← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 165

فتح العلام في دراسة أحاديث بلوغ المرام ط 4

محمد بن علي بن حزام البعداني

Полный текст (5 956 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.

стр. 2171

٢) قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «عليكم برخصة الله التي رخص لكم». (١) ٢) قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إن الله يحب أن تؤتى رُخَصُهُ كما يكره أن تُؤتى معصيتُه». (٢) ٣) حديث حمزة بن عمرو الأسلمي الذي في الكتاب. ٤) قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥]. وقد رجَّح هذا القول ابن قدامة، وشيخ الإسلام ابن تيمية. • وذهب عمر بن عبد العزيز، ورجَّحه ابن المنذر إلى أنَّ أفضلهما أيسرهما، واستدلوا بالآية الأخيرة التي استدل بها أهل القول الأول. • وذهب الجمهور، ومنهم مالك، والشافعي، إلى أنَّ الصوم أفضل لمن قَوِي عليه، ولم يشق عليه، واستدلوا: ١) بحديث أبي الدَّرْدَاء في «الصحيحين» (٣): خرجنا مع رسول الله ﷺ في حرٍّ شديد في شهر رمضان، وما فينا صائمٌ إلا رسول الله ﷺ ، وعبد الله بن رواحة. ٢) حديث أبي سعيد في «صحيح مسلم» (١١١٦) (٩٦): ... ، فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم، يرون أنَّ من وجد قوةً فصام؛ فإنَّ ذلك حسنٌ، ومن وجد ضعفًا فأفطر؛ فإنَّ ذلك حسنٌ.

стр. 2172

٣) قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران:١٣٣]، وقوله: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: ١٤٨ /المائدة:٤٨]. ٤) أنه أسرع في إبراء الذمة، وصومه مع الناس أسهل على المكلف. وأجاب الجمهور على أدلة المتقدمين: بأنها محمولة على من يشتد عليه الصوم، ويتضرر به، وكذلك من ظُنَّ به الإعراض عن قبول الرخصة، وكذلك من خاف على نفسه العُجب، أو الرياء إذا صام في السفر. وقول عمر بن عبد العزيز المتقدم راجع إلى قول الجمهور. • وقد ذهب بعضهم إلى أنَّ المسافر يستوي في حقه الصيام والفطر. والراجح -والله أعلم- هو قول الجمهور، وقد رجَّحه النووي، والحافظ ابن حجر رحمة الله عليهما. (١) مسألة [٥]: لو أصبح في أثناء سفره صائمًا، ثم أراد أن يُفطر في نهاره من غير عذر، فهل له ذلك ؟ • الذي نصَّ عليه الشافعية، والحنابلة، وغيرهم: أنَّ له أن يفطر، واستدلوا بحديث ابن عباس في «الصحيحين» (٢) أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- خرج إلى مكة في رمضان فصام حتى بلغ الكديد أفطر، فأفطر الناس. وبحديث جابر الذي في الباب.

стр. 2173

• وذهب مالك إلى أنه لا يجوز له الفطر، وإذا أفطر؛ فعليه القضاء والكفارة؛ لأنه كان مخيرًا بين الصوم والفطر، فلما اختار الصوم صار من أهله، وعنه رواية: أنَّ عليه القضاء فقط، واختارها أكثر أصحابه. والراجح القول الأول، وهو ترجيح النووي، وابن قدامة. (١) مسألة [٦]: إذا سافر المقيم، فهل له الفطر في ذلك اليوم ؟ هذه المسألة لها أربع حالات: الحالة الأولى: أن يبدأ السفر في الليل، ويفارق عمران البلد قبل الفجر. • قال النووي: له الفطر بلا خلاف. وقال ابن قدامة: له الفطر في قول عامة أهل العلم. وقال عبيدة السلماني، وأبو مجلز، وسويد بن غفلة: لا يفطر من سافر بعد دخول الشهر؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:١٨٥]. الحالة الثانية: أن يسافر بعد طلوع الفجر. • فمذهب الشافعي، ومالك، وأبي حنيفة: أنه ليس له الفطر في ذلك اليوم، وهو رواية عن أحمد؛ وذلك لأن الصوم عبادة تختلف في السفر والحضر، فإذا اجتمعا فيها غلب حكم الحضر كالصلاة. قالوا: وإذا أفطر فليس عليه إلا القضاء، وخالف بعض أصحاب مالك، فأوجبوا الكفارة، وردَّ عليهم ابن عبد البر. • وذهب أحمد في رواية، وهو قول إسحاق، وداود، وابن المنذر، والشعبي إلى

стр. 2174

أنَّ له الفطر، واسْتُدِلَّ لهم بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤]، فالآية عامة، وقالوا: السفر معنى لو وجد ليلًا واستمر في النهار لأباح له الفطر، فإذا وجد في أثنائه أباحه كالمرض، وهذا القول هو الراجح. قال ابن قدامة: وهو أصح؛ للخبر، ولأنَّ الصوم يفارق الصلاة؛ فإنَّ الصلاة يلزم إتمامها بنيته بخلاف الصوم. اهـ الحالة الثالثة: أن ينوي الصيام من الليل، ثم يسافر، ولا يعلم هل سافر قبل الفجر، أم بعده؟ فعلى القول الذي اخترناه في الحالة التي قبل هذه فلا إشكال في أنه يجوز له الفطر، وعلى القول الثاني أعني مذهب الشافعي ومن معه أنه لا يجوز له الفطر، فقد قطع الصيمري وصاحب «البيان» وغيرهما أنه ليس له الفطر؛ لأنه يشك في مبيح الفطر، ولا يباح بالشك. والراجح هو الجواز، والله أعلم. الحالة الرابعة: أن يسافر من بعد الفجر، ولم يكن نوى الصيام. قال النووي ﵀: فهذا ليس بصائم؛ لإخلاله بالنية من الليل، فعليه قضاؤه، ويلزمه الإمساك هذا اليوم؛ لأنَّ حرمته قد ثبتت بطلوع الفجر وهو حاضرٌ، وهكذا ذكر الصيمري، والماوردي، وصاحب «البيان»، وهو ظاهرٌ، ويجيء فيه قول المزني والوجه الموافق له يعني أن له أن يفطر والله أعلم. (١)

стр. 2175

مسألة [٧]: إذا سافر المقيم فمتى يباح له الفطر ؟ • ذهب الشافعية، والمالكية، والحنابلة إلى أنه يفطر عند أن يُفارق بيوت قريته، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:١٨٥]، وهذا شاهد، ولا يوصف بكونه مسافرًا حتى يخرج من البلد، ومهما كان في البلد فله أحكام الحاضرين، ولذلك لا يقصر الصلاة. • وذهب الحسن البصري، وهو قول إسحاق، ورُوي عن عطاء أنَّ له أن يفطر، ولو من بيته إذا كان قد عزم على السفر وتهيأ له. واستدلوا بما أخرجه الترمذي (٧٩٩)، من طريق: عبد الله بن جعفر المديني -والد علي- ومحمد بن جعفر، واللفظ للمديني، عن زيد بن أسلم، عن محمد بن كعب، قال: أتيت أنسًا وقد رحلت له راحلته، ولبس ثياب السفر، فدعا بطعام، فأكل، فقلت له: سنة؟ قال: سنة. ثم ركب. وهذا الحديث ذكره ابن أبي حاتم في «العلل» (١/ ٢٣٩) وذكر أنَّ الدراوردي رواه عن زيد بن أسلم، عن محمد بن المنكدر، عن محمد بن كعب به، وفيه: فقلنا: سنة؟ قال: ليس بسنة. ثم قال: قال أبي: حديث الدراوردي أصح. اهـ وعلى هذا فالراجح هو القول الأول، والله أعلم. (١)

стр. 2176

فَصْل فِي ذِكْرِ بَعْضِ المَسَائِلِ المُلْحَقَة مسألة [١]: مقدار السفر الذي يفطر فيه . • ذهب مالك، والشافعي، وأحمد إلى أنه مسيرة يومين قاصدين بسير الإبل والأقدام، وهو ستة عشر فرسخًا كما بين مكة وعسفان. • وذهب أبو حنيفة إلى تحديده بثلاثة أيام. • وذهب طائفة من السَّلف والخَلَف إلى عدم التحديد، وقالوا: يفطر ويقصر فيما سُمِّي سفرًا، ولو كان أقل من يومين، وقواه شيخ الإسلام ابن تيمية، وقال: فإنه قد ثبت أنَّ النبي ﷺ كان يصلي بعرفة، ومزدلفة، ومنى بالناس، يقصر وخلفه أهل مكة، وغيرهم يصلون بصلاته، ولم يأمر أحدًا منهم بالإتمام. اهـ وقد رجَّح هذا القول الحافظ ابن القيم في «زاد المعاد» وهو الراجح، والله أعلم. (١) مسألة [٢]: إذا قدم المسافر وهو مفطر، فهل يلزمه إمساك بقية يومه ؟ • في هذه المسألة قولان: القول الأول: أنه لا يلزمه، وهو قول مالك، والشافعي، وأصحابهما، وهو قول

стр. 2177

أحمد في رواية، وداود، حتى قال مالك والشافعي: ولو قدم مسافرٌ في هذه الحال، فوجد امرأته قد طهرت في ذلك اليوم؛ جاز له وطؤها. وقال الشافعي: أحب لهما أن يستترا بالأكل، والجماع خوف التهمة. القول الثاني: أنه يلزمه الإمساك، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، والحسن بن حي، وعبيد الله بن الحسن، وأحمد في رواية، وعليها أكثر أصحابه، واحتج لهم الطحاوي بأنْ قال: لم يختلفوا أنَّ من غُمَّ عليه هلال رمضان، فأكل ثم علم، أنه يمسك عما يمسك عنه الصائم. اهـ والصواب هو القول الأول، وأما ما ذكره الطحاوي؛ فلا يخفى أنَّ بين الصورتين اختلافًا: فالمسافر له الفطر، والحاضر الجاهل بدخول الشهر ليس جهله برافع عنه الواجب عليه إذا علمه؛ لزوال جهله بذلك. (١) مسألة [٣]: لو قدم المسافر وهو صائم، فهل له أن يفطر وقد أقام ؟ • فيها قولان: الأول: نعم، يجوز له ذلك، قاله بعض الشافعية، منهم ابن أبي هريرة. الثاني: لا يجوز، وعليه جمهور الشافعية، وهو الأصح عند أبي الطيب، وهو قول أبي إسحاق الشيرازي، والقول الثاني هو الراجح، وهو مقتضى قول الجمهور؛ لأنه قد أصبح مقيمًا، وزالت عنه رخص السفر. (٢)

стр. 2178

مسألة [٤]: هل يجوز للمقيم الذي يريد أن يسافر بالغد أن يبيت الفطر ؟ قال ابن عبد البر ﵀: واتفق الفقهاء في المسافر في رمضان أنه لا يجوز له أن يبيت الفطر؛ لأنَّ المسافر لا يكون مسافرًا بالنية، وإنما يكون مسافرًا بالعمل والنهوض في السفر، وليست النية في السفر كالنية في الإقامة؛ لأنَّ المسافر إذا نوى الإقامة كان مقيمًا في الحال؛ لأنَّ الإقامة لا تفتقر إلى عمل. اهـ. (١) مسألة [٥]: إذا أقام المسافر ببلدة، فهل يلزمه الإمساك، أم أن له أن يفطر ؟ قال الإمام النووي ﵀: لو نوى المسافر الإقامة ببلد بحيث تنقطع رخصه، فطريقان ... . ثم ذكر أنَّ الأصح عند الشافعية وجهان، وأنَّ الأصح من الوجهين أنه يحرم الفطر، وهو الذي رجحه الشيرازي، والقاضي أبو الطيب، ورجحه كذلك الفوراني، وجماعة من الخراسانيين، وجعلوه وجهًا واحدًا. قلتُ: قوله (بحيث تنقطع رخصه) يخرج ما إذا عزم على الإقامة أربعة أيام فما دون، كما هو معلوم من مذهب الشافعية، وهو مذهب طائفة غيرهم أيضًا كما تقدم ذكره عند الكلام على قصر الصلاة لمن أقام، وهذا هو الراجح، والله أعلم، أنه إن عزم على الإقامة أكثر من أربعة أيام؛ فليس له أن يترخص بالفطر؛ لأنه يعتبر مقيمًا، وقد رجَّح هذا الشيخ ابن باز ﵀، وهو مقتضى مذهب الحنابلة. وقال ابن حزم ﵀: ومن أقام من قبل الفجر، ولم يسافر إلى بعد غروب

стр. 2179

الشمس في سفره، فعليه إذا نوى الإقامة المذكورة أن ينوي الصوم، ولابد، سواء كان في جهاد، أو عمرة، أو غير ذلك؛ لأنه إنما ألزم الفطر إذا كان على سفر، وهذا مقيم؛ فإن أفطر عامدًا فقد أخطأ إن كان جاهلًا متأولًا، وعصى إن كان عالمًا. اهـ والصواب هو القول الأول؛ لما تقدم ذكره في باب القصر، والله أعلم. (١) مسألة [٦]: هل يجوز للمسافر أن يصوم في رمضان قضاءً، أو نذرًا، أو كفارةً، أو تطوعًا ؟ • الذي عليه الجمهور، وهو مذهب الشافعي، ومالك، وأحمد: أنه لا يجوز له ذلك؛ لأنَّ الفطر أُبيح رخصة وتخفيفًا، فإذا لم يُرِد التخفيف عن نفسه؛ لزمه الأصل؛ فإن نوى صومًا غير رمضان لم يصح صومه لا عن رمضان ولا عمَّا نواه. • وذهب أبو حنيفة إلى الجواز إذا كان الصوم واجبًا، كالكفارة، والنذر، وهذا القول ليس عليه دليل. والراجح هو القول الأول، والله أعلم. (٢) مسألة [٧]: إذا خرج المسافر، فأفطر، ثم عاقه عائقٌ، فرجع فما الحكم ؟ عليه القضاء، وليس عليه كفارة. قال ابن عبد البر ﵀: وقد أجمعوا أنه لو مشى في سفره حتى تغيب بيوت

стр. 2180

قريته والمصر، فنزل، فأكل، ثم عاقه عائق عن النهوض في ذلك السفر؛ لم تلزمه كفارة. اهـ يعني: ويلزمه القضاء. (١) مسألة [٨]: أهل البادية المتنقلون . قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ٢١٣): وَأَهْلُ الْبَادِيَةِ كَأَعْرَابِ الْعَرَبِ، وَالْأَكْرَادِ، وَالتُّرْكِ، وَغَيْرِهِمْ الَّذِينَ يُشَتُّونَ فِي مَكَان، وَيُصَيِّفُونَ فِي مَكَان، إذَا كَانُوا فِي حَالِ ظَعْنِهِمْ مِنْ الْمَشْتَى إلَى الْمَصِيفِ، وَمِنْ الْمَصِيفِ إلَى الْمَشْتَى؛ فَإِنَّهُمْ يَقْصُرُونَ، وَأَمَّا إذَا نَزَلُوا بِمَشْتَاهُمْ، وَمَصِيفِهِمْ، لَمْ يُفْطِرُوا، وَلَمْ يَقْصُرُوا، وَإِنْ كَانُوا يَتَتَبَّعُونَ الْمَرَاعِيَ. اهـ

стр. 2181

٦٥٦ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: رُخِّصَ لِلشَّيْخِ الكَبِيرِ أَنْ يُفْطِرَ وَيُطْعِمَ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا، وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالحَاكِمُ وَصَحَّحَاهُ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: الشيخ الكبير، والمرأة العجوز اللذان لا يطيقان الصيام . نقل غير واحد الإجماع على أنَّ لهما الفطر، ولا قضاء عليهما، كابن المنذر، وابن عبد البر، والقرطبي، والنووي. (٢) • واختلف أهل العلم: هل يلزمهما إذا أفطرا الفدية، أم لا؟ على قولين: القول الأول: أنه يلزمهما الفدية، وهو قول الجمهور ومنهم: الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو حنيفة، وذهب إليه من الصحابة: أنس، وابن عباس، وقيس بن السائب، وأبو هريرة، وكلها ثابتة عنهم (٣)، وهو قول عكرمة، وسعيد بن

стр. 2182

المسيب، وعطاء، وقتادة وسعيد بن جبير وغيرهم. واستدلوا بما يلي: ١) قراءة ابن عباس: (وعلى الذين يُطَوَّقُونَه فدية طعام مسكين)، بمعنى: يتكلفون صومه، قالوا: والآية بالقراءة المشهورة: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾، معناها: يطيقونه بمشقة، فيتفق معنى القراءتين. ١) قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة:١٨٤] قال الإمام ابن عثيمين ﵀: وجه الدلالة من الآية أنَّ الله تعالى جعل الفدية عديلًا للصوم لمن قدر عليه، فإذا لم يقدر بقي عديله، وهو الفدية، وهذا في الحقيقة يدل على غور فقهه يعني ابن عباس ﵁ وإلا فالإنسان إذا قرأ الآية ليس فيها تعرض لمن لا يطيق، بل فيها لمن يطيق، هذا وجه الدلالة، فصار العاجز عجزًا لا يُرجى زواله الواجب عليه الإطعام عن كل يومٍ مسكينًا. اهـ قلتُ: يريد الشيخ ﵀ أنَّ ظاهر الآية أنَّ المستطيع للصوم كان مخيرًا بين الإطعام، والصوم، والأمر كما قال ﵀؛ فقد ثبت في «الصحيحين» من حديث سلمة بن الأكوع ﵁، قال: لما نزلت ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ كان من أراد أن يفطر، ويفتدي، حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها. قلتُ: يعني قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:١٨٥]، كما جاء مصرحًا به في رواية «صحيح مسلم»، وقد صح عن ابن عمر أيضًا القول بنسخ

стр. 2183

الآية كما في «صحيح البخاري» (٤٥٠٦). ٢) أنَّ هذا عمل بعض الصحابة، كأنس، وابن عباس، وأبي هريرة، وقيس بن السائب ﵃، وقد قال ابن حزم: ولا يعرف لهم من الصحابة مخالفٌ. وقد رجَّح هذا القول ابن قدامة، والنووي، وشيخ الإسلام، وابن القيم، وابن كثير، وهو ترجيح: الشيخ الألباني، والشيخ ابن باز، والشيخ ابن عثيمين، والشيخ مقبل الوادعي رحمة الله عليهم. القول الثاني: أنه لا يلزمهما الفدية، وهو قول مالك، والثوري، وأبي ثور، ومن التابعين: القاسم بن محمد، وسالم بن عبد لله، ومكحول الدمشقي، وربيعة ابن أبي عبد الرحمن، وسعيد بن عبد العزيز، وهو أحد قولي الشافعي، ورجَّحه ابن المنذر، وابن عبد البر، وابن حزم رحمة الله عليهم أجمعين. قال ابن حزم ﵀: والشيخ، والعجوز اللذان لا يطيقان الصوم؛ فالصوم لا يلزمهما، قال الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، وإذا لم يلزمهما الصوم؛ فالكفارة لا تلزمهما؛ لأنَّ الله تعالى لم يلزمهما إياها، ولا رسوله ﷺ ، والأموال محرمة إلا بنصٍّ، أوإجماعٍ. اهـ قال ابن عبد البر ﵀: والصحيح في النظر -والله أعلم- قول من قال: إنَّ الفدية غير واجبة على من لا يطيق الصيام؛ لأنَّ الله تعالى لم يوجب الصيام على من لا يطيقه؛ لأنه لم يوجب فرضًا إلا على من أطاقه، والعاجز عن الصوم كالعاجز عن القيام في الصلاة، وكالأعمى العاجز عن النظر لا يكلفه، وأما الفدية فلم تجب

стр. 2184

بكتاب مجتمع على تأويله، ولا سنة يفقهها من تجب الحجة بفقهه، ولا إجماع في ذلك عن الصحابة ولا عن من بعدهم، والفرائض لا تجب إلا من هذه الوجوه، والذمة بريئة. اهـ وأجابوا عن أدلة الجمهور بما يلي: ١) قراءة ابن عباس: (وعلى الذين يطوَّقونه) خلاف القراءة المتواترة، قال ابن عبدالبر: قوله تعالى: ﴿يُطِيقُونَهُ﴾ هو الثابت بين لَوْحَي المصحف المجتمع عليه، وهي القراءة الصحيحة، ويقطع الفرد بمجيئها. اهـ وقد تكلم على قراءة ابن عباس ﵄ جمعٌ، منهم: الطبري في «تفسيره»، وأبو عبيد في «الناسخ والمنسوخ»، وابن العربي في «أحكام القرآن»، وابن الجوزي في «الناسخ والمنسوخ»، وابن التركماني في «الجوهر النقي» (٤/ ٢٧١)، وابن حزم في «المحلى»، والجصاص في «أحكام القرآن»، وغيرهم. وقولهم: إن قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ معناها: (يطيقونه بمشقة) لا يستقيم مع ما تقدم في حديث سلمة بن الأكوع في «الصحيحين»؛ فإنَّ ظاهره العموم في إباحة الفطر مع الفدية على من وجد المشقة أو لم يجد، وأيضًا فإن محل النزاع في العاجز الذي لا يطيق الصيام، ولذلك فقد رجَّح ابن المنذر أنَّ الآية منسوخة، وأنها لم تتناول الشيخ الكبير العاجز. قال ﵀: لو كانت في الشيخ الكبير الذي لا يطيق الصيام؛ لم يناسب أن يقال له: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:١٨٤].انتهى من «الفتح».

стр. 2185

٢) وأما وجه الدلالة الذي ذكره الإمام ابن عثيمين ﵀، ففيه إشكال من حيث أنَّ الله عزوجل أوجب على المطيق الفدية، أو الصوم، وفهم من الآية أنَّ الذي لا يطيق ليس عليه فدية، ولا صوم، ويؤيده قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، فلما نسخها الله عزوجل بالآية التي بعدها، وأوجب على المطيق الصوم، فمن أين لنا أن نوجب على غير المطيق أن يأتي بما يعادل الصوم، وهو الفدية مع كون الصوم نفسه لا يجب عليه؟! ٣) أجابوا عمَّا ورد عن الصحابة في ذلك: أنَّ الحجة بإجماعهم لا باجتهاد بعض أفرادهم، ومنهم من قال: هي محمولة على أنهم أطعموا استحبابًا لا وجوبًا. وهذا القول -أعني القول الثاني- هو الأقرب والأرجح فيما يظهر لنا، والله أعلم. تنبيه: المراد بالذي (لا يطيق) هو العاجز عن الصيام مطلقًا، أو يطيق الصيام لكن بمشقة تلحقه الضرر. (١)

стр. 2186

تَفْرِيْعَاتٌ عَلَى مَذْهَبِ الجُمْهُور مسألة [١]: مقدار الفدية . • اختلف في تقديرها على أقوال: الأول: أنها مدٌّ من طعام عن كل يوم، سواء في الطعام البر، والتمر، والشعير، وغيرها من أقوات البلد، وهذا قول الشافعي، وطاوس، وسعيد بن جبير، والثوري، والأوزاعي. الثاني: يجب لكل يوم صاع تمر، أو نصف صاع حنطة، وهو قول أبي حنيفة. الثالث: مُدُّ حنطة، أو مُدَّان من شعير، أو تمر، وهو قول أحمد. الرابع: ليس فيه حدٌّ محدود، قال الشوكاني ﵀: وليس في المرفوع ما يدل على التقدير. اهـ قال أبو عبد الله غفر الله له: ويؤيد ما قاله الشوكاني ما جاء عن أنس بن مالك ﵁، أنه كان ضَعُفَ قبل موته بعامٍ، أو عامين، فأطعم الخبز واللحم. علَّقه البخاري في «صحيحه» [باب (٢٥) من كتاب التفسير]، ووصله البيهقي

стр. 2187

(٤/ ٢٧١)، وغيره، وهو صحيح. (١) مسألة [٢]: إذا أوجبنا الفدية على الشيخ الكبير العاجز، والمريض المأيوس من برئه، وكان معسرًا، فهل تلزمه إذا أيسر، أم تسقط ؟ قال النووي ﵀: فيه قولان، كالكفارة، والأصح في الكفارة بقاؤها في ذمته إلى اليسار؛ لأنها في مقابلة جناية، فهي جزاء الصيد، وينبغي أن يكون الأصح هنا أنها تسقط ولا تلزمه إذا أيسر، كالفطرة؛ لأنه عاجز حال التكليف بالفدية، وليست في مقابلة جناية ونحوها. انتهى المراد. وما صححه النووي هو قول الحنفية والحنابلة. (٢) مسألة [٣]: إذا تكلف العاجز عن الصيام، فصام فهل تلزمه الفدية ؟ قال النووي ﵀: واتفقوا على أنه لو تكلف الصوم وصام، فلا فدية، والعجوز كالشيخ في جميع هذا، وهو إجماع. (٣) مسألة [٤]: إذا أفطر الشيخ العاجز عن الصيام، ثم قدر على الصوم، فهل يلزمه القضاء ؟ قال النووي ﵀: فيه وجهان حكاهما الدارمي، وقال البغوي -ونقله القاضي حسين-: إنه لا يلزمه؛ لأنه لم يكن مخاطبًا بالصوم، بل بالفدية. قال: ثم اختار

стр. 2188

البغوي لنفسه أنه إن قدر على القضاء قبل أن يفدي؛ لزمه الصوم، وإن قدر بعد الفدية فلا يلزمه. اهـ قلتُ: وهذا الذي اختاره البغوي، هو قول الحنابلة. والذي يظهر -والله أعلم- أنه يلزمه؛ لكون العجز كان لعارض فأشبه المرض، وهذا قول الحنفية، والمالكية، وبعض الحنابلة. (١)

стр. 2189

فَصْل فِي ذِكْرِ مَسَائِلَ فِي صِيَامِ أَهْلِ الأعْذَار أولا: المريض . حالاته: قال القرطبي ﵀: للمريض حالتان: إحداهما: ألا يطيق الصوم بحال، فعليه الفطر واجبًا. الثانية: أن يقدر على الصوم بضرر ومشقة، فهذا يستحب له الفطر، ولا يصوم إلا جاهل. (١) مسألة [١]: ضابط المرض الذي يرخص فيه الفطر . قال النووي ﵀: قال أصحابنا: شرط إباحة الفطر أن يلحقه بالصوم مشقة يشق احتمالها، وأما المرض اليسير الذي لا يلحقه مشقة ظاهرة؛ لم يجز له الفطر بلا خلاف عندنا، خلافًا لأهل الظاهر. اهـ وما قرره الشافعية هو الذي عليه الحنابلة والمالكية، حكاه عن الحنابلة ابن قدامة، والمرداوي، وعن المالكية أبو عبد الله القرطبي. (٢) مسألة [٢]: المريض مرضًا لا يُرجى برؤه . قال النووي ﵀: حكمه كحكم الشيخ العاجز عن الصيام بلا خلاف. (٣)

стр. 2190

مسألة [٣]: إذا أفطر المريض الذي لا يرجى برؤه، ثم قدر على الصوم، فهل يلزمه قضاء الصوم ؟ • فيه وجهان عند الحنابلة، والشافعية، والأصح منهما أنه يلزمه القضاء؛ لأنَّ الإطعام بدل يأس، وقد تبينَّا ذهاب اليأس. وهذا الذي رجَّحه شيخنا الإمام مقبل ابن هادي الوادعي ﵀ في أحد دروسه، وقال: تشمله الآية ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾. (١) مسألة [٤]: هل للمريض أن يترك نية الصوم ؟ قال النووي ﵀: قال أصحابنا: إن كان المرض المجوز للفطر مطبقًا، فله ترك النية بالليل، وإن كان يحم وينقطع، ووقت الحمى لا يقدر على الصوم، وإن لم تكن الحمى يقدر عليه؛ فإن كان محمومًا وقت الشروع في الصوم؛ فله ترك النية، وإلا فعليه أن ينوي من الليل، ثم إن عاد المرض واحتاج إلى الفطر أفطر. (٢) مسألة [٥]: إذا أصبح الصحيح صائمًا، ثم مرض ؟ قال النووي ﵀: جاز له الفطر بلا خلاف. اهـ ونقل المرداوي الإجماع على استحباب إفطاره. (٣)

стр. 2191

مسألة [٦]: إذا تحامل المريض على نفسه وصام ؟ قال ابن عبد البر ﵀: ... ، إجماعهم أنَّ المريض إذا تحامل على نفسه فصام وأتمَّ يومه أنَّ ذلك مُجْزِئٌ عنه. اهـ قال أبو عبد الله غفر الله له: خالف ابن حزم، وقال: إنه لا يجزئ عنه. والصحيح أنه يجزئ عنه. قال ابن قدامة ﵀: فإن تحمَّل المريض وصام مع هذا؛ فقد فعل مكروهًا؛ لما يتضمنه من الإضرار بنفسه، وتركه تخفيف الله تعالى، وقبول رخصته، ويصح صومه، ويجزئه؛ لأنه عزيمة أبيح تركها رخصةً، فإذا تحملها أجزأه كالمريض الذي يباح له ترك الجمعة إذا حضرها، والذي يباح له ترك القيام في الصلاة إذا قام فيها. اهـ. (١) مسألة [٧]: هل يجوز للمريض أن يصوم في رمضان كفارة، أو نذرًا، أو نحوه ؟ الذي قطع به الجمهور، وهو قول أحمد، والشافعي، ومالك، وأبي حنيفة، وغيرهم: أنه لا يجوز له ذلك؛ لأنَّ الفطر أُبِيح له رخصةً وتخفيفًا، فإذا لم يرد التخفيف عن نفسه؛ لزمه أن يأتي بالأصل؛ فإن نوى صومًا غير رمضان لم يصح صومه، لا عن رمضان، ولا عمَّا نواه. (٢)

стр. 2192

ثانيًا: من خاف الهلاك من الجوع والعطش . قال النووي ﵀: قال أصحابنا وغيرهم: من غلبه الجوع، والعطش، فخاف الهلاك؛ لزمه الفطر، وإن كان صحيحًا مُقيمًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة:١٩٥]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء:٢٩]، ويلزمه القضاء كالمريض. (١) ثالثًا ورابعًا: الحامل والمرضع . • في المسألة أقوال: الأول: أنهما تُفْطِران، وتُطْعِمَان عن كل يوم مسكينًا، وليس عليهما القضاء، وهو قول عكرمة، وسعيد بن جبير، والقاسم بن محمد، وإسحاق بن راهويه، وصحَّ هذا القول عن ابن عباس كما في «تفسير الطبري» (٣/ ٤٢٥، ٤٢٧) بأسانيد صحيحة، وجاء عن ابن عمر كما في «مسند الشافعي» (١/ ٢٧٨)، وغيره بإسناد صحيح. واستدلوا بالآية: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة:١٨٤]، وقرأ ابن عباس: (يطوقونه)، وقد تقدم الكلام على الآية في مسألة الشيخ العاجز. الثاني: أنهما يفطران ويقضيان ولا فدية، وهو قول الحسن، والنخعي، وعطاء، والزهري، والضحاك، والأوزاعي، وربيعة، والثوري، وأبي حنيفة

стр. 2193

وأصحابه، والليث، والطبري، وأبي ثور، وأبي عبيد، وهو قول مالك في المرضع، والشافعي في أحد قوليه في الحامل. واستدلوا بحديث أنس بن مالك الكعبي عند أصحاب «السنن» أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «إنَّ الله عزوجل وضع عن المسافر الصوم، وشطر الصلاة، وعن الحبلى والمرضع الصوم» (١)، وقد حسنه شيخنا في «الجامع الصحيح»، وقالوا: هو فطر أُبيح لعذر طارئ، فلا يجب به كفارة كالمرض. وهذا القول هو الراجح، وهو ترجيح شيخنا مقبل الوادعي، والشيخ ابن باز، والشيخ ابن عثيمين رحمة الله عليهم. الثالث: إن خافتا على أنفسهما لا غير، أو على أنفسهما وولدهما؛ أفطرتا، وقضتا ولا فدية عليهما، وإن خافتا على ولدهما لا على أنفسهما؛ أفطرتا وقضتا، وعليهما الفدية، وهو قول الشافعي، وأحمد، ورُوي ذلك عن مجاهد. الرابع: الحامل تفطر، وتقضي، ولا فدية، والمرضع تفطر، وتقضي، وتفدي، وهو قول مالك، والليث، ورجَّحه ابن عبد البر. الخامس: لا قضاء عليهما، ولا إطعام، وهو قول ابن حزم ﵀، واستدل بحديث أنس المتقدم، وأُجيب بأنَّ المراد وضع الأداء لا وضع القضاء بدليل أنَّ المسافر عليه أيام أُخر كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾.

стр. 2194

والراجح هو القول الثاني، والله أعلم. (١) مسألة [٨]: المرضع المستأجرة، هل لها نفس الحكم ؟ الذي قطع به النووي وصوَّبه وصححه: أنَّ لها نفس الحكم، وقطع به القاضي حسين في «فتاويه» خلافًا للغزالي. واستدل صاحب «التتمة» بالقياس على السفر؛ فإنه يستوي فيه من سافر لغرض نفسه، ولغرض غيره بأجرة وغيرها. قلتُ: ويشملها حديث أنس بن مالك الكعبي المتقدم. (٢) خامسًا وسادسًا: الحائض والنفساء . قال النووي ﵀: لا يصح صوم الحائض والنفساء، ولا يجب عليهما، ويحرم عليهما، ويجب قضاؤه، وهذا مُجمعٌ عليه. اهـ وقد نقل الإجماع أيضًا ابن حزم، وابن قدامة، وشيخ الإسلام ابن تيمية. ويدل على ذلك حديث عائشة ﵂، أنها قالت في الحائض: كُنَّا نُؤمر بقضاء الصوم، ولا نُؤمر بقضاء الصلاة. متفق عليه، واللفظ لمسلم. (٣)

стр. 2195

مسألة [٩]: إذا انقطع الدم عن المرأة أثناء النهار فهل يلزمها الإمساك ؟ • في هذه المسألة قولان: القول الأول: أنه لا يلزمها، وهو قول الجمهور، ومنهم: مالك، والشافعي، وأحمد في رواية، وهذا هو الصحيح؛ لعدم وجود دليل على إيجاب الإمساك عليها. القول الثاني: أنه يلزمها الإمساك، وهو قول أبي حنيفة، والثوري، والأوزاعي، والحسن بن صالح، ولا دليل على هذا القول. (١) سابعًا: المجنون . قال النووي ﵀: المجنون لا يلزمه الصوم في الحال بالإجماع؛ للحديث وللإجماع، وإذا أفاق لا يلزمه قضاء ما فاته في الجنون، سواء قلَّ أو كثر، وسواء أفاق بعد رمضان، أو في أثنائه، وهذا قول الجمهور. اهـ قلتُ: أما الحديث الذي أشار إليه النووي، فقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «رُفِع القلم عن ثلاثة ... ، وعن المجنون حتى يعقل». (٢) وقال مالك: يقضي، وإن مضى عليه سنون. وعن أحمد مثله، وهو قول الشافعي في القديم؛ لأنه معنى يزيل العقل، فلم يمنع وجوب الصوم كالإغماء. وقال أبو حنيفة: إنْ جُنَّ جميع الشهر؛ فلا قضاء عليه، وإنْ أفاق في أثنائه؛ قضى ما مضى؛ لأنَّ الجنون لا ينافي الصوم بدليل ما لو جُنَّ في أثناء الصوم لم يفسد، فإذا وجد في بعض الشهر؛ وجب القضاء كالإغماء.

стр. 2196

والراجح هو قول الجمهور، والله أعلم. (١) ثامنًا: الصبي . قال النووي ﵀ في «المجموع» (٦/ ٢٥٣): لا يجب صوم رمضان على الصبي، ولا يجب عليه قضاء ما فات قبل البلوغ بلا خلاف. اهـ قلتُ: ويدل عليه حديث علي، وعائشة، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «رُفِع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق». (٢) مسألة [١٠]: إذا أفاق المجنون، أو بلغ الصبي، أو أسلم الكافر أثناء النهار، فهل يلزمه إمساك بقية يومه ؟ • في هذه المسألة قولان: القول الأول: أنه يلزمهم إمساك بقية اليوم، وهو قول أبي حنيفة، والثوري، والأوزاعي، والحسن بن صالح، والعنبري، وقاسوا ذلك على من علم بالهلال أثناء النهار، وهذا القول اختاره شيخ الإسلام ﵀.

стр. 2197

القول الثاني: أنه لا يلزمهم إمساك ذلك اليوم، وهو قول مالك، والشافعي، ورواية عن أحمد، وهو ترجيح ابن حزم في غير المجنون، وذلك لأنه أُبيح له فطر أول النهار ظاهرًا، وباطنًا، فإذا أفطر كان له أن يستديمه إلى آخر النهار كما لو دام العذر. وانفرد أحمد عن المذاهب الثلاثة بوجوب القضاء عليه. والراجح أنه لا يلزمه الإمساك، ولا قضاء عليه؛ وذلك لأنَّ كل واحد منهم لم يكن مخاطبًا في أول النهار، فلما زال مانع التكليف؛ لم يدرك وقت العبادة؛ فلم تجب عليه. وأما قياسهم على من علم بالهلال أثناء النهار؛ فقد أجاب ابن حزمٍ بأنَّ هذا يجب عليه الإمساك من أول النهار، وأما الكافر والصبي؛ فإنه لا يجب عليه ذلك، بل يُباح له الفطر. قلتُ: ومعنى ذلك: أنَّ الكافر، والصبي، والمجنون ليسوا مخاطبين بالصوم من أول النهار، بخلاف من لم يعلم بالرؤية؛ فهو مخاطب بالصوم، ولكن لم يبلغه ذلك، فافترقت الصورتان، وبالله التوفيق. (١) تاسعًا: المجاهد في سبيل الله . قال الحافظ ابن القيم ﵀: فَلَوْ اتّفَقَ مِثْلُ هَذَا -يعني لقاء العدو- فِي الْحَضَرِ، وَكَانَ فِي الْفِطْرِ قُوّةً لَهُمْ عَلَى لِقَاءِ عَدُوّهِمْ فَهَلْ لَهُمْ الْفِطْرُ؟ فِيهِ قَوْلَانِ

стр. 2198

أَصَحّهُمَا دَلِيلًا: أَنّ لَهُمْ ذَلِكَ. وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ تَيْمِيّةَ، وَبِهِ أَفْتَى الْعَسَاكِرَ الْإِسْلَامِيّةَ لَمّا لَقُوا الْعَدُوّ بِظَاهِرِ دِمَشْقَ، وَلَا رَيْبَ أَنّ الْفِطْرَ لِذَلِكَ أَوْلَى مِنْ الْفِطْرِ لِمُجَرّدِ السّفَرِ، بَلْ إبَاحَةُ الْفِطْرِ لِلْمُسَافِرِ تَنْبِيهٌ عَلَى إبَاحَتِهِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ؛ فَإِنّهَا أَحَقّ بِجِوَازِهِ؛ لِأَنّ الْقُوّةَ هُنَاكَ تَخْتَصّ بِالْمُسَافِرِ، وَالْقُوّةُ هُنَا لَهُ وَلِلْمُسْلِمِينَ، وَلِأَنّ مَشَقّةَ الْجهَادِ أَعْظَمُ مِنْ مَشَقّةِ السّفَرِ، وَلِأَنّ المَصْلَحَةَ الْحَاصِلَةَ بِالْفِطْرِ لِلْمُجَاهِدِ أَعْظَمُ مِنْ المَصْلَحَةِ بِفِطْرِ الْمُسَافِرِ، وَلِأَنّ اللّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الْأَنْفَالُ:٦٠]. وَالْفِطْرُ عِنْدَ اللّقَاءِ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ الْقُوّةِ، وَالنّبِيّ ﷺ قَدْ فَسّرَ الْقُوّةَ بِالرّمْيِ، وَهُوَ لَا يَتِمّ وَلَا يَحْصُلُ بِهِ مَقْصُودُهُ إلّا بِمَا يُقَوّي وَيُعِينُ عَلَيْهِ مِنْ الْفِطَرِ وَالْغِذَاءِ، وَلِأَنّ النّبِيّ ﷺ قَالَ لِلصّحَابَةِ لَمّا دَنَوْا مِنْ عَدُوّهِمْ: «إنّكُمْ قَدْ دَنَوْتُمْ مِنْ عَدُوّكُمْ وَالْفِطْرُ أَقْوَى لَكُمْ»، وَكَانَتْ رُخْصَةً، ثُمّ نَزَلُوا مَنْزِلًا آخَرَ، فَقَالَ: «إنّكُمْ مُصَبّحُوا عَدُوّكُمْ وَالْفِطْرُ أَقْوَى لَكُمْ فَأَفْطِرُوا»، فَكَانَتْ عَزْمَةً فَأَفْطَرُوا (١)، فَعَلّلَ بِدُنُوّهِمْ مِنْ عَدُوّهِمْ وَاحْتِيَاجِهِمْ إلَى الْقُوّةِ الّتِي يَلْقَوْنَ بِهَا الْعَدُوّ، وَهَذَا سَبَبٌ آخَرُ غَيْرُ السّفَرِ، وَالسّفَرُ مُسْتَقِلّ بِنَفْسِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْه فِي تَعْلِيلِهِ وَلَا أَشَارَ إلَيْهِ، فَالتّعْلِيلُ بِهِ اعْتِبَارٌ لِمَا أَلْغَاهُ الشّارِعُ فِي هَذَا الْفِطْرِ الْخَاصّ، وَإِلْغَاءُ وَصْفِ الْقُوَّةِ الَّتِي يُقَاوَمُ بِهَا الْعَدُوّ، وَاعْتِبَارُ السَّفَرِ المُجَرَّدِ إِلْغَاءٌ لِمَا اعْتَبَرَهُ الشَّارِعُ، وَعَلَّل بِهِ. انتهى. (٢)

стр. 2199

عاشرًا: صوم الأسير والمحبوس . مسألة [١١]: كيف يصوم المحبوس إذا اشتبه عليه شهر رمضان ؟ • في «الموسوعة الفقهية الكويتية» (٢٨/ ٨٤ - ) ما نصُّه: ذهب جمهور الفقهاء إلى أن من اشتبهت عليه الشهور؛ لا يسقط عنه صوم رمضان، بل يجب لبقاء التكليف وتوجه الخطاب. فإذا أخبره الثقات بدخول شهر الصوم عن مشاهدة أو علم؛ وجب عليه العمل بخبرهم، وإن أخبروه عن اجتهاد منهم؛ فلا يجب عليه العمل بذلك، بل يجتهد بنفسه في معرفة الشهر بما يغلب على ظنه، ويصوم مع النية، ولا يقلد مجتهدا مثله. فإن صام المحبوس المشتبه عليه بغير تحر ولا اجتهاد، ووافق الوقت لم يجزئه، وتلزمه إعادة الصوم لتقصيره وتركه الاجتهاد الواجب باتفاق الفقهاء. وإن اجتهد وصام فلا يخلو الأمر من خمسة أحوال: الحال الأولى: استمرار الإشكال وعدم انكشافه له، بحيث لا يعلم أن صومه صادف رمضان أو تقدم أو تأخر، فهذا يجزئه صومه ولا إعادة عليه في قول الحنفية والشافعية والحنابلة، والمعتمد عند المالكية، لأنه بذل وسعه ولا يكلف بغير ذلك، كما لو صلى في يوم الغيم بالاجتهاد، وقال ابن القاسم من المالكية: لا يجزيه الصوم؛ لاحتمال وقوعه قبل وقت رمضان.

стр. 2200

الحال الثانية: أن يوافق صوم المحبوس شهر رمضان فيجزيه ذلك عند جمهور الفقهاء، قياسا على من اجتهد في القبلة، ووافقها، وقال بعض المالكية: لا يجزيه لقيامه على الشك، لكن المعتمد الأول. الحال الثالثة: إذا وافق صوم المحبوس ما بعد رمضان فيجزيه عند جماهير الفقهاء، إلا بعض المالكية كما تقدم آنفا، واختلف القائلون بالإجزاء: هل يكون صومه أداء أو قضاء؟ وجهان، وقالوا: إن وافق بعض صومه أياما يحرم صومها كالعيدين والتشريق يقضيها. الحال الرابعة: وهي وجهان: الوجه الأول: إذا وافق صومه ما قبل رمضان وتبين له ذلك ولما يأت رمضان لزمه صومه إذا جاء بلا خلاف، لتمكنه منه في وقته. الوجه الثاني: إذا وافق صومه ما قبل رمضان ولم يتبين له ذلك إلا بعد انقضائه ففي إجزائه قولان: القول الأول: لا يجزيه عن رمضان بل يجب عليه قضاؤه، وهذا مذهب المالكية والحنابلة، والمعتمد عند الشافعية. القول الثاني: يجزئه عن رمضان، كما لو اشتبه على الحجاج يوم عرفة فوقفوا قبله، وهو قول بعض الشافعية. الحال الخامسة: أن يوافق صوم المحبوس بعض رمضان دون بعض، فما

стр. 2201

وافق رمضان أو بعده أجزأه، وما وافق قبله لم يجزئه، ويراعى في ذلك أقوال الفقهاء المتقدمة. والمحبوس إذا صام تطوعا أو نذرا فوافق رمضان لم يسقط عنه صومه في تلك السنة، لانعدام نية صوم الفريضة، وهو مذهب الحنابلة والشافعية والمالكية. وقال الحنفية: إن ذلك يجزيه ويسقط عنه الصوم في تلك السنة، لأن شهر رمضان ظرف لا يسع غير صوم فريضة رمضان، فلا يزاحمها التطوع والنذر. انتهى. قال أبو عبد الله غفر الله له: الحال الأولى، والثانية، والثالثة الصحيح فيها قول الجمهور، وهو الإجزاء، وكذا الوجه الثاني من الحال الرابعة الصحيح فيها الإجزاء؛ لأنه قد عمل بما أمر به من الاجتهاد، وأدَّى ما لزمه، وأوجبه الشرع عليه. (١) مسألة [١٢]: صوم المحبوس إذا اشتبه عليه نهار رمضان بليله . • قال الإمام النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٦/ ٢٨٨): إذا لم يعرف الأسير ونحوه الليل ولا النهار، بل استمرت عليه الظلمة دائما فهذه مسألة مهمة قل من ذكرها، وقد حكى الإمام أبو بكر المروزي من أصحابنا فيه ثلاثة أوجه للأصحاب: أحدها: يصوم ويقضي؛ لأنه عذر نادر. والثاني: لا يصوم؛ لأن الجزم بالنية لا يتحقق مع جهالة الوقت.

стр. 2202

والثالث: يتحرى ويصوم، ولا يقضي كيوم الغيم في الصلاة. قال النووي: قلت: الأصح أنه يلزمه التحري والصوم، ولا قضاء عليه، هذا إذا لم يظهر له فيما بعد الخطأ؛ فإن تبين أنه صادف الليل؛ لزمه القضاء بلا خلاف، والله تعالى أعلم. اهـ

стр. 2203

٦٥٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: هَلَكْت يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «وَمَا أَهْلَكَك؟» قَالَ: وَقَعْت عَلَى امْرَأَتِي فِي رَمَضَانَ، فَقَالَ: «هَلْ تَجِدُ مَا تُعْتِقُ رَقَبَةً؟» قَالَ: لَا، قَالَ: «فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟» قَالَ: لَا، قَالَ: «فَهَلْ تَجِدُ مَا تُطْعِمُ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟» قَالَ: لَا. ثُمَّ جَلَسَ، فَأُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ فَقَالَ: «تَصَدَّقْ بِهَذَا» فَقَالَ: أَعَلَى أَفْقَرَ مِنَّا؟ فَمَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا أَهْلُ بَيْتٍ أَحْوَجُ إلَيْهِ مِنَّا، فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ، ثُمَّ قَالَ: «اذْهَبْ فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ». رَوَاهُ السَّبْعَةُ وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مع ذكر بعض المسائل الملحقة مسألة [١]: كفارة المجامع في نهار رمضان متعمدًا مُقيمًا . • ذهب جمهور العلماء إلى وجوب الكفارة عليه؛ لحديث الباب. • وذهب ابن سيرين، والنخعي، والشعبي، وسعيد بن جبير إلى أنه لا تلزمه الكفارة؛ لأنَّ الصوم عبادة لا تجب الكفارة بإفساد قضائها، فلا تجب في أدائها كالصلاة، وهذا قياس فاسد الاعتبار؛ لمخالفته للنص. والصواب قول الجمهور، ولعل من خالف لم يبلغه الحديث المذكور، والله أعلم. (٢)

стр. 2204

مسألة [٢]: ماذا يجب عليه في هذه الكفارة ؟ • ذهب الجمهور من أهل العلم إلى أنه تلزمه كفارة المظاهر مرتبة، واستدلوا بحديث أبي هريرة المتقدم، وخالف مالك، فقال بالإطعام فقط، ولا يأخذ بعتق ولا صيام. هكذا وقع في «المدونة»، وقد وجَّه بعض أصحابه هذا القول على أنه أراد الاستحباب بالبدء بالطعام، وقد احتج له بحديث عائشة ﵂ عند البخاري (١٩٣٥)، ومسلم (١١١٢)، بنحو حديث أبي هريرة ﵁، قالوا: ولم يقع فيه سوى الإطعام. قال الحافظ ابن حجر ﵀: ولا حُجَّة فيه؛ لأنَّ القصة واحدة، وقد حفظها أبو هريرة وقصَّها على وجهها، وأوردتها عائشة مختصرة، أشار إلى هذا الجواب الطحاوي، قال: وقد ورد فيه من وجهٍ آخر ذكر العتق أيضًا. اهـ والصحيح قول الجمهور، والله أعلم. (١) مسألة [٣]: هل يلزمه الترتيب في هذه الكفارة ؟ • في المسألة قولان: الأول: أنه يلزمه الترتيب، وهو قول جمهور العلماء، وهو المشهور عن أحمد، وبه يقول الثوري، والأوزاعي، والشافعي، واستدلوا بحديث أبي هريرة الذي في الكتاب. الثاني: أنه لا يلزمه الترتيب، بل هو على التخيير في الأمور المذكورة في

стр. 2205

الحديث، وهو رواية عن أحمد، ورواية عن مالك، واستدلوا بما أخرجه مسلم وغيره من حديث أبي هريرة ﵁ في قصة المجامع في نهار رمضان، قال: فأمره رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أن يُكفر بعتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكينًا. وقد أجاب الجمهور: بأنَّ هذه الرواية شاذة، وأنَّ المحفوظ هو رواية الترتيب التي تقدمت في الكتاب، والذين رووها على التخيير هم: مالك، وابن جريج، وفُليح بن سليمان، وعمرو بن عثمان، ولكن قد خالفهم جمعٌ كبير، فرووا الحديث بالترتيب، منهم: ابن عيينة، وشعيب، والأوزاعي، والليث، وإبراهيم بن سعد، ومنصور، وآخرون، حتى قال الحافظ: بل رَوى الترتيب عن الزهري كذلك تمام ثلاثين نفسًا، أو أزيد. والصواب هو القول الأول، وهو ترجيح النووي، والحافظ، والصنعاني، وغيرهم، والله أعلم. (١) مسألة [٤]: هل يلزم المرأةَ كفارةٌ إذا لم تكن مُكرهة ؟ • في هذه المسألة قولان: الأول: أنه يلزمها الكفارة، وهو قول مالك، وأبي حنيفة، وأبي ثور، وابن المنذر، ورواية عن أحمد، وقول للشافعي، وعزاه الحافظ للجمهور، واستدلوا بقوله في حديث المجامع امرأته في نهار رمضان في بعض طرق الحديث: «هلكت،

стр. 2206

وأهلكت»، وقالوا: بيان الحكم للرجل بيانٌ في حَقِّها؛ لاشتراكهما في تحريم الفطر. وقد رجَّح هذا القول الإمام ابن عثيمين ﵀. الثاني: أنه لا يلزمها الكفارة، بل هي خاصة بالرجل، وهو قول الحسن، والأوزاعي، وهو رواية عن أحمد، وقول للشافعي، وهو الصحيح عند الشافعية، وهو قول داود وأهل الظاهر، وابن حزم، واستدلوا بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «تصدق بهذا»، جاءت زيادة في خارج الصحيح: «عن نفسك»، ويؤيدها رواية في البخاري بلفظ: «أطعم هذا عنك»، فأفرده بالخطاب، ولم يتعرض للمرأة، وكذا قوله: «هل تجد ... ؟» «هل تستطيع ... ؟»، وكذلك استدلوا بسكوت النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عن إعلام المرأة بالكفارة مع الحاجة. وأجابوا عن أدلة الجمهور بما يلي: ١) قوله: «هلكت، وأهلكت»، هذه الزيادة ضعيفة، وقد ذكر البيهقي أنَّ للحاكم ثلاثة أجزاء في بطلانها، وقد لخص الكلام عليها في «الفتح». قال الحافظ: ولا يلزم من ذلك تعدد الكفارة، بل لا يلزم من قوله: «وأهلكت» إيجاب الكفارة عليها، بل يحتمل أن يريد بقوله: «هلكت»، أي: أثمت، و «أهلكت»، أي: كنت سببًا في تأثيم من طاوعتني فواقعتها؛ إذ لا ريب في حصول الإثم على المطاوعة، ولا يلزم من ذلك إثبات الكفارة، ولا نفيها، أو المعنى: هلكت، أي: حيث وقعت في شيء لا أقدر على كفارته،

стр. 2207

وأهلكت، أي: نفسي بفعلي الذي جرَّ عليَّ الإثم. اهـ ١) قالوا: ولا يلزم من اشتراكهما في تحريم الفطر عليهما اشتراكهما في وجوب الكفارة، بل الحديث يدل على أنه ليس عليها كفارة؛ لعدم أمره -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- للمرأة بالكفارة. وأجاب الجمهور عن هذا: بأنها قضية حال، فالسكوت عنها لا يدل على عدم الحكم؛ لاحتمال أن تكون المرأة لم تكن صائمة لعذرٍ من الأعذار، ويُحتمل أن يكون سبب السكوت عن حكم المرأة ما عرفه من كلام زوجها بأنها لا قدرة لها على شيء. وأُجيب: بأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- سكت عن حالها مع عدم علمه بأنَّ لها عذرًا، ولم يسأل المجامع عن امرأته: ألها عذر في الإفطار أم لا؟ أتستطيع على الكفارة أم لا؟ بل وجه الأسئلة والخطاب له وحده، والقولان قويان، والثاني أقرب، والله أعلم. (١) مسألة [٥]: إذا أُكرهت المرأة على الجماع ؟ • في المسألة أقوال: الأول: أنه لا كفارة عليها، وعليها القضاء، وهو قول أحمد، والثوري، والأوزاعي وهو قول الحسن وأصحاب الرأي، ويلتحق بها إذا وطئها وهي نائمة.

стр. 2208

الثاني: إنْ كان الإكراه بوعيد حتى فعلت، فكالقول الأول، وإن كان إلجاءً لم تفطر، وكذا إن وطئها نائمةً، وهو قول الشافعي، وأبي ثور، وابن المنذر. الثالث: لا كفارة عليها، ولا قضاء، وإنْ كان الإكراه بوعيد، وصومها صحيح، وهو وجهٌ عند الشافعية صححه النووي، والشيرازي في «التنبيه»، والرافعي في «الشرح»، وآخرون. وهو الراجح، وهو ترجيح الإمام ابن عثيمين ﵀ في ظاهر كلامه، والله أعلم. (١) مسألة [٦]: إذا طلع الفجر والرجل مجامعٌ، واستدام الجماع ؟ • في هذه المسألة قولان: الأول: يجب عليه القضاء، والكفارة، وهو قول أحمد، ومالك، والشافعي؛ لأنه ترك صوم رمضان بجماعٍ أَثِمَ به؛ لحرمة الصوم فيه، فوجبت به الكفارة كما لو وطِئَ بعد طلوع الفجر، وعزا هذا القول النووي للجمهور. الثاني: يجب القضاء دون الكفارة؛ لأنَّ وطأَهُ لم يصادف صومًا صحيحًا، فلم يوجب الكفارة. والقول الأول هو الصحيح إلا أنَّ القضاء لا يقدر عليه، وسيأتي الكلام على هذه المسألة قريبًا إن شاء الله. (٢)

стр. 2209

مسألة [٧]: إذا طلع الفجر وهو مجامع فترك في الحال ؟ • في المسألة قولان عند الحنابلة، والصحيح أنه لا قضاء عليه، ولا كفارة، وهو قول أبي حنيفة، والشافعي؛ لأنه ترك الجماع، فلا يتعلق به ما يتعلق بالجماع. • وقال مالك: يبطل صومه، ولا كفارة عليه. والراجح أنه لا قضاء عليه، ولا كفارة، وهو ترجيح ابن حزم. وأخرج البيهقي (٤/ ٢١٩) بإسنادٍ صحيحٍ عن ابن عمر ﵄ قال: لو نودي بالصلاة، والرجل على امرأته؛ لم يمنعه ذلك أن يصوم؛ إذا أراد الصيام قام، واغتسل، ثم أتم صيامه. (١) مسألة [٨]: إن جامع فلم يكفر حتى جامع ثانية في يوم واحد ؟ قال ابن قدامة ﵀: إن كان في يومٍ واحدٍ، فكفارة واحدة تجزئه بلا خلاف عند أهل العلم. اهـ وقال ابن عبد البر ﵀: وأجمعوا على أنَّ من وطِئَ في يوم واحد مرتين، أو أكثر أنه ليس عليه إلا كفارة واحدة. اهـ. (٢) مسألة [٩]: إن جامع فلم يكفر حتى جامع في اليوم الثاني ؟ • فيها قولان: الأول: أنَّ عليه كفارة واحدة، وهو قول الزهري، والأوزاعي، وأصحاب

стр. 2210

الرأي، وهو ظاهر إطلاق الخِرَقِي؛ لأنها جزاء عن جناية تكرر سببها قبل استيفائها؛ فيجب أن تتداخل كالحد. الثاني: تلزمه كفارتان، ولا تجزئه واحدة، وهو قول مالك، والليث، والشافعي، واختاره بعض الحنابلة، ورجحه ابن المنذر، ورُوِي ذلك عن عطاء، ومكحول؛ لأنَّ كل يوم عبادة منفردة، فإذا وجبت الكفارة بإفساده لم تتداخل كرمضانين، وكالحجَّين. وهذا القول هو الراجح، ورجحه ابن حزم. (١) مسألة [١٠]: إن جامع ثم كفر، ثم جامع في يوم واحد، فهل عليه كفارة ثانية ؟ • في المسألة قولان: الأول: أنَّ عليه كفارة ثانية، وهو قول أحمد؛ لأنه وطْءٌ محرَّمٌ بحرمة رمضان، فأوجب الكفارة كالأول. الثاني: أنه لا تلزمه إلا كفارة واحدة، وهو قول مالك، والشافعي، وأبي حنيفة؛ لأنَّ الجماع الثاني لم يصادف الصوم، ولم يمنع صحته. وهذا القول هو الراجح، والله أعلم. وهو الذي رجَّحه ابن حزم، ثم شيخنا الوادعي رحمة الله عليهما. (٢)
следующие страницы →