كان حبيسًا في سبيل الله.
والقول الأول هو الصواب؛ لما تقدم من حديث عمر ﵁.
وحديث أبي سعيد الذي استدلوا به ضعيفٌ، ولو صحَّ لكان عامًّا مخصوصًا بحديثنا؛ لأنَّ حديثنا فيه نهي صاحب الصدقة أن يشتري صدقته.
وأما قولهم عن حديث عمر: (إنه كان حبيسًا)؛ فَيُجَابُ عنه بأنه لو كان حبيسًا لما باعها الذي هي في يده، ولا هَمَّ عمر بشرائها، بل كان ينكر على البائع بيعه، ولأنَّ النبي ﷺ ما أنكر بيعها، وإنما أنكر على عمر الشِّراء معللًا بكونه عائدًا في الصدقة، ثم لو سلمنا بما قالوا؛ لكان العبرة بعموم اللفظ، لابخصوص السبب، والله أعلم. (١)
стр. 1997
٦٢٨ - وَعَنْ عَبْدِالمُطَّلِبِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الحَارِثِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَنْبَغِي لِآلِ مُحَمَّدٍ إنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ» وَفِي رِوَايَةٍ: «وَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِمُحَمَّدٍ وَلَا لِآلِ مُحَمَّدٍ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (١)
٦٢٩ - وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ﵁، قَالَ: مَشَيْت أَنَا وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ﵁ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَعْطَيْت بَنِي المُطَّلِبِ مِنْ خُمُسِ خَيْبَرَ وَتَرَكْتنَا، وَنَحْنُ وَهُمْ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ (٢)، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إنَّمَا بَنُو المُطَّلِبِ وَبَنُو هَاشِمٍ شَيْءٌ وَاحِدٌ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ. (٣)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين
مسألة [١]: من هم آل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- الذين تحرم عليهم الصدقة ؟
اتَّفقوا على أنَّ بني هاشم داخلون في ذلك، وهم (آل علي، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل العباس، وآل الحارث).
• واختلفوا: هل من أولاد أبي لهب من أسلم، أم لا؟ واختلفوا في بني
стр. 1998
المطلب: هل يدخلون في آل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- الذين تحرم عليهم الصدقة، أم لا؟
فذهب الشافعي، وأحمد في رواية إلى أنهم يدخلون في ذلك؛ لحديث جبير بن مطعم المذكور في الكتاب: «إنما بنو المطلب، وبنو هاشم شيء واحد»، وهو مذهب الظاهرية أيضًا.
وذهب مالك، وأبو حنيفة، وأحمد في رواية إلى أنهم لا تحرم عليهم الصدقة؛ لدخولهم في عموم قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [التوبة:٦٠]، وخرج بنو هاشم بحديث: «إنَّ الصدقة لا تنبغي لآل محمد»، فيختص المنع بهم، ولا يصح قياس بني المطلب على بني هاشم؛ لأنَّ بني هاشم أقرب إلى النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وأشرف، وهم آل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ومشاركة بني المطلب لهم في خمس الخمس لم يستحقوه بمجرد القرابة، بدليل أنَّ بني عبد شمس، وبني نوفل يساوونهم بالقرابة، ولم يعطوا شيئًا، وإنما شاركوهم بالنصرة، أو بهما جميعًا، والنصرة لا تقتضي منع الزكاة، هذا كلام ابن قدامة، وقد اختار هذا القول الإمام ابن عثيمين ﵀.
والأول أظهر -والله أعلم-؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قد جعلهم شيئًا واحدًا، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
وهو ترجيح الإمام الصنعاني، والإمام الوادعي رحمة الله عليهم. (١)
стр. 1999
مسألة [٢]: وهل هناك خلافٌ في تحريم الزكاة على بني هاشم ؟
• نقل بعض أهل العلم عدم الخلاف في ذلك، منهم ابن قدامة، والواقع وجود الخلاف، فقد نقل الطبري عن أبي حنيفة رواية أخرى بالجواز إذا حُرِمُوا من سهم ذوي القربى، وهذا وجهٌ لبعض الشافعية، وبعض الحنابلة، واختاره شيخ الإسلام.
وعن أبي يوسف أنه يجوز لهم أن يأخذوا من زكاة بني هاشم، وهي رواية عن أبي حنيفة، واختاره شيخ الإسلام؛ للحديث: «إنما هي أوساخ الناس».
قلتُ: والصواب هو التحريم مطلقًا، وإذا حرموا مما أباحه الله لهم، فليس لنا أن نعطيهم مما حرم الله عليهم، وأما قول أبي يوسف فبعيدٌ؛ لأنَّ بني هاشم زكاتهم أيضًا من أوساخ أموالهم، وهم يدخلون في عموم «الناس» الذين في الحديث، والله أعلم، وهو ترجيح الصنعاني، والإمام الوادعي -رحمه الله تعالى-. (١)
مسألة [٣]: وهل تحرم عليهم إذا كانوا من العاملين عليها ؟
• ذهب مالك، والشافعي، وهو وجهٌ عند الحنابلة إلى جواز الأخذ من الزكاة؛ لأنَّ ما يأخذونه هو أجرٌ على عملهم؛ فأُبيح لهم كسائر الأعمال.
• وذهب أبو حنيفة، وهو وجهٌ عند الحنابلة إلى تحريم الزكاة عليهم، وإن كانوا من العاملين، واستدلوا بحديث عبد المطلب بن ربيعة الذي في الباب، وسبب
стр. 2000
الحديث أنَّ رجلين من آل بني هاشم سألا النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أن يجعلهم من العاملين حتى يصيبوا منها، وهذا نصٌّ في محل النزاع، وهذا هو الراجح، والله أعلم. (١)
مسألة [٤]: وهل تحرم عليهم صدقة التطوع ؟
• ذهب أكثر أهل العلم إلى أنَّ صدقة التطوع تُباح لهم، وأنَّ الذين تحرم عليهم هي صدقة الفرض فقط؛ لقوله في الحديث: «إنما هي أوساخ الناس»، وادَّعى الخطابي الإجماع على ذلك، ولا يصح الإجماع؛ فقد نقل ابن قدامة عن أحمد رواية بالتحريم، وهو قول الظاهرية، ونقله الشوكاني عن بعض أهل العلم، ورجَّح ذلك الصنعاني في «حاشيته على ضوء النهار» (٢/ ٣٤٤) حيث قال: وقد علمت أنَّ أحاديث تحريم الصدقة وردت بألفاظ عامة مثل: «إنما هذه الصدقات أوساخ الناس»، «أما علمت أنَّا لا نأكل الصدقة»، وأنها بعمومها شاملة لصدقة النفل، والفرض، وإن كان إنما وردت في تحريم صدقة الفرض، لكنه تقرر في الأصول أنَّ العام لا يقصر على سببه، ويدل لذلك أيضًا أحاديث أنه ﷺ كان إذا أُتِي بطعامٍ سأل عنه؛ فإن قيل: هدية؛ أكل منها، وإن قيل: صدقة؛ لم يأكل، وهي في النفل أظهر؛ إذ إخراج الطعام عن صدقة الفرض غير معهود، وأيضًا وأوضح من ذلك حديث سلمان (٢) أنه أتى إليه ﷺ بعد قدوم المدينة بتمر، وقال: إنه صدقة. فلم يأكل منه، وسلمان كان مملوكًا لا تجب عليه صدقة فرض؛ فهو صدقة نفل.
стр. 2001
قال: وفي كتب الشافعية، والحنفية أنَّ تركه ﷺ لصدقة النفل تورعًا لا أنها محرمة، وهي دعوى بلا دليل. اهـ
وهذا القول رجَّحه الإمام الوادعي ﵀، وشيخنا يحيى الحجوري عافاه الله، والقول الأول رجَّحه الإمام ابن عثيمين ﵀. (١)
تنبيه: ذهب أكثر أهل العلم إلى أن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- تحرم عليه صدقة التطوع أيضًا، وحملوا الأحاديث التي ذكرها الصنعاني على الخصوصية به، بل نقل جماعةٌ الإجماع على ذلك، منهم: الخطابي كما في «النيل» (١٦١٠).
قال الشوكاني ﵀: وتعقب بأنه قد حكى غير واحد عن الشافعي في التطوع قولًا، وكذا في رواية عن أحمد، وقال ابن قدامة: ليس ما نقل عنه في ذلك بواضح الدلالة.
قلتُ: وفي قول الصنعاني المتقدم (وفي كتب الشافعية ... ) دليل على أنه ليس في المسألة إجماع. (٢)
مسألة [٥]: هل تحرم الصدقة على أزواج بني هاشم ؟
قال الصنعاني ﵀ في «حاشيته على ضوء النهار» (٢/ ٣٣٤): قال الحافظ السيوطي ﵀ في «أنموذج اللبيب في خصائص الحبيب»: إنها تحرم الصدقة على أزواج النبي ﷺ بالإجماع. فقال: كذا قال. وفي «شرح البخاري» لابن بطال أنَّ
стр. 2002
الفقهاء كافة على أنَّ أزواجه ﷺ لا يدخلن في آله الذين حرمت عليهم الصدقة.
قال الصنعاني: قلت: وتفسير زيد بن أرقم للآل يؤيد هذا المقال، وفي حديث جويرية عند مسلم (١) أنه ﷺ قال: «هل عندكم طعام؟» فقالت جويرية: لا والله، ما عندنا طعام؛ إلا عظم من شاة أعطيتها مولاتي من الصدقة. فقال: «قَرِّبِيها؛ فقد بلغت محلها»، وكذلك اللحم من شاة بريرة مولاة عائشة الذي قال النبي ﷺ فيه: «هو لها صدقة، ولنا هدية» (٢)، دلت على أنه لا يحرم على موالي أزواجه كما لا يحرم عليهن. اهـ. (٣)
قلتُ: حديث زيد بن أرقم في «صحيح مسلم» (٢٤٠٨) أنه سُئل: أليس نساؤه من أهل بيته؟ فقال: نساؤه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده، وهم: آل علي، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل العباس.
وفي رواية: أنه قال عند أن سُئل عن نسائه: مِنْ أهل بيته؟ فقال: لا وايم الله، إنَّ المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر، ثم يطلقها، فترجع إلى أبيها، وقومها، أهل بيته أصله وعصبته الذين حرموا الصدقة بعده.
قال ابن القيم ﵀ في «جلاء الأفهام» (ص ١٢٣ - ١٢٤): وإنما دخل الأزواج في الآل، وخصوصًا أزواج النبي ﷺ ؛ تشبيهًا لذلك بالنسب؛ لأن اتصالهن بالنبي
стр. 2003
- ﷺ غير مرتفع، وهن محرمات على غيره في حياته وبعد مماته، وهن زوجاته في الدنيا والآخرة، فالسبب الذي لهن بالنبي ﷺ قائم مقام النسب، وقد نص على الصلاة عليهن؛ ولهذا كان القول الصحيح وهو منصوص الإمام أحمد ﵀: أنَّ الصدقة تحرم عليهم؛ لأنها أوساخ الناس، وقد صان الله سبحانه ذلك الجناب الرفيع وآله من كل أوساخ بني آدم، ويالله العجب! كيف يدخل أزواجه في قوله: «اللهم اجعل رزق آل محمد قوتًا»، وقوله في الأضحية: «اللهم هذا عن محمد وآل محمد»، وفي قول عائشة ﵂: ما شبع آل رسول الله ﷺ من خُبز بُرٍّ، وفي قول المصلي: «اللهم صَلِّ على محمد وعلى آل محمد»، ولا يدخلن في قوله: «إن الصدقة لا تحل لمحمد ولا لآل محمد» مع كونها من أوساخ الناس، فأزواج رسول الله ﷺ أولى بالصيانة عنها والبعد منها؛ فإن قيل: لو كانت الصدقة حرامًا عليهن؛ لحرمت على مواليهن، كما أنها لما حرمت على بني هاشم حرمت على مواليهم، وقد ثبت في «الصحيح» أن بريرة تصدق عليها بلحم فأكلته، ولم يحرمه النبي ﷺ وهي مولاة لعائشة ﵂.
قيل: هذا هو شبهة من أباحها لأزواج النبي ﷺ ، وجواب هذه الشبهة: أن تحريم الصدقة على أزواج النبي ﷺ ليس بطريق الأصالة وإنما هو تبع لتحريمها عليه؛ وإلا فالصدقة حلال لهن قبل اتصالهن به، فهن فرع في هذا التحريم، والتحريم على المولى فرع التحريم على سيده، فلما كان التحريم على بني هاشم أصلًا؛ استتبع ذلك مواليهم، ولما كان التحريم على أزواج النبي ﷺ تبعًا؛ لم يقو ذلك على استتباع مواليهن؛ لأنه فرع عن فرع. قالوا: وقد قال الله تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ
стр. 2004
وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا * ... وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا * يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا * وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا * وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب:٣٠ - ٣٤]، فدخلن في أهل البيت؛ لأن هذا الخطاب كله في سياق ذكرهن فلا يجوز إخراجهن في شيء منه، والله أعلم. اهـ
قلتُ: وهذا الكلام من ابن القيم كلام مفيد، وما عندنا عليه مزيد.
стр. 2005
٦٣٠ - وَعَنْ أَبِي رَافِعٍ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ رَجُلًا عَلَى الصَّدَقَةِ مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ، فَقَالَ لِأَبِي رَافِعٍ: اصْحَبْنِي، فَإِنَّك تُصِيبُ مِنْهَا، فَقَالَ: حَتَّى آتِيَ النَّبِيَّ ﷺ ، فَأَسْأَلَهُ. فَأَتَاهُ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: «مَوْلَى القَوْمِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، وَإِنَّا لَا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالثَّلَاثَةُ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: هل تحرم الصدقة على موالي آل محمد -صلى الله عليه وعلى آله وسلم -؟
• ذهب أحمد، والشافعي في أحد قوليه إلى تحريم الصدقة على مواليهم أيضًا، وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه، وبعض المالكية كابن الماجشون، وهو الصحيح عند الشافعية؛ لحديث أبي رافع الذي في الباب.
• وذهب جمهور العلماء إلى أنَّ الصدقة تجوز لهم؛ لأنهم ليسوا منهم حقيقة، ولأنهم لم يعوضوا عنها من خمس الخمس.
قلتُ: والقول الأول أرجح لوجود الدليل الفاصل في محل النزاع، وهو حديث أبي رافع، والله أعلم. (٢)
стр. 2006
مسألة [١]: الصدقة على موالي أزواج آل محمد -صلى الله عليه وعلى آله وسلم -؟
جاء في «الصحيحين» (١) وغيرهما أنَّ بريرة تصدق عليها وهي مولاة لعائشة، ولم ينكر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عليها، وكذلك جويرية كما في «صحيح مسلم» (١٠٧٣) تصدق على مولاتها، فلم ينكر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عليها.
قال ابن المنير كما في «الفتح» (١٤٩٣): إِنَّمَا أَوْرَدَ الْبُخَارِيُّ هَذِهِ التَّرْجَمَةَ [بَابُ الصَّدَقَةِ عَلَى مَوَالِي أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ ] لِيُحَقِّقَ أَنَّ الْأَزْوَاجَ لَا يَدْخُلُ مَوَالِيهِنَّ فِي الْخِلَافِ، وَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهِنَّ الصَّدَقَةُ قَوْلًا وَاحِدًا؛ لِئَلَّا يَظُنَّ الظَّانُّ أَنَّهُ لَمَّا قَالَ بَعْضُ النَّاسِ بِدُخُولِ الْأَزْوَاجِ فِي الْآلِ أَنَّهُ يَطَّرِدُ فِي مَوَالِيهنَّ، فَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا يَطَّرِدُ. اهـ
стр. 2007
٦٣١ - وَعَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِاللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ ﵄، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُعْطِي عُمَرَ العَطَاءَ، فَيَقُولُ: أَعْطِهِ أَفْقَرَ مِنِّي، فَيَقُولُ: «خُذْهُ فَتَمَوَّلْهُ، أَوْ تَصَدَّقْ بِهِ، وَمَا جَاءَك (١) مِنْ هَذَا المَالِ، وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ وَلَا سَائِلٍ فَخُذْهُ، وَمَا لَا فَلَا تُتْبِعْهُ نَفْسَك». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (٢)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: إعطاء العامل من الصدقة وإن كان غنيًّا .
دل حديث الباب على أنَّ العامل على الزكاة من المستحقين منها أجرةً على عمله، وأنه يُعطى وإن كان غير محتاجٍ إليها كما فعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مع عمر بن الخطاب ﵁.
وفيه أيضًا أنَّ من نوى التبرع يجوز له أخذ الأجرة بعد ذلك، ففي «الصحيحين» (٣) أنَّ عمر ﵁ قال: يا رسول الله، إنما عملت لله. فقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إذا أُعطِيت شيئًا من غير أن تسأل؛ فكُل وتصدق».
стр. 2008
مَسَائِلُ أُخْرَى تَتَعَلَّقُ بِالبَاب
مسألة [١]: دفع زكاة الرجل إلى امرأته .
قال ابن المنذر ﵀: أجمعوا على أنَّ الرجل لا يُعْطِي زوجته من الزكاة شيئًا؛ لأنَّ نفقتها واجبة عليه، فتستغني بها عن أخذ الزكاة. (١)
مسألة [٢]: دفع المرأة زكاتها إلى زوجها .
• في المسألة قولان:
الأول: الجواز إن كان مستحقًّا؛ بكونه من الأصناف الثمانية، وهو مذهب الشافعي، والثوري، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن، وابن المنذر، ورواية عن مالك، ورواية عن أحمد؛ لأنه يدخل في ضمن الأصناف الثمانية، فما المانع من أن يُعطَى، واستدل بعضهم بحديث زينب الثقفية (٢) عند أن تصدقت على زوجها بعد أن سألت النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فأباح لها ذلك، واستحبه.
الثاني: المنع، وهو مذهب أبي حنيفة، ورواية عن أحمد، ومالك؛ لأنها تنتفع بدفعها إليه، وقد أُجيب عن ذلك كما في «الفتح» أنَّ احتمال رجوع الصدقة إليها واقعٌ في التطوع أيضًا، ويؤيد المذهب الأول أنَّ ترك الاستفصال ينزل منزلة
стр. 2009
العموم، فلما ذكرت الصدقة، ولم يستفصلها عن تطوع ولا واجب، فكأنه قال: يجزئ عنكِ، فرضًا كان أو تطوعًا. اهـ
قلتُ: وأيضًا فإنَّ رجوعها إليها محتمل، فقد ينتفع بها الزوج في أمور أخرى يكون النفع فيها عائدًا على غيرها، والله أعلم.
والمذهب الأول هو الراجح، وقد رجَّحه ابن قدامة ﵀. (١)
مسألة [٣]: دفع الزكاة إلى الوالدين .
قال ابن قدامة ﵀ كما في «المغني» (٤/ ٩٨): قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الزَّكَاةَ لَا يَجُوزُ دَفْعُهَا إلَى الْوَالِدَيْنِ فِي الْحَالِ الَّتِي يُجْبَرُ الدَّافِعُ إلَيْهِمْ عَلَى النَّفَقَةِ عَلَيْهِمْ. اهـ وَلِأَنَّ دَفْعَ زَكَاتِهِ إلَيْهِمْ تُغْنِيهِمْ عَنْ نَفَقَتِهِ، وَتُسْقِطُهَا عَنْهُ، وَيَعُودُ نَفْعُهَا إلَيْهِ، فَكَأَنَّهُ دَفَعَهَا إلَى نَفْسِهِ، فَلَمْ تَجُزْ، كَمَا لَوْ قَضَى بِهَا دَيْنَهُ. اهـ
قال شيخ الإسلام ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ٩٠): وَأَمَّا دَفْعُهَا إلَى الْوَالِدَيْنِ إذَا كَانُوا غَارِمِينَ، أَوْ مُكَاتَبِينَ، فَفِيهَا وَجْهَانِ، وَالْأَظْهَرُ جَوَازُ ذَلِكَ، وَأَمَّا إنْ كَانُوا فُقَرَاءَ وَهُوَ عَاجِزٌ عَنْ نَفَقَتِهِمْ؛ فَالْأَقْوَى جَوَازُ دَفْعِهَا إلَيْهِمْ فِي هَذِهِ الْحَالِ؛ لِأَنَّ المُقْتَضِيَ مَوْجُودٌ، وَالمَانِعَ مَفْقُودٌ، فَوَجَبَ الْعَمَلُ بِالمُقْتَضِي السَّالِمِ عَنْ المُعَارِضِ المُقَاوِمِ. اهـ
مسألة [٤]: دفع الزكاة إلى الولد .
كذلك ذكر أهل العلم أنه لا يجوز للوالد أن يدفع زكاته إلى ولده؛ لأنه إن كان
стр. 2010
غنيًّا، فلا تجزئ، وإن كان فقيرًا؛ فإنَّ نفقته واجبة عليه، فيكون غنيًّا بنفقته، ويكون الوالد بصرفه الزكاةَ له في تلك الحالة منتفعًا بها، وكأنه ينفقها على نفسه.
قال شيخ الإسلام ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ٩٢): إذَا كَانَ عَلَى الْوَلَدِ دَيْنٌ، وَلَا وَفَاءَ لَهُ؛ جَازَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ زَكَاةِ أَبِيهِ فِي أَظْهَرِ الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ، وَأَمَّا إنْ كَانَ مُحْتَاجًا إلَى النَّفَقَةِ وَلَيْسَ لِأَبِيهِ مَا يُنْفِقُ عَلَيْهِ، فَفِيهِ نِزَاعٌ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَخْذُ زَكَاةِ أَبِيهِ، وَأَمَّا إنْ كَانَ مُسْتَغْنِيًا بِنَفَقَةِ أَبِيهِ؛ فَلَا حَاجَةَ بِهِ إلَى زَكَاتِهِ، وَاَللهُ أَعْلَمُ. اهـ. (١)
مسألة [٥]: دفع الزكاة إلى بقية الأقارب .
أما إذا لم يكن ممن يرثه فذكر أهل العلم أنها تجزئ، بل يستحب؛ لأنها صدقة وصِلَة، وإن كان ممن يرثه فذهب أكثر أهل العلم إلى الجواز أيضًا، وذهب بعض أهل العلم إلى عدم الجواز؛ لأنه يجب عليه أن ينفق عليه، وهذه رواية عن أحمد، وسيأتي الكلام على النفقة على الأقارب في باب النفقات إن شاء الله تعالى.
وقد أخرج ابن أبي شيبة (٣/ ١٩١) بإسنادٍ صحيحٍ، من طريق ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس ﵄، قال: لا بأس أن تجعل زكاتك في ذوي قرابتك؛ مالم يكونوا من عيالك.
وقد أجاز شيخ الإسلام ﵀ دفع الزكاة لهم لأجل الدَّين، وإن كانوا هم الذين ينفقون عليهم، وهو قول قوي. (٢)
стр. 2011
مسألة [٦]: إن كان في عائلته من لا يجب عليه الإنفاق عليه ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٤/ ١٠٢): فَإِنْ كَانَ فِي عَائِلَتِهِ مِنْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ، كَيَتِيمِ أَجْنَبِيٍّ، فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ دَفْعُ زَكَاتِهِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يَنْتَفِعُ بِدَفْعِهَا إلَيْهِ، لِإِغْنَائِهِ بِهَا عَنْ مُؤْنَتِهِ. وَالصَّحِيحُ -إنْ شَاءَ اللهُ- جَوَازُ دَفْعِهَا إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ دَاخِلٌ فِي الْأَصْنَافِ الْمُسْتَحِقِّينَ لِلزَّكَاةِ، وَلَمْ يَرِدْ فِي مَنْعِهِ نَصٌّ، وَلَا إجْمَاعٌ، وَلَا قِيَاسٌ صَحِيحٌ، فَلَا يَجُوزُ إخْرَاجُهُ مِنْ عُمُومِ النَّصِّ بِغَيْرِ دَلِيلٍ. اهـ
مسألة [٧]: هل تصرف الزكاة للكافر والمملوك ؟
قال ابن المنذر ﵀: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ الذِّمِّيَّ لَا يُعْطَى مِنْ زَكَاةِ الْأَمْوَالِ شَيْئًا. اهـ
وقال ابن قدامة ﵀: لَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا فِي أَنَّ زَكَاةَ الْأَمْوَالِ لَا تُعْطَى لِكَافِرٍ وَلَا لِمَمْلُوكٍ. اهـ
ثم استدل بحديث معاذ: «تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ، وَتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِمْ». (١)
مسألة [٨]: مصارف الزكاة .
قال الله في كتابه الكريم: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة:٦٠].
стр. 2012
أخرج أبو داود في «سننه» (١٦٣٠) من حديث زياد بن الحارث الصدائي، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أتاه رجلٌ، فقال: أعطني من الصدقة. فقال له رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إن الله لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات حتى حكم فيها هو، فجزأها ثمانية أجزاء؛ فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك حقَّك».
قلتُ: هو حديث ضعيفٌ، ذكرته للتنبيه عليه، وفي إسناده: عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقي، وهو ضعيفٌ.
أولا، وثانيًا: الفقراء والمساكين.
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٩/ ٣٠٦): الْفُقَرَاءُ وَالْمَسَاكِينُ صِنْفَانِ فِي الزَّكَاةِ، وَصِنْفٌ وَاحِدٌ فِي سَائِرِ الْأَحْكَامِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الِاسْمَيْنِ يَنْطَلِقُ عَلَيْهِمَا، فَأَمَّا إذَا جُمِعَ بَيْنَ الِاسْمَيْنِ، وَمُيِّزَ بَيْنَ الْمُسَمَّيَيْنِ تَمَيَّزَا، وَكِلَاهُمَا يُشْعِرُ بِالْحَاجَةِ وَالْفَاقَةِ وَعَدَمِ الْغِنَى، إلَّا أَنَّ الْفَقِيرَ أَشَدُّ حَاجَةً مِنْ الْمِسْكِينِ، مِنْ قِبَلِ أَنَّ اللهَ تَعَالَى بَدَأَ بِهِ، وَإِنَّمَا يَبْدَأُ بِالْأَهَمِّ فَالْأَهَمِّ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَالْأَصْمَعِيُّ، وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إلَى أَنَّ الْمِسْكِينَ أَشَدُّ حَاجَةً. وَبِهِ قَالَ الْفَرَّاءُ، وَثَعْلَبٌ، وَابْنُ قُتَيْبَةَ؛ لِقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد:١٦]، وَهُوَ الْمَطْرُوحُ عَلَى التُّرَابِ لِشِدَّةِ حَاجَتِهِ ... .
قال: وَلَنَا أَنَّ اللهَ تَعَالَى بَدَأَ بِالْفُقَرَاءِ، فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ أَهَمُّ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ [الكهف:٧٩]، فَأَخْبَرَ أَنَّ الْمَسَاكِينَ لَهُمْ سَفِينَةٌ يَعْمَلُونَ بِهَا ... .
стр. 2013
قال: فَأَمَّا الْآيَةُ الَّتِي ذَكَرُوهَا فَهِيَ حُجَّةٌ لَنَا؛ فَإِنَّ نَعْتَ الله تَعَالَى لِلْمِسْكِينِ بِكَوْنِهِ ذَا مَتْرَبَةٍ، يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا النَّعْتَ لَا يَسْتَحِقُّهُ بِإِطْلَاقِ اسْمِ الْمَسْكَنَةِ. اهـ
قلتُ: وبقول الحنفية، مذهب المالكية، والخلاف في أيهما المقل وأيهما المعدم خلافٌ في الاسم، فلا يضر، والله أعلم.
مسألة [٩]: ما هو المقدار الذي إذا ملكه الفقير والمسكين صار غنيًّا ولم يجز له أن يأخذ من الزكاة ؟
• مذهب المالكية، والحنابلة، وهو وجه عند الشافعية: أن الفقير يعطى كفاية سنة؛ لأن الزكوات تتكرر على كل عام، ولأن النبي ﷺ كان يدخر لأهله قوت سنة؛ فيعطى ما يكفيه إلى قدر سنة، وبعد ذلك لا يعطى مزيدًا عليه.
• وذهب الشافعية، وهو وجهٌ للحنابلة إلى أن الفقير والمسكين يعطيان ما يخرجهما من الفاقة إلى الغنى، وهو ما تحصل به الكفاية على الدوام؛ لحديث قبيصة مرفوعًا: «إن المسألة لا تحل إلا لثلاثة، وذكر منهم: رجل أصابته فاقة حتى يقول ثلاثة من ذوي الحجا من قومه: لقد أصابت فلانًا فاقة؛ فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش، أو قال: سدادا من عيش».
قالوا: فإن كان من عادته الاحتراف أعطي ما يشتري به أدوات حرفته قلت قيمتها أو كثرت بحيث يحصل له من ربحه ما يفي بكفايته غالبا تقريبًا، وإن كان تاجرا أعطي بنسبة ذلك، وإن كان من أهل الضياع يشترى له ضيعة تكفيه غلتها على الدوام. قال بعضهم: يشتريها له الإمام ويلزمه بعدم إخراجها عن ملكه.
стр. 2014
• وذهب الحنفية إلى أن من لا يملك نصابا زكويا كاملا يجوز أن يدفع إليه أقل من مائتي درهم أو تمامها. ويكره أكثر من ذلك، وقال زفر لا يجوز تمام المائتين أو أكثر.
وهذا عند الحنفية لمن لم يكن له عيال ولا دين عليه، فإن كان له عيال فلكل منهم مائتا درهم، والمدين يعطى لدينه ولو فوق المائتين.
قال أبو عبد الله غفر الله له: يُعطَى ما يسد الحاجة؛ فإن كان ممن له تكسب لا يفي بحاجته؛ أعطي معها ما يسد الحاجة، وإن كان لا تكسب له فيعطى ما يسد حاجته حتى إذا ملك قوت سنة؛ كف عن الزكاة، ولا بأس أيضًا أن يعطى ما يستعين به على التكسب لأهله وأولاده، والله أعلم. (١)
مسألة [١٠]: هل تصرف الزكاة لمن يجد كفاية نفقته، وهو بحاجة إلى الزواج، ولا يقدر عليه ؟
• ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الزكاة تختص بالمطعم والمشرب والمسكن؛ لأنها هي حاجة الإنسان الضرورية.
• وذهب المالكية إلى أنها تصرف بذلك؛ لأن الزواج أيضًا من حاجة الشباب الضرورية أيضًا، وقد تكون عند بعض الناس أهم من سكناه. وهذا القول أقرب، وقد رجحه الإمام العثيمين ﵀. (٢)
стр. 2015
ثالثًا: العاملون عليها.
وهم الصنف الثالث من أصناف الزكاة، وهم السُّعاة الذين يبعثهم الإمام لأخذها من أربابها، وجمعها، وحفظها، ونقلها، ومن يعينهم ممن يسوقها، ويرعاها، ويحملها، وكذلك الحاسب، والكاتب، والكيال، والوزان، والعداد، وكل من يحتاج إليه فيها؛ فإنه يُعْطَى أجرته منها؛ لأنَّ ذلك من مؤنتها. اهـ (١)
مسألة [١١]: شروط العامل على الزكاة .
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٩/ ٣١٣): وَمِنْ شَرْطِ الْعَامِلِ أَنْ يَكُونَ بَالِغًا، عَاقِلًا، أَمِينًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ ضَرْبٌ مِنْ الْوِلَايَةِ، وَالْوِلَايَةُ تُشْتَرَطُ فِيهَا هَذِهِ الْخِصَالُ، وَلِأَنَّ الصَّبِيَّ وَالْمَجْنُونَ لَا قَبْضَ لَهُمَا، وَالْخَائِنَ يَذْهَبُ بِمَالِ الزَّكَاةِ وَيُضَيِّعُهُ عَلَى أَرْبَابِهِ، وَيُشْتَرَطُ إسْلَامُهُ، وَاخْتَارَ هَذَا الْقَاضِي، وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ وَغَيْرُهُ: أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ إسْلَامُهُ؛ لِأَنَّهُ إجَارَةٌ عَلَى عَمَلٍ، فَجَازَ أَنْ يَتَوَلَّاهُ الْكَافِرُ، كَجِبَايَةِ الْخَرَاجِ. وَقِيلَ: عَنْ أَحْمَدَ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ.
قال: وَلَنَا أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لَهُ الْأَمَانَةُ، فَاشْتُرِطَ لَهُ الْإِسْلَامُ، كَالشَّهَادَةِ، وَلِأَنَّهُ وِلَايَةٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَوَلَّاهَا الْكَافِرُ، كَسَائِرِ الْوِلَايَاتِ، وَلِأَنَّ مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الزَّكَاةِ، لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَوَلَّى الْعِمَالَةَ كَالْحَرْبِيِّ، وَلِأَنَّ الْكَافِرَ لَيْسَ بِأَمِينٍ. اهـ
مسألة [١٢]: كم يُعْطى العاملون عليها ؟
• مذهب الشافعية: أنهم يُعْطَون الثمن إن بلغته أجرتهم، وإن كانت أجرتهم أقل
стр. 2016
من الثمن؛ رد الفضل على غيرهم، وإن كانت أجرتهم أكثر من الثمن؛ فلا يزادون من الزكاة، وإنما يزادون من بيت المال، لأن الله ذكرهم صنفًا من بين أصناف ثمانية، وقيل: يتمم لهم من حق باقي الأصناف.
• وذكر القرطبي عن مالك أنهم يُعْطَون أجرتهم الكافية مقابل عملهم من الزكاة وإن كثرت عن الثمن، وهو قول، وهذا أقرب، والله أعلم. (١)
مسألة [١٣]: هل للساعي الذي جمع الزكاة أن يفرقها للمستحقين بنفسه ؟
يجوز للإمام أن يولي السَّاعي جبايتها دون تفريقها؛ لحديث أبي حميد الساعدي لما بعث النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ابن اللتبية، فقدم بصدقته على النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فقال: هذا لكم، وهذا أُهدي إلي. (٢) وحديث قبيصة بن المخارق في «صحيح مسلم»، وفيه: «أقم حتى تأتينا الصدقة، فنأمر لك بها». (٣)
ويجوز أن يوليه جبايتها، وتفريقها؛ لحديث عمران بن حصين عند أبي داود (١٦٢٥) وغيره، أنَّ زيادًا، أو بعض الأمراء بعثه على الصدقة، فلما قَدِمَ عمران قال له: أين المال؟ قال: وللمال أرسلتني، أخذناها من حيث كنا نأخذها على عهد رسول الله ووضعناها حيث كنا نضعها على عهد رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. وإسناده صحيح. (٤)
стр. 2017
مسألة [١٤]: هل تدفع الزكاة إلى الوالي وإن كان ظالمًا لا يؤديها إلى المستحقين ؟
قال شيخ الإسلام ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ٨١): أَمَّا مَا يَأْخُذُهُ وُلَاةُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ الْعُشْرِ، وَزَكَاةِ الْمَاشِيَةِ، وَالتِّجَارَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ ذَلِكَ مِنْ صَاحِبِهِ إذَا كَانَ الْإِمَامُ عَادِلًا يَصْرِفُهُ فِي مَصَارِفِهِ الشَّرْعِيَّةِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ؛ فَإِنْ كَانَ ظَالِمًا لَا يَصْرِفُهُ فِي مَصَارِفِهِ الشَّرْعِيَّةِ؛ فَيَنْبَغِي لِصَاحِبِهِ أَنْ لَا يَدْفَعَ الزَّكَاةَ إلَيْهِ، بَلْ يَصْرِفُهَا هُوَ إلَى مُسْتَحِقِّيهَا؛ فَإِنْ أُكْرِهَ عَلَى دَفْعِهَا إلَى الظَّالِمِ بِحَيْثُ لَوْ لَمْ يَدْفَعْهَا إلَيْهِ لَحَصَلَ لَهُ ضَرَرٌ؛ فَإِنَّهَا تُجْزِئُهُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَهُمْ فِي هَذِهِ الْحَالِ ظَلَمُوا مُسْتَحِقِّيهَا، كَوَلِيِّ الْيَتِيمِ، وَنَاظِرِ الْوَقْفِ إذَا قَبَضُوا مَالَهُ وَصَرَفُوهُ فِي غَيْرِ مَصَارِفِهِ. اهـ
وقد تقدمت الإشارة إلى هذا المسألة تحت دراسة الحديث رقم (٥٨٦).
مسألة [١٥]: ما يأخذه العشارون على الجسور والقناطر ؟
• قال بعض أهل العلم: يدفع إليهم، ويحتسبه الدافع من الزكاة، ثبت ذلك عن أنس ﵁، وهو قول الحسن، وإبراهيم، وعطاء، وأبي عبيد.
• وقال بعضهم: ليس له احتسابها من الزكاة، وهو قول أبي قلابة، وطاوس، ومجاهد، والضحاك، ونقل عن ابن عمر بإسناد واهٍ؛ فيه ثوير بن أبي فاختة، وهو متروك.
قال أبو عبد الله غفر الله له: المراد بالعشَّار، هو الذي يأخذ من التجار عشر
стр. 2018
تجارتهم، فإن كان أخذها من المسلمين بدون مقابل؛ فهي مكس، وضريبة، وأكل مال المسلم بالباطل.
وإن كانت مأخوذة من تجار أهل الكتاب جزية؛ فلا بأس بذلك إذا تم العهد على ذلك.
وأما ما يتعلق باحتسابها زكاة، إذا أخذت من المسلم بغير حق؛ فإن كانت تصرف في مصارف الزكاة، واحتسبها من الزكاة عند إخراجها أجزأته إن شاء الله تعالى، وعلى هذا يحمل الأثر الوارد عن أنس ﵁، وأما إن كانت لا تصرف في مصارفها؛ فلا يجزئه احتسابها من الزكاة. (١)
مسألة [١٦]: هل تدفع الزكاة للخوارج إذا ظهروا على بلاد من بلاد الإسلام ؟
أما بالاختيار فلا يجوز دفعها إليهم؛ لأنهم ليسوا بولاة شرعيين، بل هم بغاة معتدون. وقد جزم بعدم إجزائها في حال الاختيار الحنفية، وأحمد في رواية، وعليها أكثر أصحابه، وعنه رواية بالتوقف.
وأما في حال الإجبار؛ فقد ثبت عن ابن عمر ﵄ كما في «مصنف ابن أبي شيبة» الفتيا بأنها تسلم لنجدة الحروري الخارجي. وهي تجزئ صاحبها عند أكثر العلماء، وقال الحنفية: إن لم يصرفوها مصرفها؛ فعليه إخراج أخرى فيما بينه وبين الله، ولا يطالبه الإمام لعدم الحماية. وقال أبو عبيد: عليه الإعادة.
قال أبو عبد الله غفر الله له: والصحيح هو الإجزاء، والإثم على من غلبوه،
стр. 2019
وأخذوا حقوق الفقراء والمساكين من بين يديه. وكما أن المسلم لو كان في يديه وديعة؛ فأخذت منه قهرًا بدون تفريط لا يضمن الوديعة، فكذلك إذا أخذت حقوق الفقراء من تحت يده؛ فلا ضمان عليه، والله أعلم. (١)
رابعًا: المؤلفة قلوبهم.
• ذهب بعضهم إلى أنَّ سهمهم انقطع، فلا يُعْطَون من الزكاة، وهذا قول أبي حنيفة، ومالك، وأحد قولي الشافعي، ورواية غير مشهورة عن أحمد؛ لأنَّ الله تعالى أظهر الإسلام، وقمع المشركين، فلا حاجة إلى التأليف، ولأنه لم ينقل عن عمر، وعثمان، وعلي أنهم أعطوا شيئًا من ذلك.
• وذهب أحمد وأصحابه، وهو وجهٌ للشافعية إلى أنهم يُعطون منها؛ للآية، وقد نقل عن أبي بكر أنه فعل ذلك (٢)، وهذا القول هو الصواب؛ للآية، وليس لهم دليل على نسخها. (٣)
مسألة [١٧]: أنواع المؤلفة قلوبهم .
قال ابن كثير ﵀ في تفسير الآية: وأما المؤلفة قلوبهم فأقسام: منهم من يعطى ليُسْلِم، كما أعطى النبي ﷺ صفوان بن أمية من غنائم حنين، وقد كان
стр. 2020
شهدها مشركًا. ومنهم من يُعْطَى ليحسُن إسلامه، ويثبت قلبه، كما أعطى يوم حنين أيضًا جماعةً من صناديد الطلقاء وأشرافهم مائة من الإبل. ومنهم من يُعطَى لما يرجى من إسلام نظرائه. ومنهم من يُعطَى ليجبي الصدقات ممن يليه، أو ليدفع عن حَوزة المسلمين الضرر من أطراف البلاد. اهـ. (١)
خامسًا: وفي الرقاب.
• ذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أن المقصود بقوله: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ [التوبة:٦٠] المكاتبون، وهو مذهب الشافعي، والحنفية، والليث، ومن التابعين: الحسن، والزهري، وعمر بن عبد العزيز، وسعيد بن جبير، ذكره ابن كثير وغيره.
• وذهب مالك إلى أنه يختص بعتق العبيد.
قلتُ: أما المكاتبون فيدخلون في الآية عند الجمهور، وأما عتق العبيد فيدخلون عند مالك، ووافقه على دخولهم فيها أحمد في رواية، وهو قول الحسن، والزهري، وإسحاق، وأبي عبيد، وأبي ثور، وغيرهم؛ إلا أنهم لم يخصوا الآية بعتق العبيد كما صنع مالك في المشهور عنه.
والصواب دخول الصنفين في الآية؛ لأنها تشملهم، فالمكاتب يُعان في رقبته، والعبد تعتق رقبته، والله أعلم. (٢)
стр. 2021
مسألة [١٨]: هل يجوز صرف الزكاة في فكاك الأسير من المسلمين ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٩/ ٣٢١ - ): وَيَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ زَكَاتِهِ أَسِيرًا مُسْلِمًا مِنْ أَيْدِي الْمُشْرِكِينَ؛ لِأَنَّهُ فَكُّ رَقَبَةٍ مِنْ الْأَسْرِ، فَهُوَ كَفَكِّ رَقَبَةِ الْعَبْدِ مِنْ الرِّقِّ، وَلِأَنَّ فِيهِ إعْزَازًا لِلدِّينِ، فَهُوَ كَصَرْفِهِ إلَى الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، وَلِأَنَّهُ يَدْفَعُهُ إلَى الْأَسِيرِ لِفَكِّ رَقَبَتِهِ، فَأَشْبَهَ مَا يَدْفَعُهُ إلَى الْغَارِمِ لِفَكِّ رَقَبَتِهِ مِنْ الدَّيْنِ. اهـ وللحنابلة وجهٌ بعدم الجواز.
قلتُ: وللمالكية قولان في المسألة. (١)
سادسًا: الغارمون.
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٩/ ٣٢٣): وَهُمْ الْمَدِينُونَ الْعَاجِزُونَ عَنْ وَفَاءِ دُيُونِهِمْ .... ، وَلَا خِلَافَ فِي اسْتِحْقَاقِهِمْ، وَثُبُوتِ سَهْمِهِمْ. اهـ
وهم صنفان: من غرم في دين عليه، ومن غرم في إصلاح ذات البين، ويدل على هذا الثاني حديث قبيصة أنه تحمَّل حمالةً، فقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «أقم حتى تيأتينا الصدقة، فنأمر لك بها»، وهذا الصنف الثاني يُعْطَى وإن كان غنيًّا عند الجمهور، وخالف أبو حنيفة وصاحباه، فقالوا: لا يُعْطَى إلا إذا كان فقيرًا.
والصواب قول الجمهور؛ لحديث قبيصة؛ فإنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يستفصله، والله أعلم. (٢)
стр. 2022
مسألة [١٩]: إن كان غرم في معصية ؟
أما قبل التوبة فلا يُدْفَع إليه شيء؛ لأنها إعانة على معصية، وأما بعد التوبة، ففيه وجهان عند الحنابلة، والصحيح من القولين -والله أعلم- أنها تُدفَع إليه كالفقير الذي افتقر بالمعاصي، ثم تاب، ولأنَّ الآية تشمله، والله أعلم. (١)
مسألة [٢٠]: هل تُدفع الزكاة إلى الغارم، أم إلى صاحب الدين ؟
• ذهب الشافعية إلى أنها تُدفع إلى الغارم ولا تُدفع إلى صاحب الدين؛ إلا بإذن الغارم، وعن أحمد رواية كقول الشافعية، والرواية الأخرى بجواز أن تُدفع إلى صاحب الدين، ولو بغير إذنٍ، وهذا القول أقرب، والأول أحوط، والله أعلم. (٢)
سابعًا: وفي سبيل الله.
أما الغزاة الذين ليس لهم حقٌّ من الديوان فيدخلون في الآية بلا خلاف نعلمه، وأما الغُزاة الذين لهم حقٌّ فذهب الشافعية، والحنابلة إلى أنهم لا يُعْطَون، وهو مذهب مالك، واستثنى بعضهم إذا كانوا يُعطون من الديوان وما زال لهم حاجة؛ فَيُعْطَون.
وهؤلاء الغزاة في سبيل الله يُعطون وإن كانوا أغنياء عند الجمهور، وخالف أبو حنيفة وصاحباه، فقالوا: لا يُعْطَى إلا إذا كان فقيرًا.
والراجح قول الجمهور؛ لعموم الآية. (٣)
стр. 2023
مسألة [٢١]: وهل يصح أن تصرف الزكاة في شراء الأسلحة وما أشبهه ؟
• للشافعية والحنابلة وجهان، والأصح عند الشافعية جواز شراء الأسلحة، والأصح عند الحنابلة أن تسلم الزكاة للغازي، ثم يشتري بها الغازي ما شاء.
والأظهر هو جواز شراء الأسلحة بها، وكل ما يتعلق بالجهاد؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦٠]، وهو قول مالك، واختاره الشيخ ابن عثيمين ﵀. (١)
مسألة [٢٢]: هل تصرف الزكاة للحج ؟
• ذهب أحمد، وإسحاق إلى أنها تصرف في إعانة مريد الحج؛ لحديث المرأة التي قالت لزوجها: احججني على جملك فلان. فقال: ذاك حبيس في سبيل الله. فقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «أَمَا إِنَّكَ لَو أَحْجَجْتَهَا عَلَيْهِ كَانَ فِي سَبِيْلِ الله»، وهو حديث صحيح، جاء من طرق صحيحة.
• وعن أحمد رواية أخرى أنها لا تصرف في الحج، وبه قال مالك، والليث، وأبو حنيفة، والثوري، والشافعي، وأبو ثور، وابن المنذر.
قال ابن قدامة ﵀: وهذا أصح؛ لأنَّ سبيل الله عند الإطلاق إنما ينصرف إلى الجهاد؛ فإنَّ كل ما في القرآن من ذكر (سبيل الله) إنما أُريد به الجهاد؛ إلا اليسير، فيجب أن يحمل ما في هذه الآية على ذلك. اهـ
стр. 2024
وأما حديثهم فليس فيه أن الحج مما أراده الله في الآية، بل فيه أنَّ الحج من سبيل الله، وهذا أمر لا نجادل فيه؛ فإنَّ جميع القُرَبِ والطاعات كلها في سبيل الله، والظاهر في الجمل أنه لم يكن من أموال الزكاة، بل كان من الوقف؛ لقوله: (ذاك حبيس في سبيل الله)، ومسألتنا هي في صرف الزكاة إلى الحجاج، فالقول الثاني هو الراجح، والله أعلم. (١)
مسألة [٢٣]: إصلاح الطرق، وبناء المساجد .
جاء عن بعضهم أنه عمم في سبيل الله، وأدخل فيه مثل إصلاح الطرق، وبناء المساجد، وما أشبهه من فعل الخير، حُكِي عن الحسن، وبعض الحنفية، وخالفهم عامة أهل العلم.
قال الإمام ابن عثيمين ﵀ في «الشرح الممتع» (٦/ ٢٤٢): هذا القول ضعيفٌ؛ لأننا لو فسَّرنا الآية بهذا المعنى لم يكن للحصر فائدة إطلاقًا، والحصر هو: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ ... ﴾؛ فالصواب أنها خاصة بالجهاد في سبيل الله. اهـ. (٢)
مسألة [٢٤]: هل يجزئ أن تصرف الزكاة لطلاب العلم ؟
• مذهب الحنابلة والحنفية مشروعية صرفها لطلاب العلم؛ ينتفعون بها في طلب العلم، وفي الرحلة، وفي شراء الكتب، واختار هذا القول شيخ الإسلام ابن
стр. 2025
تيمية، ثم الإمام العثيمين رحمة الله عليهما، وهو الصحيح؛ لأن طالب العلم يعتبر مجاهدًا في سبيل الله، فقد قال الله : ﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾، وهذه الآية كان نزولها في مكة قبل الإذن بقتال المشركين، ومع ذلك سمَّاه الله جهادًا. وقال جل وعلا: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ﴾، فسمَّى الله بيان حال المنافقين جهادًا، وهم يجاهدون باللسان. وقال النبي ﷺ : «جاهدوا المشركين بأموالكم، وأنفسكم، وألسنتكم» أخرجه أحمد، والنسائي من حديث أنس ﵁، بإسناد صحيح.
• ومذهب الشافعية أيضًا مشروعية صرفها لطالب العلم؛ إلا أن بعضهم اشترط أن يكون طالب العلم نجيبًا يرجى أن ينتفع المسلمون بتفقهه. واشترط بعضهم أن لا يكون قادرًا على التكسب مع التعلم والتعليم. وهذا الأخير مذهب المالكية أيضًا.
• وقال بعض الحنفية: لا يعطى من الزكاة إلا أن يكون فقيرًا.
قال أبو عبد الله غفر الله له: العلم والتعليم من الجهاد في سبيل الله فيدخل في قوله : ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، وقد تقدم ذكر بعض الأدلة الدالة على ذلك، والله المستعان. (١)
стр. 2026
ثامنًا: ابن السبيل.
قال ابن قدامة ﵀ (٩/ ٣٣٠): هُوَ الصِّنْفُ الثَّامِنُ مِنْ أَصْنَافِ الزَّكَاةِ، وَلَا خِلَافَ فِي اسْتِحْقَاقِهِ وَبَقَائِهِ. اهـ
وابن السبيل هو المسافر الذي ليس له ما يرجعه إلى بلده، وإن كان له اليسار في بلده، وهذا قول الجمهور، وزاد الشافعي: الذي يريد إنشاء السفر إلى بلد أيضًا، والصواب أنَّ هذه الصورة لا تدخل في ابن السبيل، ولكن إذا كان هذا السفر مُهمًا؛ فقد يدخل في الفقير إذا كان لا يستطيع السفر، والله أعلم. (١)
مسألة [٢٥]: هل يجب استيعاب الدفع إلى الأصناف الثمانية ؟
• في هذه المسألة قولان:
الأول: وجوب الاستيعاب، وهو قول الشافعي، والظاهرية، وقالوا: يُعْطَى من كل صنف أقل ما يُطلق عليه الجمع، وهم ثلاثة أو أكثر، واستدلوا بالآية.
الثاني: عدم وجوب الاستيعاب، وهو قول الجمهور، ومنهم: أحمد، ومالك، وأبو حنيفة، واستدلوا بحديث: «تؤخذ من أغنيائهم، فترد على فقرائهم» (٢)، وبحديث قبيصة: «أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها». (٣) قالوا: والآية المراد بها بيان المصرف، لا وجوب الاستيعاب، وهذا القول هو
مسألة [٢٧]: الفقير كم يُعْطَى ؟
• الجمهور من أهل العلم على أنه يُعْطَى من الزكاة ما يغنيه ويغطي حاجته، ولا يعطى زيادة على ما يحصل به الغنى وهو قول أحمد، ومالك، والشافعي، والثوري.
• وقال أصحاب الرأي: يعطى ألفًا، أو أكثر إذا كان محتاجًا إليها، ويكره أن يُزاد على المائتين.
قال ابن قدامة ﵀: وَلَنَا أَنَّ الْغِنَى لَوْ كَانَ سَابِقًا مَنَعَ، فَيَمْنَعُ إذَا قَارَنَ، كَالْجمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ فِي النِّكَاحِ. اهـ
قلتُ: الصواب قول الجمهور. (١)
مسألة [٢٨]: هل تُسترجع الزكاة بعد صرفها لأحد الأصناف الثمانية ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٤/ ١٣٠): وَأَرْبَعَةُ أَصْنَافٍ يَأْخُذُونَ أَخْذًا مُسْتَقِرًّا، فَلَا يُرَاعَى حَالُهُمْ بَعْدَ الدَّفْعِ، وَهُمْ: الْفُقَرَاءُ، وَالْمَسَاكِينُ، وَالْعَامِلُونَ، وَالْمُؤَلَّفَةُ، فَمَتَى أَخَذُوهَا مَلَكُوهَا مِلْكًا دَائِمًا مُسْتَقِرًّا، لَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ رَدُّهَا بِحَالٍ، وَأَرْبَعَةٌ مِنْهُمْ، وَهُمْ: الْغَارِمُونَ، وَفِي الرِّقَابِ، وَفِي سَبِيلِ الله، وَابْنُ السَّبِيلِ؛ فَإِنَّهُمْ يَأْخُذُونَ أَخْذًا مُرَاعًى؛ فَإِنْ صَرَفُوهُ فِي الْجهَةِ الَّتِي اسْتَحَقُّوا الْأَخْذَ لِأَجْلِهَا، وَإِلَّا اُسْتُرْجِعَ مِنْهُمْ ... اهـ
وقد أخرج ابن أبي شيبة (١٢/ ٢٩٢)، والبيهقي (٧/ ٢٢) بإسناد صحيح عن عمر ﵁، قال: إن أناسًا يأخذون من هذا المال يجاهدون في سبيل الله، ثم
стр. 2029
يخالفون، ولا يجاهدون؛ فمن فعل ذلك منهم؛ فنحن أحق بماله حتى نأخذ منه ما أخذ. وعلقه البخاري ﵀ في «صحيحه»، في كتاب الجهاد (باب/١١٩).
مسألة [٢٩]: إذا أعطى من يظنه فقيرًا فبان غنيًّا ؟
• فيها قولان:
الأول: تُجزِئه، وهو قول الحسن، وأبي عبيد، وأبي حنيفة، وهو قول للشافعي، وأحمد في رواية، وقد استدل بعضهم بحديث أبي هريرة ﵁ في «الصحيحين» (١)، أنَّ رجلًا خرج بصدقته فوضعها في يد غني، فأصبحوا يتحدثون: تُصُدِّقَ عَلَى غَنِيٍّ .. ، وذكر في الحديث أنَّ صدقته قُبِلَت.
الثاني: لا تجزئه، وهو قول الثوري، والحسن بن صالح، وأبي يوسف، وابن المنذر، وهو قولٌ للشافعي، ورواية عن أحمد، وهو قول الظاهرية، ورجَّحه ابن حزم؛ لأنَّ الصدقة لم تصل إلى مستحقها.
قال ابن حزم ﵀ في «المحلَّى» (٦/ ١٤٧ - ١٤٨): وأما قولنا: إنها لا تجزئ إن وضعت في يد من لا تجوز له؛ فلِأنَّ الله تعالى سمَّاها لقوم خصَّهم بها، فصار حقهم فيها، فمن أعطى منها غيرهم؛ فقد خالف ما أمر الله تعالى به، وقال رسول الله ﷺ : «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ»؛ فوجب على المعطي إيصال ما عليه إلى من هو له، ووجب على الآخذ رد ما أخذ بغير حقٍّ، قال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة:١٨٨].اهـ
стр. 2030
وهذا القول هو الصواب، وحديثهم ليس فيه تعرض للزكاة؛ لأنها صدقة تطوع، ثم ليس فيه الإجزاء، وعدمه، وأيضًا فهو شرعٌ لمن قبلنا، وشرعنا أمر بصرفها إلى أُناسٍ معينين، ولكن يظهر أنَّ الإنسان إذا اجتهد في إيصال الصدقة للمستحق؛ فليس عليه إثم إذا وضعت في غيره، وتجزئه إن لم يستطع استدراكها، ولا إخبار من أخذها، لأنه قد اجتهد وفعل ما أوجبه الله عليه، وإما إن كان يستطيع استدراكها؛ وجب عليه استدراكها، أو إخبار من أخذها بأنه زكاة واجبة، وتصير العهدة على من وقعت في يده إن كان مأمونًا، وإن لم يكن مأمونًا؛ وجب على المزكي استرجاع الزكاة، وإيصالها إلى محلها.
وإذا أخبر المزكي من أخذ الزكاة أنها زكاة برئت ذمته، والإثم على من أخذها إن لم يكن مستحقًا؛ لقوله ﵊: «إن شئتما أعطيتكما، ولا حظ فيها لغني، ولا لقوي مكتسب».
تنبيه: ومثل هذه المسألة إن صرفها لمن يظنه غارمًا، أو غازيًا، أو غيره، فبان غير ذلك؛ فهي لا تجزئه أيضًا، ويجب عليهم ردها؛ لأنهم أخذوها بغير حقٍّ. (١)
مسألة [٣٠]: نقل الصدقة إلى بلد آخر .
• جمهور العلماء يستحبون أن لا تنقل إلى بلد آخر، بل تصرف إلى المستحقين من ذلك البلد، وقد يدل على ذلك قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «تؤخذ من أغنيائهم فترد
стр. 2031
على فقرائهم».
• وذهب أحمد في رواية إلى عدم الجواز.
والصواب قول الجمهور، وإذا صرفها إلى بلد آخر أجزأت عند الجمهور، وعند أحمد، وحكى بعض الحنابلة وجهًا أنها لا تجزئ.
والصواب قول الجمهور، وبالله التوفيق. (١)
стр. 2032
كِتَابُ الصِّيَام
تعريفه:
الصيام لغة: الإمساك، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم:٢٦].
ومنه قول النابغة:
خَيْلٌ صيام وخيل غير صائمة ... تحت العَجَاج وأخرى تَعْلُكُ اللُّجُما
أي: خيلٌ ممسكة عن السير، وخيل غير ممسكة.
وشرعًا: قال النووي ﵀: إمساك مخصوص عن شيء مخصوص في زمن مخصوص من شخص مخصوص. وتبعه الحافظ على التعريف؛ إلا أنه قال: بشرائط مخصوصة. بدل قوله: من شخص مخصوص.
وقال القرطبي ﵀: هو الإمساك عن المفطرات مع اقتران النية به من طلوع الفجر إلى غروب الشمس. اهـ. (١)
أسماء أخرى للصوم:
قال شيخ الإسلام ﵀ في كتاب الصيام من «شرح العمدة» (١/ ٢٤ - ): وسُمِّي الصيام: الصبر، ومنه قول النبي ﷺ : «صوم شهر الصبر، وثلاثة أيام من
стр. 2033
كل شهر تعدل صوم الدهر»، (١) وسُمِّي أيضًا: السِّياحة. اهـ
ومن الثاني قوله تعالى: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ﴾ [التوبة:١١٢]، وقوله تعالى: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾ [التحريم:٥].
قلتُ: تسمية الصوم (الصبر) فيه نظر؛ فالظاهر في الحديث أنه تسمية للشهر؛ لوجود الصبر فيه، والله أعلم. (٢)
أنواع الصيام:
قال شيخ الإسلام ﵀ في «شرح كتاب الصيام من العمدة» (١/ ٢٦): الصوم خمسة أنواع: الصوم المفروض بالشرع وهو صوم شهر رمضان أداءً وقضاءً، والصوم الواجب في الكفارات، والواجب بالنذر، وصوم التطوع. اهـ
صوم رمضان:
صيام رمضان فرضٌ على كل مسلمٍ، بالغٍ، عاقلٍ، مقيمٍ، قادرٍ على الصوم، وقد دلَّ على ذلك الكتاب والسنة، والإجماع.
أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ
стр. 2034
مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:١٨٣ - ١٨٥].
وأما السنة: فقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في حديث ابن عمر ﵄ في «الصحيحين:» «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ ... »، وذكر منها: «وَصِيَامِ رَمَضَانَ».
وفي «الصحيحين» من حديث طلحة بن عبيد الله ﵁، أنَّ رجلًا جاء يسأل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عن الإسلام ... ، فذكر الحديث وفيه: «وصيام رمضان»، فقال الرجل: هل عليَّ غيره؟ فقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ»، وفي السنة أحاديث كثيرة متواترة تدل على ذلك.
وأما الإجماع: فقد أجمعت الأمة إجماعًا ظاهرًا على وجوب صيام شهر رمضان، وعلى أنَّ من أنكر وجوبه كفر. (١)
مسألة: متى فُرض شهر رمضان ؟
قال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٦/ ٢٥٠): صام رسول الله ﷺ رمضان تسع سنين؛ لأنه فُرِضَ في شعبان في السنة الثانية من الهجرة، وتُوفي النبي ﷺ في شهر ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة. اهـ
وقال عبد الله البسام في «توضيح الأحكام» (٣/ ١٢٩): وفُرِض صوم رمضان
стр. 2035
في شعبان في السنة الثانية من الهجرة، فصام رسول الله ﷺ تسع رمضانات إجماعًا. اهـ
وقد نقل الإجماع المرداوي ﵀ في «الإنصاف»، في أول كتاب الصوم، والبهوتي في «الروض المربع» (١/ ١٥٧)، وابن مفلح في «المبدع» (٢/ ٤٠٥).
مسألة: أحوال فرضية الصوم .
أُمِرَ المسلمون أولًا بصيام يوم عاشوراء كما في «الصحيحين» (١) من حديث عائشة، وابن عمر ﵃، ثم فَرض الله شهر رمضان؛ فصار صيام عاشوراء مستحبًّا، وعند أن فُرِض شهر رمضان كان الناس مخيرين بين الصيام والإطعام، كما قال تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٨٤].
ثم نَسخ اللهُ ذلك، فأوجب الصيام بقوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:١٨٥]، والدليل على ذلك حديث سلمة بن الأكوع في «الصحيحين» (٢) قال: «لما نزلت هذه الآية: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ كان من أراد أن يفطر ويفتدي حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها»، وفي رواية لمسلم: «كنا في رمضان على عهد رسول الله ﷺ من شاء صام، ومن شاء أفطر فافتدى بطعام مسكين، حتى نزلت هذه الآية: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾».
فائدة: كان في أول الإسلام يحرم على الصائم الأكل، والشرب، والجماع من حين ينام، أو يصلي العشاء الآخرة، فأيهما وجد أولًا حصل به التحريم، ثم نسخ