بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَة
مسألة [١]: القطرة في الأذن .
• الذي عليه الحنابلة، وجمهور الشافعية أنها تعتبر مفطرة؛ لكونها تصل إلى الدماغ.
• وذهب بعض الشافعية كأبي علي السنجي، والقاضي حسين، والفوراني، وصححه الغزالي إلى أنها لا تفطر، وهو مذهب ابن حزم، وترجيح شيخ الإسلام ابن تيمية؛ لكون الأُذُن ليست بمنفذٍ إلى الحلق، والمعدة.
وهذا هو الصحيح، وهو ترجيح الشيخ ابن باز والشيخ ابن عثيمين رحمهما الله. (١)
مسألة [٢]: السعوط والقطرة في الأنف .
السُّعوط: بضم السين، هو نفس الفعل، وهو جعل الشيء في الأنف، وجذبه إلى الدماغ.
والسَّعوط: بالفتح، هو اسمٌ للشيء الذي يتسعطه كالماء، والدهن، وغيرهما، والمراد هنا الضم.
• وفي هذه المسألة ثلاثة مذاهب:
الأول: أنه إنْ وصل إلى الدماغ؛ أفطر، وهو قول الشافعية، والحنابلة، ورجَّحه
стр. 2137
شيخ الإسلام ابن تيمية.
قال: وسواءٌ تيقن من وصوله إلى حلقه، أو جوفه، أو لم يتحققه بناء على أنَّ بين الدماغ والجوف مجرى، فما يصل إلى الدماغ لابد أن يصل إلى الجوف، وإلى الحلق.
الثاني: قول الإمام مالك ﵀، وهو أنه لا يفطر بالسُّعوط؛ إلا إذا دخل إلى حلقه، وهو ظاهرُ ترجيح الإمام ابن عثيمين، والإمام ابن باز رحمهما الله.
وعزا هذا القول الحافظُ لمالكٍ، والشافعي.
الثالث: أنه لا بأس به للصائم، وهو قول النخعي، وابن حزم.
والراجح -والله أعلم- هو القول الثاني؛ لحديث لقيط بن صبرة أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال له: «وبالغ في الاستنشاق؛ إلا أن تكون صائمًا». (١)
ولا يُعلم لهذا علَّة، إلا أنَّ المبالغة تكون سببًا لوصول الماء إلى المعدة، والله أعلم. (٢)
مسألة [٣]: احتقان الصائم .
الاحتقان: هو إدخال الأدوية من طريق الدُّبُر، وهو معروفٌ ولا يزال يُعمل.
• فالمشهور من مذهب أحمد، والشافعي أنها تفطر؛ لأنها تصل إلى شيء مُجَوَّفٍ
стр. 2138
في الإنسان، وهو الأمعاء؛ فتكون مفطرة، سواء وصلت إلى المعدة أم لا.
• وذهب ابن حزمٍ، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وهو رواية عن مالك.
وهو ترجيح الشيخ ابن عثيمين، والشيخ ابن باز إلى أنه لا بأس بذلك؛ لأنه لا يطلق عليه اسم الأكل والشرب لغة، ولا عُرْفًا، وليس هناك دليل من الكتاب والسنة يدل على أنَّ مناط الحكم بالإفطار: وصول الشيء إلى الجوف.
وهذا القول هو الراجح، والله أعلم. (١)
مسألة [٤]: التقطير في الإحليل الذَّكَر .
• الذي عليه جمهور الشافعية، والحنابلة أنه يُعَدُّ مفطِّرًا؛ لأنه يصل إلى الجوف.
• وهناك وجهٌ عند الشافعية، والحنابلة، وهو ترجيح شيخ الإسلام أنه لا يُعَدُّ مُفَطِّرًا؛ لأنه ليس أكلًا ولا شربًا، ولا في معناهما.
قال ابن حزم ﵀: وما علمنا أكلًا، ولا شُربًا يكون على دبرٍ وإحليل. اهـ
وهذا القول هو الراجح؛ لعدم وجود دليل من الكتاب والسنة أنَّ مناط الحكم وصول الشيء إلى الجوف، وهذا هو الذي رجَّحه الإمام ابن عثيمين ﵀. (٢)
стр. 2139
٦٥١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ، فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللهُ وَسَقَاهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١)
وَلِلْحَاكِمِ: «مَنْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ نَاسِيًا فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَلَا كَفَّارَةَ». وَهُوَ صَحِيحٌ. (٢)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: إذا نسي الصائم فأكل أو شرب ؟
• في المسألة قولان:
الأول: أنه لا يفطر، وصومه تامٌّ، وهو قول الجمهور، منهم: أحمد، والشافعي.
واستدلوا بما يأتي:
١) قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب:٥].
٢) قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦].
٣) حديث: «إنَّ الله تجاوز عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه»، وهو حديثٌ مُعَلٌّ كما في «جامع العلوم والحكم» رقم (٣٩).
стр. 2140
٤) حديث أبي هريرة ﵁ الذي في الباب، وهو نصٌّ في المسألة.
قال شيخ الإسلام ﵀: وفي هذا الحديث دلالة من وجوهٍ: أحدها: أنه أمره بإتمام صومه؛ فَعُلِمَ أنَّ هذا إتمام لصومٍ صحيح، ولو أراد وجوب الإمساك فقط؛ لقال: فليتم صيامًا، أو فليصم بقية يومه. الثاني: أنه لم يأمره بالقضاء، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة. الثالث: أنه قال: «الله أطعمه وسقاه» تعليلًا وجوابًا، ومعلومٌ أنَّ إطعام الله وإسقاء الله للعبد على وجهين:
١) أنَّ الله خلق له الطعام والشراب، والحركة التي بها يأكل ويشرب، وعلى هذا فالعامد، والناسي، وجميع الخلق؛ فالله أطعمهم وسقاهم، وهذا المعنى لم يقصده النبي ﷺ .
١) أنْ يطعمه ويسقيه بغير فعل من العبد، ولا قصد، ولا عمد كما في هذه الصورة، فصار غير مكلَّفٍ لأجل النسيان، فأُضِيفَ الفعل إلى الله قدرًا وشرعًا، فسقط قلم التكليف عن هذا الفعل، فقوله: «الله أطعمه وسقاه»، أي: لا صنع له في هذا الفعل، وإنما هو فعل الله فقط، فلا حرج عليه فيه، ولا إثم؛ فأتم صومك. اهـ بتصرفٍ.
الثاني: أنه يفطر وعليه القضاء دون الكفارة، وهو قول مالك، وربيعة.
قالوا: لأنَّ الإمساك عن المفطرات ركنُ الصوم؛ فحكمه حكم من نسي ركنًا من الصلاة؛ فإنها تجب عليه الإعادة، وإنْ كان ناسيًا.
стр. 2141
والجواب: أنَّ هذا قياسٌ فاسدُ الاعتبار؛ لمخالفته للنصوص المتقدمة. (١)
مسألة [٢]: من أكل، أو شرب ناسيًا، فهل يجب إعلامه على من رآه ؟
• ذكر ابن مُفْلِح ﵀ في الفروع وجهين:
الأول: أنه يلزمه الإعلام. قال المرداوي في «الإنصاف»: وهو الصواب، وهو في الجاهل آكد.
الثاني: لا يلزمه الإعلام.
ثم وجَّه ابن مفلح وجهًا آخر: أنه يلزمه إعلام الجاهل لا الناسي.
قال أبو عبد الله غفر الله له: وما صوَّبه المرداوي هو الصواب -والله أعلم- لكون الأكل، أو الشرب في نهار رمضان من الصائم مُحرَّم، وإنما الجهل والنسيان عذرٌ في عدم تأثيمه، فيشمله قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده؛ فإنْ لم يستطع فبلسانه؛ فإنْ لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» أخرجه مسلم (٤٩) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.
ومن المعلوم أيضًا أنَّ الإمام إذا قام إلى ركعة خامسة ناسيًا فيجب على المأموم إعلامه؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «فإذا نسيتُ فذكِّروني» (٢)، فكذلك هذه الصورة، والله أعلم. (٣)
стр. 2142
مسألة [٣]: لو أكل ناسيًا فظنَّ أنَّه قد أفطر، فأكل عمدًا ؟
• ذكر صاحب «الفروع»، وصاحب «الإنصاف» في ذلك قولين، والأكثر على أنه يفطر، وهو قول الحنفية، والأصح عند الشافعية، وإليه مال الشيخ ابن عثيمين ﵀ مُعَلِّلًا ذلك بكونه قد تعمد الأكل وهو عالمٌ أنه صائمٌ دون أن يسأل ويتحرى، فيكون بذلك مفرِّطًا. ثم قال: وعلى كُل حال يقضي يومًا، ولا يضرُّه إن شاء الله. (١)
مسألة [٤]: جماع الصائم ناسيًا .
• في هذه المسألة أقوال:
الأول: أنه لا شيء عليه، وهو قول مجاهد، والحسن، والشافعي، وأبي حنيفة، وإسحاق، وداود، وابن المنذر، وغيرهم، وهو ترجيح ابن عبد البر، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وهذا هو الصحيح؛ للأدلة المتقدم ذكرها في مسألة الأكل والشرب ناسيًا، ورواية الحاكم: «من أفطر ... » تشمل الجماع أيضًا.
الثاني: وجوب القضاء، وهو قول عطاء، والأوزاعي، والليث، ومالك، وأحمد، وأحد الوجهين للشافعية، وحُجَّتُهم قصور حال المجامع ناسيًا عن حالة الأكل.
الثالث: وجوب القضاء والكفارة، وهو المشهور من مذهب أحمد، وحجتهم حديث الرجل الذي جامع امرأته في نهار رمضان، وهو صائم، فأمره النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بالكفارة.
стр. 2143
قالوا: ولم يستفصل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- من الرجل: أَنَسِي، أم لا؟ قالوا: وترك الاستفصال في مقام الاحتمال يُنَزَّلْ مَنْزِلَةَ العموم في المقال.
والرَّدُّ على ذلك: أنَّ في سياق الحديث ما يدل على أنَّ الرجل لم يكن ناسيًا، بل كان متعمدًا، وهو قوله: (هلكتُ)، وقوله: (احترقت)، فهذه الألفاظ لا يقولها إلا من كان متعمدًا للمعصية، لا من وقعت منه نسيانًا، والله أعلم. (١)
مسألة [٥]: من دخل في حلقه الذباب وهو صائمٌ، وكذا الغبار والدقيق ؟
قال الحافظ ابن حجر ﵀: ونقل ابن المنذر الاتفاق على أنَّ من دخل حلقه الذباب وهو صائمٌ أنْ لا شيء عليه، لكن نقل غيره عن أشهب أنه قال: أحبُّ إليَّ أن يقضي. حكاه ابن التين. اهـ
والصواب أنه لا شيء عليه؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة:٢٢٥]، وقوله: ﴿وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب:٥].
وألَحَق الحنابلة، والشافعية، وغيرهم بهذه المسألة ما لو دخل الغبار إلى حلقه من غير قصدٍ، وكذا نخل الدقيق، وما أشبه ذلك. اهـ. (٢)
مسألة [٦]: من أكل، أو شرب، أو جامع جاهلاً بالتحريم ؟
• المشهور عند الحنابلة أنه يُعَدُّ مُفْطِرًا، وإنْ كان جاهلًا؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مرَّ
стр. 2144
بالذي يحتجم فقال: «أفطر الحاجم والمحجوم»، ولم يكن واحدٌ منهما يعلم أنَّ ذلك منهي عنه.
• وذهب بعض الحنابلة كأبي الخطاب، والمجد ابن تيمية، وجزم به الشيرازي في «المهذب» أنه لا يُعَدُّ مُفْطِرًا، ويُعذَرُ بجهله، واستدلوا بحديث عدي بن حاتم عند أن نزل قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة:١٨٧]، فأخذ عقالًا أبيضَ، وعقالًا أسود، فلم يزل يأكل ويشرب حتى يتبين له رؤيتهما، فقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إن وسادك لعريض، إنما هو سواد الليل، وبياض النهار» متفق عليه عنه، وعن سهل ابن سعد بنحوه.
وهذا القول هو الصحيح، وقد رجَّحه الإمام ابن عثيمين ﵀، وأما استدلالهم بحديث: «أفطر الحاجم والمحجوم»، فقد تقدم الجواب عليه في مسألة الحجامة، وعلى التسليم بأنه أفطر؛ فلم يأتِ في الحديث أنهما لم يكونا يعلمان أنَّ الحجامة منهي عنها. (١)
فائدة تتعلق بالمسألة السابقة: قال النووي ﵀ في «المجموع» (٦/ ٣٢٤): إذا أكل الصائم، أو شرب، أو جامع جاهلًا بتحريمه؛ فإنْ كان قريب عهد بإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة بحيث يخفى عليه كون هذا مفطرًا؛ لم يفطر؛ لأنه لا يأثم، فأشبه الناسي الذي ثبت فيه النص، وإن كان مخالطًا للمسلمين؛ بحيث لا يخفى عليه تحريمه؛ أفطر؛ لأنه مقصر. اهـ
стр. 2145
قلتُ: والأظهر أنه لا يفطر أيضًا إن كان جاهلًا، وإن كان مخالطًا للمسلمين، والله أعلم.
مسألة [٧]: إذا أجري المفطر فيه قهرًا ؟
قال النووي ﵀: إذا فعل به غيره المفطرَ بأن أوجر الطعام قهرًا، أو أسعط الماء وغيره، أو رُبِطت المرأة وَجُومِعت، أو جُومِعَت نائمةً؛ فلا فطر في كل ذلك. اهـ بتصرفٍ.
وهذا الذي ذكره النووي هو مذهب الشافعية، ونقله جماعةٌ عن الإمام أحمد في غير الجماع، وعنه رواية في الجماع: أنه لا يفطر أيضًا، وهو الصواب، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل:١٠٦].
وفي الحديث: «إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه»، وقد أُعِلَّ هذا الحديث كما في «جامع العلوم والحكم» رقم (٣٩). (١)
مسألة [٨]: لو أُكره الصائم على أن يأكل بنفسه، فأكل، أو شرب، أو أُكرِهت المرأة على التمكين؛ فمَكَّنَت ؟
• قال النووي ﵀: فى بطلان الصوم به قولان مشهوران قَلَّ من بَيَّن الأصحَّ منهما، والأصح: لا يبطل، وممن صححه المصنف -يعني الشيرازي- في «التنبيه»، والغزالي في «الوجيز»، والعبدري في «الكفاية»، والرافعي في «الشرح» وآخرون، وهو الصواب، ولا تغتر بتصحيح الرافعي في «المحرر» البطلان، وقد
стр. 2146
نبهت عليه في «مختصر المحرر»، واحتجوا لعدم بطلانه بأنه بالإكراه أسقط أثر فعله؛ ولهذا لا يأثم بالأكل؛ لأنه صار مأمورًا بالأكل لا مَنْهِيًّا عنه؛ فهو كالناسي، بل أولى منه بأنه لا يفطر؛ لأنه مُخاطَبٌ بالأكل لدفع ضرر الإكراه عن نفسه، بخلاف الناسي؛ فإنه ليس بمخاطب بأمر ولا نهيٍ، وأما قول القائل الآخر: (إنه أكل لدفع الضرر عنه؛ فكان كالأكل لدفع الجوع والعطش)، ففرَّقوا بينهما بأن الإكراه قادحٌ في اختياره، وأما الجوع والعطش فلا يقدحان في اختياره بل يزيدانه. اهـ
والذي اختاره النووي ﵀ هو المنقول عن أحمد أيضًا؛ إلا في مسألة إكراه المرأة على الوطء؛ فالمشهور عنه أنه يفسد صومها، ولا كفارة عليها.
والصحيح ما ذهب إليه النووي: بأنَّ الإكراه يشمل إكراه المرأة على الوطء بشروطه، والله أعلم. (١)
مسألة [٩]: شروط الإكراه .
ذكر أهل العلم للإكراه شروطًا، منها:
١) أن يكون المُكْرِه قادرًا على تحقيق ما هدد به، إما لولاية، أو تَغَلُّب، أو فرط هجوم.
٢) أن يكون المُكْرَه عاجَزًا عن الدفع؛ فإنْ قدر على الدفع بمقاومةٍ، أو استغاثةٍ، أو فرارٍ ونحوه، فلم يفعل؛ لم يكن مُكرهًا.
стр. 2147
٣) أن يكون المتهدد به مما يحرم على المكرِه تعاطيه منه، فلو قال وَلِيُّ القصاص للجاني: طلق امرأتك. أو: أفطر هذا اليوم من رمضان وإلا اقتصصت منك. لم يكن ذلك إكراهًا.
٤) أن يكون المتهدد به عاجلًا، ويغلب على ظن المكلف بأن يوقعه ناجزًا إن لم يفعل ما أمره به، فلو قال: أقتلك غدًا. أو نحو ذلك؛ لم يكن إكراهًا، والله أعلم.
٥) أن يحصل بفعل المكرَه عليه التخلص من المتوعد به.
٦) أن لا يحصل منه الاختيار بعد أن كان مكرهًا كمن أُكره على الزنا ثم أصبح مختارًا له بعد الإيلاج -والعياذ بالله- فهذا لا يُعَدُّ مُكْرَهًا. (١)
стр. 2148
٦٥٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ ذَرَعَهُ القَيْءُ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، وَمَنِ اسْتَقَاءَ فَعَلَيْهِ القَضَاءُ». رَوَاهُ الخَمْسَةُ، وَأَعَلَّهُ أَحْمَدُ، وَقَوَّاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: تقيؤ الصائم .
• ذهب جمهور العلماء إلى أنه يُفطِر إن استقاء وطلب القيء، وأما إنْ غلبه القيء؛ فلا يفطر، واستدلوا:
١) بحديث أبي هريرة ﵁ الموجود في الكتاب، وقد تقدم أنه ضعيفٌ، مُعَلٌّ.
стр. 2149
٢) بحديث أبي الدرداء، وثوبان ﵄: أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قاءَ، فأفطرَ. رواه أبو داود (٢٣٨١)، والترمذي (٨٧)، والنسائي في «الكبرى» (٢/ ٢١٣ - ٢١٤)، والحاكم (١/ ٥٨٩)، وهو في «الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين» (١٩٥)، وقد رُوي الحديث بلفظ: «استقاء»، ولكنها شاذة غير محفوظة، أخرجها النسائي في «الكبرى» (٢/ ٢١٥)، وأحمد (٦/ ٤٤٩)، من طريق: معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن يعيش، عن خالد بن معدان، عن أبي الدرداء، فذكره بلفظ: «استقاء»، وقد وهم معمر في الإسناد والمتن، فقد رواه هشام الدستوائي، وحسين المعلم، وحرب بن شداد، عن يحيى بن أبي كثير، عن الأوزاعي، عن يعيش، عن معدان بن أبي طلحة، عن أبي الدرداء بلفظ: «قاء» كما في المصادر السابقة.
٣) حديث فضالة بن عبيد ﵁، قال: أصبح رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- صائمًا، فقاءَ؛ فأفطرَ، فَسُئل عن ذلك، فقال: «إنِّي قئتُ». أخرجه أحمد (٢٣٩٦٣)، وإسناده حسن؛ لأنَّ ابن إسحاق قد صرَّح بالتحديث.
وقد صحَّ هذا القول عن عبد الله بن عمر ﵄، أخرجه مالك في «الموطإِ» (١/ ٣٤٠)، عن نافعٍ، عنه، وقد نقل ابن المنذر الإجماع على هذا القول، والصحيح وجود الخلاف.
فقد جاء عن ابن عباس بإسناد صحيح أنه قال: الفطر مما دخل، وليس مما خرج. وقد تقدم، وجاء أيضًا عن ابن مسعود، أخرجه عبد الرزاق كما في «نصب
стр. 2150
الراية» (٢/ ٤٥٤) بإسناد منقطع، وقولهما يشمل القَيء.
وقال به أبو هريرة، أسنده البخاري عنه في «صحيحه»، وهو قول عكرمة، وربيعة، ورواية عن مالك، واختاره البخاري، فهؤلاء كلهم يقولون: إنَّ القيءَ لا يفطر، سواء تعمد القيء، أم لا.
واستدلوا بالبراءة الأصلية، وقالوا: لا نحكم بفساد الصوم إلا بدليل صحيح، صريح.
وأجابوا عن أدلة الجمهور بما يلي:
١) حديث أبي هريرة ﵁، تقدم أنه مُعَلٌّ.
١) حديث أبي الدرداء، وثوبان ﵄ وإنْ كان صحيحًا فليس في الحديث التفريق بين الاستقاءة والقيء بدون استقاءة، بل لفظ الحديث: «قاء؛ فأفطر»، ولذلك فقد قال الطحاوي ﵀: ليس في الحديث أنَّ القيء فَطَّرَه، وإنما فيه أنه قاء فأفطر بعد ذلك. وقال بعض أهل العلم فيما حكاه عنهم الترمذي: معناه: قاءَ، فضعفَ، فأفطر.
٢) حديث فضالة ﵁، يقال فيه ما قيل في حديث ثوبان، والقول الثاني هو الراجح، وقد رجح القول الأول شيخنا ﵀ في «الجامع الصحيح»، والشيخ ابن باز، والشيخ ابن عثيمين رحمة الله عليهما. (١)
стр. 2151
فَصْلٌ فِي ذْكْرِ مَسَائِلَ أُخْرَى مِنَ المُفَطّرَات
يبطل الصيام بالأكل، والشرب، والجماع، بالكتاب، والسنة، والإجماع .
أما من الكتاب: فقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة:١٨٧].
وأما من السنة: فقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فيما يرويه عن ربه: «يدع طعامه، وشرابه، وشهوته من أجلي» متفق عليه عن أبي هريرة ﵁.
وأما الإجماع: فقد نقله جمعٌ من العلماء، كابن حزم، وابن المنذر، وابن قدامة، وغيرهم. (١)
تنبيه: الأكل والشرب الذي يفطر بالإجماع هو الذي يُتَغَذَّى به، وأما ما لا يُتَغَذَّى به؛ فقد ذهب بعض أهل العلم إلى الجواز كالحسن بن صالح، وصحَّ عن أبي طلحة الأنصاري ﵁ أنه كان يأكل البرد في الصوم، ويقول: ليس بطعامٍ، ولا شرابٍ. (٢) وبناءً على هذا؛ فمن بلع خاتمًا، أو خرزةً، أو لؤلؤةً، ونحو ذلك فلا
стр. 2152
يُعَدُّ مُفطِرًا.
والذي عليه سائر العلماء أنه يُعَدُّ مُفْطِرًا؛ لعموم الأدلة، وهو الذي رجَّحه شيخ الإسلام ابن تيمية، وكذا الشيخ ابن عثيمين ﵀، وهو الحق بلا ريب. (١)
مسألة [١]: ابتلاع الريق .
إذا كان على العادة فلا يُفَطِّر بالإجماع، نقل الإجماع على ذلك النووي ﵀؛ وذلك لأنه يَعْسُر الاحتراز منه؛ ولأنه مما تعم به البلوى، ولو كان مُفَطِّرًا؛ لَبَيَّنَ ذلك رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.
وأما إذا جمع ريقه في فيه وابتلعه: ففيه وجهان عند الشافعية، والحنابلة، والأصح في المذهبين أنه لا يُفَطِّر؛ لعدم وجود دليل على تفطيره، وهو الذي رجحه ابن قدامة ﵀.
وكما أنه لا يُفَطِّر إذا لم يجمعه -وإن قصد ابتلاعه- فكذلك إذا جمعه، وهو ترجيح الإمام ابن باز، والإمام ابن عثيمين رحمة الله عليهما. (٢)
مسألة [٢]: إذا ابتلع ريق غيره ؟
قال الإمام النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٦/ ٣١٨): اتفق العلماء على أنه إذا ابتلع ريق غيره أفطر. انتهى.
стр. 2153
مسألة [٣]: لو بلَّ الخياط خيطًا بريقه، ثم ردَّه إلى فيه ؟
قال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٦/ ٣١٨): قال أصحابنا: إنْ لم يكن عليه رطوبة تنفصل؛ لم يفطر بابتلاع ريقه بعده بلا خلاف؛ لأنه لم ينفصل شيءٌ يدخل جوفه، وممن نقل اتفاق الأصحاب على هذا: المتولي. وإن كانت رطوبة تنفصل وابتلعها فوجهان حكاهما إمام الحرمين ومتابعوه، والمتولي:
أحدهما: -وهو قول الشيخ أبي محمد الجويني-: لا يفطر. قال: كما لا يفطر بالباقي من ماء المضمضة. وأصحهما -وبه قطع الجمهور-: يفطر؛ لأنه لا ضرورة إليه، وقد ابتلعه بعد مفارقة معدنه وانفصاله. اهـ
قلتُ: ما صححه النووي هو الصحيح -إن شاء الله تعالى- ويلتحق به السواك، فإذا أخرجه من فمه وفيه من ريقه؛ فلا يبلع ذلك الريق مرة أخرى، والله أعلم.
مسألة [٤]: بقية الطعام الذي في خلل الأسنان .
• ذهب الجمهور إلى أنه إذا بلع منه شيئًا؛ فإنه يعد مفطرًا، وهو قول مالك، وأحمد، والشافعي وهو الصحيح؛ لأنه يعد أكل طعام ويمكنه الاحتراز منه، ولا تدعو الحاجة إليه.
• وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا يفطر، ولا دليل على ما ذهب إليه، والله أعلم. (١)
مسألة [٥]: بقايا الطعام الذي يصاحب الريق .
قال ابن المنذر ﵀: أجمع العلماء على أنه لا شيء على الصائم فيما يبلعه مما
стр. 2154
يجري مع الريق مما بين أسنانه مما لا يقدر على رده. قال: فإن قدر على رده فابتلعه عمدًا قال أبو حنيفة: لا يفطر. وقال سائر العلماء: يفطر، وبه أقول. اهـ
قلتُ: وما ذهب إليه ابن المنذر هو الصحيح؛ لكونه طعامًا، فله حكمه، والله أعلم. (١)
مسألة [٦]: ما يوضع في الفم من الطعام للتذوق والمضغ ؟
• ذهب أحمد، والشافعي إلى أنه لا بأس به إذا كان لحاجة، كذوق الطعام من القِدْرِ، والمضغ للطفل، ونحوه، وإذا كان لغير حاجة؛ فيكره.
قال ابن عباس ﵄: لا بأس أن يتطعم الصائم من القدر. أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٤٧) من طريقين، أحدهما فيه: شريك القاضي. والثاني فيه: جابر الجعفي، والأول ضعيف، والثاني متروك، وقد علَّقه البخاري في [كتاب الصيام (٢٥)] بصيغة الجزم.
قال ابن حزم ﵀: وكره بعضهم مضغ الطعام وذوقه، وهذا لا شيء؛ لأنَّ كراهة ما لم يأت قرآن ولا سنة بكراهته خطأ، وهم لا يكرهون المضمضة، ولا فرق بينهما. اهـ
قال المرداوي ﵀: إذا ذاقه فعليه أن يستقصي في البصق، ثم إنْ وجد طعمه في حلقه؛ لم يفطر كالمضمضة، وإنْ لم يستقص في البصق أفطر؛ لتفريطه على الصحيح من المذهب. اهـ
стр. 2155
قال ابن حزم ﵀: ولا يَنْقُض الصومَ مضغُ طعامٍ، أو ذوقه؛ مالم يتعمد بلعه. اهـ. (١)
تنبيه: ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أنه ليس هناك دليل يدل على أنَّ مناط الحكم بالإفطار وصول الطعم إلى الحلق.
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: وهو واضحٌ؛ لأنه أحيانًا يصل الطعم إلى الحلق، ولكن لا يبتلعه، ولا ينزل، ويكون منتهاه الحلق، فمثل هذا لا يمكن أن نتجاسر ونقول: إن الإنسان يفطر بذلك. اهـ (٢)
مسألة [٧]: مضغ العِلْك .
الْعِلْك: بكسر المهملة، وسكون اللام، بعدها كاف: كل ما يمضغ ويبقى في الفم، كالمصطك، واللبان، وله حالتان:
الأولى: أنْ يتحلل منه أجزاء.
قال ابن المنذر: فإنْ تحلَّبَ منه شيء، فازدرده؛ فالجمهور على أنه يفطر. اهـ
وجزم بفطره ابن قدامة، والحافظ ابن حجر، ثم الإمام ابن عثيمين ﵀.
الثانية: أنْ لا يتحلل منه شيء.
قال ابن المنذر ﵀: ورخص في مضغ العلك أكثر العلماء إنْ كان لا يتحلب
стр. 2156
منه شيء. اهـ
وقد كرهه أحمد، والشافعي، والشعبي، والنخعي، وأصحاب الرأي؛ وذلك لأنه يمتص الريق، ويجهد الصائم، ويورثه العطش، وذهب ابن حزم إلى إباحته.
قال النووي ﵀: ولو نزل طعمه في جوفه، أو ريحه دون جرمه لم يفطر؛ لأنَّ ذلك الطعم بمجاورة الريق له، هذا هو المذهب، وبه قطع الجمهور، وحكى الدارمي وجهًا عن ابن القطان أنه إنِ ابتلع الريق وفيه طعمه أفطر، وليس بشيء. اهـ
فائدة: جاء الترخيص عن عائشة ﵂ في العلك للصائم. أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٣٧)، وفي إسناده ليث بن أبي سليم، وهو ضعيف مختلط. وجاء عن أم حبيبة ﵂ كراهة ذلك، أخرجه ابن أبي شيبة، والبيهقي، وفي إسناده عدد من المجاهيل. (١)
مسألة [٨]: ابتلاع النخامة هل يعد مفطرًا ؟
لها حالتان:
الأولى: أن لا تصل إلى الفم، وإلى حَدِّهِ الظاهر، بل تنزل من الدماغ، فتذهب إلى الجوف؛ فلا تُعَدُّ مُفَطِّرَة.
قال النووي ﵀: قال أصحابنا: النخامة إنْ لم تحصل في حد الظاهر من الفم؛ لم تضر بالاتفاق. اهـ
стр. 2157
الثانية: أن تصل إلى الفم، ثم يبتلعها، ففيه قولان:
أحدهما: المشهور عند الحنابلة وهو مذهب الشافعية أنه يفطر، وقال به خليل المالكي، وهو ظاهر ترجيح الإمام ابن باز ﵀ حيث قال: ولا يجوز للصائم بلعها؛ لإمكان التحرز منها، وليست مثل الريق.
ثانيهما: رواية عن أحمد نصرها ابن عقيل الحنبلي، وهو وجهٌ شاذٌّ عند الشافعية، أنه لا يعد مفطرًا، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، وهو ترجيح شيخنا مقبل بن هادي، والشيخ ابن عثيمين رحمة الله عليهما؛ لأنها لم تخرج من الفم؛ فأشبهت الريق، ولا يُعدُّ بلعها أكلًا، ولا شربًا، وهذا القول هو الراجح -والله أعلم- لأنَّ الأصل صحة الصوم، ولا يحكم بفساده إلا بدليل صحيح صريح. (١)
مسألة [٩]: من تمضمض، أو استنشق، فغلبه الماء، فدخل جوفه ؟
• ذهب أحمد، وإسحاق، وأبو ثور إلى أنه لا يبطل صومه، وهو قول الحسن البصري، وترجيح ابن حزم، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب:٥] وبالحديث: «إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان» وهو مُعَلٌّ (٢) وهذا هو ظاهر ترجيح البخاري، ورجَّحه الإمام ابن عثيمين، وهو الراجح، والله أعلم.
стр. 2158
• وذهب مالك، وأبو حنيفة إلى بطلان صومه مطلقًا، قال الماوردي: وهو قول أكثر الفقهاء، لكن شرط أبو حنيفة أن يكون ذاكرًا لصومه.
واحتج من حكم عليه بالفطر بحديث لقيط بن صبرة: أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «وبالغ في الاستنشاق؛ إلا أن تكون صائمًا»، ولا حجة لهم في هذا الحديث؛ فإنَّ غاية ما في هذا أنَّ الصائم ليس مأمورًا بالمبالغة، وليس فيه أنه إذا بالغ فدخل حلقه شيء من غير قصده أنه يفطر، لكن ينبغي له أن لا يبالغ؛ لكون المبالغة مظنة لدخول شيء إلى جوفه، والله أعلم. (١)
مسألة [١٠]: استعمال الإبر التي في الوريد وفي العضل .
الذي يظهر أنَّ هذه الإبر إنْ كانت للتغذية؛ فَتُفَطِّر، وإن لم تكن كذلك فلا تُفَطِّر، وقد أفتى بهذا سماحة الشيخ الإمام عبد العزيز بن باز، والإمام العثيمين، والإمام الفوزان رحمة الله عليهم. (٢)
مسألة [١١]: القَلَْس .
الْقَلَْس: بفتح القاف، وسكون اللام وفتحها هو أن يبلغ الطعام إلى الحلق، وربما إلى الفم، وقد يرجع إلى المعدة إذا كان إلى الحلق، ويحصل للشبعان.
وأما حكمه: فإذا خرج، ثم عاد بغير اختياره لم يفطره، وإذا ابتلعه عمدًا؛
стр. 2159
فإنه يفطر، وقد نصَّ عليه أحمد، ثم ابن حزم رحمة الله عليهما، وهو مقتضى قول الجمهور؛ لأنهم لم يحكموا على المتقيء بالفطر؛ فهذا من باب أولى. (١)
مسألة [١٢]: هل يلزم الصائم تنشيف فمه بعد المضمضة ؟
قال النووي ﵀ في «المجموع» (٦/ ٣٢٧): قال المتولي وغيره: إذا تمضمض الصائم لزمه مج الماء، ولا يلزم تنشيف فمه بخرقة ونحوها بلا خلاف. قال المتولي: لأنَّ في ذلك مشقة. قال: ولأنه لا يبقى في الفم بعد المج إلا رطوبة لا تنفصل عن الموضع؛ إذ لو انفصلت لخرجت في المج، والله تعالى أعلم. اهـ
قلتُ: ولو كان يلزمه التنشيف؛ لأمر بذلك النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لعموم البلوى به وحاجة الناس إليه، فهذا يدل على ما ذكر المتولي، والله أعلم.
مسألة [١٣]: لو استاك الصائم بسواك رطب فانفصل من رطوبته، أو خَشَبهِ الْمُتشعِّب شيءٌ وابتلعه ؟
قال النووي ﵀ في «المجموع» (٦/ ٣١٨): يفطر بلا خلاف، صرَّح به الفوراني وغيره. اهـ
والمقصود بالرطوبة هو السائل الذي يخرج من السواك عند أن يكون رطبًا، ويكون حارًّا، وإنما جزم النووي ﵀ بأنه يفطر لكونه يمكن التحرز منه.
أما إذا استاك بالسواك بعد التحرز من تلك المادة الرطبة وذهابها؛ فلا يضره ذلك وإنْ وجد له طعمٌ؛ لأنه لا يوجد إلا ريقه، وإنما أصابه ذلك الطعم
стр. 2160
لمجاورته للسواك، والله أعلم.
مسألة [١٤]: ما حكم استعمال الصائم للسواك ؟
• أما إن كان السواك يابسًا: فذهب أحمد، والشافعي، وإسحاق إلى استحبابه قبل الزوال، وكراهته بعد الزوال.
واستدلوا بما يلي:
١) حديث علي ﵁ مرفوعًا: «إذا صمتم فاستاكوا بالغداة، ولا تستاكوا بالعشي» أخرجه الدارقطني (٢/ ٢٠٤).
٢) قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك» متفق عليه عن أبي هريرة ﵁.
• وذهب الإمام مالك، وأبو حنيفة إلى استحبابه مطلقًا، واختار ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
واستدلوا على ذلك بما يلي:
١) حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة» متفق عليه، وفي رواية صحيحة عند غيرهما: «عند كل وضوء».
٢) حديث عامر بن ربيعة ﵁ قال: رأيت النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ما لا أحصي يتسوك وهو صائم. أخرجه أحمد (٣/ ٤٤٥)، وأبو داود (٢٣٦٤)، والترمذي (٧٢٥)،
стр. 2161
وهو حديث ضعيفٌ، فيه: عاصم بن عبيد الله ضعيفٌ.
٣) حديث عائشة ﵂ أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «السواك مطهرة للفم، مرضاة للرب» رواه النسائي (١/ ١٠) وغيره، وهو حديث حسن.
وهذا القول هو ترجيح الإمام البخاري في «صحيحه»، وهو الراجح.
وأما الرد على أدلة المذهب الأول فكما يلي:
١) حديث علي ضعيفٌ، في إسناده: كيسان أبو عمر القصار ليس بالقوي، ويزيد بن بلال غير معروفٍ، وقد ضعَّفه الإمام الألباني في «الإرواء» (٦٧).
٢) السواك لا يزيل الخلوف؛ لأنَّ مصدره من المعدة لا من الفم الذي يطهره السواك، ثم إنَّا لسنا متعبدين بإبقائه، ثم إنَّ على من ذهب إلى التفصيل بين ما قبل الزوال وما بعده، الدليلُ على هذا التفصيل، ومن المعلوم أيضًا أنَّ الخلوف قد يأتي لبعض الناس قبل الزوال، وقد لا يأتي لبعض الناس إلا قبل المغرب بيسير؛ لتفاوتهم في الأكل والشرب، وصحة الجسم، والهضم.
• وأما إذا كان السواك رطبًا فذهب إلى كراهته: الشعبي، وقتادة، والحكم، وإسحاق، ومالك في رواية، وهي رواية عن أحمد؛ لاحتمال أن يتحلل منه أجزاء إلى حلقه فيفطره.
• وذهب أحمد في رواية إلى أنه لا يكره، وبه قال الثوري، والأوزاعي، وأبو
стр. 2162
حنيفة، ورُوي عن علي، وابن عمر (١)،
وعروة، ومجاهد، وهو ترجيح البخاري، وابن حزم، وهو الراجح لعموم الأدلة؛ إلا أنه ينبغي له أن يتحرز من الرطوبة في أول الأمر، ولا يبلعها. (٢)
مسألة [١٥]: استعمال معجون الأسنان .
استعمال المعجون للصائم لا بأس به إذا لم ينزل إلى جوفه، وبهذا أفتى الإمام ابن باز، والإمام ابن عثيمين، والإمام صالح الفوزان وغيرهم رحمة الله عليهم أجمعين.
قال الإمام ابن عثيمين ﵀: لكن الأولى عدم استعماله؛ لأنَّ له نفوذًا قويًّا، قد ينفذ إلى المعدة، والإنسان لا يشعر به، ولهذا قال النبي ﷺ للقيط بن صبرة: «وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا» (٣). (٤)
مسألة [١٦]: شرب الدخان .
شرب الدخان يُعَدُّ من المفطرات؛ لأنَّ له أجرامًا تصل إلى المعدة، ولذلك فإنَّ الذي يشرب الدخان تكون معدته مُسْوَدَّة من الدخان، وقد أفتى الإمام ابن
стр. 2163
عثيمين ﵀ بأنَّ الدخان يُعَدُّ من المفطرات، والله أعلم. (١)
مسألة [١٧]: البخاخ الذي يستعمل في مرض الربو .
قال الإمام ابن عثيمين ﵀: استعمال هذا البخاخ جائزٌ للصائم، سواء كان صيامه في رمضان، أم في غير رمضان ... ؛ وذلك لأنَّ هذا البخاخ لا يصل إلى المعدة، وإنما يصل إلى القصبات الهوائية، فتنفتح بما فيه من خاصِيَّة، ويتنفس الإنسان تنفسًا عاديًّا بعد ذلك، فليس هو بمعنى الأكل والشرب، ولا أكلًا ولا شربًا يصل إلى المعدة، ومعلوم أنَّ الأصل صحة الصوم حتى يوجد دليل على الفطر من كتابٍ، أو سنةٍ، أو إجماعٍ، أو قياسٍ صحيح. اهـ (٢)
مسألة [١٨]: إذا أفسد الصائم صومَه بإحدى المبطلات التي تقدمت، فهل يلزمه إمساك بقية يومه ؟
قال النووي ﵀: إذا أفطر الرجل، أو المرأة في نهار رمضان بالجماع لغير عذرٍ؛ لزمه الإمساك بقية النهار بلا خلاف؛ لأنه أفطر بغير عذر. اهـ
وقد نقل ابن قدامة الإجماعَ على ذلك.
قلتُ: أما الإجماع؛ فلم يثبت، فقد خالف عطاء كما في مصنف عبد الرزاق (٧٤٦٤)، وابن أبي شيبة (٣/ ٥٤)؛ فقال: إن شاء أكل وشرب.
والصحيح أنه لا يباح له ذلك، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾،
стр. 2164
فقد حرَّمَ الله عليه الأكل، والشرب، والجماع طوال النهار بهذا النص.
ثم رأيت شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ جزم بذلك كما في «مجموع الفتاوى»، واستدل بالآية التي ذكرتها، فلله الحمد. (١)
مسألة [١٩]: من تعمد فطر يومٍ من رمضان؛ فهل عليه قضاؤه ؟
• ذهب الجمهور، والأئمة الأربعة إلى أنه يجب عليه قضاؤه؛ لأنَّ الصوم كان عليه في الذمة، فلا تبرأ إلا بأدائه.
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني»: عليه القضاء، لا نعلم في ذلك خلافًا.
قلتُ: إنْ أراد نفي الخلاف في مذهبه فذاك، وإلا فالواقع وجود الخلاف، فقد خالف ابن مسعود (٢)، وأبو هريرة (٣)، فقالا: لا يجزئه قضاؤه وإنْ صام الدهر.
ورُوي ذلك عن علي بن أبي طالب (٤)، وذكره ابن حزم عن أبي بكر بسند منقطع. (٥)
стр. 2165
ورجَّح ذلك ابن حزم -واستثنَى القيء عمدًا-؛ لحديث: «ومن استقاء فعليه القضاء»، وقد تقدم ما فيه.
وقد رجَّح هذا شيخنا ﵀، وهذا هو الراجح؛ لأنّ الله أوجب صيام أيامٍ محدودة، فمن لم يفعل ما أمره الله يكون قد تعدى حدود الله، وليس هناك دليل يدل على أنه إذا صام يومًا بدلًا منه أنه يجزئه.
وقد جاء حديث يدل على ذلك، ولكنه ضعيفٌ، وهو ما أخرجه الأربعة (١) عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «من أفطر يومًا من رمضان لغير عذر؛ لم يجزه صيام الدهر»، وفيه: أبو المطوس مجهول الحال، وفي سنده اضطراب على حبيب بن أبي ثابت، وأبو أبي المطوس مجهول، ولا يُدرى أسمع من أبي هريرة أم لا.
وأما الرد على قول من قال: (الصوم في الذمة، فلا تبرأ الذمة إلا بأدائه).
فالجواب: أنَّ الله قد حدَّ حدًّا لأدائه، فمن لم يؤده في الوقت الذي أمره الله أن يؤديه فيه؛ فقد فرَّط وعصى، ولا دليل يدل على أنه يمكنه أن يستدركه بعد خروج الوقت الذي حدَّه الله تعالى له.
وقد جاء عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن أنه قال: يلزمه أن يصوم اثني عشر يومًا. وقال سعيد بن المسيب: يلزمه صوم ثلاثين يومًا. ولا دليل على ما ذهبا إليه. (٢)
وأما من السنة: فالأحاديث فيه كثيرة، منها: أحاديث الباب، وجاءت الرخصة أيضًا في ذلك من حديث ابن عباس، وأبي سعيد، وعائشة، وأبي الدرداء، وكلها في «الصحيح».
وأما الإجماع: فقد نقل النووي، وابن قدامة الإجماع على ذلك في الجملة. (١)
مسألة [٢]: هل تشمل الرخصةُ سفرَ المعصية، أم لا ؟
• ذهب مالك، والشافعي، وغيرهما إلى أنَّ الرخصة لا تشمل سفر المعصية؛ لأنه عاصٍ، فلا يُعان على ذلك.
• وذهب أبو حنيفة، وداود الظاهري إلى أنها تشمل سفر المعصية، ورجَّح ذلك ابن حزمٍ، ثم قال: وبرهان صحة قولنا قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٥]، فعمَّ تعالى الأسفار كلها، ولم يخص سفرًا من سفر: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم:٦٤].اهـ
وهذا القول هو الراجح، والله أعلم. (٢)
مسألة [٣]: هل يجوز للمسافر الصوم في سفره ؟
• ذهبت طائفة إلى أنه لا يجوز للمسافر الصوم في السفر، وهو قول بعض أهل الظاهر، كداود، وابن حزم، وحُكِي هذا المذهب عن أبي هريرة، وابن عباس، (٣)
стр. 2168
وعن النخعي، والزهري.
واستدلوا بما يلي:
١) حديث: «صَائِمُ رَمَضَانَ فِي السَّفَرِ كَالمُفْطِرِ فِي الْحضَرَ» أخرجه النسائي (٤/ ١٨٣)، وابن ماجه (١٦٦٦)، من حديث عبدالرحمن بن عوف ﵁.
١) قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٥].
٢) قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ» أخرجه البخاري (١٩٤٦)، ومسلم (١١١٥) من حديث جابر ﵁.
٣) قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في الذين صاموا: «أُولَئِكَ الْعُصَاةُ».
• وذهب جمهور العلماء، والأئمة الأربعة إلى جواز الصيام في السفر، واستدلوا بأحاديث كثيرة منها: حديث أنس، وجابر، وأبي سعيد، وكلها في «الصحيح» (١)، والمعنى متقارب: «كُنَّا نسافر مع رسول الله ﷺ فمنا الصائم، ومنا المفطر، فلا يعيب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم. وحديث حمزة بن عمرو الأسلمي الذي في الكتاب.
وأجابوا عن أدلة المذهب الأول بما يلي:
١) أما حديث: «صائم رمضان في السفر كالمفطر في الحضر»: فالصحيح فيه أنه من قول عبد الرحمن بن عوف، وليس مرفوعًا، رجَّح ذلك أبو زرعة كما
стр. 2169
في «العلل» لابن أبي حاتم (١/ ٢٣٩)، والدارقطني في «العلل» (٤/ ٢٨٣)، وأشار إليه النسائي.
قال البيهقي ﵀ في «الكبرى» (٤/ ٢٨٣): ورُوي مرفوعًا، وإسناده ضعيفٌ.
قلتُ: والموقوف على عبد الرحمن بن عوف لا يثبت أيضًا؛ فإنه من رواية ولده أبي سلمة عنه، وقد نصَّ أئمة العلل أنه لم يسمع منه.
٢) قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤]، معناها: أو على سفر، فأراد الفطر، فأفطر؛ فعليه عدة من أيام أُخر، وقلنا ذلك جمعًا بين الآية وبين الأحاديث.
٣) حديث: «ليس من البر الصيام في السفر»، هذا الحديث قد خرج على حالةٍ يقصر عليها، وهي أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مرَّ برجلٍ قد غُشي عليه من الصوم، ثم ظلل عليه، فقال: «ما شأنه؟» قالوا: صائم. قال: «ليس من البر الصيام في السفر»، فيحمل هذا الحديث على من كان الصوم يشق عليه، أو يؤدي به إلى ترك ما هو أولى من الصوم من وجوه القُرَب.
قال ابن دقيق العيد: والمانعون في السفر يقولون: إنَّ اللفظ عامٌّ، والعبرة بعمومه لا بخصوص السبب.
قال: وينبغي أن ينتبه للفرق بين دلالة السبب والسياق والقرائن على تخصيص العام على مراد المتكلم، وبين مجرد ورود العام على سبب؛ فإنَّ بين العامين فرقًا
стр. 2170
واضحًا، ومن أجراهما مجرًى واحدًا لم يصب. اهـ
قال الصنعاني ﵀: وأما حديث: «ليس من البر»، فإنما قاله ﷺ فيمن شقَّ عليه الصيام، نعم يتم الاستدلال بتحريم الصوم في السفر على من شق عليه. اهـ
١) قول النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- للذين صاموا: «أولئك العصاة»، فعنه جوابان:
الأول: أنه كان قد شق عليهم كما ورد في نفس الحديث، كما في الباب، فيختص المنع بمن شق عليه كما تقدم في كلام الصنعاني ﵀.
الثاني: وهو المعتمد أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أمرهم بالفطر عزيمةً كما جاء في «صحيح مسلم» من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: فنزلنا منزلًا، فقال رسول الله ﷺ : «إنكم مصبحوا عدوكم والفطر أقوى لكم، فأفطروا»، فكانت عزمة، فأفطرنا ...
٢) قول ابن عباس ﵄: إن الفطر عزمة. محمول على من شق عليه الصيام، ويدل على ذلك أنه قال، كما في «الصحيحين»: قد صام رسول الله ﷺ في السفر، وأفطر؛ فمن شاء صام، ومن شاء أفطر، وبالله التوفيق.
وقول الجمهور هو الراجح، والله أعلم. (١)
مسألة [٤]: أيهما أفضل للمسافر: الصوم، أم الفطر ؟
• ذهب الأوزاعي، وأحمد، وإسحاق إلى أنَّ الفطر أفضل، واستدلوا:
١) بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «ليس من البر الصيام في السفر». (٢)
стр. 2171
٢) قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «عليكم برخصة الله التي رخص لكم». (١)
٢) قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إن الله يحب أن تؤتى رُخَصُهُ كما يكره أن تُؤتى معصيتُه». (٢)
٣) حديث حمزة بن عمرو الأسلمي الذي في الكتاب.
٤) قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥].
وقد رجَّح هذا القول ابن قدامة، وشيخ الإسلام ابن تيمية.
• وذهب عمر بن عبد العزيز، ورجَّحه ابن المنذر إلى أنَّ أفضلهما أيسرهما، واستدلوا بالآية الأخيرة التي استدل بها أهل القول الأول.
• وذهب الجمهور، ومنهم مالك، والشافعي، إلى أنَّ الصوم أفضل لمن قَوِي عليه، ولم يشق عليه، واستدلوا:
١) بحديث أبي الدَّرْدَاء في «الصحيحين» (٣): خرجنا مع رسول الله ﷺ في حرٍّ شديد في شهر رمضان، وما فينا صائمٌ إلا رسول الله ﷺ ، وعبد الله بن رواحة.
٢) حديث أبي سعيد في «صحيح مسلم» (١١١٦)(٩٦): ... ، فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم، يرون أنَّ من وجد قوةً فصام؛ فإنَّ ذلك حسنٌ، ومن وجد ضعفًا فأفطر؛ فإنَّ ذلك حسنٌ.
стр. 2172
٣) قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران:١٣٣]، وقوله: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: ١٤٨ /المائدة:٤٨].
٤) أنه أسرع في إبراء الذمة، وصومه مع الناس أسهل على المكلف.
وأجاب الجمهور على أدلة المتقدمين: بأنها محمولة على من يشتد عليه الصوم، ويتضرر به، وكذلك من ظُنَّ به الإعراض عن قبول الرخصة، وكذلك من خاف على نفسه العُجب، أو الرياء إذا صام في السفر.
وقول عمر بن عبد العزيز المتقدم راجع إلى قول الجمهور.
• وقد ذهب بعضهم إلى أنَّ المسافر يستوي في حقه الصيام والفطر.
والراجح -والله أعلم- هو قول الجمهور، وقد رجَّحه النووي، والحافظ ابن حجر رحمة الله عليهما. (١)
مسألة [٥]: لو أصبح في أثناء سفره صائمًا، ثم أراد أن يُفطر في نهاره من غير عذر، فهل له ذلك ؟
• الذي نصَّ عليه الشافعية، والحنابلة، وغيرهم: أنَّ له أن يفطر، واستدلوا بحديث ابن عباس في «الصحيحين» (٢) أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- خرج إلى مكة في رمضان فصام حتى بلغ الكديد أفطر، فأفطر الناس. وبحديث جابر الذي في الباب.
стр. 2173
• وذهب مالك إلى أنه لا يجوز له الفطر، وإذا أفطر؛ فعليه القضاء والكفارة؛ لأنه كان مخيرًا بين الصوم والفطر، فلما اختار الصوم صار من أهله، وعنه رواية: أنَّ عليه القضاء فقط، واختارها أكثر أصحابه.
والراجح القول الأول، وهو ترجيح النووي، وابن قدامة. (١)
مسألة [٦]: إذا سافر المقيم، فهل له الفطر في ذلك اليوم ؟
هذه المسألة لها أربع حالات:
الحالة الأولى: أن يبدأ السفر في الليل، ويفارق عمران البلد قبل الفجر.
• قال النووي: له الفطر بلا خلاف. وقال ابن قدامة: له الفطر في قول عامة أهل العلم. وقال عبيدة السلماني، وأبو مجلز، وسويد بن غفلة: لا يفطر من سافر بعد دخول الشهر؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:١٨٥].
الحالة الثانية: أن يسافر بعد طلوع الفجر.
• فمذهب الشافعي، ومالك، وأبي حنيفة: أنه ليس له الفطر في ذلك اليوم، وهو رواية عن أحمد؛ وذلك لأن الصوم عبادة تختلف في السفر والحضر، فإذا اجتمعا فيها غلب حكم الحضر كالصلاة. قالوا: وإذا أفطر فليس عليه إلا القضاء، وخالف بعض أصحاب مالك، فأوجبوا الكفارة، وردَّ عليهم ابن عبد البر.
• وذهب أحمد في رواية، وهو قول إسحاق، وداود، وابن المنذر، والشعبي إلى
стр. 2174
أنَّ له الفطر، واسْتُدِلَّ لهم بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤]، فالآية عامة، وقالوا: السفر معنى لو وجد ليلًا واستمر في النهار لأباح له الفطر، فإذا وجد في أثنائه أباحه كالمرض، وهذا القول هو الراجح.
قال ابن قدامة: وهو أصح؛ للخبر، ولأنَّ الصوم يفارق الصلاة؛ فإنَّ الصلاة يلزم إتمامها بنيته بخلاف الصوم. اهـ
الحالة الثالثة: أن ينوي الصيام من الليل، ثم يسافر، ولا يعلم هل سافر قبل الفجر، أم بعده؟
فعلى القول الذي اخترناه في الحالة التي قبل هذه فلا إشكال في أنه يجوز له الفطر، وعلى القول الثاني أعني مذهب الشافعي ومن معه أنه لا يجوز له الفطر، فقد قطع الصيمري وصاحب «البيان» وغيرهما أنه ليس له الفطر؛ لأنه يشك في مبيح الفطر، ولا يباح بالشك. والراجح هو الجواز، والله أعلم.
الحالة الرابعة: أن يسافر من بعد الفجر، ولم يكن نوى الصيام.
قال النووي ﵀: فهذا ليس بصائم؛ لإخلاله بالنية من الليل، فعليه قضاؤه، ويلزمه الإمساك هذا اليوم؛ لأنَّ حرمته قد ثبتت بطلوع الفجر وهو حاضرٌ، وهكذا ذكر الصيمري، والماوردي، وصاحب «البيان»، وهو ظاهرٌ، ويجيء فيه قول المزني والوجه الموافق له يعني أن له أن يفطر والله أعلم. (١)
стр. 2175
مسألة [٧]: إذا سافر المقيم فمتى يباح له الفطر ؟
• ذهب الشافعية، والمالكية، والحنابلة إلى أنه يفطر عند أن يُفارق بيوت قريته، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:١٨٥]، وهذا شاهد، ولا يوصف بكونه مسافرًا حتى يخرج من البلد، ومهما كان في البلد فله أحكام الحاضرين، ولذلك لا يقصر الصلاة.
• وذهب الحسن البصري، وهو قول إسحاق، ورُوي عن عطاء أنَّ له أن يفطر، ولو من بيته إذا كان قد عزم على السفر وتهيأ له.
واستدلوا بما أخرجه الترمذي (٧٩٩)، من طريق: عبد الله بن جعفر المديني -والد علي- ومحمد بن جعفر، واللفظ للمديني، عن زيد بن أسلم، عن محمد بن كعب، قال: أتيت أنسًا وقد رحلت له راحلته، ولبس ثياب السفر، فدعا بطعام، فأكل، فقلت له: سنة؟ قال: سنة. ثم ركب.
وهذا الحديث ذكره ابن أبي حاتم في «العلل» (١/ ٢٣٩) وذكر أنَّ الدراوردي رواه عن زيد بن أسلم، عن محمد بن المنكدر، عن محمد بن كعب به، وفيه: فقلنا: سنة؟ قال: ليس بسنة. ثم قال: قال أبي: حديث الدراوردي أصح. اهـ
وعلى هذا فالراجح هو القول الأول، والله أعلم. (١)