شهادة النساء بالأموال، وبما لا يطلع عليه الرجال غالبًا فحسب، كما سيأتي تقريره إن شاء الله في باب الشهادات. (١)
وأما هلال رمضان، ففي ذلك خلافٌ مبني على أنَّ الإخبار بدخول رمضان هل هو من باب الشهادة، أم من باب الإخبار؟
وقد ذهب الشافعي في «الأم» -وعليه أكثر الشافعية، وذهب إليه بعض الحنابلة- إلى أنه لا تقبل شهادتها؛ لأنَّ هذا مما يطلع عليه الرجال، وليس بمال، ولا يقصد به المال، وهو مذهب الليث، وابن الماجشون المالكي.
والمشهور عند الحنابلة -وهو قول أبي حنيفة، ورجَّحه ابن حزم- أنه يُعمل بقولها.
قال أبو عبدالله غفر الله له: الراجح -والله أعلم- هو قبول شهادة النساء في ذلك؛ لأنَّ الراجح كما في [باب الشهادات] أنَّ شهادة النساء مقبولة في غير الحدود، وهو اختيار شيخ الإسلام، وابن القيم، والإمام العثيمين رحمة الله عليهم، وهذا على القول بأنها شهادة، وأما على القول بأنها إخبار؛ فيقبل قولها بلا إشكال، وهذا أقرب، والله أعلم.
وعليه فيقبل قول المرأة الواحدة العدل، وبالله التوفيق. (٢)
стр. 2067
مسألة [٥]: شهادة الصبي المميز الموثوق بخبره .
• قال الإمام النووي ﵀: وأما الصبي المميز الموثوق بخبره؛ فلا يقبل قوله، إنْ شَرَطْنَا اثنين، أو قلنا: شهادة، وهذا لا خلاف فيه، وإنْ قلنا: رواية، فطريقان: المذهب، وبه قطع الجمهور: لا يقبل قطعًا. والثاني: فيه وجهان: بناء على الوجهين المشهورين في قبول روايته إنْ قبلناها قبل هذا، وإلا فلا، وبهذا الطريق قطع إمام الحرمين. اهـ.
• ومذهب الحنفية، والأصح عند الحنابلة عدم العمل بشهادته.
قلتُ: والراجح عدم قبول قوله؛ لأنه غير مكلف، ولا يوصف بالعدالة قبل التكليف. (١)
مسألة [٦]: شهادة الكافر، والفاسق، والمغفل .
قال النووي ﵀: لا يقبل قولهم فيه بلا خلاف. اهـ. (٢)
مسألة [٧]: لو غُمَّ الهلال فرأى إنسانٌ النبيَّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في المنام، فقال له: الليلة أول رمضان ؟
قال النووي ﵀ في «المجموع» (٦/ ٢٨١ - ٢٨٢): لا يصح الصوم بهذا المنام، لا لصاحب المنام ولا لغيره، ذكره القاضي حسين في «الفتاوى» وآخرون من أصحابنا، ونقل القاضي عياض الإجماع عليه، وقد قررته بدلائله في أول «شرح
стр. 2068
صحيح مسلم»، ومختصره: أنَّ شرط الراوي والمخبر والشاهد أن يكون متيقظًا حال التحمل، وهذا مُجمع عليه، ومعلوم أن النوم لا تيقظ فيه، ولا ضبط؛ فَتَرْكُ العملِ بهذا المنام لاختلال ضبط الراوي، لا للشك في الرؤية، فقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من رآني في المنام فقد رآني حَقًّا؛ فإنَّ الشيطان لا يتمثل في صورتي».اهـ (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين
مسألة [١]: هل تُشترط النية للصوم ؟
لا يصح الصوم إلا بنيةٍ، سواء كان فرضًا، أو تطوعًا؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنما الأعمال بالنيات» متفق عليه عن عمر بن الخطاب ﵁.
• وهذا قول الجمهور، بل نقل ابن قدامة عليه الإجماع كما في «المغني» (٤/ ٣٣٣)، والصحيح وجود الخلاف، فقد ذهب الزهري، وعطاء، وزُفَر، ومجاهد إلى أنَّ الصوم إذا كان متعيِّنًا بأن يكون صحيحًا مُقيمًا في شهر رمضان؛ فلا يفتقر إلى نية. (١)
قال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٦/ ٣٠٠ - ٣٠١): قال الماوردي: فأما صوم النذر، والكفارة، فيُشترط له النية بإجماع المسلمين. اهـ
مسألة [٢]: تعيين النية في الصوم الواجب .
• ذهب الجمهور إلى وجوب التعيين، وهو أنْ يعتقد أنه يصوم غدًا من رمضان، أو من قضائه، أو من كفارته، أو من نذره.
وهو مذهب مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وداود، واستدلوا بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «وإنما لكل امرئ ما نوى»، وهذا القول هو الراجح، وهو الذي رجَّحه ابن قدامة، والنووي.
стр. 2071
• وذهب أبو حنيفة إلى عدم وجوب التعيين في صوم رمضان، فلو نوى في رمضان الصوم مطلقًا، أو نفلًا؛ وقع عن رمضان وصحَّ صومه، وهو رواية عن أحمد. والصحيح القول الأول، والله أعلم. (١)
مسألة [٣]: التعيين في صوم التطوع .
قال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٦/ ٢٩٥): وأما صوم التطوع فيصحُّ بنية مطلق الصوم كما في الصلاة، هكذا أطلقه الأصحاب، وينبغي أن يشترط التعيين في الصوم المرتب، كصوم عرفة، وعاشوراء، وأيام البيض، وستة من شوال، ونحوها، كما يشترط ذلك في الرواتب من نوافل الصلاة. اهـ
مسألة [٤]: تبييت النية في صيام الفرض .
• ذهب الجمهور، وفيهم أحمد، ومالك، والشافعي إلى وجوب تبييت النية في الفرض من الليل، واستدلوا بحديث حفصة الذي في الباب، وقد تقدم أنَّ الرَّاجح وقفه، واستدلوا بحديث: «إنما الأعمال بالنيات».
• وذهب أبو حنيفة إلى أنه يصح بنية قبل الزوال في صوم رمضان، والنذر المعين، ووافق الجمهور على أنَّ صوم القضاء والكفارة لا يصحان إلا بنية من الليل، واستدل له بقول النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في يوم عاشوراء: «من كان صائمًا؛ فليتم صومه، ومن كان أكلَ؛ فليتم بقية يومه» متفق عليه بمعناه من حديث سلمة بن الأكوع، والربيع بنت معوذ ﵄.
стр. 2072
والراجح هو القول الأول، وهو ترجيح ابن قدامة، والنووي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، والصنعاني، والشوكاني.
وأما الدليل الذي استدل به لأبي حنيفة فقد أجاب عنه شيخ الإسلام، وكذا الشوكاني بأنَّ النية إنما صحَّت في نهار عاشوراء؛ لكون الرجوع إلى الليل غير مقدور، ولكونه ابتدأ وجوبه من النهار، ولم يكن واجبًا عليهم من الليل بخلاف صوم رمضان.
قال النووي ﵀ في «المجموع» (٦/ ٣٠١): لو سَلَّمْنَا أَنَّه كان فرضًا يعني عاشوراء، فقد كان ابتداء فرضه عليهم من حين بلغهم، ولم يخاطبوا بما قبله كأهل قُباء في استقبال الكعبة؛ فإنَّ استقبالها بلغهم في أثناء الصلاة، فاستداروا وهم فيها من استقبال بيت المقدس إلى استقبال الكعبة، وأجزأتهم صلاتهم، حيث لم يبلغهم الحكم إلا حينئذ، وإن كان الحكم باستقبال الكعبة قد سبق قبل هذا في حق غيرهم ويصير هذا كمن أصبح بلا نية ثم نذر في أثناء النهار صوم ذلك اليوم. اهـ (١)
مسألة [٥]: تبييت النية في صوم التطوع .
• ذهب الجمهور إلى عدم وجوب تبييت النية في صوم التطوع، وقالوا: يجزئه أن يبتدئ النية من النهار؛ مالم يأكل.
وهو قول أحمد، والشافعي، وأبي حنيفة، واستدلوا بحديث عائشة ﵂ الذي
стр. 2073
في الباب، وفيه: «إني إذًا صائم»، وجاء في بعض الروايات: «فإني صائم»، وفي «صحيح أبي عوانة»: «فأصوم».
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في «شرح العمدة» في كتاب الصيام (١/ ١٨٦): وهذا يدل على أنه أنشأ الصيام من النهار؛ لأنه قال: «فإني صائم»، وهذه الفاء تفيد السببية والعلة، فيصير المعنى: (إني صائم؛ لأنه لا طعام عندكم)، وأيضًا فقوله: «إني إذًا صائم»، و (إذًا) أصرح بالتعليل من الفاء. اهـ
قلتُ: ورواية أبي عوانة: «فأصوم» ظاهرة أيضًا في أنه أنشأ الصوم؛ لأنَّ الفعل: (أصوم) مضارع يُفيدُ الاستقبال، والله أعلم.
واستدل أهل هذا القول أيضًا بأنه قد صحَّ عن جمع من الصحابة أنهم يبتدئون صوم التطوع من النهار، منهم: أبو الدرداء، وأبو طلحة، وحذيفة، وابن مسعود، وأنس، ومعاذ بن جبل ﵃ كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (٣/ ٣١، ٢٨، ٢٩)، وعبد الرزاق (٤/ ٢٧٢ - ٢٧٣)، والطحاوي في «شرح المعاني» (٢/ ٥٦)، ولا يُعلم لهم مخالف من الصحابة.
وهذا القول هو ترجيح الإمام الألباني، والإمام ابن باز، والإمام ابن عثيمين رحمة الله عليهم أجمعين.
• وذهب مالك، وداود، وابن حزم، والصنعاني، والشوكاني إلى وجوب تبييت النية من الليل؛ لحديث: «إنما الأعمال بالنيات»، ورجَّح هذا القول الإمام الوادعي.
стр. 2074
وأجابوا عن حديث عائشة: بأنه محمول على أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان صائمًا فأراد أن يُفطر، ويؤيد هذا أنه جاءت رواية في «مسند أحمد» صريحة بذلك.
أخرجه أحمد (٦/ ٤٩) عن يحيى بن سعيد، عن طلحة بن يحيى، قال: حدثتني عائشة بنت طلحة، عن عائشة أم المؤمنين، أنَّ النبي ﷺ كان يأتيها وهو صائمٌ، فيقول: «أصبح عندكم شيء؟»، فتقول: لا. فيقول: «إني صائمٌ».
وهذه الزيادة أعني: (وهو صائم)، تفرد بها يحيى بن سعيد القطان، وقد أخرجه أيضًا النسائي (٤/ ١٩٤ - ١٩٥) عن الفَلَّاس، عن يحيى بن سعيد بإسناده.
ورواه جمعٌ من الرواة عن طلحة بن يحيى بدون هذه الزيادة، وهم: سفيان بن عيينة، ووكيع، وعبد الله بن نمير، وعبد الواحد بن زياد، وسفيان الثوري، وشعبة، ومحمد بن سعيد.
فهؤلاء سبعة، انظر مصادر رواياتهم في «المسند الجامع» (١٩/ ٧٣٥)، وتابعهم: عيسى بن يونس عند إسحاق بن راهويه (١٠٢٣)، وأبو معاوية عند أبي يعلى (٤٥٦٣)، وإسماعيل ابن زكريا عند أبي يعلى (٤٥٩٦)، وابنِ حبان (٣٦٣٠)، ويعلى بن عبيد عند البيهقي في «السنن الصغرى» (١٢٩٣)(١٢٩٤)، وأبي عوانة (٢/ ١٩٨)، وجعفرُ بن عون عند أبي عوانة (٢/ ١٩٩)، وأبو أسامة حماد بن أسامة عند أبي عوانة (٢/ ١٩٩)، فهؤلاء ستة مع السبعة المتقدمين، فصاروا ثلاثة عشر راويًا يروون الحديث عن طلحة بن يحيى بدون زيادة (وهو صائمٌ)، فهذه الزيادة ليست محفوظة، والله أعلم.
стр. 2075
فعلى هذا: فالذي يظهر لي -والله أعلم- أنَّ قول الجمهور هو الراجح، وأما حديث: «إنما الأعمال بالنيات»؛ فلا يُعارِض ما تقدم؛ لأنه يؤجر على صيامه منذ ابتدأ النية، أما قبل ذلك؛ فلا يؤجر على الصحيح من أقوال أهل العلم، ولئن سلمنا أنه يؤجر عليه؛ فيكون الحديث عامًّا مخصوصًا بحديث عائشة المتقدم، والله أعلم. (١)
تنبيه: اختلف القائلون بجواز التطوع من النهار، هل يجزئه إحداث النية بعد الزوال، أم لا؟
• فذهب الشافعي، والحنفية إلى عدم الجواز، وذهب أحمد إلى الجواز، وهو وجهٌ للشافعية، وهو الصحيح.
قال شيخ الإسلام ﵀: والأظهر صحته كما نقل عن الصحابة. اهـ (٢)
مسألة [٦]: هل يلزم النية لكل يوم على حِدَة، أم تكفيه نية واحدة لشهر رمضان، ولما يشترط فيه التتابع ؟
• ذهب الجمهور وفيهم: الإمام أحمد في المشهور عنه، والشافعي، وأبوحنيفة، ورواية عن إسحاق إلى وجوب النية لكل يوم على حِدَةٍ، وعللوا ذلك بأن كل يوم عبادة مستقلة؛ ولذلك لا يفسد صيام يوم الأحد بفساد صيام الإثنين مثلًا.
• وذهب الإمام مالك، وأحمد في رواية نصرها ابن عقيل، وإسحاق في رواية،
стр. 2076
ورجَّح ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ إلى أنَّ رمضان وما لحق به مما يُشترط فيه التتابع تكفي النية في أوله ما لم يقطعه لعذر، فيستأنف النية، وهذا القول هو الراجح، وقد رجَّحه الإمام ابن عثيمين ﵀.
ويدل على هذا القول عموم قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنما الأعمال بالنيات»، وأيضًا هو عبادة واحدة؛ فتكفيه نية واحدة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وكون الفساد يختص ببعضه إذا صادفه لا يمنع كونه عبادة واحدة كالحج؛ فإنه يشتمل على إحرام، ووقوف، وطواف، وسعي، ثم لو فسد الطواف لكونه على غير طهارة، أو قد اخترق الحِجْر، ونحو ذلك؛ لم يتعد الفساد إلى غيره، ومع هذا فهو عبادة واحدة. انتهى المراد.
وتظهر صورة الخلاف في صورة، وهي: إذا نام المكلف من قبل غروب الشمس، ولم يستيقظ إلا بعد طلوع الفجر الثاني؛ فعلى قول الجمهور لا يجزئه صوم ذلك اليوم، وعلى القول الثاني -وهو الصحيح- يجزئه، والله أعلم. (١)
مسألة [٧]: إنْ نوى من النهار صوم الغد ؟
• في المسألة قولان:
القول الأول: أنَّ ذلك لا يجزئه، وهو رواية عن أحمد، فقد قال في رواية حنبل: يحتاج الرجل في شهر رمضان أن يجمع على الصيام في كل يوم من الليل، ويدل
стр. 2077
عليه قول النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لا صيام لمن لم يجمع الصيام من الليل».
القول الثاني: يجزئه ذلك؛ إلا أن يكون فسخ النية بعد ذلك، وهذا هو الراجح، ويدل عليه عموم قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنما الأعمال بالنيات».
وأما دليلهم فقد تقدم أنَّ الصحيح فيه الوقف، ومع القول بصحة رفعه، فقد قال شيخ الإسلام ﵀: فإنَّ قوله: «لا صيام لمن لم يجمع الصيام من الليل» ليس بنص؛ فإنَّ من نوى من النهار واستصحب النية إلى الفجر، فقد أجمع الصيام من الليل؛ لأنَّ الإجماع أعم من أن يكون مبتدئًا، أو مستصحبًا ذكرًا، أو حكمًا. اهـ (١)
مسألة [٨]: إذا نوى بالليل الصوم، ثم أكل، أو شرب، أو جامع قبل طلوع الفجر، فهل تبطل نيته ؟
الذي عليه أكثر الحنابلة، وأكثر الشافعية، ونصَّ عليه الشافعي أنها لا تبطل؛ لعدم وجود دليل على إبطال نيته، وهذا القول هو الصحيح؛ لما تقدم. (٢)
مسألة [٩]: إذا نوت الحائض صوم الغد قبل انقطاع دمها ؟
إن كانت لها عادة وقد عرفت من حالها الطُّهر قبل الفجر؛ فتصح نيتها، وإنْ كانت مُبْتَدَأة، أو لم يكن لها عادة؛ فلا تصح؛ لأنها لم تجزم ولا بَنَتْ على أصل، ولا أمارة، والله أعلم. (٣)
стр. 2078
مسألة [١٠]: من قال: سأصوم غدًا إن شاء الله ؟
إن كان مراده الاستعانة بالتعليق على المشيئة لتحقيق مراده؛ فصيامه صحيح، وإنْ كان مترددًا لا يدري هل يصوم، أو لا يصوم؛ فلا يصح؛ لأنَّ النية لابد لها من الجزم. (١)
مسألة [١١]: من نوى الصوم قبل الفجر ثم جُنَّ ؟
إذا جُنَّ جميع النهار من رمضان؛ فلا يصح صومه؛ لأنه ليس أهلًا للعبادة، ومن شرط الوجوب صحةُ العقل، وعلى هذا فصومه غير صحيح، ولا يلزمه القضاء؛ لأنه ليس أهلًا للوجوب؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «رُفِع القلم عن ثلاثة ... »، وذكر منهم: «المجنون حتى يعقل» (٢)، وهذا مذهب الحنابلة، والشافعية، وأبي حنيفة، وغيرهم. وخالف أبو العباس بن سريج، والمالكية؛ فقالوا بالقضاء.
• وأما إذا جُنَّ جزءًا من النهار: فذهب جمهور الحنابلة، وهو وجهٌ للشافعية، إلى أنه يصح صومه، وهو ترجيح ابن حزم، وابن قدامة، وشيخ الإسلام ابن تيمية.
قال ابن حزم ﵀ في «المحلَّى» (٤/ ٣٦٣): كنا نذهب إلى أن المجنون والمغمى عليه يبطل صومهما، ولا قضاء عليهما، وكذلك الصلاة، ونقول: إن الحجة في ذلك ... .
ثم ذكر الحديث المتقدم «رُفِعَ القلم عن ثلاثة».
стр. 2079
قال: ثم تأملنا هذا الخبر بتوفيق الله تعالى فوجدناه ليس فيه إلا ما ذكرنا من أنه غير مخاطب في حال جنونه حتى يعقل، وليس في ذلك بطلان صومه الذي لزمه قبل جنونه، ولا عودته عليه بعد إفاقته، وكذلك المغمى عليه؛ فوجب أن من جُنَّ بعد أن نوى الصوم من الليل فلا يكون مفطرًا بجنونه، لكنه فيه غير مخاطب، وقد كان مخاطبًا به؛ فإنْ أفاق في ذلك اليوم أو في يوم بعده من أيام رمضان؛ فإنه ينوى الصوم من حينه ويكون صائمًا؛ لأنه حينئذ علم بوجوب الصوم عليه. اهـ
• وذهب الشافعي إلى أنَّ صومه فاسد، وعلل ذلك بأنه معنى يمنع وجوب الصوم، فأفسده وجوده في بعضه كالحيض، وقد رجَّح هذا المجد ابن تيمية جد شيخ الإسلام.
والراجح -والله أعلم- هو القول الأول، وأما ما استدل به الشافعي؛ فقد أجاب عنه ابن قدامة فقال: ولنا على الشافعي أنه زوال عقل في بعض النهار، فلم يمنع صحة الصوم كالإغماء، والنوم، ويُفارق الحيض؛ فإنَّ الحيض لا يمنع الوجوب، وإنما يجوز تأخير الصوم ويحرم فعله. اهـ
تنبيه: الحنفية يقولون: إذا جُنَّ بعض الشهر، وأفاق بعضه؛ لزمه قضاء ما فاته، وخالفهم الجمهور؛ فرأوا أنه لا قضاء عليه، ومذهب المالكية قضاء رمضان، ولو جنَّ فيه كله. والصحيح قول الجمهور. (١)
стр. 2080
مسألة [١٢]: من نوى الصيام، ثم أُغمي عليه ؟
• إذا أُغمي عليه جميع النهار؛ فقد ذهب أحمد، والشافعي إلى أنه لا يصح صومه، وهو ترجيح شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن قدامة، واستدل ابن قدامة لهذا القول بقول النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فيما يرويه عن ربه عزوجل: «يدع طعامه، وشرابه، وشهوته من أجلي» (١)، قال: فأضاف ترك الطعام، والشراب إليه، فإذا كان مغمى عليه؛ فلا يُضاف الإمساك إليه؛ فلم يجزئه، ولأنَّ النية أحد رُكْنَي الصوم، فلا تجزئه وحدها كالإمساك وحده.
وأما القضاء: فالذي عليه الجمهور أنه يلزمه؛ لأنه مازال مكلَّفًا، ولأنَّ الإغماء مرضٌ، وقد قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤]، وهو ترجيح الشيخ ابن عثيمين ﵀.
وقد قال ابن قدامة ﵀: بغير خلافٍ علمناه. اهـ
لكن الصحيح وجود الخلاف كما في «الإنصاف».
ثم قلتُ: لعل الخلاف لبعض المتأخرين، فقد نقل الإجماع المزني، وهو متقدم؛ فقال ﵀ كما في «الحاوي» (١٥/ ٤٩٦): وأجمعوا أنه لو أغمي عليه الشهر كله؛ فلم يعقل فيه أن عليه قضاءه. اهـ
• وأما إذا أُغمي عليه بعض النهار: فالذي عليه الحنابلة، وأحد قولي الشافعي
стр. 2081
أنَّ صومه يجزئه، وهو قول الحنفية.
ورجحه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في «شرح العمدة» حيث قال بعد أن ذكر الحديث المتقدم: والإمساك لا يكون إلا مع حضور العقل، ولم نشترط وجود الإمساك في جميع النهار، بل اكتفينا بوجوده في بعضه؛ لأنه دخل في عموم قوله: «يدع طعامه، وشهوته من أجلي». وقال بهذا القول المالكية؛ إلا أنهم اعتبروه بشرط أن يفيق أكثر اليوم.
• وذهب الشافعي في أحد قوليه إلى أنَّ الإفاقة تعتبر إذا كانت في أول النهار. وهو قول المالكية فيما إذا أفاق أقل اليوم. والراجح القول الأول، والله أعلم. (١)
مسألة [١٣]: من أُغمي عليه أثناء النهار واستمر أيامًا ؟
أما اليوم الذي أُغمي عليه فيه؛ فيجزئه كما تقدم قريبًا، وكذا اليوم الذي استيقظ فيه على قول من يقول: إنه يكفي لجميع الشهر نية واحدة. وأما الأيام التي بينهما فلا يجزئه صومها؛ لأنه أُغمي عليه في جميع نهارها، والله أعلم. (٢)
مسألة [١٤]: نوم الصائم .
النوم لا يؤثر في الصوم، سواء وجد في بعض النهار، أو في جميعه، وذلك لأنَّ النوم عادة، ولا يزيل الإحساس بالكلية، ومتى نبه انتبه.
стр. 2082
قال شيخ الإسلام ﵀ في «شرح العمدة»: هذا هو المنصوص المشهور في المذهب. اهـ. (١)
مسألة [١٥]: صرع الصائم .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في «شرح كتاب الصيام من العمدة» (١/ ٤٦): فأما الصرع -وهو الخنق الذي يعرض وقتًا ثم يزول- فينبغي أن يلحق بالإغماء والغشي؛ لأنه يزيل الإحساس من السمع، والبصر، والشم، والذوق، فيغطي، فيزول العقل تبعًا لذلك، بخلاف الجنون؛ فإنه يزيل العقل خاصَّة، فيلحقه بالبهائم. اهـ
مسألة [١٦]: إذا نوى الإفطار أثناء صومه ؟
• المشهور من مذهب المالكية، والحنابلة أنَّ من نوى الإفطار ولم يتناول شيئًا من المفطرات أنه يُعَدُّ مُفطِرًا، وهو قول الظاهرية، والفيروز آبادي، والبغوي، وغيرهما من الشافعية، واستدلوا:
١) بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى».
٢) قالوا: النية شرط في جميع الصوم، فإذا قطعها في أثنائه بقي الباقي بغير نية، فبطل، وإذا بطل البعض بطل الجميع؛ لأنه لا ينفرد بعضه عن بعض.
• وذهب الحنفية إلى أنَّ الصائم إذا نوى الإفطار لا يُعَدُّ مُفْطِرًا بمجرد النية،
стр. 2083
وهو مذهب الأكثر من الشافعية.
واستدل الحنفية بأنَّ مجرد النية لا عبرة به في الأحكام الشرعية؛ مالم يتصل به الفعل؛ لقول النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنَّ الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها مالم تعمل، أو تتكلم» (١) متفق عليه عن أبي هريرة ﵁.
وقالوا أيضًا: النية شرطُ انعقاد الصوم لا شرط بقائه منعقدًا، ألا ترى أنه يبقى مع النوم والنسيان؟.
والصواب هو القول الأول، وقد اختاره ابن قدامة، ورجَّحه السعدي، والشيخ ابن عثيمين رحمهما الله.
وأما الجواب عن استدلالات الحنفية، فيقال:
إنَّ الإرادة والعزم من أفعال القلوب، فإذا عزم على رفض نية الصوم؛ فقد أتى بنية متصل بها فعل القلب.
وحديث النفس الذي لا يصاحبه عزمٌ وتصميم معفوٌّ عنه بنص الحديث.
وأما إذا صاحبه العزم، والتصميم على الفعل، ولو لم يحصل الفعل ترتب الثواب والعقاب عليه؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج:٢٥].
وفي الحديث: «القاتل والمقتول في النار»، قالوا: يا رسول الله، هذا القاتل،
стр. 2084
فما بال المقتول؟! قال: «إنه كان حريصًا على قتل صاحبه» (١) متفق عليه عن أبي بكرة ﵁ مرفوعًا.
وأما قولهم: إنَّ النية شرطُ انعقاد الصوم لا شرط بقائه.
فالجواب: إنَّ بقاء النية يتناول أمرين:
١) استصحاب الذكر.
٢) استصحاب الحكم.
فأما استصحاب الذكر إلى نهاية العمل؛ فمعفوٌّ عنه للمشقة البالغة التي لم يكلفنا الله بها.
وأما استصحاب الحكم؛ فهو البقاء على استصحاب حكم النية، وهو بأنْ لا ينوي قطعها، ولهذا لا يؤثر النوم، ولا الغفلة في بقاء حكم النية، وهذا الثاني هو الذي يُشترط في بقاء النية. (٢)
стр. 2085
٦٤٠ - وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الفِطْرَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١)
٦٤١ - وَلِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «قَالَ اللهُ : أَحَبُّ عِبَادِي إلَيَّ أَعْجَلُهُمْ فِطْرًا». (٢)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين
مسألة [١]: تعجيل الفطور .
في أحاديث الباب دلالة ظاهرة على استحباب وأفضلية تعجيل الفطر، وقد أخرج الإمام أبو داود (٢٣٥٣) من حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنه قال: «لا يزال الدين ظاهرًا ما عجَّل الناسُ الفطرَ؛ لأنَّ اليهود والنصارى يؤخرون»، وصححه شيخنا في «الجامع الصحيح» (٢/ ٤٢٠).
وظهور الدين مستلزم لدوام الخير، وقد كان النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يُعَجِّل الفطر، ففي «الصحيحين» (٣) من حديث عبد الله بن أبي أوفى قال: كنَّا مع النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في سفر، فلما غربت الشمس قال: «يا فلان، انزل فاجدح لنا»، قال: يا رسول الله، إنَّ عليك
стр. 2086
نهارًا. قال: «انزل فاجدح لنا»، قال: يا رسول الله، لو أمسيت. قال: «انزل فاجدح لنا»، قال: فنزل فجدح لهم، فشرب النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. والعلة في ذلك ما جاء في الحديث المتقدم آنفًا أنه مخالفة لليهود والنصارى.
وقال المهلب: والحكمة في ذلك أنْ لا يُزاد في النهار من الليل، ولأنه أرفق بالصائم، وأقوى له على العبادة.
قال الحافظ ابن حجر ﵀: واتفق العلماء على أنَّ محل ذلك إذا تحقق غروب الشمس بالرؤية، أو بإخبار عدلين، وكذا عدل واحد في الأرجح. اهـ
وقال ابن عبد البر ﵀: والتعجيل إنما يكون بعد الاستيقان بغروب الشمس، ولا يجوز لأحد أن يفطر وهو شاكٌّ: هل غربت الشمس، أم لا؟ لأنَّ الفرض إذا لزم بيقين لم يخرج عنه إلا بيقين، والله يقول: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة:١٨٧]، وأول الليل مغيب الشمس كلها في الأُفُقِ عن أعين الناظرين، ومن شكَّ لزمه التمادي؛ حتى لا يشك في مغيبها. (١)
مسألة [٢]: حكم الإفطار قبل غروب الشمس .
الإفطار قبل غروب الشمس في صوم رمضان يُعَدُّ من الكبائر، وقد أخرج الحاكم (١/ ٤٣٠) (٢/ ٢٠٩)، من حديث أبي أمامة ﵁ في حديث طويل: قال النبي ﷺ : «ثم انطلق بي، فإذا أنا بقوم معلقين بعراقيبهم تسيل أشداقهم دمًا، فقلت: ما هؤلاء؟ قال: هؤلاء الذين يفطرون قبل تحلة صومهم ... ».
стр. 2087
وقد صححه الإمام مقبل بن هادي الوادعي ﵀ في «الجامع الصحيح» (٢/ ٤٢١ - ٤٢٢).
تنبيه: قال الحافظ ابن حجر ﵀: مِنْ الْبِدَع الْمُنْكَرَة مَا أُحْدِثَ فِي هَذَا الزَّمَان مِنْ إِيقَاع الْأَذَان الثَّانِي قَبْل الْفَجْر بِنَحْوِ ثُلُثِ سَاعَةٍ فِي رَمَضَان، وَإِطْفَاء الْمَصَابِيح الَّتِي جُعِلَتْ عَلَامَةً لِتَحْرِيمِ الْأَكْل وَالشُّرْب عَلَى مَنْ يُرِيد الصِّيَام زَعْمًا مِمَّنْ أَحْدَثَهُ أَنَّهُ للِاحْتِيَاطِ فِي الْعِبَادَة، وَلَا يَعْلَم بِذَلِكَ إِلَّا آحَاد النَّاس، وَقَدْ جَرَّهُمْ ذَلِكَ إِلَى أَنْ صَارُوا لَا يُؤَذِّنُونَ إِلَّا بَعْد الْغُرُوب بِدَرَجَةٍ لِتَمْكِينِ الْوَقْت زَعَمُوا، فَأَخَّرُوا الْفِطْر وَعَجَّلُوا السُّحُور، وَخَالَفُوا السُّنَّةَ، فَلِذَلِكَ قَلَّ عَنْهُمْ الْخَيْر، وَكَثُرَ فِيهِمْ الشَّرُّ، وَاَللهُ الْمُسْتَعَانُ. اهـ (١)
مسألة [٣]: هل يجوز الإفطار إذا غلب على الظن أنَّ الشمس قد غربت ؟
• ذهب أكثر أهل العلم إلى جواز ذلك عند عدم القدرة على تيقن الغروب كوجود الغيم.
ويدل عليه ما أخرجه البخاري (١٩٥٩) من حديث أسماء بنت أبي بكر ﵂ قالت: أفطرنا على عهد رسول الله ﷺ يوم غَيْمٍ، ثم طلعت الشمس.
وقد ثبت بأسانيد صحيحة عند ابن أبي شيبة (٣/ ٢٤ - )، والبيهقي (٤/ ٢١٧)، وغيرهما أنَّ ذلك حصل أيضًا في عهد عمر بن الخطاب ﵁. (٢)
стр. 2088
مسألة [٤]: إذا تعجل في الإفطار ظانًّا أنَّ الشمس قد غربت، ثم تبين له أنَّ الشمس لم تغرب؛ فما الحكم ؟
• ذهب الجمهور إلى أنه يجب عليه الإمساك والقضاء، وهو قول مالك، وأحمد، وأبي ثور، ورجَّح ذلك الشيخ ابن باز ﵀.
واستدلوا بما يلي:
١) قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾.
٢) قول هشام بن عروة وهو من رواة حديث أسماء المتقدم عند أن سُئل، فقيل له: فأُمروا بالقضاء؟ فقال: بُدٌّ مِنْ قَضَاء.
٣) ثبت عن عمر بن الخطاب ﵁ عند عبد الرزاق (٤/ ١٧٨) أنه قال بعد أن حصل له ذلك: الخطب يسير، وقد اجتهدنا نقضي يومًا.
٤) قال الحافظ ﵀: ويرجحه أنه لو غُمَّ هلال رمضان، فأصبحوا مفطرين، ثم تبين لهم أنَّ ذلك اليوم من رمضان؛ فالقضاء واجب بالاتفاق، فكذلك هذا.
• وذهب إسحاق، وأحمد في رواية، وداود، وبه قال المزني من الشافعية إلى أنه يجب عليه الإمساك، ولا يجب عليه القضاء، ورجَّحه شيخ الإسلام ابن تيمية، ثم الشيخ ابن عثيمين رحمهما الله.
стр. 2089
واستدلوا بما يلي:
١) قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦].
٢) قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنَّ اللهَ تجاوز عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه»، وهو حديثٌ لا يثبت، له طرقٌ ذكرها الحافظ ابن رجب في «جامع العلوم والحكم» رقم (٣٩) وتكلم عليها بما يشفي ويكفي، ولكن معناه صحيح؛ لدلالة الكتاب والسنة على ما جاء فيه.
٣) حديث: «من نسي وهو صائمٌ، فأكل، أو شرب؛ فليتم صومه ... »، (١) فيقاس عليه من أفطر ظانًّا غروب الشمس بجامع الجهل بالحال؛ فإنَّ كليهما يجهل أنه في حال يحرم عليه الأكل والشرب.
٤) أنَّ الأصل عدم الإيجاب عليه؛ إلا بدليل، فما هو الدليل على وجوب القضاء.
٥) أنَّ الحديث المذكور أعني حديث أسماء ليس فيه أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أمرهم بالقضاء، ولو أمرهم لَنُقِلَ، وهذا القول هو الراجح، وقد اختاره إمام الأئمة ابن خزيمة ﵀.
وأما الرد على أدلة المذهب الأول:
١) أما عن قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾، فهذا قد أفطر ظانًّا أن الليل قد أتى، وقد تقدم أنه يجوز الإفطار لغلبة الظن.
стр. 2090
٢) قول هشام بن عروة (بُدٌّ مِنْ قَضَاء)، يجاب عنه بأنَّ البخاري أورد في «صحيحه» أيضًا أنَّ هشامَ بن عروة سُئل، فقال: لا أدري أقضوا أم لا؟
فهذا يدل على أنه رأى ذلك اجتهادًا منه، وقد قال شيخ الإسلام: أبوه أعلم منه، وقد كان يقول: لا قضاء عليهم.
٣) أما أثر عمر؛ فقد صحَّ عنه، وأورد له البيهقي عدَّةَ طرق. (١)
وقد أخرج عبد الرزاق (٤/ ١٧٩)، والبيهقي (٤/ ٢١٧) عن زيد بن وهب، عن عمر ﵁ أنه قال: والله لا نقضيه، وما تجانفنا لإثم.
وقد خطَّأَ البيهقي رواية زيد بن وهب، ونقل عن يعقوب بن سفيان الفارسي أنه كان يحمل على زيد بن وهب بهذه الرواية المخالفة للروايات المتقدمة، بينما رجَّح شيخ الإسلام رواية زيد بن وهب، وقال: إسنادها أثبت، وعلى كُلٍّ فإنْ صح عن عمر القضاء؛ فهو اجتهاد منه ﵁، والحجة بالكتاب والسنة.
ويمكن أن يُجمع بين الأثرين بأن عمر رأى عدم القضاء، ثم قال: (نقضيه)، أي: احتياطًا، ويشير إليه قوله: الخطب يسير.
٤) الاتفاق الذي نقله الحافظ لم يصح؛ فقد وُجِد الخلاف في الصورة التي ذكرها كما في «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ١٠٩) و «الإنصاف» (٣/ ٢٥٤) و «المحلَّى» (٤/ ٢٩٣ - ٢٩٤).
وقد تقدمت المسألة تحت حديث (٦٣٥). (٢)
стр. 2091
مسألة [٥]: إذا أكل، أو شرب، أو جامع وهو شاك في غروب الشمس ؟
لا يجوز له فعل أي واحد من ذلك، وقد نُقِلَ الإجماع أنَّ عليه القضاء؛ إلا إذا تبين له أنَّ ذلك وقع بعد غروب الشمس، لكن الإجماع لم يصح.
فقد قال ابن حزم ﵀ في «المحلَّى» (٤/ ٣٦٦): ومن أكل شاكًّا في غروب الشمس، أو شرب؛ فهو عاصٍ لله تعالى، مُفسِدٌ لصومه، ولا يقدر على القضاء؛ فإنْ جامع شاكًّا في غروب الشمس؛ فعليه الكفارة. اهـ
ويُحمل كلامه على ما إذا لم يعلم بعد ذلك أنَّ ذلك كان بعد الغروب.
والذي ذهب إليه ابن حزم ﵀ هو الراجح؛ لأنه أفطر متعمدًا، فلا يقدر على القضاء، كما سيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى، والله أعلم.
والعمدة في هذه المسألة هي القاعدة المقررة بالأدلة الشرعية (اليقين لا يزول بالشك)، فبقاء النهار يقين، فلا يكفي الشك في غروب الشمس، والله أعلم. (١)
مسألة [٦]: إذا أفطر شخصٌ لغروب الشمس، ثم أقلعت به الطائرة، فرأى الشمس، فهل يلزمه الإمساك ؟
لا يلزمه الإمساك، ويستمر مُفطِرًا، وحكمه حكم البلد الذي أقلع منها، وقد انتهى النهار وهو فيها.
وأما إذا أقلعت به الطائرة قبل غروب الشمس بدقائق، واستمر معه النهار؛
стр. 2092
فلا يجوز له أن يُفطر، ولا أن يصلي المغرب حتى تغرب الشمس من الجو الذي يسير فيه، حتى ولو مرَّ بسماءِ بلدٍ أهلها قد أفطروا، وصلوا المغرب، وهو في سمائها يرى الشمس.
وهذا مقتضى الأدلة الشرعية، قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾، وقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إذا أقبل الليل من هاهنا، وأدبر النهار من هاهنا؛ فقد أفطر الصائم» (١). (٢)
стр. 2093
٦٤٢ - وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: بركة السحور .
السَّحور: بفتح السين وضمها، فبالفتح اسم للمأكول في وقت السَّحَر، وبالضم اسم للفعل، وهو الأكل.
والمراد بالبركة قيل: الأجر والثواب. فيناسب رواية الضم؛ لأنه مصدر بمعنى التسحر.
وقيل: البركة تحصل بتقوي الصائم على الصيام، ونشاطه له، فيناسب الفتح؛ لأنه برواية الفتح اسم لما يتسحر به.
وفي الحديث دلالة ظاهرة على استحباب السحور، وهناك أدلة أخرى فيها الحث على السحور، منها:
ما أخرجه مسلم في «صحيحه» (١٠٩٦) عن عمرو بن العاص ﵁، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السَّحَر».
وثبت عند النسائي (٤/ ١٤٥) من حديث رجل من أصحاب النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: دخلت على النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وهو يتسحر، فقال: «إنها بركة أعطاكم الله إياها؛ فلا تدعوه».
стр. 2094
مسألة [٢]: حكم السحور .
قال الإمام النووي ﵀: قال ابن المنذر في «الإشراف»: أجمعت الأمة على أنَّ السحور مندوب إليه، مستحبٌّ، لا إثم على من تركه. اهـ
وقال ابن قدامة ﵀: لا نعلم بين العلماء خلافًا يعني في استحبابه. اهـ
قلتُ: وذكر أبو عوانه في «صحيحه» أنَّ الصارف للأوامر من الوجوب إلى الاستحباب هو حديث وصال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مع أصحابه، وسبقه إلى ذلك البخاري ﵀، والله أعلم. (١)
стр. 2095
بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَة
مسألة [١]: تأخير السحور .
يُستحبُّ تأخير السحور؛ لما جاء في «الصحيحين» (١) من حديث أنس بن مالك، عن زيد ابن ثابت ﵄، قال: تسحرنا مع رسول الله ﷺ ، ثم قمنا إلى الصلاة، قلت: كم كان بين الأذان والسحور؟ قال: قدر خمسين آية.
وروى البخاري في «صحيحه» برقم (٥٧٧) من حديث سهل بن سعد ﵁، قال: كنتُ أتسحر في أهلي، ثم يكون بي سرعة أن أدرك صلاة الفجر مع رسول الله ﷺ . (٢)
مسألة [٢]: ما يحصل به السحور .
قال ابن قدامة، ثم الحافظ ابن حجر رحمهما الله: يحصل السحور بأقل ما يتناول المرء من مأكول، أو مشروب. اهـ
وقد أخرج هذا الحديث أحمد (٣/ ١٢)، من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ مرفوعًا بلفظ: «إنَّ السحور بركة؛ فلا تدعوه، ولو أن يجرع أحدكم جرعة من ماء؛ فإنَّ الله وملائكته يصلون على المتسحرين»، لكن هذا الحديث في سنده: رفاعة أبو رفاعة، وهو مجهول الحال، وفيه عنعنة يحيى بن أبي كثير، وله طريق أخرى عند أحمد (٣/ ٤٤)، وفي إسناده: عبدالرحمن ابن زيد بن أسلم، وهو متفق على
стр. 2096
ضعفه، ويشهد لأوله حديث أنس المتقدم في الباب.
ويشهد لوسطه -أعني قوله: «ولو أن يجرع أحدكم جرعة من ماء» - حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عند ابن حبان (٣٤٧٦)، وفي إسناده: عمران القطان، وهو ضعيف.
وأما آخره فلم أجد له شاهدًا يصلح لتقويته. وقد جاء من حديث ابن عمر عند ابن حبان (٣٤٦٧)، والطبراني في «الأوسط» (٦٤٣٤)، وأبي نعيم في «الحلية» (٨/ ٣٢٠)، وهو من طريق عبد الله بن سليمان المصري، عن نافع، عن ابن عمر به.
قال ابن أبي حاتم في «العلل» (١/ ٢٤٣): قال أبي: هذا حديث منكر. اهـ وعبد الله بن سليمان المصري الطويل، قال فيه البزار إنه حدث بأحاديث لم يتابع عليها.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: والأشبه أنه إنْ قدر على الأكل؛ فهو السنة. اهـ. (١)
مسألة [٣]: آخر وقت السحور، وهو أول وقت الصيام .
• مذهب الشافعي، وأحمد، وأبي حنيفة، ومالك، وجماهير العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم أنه يحرم الطعام، والشراب، والجماع بطلوع الفجر الثاني؛
стр. 2097
لقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة:١٨٧].
ويدل على ذلك حديث عدي بن حاتم في «الصحيحين» أنه قال: يا رسول الله، إني أجعل تحت وسادتي عقالين عِقالًا أبيض، وعقالًا أسود أعرف الليل والنهار، فقال له رسول الله ﷺ : «إنَّ وسادك لعريض، إنما هو سواد الليل وبياض النهار»، وبنحوه أيضًا في «الصحيحين» عن سهل بن سعد ﵁. (١)
وفي «الصحيحين» (٢) أيضًا عن عبد الله بن مسعود ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يمنعن أحدكم أذانُ بلال من سحوره؛ فإنه يؤذن بليل ليرجع قائمكم، ويوقظ نائمكم، وليس أن يقول: هكذا، وهكذا»، وصوب بيده ورفعها، «حتى يقول: هكذا»، وفرَّج بين أصبعيه.
وفي «صحيح مسلم» برقم (١٠٩٤) عن سمرة بن جندب ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يغرَّنَّكم أذان بلال، ولا هذا البياض -لعمود الصبح- حتى يستطير».
• وحكى ابن المنذر عن طائفة أنهم أجازوا الأكل والشرب بعد طلوع الفجر إلى أن ينتشر البياض في الطرق، والسكك، والبيوت، وهذا القول شاذٌّ، وقد حُكِيَ عن الأعمش، ومسروق.
стр. 2098
وقال إسحاق: وبالقول الأول أقول، لكن لا أطعن على من تأول الرخصة كالقول الثاني، ولا أرى عليه قضاء ولا كفارة. اهـ
وقد جاء في هذا حديث مرفوعٌ، فأخرج أحمد (٥/ ٤٠٠، ٤٠٥)، والنسائي في «الكبرى» (٢/ ٧٧) عن حذيفة، أنه قال: كان بلال يأتي النبي ﷺ وهو يتسحر، وإني لأبصر مواقع نبلي. قلت: أبعد الصبح؟ قال: بعد الصبح؛ إلا أنها لم تطلع الشمس، واللفظ لأحمد.
ولكن هذا الحديث مُعَلٌّ؛ فإنه من طريق: عاصم بن أبي النجود، عن زر، عن حذيفة به مرفوعًا.
وقد خالفه عدي بن ثابت، وَصِلَةُ بن زُفَر، وكل واحد منهما أوثق منه، فجعلا الحديث موقوفًا على حذيفة، وخالفاه باللفظ.
أخرجه النسائي في «الكبرى» (٢/ ٧٧)، ولفظه: قال زر: تسحرت مع حذيفة، ثم خرجنا إلى الصلاة، فلما أتينا المسجد صلينا ركعتين، وأُقيمت الصلاة، وليس بينهما إلا هنية.
قال النسائي ﵀ كما في «تحفة الأشراف» (٣/ ٣٢): لا نعلم أحدًا رفعه غير عاصم. اهـ
وقال ابن مفلح ﵀ في «الفروع» (٣/ ٧٠): عاصم في حديثه اضطراب، ونكارة، فرواية الأثبات أولى. اهـ
стр. 2099
قال الجوزقاني ﵀ في «الأباطيل» (٢/ ١٠٥): هذا حديثٌ منكر، وقول عاصم (هو النهار؛ إلا أنَّ الشمس لم تطلع) خطأ منه، وهو وهم فاحش؛ لأنَّ عديًّا رواه عن زر بن حبيش بخلاف ذلك، وعدي أحفظ وأثبت من عاصم. اهـ
وقد أورد هذا الحديث شيخنا في «أحاديث معلة» ثم قال: وحديث عاصم بن أبي النجود يزداد ضعفًا أنه خالف قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾. (١)
مسألة [٤]: إذا استمر في الأكل والشرب أثناء الأذان ؟
إذا كان المؤذن لا يؤذن إلا بعد تيقن طلوع الفجر؛ فإنَّ الواجب الإمساك؛ لقول النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم». (٢)
وإنْ كان المؤذن يؤذن ولم يتيقن طلوع الفجر؛ فيجوز له أن يأكل حتى يفرغ المؤذن ما دام لم يتيقن؛ لأنَّ الأصل بقاء الليل، وقد قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾.
والأولى والأحوط له أن يمسك احتياطًا لدينه، ولقول النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك». (٣)
стр. 2100
هذا قول جماهير العلماء من المتقدمين كما تقدم، وبهذا أفتى سماحة الشيخ ابن باز، والشيخ ابن عثيمين، والشيخ مقبل الوادعي رحمة الله عليهم أجمعين، ثم رأيت شيخ الإسلام قد أفتى بهذا أيضًا. (١)
مسألة [٥]: هل يجوز الأكل والشرب مادام شاكًّا في طلوع الفجر ؟
الذي عليه الجمهور هو الجواز؛ لقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾.
والأصل بقاء الليل، ولا يزول ذلك إلا بيقين، وقد نقل بعضهم في ذلك الإجماع.
قال شيخ الإسلام ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ٢٦٠): والشَّاكُّ في طلوع الفجر يجوز له الأكل، والشرب، والجماع بالاتفاق. اهـ
والصحيح وجود الخلاف، فقد خالف مالك كما في «المجموع» (٦/ ٣٠٦)، و «الفتح» (٤/ ١٦١). (٢)
مسألة [٦]: إذا أكل ظانًّا أنَّ الفجر لم يطلع فتبين له أنَّ الفجر قد طلع ؟
الحكم في هذه المسألة كالحكم المتقدم في من أكل ظانًّا أنَّ الشمس قد غربت.
стр. 2101
وقد تقدم أنَّ الصحيح أنَّ عليه الإمساك، وليس عليه القضاء.
راجع المسألة تحت حديث رقم (٦٤٠).
مسألة [٧]: إذا أذن المؤذن لصلاة الفجر، والشراب في اليد أيشربه أم لا ؟
ورد في هذه المسألة أحاديث، أحسنها ما أخرجه أحمد (١٠٦٢٩، و ١٠٦٣٠)، وأبو داود (٢٣٥٠) وغيرهما، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «إذا سمع أحدكم النداء والإناء على يده، فلا يضعه حتى يقضي حاجته منه».
قال ابن أبي حاتم في «العلل» (٣٤٠): سألت أبي عن حديث رواه روح بن عبادة، عن حماد، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا سمع أحدكم النداء والإناء على يده، فلا يضعه حتى يقضي حاجته منه».
قلت لأبي: وروى روح أيضا عن حماد، عن عمار بن أبي عمار، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، مثله، وزاد فيه: وكان المؤذن يؤذن إذا بزغ الفجر.
قال أبي: هذان الحديثان ليسا بصحيحين؛ أما حديث عمار: فعن أبي هريرة موقوف، وعمار ثقة. والحديث الآخر: ليس بصحيح. اهـ
وله شاهد من مراسيل الحسن البصري ﵀:
أخرجه أحمد (٢/ ٤٢٣) عن غسان، عن حماد بن سلمة، عن يونس، عن الحسن به.
стр. 2102
وهذا إسناد ضعيف؛ غسان هو ابن الربيع، وفيه ضعف، والحسن رواه مرسلًا. ولكنه يقوى ما قبله، وما بعده.
وله شاهد من حديث جابر بن عبد الله ﵄:
أخرجه أحمد (٣/ ٣٤٨) من طريق ابن لهيعة، عن أبي الزبير، قال: سألت جابرًا عن الرجل يريد الصيام، والإناء على يده ليشرب منه، فيسمع النداء؟ قال جابر: كنا نُحدَّث أن النبي ﷺ قال: ليشرب.
وهذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ لضعف ابن لهيعة، والحديث حسن بما تقدم له من شواهد، والله أعلم.
قال أبو عبد الله غفر الله له: هذه الأحاديث تدل على مشروعية تناول ما رفعه إلى فيه ليشربه أو يأكله، ومثل ذلك إن كان الطعام، أو الشراب قد صار في فمه، ولا يلتحق بذلك ما لم يكن قد رفعه في يده، والله أعلم.
وقد تأول أكثر الفقهاء هذا الحديث، ولم يقولوا به، والأخذ بظاهره أسلم، والله أعلم.
وقال الإمام الألباني ﵀ كما «تمام المنة» (ص ٤١٧): وفيه دليل على أن من طلع عليه الفجر، وإناء الطعام أو الشراب على يده: أنه يجوز له أن لا يضعه؛ حتى يأخذ حاجته منه؛ فهذه الصورة مستثناة من الآية: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ فلا تعارض بينها وما في معناها من
стр. 2103
الأحاديث، وبين هذا الحديث ولا إجماع يعارضه. اهـ المراد.
وقال الشيخ عبد المحسن العباد عافاه الله في «شرح سنن أبي داود» (١٣/ ٧٨): إذا كان المؤذن الذي يؤذن يعتمد عليه في معرفة الوقت؛ فإن الإنسان إذا كان قد بدأ يشرب فإنه يكمل الشرب، ولكنه لا يبدأ بعد الأذان، وكونه عندما يسمع الأذان يبادر ويذهب ليشرب لا يجوز له ذلك؛ لأن الأذان حصل بعد دخول الوقت، وإذا دخل وقت الفجر؛ فإنه يمنع الأكل ويبيح الصلاة، أي: صلاة الفجر؛ لأنه جاء وقتها، والأكل ذهب وقته في حق من يريد أن يصوم.
فمن أذن المؤذن وهو يشرب؛ فإنه يكمل الشرب، وإذا كان لم يبدأ فإنه لا يجوز له، وهذه المسألة من ضمن المسائل التي يقال فيها: يجوز في الاستدامة ما لا يجوز في الابتداء، يعني: أن الإنسان لا يجوز له أن يبدأ الشرب، ولكنه إذا كان قد بدأ يكمل، وليس معناه: أن الذي في فمه يقذفه ولا يشرب، بل يبلع الذي في فمه ويكمل أيضًا؛ لأن الذي جاء عنه التحديد جاء عنه استثناء هذه الحالة، فيجوز في الاستدامة ما لا يجوز في الابتداء. اهـ
стр. 2104
٦٤٣ - وَعَنْ سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ الضَّبِّيِّ (﵁) عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إذَا أَفْطَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيُفْطِرْ عَلَى تَمْرٍ؛ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيُفْطِرْ عَلَى مَاءٍ؛ فَإِنَّهُ طَهُورٌ». رَوَاهُ الخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ وَالحَاكِمُ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: ما الذي يُستحبُّ أن يُفطر عليه ؟
دلَّ حديثُ البابِ على استحباب الفطر على الرطب والتمر، وإلا فالماء، وهو حديث ضعيفٌ كما تقدم.
وقد أخرج الترمذي في «سننه» (٦٩٦)، من حديث أنس بن مالك ﵁، قال: كان النبي ﷺ يُفطر قبل أن يصلي على رطبات؛ فإنْ لم تكن رطبات فتميرات؛ فإنْ لم تكن تميرات حسا حسوات من الماء.
وقد حسَّنه الإمام الوادعي ﵀ في «الجامع الصحيح مما ليس في الصحيحين» (٢/ ٤١٩ - ٤٢٠).
ثم رأيت أبا حاتم، وأبا زرعة قد أنكراه كما في «العلل» لابن أبي حاتم (١/ ٢٢٤ - ٢٢٥)، فقالا: لا نعلم روى هذا الحديث غير عبد الرزاق، ولا ندري من أين جاء عبد الرزاق. اهـ
стр. 2105
قلتُ: الحديثُ مَدارُه على عبد الرزاق، عن جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس، وقد ذكره الذهبي في «الميزان» في ترجمة جعفر بن سليمان، وذكر أنَّ هذا الحديث مما أُنكِر عليه.
قلتُ: فعلى هذا فيفطر الإنسان على ما تيسر له من الطيبات، حتى ولو على شربة ماء، فقد ثبت عند أبي يعلى (٣٧٩٢)، وابن حبان (٣٥٠٤)، من حديث أنس ﵁ قال: ما رأيت النبي ﷺ قَطُّ صلى صلاة المغرب حتى يُفطر، ولو كان على شربة ماء.
وتقدم حديث ابن أبي أوفى، وفيه: «يا فلان، انزل فاجدح لنا».
وَالْجدْح هو: تَحْرِيك السَّوِيق وَنَحْوه بِالْمَاءِ بِعُودٍ يُقَال لَهُ: الْمِجْدَحُ مُجَنَّح الرَّأْس، والسويق هو دقيق القمح، والشعير، يُقْلَى ثم يُطحَن، والله أعلم. (١)