← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 165

فتح العلام في دراسة أحاديث بلوغ المرام ط 4

محمد بن علي بن حزام البعداني

Полный текст (5 956 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.

стр. 1961

القول الرابع: أنه لا يجزئ إلا الشعير، والتمر، وهو قول ابن حزم الظاهري، واستدل بحديث ابن عمر الذي في الباب، وأما حديث أبي سعيد فأجاب عنه بأنه مضطربٌ وموقوفٌ. قلتُ: والراجح من هذه الأقوال هو القول الأول؛ لحديث أبي سعيد: «صاعًا من طعامٍ»، وهذا القول نصره شيخ الإسلام، وعزاه للجمهور. قال شيخ الإسلام ﵀ -بعد أن عزا هذا القول لأكثر العلماء-: وَهُوَ أَصَحُّ الْأَقْوَالِ؛ فَإِنَّ الْأَصْلَ فِي الصَّدَقَاتِ أَنَّهَا تَجِبُ عَلَى وَجْهِ الْمُسَاوَاةِ لِلْفُقَرَاءِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة:٨٩]، وَالنَّبِيُّ ﷺ فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ؛ لِأَنَّ هَذَا كَانَ قُوتَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَلَوْ كَانَ هَذَا لَيْسَ قُوتَهُمْ، بَلْ يَقْتَاتُونَ غَيْرَهُ؛ لَمْ يُكَلِّفْهُمْ أَنْ يُخْرِجُوا مِمَّا لَا يَقْتَاتُونَهُ، كَمَا لَمْ يَأْمُرْ اللهُ بِذَلِكَ فِي الْكَفَّارَاتِ، وَصَدَقَةُ الْفِطْرِ مِنْ جِنْسِ الْكَفَّارَاتِ هَذِهِ مُعَلَّقَةٌ بِالْبَدَنِ، وَهَذِهِ مُعَلَّقَةٌ بِالْبَدَنِ، بِخِلَافِ صَدَقَةِ الْمَالِ؛ فَإِنَّهَا تَجِبُ بِسَبَبِ الْمَالِ مِنْ جِنْسِ مَا أَعْطَاهُ اللهُ. اهـ قلتُ: وإذا أخرج مما ذكر في حديث أبي سعيد الخدري المذكور في الباب، ولم يكون من قوت البلد؛ فلا نتجاسر على الحكم بعدم صحة صدقته، ولكنا نأمره بأن يخرج من قوت بلده. (١)

стр. 1962

مسألة [١٦]: هل يجزئ الأقط (اللبن المجفف) ؟ دلَّ حديث أبي سعيد الخدري الذي في الباب أنه يجزئ، وهو رواية عن أحمد أخذ بها جماعة من أصحابه، وقال بذلك بعض الشافعية. والرواية الثانية عن أحمد أنَّ الأَقِط لا يجزئ إذا كان قادرًا على غيره من الأصناف الأخرى، وكذلك يجزئ أهل البادية إذا كان قوتهم. • وذهب مالك، والشافعي في أحد قوليه إلى أنه يجزئ إذا كان من غالب القوت، والقول الثاني عن الشافعي أنه لا يجزئ. • وذهب أبو حنيفة إلى أنَّ الأقط تعتبر فيه القيمة، ولا يجزئ أن يأخذه أقطًا. قال أبو عبد الله غفر الله له: الأقط يجزئ مطلقًا؛ لحديث أبي سعيد الخدري ﵁، والله أعلم. (١) مسألة [١٧]: هل يجزئ الدقيق في صدقة الفطر ؟ • ذهب أحمد، وأصحاب الرأي إلى أنه يجزئ، واستدلوا بزيادة في حديث أبي سعيد: «أو صاعًا من دقيق»، أخرجها النسائي، ولأنَّ الدقيق أجزاء الحب بحتًا يمكن كيله وادِّخاره؛ فجاز إخراجه. • وذهب مالك، والشافعي إلى أنه لا يجزئ؛ لأنه لم يذكر في حديث أبي سعيد. والصواب -والله أعلم- هو القول الأول؛ للمعنى الذي ذكروه، وأما زيادة:

стр. 1963

«أو صاعًا من دقيق» عند النسائي؛ فهي زيادة شاذَّة، والوهم فيها من ابن عيينه كما بين ذلك أبو داود في «سننه»، ولكنه يُخرج بالوزن لا بالكيل؛ لأنَّ الدقيق يريع إذا طحن. قاله شيخ الإسلام ﵀. (١) مسألة [١٨]: هل تجزئ القيمة بالدراهم ؟ • ذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يجزئ إخراج القيمة في زكاة الفطر، وهو مذهب أحمد، ومالك، والشافعي، والظاهرية، وقال الثوري، وأبو حنيفة: يجوز. ورُوي عن الحسن، وعمر بن عبد العزيز. والصواب ما ذهب إليه الجمهور؛ لحديث ابن عمر، وأبي سعيد اللَّذَيْنِ في الباب، وقد استدل المخالف بأثر معاذ بن جبل أنه قال لأهل اليمن: ائتوني بعرض ثياب آخذه منكم مكان الذرة والشعير؛ فإنه أهون عليكم وخير للمهاجرين بالمدينة. أخرجه يحيى بن آدم في «الخراج» (٥٢٥)، من طريق طاوس، عن معاذ، وهو منقطع؛ فإن طاوسًا لم يلق معاذًا ﵁. (٢) مسألة [١٩]: ما هو القدر الذي يجب إخراجه في صدقة الفطر ؟ ذكر أهل العلم أنه يخرج صاعًا؛ إلا أنهم اختلفوا في البر، فقال طائفة من أهل العلم: يخرج نصف صاع، وألحق أبو حنيفة الزبيب بالبر، فقال: يجب فيه نصف صاع أيضًا. وفي رواية عنه: يجب فيه صاع أيضًا.

стр. 1964

والقائلون بأنَّ البر فيه نصف صاع فقط، هم: سعيد بن المسيب، وعطاء، ومجاهد، وعمر بن عبد العزيز، وعروة بن الزبير، وسعيد بن جبير، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، والقاسم بن محمد، وسالم، وغيرهم، وهو مذهب أهل الكوفة، والأوزاعي، والليث، والثوري. ونقل هذا القول عن أبي بكر الصديق، وعمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، وجابر، وابن عباس، وابن الزبير، وأبي هريرة، ومعاوية، وأسماء ﵃. وقد رُوي في هذا القول أحاديث: منها: حديث أسماء بنت أبي بكر عند أحمد (٦/ ٣٤٦ - )، والطحاوي (٢/ ٤٣)، قالت: كُنَّا نؤدي زكاة الفطر على عهد رسول الله ﷺ مُدَّيْن من قمح. وله إسنادان: إسناد فيه ابن لهيعة، والراوي عنه ابن المبارك، وإسناد آخر فيه يحيى بن أيوب الغافقي. ثم وجدت له إسنادًا ثالثًا عند الطحاوي (٢/ ٤٣) من طريق محمد بن عُزَيز، حدثنا سلامة، وهو ابن روح الأيلي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن أسماء به. وهذه متابعة ليحيى بن أيوب؛ لأنه رواه عن هشام كذلك. ثم رأيت وكيع بن الجراح قد خالفهم جميعًا، وهو ثقة حافظ؛ فرواه عن هشام ابن عروة، عن فاطمة عن أسماء ﵂ موقوفًا عليها. أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ١٧٢)، وتابعه محاضر بن المورع عند ابن زنجويه (٢٣٧٨).

стр. 1965

قلتُ: رواية وكيع أرجح، والراجح في الحديث الوقف على أسماء ﵂. ومنها: حديث ثعلبة بن أبي صُعير عن أبيه، وفيه: «صاع من قمح بين كل اثنين» أخرجه أبو داود برقم (١٦١٩)، والرَّاجح أنه مرسل من مراسيل الزهري، رجَّح ذلك أحمد كما في «المغني» (٤/ ٢٨٧)، ورجح الدارقطني أنه من رواية الزهري، عن سعيد بن المسيب مرسلًا كما في «العلل» (١١٩٥). ومنها: حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أخرجه الترمذي (٦٧٤)، والدارقطني (٢/ ١٤٢)، وهو من طريق: ابن جريج، عن عمرو بن شعيب، قال البخاري: لم يسمع منه. وقد رواه عبد الرزاق كما في «نصب الراية» (٢/ ٤٢١) عن ابن جريج، عن عمرو بن شعيب، قال: بلغني أنَّ النبي ﷺ ، وهذا معضلٌ. ومنها: حديث ابن عباس عند أبي داود (١٦٢٢)، والنسائي (٣/ ١٩٠)، وهو من طريق: الحسن عنه، ولم يسمع منه. وأخرج الطحاوي (٢/ ٤٦) بأسانيده عن سعيد بن المسيب، وأبي سلمة بن عبدالرحمن، وعبيدالله بن عبدالله بن عتبة، والقاسم، وسالم، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أمر في صدقة الفطر بِمُدَّيْنِ من حنطة. وفي أحد أسانيده أبو زرعة وهب الله بن راشد، وفي الإسناد الآخر: يحيى بن أيوب، وله أوهام، وفي الإسناد الثالث ابن لهيعة. وأما القائلون بهذا من الصحابة المتقدمين فبعضها لا يثبت. فأثر أبي بكر ﵁ منقطع؛ فإنه من طريق سعيد بن المسيب عنه. ولم يدركه.

стр. 1966

وله طريق أخرى عند الطحاوي (٢/ ٤٦) من طريق أبي قلابة، قال: أخبرني من دفع إلى أبي بكر الصديق ﵁ صاع بر بين اثنين. وهو ضعيف؛ في إسناده رجل مبهم. وقد خالف أبو سعيد الخدري كما في البخاري (١٥٠٨)، ومسلم (٩٨٥)، فقال: فلم نزل نخرجه -يعني: صاعًا- حتى قدم علينا معاوية بن أبي سفيان حاجا، أو معتمرا فكلم الناس على المنبر، فكان فيما كلم به الناس أن قال: «إني أرى أن مدين من سمراء الشام، تعدل صاعا من تمر» فأخذ الناس بذلك قال أبو سعيد: «فأما أنا فلا أزال أخرجه كما كنت أخرجه، أبدا ما عشت». وهذا النقل من أبي سعيد ﵁ يقتضي أن أبا بكر ﵁، والخلفاء بعده كانوا يأخذون منه كغيره صاعًا، والله أعلم. وأثر عمر ﵁، له عند الطحاوي طريقان: أحدهما: فيه حجاج بن أرطاة، وهو ضعيف مدلس، وفيه عبد الله بن نافع العدوي، وهو متروك. والثاني: من طريق ثعلبة بن أبي صُعير، عن عمر، وهي طريق ضعيفة مضطربة. وما تقدم من نقل أبي سعيد الخدري ﵁، عن عمر ﵁ أصح وأثبت. وأما أثر عثمان ﵁؛ فقد أخرجه الطحاوي (٢/ ٤٦) من طريق حماد بن زيد، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أبي الأشعث، قال: خطبنا عثمان بن عفان

стр. 1967

-﵁ فقال في خطبته: «أدوا زكاة الفطر صاعا من تمر، أو صاعا من شعير، عن كل صغير وكبير، حر ومملوك، ذكر وأنثى». وهذا إسنادٌ ظاهره الصحة، ولكن له علة قادحة فيه: فقد أخرج الأثر ابن أبي شيبة (٣/ ١٧٠) من طريق عبد الوهاب الثقفي، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن عثمان ﵁ فذكره، بدون ذكر: أبي الأشعث. وأخرجه ابن زنجويه (١٩٣٩) من طريق ابن المبارك، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن عثمان ﵁، به. قلتُ: فابن المبارك والثقفي رويا الحديث؛ فجعلاه بدون ذكر أبي الأشعث، وعليه فهو منقطع؛ لأن أبا قلابة لم يدرك عثمان ﵁. وأما أثر علي ﵁؛ فقد أخرجه عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وفي إسناده عبد الأعلى بن عامر الثعلبي، وهو ضعيف. وأما أثر ابن مسعود؛ فقد أخرجه عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وهو من طريق عبد الكريم بن أبي المخارق، وهو متروك. وأما أثر ابن عباس؛ فقد أخرجه ابن أبي شيبة، وفي إسناده حجاج بن أرطاة، وهو ضعيف، ومدلس، وقد ثبت عن ابن عباس بالإسناد الصحيح القول بأن فيه صاعًا كما سيأتي إن شاء الله. وأما أثر جابر بن عبد الله؛ فقد أخرجه عبد الرزاق بإسناد حسن.

стр. 1968

وأما أثر ابن الزبير فقد أخرجه عبد الرزاق، وابن أبي شيبة بإسناد صحيح. وأما أثر أبي هريرة؛ فقد أخرجه عبد الرزاق، وإسناده صحيح. وأما أثر معاوية، وأسماء ﵄؛ فهو ثابت عنهم كما تقدم. وأما القائلون بأنَّ البر يجب فيه صاع، فهم: مالك، والشافعي، وأحمد، وأكثر المتأخرين، وصحَّ عن أبي سعيد الخدري إنكار القول بنصف صاع، وثبت عن ابن عباس بإسناد حسن عند النسائي في الكبرى (٢٣٠٠) أنه قال: صاع من بر، أو صاع من تمر، أو صاع من شعير، أو صاع من سلت. واستدلوا بحديث: «صاع من طعام»، وبالقياس على الأصناف الأخرى. قال أبو عبد الله غفر الله له: الصحيح في المسألة أنه يجب فيه صاع؛ لعدم ثبوت الأحاديث المرفوعة في الأمر بنصف صاع، ولعدم ثبوت ذلك عن الخلفاء الراشدين ﵃. وقد اختلف الصحابة في المسألة، وحديث أبي سعيد الخدري ﵁ في «الصحيحين» يدل على أن الخلفاء الراشدين كانوا يأخذون في زكاة الفطر في البر صاعًا كاملًا، وهذا هو الذي تبين لي في المسألة بعد أن كنا نقول بنصف صاع؛ اعتمادًا على الأحاديث المتقدمة، فلما تبين لنا ضعفها رجعنا إلى القول بوجوب الصاع، والله أعلم بالصواب. (١)

стр. 1969

مسألة [٢٠]: إذا زاد الإنسان عن القدر الواجب، ونواه نافلة ؟ سئل شيخ الإسلام ﵀ عن ذلك كما في «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ٧٠)؟ فقال: يَجُوزُ بِلَا كَرَاهِيَةٍ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، كَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَد وَغَيْرِهِمَا، وَإِنَّمَا تُنْقَلُ كَرَاهِيَتُهُ عَنْ مَالِكٌ، وَأَمَّا النَّقْصُ عَنْ الْوَاجِبِ فَلَا يَجُوزُ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ. اهـ مسألة [٢١]: وقت وجوب إخراج صدقة الفطر . قال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٦/ ١٤١ - ١٤٢): تجب الفطرة بغروب الشمس ليلة عيد الفطر على الصحيح عندنا، وبه قال الثوري، وأحمد، وإسحاق، وقال أبو حنيفة: بطلوع الفجر يوم الفطر. وبه قال صاحباه، وأبو ثور، وداود، وعن مالك روايتان كالمذهبين، وقال بعض المالكية: بطلوع الشمس يوم الفطر. اهـ واستدل القائلون بأنها تجب بغروب الشمس بحديث ابن عباس الذي في الباب، ولأنها تضاف إلى الفطر، فكانت واجبة به. واستدل الآخرون بحديث ابن عمر في «الصحيح» (١) «وأمر بها أن تؤدَّى قبل خروج الناس إلى الصلاة». والصحيح القول الأول، والله أعلم. وحديث ابن عمر ﵄ لا يعارض دليل أهل القول الأول، وبالله التوفيق. (٢)

стр. 1970

فائدة: ينبني على الخلاف المتقدم بعض المسائل كما لو أسلم إنسان بعد غروب الشمس، أو وُلِدَ له ولَدٌ؛ فعلى القول الأول لا تجب عليه زكاة الفطر، ذكر ذلك بعض الشافعية، والصحيح أنه لا تلازم، وتجب عليهم زكاة الفطر؛ لأنهم أدركوا وقت الوجوب. وعلى القول الثاني تجب بلا إشكال، وكذا لو أسلم قبل الغروب؛ وجبت عليه الزكاة، ومن مات بعد غروب الشمس؛ وجبت عليه الزكاة على القول الأول دون القول الثاني. مسألة [٢٢]: حكم تأديتها يوم العيد بعد الصلاة . • ذهب جمهور أهل العلم إلى أنَّ الأفضل أن يؤديها قبل صلاة العيد، وإنْ أدَّاها بعد الصلاة من نفس اليوم أجزأته، ولا إثم عليه. • وذهب داود الظاهري، وابن حزم إلى أنه يأثم إذا لم يؤدِّها قبل صلاة العيد، وهذا هو الصواب؛ لحديث ابن عمر: «أمر أن تُؤدَّى قبل خروج الناس إلى الصلاة»، ولحديث ابن عباس الذي في الباب، والله أعلم، وقد صحح هذا القول الإمام ابن عثيمين ﵀. (١) مسألة [٢٣]: تأخيرها عن يوم العيد . • ذهب أكثر أهل العلم إلى تحريم ذلك، وذكر الشوكاني ﵀ في «النيل» أنَّ ابن

стр. 1971

رسلان ادَّعَى الإجماع على ذلك، والواقع وجود الخلاف، فقد حكى ابن المنذر عن النخعي، وابن سيرين الرخصة في ذلك. وهو مذهب الحنفية، ورواية عن أحمد. قلتُ: والصواب قول الجمهور؛ للأحاديث المتقدمة في المسألة السابقة، والله أعلم. وهل تسقط عنه زكاة الفطر، أم يخرجها بعد الصلاة وإن لم تجزئه؟ • ذهب إلى الأول داود، والحسن بن زياد، وذهب إلى الثاني الجمهور، وهو أقرب؛ لأنه حق من حقوق الفقراء، فيجب عليه إخراجه، واختاره ابن حزم. قال في «المحلَّى» (٦/ ١٤٣): فمن لم يؤدها حتى خرج وقتها؛ فقد وجبت في ذمته، وماله لمن هي له، فهي دين لهم وحقٌّ من حقوقهم قد وجب إخراجها من ماله، وحرم عليه إمساكها في ماله؛ فوجب عليه أداؤها أبدًا، وبالله تعالى التوفيق، ويسقط في ذلك حقهم، ويبقى حق الله تعالى في تضييعه الوقت، لا يقدر على جبره إلا بالاستغفار والندامة، وبالله تعالى نتأيد. اهـ. (١) مسألة [٢٤]: تقديم زكاة الفطر قبل وقتها . • في المسألة أقوال: القول الأول: يجوز تقديمها قبل العيد بيومين، ولا يجوز أكثر من ذلك، وهو مذهب أحمد، ومالك.

стр. 1972

القول الثاني: يجوز تقديمها من بعد نصف شهر رمضان، وهو قول بعض الحنابلة. القول الثالث: يجوز تقديمها من بداية شهر رمضان، وهذا قول الشافعي، وأصحابه. القول الرابع: يجوز تقديمها من أول الحول، وهذا قول أبي حنيفة. القول الخامس: لا يجوز تقديمها عن وقتها، وهو مذهب الظاهرية. قال أبو عبد الله غفر الله له: أما حُجَّةُ من جَوَّزَ قبل العيد بيوم ويومين؛ فحديث ابن عمر ﵄ في «صحيح البخاري» (١٥١١)، قال نافع: وكان ابن عمر ﵄ يعطيها للذين يقبلونها، وكانوا يعطون قبل الفطر بيوم، أو يومين. وفي «الموطأ» (١/ ٢٨٥) عن نافع عن ابن عمر أنه كان يبعث زكاة الفطر إلى الذي تجمع عنده قبل الفطر بيومين أو ثلاث. وأخذ بزيادة الثلاث بعض المالكية. وأما حجة من أجاز تقديمها من نصف الشهر؛ فقياسًا على تقديم أذان الفجر، والدفع من المزدلفة بعد نصف الليل، وأما حجة من أجاز تعجيلها من أول الشهر؛ فلأنَّ الصوم من أسبابها كما في حديث ابن عباس. وأما حجة من أجازها من أول الحول؛ فقياسًا على زكاة المال. وأما حجة من منع؛ فلأنها عبادة مؤقتة، ولا تجب على الإنسان حتى

стр. 1973

يأتي وقتها. قلتُ: والمنع من إخراجها قبل وقتها هو الصواب؛ إلا إذا احتيج إلى ذلك؛ لبعد الفقراء عنه فلا بأس بتقديم اليوم واليومين. وأما إخراج الصحابة قبل العيد بيوم أو يومين، فكانت تخرج لجمعها لا للفقراء كما ذكر ذلك البخاري، فإذا أُخرِجت للجمع فلا بأس كما فعل الصحابة، والله أعلم. (١)

стр. 1974

بَابُ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ ٦١٣ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إلَّا ظِلُّهُ» فَذَكَرَ الحَدِيثَ، وَفِيهِ: «وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١) ٦١٤ - وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «كُلُّ امْرِئٍ فِي ظِلِّ صَدَقَتِهِ حَتَّى يُفْصَلَ بَيْنَ النَّاسِ». رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالحَاكِمُ. (٢) ٦١٥ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَيُّمَا مُسْلِمٍ كَسَا مُسْلِمًا ثَوْبًا عَلَى عُرْيٍ كَسَاهُ اللهُ مِنْ خُضْرِ الجَنَّةِ، وَأَيُّمَا مُسْلِمٍ أَطْعَمَ مُسْلِمًا عَلَى جُوعٍ أَطْعَمَهُ اللهُ مِنْ ثِمَارِ الجَنَّةِ، وَأَيُّمَا مُسْلِمٍ سَقَى مُسْلِمًا عَلَى ظَمَأٍ سَقَاهُ اللهُ مِنَ الرَّحِيقِ المَخْتُومِ». رَوَاهُ أَبُودَاوُد، وَفِي إسْنَادِهِ لِينٌ. (٣)

стр. 1975

المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث مسألة [١]: استحباب صدقة التطوع . دلَّت أحاديث الباب على أنَّ الصدقة تطوعًا من أفضل القربات إلى الله عزوجل، ويكون صاحبها يوم القيامة مستظِلًّا في ظل الله. والمقصود به ظِلُّ العرش كما جاء مبينًا في أدلة أخرى، وقد قرر ذلك الشيخ ربيع المدخلي عافاه الله في رسالة له اسمها «القول الواضح المبين في المراد بظل الله الذي وعد به المؤمنين العاملين»، وإضافته إلى الله إضافة تشريف، والآيات والأحاديث في الترغيب في صدقة التطوع كثيرة، وليس هذا مقام ذكرها، وليراجع من شاء: «الترغيب والترهيب» للمنذري، وغيره من المصادر. مسألة [٢]: الإسرار بصدقة التطوع . دلَّ حديثُ أبي هريرة ﵁ على أفضلية الإسرار بها على الإعلان، ومثله قوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:٢٧١]، وقد نقل الطبري وغيره الإجماع على أنَّ الإخفاء في صدقة التطوع أفضل من الإعلان. (١) مسألة [٣]: الإسرار بصدقة الفرض . قال الحافظ ابن حجر ﵀ في «الفتح» (٣/ ٣٦٥): وَنَقَلَ الطَّبَرِيّ وَغَيْره الْإِجْمَاع عَلَى أَنَّ الْإِعْلَانَ فِي صَدَقَة الْفَرْض أَفْضَل مِنْ الْإِخْفَاءِ. اهـ

стр. 1976

ثم قال: وَنَقَلَ أَبُو إِسْحَاق الزَّجَّاج أَنَّ إِخْفَاء الزَّكَاة فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ كَانَ أَفْضَل، فَأَمَّا بَعْدَهُ فَإِنَّ الظَّنَّ يُسَاءُ بِمَنْ أَخْفَاهَا، فَلِهَذَا كَانَ إِظْهَار الزَّكَاةِ الْمَفْرُوضَةِ أَفْضَل. قَالَ اِبْن عَطِيَّة: وَيُشْبِهُ فِي زَمَانِنَا أَنْ يَكُونَ الْإِخْفَاء بِصَدَقَة الْفَرْض أَفْضَل، فَقَدْ كَثُرَ الْمَانِع لَهَا وَصَارَ إِخْرَاجهَا عُرْضَة لِلرِّيَاءِ. اِنْتَهَى. قال الحافظ: وَأَيْضًا فَكَانَ السَّلَف يُعْطُونَ زَكَاتهمْ لِلسُّعَاةِ، وَكَانَ مَنْ أَخْفَاهَا اِتُّهِمَ بِعَدَمِ الْإِخْرَاجِ، وَأَمَّا الْيَوْمَ فَصَارَ كُلُّ أَحَدٍ يُخْرِجُ زَكَاتَهُ بِنَفْسِهِ؛ فَصَارَ إِخْفَاؤُهَا أَفْضَلَ، وَاللهُ أَعْلَمُ. اهـ قلتُ: ومذهب الظاهرية أفضلية الإسرار كما في «المحلَّى» (٧٢٤)، وهو الصواب، والله أعلم. وأما إذا ترتبت مصالح شرعية من الإظهار مع أمن الفتنة؛ فالإظهار أفضل لتلك المصلحة، وقد ذكر ذلك ابن المنير كما في «الفتح».

стр. 1977

٦١٦ - وَعَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «اليَدُ العُلْيَا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ، وَخَيْرُ الصَّدَقَةِ عَنْ ظَهْرِ غِنًى، وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. (١) ٦١٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ: أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «جُهْدُ المُقِلِّ، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ» أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُودَاوُد، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ وَالحَاكِمُ. (٢) المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين مسألة [١]: اليد العُليا واليد السفلى . جاءت أحاديث تُبَيِّنُ أنَّ اليد العليا هي اليد المنفقة، والسُّفْلَى هي السائلة، ففي «الصحيحين» (٣) عن ابن عمر ﵄: «والعليا هي المنفقة، والسُّفْلَى هي

стр. 1978

السائلة»، وفي النسائي (٥/ ٦١)، وغيره عن طارق المحاربي مرفوعًا: «يد المُعْطِي العليا»، وإسناده صحيح. وذكر الحافظ ابن حجر ﵀ (١٤٢٩) أحاديث أخرى تدل على ذلك، ثم قال: فهذه الأحاديث متضافرة على أنَّ اليد العليا هي المنفقة، وأنَّ السفلى هي السائلة، وهذا هو المعتمد، وهو قول الجمهور، وقيل: اليد السفلى الآخذة، سواء كان بسؤال أم بغير سؤال. اهـ فائدة: قال الحافظ ابن حجر ﵀ في «الفتح» (١٤٢٩): وَأَمَّا يَدُ الْآدَمِيِّ فَهِيَ أَرْبَعَة: يَد الْمُعْطِي، وَقَدْ تَضَافَرَتْ الْأَخْبَارُ بِأَنَّهَا عُلْيَا. ثَانِيهَا: يَد السَّائِلِ، وَقَدْ تَضَافَرَتْ بِأَنَّهَا سُفْلَى سَوَاء أَخَذَتْ أَمْ لَا، وَهَذَا مُوَافِق لِكَيْفِيَّةِ الْإِعْطَاءِ وَالْأَخْذِ غَالِبًا. ثَالِثُهَا: يَد الْمُتَعَفِّف عَنْ الْأَخْذِ وَلَوْ بَعْدَ أَنْ تُمَدَّ إِلَيْهِ يَد الْمُعْطِي مَثَلًا، وَهَذِهِ تُوصَفُ بِكَوْنِهَا عُلْيَا عُلُوًّا مَعْنَوِيًّا. رَابِعُهَا: يَد الْآخِذِ بِغَيْرِ سُؤَال، وَهَذِهِ قَدْ اِخْتُلِفَ فِيهَا فَذَهَبَ جَمْع إِلَى أَنَّهَا سُفْلَى، وَهَذَا بِالنَّظَرِ إِلَى الْأَمْرِ الْمَحْسُوسِ، وَأَمَّا الْمَعْنَوِيّ فَلَا يَطَّرِدُ فَقَدْ تَكُونُ عُلْيَا فِي بَعْضِ الصُّوَرِ. اهـ مسألة [٢]: خير الصدقة وأفضلها . في حديث حكيم بن حزام أنَّ خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى، ومعنى الحديث: أفضل الصدقة ما وقع من غير محتاج إلى ما يتصدق به لنفسه، أو لمن تلزمه نفقته. وقال الخطابي ﵀: والمعنى أنَّ أفضل الصدقة ما أخرجه الإنسان من ماله بعد أن يستبقي منه قدر الكفاية، ولذلك قال بعده: «وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُول»، ولا تعارض بين هذا الحديث، وبين حديث أبي هريرة: «جُهْدٌ مِنْ مُقِلٍّ».اهـ قال القرطبي ﵀ في «المفهم»: المختار أنَّ معنى الحديث: أفضل الصدقة ما وقع بعد القيام بحقوق النفس، والعيال بحيث لا يصير المتصدق محتاجًا بعد

стр. 1979

صدقته إلى أحد، فمعنى الغني في هذا الحديث حصول ما تدفع به الحاجة الضرورية كالأكل عند الجوع المشوش الذي لا صبر عليه، وستر العورة والحاجة إلى ما يدفع به عن نفسه الأذى، وما هذا سبيله؛ فلا يجوز الإيثار به، بل يحرم؛ وذلك أنه إذا آثر غيره به أدى إلى إهلاك نفسه، أو الإضرار بها، أو كشف عورته، فمراعاة حقِّه أولى على كل حال، فإذا سقطت هذه الواجبات صحَّ الإيثار، أو كانت صدقته هي الأفضل لأجل ما يتحمل من مضض الفقر، وشدة مشقته، فبهذا يندفع التعارض بين الأدلة إن شاء لله. (١) مسألة [٣]: التصدق بالمال كاملا . قال الحافظ ابن حجر ﵀ في «الفتح» (١٤٢٦): قَالَ الطَّبَرِيّ وَغَيْره: قَالَ الْجمْهُور: مَنْ تَصَدَّقَ بِمَالِهِ كُلّه فِي صِحَّةِ بَدَنِهِ وَعَقْلِهِ، حَيْثُ لَا دَيْنَ عَلَيْهِ، وَكَانَ صَبُورًا عَلَى الْإِضَاقَةِ، وَلَا عِيَالَ لَهُ، أَوْ لَهُ عِيَال يَصْبِرُونَ أَيْضًا؛ فَهُوَ جَائِز؛ فَإِنْ فُقِدَ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الشُّرُوطِ كُرِهَ. وَقَالَ بَعْضهمْ: هُوَ مَرْدُود ... . وَيُمْكِنُ أَنْ يُحْتَجَّ لَهُ بِقِصَّةِ الْمُدَبَّرِ (٢) الْآتِي ذِكْرُهُ؛ فَإِنَّهُ ﷺ بَاعَهُ وَأَرْسَلَ ثَمَنه إِلَى الَّذِي دَبَّرَهُ؛ لِكَوْنِهِ كَانَ مُحْتَاجًا. وَقَالَ آخَرُونَ: يَجُوزُ مِنْ الثُّلْثِ، وَيُرَدُّ عَلَيْهِ الثُّلْثَانِ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيّ، وَمَكْحُول. وَعَنْ مَكْحُولٍ أَيْضًا: يُرَدُّ مَا زَادَ عَلَى النِّصْفِ. قَالَ الطَّبَرِيّ: وَالصَّوَابُ عِنْدنَا الْأَوَّل مِنْ حَيْثُ الْجوَاز، وَالْمُخْتَار مِنْ حَيْثُ

стр. 1980

الِاسْتِحْبَاب أَنْ يُجْعَلَ ذَلِكَ مِنْ الثُّلْثِ جَمْعًا بَيْنَ قِصَّةِ أَبِي بَكْر (١) وَحَدِيث كَعْب (٢)، وَاللهُ أَعْلَمُ. اهـ قال ابن قدامة ﵀: فإنْ كان الرجل وحده، أو كان لمن يمون كفايتهم، فأراد الصدقة بجميع ماله، وكان ذا مكسب، أو كان واثقًا من نفسه بحسن التوكل، والصبر على الفقر، والتعفف عن المسألة؛ فَحَسَنٌ. اهـ ثم استدل بقصة أبي بكر ﵁ عند أن تصدق بماله كُلِّه، ثم قال: أبقيت لهم الله، ورسوله.

стр. 1981

٦١٨ - وَعَنْهُ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «تَصَدَّقُوا» فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، عِنْدِي دِينَارٌ قَالَ: «تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى نَفْسِك» قَالَ: عِنْدِي آخَرُ، قَالَ: «تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى وَلَدِك» قَالَ: عِنْدِي آخَرُ، قَالَ: «تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى خَادِمِك» قَالَ: عِنْدِي آخَرُ، قَالَ: «أَنْتَ أَبْصَرُ». رَوَاهُ أَبُودَاوُد وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالحَاكِمُ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: من تصدق بما هو محتاج إليه ؟ قال البخاري ﵀ في «صحيحه» [باب ١٨] من كتاب الزكاة: لَا صَدَقَةَ إِلَّا عَنْ ظَهْرِ غِنًى، وَمَنْ تَصَدَّقَ وَهُوَ مُحْتَاجٌ أَوْ أَهْلُهُ مُحْتَاجٌ، أَوْ عَلَيْهِ دَيْنٌ؛ فَالدَّيْنُ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى مِنْ الصَّدَقَةِ، وَالْعِتْقِ، وَالْهِبَةِ، وَهُوَ رَدٌّ عَلَيْهِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُتْلِفَ أَمْوَالَ النَّاسِ. وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ إِتْلَافَهَا أَتْلَفَهُ اللهُ» (٢)، إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَعْرُوفًا بِالصَّبْرِ، فَيُؤْثِرَ عَلَى نَفْسِهِ وَلَوْ كَانَ بِهِ خَصَاصَةٌ كَفِعْلِ أَبِي بَكْرٍ ﵁ حِينَ تَصَدَّقَ بِمَالِهِ، وَكَذَلِكَ آثَرَ الْأَنْصَارُ الْمُهَاجِرِينَ، وَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ إِضَاعَةِ الْمَالِ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُضَيِّعَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِعِلَّةِ الصَّدَقَةِ، وَقَالَ كَعْبُ ابْنُ مَالِكٍ ﵁: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إِلَى الله وَإِلَى رَسُولهِ

стр. 1982

- ﷺ . قَالَ: «أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ؛ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ» (١)، قُلْتُ: فَإِنِّي أُمْسِكُ سَهْمِي الَّذِي بِخَيْبَرَ. اهـ قلتُ: ويدل على كراهة صدقة المحتاج بما يحتاجه حديث المدبر الذي أشار إليه الحافظ قريبًا، وحديث أبي سعيد عند النسائي (٥/ ٦٣)، وغيره أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أعطى رجلًا ثوبين، ثم قال: «تصدقوا»، فوضع الرجل أحد ثوبيه، فقال النبي ﷺ : «خذ ثوبك»، وانتهره، وحسنه الإمام الوادعي ﵀ في «الصحيح المسند» رقم (٣٨١). قال الحافظ ﵀ مُعَلِّقًا على قول البخاري (فهو ردٌّ عليه): مقتضاه أنَّ ذا الدين المستغرق لا يصح منه التبرع، لكن محل هذا عند الفقهاء إذا حجر عليه الحاكم بالفلس، وقد نقل فيه صاحب «المغني» وغيره الإجماع، فيحمل إطلاق المصنف عليه. اهـ

стр. 1983

٦١٩ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إذَا أَنْفَقَتِ المَرْأَةُ مِنْ طَعَامِ بَيْتِهَا، غَيْرَ مُفْسِدَةٍ، كَانَ لَهَا أَجْرُهَا بِمَا أَنْفَقَتْ وَلِزَوْجِهَا أَجْرُهُ بِمَا اكْتَسَبَ، وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ، لَا يَنْقُصُ بَعْضُهُمْ أَجْرَ بَعْضٍ شَيْئًا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: ما حكم إنفاق المرأة من مال زوجها، والعبد من مال سيده ؟ قال النووي ﵀ في شرح الحديث: وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا بُدّ لِلْعَامِلِ -وَهُوَ الْخَازِن- وَلِلزَّوْجَةِ وَالْمَمْلُوك مِنْ إِذْن الْمَالِك فِي ذَلِكَ؛ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ إِذْنٌ أَصْلًا فَلَا أَجْر لِأَحَدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة، بَلْ عَلَيْهِمْ وِزْر بِتَصَرُّفِهِمْ فِي مَال غَيْرهمْ بِغَيْرِ إِذْنه. وَالْإِذْن ضَرْبَانِ: أَحَدهمَا: الْإِذْن الصَّرِيح فِي النَّفَقَة وَالصَّدَقَة. وَالثَّانِي: الْإِذْن الْمَفْهُوم مِنْ اِطِّرَاد الْعُرْف وَالْعَادَة، كَإِعْطَاءِ السَّائِل كِسْرَة وَنَحْوهَا مِمَّا جَرَتْ الْعَادَة بِهِ وَاطَّرَدَ الْعُرْف فِيهِ، وَعُلِمَ بِالْعُرْفِ رِضَاء الزَّوْج وَالْمَالِك بِهِ، فَإِذْنه فِي ذَلِكَ حَاصِل وَإِنْ لَمْ يَتَكَلَّم، وَهَذَا إِذَا عَلِمَ رِضَاهُ لِاطِّرَادِ الْعُرْف، وَعَلِمَ أَنَّ نَفْسه كَنُفُوسِ غَالِب النَّاس فِي السَّمَاحَة بِذَلِكَ وَالرِّضَا بِهِ؛ فَإِنْ اِضْطَرَبَ الْعُرْف وَشَكَّ فِي رِضَاهُ، أَوْ كَانَ شَخْصًا يَشُحّ بِذَلِكَ وَعَلِمَ مِنْ حَاله ذَلِكَ أَوْ شَكَّ فِيهِ؛ لَمْ يَجُزْ لِلْمَرْأَةِ وَغَيْرهَا التَّصَدُّق مِنْ مَاله إِلَّا بِصَرِيحِ إِذْنه. ثم قال: وأما قوله ﷺ يعني في حديث أبي هريرة-: «وَمَا أَنْفَقَتْ مِنْ كَسْبه

стр. 1984

مِنْ غَيْر أَمْره؛ فَإِنَّ نِصْف أَجْره لَهُ» (١) فَمَعْنَاهُ: مِنْ غَيْر أَمْره الصَّرِيح فِي ذَلِكَ الْقَدْر الْمُعَيَّن، وَيَكُون مَعَهَا إِذْن عَامٌّ سَابِقٌ مُتَنَاوِلٌ لِهَذَا الْقَدْر وَغَيْره، وَذَلِكَ الْإِذْن الَّذِي قَدْ أَوَّلْنَاهُ سَابِقًا إِمَّا بِالصَّرِيحِ وَإِمَّا بِالْعُرْفِ، وَلَابُدّ مِنْ هَذَا التَّأْوِيل؛ لِأَنَّهُ ﷺ جَعَلَ الْأَجْر مُنَاصَفَة، وَفِي رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ: «فَلَهَا نِصْف أَجْره» (٢)، وَمَعْلُوم أَنَّهَا إِذَا أَنْفَقَتْ مِنْ غَيْر إِذْن صَرِيح وَلَا مَعْرُوف مِنْ الْعُرْف فَلَا أَجْر لَهَا، بَلْ عَلَيْهَا وِزْر، فَتَعَيَّنَ تَأْوِيله. وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا كُلّه مَفْرُوض فِي قَدْرٍ يَسِيرٍ يُعْلَم رِضَا الْمَالِك بِهِ فِي الْعَادَة؛ فَإِنْ زَادَ عَلَى الْمُتَعَارَف لَمْ يَجُزْ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْله ﷺ : «إِذَا أَنْفَقَتْ الْمَرْأَة مِنْ طَعَام بَيْتهَا غَيْر مُفْسِدَة»، فَأَشَارَ ﷺ إِلَى أَنَّهُ قَدْر يُعْلَم رِضَا الزَّوْج بِهِ فِي الْعَادَة، وَنَبَّهَ بِالطَّعَامِ أَيْضًا عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يُسْمَح بِهِ فِي الْعَادَة بِخِلَافِ الدَّرَاهِم وَالدَّنَانِير فِي حَقّ أَكْثَر النَّاس، وَفِي كَثِير مِنْ الْأَحْوَال. قال: وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُرَاد بِنَفَقَةِ الْمَرْأَة، وَالْعَبْد، وَالْخَازِن: النَّفَقَة عَلَى عِيَال صَاحِب الْمَال، وَغِلْمَانه، وَمَصَالِحه، وَقَاصِدِيهِ مِنْ ضَيْفٍ، وَابْن سَبِيلٍ وَنَحْوهمَا، وَكَذَلِكَ صَدَقَتهمْ الْمَأْذُون فِيهَا بِالصَّرِيحِ أَوْ الْعُرْف. وَاَللهُ أَعْلَم. اهـ

стр. 1985

٦٢٠ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁، قَالَ: جَاءَتْ زَيْنَبُ امْرَأَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنَّك أَمَرْت اليَوْمَ بِالصَّدَقَةِ، وَكَانَ عِنْدِي حُلِيٌّ لِي، فَأَرَدْت أَنْ أَتَصَدَّقَ بِهِ، فَزَعَمَ ابْنُ مَسْعُودٍ أَنَّهُ وَوَلَدَهُ أَحَقُّ مَنْ أَتَصَدَّقُ بِهِ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «صَدَقَ ابْنُ مَسْعُودٍ، زَوْجُك وَوَلَدُك أَحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْت بِهِ عَلَيْهِمْ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: حكم التصدق على الأقارب . في حديث الباب الحث على تقديم الأقارب في الصدقة، ويكون للمتصدق أجران: أجر صلة القرابة، وأجر الصدقة كما في «الصحيحين» (٢) عن زينب الثقفية ﵂، مرفوعًا: «لها أجران: أجر القرابة، وأجر الصدقة»، والحديث الظاهر أنَّ المراد به صدقة التطوع؛ لقولها: (فأردت أن أتصدق به)، فتعليق ذلك بالإرادة، والتصدق بالحلي كاملًا يدل على ذلك، وقولها: (إنك أمرت اليوم بالصدقة) دليل على أنها ليست الصدقة الواجبة؛ لأنَّ تلك تجب بِحَوَلَانِ الحَوْل، وأما قولها في بعض الروايات: (أَيُجزئ عني؟) فمحمولٌ -كما قال النووي- على معنى: (أيجزئ عنها في الوقاية من النار؟)، والله أعلم. ومع ذلك فليس فيه المنع من أن تصرف المرأة الصدقة الواجبة على زوجها، وسيأتي الكلام على ذلك إن شاء الله في الباب القادم. (٣)

стр. 1986

٦٢١ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَسْأَلُ النَّاسَ حَتَّى يَأْتِيَ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلَيْسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ (١) لَحْمٍ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (٢) ٦٢٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ سَأَلَ النَّاسَ أَمْوَالَهُمْ تَكَثُّرًا، فَإِنَّمَا يَسْأَلُ جَمْرًا، فَلْيَسْتَقِلَّ أَوْ لِيَسْتَكْثِرْ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (٣) المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين مسألة [١]: تحريم المسألة بغير حاجة . الحديثان صريحان في تحريم المسألة لغير حاجة، وفي الباب أحاديث كثيرة، انظر رسالة شيخنا مقبل الوادعي ﵀: «ذَمُّ المسْأَلة». مسألة [٢]: ضابط الغِنَى الذي لا تحل معه المسألة . • في هذه المسألة أقوال: الأول: إذا كان يملك خمسين درهمًا؛ لحديث ابن مسعود عند الترمذي (٦٥١) مرفوعًا: «من سأل الناس وله ما يغنيه جاء يوم القيامة ومسألته في وجهه خموش» قيل: يا رسول الله، وما يُغنيه؟ قال: «خمسون درهمًا، أو قيمتها من الذهب»، وفي إسناده: حكيم بن جبير، وهو متروك. وقد أخذ بهذا الثوري، وابن المبارك، وأحمد، وإسحاق، نقله عنهم الترمذي عَقِبَ الحديث.

стр. 1987

الثاني: إذا كان يملك أربعين درهمًا؛ لحديث أبي سعيد عند النسائي (٥/ ٩٨) بإسناد صحيح مرفوعًا: «من سأل الناس وعنده قيمة أوقية؛ فقد ألحف»، وجاء عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عند النسائي (٥/ ٩٨) أيضًا بمثله، وحديث أبي سعيد في «الصحيح المسند» برقم (٣٩٢)، وحديث عمرو بن شعيب حديثٌ حسن، وأخذ بهذا القول الحسن، وأبو عبيد. الثالث: أن يملك قوت يومه وليلته؛ لحديث سهل بن الحنظلية عند أبي داود (١٦٢٩): «من سأل وعنده ما يغنيه؛ فإنما يستكثر من النار»، قالوا: وما يغنيه؟ قال: «قدر ما يغديه ويعشيه»، وإسناده صحيح. وهذا قول أحمد، فقد أسند ابن عبد البر في «التمهيد» بإسناده عن أحمد أنه سُئِلَ: متى تحل المسألة؟ فقال: إذا لم يكن عنده ما يغديه ويعشيه على حديث سهل بن الحنظلية. قيل له: فإن اضطر إلى المسألة؟ قال: هي مباحة له إذا اضطر. قيل له: فإن تعفف؟ قال: ذلك خير له، ما أظن أحدًا يموت من الجوع، الله يأتي برزقه. ثم ذكر حديث أبي سعيد: «مَنِ اسْتَعَفَّ أعَفَّهُ اللهُ» (١)، وحديث أبي ذر: «تعفَّفْ يا أبا ذر». (٢) قلتُ: وهذا القول عن أحمد أحسن ما قيل في هذا الباب، والدليل يدل عليه، والرواية الأولى المذكورة عنه الظاهر أنَّ المقصود بها الغِنَى الذي تحرم عليه فيه

стр. 1988

الصدقة، ولا تلازم بين هذا وذاك. وأكثر الأقوال المذكورة أراد أصحابها (الغنى الذي تحرم فيه الصدقة). وأما دليل القول الأول فضعيفٌ، وأما أهل القول الثاني فدليلهم لا يُعارض دليلنا، بل يدل على أنَّ من سأل وعنده أربعون درهمًا فهو ملحف، ولا ينافي تحريم من سأل وله دون ذلك، فتأمل. (١)

стр. 1989

٦٢٣ - وَعَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ العَوَّامِ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ، فَيَأْتِيَ بِحُزْمَةٍ مِنَ الحَطَبِ عَلَى ظَهْرِهِ، فَيَبِيعَهَا، فَيَكُفَّ اللهُ بِهَا وَجْهَهُ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ أَعْطَوْهُ أَوْ مَنَعُوهُ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث الحث على الاستعفاف: في حديث الباب الحث على الاستعفاف، والسعي في العمل إن كان محتاجًا، ولا ينبغي له أن يذل نفسه عند الناس، سواء أعطوه أو منعوه، وكما تقدم في الحديث: «ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله» متفق عليه عن أبي سعيد ﵁. (٢) والاستعفاف باللسان: وهو أن يترك سؤال الناس، والتعرض له، والاستغناء بالقلب، وهو أن لا يتطلع بقلبه إلى أموال الناس، نسأل الله أن يرزقنا العفاف، والغنى بفضله ورحمته.

стр. 1990

٦٢٤ - وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «المَسْأَلَةُ كَدٌّ (١) يَكُدُّ بِهَا الرَّجُلُ وَجْهَهُ، إلَّا أَنْ يَسْأَلَ الرَّجُلُ سُلْطَانًا، أَوْ فِي أَمْرٍ لَا بُدَّ مِنْهُ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ. (٢) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: تحريم المسألة من غير السلطان . قال الصنعاني ﵀ في «سبل السلام»: أَيْ سُؤَالُ الرَّجُلِ أَمْوَالَ النَّاسِ كَدٌّ، أَيْ: خَدْشٌ، وَهُوَ الْأَثَرُ، وَفِي رِوَايَةٍ: «كُدُوحٌ» بِضَمِّ الْكَافِ، وَأَمَّا سُؤَالُهُ مِنْ السُّلْطَانِ؛ فَإِنَّهُ لَا مَذَمَّةَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَسْأَلُ مِمَّا هُوَ حَقٌّ لَهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ وَلَا مِنَّةَ لِلسُّلْطَانِ عَلَى السَّائِلِ؛ لِأَنَّهُ وَكِيلٌ، فَهُوَ كَسُؤَالِ الْإِنْسَانِ وَكِيلَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ مِنْ حَقِّهِ الَّذِي لَدَيْهِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ وَإِنْ سَأَلَ السُّلْطَانَ تَكَثُّرًا؛ فَإِنَّهُ لَا بَأْسَ فِيهِ، وَلَا إثْمَ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَهُ قَسِيمًا لِلْأَمْرِ الَّذِي لَا بُدَّ مِنْهُ، وَقَدْ فَسَّرَ الْأَمْرَ الَّذِي لَا بُدَّ مِنْهُ حَدِيثَ قَبِيصَةَ. انتهى المراد، وسيأتي حديث قبيصة في الباب الآتي.

стр. 1991

بَابُ قَسْمِ الصَّدَقَاتِ ٦٢٥ - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ إلَّا لِخَمْسَةٍ: لِعَامِلٍ عَلَيْهَا، أَوْ رَجُلٍ اشْتَرَاهَا بِمَالِهِ، أَوْ غَارِمٍ، أَوْ غَازٍ فِي سَبِيلِ اللهِ، أَوْ مِسْكِينٍ تُصُدِّقَ عَلَيْهِ مِنْهَا، فَأَهْدَى مِنْهَا لِغَنِيٍّ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُودَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ، وَأُعِلَّ بِالإِرْسَالِ. (١) ٦٢٦ - وَعَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الخِيَارِ ﵁ أَنَّ رَجُلَيْنِ حَدَّثَاهُ أَنَّهُمَا أَتَيَا رَسُولَ اللهِ ﷺ يَسْأَلَانِهِ مِنَ الصَّدَقَةِ، فَقَلَّبَ فِيهِمَا النَّظَرَ، فَرَآهُمَا جَلْدَيْنِ، فَقَالَ: «إنْ شِئْتُمَا وَلَا حَظَّ فِيهَا لِغَنِيٍّ وَلَا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ».رَوَاهُ أَحْمَدُ وَقَوَّاهُ، وَأَبُودَاوُد وَالنَّسَائِيُّ. (٢) ٦٢٧ - وَعَنْ قَبِيصَةَ بْنِ مُخَارِقٍ الهِلَالِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إنَّ المَسْأَلَةَ لَا تَحِلُّ إلَّا لِأَحَدِ ثَلَاثَةٍ: رَجُلٍ تَحَمَّلَ حَمَالَةً، فَحَلَّتْ لَهُ المَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَهَا، ثُمَّ يُمْسِكُ وَرَجُلٍ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ اجْتَاحَتْ مَالَهُ، فَحَلَّتْ لَهُ المَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا (٣) مِنْ عَيْشٍ، وَرَجُلٍ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ حَتَّى يَقُومَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِي الحِجَا (٤)

стр. 1992

مِنْ قَوْمِهِ، لَقَدْ أَصَابَتْ فُلَانًا فَاقَةٌ، فَحَلَّتْ لَهُ المَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ، فَمَا سِوَاهُنَّ مِنَ المَسْأَلَةِ يَا قَبِيصَةُ سُحْتٌ يَأْكُلُهَا سُحْتًا». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُودَاوُد وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث مسألة [١]: هل يُعْطَى الغني من الزكاة ؟ قال ابن عبد البر ﵀ في «التمهيد» (١٦/ ٤٨٤): ولا خلاف بين علماء المسلمين أن الصدقة المفروضة لا تحل لغني إلا ما ذُكِرَ في حديث أبي سعيد الخدري، واختلفوا في الصدقة التطوع: هل تحل للغني؟ فمنهم من يرى التنزه عنها، ومنهم من لم يَرَ بها بأسًا إذا جاءت من غير مسألة؛ لقوله ﷺ لعمر: «ما جاءك من غير مسألة فكله وتموله؛ فإنما هو رزق ساقه الله اليك» (٢) مع إجماعهم على أن السؤال لا يحل لغني معروف الغنى. اهـ مسألة [٢]: ضابط الغني الذي لا تصرف إليه الزكاة . • اختلفوا في هذه المسألة على أقوال، وهي كالأقوال التي تقدمت في الغني الذي تحرم عليه فيه المسألة: القول الأول: من ملك خمسين درهمًا، فلا تحل له الزكاة، وتقدم دليلهم هنالك، وهو قول الثوري، والحسن بن صالح، وابن المبارك، وأحمد، وإسحاق.

стр. 1993

القول الثاني: من ملك أربعين درهمًا، وتقدم دليلهم أيضًا، وهو قول الحسن، وأبي عبيد. القول الثالث: من ملك مائتي درهم، أو عشرين دينارًا، وهو قول أبي حنيفة، واستدلوا بحديث: «تؤخذ من أغنيائهم، فترد في فقرائهم» (١)، ولا تجب عليه الزكاة حتى يملك القدر المذكور؛ فدلَّ على أنَّ هذا هو الغني الذي تحرم عليه فيه الصدقة الواجبة، وتحرم عليه فيه المسألة. القول الرابع: من لم يكن محتاجًا فهو الغني الذي لا تصرف له، وأما إذا كان محتاجًا فليس بغني وإن ملك خمسين درهمًا، أو مائتين، وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد في رواية، واستدل بعضهم على ذلك بحديث قبيصة بن المخارق الذي في الباب في قوله: «فحلَّت له المسألة حتى يصيب قوامًا من عيش». قلتُ: وهذا القول الأخير هو الصواب، وقد رجَّحه ابن عبد البر في «التمهيد»، وأمَّا التحديد بخمسين درهمًا فحديثهم ضعيفٌ جدًّا، وكذلك التحديد به، والتحديد بأربعين إنما هو في النهي عن المسألة، وليس فيهما تحريم أخذ الصدقة إذا كان محتاجًا، وأما استدلال أبي حنيفة بالحديث؛ فالحديث فيه بيان الغِنَى الموجِب للزكاة، لا بيان الغنى المانع من أخذ الزكاة، وضابط الغِنَى الموجب للزكاة هو من ملك نصابًا من الماشية، أو الأثمان، أو الزروع والثمار؛ فإنه تجب

стр. 1994

عليه الزكاة وإنْ كان فقيرًا يأخذ من زكاة غيره، والله أعلم. (١) مسألة [٣]: القوي الذي له قدر كفايتة في كل يوم من مكسبه، أو أجرة عقاره، وما أشبه ذلك . • ذهب أكثر أهل العلم إلى أنه تحرم عليه الصدقة، وهو قول مالك، وأحمد، والشافعي، وإسحاق، وأبي عبيد، وابن المنذر، وغيرهم. واستدلوا بحديث الباب: «لا حظَّ فيها لغنيٍّ، ولا لقويٍّ مُكتسِب». وبحديث رجل من أصحاب النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «إنَّ الصدقة لا تحل لغنيٍّ، ولا لِذِي مِرَّةٍ سَوِي» أخرجه أحمد (٥/ ٣٧٥)، وحسنه الإمام الوادعي ﵀ في «الصحيح المسند» رقم (١٤٩٧). • وذهب أبو حنيفة إلى أنه تحل له الصدقة؛ لأنه ليس بغنيٍّ، وقد تقدم أنَّ الغني عنده من ملك النصاب. والصواب ما ذهب إليه الجمهور، والله أعلم. (٢) مسألة [٤]: من كان صحيحًا ولا كسب له ؟ قال ابن قدامة ﵀ (٩/ ٣١٠): وَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ صَحِيحًا جَلْدًا، وَذَكَرَ أَنَّهُ لَا كَسْبَ لَهُ، أُعْطِيَ مِنْهَا، وَقُبِلَ قَوْلُهُ بِغَيْرِ يَمِينٍ إذَا لَمْ يُعْلَمْ يَقِينُ كَذِبِهِ، وَلَا يُحَلِّفُهُ. اهـ ثم استدل بحديث عبيد الله بن عدي بن الخيار المذكور في الكتاب. (٣)

стр. 1995

مسألة [٥]: من كان له دار وخادم لا يستغني عنهما ؟ • أكثر أهل العلم على أنَّ من له دار وخادم لا يستغني عنهما؛ له أن يأخذ من الزكاة، وللمعطي أن يعطيه. • وقال مالك: إنْ لم يكن في ثمن الدار والخادم فضلة عمَّا يحتاج إليه منهما؛ جاز له الأخذ، وإلا لم يجز. ذكره ابن المنذر، وبه قال النخعي، والثوري. • وذهب أبو حنيفة إلى أنَّ العبرة بملكه نصابًا زائدًا على مسكنه وأثاثه. والصواب -والله أعلم- هو القول الأول، وهو ظاهر اختيار ابن عبد البر، وهو قول أحمد، والشافعي، وأبي عبيد، وأبي ثور، والطبري، وغيرهم. (١) مسألة [٦]: هل لِمُخْرِج الزكاة أن يشتريها ممن صارت إليه ؟ • في المسألة قولان: القول الأول: المنع من ذلك، وهو قول الحسن، وقتادة، وأحمد، ومالك؛ لحديث عمر بن الخطاب في «الصحيحين» قال: حملت على فرسٍ في سبيل الله، فأضاعه صاحبه، فظننت أنه بائعه بِرُخْصٍ، فأردت أن أشتريه، فقال النبي ﷺ : «لا تبتعه، ولا تعد في صدقتك؛ فإن العائد في صدقته كالعائد في قيئه». (٢) القول الثاني: الجواز، وهو قول الشافعي وآخرين؛ لحديث أبي سعيد الذي في الكتاب: «أو رجلٌ اشتراها بماله»، وقد قيل: إنَّ حديث عمر منعه من شرائه أنه

стр. 1996

كان حبيسًا في سبيل الله. والقول الأول هو الصواب؛ لما تقدم من حديث عمر ﵁. وحديث أبي سعيد الذي استدلوا به ضعيفٌ، ولو صحَّ لكان عامًّا مخصوصًا بحديثنا؛ لأنَّ حديثنا فيه نهي صاحب الصدقة أن يشتري صدقته. وأما قولهم عن حديث عمر: (إنه كان حبيسًا)؛ فَيُجَابُ عنه بأنه لو كان حبيسًا لما باعها الذي هي في يده، ولا هَمَّ عمر بشرائها، بل كان ينكر على البائع بيعه، ولأنَّ النبي ﷺ ما أنكر بيعها، وإنما أنكر على عمر الشِّراء معللًا بكونه عائدًا في الصدقة، ثم لو سلمنا بما قالوا؛ لكان العبرة بعموم اللفظ، لابخصوص السبب، والله أعلم. (١)

стр. 1997

٦٢٨ - وَعَنْ عَبْدِالمُطَّلِبِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الحَارِثِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَنْبَغِي لِآلِ مُحَمَّدٍ إنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ» وَفِي رِوَايَةٍ: «وَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِمُحَمَّدٍ وَلَا لِآلِ مُحَمَّدٍ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (١) ٦٢٩ - وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ﵁، قَالَ: مَشَيْت أَنَا وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ﵁ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَعْطَيْت بَنِي المُطَّلِبِ مِنْ خُمُسِ خَيْبَرَ وَتَرَكْتنَا، وَنَحْنُ وَهُمْ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ (٢)، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إنَّمَا بَنُو المُطَّلِبِ وَبَنُو هَاشِمٍ شَيْءٌ وَاحِدٌ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ. (٣) المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين مسألة [١]: من هم آل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- الذين تحرم عليهم الصدقة ؟ اتَّفقوا على أنَّ بني هاشم داخلون في ذلك، وهم (آل علي، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل العباس، وآل الحارث). • واختلفوا: هل من أولاد أبي لهب من أسلم، أم لا؟ واختلفوا في بني

стр. 1998

المطلب: هل يدخلون في آل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- الذين تحرم عليهم الصدقة، أم لا؟ فذهب الشافعي، وأحمد في رواية إلى أنهم يدخلون في ذلك؛ لحديث جبير بن مطعم المذكور في الكتاب: «إنما بنو المطلب، وبنو هاشم شيء واحد»، وهو مذهب الظاهرية أيضًا. وذهب مالك، وأبو حنيفة، وأحمد في رواية إلى أنهم لا تحرم عليهم الصدقة؛ لدخولهم في عموم قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [التوبة:٦٠]، وخرج بنو هاشم بحديث: «إنَّ الصدقة لا تنبغي لآل محمد»، فيختص المنع بهم، ولا يصح قياس بني المطلب على بني هاشم؛ لأنَّ بني هاشم أقرب إلى النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وأشرف، وهم آل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ومشاركة بني المطلب لهم في خمس الخمس لم يستحقوه بمجرد القرابة، بدليل أنَّ بني عبد شمس، وبني نوفل يساوونهم بالقرابة، ولم يعطوا شيئًا، وإنما شاركوهم بالنصرة، أو بهما جميعًا، والنصرة لا تقتضي منع الزكاة، هذا كلام ابن قدامة، وقد اختار هذا القول الإمام ابن عثيمين ﵀. والأول أظهر -والله أعلم-؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قد جعلهم شيئًا واحدًا، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. وهو ترجيح الإمام الصنعاني، والإمام الوادعي رحمة الله عليهم. (١)

стр. 1999

مسألة [٢]: وهل هناك خلافٌ في تحريم الزكاة على بني هاشم ؟ • نقل بعض أهل العلم عدم الخلاف في ذلك، منهم ابن قدامة، والواقع وجود الخلاف، فقد نقل الطبري عن أبي حنيفة رواية أخرى بالجواز إذا حُرِمُوا من سهم ذوي القربى، وهذا وجهٌ لبعض الشافعية، وبعض الحنابلة، واختاره شيخ الإسلام. وعن أبي يوسف أنه يجوز لهم أن يأخذوا من زكاة بني هاشم، وهي رواية عن أبي حنيفة، واختاره شيخ الإسلام؛ للحديث: «إنما هي أوساخ الناس». قلتُ: والصواب هو التحريم مطلقًا، وإذا حرموا مما أباحه الله لهم، فليس لنا أن نعطيهم مما حرم الله عليهم، وأما قول أبي يوسف فبعيدٌ؛ لأنَّ بني هاشم زكاتهم أيضًا من أوساخ أموالهم، وهم يدخلون في عموم «الناس» الذين في الحديث، والله أعلم، وهو ترجيح الصنعاني، والإمام الوادعي -رحمه الله تعالى-. (١) مسألة [٣]: وهل تحرم عليهم إذا كانوا من العاملين عليها ؟ • ذهب مالك، والشافعي، وهو وجهٌ عند الحنابلة إلى جواز الأخذ من الزكاة؛ لأنَّ ما يأخذونه هو أجرٌ على عملهم؛ فأُبيح لهم كسائر الأعمال. • وذهب أبو حنيفة، وهو وجهٌ عند الحنابلة إلى تحريم الزكاة عليهم، وإن كانوا من العاملين، واستدلوا بحديث عبد المطلب بن ربيعة الذي في الباب، وسبب

стр. 2000

الحديث أنَّ رجلين من آل بني هاشم سألا النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أن يجعلهم من العاملين حتى يصيبوا منها، وهذا نصٌّ في محل النزاع، وهذا هو الراجح، والله أعلم. (١) مسألة [٤]: وهل تحرم عليهم صدقة التطوع ؟ • ذهب أكثر أهل العلم إلى أنَّ صدقة التطوع تُباح لهم، وأنَّ الذين تحرم عليهم هي صدقة الفرض فقط؛ لقوله في الحديث: «إنما هي أوساخ الناس»، وادَّعى الخطابي الإجماع على ذلك، ولا يصح الإجماع؛ فقد نقل ابن قدامة عن أحمد رواية بالتحريم، وهو قول الظاهرية، ونقله الشوكاني عن بعض أهل العلم، ورجَّح ذلك الصنعاني في «حاشيته على ضوء النهار» (٢/ ٣٤٤) حيث قال: وقد علمت أنَّ أحاديث تحريم الصدقة وردت بألفاظ عامة مثل: «إنما هذه الصدقات أوساخ الناس»، «أما علمت أنَّا لا نأكل الصدقة»، وأنها بعمومها شاملة لصدقة النفل، والفرض، وإن كان إنما وردت في تحريم صدقة الفرض، لكنه تقرر في الأصول أنَّ العام لا يقصر على سببه، ويدل لذلك أيضًا أحاديث أنه ﷺ كان إذا أُتِي بطعامٍ سأل عنه؛ فإن قيل: هدية؛ أكل منها، وإن قيل: صدقة؛ لم يأكل، وهي في النفل أظهر؛ إذ إخراج الطعام عن صدقة الفرض غير معهود، وأيضًا وأوضح من ذلك حديث سلمان (٢) أنه أتى إليه ﷺ بعد قدوم المدينة بتمر، وقال: إنه صدقة. فلم يأكل منه، وسلمان كان مملوكًا لا تجب عليه صدقة فرض؛ فهو صدقة نفل.
следующие страницы →