← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 165

فتح العلام في دراسة أحاديث بلوغ المرام ط 4

محمد بن علي بن حزام البعداني

Полный текст (5 956 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.

стр. 2031

على فقرائهم». • وذهب أحمد في رواية إلى عدم الجواز. والصواب قول الجمهور، وإذا صرفها إلى بلد آخر أجزأت عند الجمهور، وعند أحمد، وحكى بعض الحنابلة وجهًا أنها لا تجزئ. والصواب قول الجمهور، وبالله التوفيق. (١)

стр. 2032

كِتَابُ الصِّيَام تعريفه: الصيام لغة: الإمساك، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم:٢٦]. ومنه قول النابغة: خَيْلٌ صيام وخيل غير صائمة ... تحت العَجَاج وأخرى تَعْلُكُ اللُّجُما أي: خيلٌ ممسكة عن السير، وخيل غير ممسكة. وشرعًا: قال النووي ﵀: إمساك مخصوص عن شيء مخصوص في زمن مخصوص من شخص مخصوص. وتبعه الحافظ على التعريف؛ إلا أنه قال: بشرائط مخصوصة. بدل قوله: من شخص مخصوص. وقال القرطبي ﵀: هو الإمساك عن المفطرات مع اقتران النية به من طلوع الفجر إلى غروب الشمس. اهـ. (١) أسماء أخرى للصوم: قال شيخ الإسلام ﵀ في كتاب الصيام من «شرح العمدة» (١/ ٢٤ - ): وسُمِّي الصيام: الصبر، ومنه قول النبي ﷺ : «صوم شهر الصبر، وثلاثة أيام من

стр. 2033

كل شهر تعدل صوم الدهر»، (١) وسُمِّي أيضًا: السِّياحة. اهـ ومن الثاني قوله تعالى: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ﴾ [التوبة:١١٢]، وقوله تعالى: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾ [التحريم:٥]. قلتُ: تسمية الصوم (الصبر) فيه نظر؛ فالظاهر في الحديث أنه تسمية للشهر؛ لوجود الصبر فيه، والله أعلم. (٢) أنواع الصيام: قال شيخ الإسلام ﵀ في «شرح كتاب الصيام من العمدة» (١/ ٢٦): الصوم خمسة أنواع: الصوم المفروض بالشرع وهو صوم شهر رمضان أداءً وقضاءً، والصوم الواجب في الكفارات، والواجب بالنذر، وصوم التطوع. اهـ صوم رمضان: صيام رمضان فرضٌ على كل مسلمٍ، بالغٍ، عاقلٍ، مقيمٍ، قادرٍ على الصوم، وقد دلَّ على ذلك الكتاب والسنة، والإجماع. أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ

стр. 2034

مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:١٨٣ - ١٨٥]. وأما السنة: فقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في حديث ابن عمر ﵄ في «الصحيحين:» «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ ... »، وذكر منها: «وَصِيَامِ رَمَضَانَ». وفي «الصحيحين» من حديث طلحة بن عبيد الله ﵁، أنَّ رجلًا جاء يسأل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عن الإسلام ... ، فذكر الحديث وفيه: «وصيام رمضان»، فقال الرجل: هل عليَّ غيره؟ فقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ»، وفي السنة أحاديث كثيرة متواترة تدل على ذلك. وأما الإجماع: فقد أجمعت الأمة إجماعًا ظاهرًا على وجوب صيام شهر رمضان، وعلى أنَّ من أنكر وجوبه كفر. (١) مسألة: متى فُرض شهر رمضان ؟ قال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٦/ ٢٥٠): صام رسول الله ﷺ رمضان تسع سنين؛ لأنه فُرِضَ في شعبان في السنة الثانية من الهجرة، وتُوفي النبي ﷺ في شهر ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة. اهـ وقال عبد الله البسام في «توضيح الأحكام» (٣/ ١٢٩): وفُرِض صوم رمضان

стр. 2035

في شعبان في السنة الثانية من الهجرة، فصام رسول الله ﷺ تسع رمضانات إجماعًا. اهـ وقد نقل الإجماع المرداوي ﵀ في «الإنصاف»، في أول كتاب الصوم، والبهوتي في «الروض المربع» (١/ ١٥٧)، وابن مفلح في «المبدع» (٢/ ٤٠٥). مسألة: أحوال فرضية الصوم . أُمِرَ المسلمون أولًا بصيام يوم عاشوراء كما في «الصحيحين» (١) من حديث عائشة، وابن عمر ﵃، ثم فَرض الله شهر رمضان؛ فصار صيام عاشوراء مستحبًّا، وعند أن فُرِض شهر رمضان كان الناس مخيرين بين الصيام والإطعام، كما قال تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٨٤]. ثم نَسخ اللهُ ذلك، فأوجب الصيام بقوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:١٨٥]، والدليل على ذلك حديث سلمة بن الأكوع في «الصحيحين» (٢) قال: «لما نزلت هذه الآية: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ كان من أراد أن يفطر ويفتدي حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها»، وفي رواية لمسلم: «كنا في رمضان على عهد رسول الله ﷺ من شاء صام، ومن شاء أفطر فافتدى بطعام مسكين، حتى نزلت هذه الآية: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾». فائدة: كان في أول الإسلام يحرم على الصائم الأكل، والشرب، والجماع من حين ينام، أو يصلي العشاء الآخرة، فأيهما وجد أولًا حصل به التحريم، ثم نسخ

стр. 2036

ذلك، وأُبيح له الجميع إلى طلوع الفجر، سواء نام أم لا، ويدل عليه حديث البراء ابن عازب عند البخاري برقم (١٩١٥) قال: «كان أصحاب النبي ﷺ إذا كان الرجل صائمًا، فحضر الإفطار، فنام قبل أن يُفطر، لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يُمسي، وأنَّ قيس بن صرمة الأنصاري ﵁ كان صائمًا، فلما حضر الإفطار أتى امرأته، فقال لها: عندك طعام؟ قالت: لا، ولكن أَنْطَلِقُ فأطلب لك، وكان يومه يعمل، فغلبته عيناه، فجاءته امرأته، فلما رأته قالت: خيبة لك، فلما انتصف النهار غُشي عليه، فذكر ذلك للنبي ﷺ ، فنزلت هذه الآية: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة:١٨٧]. فهذا الحديث يدل على أنَّ ذلك كان محرمًا عقب النوم، وأما تحريمه عقب صلاة العشاء فقد ثبت ذلك من حديث أبي هريرة ﵁ بإسناد صحيح، أخرجه ابن جرير كما في «الدر المنثور»، وكما في «تفسير ابن كثير»، وكما في «العجاب في بيان الأسباب» في تفسير الآية: [١٨٧] من سورة البقرة، وزاد الحافظ ﵀ في «العجاب» نسبته إلى أحمد، وابن أبي حاتم. وأخرجه أبو داود (٢٣١٣) من حديث ابن عباس ﵄، وفي إسناده: علي بن الحسين بن واقد، وفيه ضعفٌ. وله طريق أخرى عند ابن جرير (٢/ ٩٦)، وفي إسناده: عبدالله بن صالح كاتب الليث، وفيه ضعف، وفيه انقطاع بين علي بن أبي طلحة، وابن عباس؛ فالحديث صحيح مع شاهده عن أبي هريرة الذي قبله. (١)

стр. 2037

٦٣٢ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ وَلَا يَوْمَيْنِ، إلَّا رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمًا فَلْيَصُمْهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: سبب تسمية رمضان بهذا الاسم . قيل: لأنه يرمض الذنوب، أي: يحرقها ويهلكها. وقيل: لارتماض الناس فيه من حر الجوع، ومقاساة شدته. وقيل: لما نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة سموها بالأزمنة التي وقعت فيها، فوافق هذا الشهر أيام رمض الحر، فسُمِّي بذلك. (٢) مسألة [٢]: هل يقال رمضان، أم شهر رمضان ؟ • ذهب الجمهور من أهل العلم إلى جواز إطلاق رمضان دون التقييد بـ (شهر)، واستدلوا بحديث الباب، وبقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه». (٣) وقوله: «إذا جاء رمضان فُتِحَتْ أبواب الجنة وأُغلقت أبواب النار وصُفِّدت الشياطين». (٤)

стр. 2038

وقوله: «من صام رمضان، ثم اتبعه سِتًّا من شوال كان كصيام الدهر»، (١) والأحاديث في هذا الباب كثيرة جدًّا. وقد بوَّبَ البخاري على الجواز في «صحيحه»، وكذا النسائي، ورجَّحه النووي، وغيره من أهل العلم. وقد نقل عن أصحاب مالك الكراهية، وكذا عن ابن الباقلاني، وأكثر الشافعية؛ إلا أنَّ هؤلاء أعني الشافعية قيدوا الكراهة بما إذا لم يكن هناك قرينة تصرفه إلى الشهر، أما إذا وجدت قرينة؛ فلا يُكره عندهم، وعمدتهم في ذلك حديث أبي هريرة مرفوعًا: «لا تقولوا جاء رمضان؛ فإنَّ رمضان اسم الله، ولكن قولوا: جاء شهر رمضان». أخرجه ابن عدي في «الكامل» (٧/ ٥٣)، وضعَّفه بأبي معشر نجيح بن عبدالرحمن. قال البيهقي: وقد رُوي عن أبي معشر، عن محمد بن كعب، وهو أشبه. قلتُ: والراجح في المسألة هو القول الأول. (٢) مسألة [٣]: الصيام قبل رمضان بيوم، أو يومين . • ذهب أكثر أهل العلم إلى الكراهة، حتى قال الترمذي ﵀: العمل على هذا عند أهل العلم، كرهوا أن يتعجل الرجل بصيام قبل دخول رمضان لمعنى

стр. 2039

رمضان. اهـ وقوله: (لمعنى رمضان) تقييدٌ للنهي بأنه مشروطٌ بكون الصوم احتياطًا لا ما إذا كان صومًا مطلقًا، كالنفل المطلق، والنذر ونحوه. وقد ارتضى هذا القيد الحافظ في «الفتح»، لكن قال الإمام الصنعاني ﵀: قلت: ولا يخفى أنَّ بعد هذا التقييد يلزم منه جواز تقدم رمضان بأي صوم كان، وهو خلاف الظاهر من النهي؛ فإنه عامٌّ لم يُستثن منه إلا صوم من اعتاد صوم أيام معلومة، ووافق آخر يوم من شعبان، ولو أراد رسول الله ﷺ الصوم المقيد بما ذُكِر؛ لقال: (إلا متنفلًا)، أو نحو هذا من اللفظ. وقال الإمام الشوكاني ﵀ بعد أن نقل التقييد المتقدم: وهو خلاف ظاهر حديث النهي؛ لأنه لم يستثن منه إلا من كانت له عادة. اهـ • وقد ذهب قومٌ إلى التحريم، عزاه إليهم الصنعاني في «السبل»، وذكر الحافظ في «الفتح» أنه قول الروياني. واستحسن ذلك الصنعاني في «السبل»، وصرَّح الشوكاني في «الدراري» بالتحريم. وهذا القول هو الراجح إن شاء الله. وقد أوردوا على هذا القول حديث عمران بن حصين أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال لرجلٍ: «هل صمت من سرر هذا الشهر شيئًا؟».

стр. 2040

وفي رواية: «من سرر شعبان» قال: لا. قال: «فإذا أفطرت؛ فصم يومين مكانه». (١) والسرر عند أكثر أهل اللغة المراد به آخر الشهر، سُمِّيت بذلك؛ لاستسرار القمر فيها، وهي ليلة ثمان وعشرين، وتسع وعشرين، وثلاثين. وقد أُجيب عن هذا الحديث بأجوبة منها: أنَّ السرر جمع سرة، وسرة الشيء وسطه، ويؤيده أنه قد جاءت رواية في مسلم: «سرة». ويؤيد هذا أيضًا الندب إلى صيام أيام البيض، وهي وسط الشهر. وأجاب بعضهم: بأنَّ النهي إنما هو لمن قصد التحري لأجل رمضان، وأما من لم يقصد ذلك؛ فلا يتناوله النهي، وقد تقدم ما في هذا الجواب من نظر. قال القرطبي ﵀ في «المفهم»: ويرتفع ما يتوهم من المعارضة بأن يحمل النهي على من لم تكن له عادة بصوم شيء من شعبان، فيصومه لأجل رمضان، وأما من كانت له عادة أن يصوم؛ فليستمر على عادته، وقد جاء هذا أيضًا في بقية الخبر؛ فإنه قال: «إلا أن يكون أحدكم يصوم صومًا؛ فليصمه». وقد أجاب بهذا الجواب المازري، وتبعه القاضي عياض، وارتضاه النووي، والشوكاني. (٢)

стр. 2041

مسألة [٤]: الحكمة من النهي عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين . قيل: التَّقوي بالفطر لرمضان؛ ليدخل فيه بقوة، ونشاط. قال الحافظ: وفيه نظر؛ لأنَّ مقتضى الحديث أنه لو تقدمه بصوم ثلاثة أيام، أو أربعة أيام جازَ. اهـ وقيل: لأنَّ الحكم معلق بالرؤية، فمن تقدمه بيوم أو يومين، فقد حاول الطعن في ذلك الحكم، واعتمد الحافظ هذا القول، ولم يذكر الصنعاني في «سبل السلام» غيره. وهذا القول إنما يصلح بناء على أنَّ النهي عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين إنما هو إذا كان احتياطًا؛ لأجل رمضان، وقد تقدم ما فيه. وقيل: الحكمة من ذلك هي خشية اختلاط النفل بالفرض. قال القرطبي ﵀ في «المفهم»: هذا النهي لما يخاف من الزيادة في شهر رمضان. وهذا القول هو الراجح، وهو الذي جزم به شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀. (١)

стр. 2042

٦٣٣ - وَعَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ﵁، قَالَ: مَنْ صَامَ اليَوْمَ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ فَقَدْ عَصَى أَبَا القَاسِمِ ﷺ . ذَكَرَهُ البُخَارِيُّ تَعْلِيقًا، وَوَصَلَهُ الخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ. (١) ٦٣٤ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄[قَالَ] (٢): سَمِعْت رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (٣) وَلِمُسْلِمٍ: «فَإِنْ أُغْمِيَ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا ثَلَاثِينَ». (٤) وَلِلْبُخَارِيِّ: «فَأَكْمِلُوا اَلْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ» (٥).

стр. 2043

٦٣٥ - وَلَهُ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: «فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ (١) شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ». (٢) المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث مسألة [١]: حكم صيام يوم الشك . • ذهب الجمهور إلى أنَّ يوم الشك هو يوم الثلاثين من شعبان إذا حال دون رؤية الهلال ما يمنع الرؤية من سحابٍ، أو غيمٍ، أو دخانٍ، أو نحو ذلك، وهو رواية غير مشهورة عن أحمد، وذهبوا إلى تحريم صومه؛ لحديث عمار ﵁ الذي في الباب، وحديث ابن عمر، وأبي هريرة ﵃ كذلك. وثبت عن عمر ﵁، كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (٣/ ٧٣)، أنه قال: ليتق أحدكم أن يصوم يومًا من شعبان، أو يفطر يومًا من رمضان؛ فإن تقدم قبل الناس؛ فليفطر إذا أفطر الناس. وإسناده صحيح. وقد رجَّح كون يوم الشك هو يوم الثلاثين من شعبان إذا حال دون الرؤية حائل شيخ الإسلام، وابن القيم، وابن عبد الهادي، والحافظ، والصنعاني، والشوكاني، وغيرهم من أهل العلم. قال ابن الجوزي ﵀ في «التحقيق»: ولأحمد في هذه المسألة وهي ما إذا حال دون مطلع الهلال غيم، أو قتر ليلة الثلاثين من شعبان ثلاثة أقوال: أحدها: يجب صومه على أنه من رمضان. وثانيهما: لا يجوز فرضًا، ولا نفلًا مطلقًا، بل قضاءً،

стр. 2044

وكفارةً، ونذرًا، ونفلًا وافق عادةً. ثالثها: المرجع إلى رأي الإمام في الصوم والفطر. اهـ والمشهور عن أحمد القول الأول، واستدل عليه بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «فاقدروا له»، قالوا: وذلك بمعنى (ضيقوا عليه)، مثل قوله تعالى: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ [الأنبياء:٨٧]، وقوله: ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [الرعد:٢٦]، فالتضييق لا يكون إلا بأن يحسب له أقل زمان يطلع فيه، وهو طلوعه ليلة الثلاثين. قالوا: ويؤيد ذلك أنه قد جاء عن ابن عمر، وعائشة، وأسماء بنت أبي بكر أنهم كانوا يصومونه، وهو ثابت عنهم (١). وقال أبو هريرة ﵁: لأن أصوم اليوم الذي يشك فيه أحب إلي من أن أفطر يومًا من رمضان. أخرجه البيهقي (٤/ ٢١١) بإسنادٍ حسن. وأجاب الجمهور عن استدلالهم بأن قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «فاقدروا له»، أي: احسبوا له تمام الثلاثين. قال الحافظ ابن حجر ﵀: أي انظروا في أول الشهر، واحسبوا تمام الثلاثين. وقال ابن القيم ﵀: فإن القدر هو الحساب المقدر، والمراد به الإكمال كما قال: «فأكملوا العدة»، والمراد بالإكمال إكمال عدة الشهر الذي غُمَّ. اهـ

стр. 2045

ويؤيد ما قاله هذان الإمامان رواية مسلم: «فاقدروا له ثلاثين»، وكذا فإنه قد جاءت أحاديث كثيرة فيها الأمر بإتمام العدة ثلاثين من قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ومن فعله، وقد ساق كثيرًا منها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في «شرح كتاب الصيام من العمدة» (١/ ٧٨ - ٨٩). وأما استدلالهم بأفعال الصحابة المذكورين؛ فالعبرة بما رووا لا بما رأوا، وقد جاء عن غيرهم من الصحابة خلافهم، كعمَّار، وابن مسعود، وأنس، وغيرهم، وهي ثابتة عن المذكورين. (١) قال الشوكاني ﵀: والحاصل أنَّ الصحابة مختلفون في ذلك، وليس قول بعضهم بحجة على أحد، والحق ما جاء من الشارع. اهـ وقال الصنعاني ﵀: واختلف الصحابة في ذلك، منهم من قال بجواز صومه، ومنهم من منع منه، وعدَّه عصيانًا لأبي القاسم، والأدلة مع المُحَرِّمِين. اهـ ومع ذلك فقد جاء عن ابن عمر ﵄ بإسناد حسن عند ابن أبي شيبة (٣/ ٧١) أنه قال: لو صمت السنة كلها؛ لأفطرت اليوم الذي يشك فيه. وكذلك جاء عن غيره من الصحابة ممن قالوا بالصوم المنع من الصوم. قال الحافظ ﵀ -في الجمع بين أثري ابن عمر-: فَالْجمْعُ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ فِي

стр. 2046

الصُّورَةِ الَّتِي أَوْجَبَ فِيهَا الصَّوْمَ لَا يُسَمَّى يَوْمَ شَكٍّ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ خَصَّ يَوْمَ الشَّكِّ بِمَا إِذَا تَقَاعَدَ النَّاس عَنْ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ، أَوْ شَهِدَ بِرُؤْيَتِهِ مَنْ لَا يَقْبَلُ الْحَاكِمُ شَهَادَتَهُ، فَأَمَّا إِذَا حَالَ دُونَ مَنْظَرِهِ شَيْء؛ فَلَا يُسَمَّى شَكًّا. اهـ وقد حمل شيخ الإسلام أفعال الصحابة في ذلك كما حمله الحافظ ابن حجر ﵀ كما في «شرح كتاب الصيام من العمدة» (١/ ١٠٥ - ). ثم ذكر ﵀ جوابًا آخر (١/ ١٢٦)، وهو أن تحمل الآثار في الصوم على الجواز والاستحباب، وتُحمل أحاديث الفطر على عدم الوجوب، ويكون التغليظ فيها على من يجزم بأنه من رمضان، ويعتقد وجوب صومه كوجوب صوم الذي يليه حتى يلحق برمضان ما لم يتيقن أنه منه ... ، ثم قال: والقياس يقتضي صحة هذا القول؛ فإنَّ إيجاب ما لم يتيقن وجوبه خلاف القياس، وكراهة التحري والاحتياط في العبادات خلاف القياس أيضًا. وارتضى هذا الجواب ابن القيم في «زاد المعاد». قال أبو عبد الله غفر الله له: الذي يظهر -والله أعلم- هو تحريم صيام يوم الشك، حتى وإن كان للاحتياط والتحري، وحتى إذا لم يعتقد وجوبه؛ لما تقدم من الأدلة، وأما فعل الصحابة فقد عارضهم غيرهم من الصحابة؛ فوجب الرجوع إلى الأدلة كما تقدم في كلام الصنعاني، والشوكاني، والله أعلم. (١)

стр. 2047

مسألة [٢]: متى يجب صوم رمضان ؟ يجب صوم رمضان برؤية هلال رمضان، أو بإكمال عدة شعبان ثلاثين يومًا؛ لحديث ابن عمر، وأبي هريرة المذكورين في الباب، وفي الباب أحاديث أخرى، منها: حديث عائشة ﵂ في «سنن أبي داود» (٢٣٢٥) أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يتحفظ من شعبان ما لا يتحفظ من غيره، ثم يصوم لرؤية رمضان؛ فإنْ غُمَّ عليه عَدَّ ثلاثين يومًا، ثم صام. وإسناده حسن. ومنها حديث حذيفة ﵁ عند أبي داود (٢٣٢٦)، والنسائي (٤/ ١٣٥) بإسناد صحيح أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «لا تقدموا الشهر حتى تروا الهلال، أو تكملوا العدة، ثم صوموا حتى تروا الهلال، أو تكملوا العدة». (١) مسألة [٣]: معرفة دخول الشهر بطريقة الحساب . تقدم في الأحاديث أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- علَّقَ الصوم بالرؤية، وفي ذلك إبطال لطريقة أهل الحساب. قال ابن دقيق العيد ﵀: الذي أقول: إنَّ الحساب لا يجوز أن يُعتمد عليه في الصوم؛ لمقارنة القمر للشمس على ما يراه المنجمون؛ فإنهم قد يقدمون الشهر بالحساب على الرؤية بيوم، أو يومين، وفي اعتبار ذلك إحداثُ شرعٍ لم يأذن به الله. انتهى المراد. (٢)

стр. 2048

قال ابن بطال ﵀ كما في «سبل السلام» (٤/ ١١٠): في الحديث دفعٌ لمراعاة المنجمين، وإنما المعول عليه رؤية الهلال، وقد نهينا عن التكلف. اهـ وقال ابن بريرة ﵀ كما في «السبل» (٤/ ١١٠): هو مذهبٌ باطل، وقد نهت الشريعة في الخوض في علم النجوم؛ لأنها حدس وتخمين ليس فيها قطعٌ. ثم قال الصنعاني ﵀: والجواب الواضح عليهم ما أخرجه البخاري عن ابن عمر أنه ﷺ قال: «إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسُبُ الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا، وهكذا»، وعقد في الثالثة إصبعًا، «والشهر هكذا، وهكذا، وهكذا»، يعني تمام الثلاثين. اهـ قلتُ: وقد أخرج الحديث مسلمٌ أيضًا. (١) وقال صديق حسن ﵀ في «الروضة الندية» (١/ ٢٢٤): والتوقيت في الأيام، والشهور بالحساب للمنازل القمرية بدعة باتفاق الأمة. اهـ وسُئِلَت اللجنة الدائمة عن هذه المسألة برقم (٣٨٦)، فأجابوا بجواب فيه: فالرجوع في إثبات الشهور القمرية إلى علم النجوم في بدء العبادات، والخروج منها دون الرؤية من البدع التي لا خير فيها، ولا مستند لها من الشريعة. اهـ وقد ذهب إلى القول بحساب المنازل مطرف بن عبد الله من التابعين، وابن قتيبة. قال ابن عبد البر ﵀: لا يصح عن مطرف، وأما عن ابن قتيبة فهو ممن لا

стр. 2049

يعرج عليه في مثل هذا. انتهى المراد. (١) مسألة [٤]: استعمال المنظار المقرب للرؤية . قال الإمام ابن عثيمين ﵀: وأما استعمال ما يُسمَّى بـ (الدِّربيل)، وهو المنظار المقرب في رؤية الهلال؛ فلا بأس به، ولكن ليس بواجب؛ لأن الظاهر من السنة أنَّ الاعتماد على الرؤية المعتادة لا على غيرها، ولكن لو استعمل فرآه من يوثق به؛ فإنه يعمل بهذه الرؤية، وقد كان الناس قديمًا يستعملون ذلك لما كانوا يصعدون المنائر ليلة الثلاثين من شعبان أو ليلة الثلاثين من رمضان، فيتراءون بواسطة هذا المنظار، على كل حال متى ثبتت رؤيته بأي وسيلة؛ فإنه يجب العمل بمقتضى هذه الرؤية؛ لعموم قوله ﷺ : «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته». (٢) مسألة [٥]: إذا رأى الهلال أهل بلدة، فهل يلزم بقية البلدان الصوم ؟ • اختلف في هذه المسألة اختلافًا كثيرًا، حتى تفرقوا في ذلك إلى ما يقارب ثمانية أقوال كما ذكر ذلك صديق بن حسن في «الروضة الندية» (١/ ٢٢٤). وقد أَلَّفَ الإمام الشوكاني في هذه المسألة رسالة سمَّاها «إطلاع أرباب الكمال على ما في رسالة الجلال في الهلال من الاختلال»، وأقوى هذه المذاهب ثلاثة: المذهب الأول: أنه يلزم بقية البلدان الصوم، وهو قول مالك، والشافعي،

стр. 2050

وأحمد، والليث، وغيرهم، وهو ترجيح جمعٍ من المحققين كشيخ الإسلام ابن تيمية كما في «مجموع الفتاوى»، والإمام الشوكاني، وصديق بن حسن، والإمام الألباني، والإمام ابن باز رحمة الله عليهم أجمعين. واستدلوا بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته». قال الشوكاني ﵀: وَهَذَا لَا يَخْتَصُّ بِأَهْلِ نَاحِيَةٍ عَلَى جِهَةِ الِانْفِرَادِ، بَلْ هُوَ خِطَابٌ لِكُلِّ مَنْ يَصْلُحُ لَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ؛ فَالِاسْتِدْلَالُ بِهِ عَلَى لُزُومِ رُؤْيَةِ أَهْلِ بَلَدٍ لِغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْبِلَادِ أَظْهَرُ مِنْ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ عَلَى عَدَمِ اللُّزُومِ؛ لِأَنَّهُ إذَا رَآهُ أَهْلُ بَلَدٍ فَقَدْ رَآهُ الْمُسْلِمُونَ؛ فَيَلْزَمُ غَيْرَهُمْ مَا لَزِمَهُمْ. انتهى من «نيل الأوطار». المذهب الثاني: أنه يلزم بقية البلدان الصوم ممن توافق البلدة التي رأته في مطالع الهلال، وهو مذهب الشافعية، وقول عن أحمد، واختاره ابن عبد البر في «التمهيد»، وشيخ الإسلام كما في «الاختيارات»، وهو ترجيح شيخنا مقبل بن هادي الوادعي، والشيخ ابن عثيمين، وغيرهما من أهل العلم رحمة الله عليهم، واستدلوا: ١) بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:١٨٥]، قالوا: والذين لا يوافقون من شاهده في المطالع لا يقال: إنهم شاهدوه، لا حقيقة ولا حكمًا، والله تعالى أوجب الصوم على من شاهده. ٢) بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته»، فعلل الصوم بالرؤية، ومن يخالف من رآه في المطالع لا يقال: إنه رآه، لا حقيقة ولا حُكمًا.

стр. 2051

٣) حديث ابن عباس ﵄ في «صحيح مسلم» (١٠٨٧)، أنه سأل كُريبًا: متى رأى الهلال؟ وكان بالشام، فقال: رأيناه ليلة الجمعة. فقال ابن عباس: لَكِنَّا رأيناه ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نرى الهلال، أو نكمل العدة. فقال كُريب: أفلا تكتفي برؤية معاوية؟ فقال: لا، هكذا أمرنا رسول الله ﷺ . المذهب الثالث: أنه لا يلزم أهل البلد رؤية غيرهم؛ إلا أن يثبت ذلك عند الإمام الأعظم، فيلزم الناس كلهم؛ لأنَّ البلاد في حقِّه كالبلد الواحد؛ إذ حُكْمُه نافذٌ في الجميع، وهو قول ابن الماجشون. وقال الإمام ابن عثيمين ﵀: وعمل الناس اليوم على هذا، وهو من الناحية الاجتماعية قولٌ قويٌّ. قلتُ: قبل الترجيح، قال شيخ الإسلام ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ١٠٣): حكى ابن عبد البر الإجماع على أن الاختلاف فيما يمكن اتفاق المطالع فيه، فأما ما كان مثل الأندلس وخراسان؛ فلا خلاف أنه لا يعتبر. وعلى هذا فرؤية أهل المغرب لا تعتبر على أهل المشرق، ولكن يظهر أن رؤية أهل المشرق تعتبر على أهل المغرب؛ لأن مطلعهم بعدهم؛ فإذا رأى الهلال أهل المشرق كانت رؤيتهم معتبرة على كل من كان بعدهم في المطلع، وإن تباعدوا، والله أعلم. والقولان الأولان قويان، إلا أنَّ الذي يظهر -والله أعلم- أنَّ الأول أقوى؛

стр. 2052

لعموم الدليل الذي استدلوا به، والشرع عام، ولو كان الحكم على غير ذلك لَبَيَّنَه النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. وقد ردُّوا على القول الثاني بما يلي: ١) إنَّ اختلاف المطالع أمرٌ لا ينضبط بحدٍّ محدود، فما هو الضابط الذي يفصل بين كل مطلع وآخر؟ قال الإمام الألباني ﵀ في «تمام المنة»: والمطالع أمورٌ نسبيةٌ ليس لها حدودٌ مادية يمكن للناس أن يتبينوها. اهـ ٢) قال شيخ الإسلام ﵀ كما في «مجموع الفتاوى»: إذا اعتبرنا حدًّا كمسافة القصر، أو الأقاليم، فكان رجلٌ في آخر المسافة والإقليم؛ فعليه أن يصوم ويُفطر وينسك، وآخر بينه وبينه غلوة سهم لا يفعل شيئًا من ذلك، وهذا ليس من دين المسلمين. اهـ ٣) المقصود بالآية والحديث الذي استدل بهما أصحاب القول الثاني هو العلم بحلول شهر رمضان، وقد حصل ذلك برؤية أهل بلد معين، وكما أنه يلزم أهل البلد الواحد الصوم برؤية بعض أفرادهم؛ فكذلك يلزم البلدان الأخرى الصوم برؤية أهل هذا البلد. استدلالهم بحديث ابن عباس أُجِيب عنه بأجوبة: الأول: أنَّ ابن عباس لم يصرِّح أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أمرهم بأن لا يعملوا برؤية غيرهم من أهل الأقطار، بل أراد ابن عباس أنه أمرهم بإكمال الثلاثين، أو يروه كما في

стр. 2053

الأحاديث الأخرى. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في كتاب الصيام (١/ ١٧٤): ويجوز أن يكون ذلك؛ لأنَّ النبي ﷺ أمرهم أن يصوموا لرؤيته ويفطروا لرؤيته، ولا يفطروا حتى يروه، أو يكملوا العدة كما قد رواه ابن عباس وغيره مفسرًا، فاعتقد ابن عباس أنَّ أهل كل بلد يصومون حتى يروه، أو يكملوا العدة، وقد تقدم عنه ﷺ أنه قصد رؤية بعض الأمة في الجملة؛ لأنَّ الخطاب لهم وهذا عمل برؤية قوم في غير مصره. اهـ وقد أجاب بهذا الجواب أيضًا ابن دقيق العيد، والشوكاني في «النيل»، وصديق ابن حسن في «الروضة الندية». الثاني: قال الإمام الألباني ﵀ في «تمام المنة»: إنَّ حديثَ ابن عباس ورد فيمن صام على رؤية بلده، ثم بلغه في أثناء رمضان أنهم رأوا الهلال في بلد آخر قبله بيوم، ففي هذه الحالة يستمر في الصيام مع أهل بلده حتى يكملوا العدة ثلاثين، أو يروا الهلال. اهـ وقد سبق شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ إلى الإشارة إلى مثل هذا الجواب كما في «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ١٠٩). الثالث: أنَّ هذه شهادة من كُريب، وهو واحدٌ، وقد أمرهم النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أن يُفطروا بشهادة اثنين، ولو عملوا بخبره لأفطروا بشهادة واحد، كذا أجاب شيخ الإسلام ﵀ في «شرح العمدة»، وأشار إلى هذا الجواب الإمام النووي في «شرح

стр. 2054

مسلم»، والله أعلم. قلتُ: ومما يبين أنَّ الحديث ليس فيه وجهٌ لما استدلوا به أنَّ مطلع الشام، والمدينة النبوية لا يختلف، بل هو مطلع واحد، والله أعلم. (١)

стр. 2055

بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَة مسألة [١]: رؤية الهلال بالنهار . أما إذا كانت الرؤية بعد الزوال؛ فقد نقل ابن حزمٍ الإجماع على أنه لا يجب الصوم إلا من الغد، وأما قبل الزوال؛ ففيه مذاهب: الأول: أنه للَّيلة الماضية، وهو قول الثوري، وأبي يوسف، وسليمان بن ربيعة، وابن حبيب الأندلسي، ورواية عن عمر بن عبد العزيز، ورواية عن أحمد، وهو ترجيح ابن حزم. قالوا: فإن كانت الرؤية في أول الشهر؛ أمسكوا وقضوا، وإن كانت آخر الشهر؛ أفطروا وعيدوا؛ لأنَّ وقت العيد باقٍ؛ إلا أنَّ ابن حزم لم يذكر القضاء. وقد استدلوا على ذلك بما رواه عبد الرزاق (٤/ ١٦٣)، وابن أبي شيبة (٣/ ٦٦)، والبيهقي في «الكبرى» (٤/ ٢١٣)، من طريق: إبراهيم النخعي، أنَّ عمر بن الخطاب كتب إلى عتبة بن فرقد: (إذا رأيتم الهلال في آخر النهار؛ فأتموا صومكم؛ فإنه لِلَّيْلَةِ المقبلة، وإذا رأيتموه في أول النهار؛ فأفطروا؛ فإنه لليلة الماضية) يعني هلال شوال. الثاني: كالمذهب الأول؛ إلا أن الهلال في آخر الشهر للمقبلة احتياطًا للصوم، وهي رواية عن أحمد نقلها الأثرم، والميموني. الثالث: أنه لِلَّيْلَةِ المقبلة، وهو رواية عن أحمد اختارها الخِرَقِي، وهو مذهب

стр. 2056

مالك، والشافعي، وأبي حنيفة، وإسحاق، والليث، والأوزاعي، ومحمد بن الحسن، ورواية عن عمر بن عبد العزيز، ورجَّحه ابن عبد البر، ونقله عن أكثر العلماء، ورجَّح ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، ثم الإمام ابن عثيمين ﵀. واستدلوا على ذلك بما أخرجه عبد الرزاق (٤/ ١٦٢ - ١٦٣)، وابن أبي شيبة (٣/ ٦٧)، والدارقطني (٢/ ١٦٨ - ١٦٩)، والبيهقي (٤/ ٢١٣)، بأسانيد صحيحة عن أبي وائل، قال: جاءنا كتاب عمر بن الخطاب ونحن بخانقين، أنَّ الأهلة بعضها أكبر من بعض، فإذا رأيتم الهلال فلا تفطروا حتى تمسوا؛ إلا أن يشهد رجلان مسلمان أنهما أهلاه بالأمس عشيًّا. وقد ثبت ذلك عن عثمان ﵁، كما في مصنف ابن أبي شيبة (٣/ ٦٥). وجاء ذلك أيضًا عن ابن مسعود، أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٦٦)، من طريق: القاسم بن عبد الرحمن عنه، أنه قال: إذا رأيتم الهلال نهارًا؛ فلا تفطروا؛ فإنَّ مجراه في السماء، لعله أن يكون قد أهل ساعتئذٍ. وإسناده ضعيفٌ بسبب انقطاعه بين القاسم، وابن مسعود. وقد جاء ذلك أيضًا عن ابن عمر، أخرجه عبد الرزاق (٤/ ١٦٦) بإسناد صحيح عنه. وجاء عن أنس بن مالك، أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٦٥) بإسناد صحيح عنه أيضًا. قالوا: والتفريق بين رؤيته قبل الزوال وبعد الزوال لا يستند إلى كتاب ولا سنة،

стр. 2057

وهذا القول هو الراجح؛ للاحتمال الذي ذُكِرَ في أثر ابن مسعود المتقدم. وأما أثر عمر المتقدم الذي استدل به أهل القول الأول؛ فهو منقطع؛ لأنَّ إبراهيم النخعي لم يدرك عمر. قال البيهقي ﵀: هكذا رواه إبراهيم النخعي منقطعًا، وحديث أبي وائل أصح. اهـ. (١) مسألة [٢]: إذا أصبح الرجل مُفطرًا يعتقد أنه من شعبان، ثم قامت البينة أنَّ اليوم من رمضان، وأنَّ الهلال قد أهل بالأمس ؟ • في هذه المسألة أقوال: القول الأول: أنه لا يصوم، وليس عليه القضاء، وهو قول داود، والظاهرية؛ إلا ابن حزم؛ لأنه لم يدرك زمن صوم ذلك اليوم من أوله. القول الثاني: أنه يأكل بقية يومه، ثم يقضيه، وهذا القول مَرْوِيٌّ عن عطاء. القول الثالث: أنه يمسك فيه عما يمسك الصائم، ولا يُجزِئه وعليه قضاؤه، وهو قول أحمد، ومالك، والشافعي، والجمهور؛ لأنه لم يصم يومًا كاملًا. القول الرابع: أنه يمسك ولا يُجزِئه، وعليه قضاؤه إنْ أكل، أو علم بعد الزوال، أكلَ أو لم يأكل، وهو قول أبي حنيفة.

стр. 2058

القول الخامس: أنه يصوم يومه، ويُجزئه، وهو قول عمر بن عبد العزيز، وابن حزم، وشيخ الإسلام ابن تيمية، والشوكاني، واستدلوا بحديث سلمة بن الأكوع، والربيع بنت معوذ، وغيرهما من الصحابة في صيام يوم عاشوراء، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «من أصبح صائمًا؛ فلْيُتِمَّ صومه، ومن أصبح مفطرًا؛ فليتم بقية يومه». (١) وهذا القول هو الصحيح، وهو ظاهر ترجيح صديق بن حسن في «الروضة الندية». قال ابن حزم ﵀ -رادًّا على الجمهور-: ولا يخلو هذا الإمساك الذي أمروه به من أن يكون صومًا يجزئه، وهم لا يقولون بهذا، أو لا يكون صومًا ولا يجزئه، فمن أين وقع لهم أن يأمروه بعمل يتعب فيه ويتكلفه، ولا يجزئه؟ وأيضًا: فإنه لا يخلو من أن يكون مفطرًا أو صائمًا؛ فإن كان صائمًا فَلِمَ يقضيه إذن؟ فيصوم يومين وليس عليه إلا واحد، وإن كان مفطرًا فَلِمَ أمروه بعمل الصوم؟ وهذا عجب جدًّا، وحسبنا الله ونعم الوكيل. اهـ. (٢) مسألة [٣]: إذا لم يعلم بالرؤية إلا بعد غروب الشمس ؟ • ذهب جمهور العلماء إلى أنه يلزمه القضاء؛ لأنه مأمور بصيام شهر رمضان كاملًا. • وذهب الظاهرية، وابن حزم، وشيخ الإسلام إلى أنه لا قضاء عليه؛ لأنه لم

стр. 2059

يعلم بوجوب الصوم إلا بعد خروج وقته. قال ابن حزم ﵀: وأما من لم يعلم بوجوب صوم ذلك اليوم عليه إلا بعد غروب الشمس؛ فإنه لم يصمه كما أمر، ولأنه لم يَنْوِ في شيء منه صومًا، ولم يتعمد ترك النية؛ فلا إثم عليه فيما لم يتعمد ولا قضاء عليه؛ لأنه لم يأت بإيجاب القضاء عليه نص ولا إجماع، ولا يجب في الدين حكم إلا بأحدهما، وإنما أمر بصيام ذلك اليوم لا بصوم غيره مكانه؛ فلا يجزئ ما لم يؤمر به مكان ما أمر به. اهـ قلتُ: والقول الأول أحوط، والله أعلم. (١) مسألة [٤]: إذا أصبح الناس صيامًا في ثلاثين من رمضان، ثم جاءهم الخبر بأنَّ الهلال قد استهل ليلا ؟ قال ابن عبد البر ﵀ في «التمهيد» (٧/ ١٦١): وأجمع العلماء على أنه إذا ثبت أن الهلال من شوال رُئِيَ بموضع استهلاله ليلًا، وكان ثبوت ذلك، وقد مضى من النهار بعضه، أنَّ الناس يفطرون ساعة جاءهم الخبر الثبت في ذلك؛ فإن كان قبل الزوال صلوا العيد بإجماع من العلماء وأفطروا، وإن كان بعد الزوال فاختلف العلماء في صلاة العيد حينئذ. اهـ وقد تقدم الخلاف في صلاة العيد في باب صلاة العيد، فراجعه، والله المستعان.

стр. 2060

٦٣٦ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: تَرَاءَى النَّاسُ الهِلَالَ، فَأَخْبَرْت النَّبِيَّ ﷺ أَنِّي رَأَيْتُهُ، فَصَامَ، وَأَمَرَ النَّاسَ بِصِيَامِهِ. رَوَاهُ أَبُودَاوُد، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ وَابْنُ حِبَّانَ. (١) ٦٣٧ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّ أَعْرَابِيًّا جَاءَ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إنِّي رَأَيْت الهِلَالَ، فَقَالَ: «أَتَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللهُ؟» قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ؟» قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «فَأَذِّنْ فِي النَّاسِ يَا بِلَالُ: أَنْ يَصُومُوا غَدًا». رَوَاهُ الخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ، وَرَجَّحَ النَّسَائِيّ إرْسَالَهُ. (٢) المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين مسألة [١]: ما يثبت به الصوم والفطر من الشهود ؟ • اختلف في ذلك على ثلاثة مذاهب: المذهب الأول: أنَّ المعتبر شهادة اثنين عند الصوم والإفطار. وهو قول مالك، والليث، والأوزاعي، والثوري، والشافعي في أحد قوليه، وهي رواية غير مشهورة عن أحمد، واستدلوا بما أخرجه أحمد (٤/ ٣٢١) عن

стр. 2061

عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، أنه خطب في اليوم الذي يشك فيه، فقال: ألا إني جالست أصحاب محمد ﷺ وسألتهم، وإنهم حدثوني أنَّ رسول الله ﷺ قال: «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، وانسكوا لها؛ فإنْ غُمَّ عليكم فأكملوا ثلاثين؛ فإنْ شهد شاهدان مسلمان؛ فصوموا وأفطروا»، وفي إسناده: الحجاج بن أرطاة، مدلسٌ، وفيه ضعفٌ. وقد سقط الحجاج من سند النسائي (٤/ ١٣٢ - ١٣٣)، وهو وَهَمٌ من سعيد ابن شبيب، كما أشار إلى ذلك الحافظ المزي في «تحفة الأشراف» (١١/ ١٧٨)، وكذلك ابن عبد الهادي في «التنقيح» (٣/ ٢١٦). ولكن للحديث شاهد يُحَسَّن به، فقد أخرج أبو داود (٢٣٣٨)، والدارقطني (٢/ ١٦٧) من حديث أمير مكة الحارث بن حاطب ﵁، أنه قال: عهد إلينا رسول الله ﷺ أن ننسك للرؤية؛ فإنْ لم نره، وشهد شاهدا عدل؛ نسكنا بشهادتهما، وأقره ابن عمر ﵄. وإسناده حسن. المذهب الثاني: أنَّ المعتبر عند الصيام شهادة واحد، وعند الإفطار شهادة اثنين. وهو قول أحمد، والشافعي في أحد قوليه، وابن المبارك، واستدلوا بحديث ابن عمر، وابن عباس اللَّذَيْنِ في الباب، وبالأحاديث المتقدمة في المسألة السابقة. ويؤيده أن ابن عمر ﵄ أجاز شهادة رجل في الهلال، أخرجه ابن جرير في «تهذيب الآثار» (٢/ ٧٦٢) [مسند ابن عباس ﵄]، وابن أبي شيبة في «مصنفه»

стр. 2062

٩٥٥٩ - قالوا: وهذا إخبارٌ عن عبادة لا يتعلق بها حق آدمي، فقُبل فيها قول الواحد. المذهب الثالث: أنه يكفي شهادة رجل عند الصوم والإفطار. وهو قول أبي ثور، وابن حزم، والشوكاني، واستدلوا بحديث ابن عمر، وابن عباس المَذْكُورَين في الباب، وقاسوا عليه شهادة الفطر، وهو قول الصنعاني. وقد رجح أصحاب القول الأول قولهم مع أدلتهم المتقدمة بأنه هلال من الأهلة، فلم يثبت إلا بشاهدين كسائر الأهلة، ولأنه إيجاب حقٍّ على الناس؛ فلم يجب إلا بشاهدين، كسائر الحقوق، ولأنَّ رؤية الواحد معرضة للغلط، ولاسيما إنْ كان بين الناس والسماء مصحية، وربما يتهم في ذلك؛ فكان إزالة الشبهة باثنين. وأجابوا عن أدلة القول الثاني: بأنَّ حديث ابن عباس ضعيف كما تقدم، وحديث ابن عمر ليس فيه أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أمر بالصيام لشهادة ابن عمر وحده، بل يحتمل أنه قد شهد غيره عند النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. وقولهم: إنه إخبار بعبادة لا يتعلق بها حق آدمي؛ فلا يسلم هذا؛ فإنه يتعلق بهذا الهلال سائر حقوق الآدميين من الآجال، والإجارات، وعدة الطلاق، والعتاق، وغيرها. وأجاب أصحاب القول الثاني عن أدلة القول الأول: بأنَّ أدلتهم لا تدل على ما

стр. 2063

استدلوا به إلا بطريق المفهوم، وحديث ابن عمر منطوق؛ فيقدم عليه. قال ابن القيم ﵀: ولا يقوى ما يتوهم من عموم المفهوم على معارضته هذين الخبرين. يعني حديث ابن عمر، وابن عباس. قال: وأصول الشرع تشهد للاكتفاء بقول الواحد؛ فإنَّ ذلك خبر عن دخول وقت الصيام، فاكتفي فيه بالشاهد الواحد، كالإخبار عن دخول وقت الصلاة بالأذان، ولا فرق بينهما. اهـ وقال شيخ الإسلام ﵀ في «شرح العمدة»: المفهوم عارضه نص، والمنطوق مقدم على المفهوم؛ فإنَّ المفهوم أحسن أحواله أن يكون كالعام مع الخاص، وكالقياس مع النص، وهذا يترك من غير نسخ، والنص لا يترك إلا بناسخ. اهـ قلتُ: فالذي يظهر أنَّ القول الثاني هو الصحيح، وهو ترجيح الإمام ابن باز، والإمام العثيمين، والإمام الوادعي رحمة الله عليهم. (١) مسألة [٢]: إذا رأى الهلال وحده، فهل يلزمه الصوم والفطر ؟ • في هذه المسألة ثلاثة مذاهب: المذهب الأول: أنه يلزمه الصوم إذا رأى هلال رمضان، ويلزمه الفطر إذا رأى هلال شوال، ويُفطر سرًّا حتى لا يُتَّهَم. وهو مذهب الشافعي، والحسن بن حي، ورواية عن أحمد، ورجَّحه ابن حزم؛

стр. 2064

لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته»، فهذا قد تيقن أن رمضان قد دخل، أو قد خرج؛ فوجب عليه العمل به. المذهب الثاني: أنه يلزمه الصوم إذا رأى هلال رمضان، وأما إذا رأى هلال شوال؛ فلا يُفطر. وهو المشهور عن أحمد، ومالك، وأبي حنيفة، واستدلوا بما استدل به الفريق الأول، وقالوا: لا يُفطر احتياطًا لرمضان. المذهب الثالث: يصوم مع الناس، ويُفطر مع الناس. وهو مذهب الشعبي، والحسن، وابن سيرين، ورواية عن أحمد، ورجَّح ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية، والشيخ الألباني، والشيخ ابن باز، واستدلوا بحديث أبي هريرة مرفوعًا: «صومكم يوم تصومون، وفطركم يوم تفطرون» أخرجه الترمذي، (١) وإسناده حسن. وثبت عن أنس ﵁، أنه كره مخالفة الأمير، وصام معه قبل دخول الشهر. أخرجه أحمد كما في مسائل الفضل بن زياد، كما في «زاد المعاد» (٢/ ٤٣) بإسنادٍ حسنٍ. والراجح -والله أعلم- هو القول الأول، وقد أجابوا عن هذا الحديث بِحَمْلِه على من لم يعلم خلاف ما عليه الناس، ولم يتيقن من رؤية الهلال، كما ذكر ذلك الصنعاني في «سبل السلام»، والله أعلم. (٢)

стр. 2065

مسألة [٣]: إذا أخبره من يثق بقوله أنه رأى الهلال ؟ قطع جماعة من الشافعية، والحنابلة أنه يلزمه الصوم وإن لم يثبت ذلك عند الحاكم؛ لأنَّ رد الحاكم يجوز أن يكون لعدم علمه بالمخبر وحاله، ولا يتعين ذلك في عدم العدالة، وقد يجهل الحاكم عدالة من يعلم غيره عدالته. (١) مسألة [٤]: شهادة النساء للهلال . أما في هلال شوال؛ فقد قال أبو عمر بن عبد البر: أما الشهادة على رؤية الهلال؛ فأجمع العلماء على أنه لا يُقبل في شهادة شوال في الفطر إلا رجلان عدلان. اهـ قال ابن قدامة ﵀: وَلَا يُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، وَلَا شَهَادَةُ النِّسَاءِ الْمُنْفَرِدَاتِ وَإِنْ كَثُرْنَ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الشُّهُورِ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ، وَلَيْسَ بِمَالِ، وَلَا يُقْصَدُ بِهِ الْمَالُ، فَأَشْبَهَ الْقِصَاصَ، وَكَانَ الْقِيَاسُ يَقْتَضِي مِثْلَ ذَلِكَ فِي رَمَضَان، لَكِنْ تَرَكْنَاهُ احْتِيَاطًا لِلْعِبَادَةِ. اهـ قلتُ: الإجماع الذي نقله ابن عبد البر لا يصح؛ فقد خالف ابن حزم كما في «المحلَّى»، وقبله أبو ثور، ومال إليه ابن رشد، وهو اختيار شيخ الإسلام، وابن القيم، ثم الإمام العثيمين، وهو الصحيح؛ لعدم وجود دليل يدل على تخصيص

стр. 2066

شهادة النساء بالأموال، وبما لا يطلع عليه الرجال غالبًا فحسب، كما سيأتي تقريره إن شاء الله في باب الشهادات. (١) وأما هلال رمضان، ففي ذلك خلافٌ مبني على أنَّ الإخبار بدخول رمضان هل هو من باب الشهادة، أم من باب الإخبار؟ وقد ذهب الشافعي في «الأم» -وعليه أكثر الشافعية، وذهب إليه بعض الحنابلة- إلى أنه لا تقبل شهادتها؛ لأنَّ هذا مما يطلع عليه الرجال، وليس بمال، ولا يقصد به المال، وهو مذهب الليث، وابن الماجشون المالكي. والمشهور عند الحنابلة -وهو قول أبي حنيفة، ورجَّحه ابن حزم- أنه يُعمل بقولها. قال أبو عبدالله غفر الله له: الراجح -والله أعلم- هو قبول شهادة النساء في ذلك؛ لأنَّ الراجح كما في [باب الشهادات] أنَّ شهادة النساء مقبولة في غير الحدود، وهو اختيار شيخ الإسلام، وابن القيم، والإمام العثيمين رحمة الله عليهم، وهذا على القول بأنها شهادة، وأما على القول بأنها إخبار؛ فيقبل قولها بلا إشكال، وهذا أقرب، والله أعلم. وعليه فيقبل قول المرأة الواحدة العدل، وبالله التوفيق. (٢)

стр. 2067

مسألة [٥]: شهادة الصبي المميز الموثوق بخبره . • قال الإمام النووي ﵀: وأما الصبي المميز الموثوق بخبره؛ فلا يقبل قوله، إنْ شَرَطْنَا اثنين، أو قلنا: شهادة، وهذا لا خلاف فيه، وإنْ قلنا: رواية، فطريقان: المذهب، وبه قطع الجمهور: لا يقبل قطعًا. والثاني: فيه وجهان: بناء على الوجهين المشهورين في قبول روايته إنْ قبلناها قبل هذا، وإلا فلا، وبهذا الطريق قطع إمام الحرمين. اهـ. • ومذهب الحنفية، والأصح عند الحنابلة عدم العمل بشهادته. قلتُ: والراجح عدم قبول قوله؛ لأنه غير مكلف، ولا يوصف بالعدالة قبل التكليف. (١) مسألة [٦]: شهادة الكافر، والفاسق، والمغفل . قال النووي ﵀: لا يقبل قولهم فيه بلا خلاف. اهـ. (٢) مسألة [٧]: لو غُمَّ الهلال فرأى إنسانٌ النبيَّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في المنام، فقال له: الليلة أول رمضان ؟ قال النووي ﵀ في «المجموع» (٦/ ٢٨١ - ٢٨٢): لا يصح الصوم بهذا المنام، لا لصاحب المنام ولا لغيره، ذكره القاضي حسين في «الفتاوى» وآخرون من أصحابنا، ونقل القاضي عياض الإجماع عليه، وقد قررته بدلائله في أول «شرح

стр. 2068

صحيح مسلم»، ومختصره: أنَّ شرط الراوي والمخبر والشاهد أن يكون متيقظًا حال التحمل، وهذا مُجمع عليه، ومعلوم أن النوم لا تيقظ فيه، ولا ضبط؛ فَتَرْكُ العملِ بهذا المنام لاختلال ضبط الراوي، لا للشك في الرؤية، فقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من رآني في المنام فقد رآني حَقًّا؛ فإنَّ الشيطان لا يتمثل في صورتي».اهـ (١)

стр. 2069

٦٣٨ - وَعَنْ حَفْصَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ (﵂) أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصِّيَامَ قَبْلَ الفَجْرِ فَلَا صِيَامَ لَهُ». رَوَاهُ الخَمْسَةُ، وَمَالَ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ إلَى تَرْجِيحِ وَقْفِهِ، وَصَحَّحَهُ مَرْفُوعًا ابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ. (١) وَلِلدَّارَقُطْنِيِّ: «لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يَفْرِضْهُ مِنَ اللَّيْلِ». ٦٣٩ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ، فَقَالَ: «هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟» قُلْنَا: لَا، قَالَ: «فَإِنِّي إذًا صَائِمٌ»، ثُمَّ أَتَانَا يَوْمًا آخَرَ، فَقُلْنَا: أُهْدِيَ لَنَا حَيْسٌ، فَقَالَ: «أَرِينِيهِ، فَلَقَدْ أَصْبَحْت صَائِمًا» فَأَكَلَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (٢)

стр. 2070

المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين مسألة [١]: هل تُشترط النية للصوم ؟ لا يصح الصوم إلا بنيةٍ، سواء كان فرضًا، أو تطوعًا؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنما الأعمال بالنيات» متفق عليه عن عمر بن الخطاب ﵁. • وهذا قول الجمهور، بل نقل ابن قدامة عليه الإجماع كما في «المغني» (٤/ ٣٣٣)، والصحيح وجود الخلاف، فقد ذهب الزهري، وعطاء، وزُفَر، ومجاهد إلى أنَّ الصوم إذا كان متعيِّنًا بأن يكون صحيحًا مُقيمًا في شهر رمضان؛ فلا يفتقر إلى نية. (١) قال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٦/ ٣٠٠ - ٣٠١): قال الماوردي: فأما صوم النذر، والكفارة، فيُشترط له النية بإجماع المسلمين. اهـ مسألة [٢]: تعيين النية في الصوم الواجب . • ذهب الجمهور إلى وجوب التعيين، وهو أنْ يعتقد أنه يصوم غدًا من رمضان، أو من قضائه، أو من كفارته، أو من نذره. وهو مذهب مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وداود، واستدلوا بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «وإنما لكل امرئ ما نوى»، وهذا القول هو الراجح، وهو الذي رجَّحه ابن قدامة، والنووي.
следующие страницы →