن سلمة بن أبي الحسام فهو مُختلف فيه، ومع ذلك فالظاهر أنه سقط من إسناد الحاكم موسى بن عبيدة، فرواه من طريق: ابن أبي الحسام عن عمران، وقد رواه الدارقطني بإسناد الحاكم، وذكر فيه (موسى بن عبيدة) بين سعيد وعمران، وكذلك البيهقي. ولذلك قال الحافظ في «إتحاف المهرة» (١٤/ ١٨٢): ومدار الحديث عليه. يعني موسى ابن عبيدة الربذي. قلتُ: فالحديث شديد الضعف. (١) قالوا: وأما حديث أبي هريرة ﵁ الذي في «الصحيحين» فيحتاجون إلى إثبات دعواهم، وهي أنَّ خالدًا كان يعرض سلاحه وأعتاده للبيع، وهذا الأمر غير ظاهرٍ، وإثبات أنَّ الساعي ظنَّ ذلك تكلف في التأويل، وللحديث تأويلان أقرب من هذا التأويل ذكرهما الحافظ في «الفتح» أولهما: أنَّ هذا اعتذار من النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لخالد ﵁ بأنَّ له عذرًا في المنع، واستدل على ذلك بأنَّ خالدًا قد وضع سلاحه وأعتاده في سبيل الله، فكيف يمنع الواجب ويتطوع. وثانيهما: أنَّ خالدًا كان نوى

стр. 1934

بإخراجها من ملكه الزكاة عن ماله؛ لأنَّ أحد الأصناف (في سبيل الله)، وهم المجاهدون. والتأويل الأول أقرب، وهو أحسن ما يحمل عليه الحديث. وأما أثر عمر بن الخطاب ﵁؛ فإنه من رواية أبي عمرو بن حماس، عن أبيه، وكلاهما مجهول. ثم وجدت له طرقًا يتقوى بها: من ذلك ما أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ١٨٤)، وأبو عبيد (١١٢٠) من طريق ابن إسحاق، عن الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن بن عبدٍ القاري، قال: كنت على بيت المال زمن عمر بن الخطاب؛ فكان إذا خرج العطاء جمع أموال التجار، ثم حسبها شاهدها، وغائبها، ثم أخذ الزكاة من شاهد المال على الشاهد والغائب. وفيه عنعنة ابن إسحاق. وله طرق أخرى عند أبي عبيد بمعنى ذلك، يتقوى بها إلى الحسن على أقل أحواله. وأما أثر عبدالله بن عمر فأجاب عنه بعضهم: بأنه اجتهاد من صحابي، والحجة بإجماع الصحابة لا بقول بعضهم ﵃. واستدل القائلون بأنه لا زكاة فيها بأنَّ الأصل حرمة أموال المسلمين، ولا نُوجب الزكاة فيها إلا بدليلٍ صحيحٍ صريحٍ في المسألة. قلتُ: قد ثبت عن عمر وابن عمر ﵄ الفتوى بالزكاة فيها، وهما صحابيان لازما النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ولا يعلم لهما مخالف من الصحابة، فالذي نقول به ونفتي به هو ما أفتى به هذان الصحابيان الجليلان ﵄، لا سيما وقد صار الأغنياء أكثرهم

стр. 1935

وجلهم أموالهم معروضة للتجارة والعمل، وليست ثابتة، ونسأل الله أن يشرح صدورنا للحق والصواب، وبالله التوفيق. (١) تنبيه: الذين يقولون بوجوب الزكاة في عروض التجارة لا يشترطون أن يَحُولَ على المعروضات الحول وهي عنده، بل يقولون: في كل عام يُقَوِّم ما عنده من المعروضات، ويُخْرِج ربع عشرها. ويُنبَّهُ أيضًا على أنَّ التاجر إذا كان لديه ذهبٌ، أو فضةٌ معروض للبيع وحال عليه الحول ولم يُبَعْ، وهو نصاب؛ فيجب فيه الزكاة قولًا واحدًا؛ لأنه مالٌ في ملكه حال عليه الحول، والله المستعان. مسألة [٢]: هل في العسل ز كاة ؟ جاء في زكاة العسل أحاديث، وهي كما يلي: جاء من حديث أبي هريرة ﵁ عند البيهقي (٤/ ١٢٦) مرفوعًا: «فِي الْعَسَلِ الْعُشْرُ»، وفي إسناده: عبد الله بن محرر، وهو كذابٌ. وجاء عند ابن ماجه (١٨٢٤) من رواية عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أخذ من العسل العُشرَ، وفي إسناده: نُعيم بن حماد فيه ضَعْفٌ، وأسامة بن زيد الليثي مُتَكَلَّمٌ فيه، والحديث مختصر، وهو عند أبي داود (١٥٩٦) بإسناد صحيح إلى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: جاء هلال أحد بني

стр. 1936

متعان إلى النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بعشور نحل له، وسأله أن يحمي واديًا يقال له (سلبة)، فحمى له رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ذلك الوادي، فلما وَلِيَ عمر ابن الخطاب ﵁ كتب سفيان بن وهب إلى عمر بن الخطاب يسأله عن ذلك. فكتب عمر: إنْ أدَّى إليك ما كان يؤدي إلى رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- من عشور نَحْلِهِ فاحم له سلبه، وإلا فإنما هو ذباب غيث يأكله من شاء. فتبين من سياق الحديث بطوله أنَّ الرجل جاء بعشور نحله بنفسه لا أنه زكاة أوجبها عليه رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ولذلك فإنَّ عمر بن الخطاب ﵁ جعل ذلك مُقابِلًا للحماية، ولم يأخذه عليه إلا بذلك. وجاء من حديث أبي سيارة، أخرجه ابن ماجه (١٨٢٣) عنه قال: قلت: يا رسول الله، إنَّ لي نحلًا. قال: «أدِّ العشور»، قلت: يا رسول الله، احمها لي. فحماها لي. وهو من طريق: سليمان بن موسى عن أبي سيارة. قال الترمذي ﵀: سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث، فقال: حديثٌ مرسل، وسليمان بن موسى لم يدرك أحدًا من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وليس في زكاة العسل شيء يصحُّ. اهـ وأخرج الترمذي (٦٢٩) عن ابن عمر ﵄ مرفوعًا: «فِي الْعَسَلِ فِي كُلِّ عَشَرَةِ أَزُقٍ زقٌّ»، وفي إسناده: صدقة بن عبد الله السمين، وهو متروكٌ، واتُّهِمَ بالوضع. وروى ابن أبي شيبة (٣/ ١٤٢) من حديث الحارث بن عبد الرحمن بن أبي

стр. 1937

ذباب الدوسي عن منير بن عبد الله، عن أبيه، عن سعد بن أبي ذباب، فذكر الحديث، وفيه أنه أخذ من قومه زكاةَ العسل العشرَ، فأقره عمر وجعله في صدقات المسلمين. قلتُ: وهو مع وقفه ضعيفٌ؛ لأنَّ منيرًا وأباه مجهولان، وبناءً على ما تقدم فلا يثبت في زكاة العسل شيءٌ، وهو قول البخاري كما تقدم، وكذلك قال ابن المنذر، والشافعي، والترمذي رحمة الله عليهم أجمعين. (١) اختلاف الفقهاء في هذه المسألة: • ذهب أحمد إلى أنَّ فيه الزكاة، قال ابن قدامة: ويُروَى ذلك عن عمر بن عبد العزيز، ومكحول، والزهري، وسليمان بن موسى، والأوزاعي، وإسحاق. واستدلوا ببعض الأحاديث المتقدمة. • وقال مالك، والشافعي، وابن أبي ليلى، والحسن بن صالح، وابن المنذر: لا زكاة فيه. وهو مذهب البخاري، والظاهرية، وهذا هو الصواب؛ لعدم ثبوت الأحاديث المتقدمة، وهو ترجيح الإمام الألباني، والإمام الوادعي، والإمام ابن عثيمين رحمة الله عليهم. (٢)

стр. 1938

٦٠٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «وَفِي الرِّكَازِ الخُمُسُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث تعريف الركاز: • ذهب جمهور العلماء إلى أنَّ الرِّكاز هو دِفن الجاهلية، وهو مأخوذٌ من الرَّكز بفتح الرَّاء، يقال: ركزه يركزه ركزًا إذا دفنه فهو مركوز. وهو مذهب أحمد، والشافعي، ومالك، وغيرهم. • وذهب أبو حنيفة، والثوري وغيرهما إلى أنَّ الرِّكاز يشمل المعادن أيضًا؛ لأنه يشملها الاسم اللغوي أعني الرِّكاز. واستدل لهما أيضًا بحديث أبي هريرة ﵁ عند البيهقي (٤/ ١٥٢)، قال: سُئل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عن الركاز؟ فقال: «هو الذهب الذي خلقه الله في الأرض يوم خلق السماوات والأرض»، وفيه: عبد الله بن سعيد المقبري، وهو متروك، ومع ذلك فهذا الدليل أخصُّ من دعواهم، والله أعلم. وحُجَّةُ الجمهور في أنَّ المعادن لا تدخل في الرِّكاز تفرقة النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بين المعدن والرِّكاز بقوله: «والمعدن جُبار، وفي الرِّكاز الخُمُس». والراجح قول الجمهور. (٢)

стр. 1939

مسألة [١]: ما الذي يجب في الركاز ؟ أوجب أهل العلم فيه الخُمُس، ورُوي عن الحسن أنه قال: ما كان في أرض الحرب؛ ففيه الخمس، وما كان في أرض السلم؛ ففيه الزكاة. يعني ربع العشر. قال ابن المنذر ﵀: ولا أعلم أحدًا فرَّق هذه التفرقة غير الحسن. قلتُ: وحُجَّةُ الجمهور حديث أبي هريرة ﵁ الذي في الباب. (١) مسألة [٢]: هل يُشترط في الركاز أن يكون نِصابًا ؟ • ذهب الجمهور من أهل العلم إلى أنه لا يُشترط أن يكون نِصابًا، بل يجب عليه الخمس في قليله وكثيره، وهو قول الشافعي في القديم، واختاره ابن المنذر. • وذهب الشافعي في الجديد إلى أنه لا يخرج منه الخمس إلا أنْ يبلغ النصاب: نصاب الذهب والفضة وما يعادلهما وظاهر حديث الباب يرجح قول الجمهور. (٢) مسألة [٣]: هل يُشترط أن يَحُول عليه الحول ؟ قال الحافظ ﵀ في «الفتح» (١٤٩٩): وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْحَوْلُ، بَلْ يَجِبُ إِخْرَاجُ الْخُمُسِ فِي الْحَالِ، وَأَغْرَبَ اِبْنُ الْعَرَبِيِّ فِي «شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ» فَحَكَى عَنْ الشَّافِعِيِّ الِاشْتِرَاطَ، وَلَا يُعْرَفُ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِهِ، وَلَا مِنْ كُتُبِ أَصْحَابِهِ. اهـ وقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في الحديث: «وفي الرِّكاز الخُمُس» يدل على عدم الاشتراط.

стр. 1940

مسألة [٤]: ما هو مصرف الركاز ؟ • فيه قولان: الأول: مصرفه مصرف خُمُس الفيء، وهو قول الجمهور، ومنهم: مالك، وأحمد في الأصح عنه، وهو قولٌ عن الشافعي، وهو قول أصحاب الرأي، واختاره بعض الشافعية ومنهم: المُزَني؛ وذلك لأنه مالٌ مخموس زالت عنه يد الكافر، فأشبه خُمُسَ الغنيمة. ومقصودهم بمصرف الفيء المذكور في قوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الحشر:٧]، والفيء: هو ما يُؤخذ من الكفار بدون قتال. الثاني: مصرفه مصرف الزكاة، وهم الأصناف الثمانية المذكورون في آية التوبة: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [التوبة:٦٠]، وهذا قول الشافعي في الأصح عنه، وأحمد في رواية. قلتُ: القول الأول أقرب؛ لأنه مالُ كافرٍ أُخِذ بغير حرب، فأشبه الفيء، وهذا ترجيح الإمام ابن عثيمين -رحمه الله تعالى-. (١) مسألة [٥]: من يجب عليه الخُمُس ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٤/ ٢٣٧): يَجِبُ الْخُمْسُ عَلَى كُلِّ مَنْ

стр. 1941

وَجَدَهُ، مِنْ مُسْلِمٍ وَذِمِّيٍّ، وَحُرٍّ وَعَبْدٍ، وَمُكَاتَبٍ، وَكَبِيرٍ وَصَغِيرٍ، وَعَاقِلٍ وَمَجْنُونٍ، وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ عَلَى الذِّمِّيِّ فِي الرِّكَازِ يَجِدُهُ الْخُمْسَ. قَالَهُ مَالِكٌ، وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَأَهْلُ الْعِرَاقِ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَغَيْرُهُمْ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَجِبُ الْخُمْسُ إلَّا عَلَى مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ؛ لِأَنَّهُ زَكَاةٌ. وَحُكِيَ عَنْهُ فِي الصَّبِيِّ وَالْمَرْأَةِ أَنَّهُمَا لَا يَمْلِكَانِ الرِّكَازَ. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَأَبُو عُبَيْدٍ: إذَا كَانَ الْوَاجِدُ لَهُ عَبْدًا، يُرْضَخُ لَهُ مِنْهُ، وَلَا يُعْطَاهُ كُلَّهُ. قال ابن قدامة: وَلَنَا، عُمُومُ قَوْلِهِ ﵇: «وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ»؛ فَإِنَّهُ يَدُلُّ بِعُمُومِهِ عَلَى وُجُوبِ الْخُمْسِ فِي كُلِّ رِكَازٍ يُوجَدُ، وَبِمَفْهُومِهِ عَلَى أَنَّ بَاقِيَهُ لِوَاجِدِهِ مَنْ كَانَ، وَلِأَنَّهُ مَالُ كَافِرٍ مَظْهُورٌ عَلَيْهِ، فَكَانَ فِيهِ الْخُمْسُ عَلَى مَنْ وَجَدَهُ وَبَاقِيه لِوَاجِدِهِ، كَالْغَنِيمَةِ ... انتهى المراد. قلتُ: وما رجَّحه ابن قدامة هو الصحيح في المسألة، والله أعلم. (١) مسألة [٦]: هل يختص الركاز بالذهب والفضة ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٤/ ٢٣٥): صِفَةِ الرِّكَازِ الَّذِي فِيهِ الْخُمْسُ، وَهُوَ كُلُّ مَا كَانَ مَالًا عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهِ، مِنْ الذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ، وَالْحَدِيدِ، وَالرَّصَاصِ، وَالصُّفْرِ، وَالنُّحَاسِ، وَالْآنِيَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ، وَأَبِي عُبَيْدٍ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ مَالِكٍ، وَأَحَدُ قَوْلَيْ

стр. 1942

الشَّافِعِيِّ، وَالْقَوْلُ الْآخَرُ: لَا تَجِبُ إلَّا فِي الْأَثْمَانِ يعني الذهب والفضة. قال ابن قدامة ﵀: وَلَنَا عُمُومُ قَوْلِهِ ﵇: «وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ»، وَلِأَنَّهُ مَالٌ مَظْهُورٌ عَلَيْهِ مِنْ مَالِ الْكُفَّارِ، فَوَجَبَ فِيهِ الْخُمْسُ مَعَ اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهِ، كَالْغَنِيمَةِ. اهـ قلتُ: الصحيح أنَّ الركاز واجب في كل مال من الذهب والفضة وغيرهما. (١)

стр. 1943

٦٠٧ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ فِي كَنْزٍ وَجَدَهُ رَجُلٌ فِي خَرِبَةٍ: «إنْ وَجَدْته فِي قَرْيَةٍ مَسْكُونَةٍ فَعَرِّفْهُ، وَإِنْ وَجَدْته فِي قَرْيَةٍ غَيْرِ مَسْكُونَةٍ فَفِيهِ وَفِي الرِّكَازِ الخُمُسُ». أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: موضع الركاز . قال ابن قدامة ﵀: وَلَا يَخْلُو مِنْ أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَجِدَهُ فِي مَوَاتٍ، أَوْ مَا لَا يُعْلَمُ لَهُ مَالِكٌ، مِثْلُ الْأَرْضِ الَّتِي يُوجَدُ فِيهَا آثَارُ الْمُلْكِ، كَالْأَبْنِيَةِ الْقَدِيمَةِ، وَالتُّلُولِ، وَجُدْرَانِ الْجاهِلِيَّةِ، وَقُبُورِهِمْ، فَهَذَا فِيهِ الْخُمْسُ بِغَيْرِ خِلَافٍ، سِوَى مَا ذَكَرْنَاهُ يعني خلاف الحسن المتقدم. قال: وَلَوْ وَجَدَهُ فِي هَذِهِ الْأَرْضِ عَلَى وَجْهِهَا، أَوْ فِي طَرِيقٍ غَيْرِ مَسْلُوكٍ، أَوْ قَرْيَةٍ خَرَابٍ، فَهُوَ كَذَلِكَ فِي الْحُكْمِ؛ لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ. فذكر حديث الباب. قال أبو عبد الله غفر الله له: وإن وجده في طريق مسلوك؛ ففيه خلاف بين أهل

стр. 1944

العلم؛ فمذهب الشافعية والحنابلة أنه لقطة، ومذهب المالكية أنه ركاز، والأول هو الصحيح لدلالة حديث الباب عليه. الْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَجِدَهُ فِي مِلْكِهِ الْمُنْتَقِلِ إلَيْهِ، فَهُوَ لَهُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ مَالُ كَافِرٍ مَظْهُورٌ عَلَيْهِ فِي الْإِسْلَامِ، فَكَانَ لِمَنْ ظَهَرَ عَلَيْهِ كَالْغَنَائِمِ، وَلِأَنَّ الرِّكَازَ لَا يُمْلَكُ بِمِلْكِ الْأَرْضِ، لِأَنَّهُ مُودَعٌ فِيهَا، وَإِنَّمَا يُمْلَكُ بِالظُّهُورِ عَلَيْهِ، وَهَذَا قَدْ ظَهَرَ عَلَيْهِ، فَوَجَبَ أَنْ يَمْلِكَهُ. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: هُوَ لِلْمَالِكِ قَبْلَهُ إنْ اعْتَرَفَ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَعْتَرِفْ بِهِ فَهُوَ لِلَّذِي قَبْلَهُ كَذَلِكَ إلَى أَوَّلِ مَالِكٍ. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ كَانَتْ يَدُهُ عَلَى الدَّارِ، فَكَانَتْ عَلَى مَا فِيهَا. ثم قال ابن قدامة ﵀: وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ -إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى- لِأَنَّ الرِّكَازَ لَا يُمْلَكُ بِمِلْكِ الدَّارِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَجْزَائِهَا وَإِنَّمَا هُوَ مُودَعٌ فِيهَا. اهـ قلتُ: وما صححه ابن قدامة هو الصواب إن شاء الله، وهو قول أبي يوسف، وبعض المالكية، والله أعلم. ومذهب الشافعي، هو قول المالكية، والحنفية أيضًا. تنبيه: إن ملك الأرض بالإحياء؛ فالكنز له عند أهل العلم، وهو ركاز عليه فيه الخمس، وألحق الشافعية ما ملكه بالإقطاع، وألحق المالكية ما ملكه بالإرث. الْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَجِدَهُ فِي مِلْكِ آدَمِيٍّ مُسْلِمٍ مَعْصُومٍ.

стр. 1945

فذكر ابن قدامة أقوالا مختصرها: • أنَّ المال لصاحب الدار، وهو قول أبي حنيفة، ومحمد بن الحسن، وأحمد في رواية. • أنَّ المال لواجده، وهو رواية عن أحمد، والحسن بن صالح، وأبي ثور، وأبي يوسف، وذلك لأنَّ الرِّكاز لا يملك بملك الدار كما تقدم. • وقال الشافعي: هو لمالك الدَّار إن اعترف به، وإن لم يعترف به، فهو لأول مالك؛ لأنه في يده. • إن استأجر حفَّارًا ليحفر له طلبًا لكنز يجده فوجده؛ فلا شيء للأجير، ويكون الواجد له هو المستأجر، وإن كان استأجره لأمر غير طلب الركاز؛ فالواجد له هو الأجير وهو له، وهذا قول الأوزاعي، وجماعة من الحنابلة. واختار هذا القول الشيخ ابن عثيمين ﵀، وهو الصواب إن شاء الله، ولا يتنافى هذا القول مع القول الثاني؛ فتأمل. الْقِسْمُ الرَّابِعُ: أَنْ يَجِدَهُ فِي أَرْضِ الْحَرْبِ؛ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ إلَّا بِجَمَاعَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ؛ فَهُوَ غَنِيمَةٌ لَهُمْ، وَإِنْ قَدَرَ عَلَيْهِ بِنَفْسِهِ؛ فَهُوَ لِوَاجِدِهِ، حُكْمُهُ حُكْمُ مَا لَوْ وَجَدَهُ فِي مَوَاتٍ فِي أَرْضِ الْمُسْلِمِينَ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ: إنْ عُرِفَ مَالِكُ الْأَرْضِ، وَكَانَ حَرْبِيًّا، فَهُوَ غَنِيمَةٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ فِي حِرْزِ مَالِكٍ مُعَيَّنٍ؛ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَخَذَهُ مِنْ بَيْتٍ أَوْ خِزَانَةٍ.

стр. 1946

قال ابن قدامة ﵀: وَلَنَا أَنَّهُ لَيْسَ لِمَوْضِعِهِ مَالِكٌ مُحْتَرَمٌ، أَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يُعْرَفْ مَالِكُهُ. قلتُ: والقول الأول أرجح، لما ذكره ابن قدامة ﵀، وهو قول أبي ثور، وأبي يوسفٍ أيضًا، والله أعلم بالصواب. (١)

стр. 1947

٦٠٨ - وَعَنْ بِلَالِ بْنِ الحَارِثِ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَخَذَ مِنَ المَعَادِنِ القَبَلِيَّةِ (١) الصَّدَقَةَ. رَوَاهُ أَبُودَاوُد. (٢) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: هل في المعادن زكاة؟ وما هي المعادن التي تجب فيها الزكاة ؟ • في المسألة أقوال: الأول: تجب الزكاة في كل معدن يُخْرَج من الأرض وله قيمة، وهو مذهب الحنابلة؛ لقوله تعالى: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [البقرة:٢٦٧]. الثاني: تجب الزكاة في الذهب، والفضة فقط، وهو مذهب مالك، والشافعي،

стр. 1948

واستدلوا بحديث: «لا زكاة في حجر» أخرجه البيهقي (٤/ ١٤٦)، وابن عدي (٥/ ١٦٨١)، وهو من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، ورواه عنه ثلاثة: عمر بن أبي عمر الكلاعي، وعثمان الوقاصي، ومحمد العرزمي، والأول منكر الحديث، والآخران متروكان، ومع ذلك فدليلهم يشمل غير الذهب والفضة؛ فإنَّ كثيرًا من المعادن ليست أحجارًا. الثالث: ليس في المعادن زكاة إلا أن يكون ذهبًا، أو فضةً وبلغ النِّصَاب، وحال عليه الحول، وهو قول داود الظاهري، والليث، وأحد قولي الشافعي، ونصره ابن حزم؛ لأدلة الزكاة المعلومة. الرابع: تجب الزكاة في الذهب، والفضة، والنحاس، والقصدير، والحديد، وهو قول أبي حنيفة، واختلف قوله في الزئبق. والصواب هو القول الثالث، والآية: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ مُبَيَّنة بالأدلة الأخرى. (١) تفريعات على مذهب الجمهور في وجوب الزكاة في المعادن: نصاب المعدن: • ذهب أحمد، والشافعي إلى أنَّ نصاب المعدن ما يُعادل نصاب الذهب، أو الفضة، وأوجب أبو حنيفة الخمس في قليله وكثيره. (٢)

стр. 1949

قدر الواجب منه وصفته: • فيه قولان: أولهما: ربع العشر؛ لأنه زكاة، وهو قول عمر بن عبد العزيز، ومالك، والحنابلة. ثانيهما: فيه الخُمُس؛ لأنه فَيْءٌ، وهو قول أبي حنيفة، وأبي عبيد، واختار الشافعي أنه زكاة، واختلف عنه في القدر كالمذهبين. (١) وقت الوجوب: • فيه قولان: أولهما: إذا تناوله -وكان نصابًا كاملًا- فَيُخرج الواجب منه عند تناوله وتملكه، وهو مذهب أحمد، ومالك، والشافعي، وأصحاب الرأي. ثانيهما: يُشترط أن يحول عليه الحول، وهو مذهب إسحاق، وابن المنذر. (٢) مسألة [٢]: المستخرج من البحر كاللؤلؤ، والمرجان، والعنبر . • في المسألة قولان: الأول: لا زكاة فيه، ولا شيء، وهو مذهب أحمد، ومالك، والثوري، والشافعي، وأبي حنيفة، ومحمد بن الحسن، وأبي ثور، وأبي عبيد، وهو قول عطاء، وعمر بن عبدالعزيز، والحسن بن صالح؛ لأنَّ هذه الأشياء قد كانت تخرج

стр. 1950

على عهد رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وخلفائه، فلم يأت فيها سنة عنه، ولا عن أحد من خلفائه من وجه يصح؛ ولأنَّ الأصل عدم الوجوب فيه. الثاني: فيه الزكاة، وهو رواية عن أحمد، ويحكى عن عمر بن عبدالعزيز، وهو قول الحسن، والزهري؛ لأنه خارج من معدن، فأشبه الخارج من معدن البَرِّ. قال ابن قدامة ﵀: ولا يصح قياسه على معدن البَرِّ؛ لأنَّ العنبر إنما يلقيه البحر، فيوجد ملقًى في البر على الأرض من غير تعب، فأشبه المباحات المأخوذة من البر، كالمن، والزنجبيل، وغيرهما. اهـ قلتُ: والقول الأول هو الصواب، وهو اختيار الظاهرية. (١)

стр. 1951

بَابُ صَدَقَةِ الفِطْرِ ٦٠٩ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: فَرَضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ زَكَاةَ الفِطْرِ، صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ: عَلَى العَبْدِ، وَالحُرِّ، وَالذَّكَرِ، وَالأُنْثَى، وَالصَّغِيرِ، وَالكَبِيرِ، مِنَ المُسْلِمِينَ، وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إلَى الصَّلَاةِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١) ٦١٠ - وَلِابْنِ عَدِيٍّ وَالدَّارَقُطْنِيّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ: «أَغْنُوهُمْ عَنِ الطَّوَافِ فِي هَذَا اليَوْمِ». (٢) ٦١١ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁، قَالَ: كُنَّا نُعْطِيهَا فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ: أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ. (٣) قَالَ أَبُوسَعِيدٍ: أَمَّا أَنَا فَلَا أَزَالُ أُخْرِجُهُ كَمَا كُنْت أُخْرِجُهُ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللهِ ﷺ . (٤) وَلِأَبِي دَاوُد: لَا أُخْرِجُ أَبَدًا إلَّا صَاعًا. (٥) ٦١٢ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: فَرَضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ زَكَاةَ الفِطْرِ طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنَ اللَّغْوِ، وَالرَّفَثِ، وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ، فَمَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ فَهِيَ زَكَاةٌ

стр. 1952

مَقْبُولَةٌ، وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنَ الصَّدَقَاتِ. رَوَاهُ أَبُودَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ. وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث مسألة [١]: حكم صدقة الفطر . دلَّ حديث ابن عمر، وحديث ابن عباس اللذان في الباب على وجوبها؛ لقولهما: «فرض ... ». قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أنَّ صدقةَ الفطر فرضٌ. وقال إسحاق: هو كالإجماع من أهل العلم. وقال ابن قدامة: وزعم ابن عبد البر أنَّ بعض المتأخرين من أصحاب مالك، وداود يقولون: هي سنة متأكدة. قلتُ: وزعم ابن حزم أنه أيضًا مذهب مالك، والصواب قول الجمهور. (٢) مسألة [٢]: على من تجب زكاة الفطر ؟ قال ابن قدامة ﵀ (٤/ ٢٨٣): زَكَاةُ الْفِطْرِ تَجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، مَعَ الصِّغَرِ وَالْكِبَرِ، وَالذُّكُورِيَّةِ وَالْأُنُوثِيَّةِ، فِي قَوْلِ أَهْلِ الْعِلْمِ عَامَّةً، وَتَجِبُ عَلَى الْيَتِيمِ،

стр. 1953

وَيُخْرِجُ عَنْهُ وَلِيُّهُ مِنْ مَالِهِ، لَا نَعْلَمُ أَحَدًا خَالَفَ فِي هَذَا، إلَّا مُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ، قَالَ: لَيْسَ فِي مَالِ الصَّغِيرِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ صَدَقَةٌ. وَقَالَ الْحَسَنُ، وَالشَّعْبِيُّ: صَدَقَةُ الْفِطْرِ عَلَى مَنْ صَامَ مِنْ الْأَحْرَارِ، وَعَلَى الرَّقِيقِ. اهـ ثم استدل ابن قدامة ﵀ بحديث ابن عمر الذي في الباب على وجوبها في مال اليتيم. مسألة [٣]: هل تجب زكاة الفطر على الكافر ؟ قال ابن قدامة ﵀ (٤/ ٢٨٣): وَلَا تَجِبُ عَلَى كَافِرٍ حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا، وَلَا نَعْلَمُ بَيْنَهُمْ خِلَافًا فِي الْحُرِّ الْبَالِغِ، وَقَالَ إمَامُنَا، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ: لَا تَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ أَيْضًا، وَلَا عَلَى الصَّغِيرِ. وَيُرْوَى عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَعَطَاءٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَالنَّخَعِيِّ، وَالثَّوْرِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، أَنَّ عَلَى السَّيِّدِ الْمُسْلِمِ أَنْ يُخْرِجَ الْفِطْرَةَ عَنْ عَبْدِهِ الذِّمِّيِّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُخْرِجُ عَنْ ابْنِهِ الصَّغِيرِ إذَا ارْتَدَّ. وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «صَدَقَةُ الفِطْرِ عَنْ كُلِّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ، ذَكَرٍ وَأُنْثَى، يَهُودِيٍّ أَوْ نَصْرَانِيٍّ، حُرٍّ أَوْ مَمْلُوكٍ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ، أو صاعًا من تمرٍ، أو صاعًا من شعير».اهـ قلتُ: الحديث أخرجه الدارقطني (٢/ ١٥٠) عن ابن عباس ﵄، وفيه: سلام الطويل، قال الدارقطني: متروك، ولم يسنده غيره. قال ابن قدامة ﵀: وَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: «مِنْ الْمُسْلِمِينَ».اهـ

стр. 1954

ثم ذكر حديث ابن عباس الذي في الباب. قلتُ: وزيادة: «من المسلمين» زيادة صحيحة متفق عليها، والراجح في المسألة هو قول الجمهور، والله أعلم. (١) مسألة [٤]: هل تجب على العبد المسلم زكاة الفطر ؟ قال النووي ﵀ في «المجموع» (٦/ ١٤٠): تجب فطرة العبد على سيده، وبه قال جميع العلماء إلا داود فأوجبها على العبد، قال: ويلزم السيد تمكينه من الكسب لأدائها؛ لحديث ابن عمر: «عَلَى كُلِّ حُرٍّ وَعَبْدٍ»، وقال الجمهور: «على» بمعنى (عن). اهـ قلتُ: واستدل الجمهور على وجوبها على السيد بحديث أبي هريرة ﵁ في مسلم (٩٨٢): «ليس على المسلم في عبده صدقة إلا صدقة الفطر». وقول الجمهور هو الصواب، وهو ترجيح ابن حزم. (٢) مسألة [٥]: إذا كان العبد مسلمًا وسيده كافرًا ؟ • حُكيَ عن أحمد أنَّ على الكافر إخراج صدقة الفطر عنه، واختاره بعض الحنابلة، وهو وجهٌ عند الشافعية. • وذهب أكثر أهل العلم إلى عدم الوجوب، حتى قال ابن المنذر: أجمع كل من

стр. 1955

نحفظ عنه من أهل العلم أنْ لا صدقة على الذِّمِّي في عبده المسلم؛ لقوله ﵇: «من المسلمين». وهذا هو الصواب، والله أعلم. (١) مسألة [٦]: هل يجب على السيد الفطرة على عبيد التجارة ؟ • ذهب أكثر أهل العلم إلى أن عليه أن يُخرِجَ عنهم زكاة الفطر؛ لعموم الحديث، وهو قول الشافعي، وأحمد، وإسحاق. • وذهب أبو حنيفة، والثوري إلى أنه ليس فيهم زكاة، وهو قول عطاء، والنخعي. والصواب القول الأول. (٢) مسألة [٧]: إذا كان العبد غائبًا فهل على السيد زكاة ؟ قال ابن المنذر ﵀ كما في «المغني» (٤/ ٣٠٤): أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَرَوْنَ أَنْ تُؤَدَّى زَكَاةُ الْفِطْرِ عَنْ الرَّقِيقِ، غَائِبِهِمْ وَحَاضِرِهِمْ؛ لِأَنَّهُ مَالِكٌ لَهُمْ، فَوَجَبَتْ فِطْرَتُهُمْ عَلَيْهِ كَالْحَاضِرِينَ. وَمِمَّنْ أَوْجَبَ فِطْرَةَ الْآبِقِ: الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَأَوْجَبَهَا الزُّهْرِيُّ إذَا عُلِمَ مَكَانُهُ، وَالْأَوْزَاعِيُّ إنْ كَانَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَمَالِكٌ إنْ كَانَتْ غَيْبَتُهُ قَرِيبَةً، وَلَمْ يُوجِبْهَا عَطَاءٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ، فَلَا تَجِبُ فِطْرَتُهُ كَالْمَرْأَةِ النَّاشِزِ. اهـ

стр. 1956

قال ابن قدامة ﵀: وَلَنَا أَنَّهُ مَالٌ لَهُ، فَوَجَبَتْ زَكَاتُهُ فِي حَالِ غَيْبَتِهِ، كَمَالِ التِّجَارَةَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَلْزَمَهُ إخْرَاجُ زَكَاتِهِ حَتَّى يَرْجِعَ إلَى يَدِهِ كَزَكَاةِ الدَّيْنِ وَالمَغْصُوبِ. اهـ قال أبو عبد الله غفر الله له: عليه أن يُخْرِجَ عنه زكاة الفطر؛ إلا إنْ يئس من رجوعه، والله أعلم. مسألة [٨]: إذا كان العبد، أو العبيد في ملك أكثر من سيد ؟ قال النووي ﵀ في «المجموع» (٦/ ١٤١): لو كان بينهما عبدٌ، أو عبيد كثيرون مشتركون مناصفة؛ وجب عن كل عبد صاع يلزم كل واحد من الشريكين نصفه، هذا مذهبنا، وبه قال مالكٌ، وعبد الملك الماجشون، وإسحاق، وأبو ثور، ومحمد بن الحسن، وابن المنذر، وقال الحسن البصري، وعكرمة، والثوري، وأبو حنيفة، وأبو يوسف: لا شيء على واحد منهما؛ لأنه ليس عليه لأحد منهما ولاية تامة، وعن أحمد روايتان (إحداهما) كمذهبنا، (والثانية) على كل واحد صاع عن نصيبه من كل عبد. اهـ قلتُ: الراجح ما ذهب إليه الأكثر من أنهم يشتركون في الزكاة كُلًّا بقدر نصيبه، وأحمد قد قيل إنه رجع عن الرواية الثانية. (١) مسألة [٩]: إذا كان الرجل نصفه عبدٌ ونصفه حرٌّ ؟ قال النووي ﵀ (٦/ ١٤١): مذهبنا وجوب صاع، عليه نصفُه، وعلى مالك نصفِه نصفُه، وقال أبو حنيفة: عليه نصف صاع، ولا شيء على سيده. وقال مالك:

стр. 1957

على سيده نصف صاعٍ، ولا شيء على العبد. وقال أبو يوسف، ومحمد: عليه صاعٌ، ولا شيء على سيده. وقال عبد الملك الماجشون: على سيده صاعٌ، ولا شيء على العبد. اهـ قلتُ: ومذهب الحنابلة كمذهب الشافعية، ومذهب الظاهرية كمذهب أبي يوسف، ومحمد؛ لأنه ليس بعبدٍ كاملٍ، ولا حُرٍّ كامل؛ فتجب عليه؛ لدخوله تحت قوله: «ذكر أو أنثى، صغير أو كبير». (١) مسألة [١٠]: هل فطرة المتزوجة على زوجها، أم على نفسها ؟ • ذهب أكثر أهل العلم إلى أنَّ الفطرة على زوجها، وهو قول أحمد، ومالك، والشافعي، وإسحاق، واستدلوا بحديث ابن عمر الذي في الباب، وقالوا: «على» بمعنى (عن) بدليل أنَّ العبد والطفل الذي لا يملك يُخْرِج عنهما السيد والوالد، ولأنه تجب عليه النفقة؛ فوجبت عليه أيضًا الفطرة. • وذهب أبو حنيفة، والثوري، وابن المنذر إلى أنه لا تجب عليه فطرة امرأته، بل فطرتها على نفسها، وهو قول الظاهرية، واستدلوا بقوله: «على كل ذكر وأنثى». قلتُ: قول الجمهور قريب، واختاره شيخ الإسلام ﵀، وقد رجَّح الإمام ابن عثيمين ﵀ القول الثاني. (٢)

стр. 1958

مسألة [١١]: من تبرع بمؤنة إنسان، فهل تلزمه فطرته ؟ • ذهب أحمد إلى أنه تلزمه فطرته، واختاره كثير من أصحابه. قال ابن قدامة ﵀: واختار أبو الخطاب أنه لا تلزمه فطرته؛ لأنه لا تلزمه مؤنته، فلم تلزمه فطرته، وهذا قول أكثر أهل العلم، وهو الصحيح إن شاء الله تعالى، وكلام أحمد في هذا محمول على الاستحباب، لا على الإيجاب ... انتهى المراد. قلتُ: الصواب قول الجمهور، والله أعلم. (١) مسألة [١٢]: ما ضابط اليسار الذي تجب به زكاة الفطر ؟ قال ابن المنذر ﵀: أجمعوا على أنَّ من لا شيء له؛ فلا فطرة عليه. قلتُ: واختلفوا في ضابط اليسار الذي تجب به زكاة الفطر على قولين: الأول: أن يملك فاضلًا عن قوته وقوت من يلزمه نفقته ليلة العيد ويومه، وهو قول عطاء، والشعبي، وابن سيرين، وأبي العالية، والزهري، ومالك، والشافعي، وابن المبارك، وأحمد، وأبي ثور. الثاني: أن يملك نصابًا من الذهب، والفضة، أو ما يعادلهما زائدًا عن مسكنه، وأثاثه الذي لابد له منه، وهو قول أبي حنيفة. قال العبدري: ولا يُحفظ هذا عن أحد غير أبي حنيفة. قال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب القول الأول؛ لحديث: «ابدأ بمن

стр. 1959

تعول» (١)، وحديث: «كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يقوت» (٢). (٣) مسألة [١٣]: هل تجب زكاة الفطر عن الجنين ؟ قال ابن قدامة ﵀ (٤/ ٣١٦): الْمَذْهَبُ أَنَّ الْفِطْرَةَ غَيْرُ وَاجِبَةٍ عَلَى الْجنِينِ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ لَا يُوجِبُونَ عَلَى الرَّجُلِ زَكَاةَ الْفِطْرِ عَنْ الْجنِينِ فِي بَطْنِ أُمَّهُ. وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى أَنَّهَا تَجِبُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ آدَمِيٌّ، تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لَهُ وَبِهِ وَيَرِثُ؛ فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ الْأَخْبَارِ. اهـ قلتُ: وهذه الرواية عن أحمد بالوجوب قال بها ابن حزم الظاهري؛ لأنه يدخل في قوله: «كل صغير»، والذي يظهر -والله أعلم- أنَّ الجنين لا يدخل في ذلك؛ لأنه لم يتحقق خروجه حيًّا بعدُ، فكيف يوجب عليه، ولأنه لم تثبت له أحكام الدنيا إلا في الإرث والوصية بشرط أن يخرج حيًّا، والله أعلم. (٤) مسألة [١٤]: المكاتب هل يُخْرِج عن نفسه، أم يُخْرِج عنه السيد ؟ • فيها أقوال: الأول: أنه يُخْرِج عن نفسه، وهو مذهب أحمد، وهو قول الحسن.

стр. 1960

الثاني: أنها تجب على سيده، وهو قول عطاء، وميمون بن مهران، ومالك، وأبي ثور، وابن المنذر؛ لأنَّ المكاتب ما زال عبدًا حتى يتخلص من الكتابة. الثالث: لا تجب على المكاتب ولا على السيد، وهو قول الشافعية في الأصح عندهم، وهو قول أصحاب الرأي. قلتُ: والقول الثاني هو الصحيح، وهو اختيار ابن حزم ﵀، ويدل عليه حديث عمرو ابن شعيب، عن أبيه، عن جده مرفوعًا: «المكاتب عبدٌ ما بقي عليه من مكاتبته درهم»، وهو حسن، وسيأتي في [كتاب العتق] إن شاء الله تعالى. (١) مسألة [١٥]: ما هي الأصناف التي يخرج منها زكاة الفطر ؟ • في هذه المسألة أقوال: القول الأول: التمر، والزبيب، وكل ما يُقتات ويدخر من الحبوب، بشرط أن يكون من قوت البلد، وهو مذهب الشافعية، والمالكية، وقال بهذا القول بعض الحنابلة دون اشتراط، وعند الشافعية قول بشرطية أن يكون قوت نفسه لا قوت البلد. القول الثاني: التمر، والزبيب، والبر، والشعير، والأَقِط، وهذا هو ظاهر مذهب الحنابلة، وعند أكثرهم لا يجوز العدول عن هذه الأصناف مع القدرة عليها، سواء كان المعدول إليه قوت البلد أو لم يكن. القول الثالث: أنه يتخير بين البر والدقيق، والسويق، والزبيب، والتمر، والشعير، والقيمة بالمال، وهذا قول أبي حنيفة وأصحابه.

стр. 1961

القول الرابع: أنه لا يجزئ إلا الشعير، والتمر، وهو قول ابن حزم الظاهري، واستدل بحديث ابن عمر الذي في الباب، وأما حديث أبي سعيد فأجاب عنه بأنه مضطربٌ وموقوفٌ. قلتُ: والراجح من هذه الأقوال هو القول الأول؛ لحديث أبي سعيد: «صاعًا من طعامٍ»، وهذا القول نصره شيخ الإسلام، وعزاه للجمهور. قال شيخ الإسلام ﵀ -بعد أن عزا هذا القول لأكثر العلماء-: وَهُوَ أَصَحُّ الْأَقْوَالِ؛ فَإِنَّ الْأَصْلَ فِي الصَّدَقَاتِ أَنَّهَا تَجِبُ عَلَى وَجْهِ الْمُسَاوَاةِ لِلْفُقَرَاءِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة:٨٩]، وَالنَّبِيُّ ﷺ فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ؛ لِأَنَّ هَذَا كَانَ قُوتَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَلَوْ كَانَ هَذَا لَيْسَ قُوتَهُمْ، بَلْ يَقْتَاتُونَ غَيْرَهُ؛ لَمْ يُكَلِّفْهُمْ أَنْ يُخْرِجُوا مِمَّا لَا يَقْتَاتُونَهُ، كَمَا لَمْ يَأْمُرْ اللهُ بِذَلِكَ فِي الْكَفَّارَاتِ، وَصَدَقَةُ الْفِطْرِ مِنْ جِنْسِ الْكَفَّارَاتِ هَذِهِ مُعَلَّقَةٌ بِالْبَدَنِ، وَهَذِهِ مُعَلَّقَةٌ بِالْبَدَنِ، بِخِلَافِ صَدَقَةِ الْمَالِ؛ فَإِنَّهَا تَجِبُ بِسَبَبِ الْمَالِ مِنْ جِنْسِ مَا أَعْطَاهُ اللهُ. اهـ قلتُ: وإذا أخرج مما ذكر في حديث أبي سعيد الخدري المذكور في الباب، ولم يكون من قوت البلد؛ فلا نتجاسر على الحكم بعدم صحة صدقته، ولكنا نأمره بأن يخرج من قوت بلده. (١)

стр. 1962

مسألة [١٦]: هل يجزئ الأقط (اللبن المجفف) ؟ دلَّ حديث أبي سعيد الخدري الذي في الباب أنه يجزئ، وهو رواية عن أحمد أخذ بها جماعة من أصحابه، وقال بذلك بعض الشافعية. والرواية الثانية عن أحمد أنَّ الأَقِط لا يجزئ إذا كان قادرًا على غيره من الأصناف الأخرى، وكذلك يجزئ أهل البادية إذا كان قوتهم. • وذهب مالك، والشافعي في أحد قوليه إلى أنه يجزئ إذا كان من غالب القوت، والقول الثاني عن الشافعي أنه لا يجزئ. • وذهب أبو حنيفة إلى أنَّ الأقط تعتبر فيه القيمة، ولا يجزئ أن يأخذه أقطًا. قال أبو عبد الله غفر الله له: الأقط يجزئ مطلقًا؛ لحديث أبي سعيد الخدري ﵁، والله أعلم. (١) مسألة [١٧]: هل يجزئ الدقيق في صدقة الفطر ؟ • ذهب أحمد، وأصحاب الرأي إلى أنه يجزئ، واستدلوا بزيادة في حديث أبي سعيد: «أو صاعًا من دقيق»، أخرجها النسائي، ولأنَّ الدقيق أجزاء الحب بحتًا يمكن كيله وادِّخاره؛ فجاز إخراجه. • وذهب مالك، والشافعي إلى أنه لا يجزئ؛ لأنه لم يذكر في حديث أبي سعيد. والصواب -والله أعلم- هو القول الأول؛ للمعنى الذي ذكروه، وأما زيادة:

стр. 1963

«أو صاعًا من دقيق» عند النسائي؛ فهي زيادة شاذَّة، والوهم فيها من ابن عيينه كما بين ذلك أبو داود في «سننه»، ولكنه يُخرج بالوزن لا بالكيل؛ لأنَّ الدقيق يريع إذا طحن. قاله شيخ الإسلام ﵀. (١) مسألة [١٨]: هل تجزئ القيمة بالدراهم ؟ • ذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يجزئ إخراج القيمة في زكاة الفطر، وهو مذهب أحمد، ومالك، والشافعي، والظاهرية، وقال الثوري، وأبو حنيفة: يجوز. ورُوي عن الحسن، وعمر بن عبد العزيز. والصواب ما ذهب إليه الجمهور؛ لحديث ابن عمر، وأبي سعيد اللَّذَيْنِ في الباب، وقد استدل المخالف بأثر معاذ بن جبل أنه قال لأهل اليمن: ائتوني بعرض ثياب آخذه منكم مكان الذرة والشعير؛ فإنه أهون عليكم وخير للمهاجرين بالمدينة. أخرجه يحيى بن آدم في «الخراج» (٥٢٥)، من طريق طاوس، عن معاذ، وهو منقطع؛ فإن طاوسًا لم يلق معاذًا ﵁. (٢) مسألة [١٩]: ما هو القدر الذي يجب إخراجه في صدقة الفطر ؟ ذكر أهل العلم أنه يخرج صاعًا؛ إلا أنهم اختلفوا في البر، فقال طائفة من أهل العلم: يخرج نصف صاع، وألحق أبو حنيفة الزبيب بالبر، فقال: يجب فيه نصف صاع أيضًا. وفي رواية عنه: يجب فيه صاع أيضًا.

стр. 1964

والقائلون بأنَّ البر فيه نصف صاع فقط، هم: سعيد بن المسيب، وعطاء، ومجاهد، وعمر بن عبد العزيز، وعروة بن الزبير، وسعيد بن جبير، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، والقاسم بن محمد، وسالم، وغيرهم، وهو مذهب أهل الكوفة، والأوزاعي، والليث، والثوري. ونقل هذا القول عن أبي بكر الصديق، وعمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، وجابر، وابن عباس، وابن الزبير، وأبي هريرة، ومعاوية، وأسماء ﵃. وقد رُوي في هذا القول أحاديث: منها: حديث أسماء بنت أبي بكر عند أحمد (٦/ ٣٤٦ - )، والطحاوي (٢/ ٤٣)، قالت: كُنَّا نؤدي زكاة الفطر على عهد رسول الله ﷺ مُدَّيْن من قمح. وله إسنادان: إسناد فيه ابن لهيعة، والراوي عنه ابن المبارك، وإسناد آخر فيه يحيى بن أيوب الغافقي. ثم وجدت له إسنادًا ثالثًا عند الطحاوي (٢/ ٤٣) من طريق محمد بن عُزَيز، حدثنا سلامة، وهو ابن روح الأيلي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن أسماء به. وهذه متابعة ليحيى بن أيوب؛ لأنه رواه عن هشام كذلك. ثم رأيت وكيع بن الجراح قد خالفهم جميعًا، وهو ثقة حافظ؛ فرواه عن هشام ابن عروة، عن فاطمة عن أسماء ﵂ موقوفًا عليها. أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ١٧٢)، وتابعه محاضر بن المورع عند ابن زنجويه (٢٣٧٨).

стр. 1965

قلتُ: رواية وكيع أرجح، والراجح في الحديث الوقف على أسماء ﵂. ومنها: حديث ثعلبة بن أبي صُعير عن أبيه، وفيه: «صاع من قمح بين كل اثنين» أخرجه أبو داود برقم (١٦١٩)، والرَّاجح أنه مرسل من مراسيل الزهري، رجَّح ذلك أحمد كما في «المغني» (٤/ ٢٨٧)، ورجح الدارقطني أنه من رواية الزهري، عن سعيد بن المسيب مرسلًا كما في «العلل» (١١٩٥). ومنها: حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أخرجه الترمذي (٦٧٤)، والدارقطني (٢/ ١٤٢)، وهو من طريق: ابن جريج، عن عمرو بن شعيب، قال البخاري: لم يسمع منه. وقد رواه عبد الرزاق كما في «نصب الراية» (٢/ ٤٢١) عن ابن جريج، عن عمرو بن شعيب، قال: بلغني أنَّ النبي ﷺ ، وهذا معضلٌ. ومنها: حديث ابن عباس عند أبي داود (١٦٢٢)، والنسائي (٣/ ١٩٠)، وهو من طريق: الحسن عنه، ولم يسمع منه. وأخرج الطحاوي (٢/ ٤٦) بأسانيده عن سعيد بن المسيب، وأبي سلمة بن عبدالرحمن، وعبيدالله بن عبدالله بن عتبة، والقاسم، وسالم، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أمر في صدقة الفطر بِمُدَّيْنِ من حنطة. وفي أحد أسانيده أبو زرعة وهب الله بن راشد، وفي الإسناد الآخر: يحيى بن أيوب، وله أوهام، وفي الإسناد الثالث ابن لهيعة. وأما القائلون بهذا من الصحابة المتقدمين فبعضها لا يثبت. فأثر أبي بكر ﵁ منقطع؛ فإنه من طريق سعيد بن المسيب عنه. ولم يدركه.
следующие страницы →