← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 165

فتح العلام في دراسة أحاديث بلوغ المرام ط 4

محمد بن علي بن حزام البعداني

Полный текст (5 956 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.

стр. 2101

وقد تقدم أنَّ الصحيح أنَّ عليه الإمساك، وليس عليه القضاء. راجع المسألة تحت حديث رقم (٦٤٠). مسألة [٧]: إذا أذن المؤذن لصلاة الفجر، والشراب في اليد أيشربه أم لا ؟ ورد في هذه المسألة أحاديث، أحسنها ما أخرجه أحمد (١٠٦٢٩، و ١٠٦٣٠)، وأبو داود (٢٣٥٠) وغيرهما، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «إذا سمع أحدكم النداء والإناء على يده، فلا يضعه حتى يقضي حاجته منه». قال ابن أبي حاتم في «العلل» (٣٤٠): سألت أبي عن حديث رواه روح بن عبادة، عن حماد، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا سمع أحدكم النداء والإناء على يده، فلا يضعه حتى يقضي حاجته منه». قلت لأبي: وروى روح أيضا عن حماد، عن عمار بن أبي عمار، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، مثله، وزاد فيه: وكان المؤذن يؤذن إذا بزغ الفجر. قال أبي: هذان الحديثان ليسا بصحيحين؛ أما حديث عمار: فعن أبي هريرة موقوف، وعمار ثقة. والحديث الآخر: ليس بصحيح. اهـ وله شاهد من مراسيل الحسن البصري ﵀: أخرجه أحمد (٢/ ٤٢٣) عن غسان، عن حماد بن سلمة، عن يونس، عن الحسن به.

стр. 2102

وهذا إسناد ضعيف؛ غسان هو ابن الربيع، وفيه ضعف، والحسن رواه مرسلًا. ولكنه يقوى ما قبله، وما بعده. وله شاهد من حديث جابر بن عبد الله ﵄: أخرجه أحمد (٣/ ٣٤٨) من طريق ابن لهيعة، عن أبي الزبير، قال: سألت جابرًا عن الرجل يريد الصيام، والإناء على يده ليشرب منه، فيسمع النداء؟ قال جابر: كنا نُحدَّث أن النبي ﷺ قال: ليشرب. وهذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ لضعف ابن لهيعة، والحديث حسن بما تقدم له من شواهد، والله أعلم. قال أبو عبد الله غفر الله له: هذه الأحاديث تدل على مشروعية تناول ما رفعه إلى فيه ليشربه أو يأكله، ومثل ذلك إن كان الطعام، أو الشراب قد صار في فمه، ولا يلتحق بذلك ما لم يكن قد رفعه في يده، والله أعلم. وقد تأول أكثر الفقهاء هذا الحديث، ولم يقولوا به، والأخذ بظاهره أسلم، والله أعلم. وقال الإمام الألباني ﵀ كما «تمام المنة» (ص ٤١٧): وفيه دليل على أن من طلع عليه الفجر، وإناء الطعام أو الشراب على يده: أنه يجوز له أن لا يضعه؛ حتى يأخذ حاجته منه؛ فهذه الصورة مستثناة من الآية: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ فلا تعارض بينها وما في معناها من

стр. 2103

الأحاديث، وبين هذا الحديث ولا إجماع يعارضه. اهـ المراد. وقال الشيخ عبد المحسن العباد عافاه الله في «شرح سنن أبي داود» (١٣/ ٧٨): إذا كان المؤذن الذي يؤذن يعتمد عليه في معرفة الوقت؛ فإن الإنسان إذا كان قد بدأ يشرب فإنه يكمل الشرب، ولكنه لا يبدأ بعد الأذان، وكونه عندما يسمع الأذان يبادر ويذهب ليشرب لا يجوز له ذلك؛ لأن الأذان حصل بعد دخول الوقت، وإذا دخل وقت الفجر؛ فإنه يمنع الأكل ويبيح الصلاة، أي: صلاة الفجر؛ لأنه جاء وقتها، والأكل ذهب وقته في حق من يريد أن يصوم. فمن أذن المؤذن وهو يشرب؛ فإنه يكمل الشرب، وإذا كان لم يبدأ فإنه لا يجوز له، وهذه المسألة من ضمن المسائل التي يقال فيها: يجوز في الاستدامة ما لا يجوز في الابتداء، يعني: أن الإنسان لا يجوز له أن يبدأ الشرب، ولكنه إذا كان قد بدأ يكمل، وليس معناه: أن الذي في فمه يقذفه ولا يشرب، بل يبلع الذي في فمه ويكمل أيضًا؛ لأن الذي جاء عنه التحديد جاء عنه استثناء هذه الحالة، فيجوز في الاستدامة ما لا يجوز في الابتداء. اهـ

стр. 2104

٦٤٣ - وَعَنْ سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ الضَّبِّيِّ (﵁) عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إذَا أَفْطَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيُفْطِرْ عَلَى تَمْرٍ؛ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيُفْطِرْ عَلَى مَاءٍ؛ فَإِنَّهُ طَهُورٌ». رَوَاهُ الخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ وَالحَاكِمُ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: ما الذي يُستحبُّ أن يُفطر عليه ؟ دلَّ حديثُ البابِ على استحباب الفطر على الرطب والتمر، وإلا فالماء، وهو حديث ضعيفٌ كما تقدم. وقد أخرج الترمذي في «سننه» (٦٩٦)، من حديث أنس بن مالك ﵁، قال: كان النبي ﷺ يُفطر قبل أن يصلي على رطبات؛ فإنْ لم تكن رطبات فتميرات؛ فإنْ لم تكن تميرات حسا حسوات من الماء. وقد حسَّنه الإمام الوادعي ﵀ في «الجامع الصحيح مما ليس في الصحيحين» (٢/ ٤١٩ - ٤٢٠). ثم رأيت أبا حاتم، وأبا زرعة قد أنكراه كما في «العلل» لابن أبي حاتم (١/ ٢٢٤ - ٢٢٥)، فقالا: لا نعلم روى هذا الحديث غير عبد الرزاق، ولا ندري من أين جاء عبد الرزاق. اهـ

стр. 2105

قلتُ: الحديثُ مَدارُه على عبد الرزاق، عن جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس، وقد ذكره الذهبي في «الميزان» في ترجمة جعفر بن سليمان، وذكر أنَّ هذا الحديث مما أُنكِر عليه. قلتُ: فعلى هذا فيفطر الإنسان على ما تيسر له من الطيبات، حتى ولو على شربة ماء، فقد ثبت عند أبي يعلى (٣٧٩٢)، وابن حبان (٣٥٠٤)، من حديث أنس ﵁ قال: ما رأيت النبي ﷺ قَطُّ صلى صلاة المغرب حتى يُفطر، ولو كان على شربة ماء. وتقدم حديث ابن أبي أوفى، وفيه: «يا فلان، انزل فاجدح لنا». وَالْجدْح هو: تَحْرِيك السَّوِيق وَنَحْوه بِالْمَاءِ بِعُودٍ يُقَال لَهُ: الْمِجْدَحُ مُجَنَّح الرَّأْس، والسويق هو دقيق القمح، والشعير، يُقْلَى ثم يُطحَن، والله أعلم. (١)

стр. 2106

بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَة مسألة [١]: دعاء الإفطار . جاءت أدعية عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ولم يصح منها شيءٌ. فجاء عنه أنه كان يقول: «اللهم لك صمنا، وعلى رزقك أفطرنا، فتقبل منا إنك أنت السميع العليم»، أخرجه الدارقطني (٢/ ١٨٥)، من طريق عبد الملك ابن هارون بن عنترة، عن أبيه، عن جده، عن ابن عباس به. وعبد الملك بن هارون بن عنترة متروك، وأبوه ضعيفٌ. وأخرجه الطبراني من حديث أنس في «الأوسط» (٧٥٤٥)، و «الصغير» (٩١٢) بلفظ: «بسم الله، اللهم لك صمت، وعلى رزقك أفطرتُ»، وفي سنده: إسماعيل بن عمرو، ضعيفٌ، وداود بن الزبرقان متروكٌ. وجاء عند أبي داود (٢٣٥٧) من حديث ابن عمر ﵄ مرفوعًا: كان يقول: «ذهب الظمأُ، وابتلت العروق، وثبت الأجر إن شاء الله تعالى»، ولكنه ضعيفٌ أيضًا؛ ففي سنده: مروان بن سالم بن المقفع، وهو مجهول الحال. (١) فائدة: حديث: «إنَّ للصائم عند فطره دعوة لا تُردُّ»، أخرجه ابن ماجه (١٧٥٣)، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، ولا يثبت؛ لأنَّ في إسناده

стр. 2107

إسحاق بن عبيدالله بن أبي المهاجر، وهو مجهول. وللحديث طريق أخرى عند الطيالسي (٢٢٦٢)، وفي إسناده: أبو محمد المليكي. قال الإمام الألباني ﵀ في «الإرواء» (٩٢١): لم أعرفه، ويحتمل أنه عبدالرحمن بن أبي بكر بن عبيدالله بن أبي مليكة المدني؛ فإن يكن هو؛ فإنه ضعيف كما في «التقريب»، بل قال النسائي: ليس بثقة، وفي روايةٍ: متروك الحديث. اهـ وضعَّف الحديث شيخُنا الوادعي في تعليقه على «تفسير ابن كثير» عند قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة:١٨٦] الآية. ولكن قد ثبت عند ابن ماجه (١٧٥٢) من حديث أبي هريرة ﵁، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «ثلاثة لا ترد دعوتهم: الإمام العادل، والصائم حتى يفطر، ودعوة المظلوم يرفعها الله دون الغمام يوم القيامة، وتفتح لها أبواب السماء، ويقول: بعزتي لأنصرنك ولو بعد حين»، وقد صححه شيخنا في «الجامع الصحيح» (٢/ ٥٠٦). مسألة [٢]: يطول النهار في بعض البلدان أكثر من أربع وعشرين ساعة، فهل يلزمهم إمساك النهار كاملا ؟ إذا كان لديهم نهار وليل في ظرف أربعة وعشرين ساعة؛ فيلزمهم إمساك النهار كله، ولو كان عشرين ساعة؛ لعموم الأدلة، كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى

стр. 2108

اللَّيْلِ﴾، وقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إذا أقبل الليل من هاهنا، وأدبر النهار من هاهنا، وغربت الشمس؛ فقد أفطر الصائم» متفق عليه عن عمر ﵁. وأما إذا كان نهارهم يطول على أربعة وعشرين ساعة، كأنْ يستمر ما يقارب يومين أو ثلاثة، أو أكثر، أو أقل؛ فيقدرون ليلهم ونهارهم على أقرب بلد إليهم يتميز فيه الليل والنهار؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في قصة الدجال بعد أن ذكر أنَّ بعض أيامه تعدل سنة، وبعضها شهرًا، فقال له الصحابة: فذلك اليوم الذي كسنة، أتجزئنا فيه صلاة يوم؟ قال: «لا، اقدروا له قدره». أخرجه مسلم (٢٩٣٧). وبذلك أفتى سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، وهيئة كبار العلماء في المملكة. (١)

стр. 2109

٦٤٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الوِصَالِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ: فَإِنَّك يا رسول الله تُوَاصِلُ؟ فَقَالَ: «وَأَيُّكُمْ مِثْلِي؟ إنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي» فَلَمَّا أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا عَنِ الوِصَالِ وَاصَلَ بِهِمْ يَوْمًا، ثُمَّ يَوْمًا ثُمَّ رَأَوْا الهِلَالَ، فَقَالَ: «لَوْ تَأَخَّرَ الهِلَالُ لَزِدْتُكُمْ» كَالمُنَكِّلِ لَهُمْ حِينَ أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: معنى قوله: «يطعمني ربي ويسقيني» . • فيه ثلاثة أقوال: الأول: أنه على حقيقته، وأنه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يُؤتى بطعام، وشراب من عند الله كرامةً له في ليالي صيامه، وَتُعُقِّبَ بأنه لو أكل حقيقةً لم يبق وصال، وكذلك فقد قال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في حديث أنس: «إني أظل يطعمني ربي ويسقيني» أخرجه مسلم (١١٠٤) (٦٠)، ولا يقال: (ظل) إلا في النهار، فلو كان الأكل والشرب حقيقةً لم يكن صائمًا. الثاني: قول الجمهور أنه مجاز عن لازم الطعام والشراب، وهو القوة، فكأنه قال: يعطيني قوةَ الآكل والشارب. الثالث: قال ابن القيم ﵀: المراد ما يغذيه الله من معارفه، وما يفيضه على قلبه من لذة مناجاته، وقرة عينه بقربه، وتنعمه بحبه، والشوق إليه، وتوابع ذلك

стр. 2110

من الأحوال التي هي غذاء القلوب حتى يُغني عن غذاء الأجسام برهةً من الزمان كما قيل: لها أحاديث من ذكراك تشغلها ... عن الشراب وتلهيها عن الزاد لها بوجهك نور يستضاء به ... ومن حديثك في أعقابها حادي قال أبو عبدالله غفر الله له: قول ابن القيم يرجع إلى قول الجمهور، وقد قال به قبله شيخ الإسلام ﵀، وهو الصحيح، وبالله التوفيق. (١) مسألة [٢]: حكم الوصال في الصيام . • اختلفوا في حكمه على أقوال: القول الأول: جواز ذلك لمن لم يشق عليه، وقد جاء عن عبد الله بن الزبير بأسانيد صحيحة عند ابن أبي شيبة، (٢) وغيره أنه كان يواصل، فربما واصل خمسة عشر يومًا، وربما واصل سبعة أيامٍ، وهكذا. وذهب إلى ذلك أيضًا أخت أبي سعيد الخدري، (٣) ومن التابعين: عبدالرحمن ابن أبي نُعْم، وعامر بن عبد الله بن الزبير، وإبراهيم التيمي، وأبو الجوزاء. وحُجَّةُ أهل هذا القول أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- واصل بهم بعد أن نهاهم، فَعُلِمَ أنه أراد الرحمة بهم، والتخفيف عنهم.

стр. 2111

القول الثاني: التحريم، وهو مذهب الجمهور، ونصَّ عليه الشافعي في «الأم»، وهو مذهب أبي حنيفة، ومالك، وصرَّح به ابن حزمٍ، وصححه ابن العربي، وصرَّح به الشوكاني في «الدراري» وصديق في «الروضة». واستدلوا: ١) بنهي النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كما في حديث الباب، وجاء من حديث ابن عمر، وعائشة، وأنس ﵃ كما في «الصحيحين»، (١) ومن حديث أبي سعيد الخدري ﵁ في «البخاري» (١٩٦٣). ٢) قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في حديث أبي هريرة ﵁: «لو تأخر الهلال؛ لزدتكم» كالْمُنَكِّلِ بهم حين أَبوا أن ينتهوا. ٣) قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في حديث أنس: «أَمَا وَالله، لَوْ تَمَادَّ لِي الشَّهْرُ؛ لَوَاصَلْتُ وِصَالًا يَدَعُ الْمُتَعَمِّقُونَ تَعَمُّقَهُمْ»، فسماهم متعمِّقين، وقد قال -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُون» قالها ثلاثًا. رواه مسلم (٢٦٧٠) عن ابن مسعود ﵁. ٤) قالوا: وقد ذكر في الحديث ما يدل على أنَّ الوصال من خصائصه، فقال: «إني لست كهيئتكم»، ولو كان مباحًا لهم؛ لم يكن من خصائصه. ٥) ما أخرجه أحمد (٥/ ٢٢٥)، والطبراني (١٢٣١)، وغيرهما بإسناد صحيح، أنَّ ليلى امرأة بشير بن الخصاصية ﵄ قالت: أردت أن أصوم يومين مواصلة، فمنعني بشير، وقال: إنَّ النبي ﷺ نهى عن هذا، وقال: «يفعل ذلك

стр. 2112

النصارى، ولكن صوموا كما أمركم الله تعالى وأتموا الصيام إلى الليل، فإذا كان الليل فأفطروا». القول الثالث: الكراهة، وهو مذهب الحنابلة، ورجَّحه الحافظ في «الفتح»، والشوكاني في «النيل». واستدلوا: ١) بأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- واصل بأصحابه؛ فدلَّ ذلك على الجواز مع الكراهة جمعًا بين الأدلة. ٢) بما أخرجه أبو داود (٢٣٧٤) وغيره من طريق: عبد الرحمن بن أبي ليلى عن رجل من الصحابة قال: نهى النبي ﷺ عن الحجامة، والمواصلة، ولم يحرمهما إبقاءً على أصحابه. ٣) ما رواه البزار كما في «كشف الأستار» (١٠٢٤)، والطبراني (٧٠١١) (٧٠١٢) من حديث سمرة: نهى النبي ﷺ عن الوصال، وليس بالعزيمة. ٤) إقدام الصحابة على الوصال بعد النهي، فدلَّ على أنهم فهموا أنَّ النهي للتنزيه لا للتحريم، وإلا لما أقدموا عليه. والصحيح -والله أعلم- هو المذهب الثاني -أعني قول الجمهور-؛ للأدلة التي ذكروها، وقد رجَّح ذلك الإمام ابن عثيمين ﵀.

стр. 2113

وأما الرَّدُّ على أدلة المذهب الثالث والأول فكما يلي: ١) أما عن مواصلة النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بأصحابه؛ فلم يكن تقريرًا لهم، كيف وقد نهاهم؟ ولكن تقريعًا وتنكيلًا، فاحتمل منهم الوصال بعد نهيه لأجل مصلحة النهي في تأكيد زجرهم؛ لأنهم إذا باشروه ظهرت لهم حكمة النهي، وليس إقراره لهم على الوصال لهذه المصلحة الرَّاجحة بأعظم من إقرار الأعرابي على البول في المسجد لمصلحة التأليف، ولئلا ينفر عن الإسلام، ولا بأعظم من إقراره المسيء في صلاته على الصلاة التي أخبرهم النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنها ليست بصلاة؛ لمصلحة تعليمه وقبوله بعد الفراغ؛ فإنه أبلغ في التعليم والتعلم. انتهى من «زاد المعاد» بتصرفٍ يسير. ٢) ما أخرجه أبو داود إسنادُه صحيحٌ، وقد صرَّح عبد الرحمن بالتحديث من هذا الصحابي، ولكن قوله: (ولم يحرمهما) إنما هو فهمٌ من هذا الصحابي كما فهم ذلك عبدالله بن الزبير، ولم يَعْنِ هذ الصحابي أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: (ليس بحرام). ٣) وأما حديث سمرة؛ فضعيفٌ، وقد ضعَّفَهُ الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٣/ ١٥٨)، وسبب ضعفه هو: جعفر بن سعد بن سمرة، وهو ضعيفٌ، وسليمان بن سمرة بن جندب، وهو مجهول. ٤) أنَّ فعل الصحابة الذين واصلوا ليس بحجة علينا، بل الأمر كما قال ابن حزم ﵀: يجعلنا نعلم أنه لا حجة في قول أحد غير الله ورسوله ﷺ .اهـ

стр. 2114

ومع هذا فإن كبار الصحابة لم يواصلوا كأبي بكر، وعمر، وغيرهما ممن هو أسبق إلى فعل الخيرات ممن واصل، والله أعلم. (١) مسألة [٣]: الوصال إلى السَّحَر . • ذهب أحمد، وإسحاق، وابن المنذر، وابن خزيمة، وجماعةٌ من المالكية إلى جواز الوصال إلى السَّحر؛ لحديث أبي سعيد عند البخاري (١٩٦٣)، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «فأيُّكم أراد أن يواصل؛ فليواصل إلى السَّحَر». واستدل من منع بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إذا أدبر النهار من هاهنا، وأقبل الليل من هاهنا؛ فقد أفطر الصائم» متفق عليه عن عمر ﵁؛ إذ لم يجعل الليل محلًّا لسوى الفطر، فالصوم فيه مخالفة لوضعه كيوم الفطر. والجواب عن ذلك: هو ما قاله الإمام الصنعاني ﵀ في «سبل السلام» بعد أن ذكر الحديث الذي استدل به المخالِف: فإنه لا ينافي الوصال؛ لأنَّ المراد بـ (أفطر) دخل وقت الإفطار، لا أنه صار مُفطِرًا حقيقةً؛ لأنه لو صار مُفطِرًا حقيقةً لما ورد الحث على التعجيل بالإفطار، ولا النهي عن الوصال، ولا استقام الإذن بالوصال إلى السحر. اهـ

стр. 2115

وقال الإمام الشوكاني ﵀: فإنْ كان اسم (الوصال) إنما يصدق على إمساك جميع الليل؛ فلا معارضة بين الأحاديث، وإنْ كان يصدق على أعم من ذلك؛ فيُبْنَى العام على الخاص، ويكون المحرم ما زاد على الإمساك إلى ذلك الوقت. اهـ والراجح هو المذهب الأول، وهو الجواز، وقد رجَّح ذلك ابن القيم ﵀. (١)

стр. 2116

٦٤٥ - وَعَنْهُ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالعَمَلَ بِهِ وَالجَهْلَ، فَلَيْسَ للهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَأَبُودَاوُد، وَاللَّفْظُ لَهُ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «فليس لله حاجة في أنْ يدع طعامه وشرابه» . قال ابن بَطَّال ﵀: لَيْسَ مَعْنَاهُ أَنْ يُؤْمَرَ بِأَنْ يَدَعَ صِيَامَهُ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ التَّحْذِير مِنْ قَوْلِ الزُّورِ وَمَا ذُكِرَ مَعَهُ. اهـ «شرح ابن بطال». قال الحافظ ﵀: ولَا مَفْهُومَ لذلك؛ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَحْتَاجُ إِلَى شَيْء، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ: فَلَيْسَ لله إِرَادَةٌ فِي صِيَامِهِ، فَوَضَعَ الْحَاجَةَ مَوْضِعَ الْإِرَادَةِ، وقَالَ اِبْن الْمُنَيِّرِ: هُوَ كِنَايَة عَنْ عَدَمِ الْقَبُولِ، كَمَا يَقُولُ الْمُغْضَب لِمَنْ رَدَّ عَلَيْهِ شَيْئًا طَلَبه مِنْهُ فَلَمْ يَقُمْ بِهِ: لَا حَاجَةَ لِي بِكَذَا. اهـ «الفتح». مسألة [٢]: شهادة الزور، والغيبة، والمعاصي هل تبطل الصوم ؟ • ذهب الأوزاعي ﵀ إلى أنَّ الغيبة تبطل الصوم، وألحق ابن حزم بالغيبة جميع المعاصي، فذهب إلى أنَّ أي معصية تبطل الصوم، واحتجا بحديث أبي هريرة ﵁ الذي في الباب، وبحديث أبي هريرة ﵁ عند أحمد (٢/ ٣٧٣)، والنسائي في «الكبرى» (٢/ ٢٣٩): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «رُبَّ صائمٍ ليس له من صيامه إلا

стр. 2117

الجوع، ورُبَّ قائمٍ ليس له من قيامه إلا السَّهَر». • وذهب سائر العلماء إلى أنَّه يُعْتَبَرُ عاصيًا، ولا يبطل صومه، وأما استدلالهم بالأحاديث. قال النووي ﵀ في «المجموع» (٦/ ٣٥٦): وأجاب بعض أصحابنا عن هذه الأحاديث بأنَّ المراد أنَّ كمال الصوم وفضيلته المطلوبة إنما يكون بصيانته عن اللغو والكلام الرَّديء لا أنَّ الصوم يبطل به. اهـ وأيضًا يُجاب بأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قد أثبت له الصيام ونفى الأجر، حيث قال: «ليس له من صيامه ... »، وأيضًا في الحديث القدسي: «يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعًا». (١) وعلى هذا فإنه لا يسلم لأحدٍ صومُه، والله أعلم. (٢)

стр. 2118

٦٤٦ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ، وَيُبَاشِرُ وَهُوَ صَائِمٌ، وَلَكِنَّهُ كَانَ أَمْلَكَكُمْ لِإِرْبِهِ. (١) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ، وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ: فِي رَمَضَانَ. (٢) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: إذا باشر، أو قَبَّلَ، أو نظر، فأمنى، أو أمذى ؟ • في المسألة أقوال: القول الأول: قال الكوفيون والشافعي: يقضي إذا أمنى في غير النظر، ولا قضاء في الإمذاء. القول الثاني: قال مالك، وإسحاق: يقضي في كل ذلك، ويُكفِّر إلا في الإمذاء فيقضي فقط، واحتج له بأنَّ الإنزال أقصى ما يطلب بالجماع من الالتذاذ في كل ذلك، وتُعُقِّبَ بأنَّ الأحكام عُلِّقَتْ بالجماع، ولو لم يكن إنزال؛ فافترقا. القول الثالث: لا قضاء عليه، ولا كفارة، وهو قول أبي محمد بن حزم، ورجَّحه الصنعاني حيث قال: الأظهر أنه لا قضاء، ولا كفارة إلا على من جامع، وإلحاق غير المجامع به بعيد. اهـ وهذا هو الذي رجَّحه الإمام الألباني ﵀، والإمام الوادعي ﵀، وبهذا

стр. 2119

القول يُعلم أنَّ قول ابن قدامة: (إنْ قبَّل فأنزل؛ أفطر بلا خلاف) غير صحيح، فقد وُجِدَ الخلاف كما تقدم، وكما في «الإنصاف» (٣/ ٢٧١ - ). والراجح -والله أعلم- أنه إنْ تعمَّد إنزال المني بمباشرة، أو تقبيل؛ فإنه يُفطر، وإنْ لم يقصد الإنزال عند المباشرة، أو التقبيل، فأمنى من غير قصد؛ فلا شيء عليه، وكذلك إذا أمذى؛ فلا شيء عليه مطلقًا. وإذا أنزل المني متعمدًا؛ بطل صومه، وليس عليه كفارة، ولا يقدر على القضاء، وعليه التوبة. قال الإمام الشوكاني ﵀ في «السيل الجرَّار» (٢/ ١٢١): إنْ وقع من الصائم سببٌ من الأسباب التي وقع الإمناء بها؛ بطلَ صومه، وإنْ لم يتسبب بسبب، بل خرج مَنِيُّهُ لشهوة ابتداءً، أو عند النظر إلى ما يجوز له النظر إليه مع عدم علمه بأن ذلك مما يتسبب عنه الإمناء؛ فلا يبطل صومه، وما هو بأعظم ممن أكل ناسيًا. اهـ ثم وجدت في «مصنف ابن أبي شيبة» (٣/ ٧٠) بإسنادٍ صحيحٍ عن جابر بن زيد ﵀ أنه قال فيمن نظر إلى امرأته فأمنى، قال: لا يفطر، ويتم صومه. مسألة [٢]: القبلة والمباشرة للصائم إذا لم ينزل ؟ • في المسألة أقوال: الأول: الكراهة مطلقًا، وهو المشهور عند المالكية.

стр. 2120

الثاني: نقل ابن المنذر وغيره عن قومٍ التحريم، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ [البقرة:١٨٧]، وزاد بعضهم فقال: يبطل صومه، كعبد الله بن شبرمة، وحُكي عن سعيد بن المسيب. الثالث: الإباحة، وقد صحَّ عن أبي هريرة ﵁ عند ابن أبي شيبة (٣/ ٦٠)، وجاء عن سعد بن أبي وقاص ﵁، قال ابن حزم ﵀ في «المحلَّى»: من طُرُقٍ صحاح عنه، وهو قول طائفة. وبالغ ابن حزم فقال بالاستحباب. الرابع: يُكره للشاب، ويُباح للشيخ، واستدلوا بما أخرجه أبو داود من حديث أبي هريرة ﵁، أنَّ رجلًا أتى النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فسأله عن المباشرة للصائم، فرخَّص له، وأتاه آخر فسأله عنها فنهاه، فإذا الذي رخَّص له شيخ، والذي نهاه شابٌّ. أخرجه أبو داود (٢٣٨٧)، وإسناده صحيح، وقد أعلَّهُ بعضُهم بأبي العنبس الحارث بن عبيد، وقالوا: مجهولٌ، والصحيح أنه ثقة، فقد وثَّقه ابن معين كما في «تاريخ الدارمي». الخامس: إنْ ملك نفسه؛ جازَ، وإلا فلا، وهو قول الشافعي، والثوري، وهذا هو الصحيح؛ لحديث عائشة ﵂ الذي في الباب، وإنما منعناه لمن لا يملك نفسه للأدلة القاضية بسد الذرائع الموصلة إلى الحرام، ويشير إلى ذلك الحديث الذي استدل به أهل القول الرابع.

стр. 2121

وأما عن الأقوال السابقة: فالقول الأول: يرده حديث عائشة ﵂، وكذلك حديث حفصة، وأم سلمة (في «صحيح مسلم» (١١٠٦ - ١١٠٨): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يُقَبِّلُ وهو صائمٌ، ودعوى الخصوصية في هذه الأحاديث تحتاج إلى برهان، بل قد ثبت أنَّ رجلًا من الأنصار قبَّل امرأته على عهد رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وهو صائمٌ، فأمرها، فسألت النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عن ذلك؟ فقال لها: إنَّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يفعل ذلك، فأخبرته امرأته، فقال لها: إنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يرخص له في أشياء، فارجعي إليه، فرجعت إليه، فأخبرته، فقال لها رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «أنا أتقاكم، وأعلمكم بحدود الله» أخرجه أحمد (٥/ ٤٣٤)، وصححه الوادعي ﵀ في «الجامع الصحيح». وروى مسلم في «صحيحه» (١١٠٨): أنَّ عمر بن أبي سلمة سأل رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: أيقبل الصائم؟ فقال: «سل هذه» -يعني أم سلمة- فأخبرته أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يفعل ذلك، فقال: يا رسول الله، قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر. فال: «أَمَا والله، إني لأتقاكم لله، وأخشاكم». وأما القول الثاني: فالرد عليه بما رُدَّ على القول الأول. وأما استدلالهم بالآية: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾. فالجواب عن ذلك: أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- هو المبين عن الله تعالى، وقد أباح المباشرة، والقبلة نهارًا، فدلَّ على أنَّ المراد بالمباشرة في الآية هو الجماع لا ما دونه، والله أعلم.

стр. 2122

وأما الرد على أهل القول الرابع: فإنَّ الحديث الذي ذكروه واقعة عين لا تفيد العموم، والناس يختلفون، فرُبَّ شيخ أشد شهوة من الشاب، وكذا العكس. ويدل على عدم اعتبار هذ التفريق حديث عمر بن أبي سلمة الذي تقدم قريبًا؛ فهذا يدل على أنَّ النظر في ذلك لمن يتأثر بالمباشرة والتقبيل، ويجره إلى الحرام، والله أعلم. (١)

стр. 2123

بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَة مسألة [١]: استمناء الصائم . • ذهب الجمهور، ومنهم: أحمد، ومالك، والشافعي، إلى أنه يفسد الصوم، واستدلوا بقوله تعالى في الحديث القدسي: «يدع طعامه، وشرابه، وشهوته من أجلي» متفق عليه عن أبي هريرة ﵁، وهذا لم يدع شهوته، وهذا ترجيح الإمام ابن باز، والإمام ابن عثيمين رحمة الله عليهما. واستدلوا أيضًا بقياسه على الجماع؛ فإنَّ غاية الجماع هو خروج المني، وقد حصل بالاستمناء. • وذهب ابن حزم إلى أنه لا يفسد صومه؛ لأنه لم يأت نصٌّ بأنه ينقض الصوم، ورجَّح ذلك الصنعاني، والألباني رحمة الله عليهما، وهو ظاهر اختيار الشيخ الوادعي كما في «إجابة السائل» (ص ١٧٤ - ١٧٥). والراجح -والله أعلم- هو قول الجمهور؛ لدلالة الحديث على ذلك، أعني قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فيما يرويه عن ربه : «يدع طعامه، وشرابه، وشهوته من أجلي»، والمستمني لم يدع شهوته. ويستثنى من الشهوة الواردة في الحديث ما استثناه الدليل، وهو المباشرة، والتقبيل؛ لحديث عائشة ﵂ المذكور في الباب.

стр. 2124

وما أحسن وأجود ما قرره الإمام الشوكاني ﵀ في «السيل الجرَّار» (٢/ ١٢١)، حيث قال: إنْ وقع من الصائم سبب من الأسباب التي وقع الإمناء بها؛ بطل صومه، وإنْ لم يتسبب بسبب، بل خرج منيه لشهوة ابتداءً، أو عند النظر إلى ما يجوز له النظر إليه مع عدم علمه بأنَّ ذلك مما يتسبب عنه الإمناء؛ فلا يبطل صومه، وما هو بأعظم ممن أكل ناسيًا. اهـ قلتُ: هذا الذي قرره هذا الإمام هو الصحيح، وعليه الاعتماد، والله أعلم. (١) مسألة [٢]: احتلام الصائم . إذا احتلم الصائم فلا يُفطِر بالإجماع، نقل الإجماع على ذلك ابن عبد البر في «التمهيد» (٧/ ١٩٢)، والنووي في «شرح المهذب» (٦/ ٣٢٢)، وشيخ الإسلام ابن تيمية في «شرح كتاب الصيام» (١/ ٣٠٧، ٤٨٥).

стр. 2125

٦٤٧ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ، وَاحْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. (١) ٦٤٨ - وَعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ (﵁) أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَتَى عَلَى رَجُلٍ بِالبَقِيعِ وَهُوَ يَحْتَجِمُ فِي رَمَضَانَ، فَقَالَ: «أَفْطَرَ الحَاجِمُ وَالمَحْجُومُ». رَوَاهُ الخَمْسَةُ إلَّا التِّرْمِذِيَّ، وَصَحَّحَهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ. (٢) ٦٤٩ - وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ (﵁) قَالَ: أَوَّلُ مَا كُرِهَتِ الحِجَامَةُ لِلصَّائِمِ: أَنَّ جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ، فَمَرَّ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: «أَفْطَرَ هَذَانِ» ثُمَّ رَخَّصَ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدُ فِي الحِجَامَةِ لِلصَّائِمِ، وَكَانَ أَنَسٌ يَحْتَجِمُ وَهُوَ صَائِمٌ. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَقَوَّاهُ. (٣)

стр. 2126

المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث مسألة [١]: احتجام الصائم . • ذهب الجمهور، وهو مذهب مالك، والشافعي، وأبي حنيفة إلى أنَّ الحجامة لا تفطر الصائم، وصحَّ هذا القول عن ابن عمر، وابن عباس، وأنس بن مالك، وأبي سعيد، والحسين بن علي ﵃، وجاء عن ابن مسعود، وأم سلمة، وفيهما ضعفٌ. وقال به من التابعين: سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، والشعبي، والنخعي. واستدلوا بما يلي: ١) حديث ابن عباس ﵄ الذي في «البخاري»، وهو المذكور في الكتاب. ٢) حديث أنس ﵁ عند البخاري (١٩٤٠)، أنَّ ثابتًا البناني قال: سُئل أنس: أكنتم تكرهون الحجامة للصائم؟ قال: لا، إلا من أجل الضعف. ولفظه عند أبي داود (٢٣٧٥): ما كُنَّا ندع الحجامة للصائم إلا كراهية الجهد. ٣) ما أخرجه أبو داود (٢٣٧٤) بإسناد صحيح عن رجل من الصحابة أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نهى عن الحجامة، والمواصلة ولم يحرمهما إبقاءً على أصحابه.

стр. 2127

٤) ما أخرجه النسائي في «الكبرى (٢/ ٢٣٧)، وغيره من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، قال: أرخص النبي ﷺ في الحجامة للصائم. وإسناده ظاهره الصحة؛ إلا أنه اختلف في رفعه ووقفه، وقد رجَّح وقفه أبو زرعة، وأبو حاتم، والترمذي، وابن خزيمة، وغيرهم. ٤) حديث أنس: «أول ما كُرهت الحجامة للصائم»، وهو المذكور في الباب، وقد تقدَّم أنه ضعيفٌ. استدلوا بالقياس على الفصد، والرُّعاف، وقد ثبت عن ابن عباس ﵄، أنه قال: الفطر مما دخل، وليس مما خرج. وهذا المذهب رجَّحه البخاري في «صحيحه»، وابن حزم في «المحلَّى»، وهو ترجيح الإمام الألباني ﵀. • وذهب جمع من أهل العلم إلى أنه يفطر الحاجم، والمحجوم، وعليهما القضاء، وهو قول عطاء، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، ومن الشافعية ابن خزيمة، وابن المنذر، وأبو الوليد النيسابوري، وابن حبان، وهو ترجيح شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، ورجَّحه الشيخ ابن باز، والشيخ ابن عثيمين، وقد جاء عن علي ﵁، أخرجه عبد الرزاق (٤/ ٢١٠)، من طريق: الحسن عنه، وهو منقطعٌ، وجاء عن عائشة ﵂ عند ابن أبي شيبة، وفي إسناده ليث بن أبي سليم، وفيه ضعف. • وقد شذَّ عطاء فأوجب الكفارة أيضًا، ولا دليل على ذلك. واستدل هؤلاء

стр. 2128

بقول النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «أفطر الحاجم، والمحجوم». وأوردوا على القول الأول ما يلي: ١) حديث ابن عباس ﵄ أعلَّه الإمام أحمد وغيره كما تقدم. ١) أجاب ابن خزيمة بما حاصله: أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان مُحرمًا، والمحرم يكون مسافرًا، والمسافر يجوز له أن يُفطِرَ، سواء بالأكل، أو بالشرب، أو الحجامة، فليس في حديث ابن عباس ﵄ ما يمنع الإفطار. ٢) أنَّ حديث ابن عباس ﵄ مُبْقِي على الأصل، وحديث: «أفطر الحاجم والمحجوم» ناقلٌ عن الأصل، والناقل مُقَدَّمٌ على المبْقِي. والصحيح هو القول الأول، وهو قول الجمهور. وأما قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «أفطر الحاجم، والمحجوم»، فقد أُجِيبَ عنه بأجوبة منها: ١) ما ذكره الشافعي في «الأم»، وتبعه عليه الخطابي، والبيهقي، وسائر الشافعية من أنَّ هذا الحديث منسوخٌ بحديث ابن عباس، وغيره مما ذكرنا. قالوا: ويدل على النسخ أنَّ ابن عباس لم يصحب النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مُحرِمًا إلا في حجة الوداع، وحديث: «أفطر الحاجم والمحجوم» كان يوم الفتح كما جاء في بعض ألفاظه. ويؤيده حديث أبي سعيد، وحديث أنس الَّلذان تقدم ذكرهما في أدلة المذهب الأول.

стр. 2129

وقد اعتمد على هذا الجواب ابن حزم، ثم الشيخ الألباني رحمهما الله، مُعْتَمِدَيْنِ على حديث أبي سعيد، وحديث أنس ﵄. وَيَرِدُ على هذا الجواب: أنَّ الرَّاجح في حديث ابن عباس أنهما قضيتان (احتجم وهو محرمٌ) (احتجم وهو صائمٌ)، وجمع بينهما بعض الرُّواة كما في «البخاري»، قرر ذلك الحافظ في «التلخيص». وحديث أبي سعيد، وأنس مُعَلَّان كما تقدم، فيبقى هذا الجواب احتمالًا، وهو أقوى الأجوبة، والله أعلم. ٢) ما أجاب به الشافعي أيضًا، وتبعه الخطابي، وبعض الشافعية من أنَّ المراد بحديث: «أفطر الحاجم، والمحجوم» أنهما كانا يغتابان في صومهما، كما جاء في بعض طرق الحديث (١)، وعلى هذا التأويل يكون المراد بإفطارهما أنه ذهب أجرهما، كما قال بعض الصحابة لمن تكلم حال الخطبة: (لا جمعة لك)، أي: ليس لك أجرها، وإلا فهي صحيحة مُجزئةٌ عنه. لكن لم يصح في الحديث أنهما كانا يغتابان، فيبقى هذا الجواب احتمالًا فقط. ٣) ما أجاب به الخطابي، والبغوي رحمة الله عليهما، أنَّ معناه: (تَعَرَّضَا للإفطار)، أما الحاجم؛ فلأنه لا يأمن وصول شيء من الدم إلى جوفه عند المص، وأما المحجوم؛ فلأنه لا يأمن ضعف قوته بخروج الدم، فيؤول

стр. 2130

أمره إلى أن يفطر. وإلى هذا القول أشار الشوكاني ﵀، وسيأتي كلامه. ٤) ما ذكره الخطابي ﵀ أيضًا أنه مرَّ بهما قريب المغرب، فقال: «أفطر الحاجم، والمحجوم» أي: حان فطرهما، كما يقال: أمسى الرجل، إذا دخل في وقت المساء، أو قاربه. ٥) أنه تغليظٌ ودعاءٌ عليهما؛ لارتكابهما ما يعرضهما لفساد صومهما. ٦) أنَّ حديث ابن عباس أصح، ويعضده القياس؛ فوجب تقديمه، أجاب بهذا الشافعي. وأقوى هذه الأجوبة الأول، ثم الثالث. وأما ما أوردوه على الجمهور، فالجواب عنه كما يلي: ١) إعلال الإمام أحمد لذكر الصيام فيه قد عارضه في ذلك الإمام البخاري، وصحح ذكر الصيام في الحديث. وقد بيَّنَ الحافظ أنهما قضيتان: الأولى: احتجم النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وهو محرمٌ، وهذا الحديث متفق على صحته. الثانية: احتجم النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وهو صائمٌ، فجاء بعض الرواة فجمع بينهما، ومن هنا حصل الإشكال؛ لكون أكثر الرواة يروونه بلفظ: «وهو محرمٌ» فقط. ٢) قال الحافظ ابن حجر ﵀ بعد أن ذكر كلام ابن خزيمة: وتعقب بأنَّ

стр. 2131

هذا الحديث ما ورد هكذا إلا لفائدة؛ فالظاهر أنها وجدت منه الحجامة وهو صائمٌ لم يتحلل من صومه واستمر. وقال الخطابي ﵀ في «معالم السنن»: وهذا تأويلٌ باطلٌ؛ لأنه قال: احتجم وهو صائمٌ. فأثبت له الصيام مع الحجامة ولو بطل صومه بها لقال: أفطر بالحجامة. قال النووي ﵀: قلت: ولأنَّ السابق إلى الفهم من قول ابن عباس «احتجم وهو صائمٌ» الإخبار بأنَّ الحجامة لا تبطل الصوم، ويؤيده باقي الأحاديث المذكورة. اهـ ٣) أنَّ هذا الترجيح لا يُرجع إليه إلا عند عدم إمكان الجمع وعند عدم النسخ، والأمر هنا بخلاف ذلك، ومع التسليم فقد يُعارض بترجيح حديث ابن عباس على حديث: «أفطر الحاجم والمحجوم»، والله أعلم. ونسأله تعالى أن يهدينا لما اختلف فيه من الحق بإذنه إنه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. وما أحسن ما قاله الشوكاني ﵀ بعد أن ذكر الخلاف: فَيُجْمَعُ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ بِأَنَّ الْحِجَامَةَ مَكْرُوهَةٌ فِي حَقِّ مَنْ كَانَ يَضْعُفُ بِهَا، وَتَزْدَادُ الْكَرَاهَةُ إذَا كَانَ الضَّعْفُ يَبْلُغُ إلَى حَدٍّ يَكُونُ سَبَبًا لِلْإِفْطَارِ، وَلَا تُكْرَهُ فِي حَقِّ مَنْ كَانَ لَا يَضْعَفُ بِهَا، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ تَجَنُّبُ الْحِجَامَةِ لِلصَّائِمِ أَوْلَى، فَيَتَعَيَّنُ حَمْلُ قَوْلِهِ: «أَفْطَرَ الحَاجِمُ وَالمَحْجُومُ» عَلَى المَجَازِ؛ لِهَذِهِ الْأَدِلَّةِ الصَّارِفَةِ لَهُ عَنْ مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيِّ. اهـ. (١)

стр. 2132

مسألة [٢]: فصد العرق وشرطه . الفصد والشرط: هو شق العرق؛ فإنْ شققته طولًا فهو شرط، وإنْ شققته عرضًا فهو فصدٌ. • والذي عليه الشافعية، وأكثر الحنابة، ومنهم: القاضي، وابن عقيل أنه لا يُفَطِّرُ، وهذا هو الصحيح؛ لعدم وجود دليل يدل على فطره. • وذهب بعض الحنابلة، ورجَّحه شيخ الإسلام إلى أنه يُفَطِّر قياسًا على الحجامة بجامع وجود الضعف في كليهما، واستقرب ذلك الشيخ ابن عثيمين ﵀. (١) مسألة [٣]: من نزفه الدم من رُعافٍ، أو غيره ؟ • النزيف الذي يحصل من الأسنان، أو من الأنف، وما أشبه ذلك لا يؤثر في الصوم مادام يحترز من ابتلاعه ما أمكن، وهذا مذهب الحنابلة، والجمهور، وهو ترجيح الإمام ابن باز، والإمام ابن عثيمين رحمة الله عليهما. (٢) مسألة [٤]: سحب الدم للتبرع . • ذهب الإمام ابن باز، والإمام ابن عثيمين، والشيخ صالح الفوزان إلى أنه إنْ كان كثيرًا؛ أفطر قياسًا على الحجامة.

стр. 2133

وقد تقدم أنَّ الراجح في الحجامة أنها لا تفطر، فالظاهر -والله أعلم- أنَّ سحب الدم للتبرع لا يُعَدُّ مُفَطِّرًا، وهو مقتضى مذهب الجمهور. (١)

стр. 2134

٦٥٠ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اكْتَحَلَ فِي رَمَضَانَ، وَهُوَ صَائِمٌ. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: لَا يَصِحُّ فِيْهِ شَيْءٌ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: اكتحال الصائم . • مذهب الشافعي وأصحابه، وحكاه ابن المنذر عن عطاء، والحسن، والنخعي، والأوزاعي، وأبي حنيفة، وأبي ثور: أنه جائزٌ، ولا كراهة فيه، ولا يفطر، سواء وجد طعمه في حلقه، أم لا. وجاء عن أنس ﵁ أنه كان يكتحل، وهو صائم. أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٤٧)، وفي إسناده أبو معاذ عتبة بن حميد الضبي، وفيه ضعف. واستدلوا بحديث عائشة ﵂ الذي في الباب، وبأحاديث أخرى ضعيفة، وأقوى ما استدلوا به هو البراءة الأصلية، فالأصل أن الصائم لا يُحكم عليه بالفطر إلا بدليل صحيحٍ، صريحٍ، ولا نستطيع أن نُفْسِدَ عبادة شخصٍ إلا بذلك. وهذا المذهب هو الراجح، وهو الذي رَجَّحه شيخ الإسلام ابن تيمية، وأشار إلى ترجيحه الصنعاني، واستظهره الشوكاني، ورجَّحه الشيخ ابن باز، والشيخ ابن عثيمين رحمة الله عليهم أجمعين.

стр. 2135

• ومذهب أحمد، ومالك، والثوري، وإسحاق: أنه يُكره، وقال مالك، وأحمد: وإنْ وصل إلى الحلق؛ أفطر، واستدلوا بحديث ابن عباس ﵄، مرفوعًا: «الفطر مما دخل وليس مما خرج» أخرجه ابن عدي (٦/ ٢٠٤٢)، وقالوا: هذا يجد طعمه في حلقه، فيدل على أنه قد دخل، وبالإفطار قال ابن شبرمة، وابن أبي ليلى. والصحيح هو القول الأول، وأما حديث: «الفطر مما دخل ... »، ففي سنده: الفضل بن مختار، وهو ضعيفٌ جدًّا، وفيه أيضًا: شعبة مولى ابن عباس، وهو ضعيفٌ، وقال ابن عدي: الأصل في هذا الحديث أنه موقوفٌ. انتهى، ورجَّح ذلك البيهقي. وقال الصنعاني ﵀ في «سبل السلام»: وأُجيب عنه: بأنَّا لا نسلم كونه داخلًا؛ لأنَّ العين ليست بمنفذ، وإنما يصل من المسام؛ فإنَّ الإنسان قد يدلك قدميه بالحنظل؛ فيجد طعمه في فيه. اهـ وقدِ استُدِلَّ للمانعين بحديث معبد بن هوذة، عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنه قال في الإثمد: «ليتقه الصائم» رواه أبو داود (٢٣٧٧)، من طريق: عبد الرحمن بن النعمان ابن معبد بن هوذة، عن أبيه، عن جده به. وهذا الحديث سنده ضعيفٌ؛ لأنَّ عبد الرحمن ضعيفٌ، والنعمان مجهول، وقد أنكر هذا الحديث ابن معين وأحمد، ثم شيخ الإسلام ابن تيمية وابن عبد الهادي. (١)

стр. 2136

بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَة مسألة [١]: القطرة في الأذن . • الذي عليه الحنابلة، وجمهور الشافعية أنها تعتبر مفطرة؛ لكونها تصل إلى الدماغ. • وذهب بعض الشافعية كأبي علي السنجي، والقاضي حسين، والفوراني، وصححه الغزالي إلى أنها لا تفطر، وهو مذهب ابن حزم، وترجيح شيخ الإسلام ابن تيمية؛ لكون الأُذُن ليست بمنفذٍ إلى الحلق، والمعدة. وهذا هو الصحيح، وهو ترجيح الشيخ ابن باز والشيخ ابن عثيمين رحمهما الله. (١) مسألة [٢]: السعوط والقطرة في الأنف . السُّعوط: بضم السين، هو نفس الفعل، وهو جعل الشيء في الأنف، وجذبه إلى الدماغ. والسَّعوط: بالفتح، هو اسمٌ للشيء الذي يتسعطه كالماء، والدهن، وغيرهما، والمراد هنا الضم. • وفي هذه المسألة ثلاثة مذاهب: الأول: أنه إنْ وصل إلى الدماغ؛ أفطر، وهو قول الشافعية، والحنابلة، ورجَّحه

стр. 2137

شيخ الإسلام ابن تيمية. قال: وسواءٌ تيقن من وصوله إلى حلقه، أو جوفه، أو لم يتحققه بناء على أنَّ بين الدماغ والجوف مجرى، فما يصل إلى الدماغ لابد أن يصل إلى الجوف، وإلى الحلق. الثاني: قول الإمام مالك ﵀، وهو أنه لا يفطر بالسُّعوط؛ إلا إذا دخل إلى حلقه، وهو ظاهرُ ترجيح الإمام ابن عثيمين، والإمام ابن باز رحمهما الله. وعزا هذا القول الحافظُ لمالكٍ، والشافعي. الثالث: أنه لا بأس به للصائم، وهو قول النخعي، وابن حزم. والراجح -والله أعلم- هو القول الثاني؛ لحديث لقيط بن صبرة أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال له: «وبالغ في الاستنشاق؛ إلا أن تكون صائمًا». (١) ولا يُعلم لهذا علَّة، إلا أنَّ المبالغة تكون سببًا لوصول الماء إلى المعدة، والله أعلم. (٢) مسألة [٣]: احتقان الصائم . الاحتقان: هو إدخال الأدوية من طريق الدُّبُر، وهو معروفٌ ولا يزال يُعمل. • فالمشهور من مذهب أحمد، والشافعي أنها تفطر؛ لأنها تصل إلى شيء مُجَوَّفٍ

стр. 2138

في الإنسان، وهو الأمعاء؛ فتكون مفطرة، سواء وصلت إلى المعدة أم لا. • وذهب ابن حزمٍ، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وهو رواية عن مالك. وهو ترجيح الشيخ ابن عثيمين، والشيخ ابن باز إلى أنه لا بأس بذلك؛ لأنه لا يطلق عليه اسم الأكل والشرب لغة، ولا عُرْفًا، وليس هناك دليل من الكتاب والسنة يدل على أنَّ مناط الحكم بالإفطار: وصول الشيء إلى الجوف. وهذا القول هو الراجح، والله أعلم. (١) مسألة [٤]: التقطير في الإحليل الذَّكَر . • الذي عليه جمهور الشافعية، والحنابلة أنه يُعَدُّ مفطِّرًا؛ لأنه يصل إلى الجوف. • وهناك وجهٌ عند الشافعية، والحنابلة، وهو ترجيح شيخ الإسلام أنه لا يُعَدُّ مُفَطِّرًا؛ لأنه ليس أكلًا ولا شربًا، ولا في معناهما. قال ابن حزم ﵀: وما علمنا أكلًا، ولا شُربًا يكون على دبرٍ وإحليل. اهـ وهذا القول هو الراجح؛ لعدم وجود دليل من الكتاب والسنة أنَّ مناط الحكم وصول الشيء إلى الجوف، وهذا هو الذي رجَّحه الإمام ابن عثيمين ﵀. (٢)

стр. 2139

٦٥١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ، فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللهُ وَسَقَاهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١) وَلِلْحَاكِمِ: «مَنْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ نَاسِيًا فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَلَا كَفَّارَةَ». وَهُوَ صَحِيحٌ. (٢) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: إذا نسي الصائم فأكل أو شرب ؟ • في المسألة قولان: الأول: أنه لا يفطر، وصومه تامٌّ، وهو قول الجمهور، منهم: أحمد، والشافعي. واستدلوا بما يأتي: ١) قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب:٥]. ٢) قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦]. ٣) حديث: «إنَّ الله تجاوز عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه»، وهو حديثٌ مُعَلٌّ كما في «جامع العلوم والحكم» رقم (٣٩).

стр. 2140

٤) حديث أبي هريرة ﵁ الذي في الباب، وهو نصٌّ في المسألة. قال شيخ الإسلام ﵀: وفي هذا الحديث دلالة من وجوهٍ: أحدها: أنه أمره بإتمام صومه؛ فَعُلِمَ أنَّ هذا إتمام لصومٍ صحيح، ولو أراد وجوب الإمساك فقط؛ لقال: فليتم صيامًا، أو فليصم بقية يومه. الثاني: أنه لم يأمره بالقضاء، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة. الثالث: أنه قال: «الله أطعمه وسقاه» تعليلًا وجوابًا، ومعلومٌ أنَّ إطعام الله وإسقاء الله للعبد على وجهين: ١) أنَّ الله خلق له الطعام والشراب، والحركة التي بها يأكل ويشرب، وعلى هذا فالعامد، والناسي، وجميع الخلق؛ فالله أطعمهم وسقاهم، وهذا المعنى لم يقصده النبي ﷺ . ١) أنْ يطعمه ويسقيه بغير فعل من العبد، ولا قصد، ولا عمد كما في هذه الصورة، فصار غير مكلَّفٍ لأجل النسيان، فأُضِيفَ الفعل إلى الله قدرًا وشرعًا، فسقط قلم التكليف عن هذا الفعل، فقوله: «الله أطعمه وسقاه»، أي: لا صنع له في هذا الفعل، وإنما هو فعل الله فقط، فلا حرج عليه فيه، ولا إثم؛ فأتم صومك. اهـ بتصرفٍ. الثاني: أنه يفطر وعليه القضاء دون الكفارة، وهو قول مالك، وربيعة. قالوا: لأنَّ الإمساك عن المفطرات ركنُ الصوم؛ فحكمه حكم من نسي ركنًا من الصلاة؛ فإنها تجب عليه الإعادة، وإنْ كان ناسيًا.
следующие страницы →