وأهلكت»، وقالوا: بيان الحكم للرجل بيانٌ في حَقِّها؛ لاشتراكهما في تحريم الفطر.
وقد رجَّح هذا القول الإمام ابن عثيمين ﵀.
الثاني: أنه لا يلزمها الكفارة، بل هي خاصة بالرجل، وهو قول الحسن، والأوزاعي، وهو رواية عن أحمد، وقول للشافعي، وهو الصحيح عند الشافعية، وهو قول داود وأهل الظاهر، وابن حزم، واستدلوا بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «تصدق بهذا»، جاءت زيادة في خارج الصحيح: «عن نفسك»، ويؤيدها رواية في البخاري بلفظ: «أطعم هذا عنك»، فأفرده بالخطاب، ولم يتعرض للمرأة، وكذا قوله: «هل تجد ... ؟» «هل تستطيع ... ؟»، وكذلك استدلوا بسكوت النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عن إعلام المرأة بالكفارة مع الحاجة.
وأجابوا عن أدلة الجمهور بما يلي:
١) قوله: «هلكت، وأهلكت»، هذه الزيادة ضعيفة، وقد ذكر البيهقي أنَّ للحاكم ثلاثة أجزاء في بطلانها، وقد لخص الكلام عليها في «الفتح». قال الحافظ: ولا يلزم من ذلك تعدد الكفارة، بل لا يلزم من قوله: «وأهلكت» إيجاب الكفارة عليها، بل يحتمل أن يريد بقوله: «هلكت»، أي: أثمت، و «أهلكت»، أي: كنت سببًا في تأثيم من طاوعتني فواقعتها؛ إذ لا ريب في حصول الإثم على المطاوعة، ولا يلزم من ذلك إثبات الكفارة، ولا نفيها، أو المعنى: هلكت، أي: حيث وقعت في شيء لا أقدر على كفارته،
стр. 2207
وأهلكت، أي: نفسي بفعلي الذي جرَّ عليَّ الإثم. اهـ
١) قالوا: ولا يلزم من اشتراكهما في تحريم الفطر عليهما اشتراكهما في وجوب الكفارة، بل الحديث يدل على أنه ليس عليها كفارة؛ لعدم أمره -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- للمرأة بالكفارة.
وأجاب الجمهور عن هذا: بأنها قضية حال، فالسكوت عنها لا يدل على عدم الحكم؛ لاحتمال أن تكون المرأة لم تكن صائمة لعذرٍ من الأعذار، ويُحتمل أن يكون سبب السكوت عن حكم المرأة ما عرفه من كلام زوجها بأنها لا قدرة لها على شيء.
وأُجيب: بأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- سكت عن حالها مع عدم علمه بأنَّ لها عذرًا، ولم يسأل المجامع عن امرأته: ألها عذر في الإفطار أم لا؟ أتستطيع على الكفارة أم لا؟ بل وجه الأسئلة والخطاب له وحده، والقولان قويان، والثاني أقرب، والله أعلم. (١)
مسألة [٥]: إذا أُكرهت المرأة على الجماع ؟
• في المسألة أقوال:
الأول: أنه لا كفارة عليها، وعليها القضاء، وهو قول أحمد، والثوري، والأوزاعي وهو قول الحسن وأصحاب الرأي، ويلتحق بها إذا وطئها وهي نائمة.
стр. 2208
الثاني: إنْ كان الإكراه بوعيد حتى فعلت، فكالقول الأول، وإن كان إلجاءً لم تفطر، وكذا إن وطئها نائمةً، وهو قول الشافعي، وأبي ثور، وابن المنذر.
الثالث: لا كفارة عليها، ولا قضاء، وإنْ كان الإكراه بوعيد، وصومها صحيح، وهو وجهٌ عند الشافعية صححه النووي، والشيرازي في «التنبيه»، والرافعي في «الشرح»، وآخرون.
وهو الراجح، وهو ترجيح الإمام ابن عثيمين ﵀ في ظاهر كلامه، والله أعلم. (١)
مسألة [٦]: إذا طلع الفجر والرجل مجامعٌ، واستدام الجماع ؟
• في هذه المسألة قولان:
الأول: يجب عليه القضاء، والكفارة، وهو قول أحمد، ومالك، والشافعي؛ لأنه ترك صوم رمضان بجماعٍ أَثِمَ به؛ لحرمة الصوم فيه، فوجبت به الكفارة كما لو وطِئَ بعد طلوع الفجر، وعزا هذا القول النووي للجمهور.
الثاني: يجب القضاء دون الكفارة؛ لأنَّ وطأَهُ لم يصادف صومًا صحيحًا، فلم يوجب الكفارة.
والقول الأول هو الصحيح إلا أنَّ القضاء لا يقدر عليه، وسيأتي الكلام على هذه المسألة قريبًا إن شاء الله. (٢)
стр. 2209
مسألة [٧]: إذا طلع الفجر وهو مجامع فترك في الحال ؟
• في المسألة قولان عند الحنابلة، والصحيح أنه لا قضاء عليه، ولا كفارة، وهو قول أبي حنيفة، والشافعي؛ لأنه ترك الجماع، فلا يتعلق به ما يتعلق بالجماع.
• وقال مالك: يبطل صومه، ولا كفارة عليه.
والراجح أنه لا قضاء عليه، ولا كفارة، وهو ترجيح ابن حزم.
وأخرج البيهقي (٤/ ٢١٩) بإسنادٍ صحيحٍ عن ابن عمر ﵄ قال: لو نودي بالصلاة، والرجل على امرأته؛ لم يمنعه ذلك أن يصوم؛ إذا أراد الصيام قام، واغتسل، ثم أتم صيامه. (١)
مسألة [٨]: إن جامع فلم يكفر حتى جامع ثانية في يوم واحد ؟
قال ابن قدامة ﵀: إن كان في يومٍ واحدٍ، فكفارة واحدة تجزئه بلا خلاف عند أهل العلم. اهـ
وقال ابن عبد البر ﵀: وأجمعوا على أنَّ من وطِئَ في يوم واحد مرتين، أو أكثر أنه ليس عليه إلا كفارة واحدة. اهـ. (٢)
مسألة [٩]: إن جامع فلم يكفر حتى جامع في اليوم الثاني ؟
• فيها قولان:
الأول: أنَّ عليه كفارة واحدة، وهو قول الزهري، والأوزاعي، وأصحاب
стр. 2210
الرأي، وهو ظاهر إطلاق الخِرَقِي؛ لأنها جزاء عن جناية تكرر سببها قبل استيفائها؛ فيجب أن تتداخل كالحد.
الثاني: تلزمه كفارتان، ولا تجزئه واحدة، وهو قول مالك، والليث، والشافعي، واختاره بعض الحنابلة، ورجحه ابن المنذر، ورُوِي ذلك عن عطاء، ومكحول؛ لأنَّ كل يوم عبادة منفردة، فإذا وجبت الكفارة بإفساده لم تتداخل كرمضانين، وكالحجَّين.
وهذا القول هو الراجح، ورجحه ابن حزم. (١)
مسألة [١٠]: إن جامع ثم كفر، ثم جامع في يوم واحد، فهل عليه كفارة ثانية ؟
• في المسألة قولان:
الأول: أنَّ عليه كفارة ثانية، وهو قول أحمد؛ لأنه وطْءٌ محرَّمٌ بحرمة رمضان، فأوجب الكفارة كالأول.
الثاني: أنه لا تلزمه إلا كفارة واحدة، وهو قول مالك، والشافعي، وأبي حنيفة؛ لأنَّ الجماع الثاني لم يصادف الصوم، ولم يمنع صحته.
وهذا القول هو الراجح، والله أعلم.
وهو الذي رجَّحه ابن حزم، ثم شيخنا الوادعي رحمة الله عليهما. (٢)
стр. 2211
مسألة [١١]: إن جامع ثم كفر، ثم جامع في اليوم الثاني فهل عليه كفارة أخرى ؟
قال ابن قدامة ﵀: عليه كفارة ثانية بغير خلاف نعلمه. اهـ (١)
مسألة [١٢]: إذا جامع في أول النهار، ثم مرض أو جُنَّ، أو كانت امرأة فحاضت، أو نفست أثناء النهار، فهل تسقط الكفارة، أم لا ؟
• في المسألة قولان:
الأول: أنها تسقط، وهو قول الحنفية، وأحد قولي الشافعي، واحتجوا بأنَّ الصوم في هذا اليوم خرج عن كونه مستحقًّا فلم يجب بالوطء فيه كفارة كصوم المسافر، أو كما لو قامت البَيِّنَة أنه من شوال.
الثاني: أنها لا تسقط، وهو قول أحمد، ومالك، والليث، وإسحاق، وابن الماجشون، وأحد قولي الشافعي، وهو ترجيح ابن حزم؛ لأنَّ ما أوجبه الله تعالى لا يسقط بعد وجوبه إلا بنصٍّ، ولا نصَّ في سقوطها.
وهذا القول عزاه النووي للجمهور، ورجَّحه الإمام ابن عثيمين ﵀، وهو الراجح إن شاء الله تعالى. (٢)
تنبيه: قال النووي ﵀ في «المجموع» (٦/ ٣٤٠): واتفقوا على أنها لا تسقط بالسفر، إلا ابن الماجشون المالكي فأسقطها به. اهـ
стр. 2212
مسألة [١٣]: المجامع في الدبر هل عليه كفارة، أم لا ؟
قال ابن قدامة ﵀: ولا فرق بين كون الفرج قُبُلًا، أو دُبُرًا، من ذكر أو أنثى، وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة -في أشهر الروايتين عنه-: لا كفارة في الوطء في الدبر؛ لأنه لا يحصل به الإحلال، ولا الإحصان؛ فلا يوجب الكفارة كالوطء دون الفرج.
قال ابن قدامة: ولنا أنه أفسد صوم رمضان بجماعٍ في الفرج، فأوجب الكفارة كالوطء. اهـ
قال النووي ﵀: واتفقت نصوص الشافعي وأصحابه على أنَّ وطء المرأة في الدبر واللواط بصبي، أو رجل كوطء المرأة في القُبُل في جميع ما سبق. اهـ (١)
مسألة [١٤]: إذا جامع دون الفرج فأنزل ؟
• في المسألة أقوال:
الأول: أنه يفطر، وعليه الكفارة، وهو قول مالك، وعطاء، والحسن، وابن المبارك، وإسحاق، ورواية عن أحمد؛ لأنه أفطر بجماع؛ فأوجب الكفارة كالجماع في الفرج.
الثاني: أنه يفطر، وليس عليه كفارة، وهو قول الشافعي، وأبي حنيفة، ورواية عن أحمد رجَّحها ابن قدامة؛ لأنه أفطر بغير جماعٍ تامٍّ فأشبه القبلة؛ ولأنَّ الأصل
стр. 2213
عدم وجوب الكفارة، ولا نصَّ في وجوبها، ولا إجماع، فلا يصح قياس ذلك على الجماع في الفرج؛ لأنه أبلغ، بدليل أنه يوجبها من غير إنزال، ويجب به الحد إذا كان محرَّمًا، ولأنَّ العلة في الأصل الجماع في الفرج، سواء أنزل، أم لم ينزل، والله أعلم.
الثالث: أنه لا يفطر بالإنزال إذا باشر دون الفرج، ذكره ابن مفلح في «الفروع» احتمالًا، ومال إليه.
وقد تقدم أنه قول ابن حزم، والصنعاني، ثم الألباني رحمة الله عليهم أجمعين.
والذي يظهر -والله أعلم- أنَّ القول الثاني هو الراجح، وهو ترجيح الإمام ابن باز، والإمام ابن عثيمين رحمة الله عليهما.
تنبيه: معنى الجماع دون الفرج: أن يباشرها بفرجه في موضعٍ من بدنها على أي وجهٍ كان، سواء أولج بين فخذيها، أو نحوه من بدنها، أم لم يولج. (١)
مسألة [١٥]: الوطء بزنا أو بشبهة .
قال النووي ﵀: الوطء بزنا، أو شبهة، أو في نكاحٍ فاسد، ووطء أمته، وأخته، وابنته، والكافرة، وسائر النساء، سواءٌ في إفساد الصوم ووجوب الكفارة، وإمساك بقية النهار، وهذا لا خلاف فيه. اهـ (٢)
стр. 2214
مسألة [١٦]: من كان جاهلاً بتحريم الجماع في نهار رمضان، فهل عليه كفارة ؟
قال الإمام النووي ﵀ في «المجموع» (٦/ ٣٤٤): إذا وَطِئَ الصائم في نهار رمضان، وقال: جهلت تحريمه؛ فإن كان ممن يخفى عليه؛ لقرب إسلامه ونحوه، فلا كفارة، وإلا وجبت، ولو قال: علمت بتحريمه، وجهلت وجوب الكفارة؛ لزمته الكفارة بلا خلاف. اهـ
مسألة [١٧]: من أتى امرأته وهو يغلب على ظنه أنَّ الفجر لم يطلع، ثم تبين له أن الفجر قد طلع، فما الحكم؟ وهل عليه كفارة ؟
• في المسألة ثلاثة أقوال:
أحدها: أنَّ عليه القضاء والكفارة، وهو المشهور من مذهب أحمد.
الثاني: أنَّ عليه القضاء، ولا كفارة، وهو قول ثانٍ في مذهب أحمد، وهو مذهب أبي حنيفة، والشافعي، ومالك.
الثالث: لا قضاء عليه، ولا كفارة، وهذا قول طوائف من السلف، كسعيد بن جبير، ومجاهد، والحسن، وإسحاق، وداود وأصحابه، وهذا القول هو الصواب.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وهذا القول هو أصح الأقوال، وأشبهها بأصول الشريعة، ودلالة الكتاب والسنة، وهو قياس أصول أحمد وغيره؛ فإنَّ الله رفع المؤاخذة عن الناسي، والمخطئ، وهذا مخطئٌ، وقد أباح الله الأكل والوطء حتى يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، واستحب تأخير السحور
стр. 2215
ومن فعل ما ندب إليه وأبيح له لم يفرط، فهذا أولى بالعذر من الناسي. اهـ (١)
مسألة [١٨]: إذا نسي النية وجامع في ذلك اليوم ؟
قال النووي ﵀: إذا نسي النية وجامع في ذلك اليوم؛ فلا كفارة في ذلك اليوم بلا خلاف؛ لأنه لم يفسد صومًا. (٢)
مسألة [١٩]: كفارة المفطر بجماع في قضاء رمضان .
قال ابن عبد البر ﵀: وأجمعوا على أنَّ المجامع في قضاء رمضان عامدًا لا كفارة عليه، حاشا قتادة وحده. اهـ
قلتُ: ويدل على قول الجمهور أنَّ الأصل براءة الذمة من هذه الكفارة، والدليل الذي جاء بهذه الكفارة أعني حديث أبي هريرة ﵁ الذي في الكتاب إنما هو في المجامع في نهار رمضان، والله أعلم.
وقول الجمهور هو الراجح، وهو ترجيح ابن حزم، وشيخنا الوادعي، والشيخ ابن عثيمين رحمة الله عليهم أجمعين. (٣)
مسألة [٢٠]: هل الكفارة خاصة بالجماع، أم تشمل المفطر بأكل أو شرب ؟
• ذهب الجمهور إلى أنها خاصة بمن أفطر بجماع؛ لأنَّ الدليل جاء في ذلك
стр. 2216
دون غيره.
• وذهب أحمد في رواية، وهو قول مالك وأصحابه، والثوري، وأبي حنيفة وأصحابه والأوزاعي، وإسحاق إلى أنَّ عليه من الكفارة ما على المجامع، وقاسوا الإفطار بالأكل والشرب على الإفطار بالجماع، والجامع بينهما انتهاك حرمة الشهر بما يفسد الصوم عمدًا.
وقول الجمهور هو الصحيح، وهو رواية مشهورة عن أحمد صححها شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو قول سعيد بن جيبر، وابن سيرين، وجابر بن زيد، والشعبي، وقتادة.
وقد ذكر شيخ الإسلام وجوهًا في ترجيح هذا القول:
أحدها: أنَّ الأصل براءة الذمة من هذه الكفارة، والحديث إنما يوجبها في الوقاع؛ فإلحاق غيره به يحتاج إلى دليل، والقياس فيها ليس بالبين؛ لجواز أنْ يكون الجماع قد تضمن وصفًا فارق به غيره، فما لم يقم دليل على أنَّ موجب الكفارة مجرد الفطر؛ لم يجز الإيجاب بمجرد الظن.
الثاني: أنه لو وجب لأجل الفطر؛ لاستوى فيه جميع المفطرات؛ فإن تخصيص بعضها دون بعض نوع تشريع يحتاج إلى دلالة الشرع.
قلتُ: وهم لا يقولون بالكفارة على من استقاء.
الثالث: أنَّ الجماع يفارق غيره بقوة داعيه، وشدة باعثه؛ فإنه إذا هاجت
стр. 2217
شهوته لم يكد يزعها وازع العقل، ولم يمنعها حارس الدين، وهو قول عمر، وعلي، ولا يُعلم لهما مخالفٌ من الصحابة. اهـ
قلتُ: أثر عمر، وعلي أخرجهما عبد الرزاق (٧/ ٣٨٢)، والبيهقي (٨/ ٣٢١) وفيهما أنهما أمرا بمن شرب الخمر في رمضان أن يُجلَدَ ولم يأمراه بكفارة، وهما أثران صحيحان.
وهذا القول هو الراجح، وهو ترجيح ابن حزم، ثم شيخنا الإمام مقبل الوادعي ﵀. (١)
مسألة [٢١]: إذا أفطر بالأكل أو الشرب، ثم جامع، فهل عليه كفارة ؟
• في المسألة قولان:
أحدهما: وجوب الكفارة، وهو قول جمهور العلماء كمالك، وأحمد، وأبي حنيفة وغيرهم.
الثاني: أنها لا تجب الكفارة، وهو مذهب الشافعي.
وهذان القولان مبناهما على كون الكفارة هل هي بسبب إفساد الصوم، أم بسبب انتهاك حرمة ذلك اليوم بالجماع؟
وقد رجَّح شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ القول الأول بكلام قوي كما في «مجموع الفتاوى».
стр. 2218
والذي يظهر لي -والله أعلم- أنَّ القول الثاني أرجح؛ لأنَّ حديث أبي هريرة في كفارة المجامع كان فيمن أفسد صيامه بذلك، وفي الحديث يقول: «وقعت على امرأتي وأنا صائم»، فهذا قيد بُنِيَ عليه الحكم، فلا ينبغي إهماله، وهذا لا ينافي كون هذا الرجل أشد ذنبًا من الذي جامع فقط؛ لأنه اقترف ما حرم الله عليه مرتين؛ إلا أنه إن كان محتالًا، وقصده الجماع دون الأكل والشرب؛ فالذي يظهر أنَّ عليه الكفارة، والله أعلم. (١)
مسألة [٢٢]: هل على المجامع في نهار رمضان أن يقضي ذلك اليوم مع الكفارة ؟
• في المسألة قولان:
الأول: أنه يلزمه، وهو قول الجمهور، واستدلوا بقول النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- للمجامع في نهار رمضان: «صم يومًا واستغفر الله» رواه أبو داود (٢٣٩٣)، والدارقطني (٢/ ٢١٠ - ٢١١)، ولأنه لم تبرأ ذمته منه؛ لكونه أفسده بالجماع.
الثاني: أنه لا يلزمه، ولا يقدر على قضائه، وهو أحد قولي الشافعي، وهو قول ابن حزم؛ لأنَّ الرجل قد أفسد صومه متعمدًا، فمن أين لنا الدليل أنه يمكنه أن يتدارك ذلك بصيام بعد خروج الوقت والحد الذي حدَّه الله لهذه العبادة، وهذا هو الراجح، وهو ترجيح والدنا وشيخنا مقبل الوادعي ﵀.
وأجابوا عن حديث: «صم يومًا» بعدم ثبوته؛ فقد رواه بهذه الزيادة عن
стр. 2219
الزهري: أبوأويس، وعبد الجبار بن عمر، وهشام بن سعد، وأبو أويس، وهشام ضعيفان، وعبدالجبار ابن عمر شديد الضعف، وقد خالفوا في ذكر هذه الزيادة جمعًا كبيرًا من أصحاب الزهري، تقدم من كلام الحافظ أنهم ما يقارب ثلاثين نفسًا، أو أكثر، فتُعتبر هذه الزيادة شاذة، أو منكرة، وقد جاءت الزيادة أيضًا من مراسيل سعيد بن المسيب، أخرجه مالك (١/ ٢٩٧)، والمرسل لا يُحتج به، فما في «الصحيحين» هو المقدم، وعليه الاعتماد، وهو يدل على عدم وجوب القضاء عليه؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يأمره بالقضاء. (١)
مسألة [٢٣]: الكفارة على المعسر، هل تسقط ؟
• في المسألة قولان:
الأول: أنها تسقط، وهو الصحيح في مذهب أحمد، وأحد قولي الشافعي، وهو قول الأوزاعي، وعيسى بن دينار من المالكية، واستدلوا بعدم أمر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- للمجامع أن يؤدي الكفارة إذا أيسر، ورجَّحه ابن قدامة ﵀.
الثاني: أنها لا تسقط، بل تبقى في ذمته إلى اليسر، وهو قول الجمهور، ورواية عن أحمد، والشافعي، واستدلوا بأنَّ هذا هو الأصل في الكفارات، وأنها لا تسقط بالعجز عنها، بل تبقى في الذمة، ويدل على هذا أيضًا أنَّ الرجل بعد أن عجز عن الثلاث سكت النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وجلس الرجل، ولم يقل له النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- (لا شيء عليك)، بل عند أن جاءه المِكْتَل قال: «خذ هذا فتصدق به عنك»، وفي رواية: «عن
стр. 2220
نفسك»، فهذا يدل على أنَّ ذمته لم تبرأ.
قال شيخ الإسلام ﵀: وأما ما استدلوا به من تأخير البيان فلا دلالة فيه؛ لأنَّ العلم بالوجوب قد تقدم، ولم يرد بالحديث ما يدل على الإسقاط؛ لأنه لما أخبره بعجزه ثم أمره بإخراج العرق؛ دلَّ هذا على أنْ لا سقوط على العاجز، ولعله أخر البيان إلى وقت الحاجة وهو القدرة. اهـ
قال ابن عبد البر ﵀: إن احتج مُحتَجٌّ في إسقاط الكفارة عن المعسر بأنَّ رسول الله ﷺ قال له: «كُلْهُ أَنْتَ وَعِيَالُك»، ولم يقل له: (تؤديها إذا أيسرت)، ولو كانت واجبة عليه لم تسقط عنه حتى يبين ذلك له؟ قيل له: ولا قال رسول الله ﷺ (إنها ساقطة عنك لعسرتك) بعد أن أخبره بوجوبها عليه، وكل ما وجب أداؤه في اليسار لزم الذمة إلى الميسرة، والله أعلم. اهـ
وهذا القول هو الراجح -أعني قول الجمهور- وهو ترجيح ابن حزمٍ ﵀. (١)
مسألة [٢٤]: هل يُشترط في الرقبة أن تكون مؤمنة ؟
• ذهب الجمهور إلى اشتراط الإيمان؛ حملًا للمطلق في قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «هل تجد رقبة تعتقها؟» على المقيد في كفارة القتل في قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء:٩٢]، وإنما قيد المطلق؛ لأنَّ القياس يقتضي ذلك، فيكون تقييدًا بالقياس، كالتخصيص بالقياس، والعلة الجامعة هنا هو أنَّ جميع ذلك كفارة عن ذنب.
واستدلوا بحديث معاوية بن الحكم السُّلَمِي ﵁ في «صحيح مسلم»
стр. 2221
٥٣٧ - : أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «اعتقها؛ فإنها مؤمنة».
• وذهب الحنفية، وابن حزمٍ إلى جواز عتق الكافرة، وهو قول عطاء، والنخعي، والثوري.
والراجح هو القول الأول؛ لحديث معاوية المتقدم، فقد علل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عتقها بكونها مؤمنة، وهو ترجيح الصنعاني، والشوكاني. (١)
مسألة [٢٥]: هل يُشترط في الرقبة أن تكون سالمةً من العيوب ؟
• ذهب الجمهور من الشافعية، والحنابلة، والحنفية وغيرهم إلى تفاصيل -على اختلافٍ بينهم- في كون العيوب الشديدة التي تضر بالعمل ضررًا بَيِّنًا لا تجزئ.
• وذهب داود الظاهري، وابن حزمٍ إلى جواز عتق كل رقبة، معيبةً كانت أو غير معيبة.
قال ابن حزم ﵀: وأما المعيب فكلهم متفق على إجازة العيب الخفيف فيها، ولم يأت نصٌّ، ولا إجماع، ولا قياس بالفرق بين العيوب في ذلك. اهـ
وقال: وأيضًا فلا سبيل لهم إلى تحديد الخفيف الذي أجازوه من الكثير الذي لا يجيزونه؛ فصحَّ أنه رأيٌ فاسد من آرائهم. اهـ
قلتُ: الذي يظهر لي -والله أعلم- أنَّ العبد إذا كان في حالة لا يَنْتَفِعُ بعتقه، ولا
стр. 2222
ينفع غيره أنه لا يُجزئ، فقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ [البقرة:٢٦٧]، وقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنَّ الله طيبٌ لا يقبل إلا طيبًا» (١)، ولكن إذا لم يجد غير هذه الرقبة؛ فتجزئه، والله أعلم. (٢)
مسألة [٢٦]: من لم يجد إلا رقبة لا غنى له عنها ؟
من وجبت عليه كفارة ولا يجد إلا رقبة لا غنى له عنها وعن خدمتها؛ لكونه كبيرًا، أو مريضًا، أو نحو ذلك؛ فإنه لا يلزمه عتقها؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨]، وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥]، وهذا قول أحمد، والشافعي، وابن حزمٍ خلافًا لمالك، وأبي حنيفة، والأوزاعي. (٣)
مسألة [٢٧]: هل يُجزئ أن تكون الرقبة أُمَّ ولدٍ، أو مدبَّرًا ؟
• ذهب أبو حنيفة، ومالك إلى أنهما لا يُجزئان، وقال الشافعي: لا تُجزئ أم الولد؛ لأنها لا تُباع. وأجاز عتق المدبَّر.
• وذهب عثمان البتي، وداود الظاهري، وابن حزمٍ إلى الجواز، وهو الصحيح.
قال ابن حزمٍ ﵀: فمعتق كل واحدة منهما يسمى معتق رقبة، وعتق كل واحدة منهما عتق رقبة بلا خلاف، فوجب أنَّ من فعل واحدةً منهما فقد فعل ما
стр. 2223
أمره الله تعالى به.
وقال ﵀ -ردًّا على الشافعي-: وهل اشترط ﵇ إذ أمر بالكفارة بعتق رقبة أن تكون ممن يجوز بيعها؟ حاشا لله من هذا، فإذا لم يشترط ﵇ هذه الصفة؛ فاشتراطها باطلٌ وشرعٌ في الدين لم يأذن به الله تعالى ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم:٦٤].اهـ. (١)
مسألة [٢٨]: المكاتب، هل يجزئ في عتق الرقبة ؟
• ذهب بعض أهل العلم إلى أنه إن كان لم يؤدِّ شيئًا فيُجزئ؛ لأنه ما زال عبدًا، وإن كان قد أدَّى شيئًا؛ فلا يُجزِئ؛ لكون بعضه حُرًّا، فيكون قد أعتق بعض رقبة، وهو مذهب أحمد، وإسحاق، وأبي حنيفة، ورجَّحه ابن حزمٍ.
• وذهب الشافعي، ومالك، والأوزاعي، والثوري إلى عدم الإجزاء مطلقًا؛ لأنَّ عتقه مستحق بسبب آخر سابق لعتقه عن الكفارة.
• وذهب أحمد في رواية، وأبو ثور إلى الإجزاء مطلقًا.
وهذا هو الصحيح؛ لأنه ما زال عبدًا. (٢)
مسألة [٢٩]: إذا شرع في الصيام، ثم وجد ما يعتق، فهل يلزمه الرجوع إلى العتق ؟
• في المسألة ثلاثة أقوال:
الأول: أنه يلزمه الرجوع إلى العتق، وهو قول أبي حنيفة، واستدل بأنه قد قدر على الأصل قبل أداء فرضه بالبدل؛ فبطل حكم البدل كالمتيمم يرى الماء.
стр. 2224
الثاني: لا يلزمه الرجوع إلى العتق إلا أن يشاءه؛ فيجزئه، ويكون قد فعل الأَوْلَى، وهو قول أحمد، والشافعي، ورجَّحه ابن قدامة؛ لكونه قد شرع في الكفارة الواجبة، فأجزأته كما لو استمر العجز إلى فراغها.
وفارق العتق التيمم لوجهين:
١) أن التيمم يرفع الحدث رفعًا مؤقتًا إلى أن يجد الماء، فإذا وجد الماء ذهب حكمه، بخلاف الصوم؛ فإنه يرفع حكم الجماع بالكلية.
١) أنَّ الصيام تطول مدته فيشق إلزامه الجمع بينه وبين العتق بخلاف الوضوء والتيمم.
وكذلك فإنَّ العتق مأمورٌ به إذا وجده، وهذا لم يجده حتى تلبس بالصيام، فمن أين لنا أن نُوجِبَ عليه العتق بعد ذلك، بخلاف التيمم، فقد قال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «فإذا وجد الماء فليتق الله وليمسه بشرته». (١)
الثالث: أنه يلزمه الصوم، ولا يجوز له الرجوع إلى العتق، وهو قول ابن حزم. والراجح -والله أعلم- هو القول الثاني. (٢)
مسألة [٣٠]: هل يلزمه المتابعة في صيام الشهرين ؟
قال ابن قدامة ﵀: ولا خلاف بين من أوجبه أنه شهران متتابعان للخبر. اهـ
قلتُ: يعني حديث أبي هريرة ﵁ المتقدم. (٣)
стр. 2225
مسألة [٣١]: إذا صام شهرين متتابعين، فهل يعتبر العدد أم الأهلة ؟
قال ابن قدامة ﵀: ويجوز أن يبتدئ صوم الشهرين من أول الشهر ومن أثنائه، لا نعلم في هذا خلافًا.
قال: فإن صام من أول الشهر شهرين بالأهلة أجزأه ذلك، تامين أو ناقصين إجماعًا.
قال: وإن بدأ من أثناء الشهر، فصام ستين يومًا أجزأه بلا خلاف أيضًا، قال ابن المنذر: أجمع على هذا من نحفظ عنه من أهل العلم. اهـ
قال أبو عبدالله غفر الله له: أما إذا صام من أول الشهر؛ فالذي يلزمه هو الصوم على الأهلة؛ لقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة:١٨٩].
وأما إذا ابتدأ من أثناء الشهر؛ فإنَّ الشهر الثاني يصومه على الهلال ثم يتم بقية الشهر الأول تمام الثلاثين عند أكثر أهل العلم.
وخالف ابن حزمٍ، فقال: لا يلزمه إلا تسعة وعشرون؛ لأنَّ الشهر قد يكون تسعة وعشرين.
والراجح قول الجمهور؛ لأنَّ الله أوجب عليه صيام شهرين، ولأنه قد تعذر اعتبار الهلال؛ فوجب الأخذ بالأكثر حتى يؤدي ما عليه. (١)
стр. 2226
مسألة [٣٢]: قطع التتابع لعذر من الأعذار .
١ - عذر الحيض:
قال ابن قدامة ﵀: وأجمع أهل العلم على أنَّ الصائمة متتابعًا إذا حاضت قبل إتمامه تقضي إذا طهرت، وتبني، وذلك لأنَّ الحيض لا يمكن التحرز منه في الشهرين إلا بتأخيره إلى الإياس، وفيه تغرير بالصوم؛ لأنها ربما ماتت قبله. اهـ
٢ - عذر النفاس:
فيه وجهان عند الحنابلة، والشافعية، والصحيح أنه لا يقطع التتابع، وهو قول المالكية؛ لأنه بمنزلة الحيض في أحكامه، ولأنَّ الفطر لا يحصل فيهما بفعلهما. ومذهب الحنفية: أنه يقطع التتابع.
وقال بعضهم: لا يصح قياسه على الحائض؛ لأنه أندر منه، ويمكن التحرز عنه.
والصحيح ما قدمناه، فلو أنَّ امرأة صامت خمسين يومًا مثلًا، ثم أسقطت، أو ولدت، فأصبحت نفساء، فمن أين لنا أنْ نوجب عليها صيام شهرين من جديد، قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨]، وقال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥]. (١)
٣ - عذر المرض:
• فيه قولان:
стр. 2227
الأول: أنه لا يقطع التتابع، وبه قال ابن المسيب، والحسن، وعطاء، والشعبي، وطاوس، ومجاهد، ومالك، وإسحاق، وأبو عبيد، وأحمد، وأبو ثور، وابن المنذر، والشافعي في القديم؛ لأنه أفطر بسببٍ لا صنع له فيه، فلم يقطع التتابع، كإفطار المرأة للحيض، ولأننا لو قلنا: إنه ينقطع بالفطر في المرض؛ لأدَّى ذلك إلى أن يتسلسل؛ لأنه لا يأمن وقوع المرض إذا استأنف بعد البُرء.
الثاني: أنه يقطع التتابع، وهو قول سعيد بن جبير، والنخعي، والحكم، والثوري، وأصحاب الرأي، وهو قول الشافعي في الجديد؛ لأنه أفطر بفعله فلزمه الاستئناف. والراجح القول الأول. (١)
٤ - عذر السفر:
• فيه قولان:
الأول: أنه يقطع التتابع، وهو قول مالك، وأصحاب الرأي، والمشهور عند الشافعية، وهو قول جماعة من الحنابلة، قالوا: لأنَّ السفر يحصل باختياره؛ فقطع التتابع كما لو أفطر بغير عذر.
الثاني: أنه لا يقطع التتابع، وهو ظاهر مذهب أحمد، وقال به الحسن، وبعض الشافعية، وقالوا: إنه أفطر لعذر مبيح للفطر، فلم ينقطع به التتابع كإفطار المرأة بالحيض، وفارق الفطر لغير عذر؛ فإنه لا يُباح. وهذا اختيار الإمام ابن باز ﵀ في آخرين من أعضاء اللجنة الدائمة.
стр. 2228
قلتُ: القول الأول أقرب، إلا إذا اضطر إلى السفر، وشق عليه الصوم، فيرخص له بالفطر، ولا يقطع التتابع، والله أعلم. (١)
٥ - عذر الحامل والمرضع:
إن أفطرتا خوفًا على أنفسهما؛ فهما كالمريض، وإن أفطرتا خوفًا على ولديهما، ففيهما وجهان عند الحنابلة والشافعية. ومقتضى قول الحنفية والمالكية: أنه يقطع التتابع. (٢)
٦ - عذر الجنون والإغماء:
قال ابن قدامة ﵀: وإن أفطر لجنون، أو إغماء لم ينقطع التتابع؛ لأنه عذر لا صنع له فيه؛ فهو كالحيض. اهـ وما ذكره هو مقتضى قول الجمهور. (٣)
مسألة [٣٣]: إذا أفطر أثناء الشهرين بغير عذر، أو قطع التتابع بصوم نذر، أو قضاء، أو كفارة أخرى ؟
يلزمه استئناف الشهرين؛ لأنه أخلَّ بالتتابع المشروط، ويقع صومه عمَّا نواه؛ لأنَّ هذا الزمان ليس بمستحقٍّ متعين للكفارة، ولهذا يجوز صومها في غيرها بخلاف شهر رمضان؛ فإنه متعين لا يصلح لغيره. (٤)
стр. 2229
مسألة [٣٤]: إذا تخلل الشهرين المتتابعين صوم رمضان، وأيام العيد ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١١/ ١٠٣ - ): إذَا تَخَلَّلَ صَوْمَ الظِّهَارِ زَمَانٌ لَا يَصِحُّ صَوْمُهُ عَنْ الْكَفَّارَةِ، مِثْلُ أَنْ يَبْتَدِئَ الصَّوْمَ مِنْ أَوَّلِ شَعْبَانَ، فَيَتَخَلَّلَهُ رَمَضَانُ وَيَوْمُ الْفِطْرِ، أَوْ يَبْتَدِئَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، فَيَتَخَلَّلَهُ يَوْمُ النَّحْرِ وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ؛ فَإِنَّ التَّتَابُعَ لَا يَنْقَطِعُ بِهَذَا، وَيَبْنِي عَلَى مَا مَضَى مِنْ صِيَامِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَنْقَطِعُ التَّتَابُعُ، وَيَلْزَمُهُ الِاسْتِئْنَافُ؛ لِأَنَّهُ أَفْطَرَ فِي أَثْنَاءِ الشَّهْرَيْنِ بِمَا كَانَ يُمْكِنُهُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ، فَأَشْبَهَ إذَا أَفْطَرَ بِغَيْرِ ذَلِكَ، أَوْ صَامَ عَنْ نَذْرٍ، أَوْ كَفَّارَةٍ أُخْرَى.
وَلَنَا أَنَّهُ زَمَنٌ مَنَعَهُ الشَّرْعُ عَنْ صَوْمِهِ فِي الْكَفَّارَةِ، فَلَمْ يَقْطَعْ التَّتَابُعَ، كَالْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ. فَإِنْ قَالَ: الْحَيْضُ وَالنِّفَاسُ غَيْرُ مُمْكِنٍ التَّحَرُّزُ مِنْهُ. قُلْنَا: قَدْ يُمْكِنْ التَّحَرُّزُ مِنْ النِّفَاسِ بِأَنْ لَا تَبْتَدِئَ الصَّوْمَ فِي حَالِ الْحَمْلِ، وَمِنْ الْحَيْضِ إذَا كَانَ طُهْرُهَا يَزِيدُ عَلَى الشَّهْرَيْنِ، بِأَنْ تَبْتَدِئَ الصَّوْمَ عَقِيبَ طُهْرِهَا مِنْ الْحَيْضَةِ، وَمَعَ هَذَا فَإِنَّهُ لَا يَنْقَطِعُ التَّتَابُعُ بِهِ، وَلَا يَجُوزُ لِلْمَأْمُومِ مُفَارَقَةُ إمَامِهِ لِغَيْرِ عُذْرٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يَدْخُلَ مَعَهُ الْمَسْبُوقُ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ، مَعَ عِلْمِهِ بِلُزُومِ مُفَارَقَتِهِ قَبْلَ إتْمَامِهَا. انتهى المراد.
قلتُ: وما رجحه ابن قدامة هو الراجح عندي، والله أعلم، وقد ذهب الحنفية إلى أنه يقطع التتابع، وقال بذلك المالكية في حق من لم يجهل الحال، وعلم أنه سيوافق هذه الأيام. (١)
стр. 2230
مسألة [٣٥]: إذا كفر بالإطعام؛ فهل يلزمه إطعام ستين مسكينًا ؟
• في المسألة قولان:
الأول: أنه يُجزئ أن يطعم ولو مسكينًا واحدًا ستين مرة، أو عشرة مساكين ست مرات .. ، وهكذا، وهو قول الحنفية.
الثاني: يلزمه أن يكونوا ستين مسكينًا.
وهو قول الجمهور، وأحمد، والشافعي، ورجَّحه ابن حزمٍ وغيره من أهل العلم؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «هل تستطيع أن تطعم ستين مسكينًا؟».
قال ابن دقيق العيد ﵀: أضاف الإطعام الذي هو مصدر: (أطعم) إلى ستين فلا يكون ذلك موجودًا في حقِّ من أطعم ستة مساكين عشرة أيام مثلًا. اهـ. (١)
مسألة [٣٦]: مقدار الإطعام .
• اختلف في تقديره الحنابلة، والشافعية، والحنفية وغيرهم، فمنهم من قدرَّه بالْمُدِّ عن كل مسكين، ومنهم من قدَّره بالصَّاع، ولهم تفاصيل في ذلك.
والصحيح أنه لا حدَّ له، ويجب عليه ما يشبعهم، وهو رواية عن أحمد.
قال ابن حزمٍ ﵀: ولا يجوز تحديد إطعام دون إطعام بغير نصٍّ، ولا إجماع، ولم يختلف فيما دون الشبع في الأكل، وفيما دون المد في الإعطاء أنه لا يُجزئ. اهـ
وهذا القول هو ترجيح شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀. (٢)
стр. 2231
مسألة [٣٧]: هل يجزئ إطعام الطفل الذي لم يطعم ؟
• قال الشافعي ﵀: يُجْزِئ، وَيُسَلَّمُ لِوَلِيِّهِ.
• وقالت الحنفية: لا يُجزئ؛ لكونه لا يطعم. وهو ترجيح ابن حزمٍ، وهو الراجح؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «هل تستطيع أن تُطعِم ستين مسكينًا؟»، والطفل الذي لم يطعم كيف يمكن إطعامه!. (١)
مسألة [٣٨]: هل يلزم التتابع في إطعام المساكين ؟
قال ابن قدامة ﵀: ولا يلزم التتابع في الإطعام، نصَّ عليه أحمد في رواية الأثرم، قيل له: تكون كفارة يمين؛ فيطعم اليوم واحدًا، وآخر بعد أيام، وآخر بعد أيام، حتى يستكمل عشرة؟ فلم يَرَ بذلك بأسًا. (٢)
стр. 2232
٦٥٨ - وَعَنْ عَائِشَةَ،
٦٥٩ - وَأُمِّ سَلَمَةَ ﵄، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصْبِحُ جُنُبًا مِنْ جِمَاعٍ، ثُمَّ يَغْتَسِلُ وَيَصُومُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١)
٦٦٠ - وَزَادَ مُسْلِمٌ فِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ: وَلَا يَقْضِي. (٢)
المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث
مسألة [١]: من أدركه الفجر وهو جُنُبٌ، فهل يصح صومه ؟
• ذهب الجمهور إلى صحة صومه؛ لحديث عائشة، وأم سلمة ﵄ الذي في الباب. وقد كان هناك خلافٌ في زمن الصحابة، والتابعين، ثم استقر الإجماع على صحة الصوم كما جزم بذلك النووي. وممن أفتى بصحة الصوم من الصحابة ابن مسعود، وأبو هريرة، وزيد بن ثابت، وابن عباس، وابن عمر ﵃، أخرج الآثار عنهم ابن أبي شيبة (٣/ ٨٠ - ٨١) بأسانيد صحيحة.
وسبب الخلاف هو حديث أبي هريرة ﵁ في «الصحيحين» (٣) أنه كان يفتي ويُحَدِّثُ، يقول: «من أدركه الفجر وهو جنبٌ فلا صوم له». وجاء عند النسائي (٤) وغيره أنه رفعه إلى النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وقد دخل عليه عبد الرحمن بن الحارث بعد أن سمع حديث عائشة، وأم سلمة، فأخبره بحديثهما، فقال أبو هريرة: أهما قالتا
стр. 2233
ذلك؟ قال: نعم. فقال أبو هريرة: هما أعلم. ثم أخبره أنه لم يسمعه من النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وإنما سمعه من الفضل بن عباس، ورجع عن فُتياه.
وأما حديث الفضل بن عباس:
فمنهم من حمله على أنَّ الأمر بالغسل قبل الفجر للإرشاد.
قال الحافظ ﵀: ويعكر عليه التصريح في كثير من طرق الحديث بالأمر بالفطر وبالنهي عن الصيام، فكيف يصح الحمل المذكور إذا وقع ذلك في رمضان!.اهـ
ومنهم من حمله على من أدركه الفجر مُجامعًا فاستدام بعد طلوعه عالمًا بذلك.
قال الحافظ ﵀: ويعكر عليه ما رواه النسائي (١) من طريق أبي حازم عن عبدالملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁، أنه كان يقول: من احتلم وعلم باحتلامه ولم يغتسل حتى أصبح فلا يصوم. اهـ
ومنهم من سلك مسلك الترجيح، فرجَّح حديث عائشة، وأم سلمة على حديث أبي هريرة الذي أخذه من الفضل، وهو مسلك الشافعي، والبخاري، وابن عبد البر.
ومنهم من حمل حديث الفضل على أنه منسوخٌ.
قال ابن خزيمة ﵀: توهم بعض العلماء أنَّ أبا هريرة ﵁ غلط في هذا الحديث.
стр. 2234
ثم ردَّ عليه ابن خزيمة بأنه لم يغلط، وإنما أحال على رواية صادق؛ إلا أن الخبر منسوخٌ؛ لأنَّ الله تعالى عند ابتداء فرض الصيام كان منع في ليلة الصوم من الأكل والشرب، والجماع بعد النوم، فيحتمل أن يكون خبر الفضل كان حينئذٍ، ثم أباح الله ذلك إلى طلوع الفجر، فكان للمجامع أن يستمر إلى طلوعه، فيلزم أن يقع اغتساله بعد طلوع الفجر، فدلَّ على أنَّ حديث عائشة ناسخٌ لحديث الفضل، ولم يبلغ الفضل ولا أبا هريرة الناسخ، فاستمر أبو هريرة على الفُتيا به، ثم رجع عنه بعد ذلك لما بلغه. اهـ
وأَيَّدَ الحافظ القول بالنسخ بحديث عائشة الذي في «صحيح مسلم» (١) أنَّ رجلًا جاء إلى النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يستفتيه وهي تسمع من وراء الحجاب، فقال: يا رسول الله، يدركني الفجر وأنا جُنُبٌ أَفَأَصُوم؟ فقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «وأنا يدركني الفجر وأنا جُنُبٌ فَأَصُومُ»، قال: لست مثلنا يا رسول الله، قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر. فقال: «والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله، وأعلم بما أتقي».
قال الحافظ ﵀: ويُقَوِّي النسخ أنَّ في حديث عائشة هذا الأخير ما يُشعر بأنَّ ذلك كان بعد الحديبية؛ لقوله فيه: قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر. وأشار إلى آية الفتح، وهي إنما أُنزِلت عام الحديبية سنة سِتٍّ، وابتداء فرض الصيام كان في السنة الثانية. اهـ
وإلى القول بالنسخ ذهب ابن المنذر، والخطابي، وابن دقيق العيد، ورجحه الحافظ، وتبعه الصنعاني. (٢)
стр. 2235
٦٦١ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: من مات وعليه صومٌ، فهل يُقضى عنه ؟
• في هذه المسألة أقوال:
الأول: أنه لا يُصام عنه، ويطعم عنه إذا أوصى بذلك، وهو قول مالك وأبي حنيفة، والشافعي في مذهبه الجديد، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم:٣٩]، وقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث ... » أخرجه مسلم (١٦٣١)، عن أبي هريرة ﵁.
الثاني: أنه لا يُصام عنه إلا النذر، وهو قول أحمد، والليث، وإسحاق، وأبي عبيد، وقالوا: حديث عائشة المذكور في الباب محمول على حديث ابن عباس في «الصحيحين» (٢)، أنَّ امرأةً قالت: يا رسول الله، إنَّ أمي ماتت وعليها صومُ نذرٍ، أفأصومُ عنها؟ قال: «أرأيت لو كان على أُمُّكِ دَيْنٌ أَكُنتِ قاضيته؟» قالت: نعم. قال: «فدين الله أحق أن يُقضى».
قالوا: فيكون الصوم عنه في النذر خاصة، وأما رمضان فيُطعم عنه.
الثالث: أنه يصوم عنه أيَّ صومٍ واجبٍ، سواء كان نذرًا، أو قضاءً، أو كفارةً،
стр. 2236
وهذا الذي عليه أهل الحديث، وأبو ثور، والأوزاعي، وجماعةٌ، وهو قول طاوس، والحسن، والزهري، وقتادة، والشافعي في القديم، واستدلوا بعموم حديث عائشة ﵂ الذي في الباب.
وهذا القول هو الصحيح، وهو الذي رجَّحه البيهقي، وابن حزمٍ، ثم الحافظ ابن حجر، ثم الصنعاني، وهو ترجيح شيخنا الإمام مقبل الوادعي، والشيخ الإمام محمد بن صالح العثيمين رحمة الله عليهما.
وقد أجاب المالكية عن حديث عائشة وما أشبهه: بأنه ليس عليه عملُ أهل المدينة.
قال الحافظ ابن حجر ﵀: إن سلمت هذه الدعوى فما بمثل هذا تُرَدُّ الأحاديث الصحيحة. اهـ
وأجاب الحنفية عن حديث عائشة، وابن عباس بقولهم: إنه قد صحَّ عن عائشة، وابن عباس ﵃ القول بالإطعام. قالوا: فلما أفتوا بخلاف ما رووا؛ دلَّ على أنَّ العمل بخلاف ما روياه.
قال الحافظ ابن حجر ﵀: والرَّاجح أنَّ المعتبر ما رواه لا ما رآه؛ لاحتمال أن يخالف ذلك لاجتهاد، ومستنده فيه لم يتحقق. اهـ
قلتُ: ويُحتمل أيضًا أن يكون نسي.
قال ابن حزمٍ ﵀: ولعلَّ الذي رُوي عن عائشة فيه الإطعام كان لم يصح حتى
стр. 2237
مات؛ فلا صوم عليه. اهـ
قلتُ: وأما استدلال الحنفية، والمالكية بقوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم:٣٩]، فقد قال ابن حزمٍ ﵀: أما قوله تعال: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ فَحَقٌّ؛ إلا أنَّ الذي أنزل هذا هو الذي قال لرسوله: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل:٤٤]، وهو الذي قال: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء:٨٠]؛ فصحَّ أنه ليس للإنسان إلا ما سعى، وما حكم الله تعالى أو رسوله ﷺ أنَّ له من سَعْي غيره عنه، والصوم من جملة ذلك. اهـ
وأما حديث: «انقطع عمله»؛ فالحديث ليس فيه إلا انقطاع عمل الميت فقط، وليس فيه انقطاع عمل غيره عنه أصلًا.
وأما ما استدل به أهل القول الثاني، فقد قال الحافظ ابن حجر ﵀: وليس بينهما تعارضٌ حتى يجمع بينهما، فحديث ابن عباس صورة مستقلة سأل عنها من وقعت له، وأما حديث عائشة فتقريرُ قاعدةٍ عامَّةٍ، وقد وقعت الإشارة في حديث ابن عباس إلى هذا العموم، حيث قال في آخره: «فدين الله أحق أن يُقضى».اهـ. (١)
تنبيه: ما تقدم من الخلاف في المسألة هو فيما إذا تمكن من قضائه فمات ولم يقض، أما إذا لم يتمكن من قضائه حتى مات؛ فقد نقل غير واحد الإجماع أنه لا
стр. 2238
يُصام عنه، وأما الإطعام فالجمهور، ومالك، والشافعي، وأبو حنيفة على أنه لا شيء عليه.
قال العبدري: وهو قول العلماء كافة إلا طاوسًا، وقتادة، فقالا: يجب أن يطعم عنه لكل يوم مسكينًا؛ لأنه عاجز، فأشبه الشيخ الهرم. اهـ
والصحيح القول الأول؛ لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦]، وقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» (١). (٢)
مسألة [٢]: من هو الولي ؟
قال الحافظ ابن حجر ﵀: قيل: كل قريب. وقيل: الوارث خاصَّة. وقيل: عصبته. والأول أرجح والثاني قريبٌ، ويرد الثالث قصة المرأة التي سألت عن نذر أُمِّها. (٣)
مسألة [٣]: هل الصوم واجبٌ على الولي ؟
• ذهب ابن حزمٍ إلى وجوبه على الولي، واستدل بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «من مات وعليه صومٌ صام عنه وَلِيُّهُ»؛ فإنَّ هذا خبر بمعنى الأمر، والتقدير: فليصم.
• وذهب الجمهور إلى أنَّ هذا الأمر ليس للوجوب، وبالغ إمام الحرمين فادَّعى الإجماع على ذلك.
стр. 2239
قال الحافظ ﵀: وفيه نظر؛ لأنَّ بعض أهل الظاهر قد خالف فأوجبه، فلعله لم يعتد بخلافهم على قاعدته. اهـ
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: صرفه عن الوجوب قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:١٦٤]، ولو قلنا بوجوب قضاء الصوم عن الميت لزم من عدم قضائه أن تحمل وازرة وزر أخرى، وهذا خلاف القرآن. (١)
مسألة [٤]: هل يختص ذلك بالولي أم يجوز أن ينوب الأجنبي ؟
• فيها قولان:
الأول: أنه يختص بالولي؛ لأنَّ الأصل عدم النيابة في العبادة البدنية إلا ما ورد فيه الدليل فيقتصر عليه.
ورجَّح هذا القول الحافظ.
الثاني: أنه لا يختص بالولي، وذكر الولي في الحديث لكونه الغالب.
وهو ظاهر اختيار البخاري، وبه جزم أبو الطيب الطبري، وقَوَّاه بتشبيهه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ذلك بالدَّيْنِ، والدَّيْنُ لا يختص بالقريب.
والقول الثاني هو الراجح، والله أعلم، وهو مقتضى قول الجمهور؛ فإن منهم من أجاز النيابة في العبادات البدنية كالحنابلة. (٢)
стр. 2240
مسألة [٥]: هل يجوز لو كان على الميت ثلاثون يومًا مثلاً أن يصوم عنه ثلاثون رجلاً يومًا واحدًا ؟
قال الحافظ ابن حجر ﵀: قال النووي في «شرح المهذب»: هذه المسألة لم أرَ فيها نقلًا في المذهب، وقياس المذهب الإجزاء. قلت: لكن الجواز مقيدٌ بصوم لم يجب فيه تتابع؛ لفقد التتابع في الصورة المذكورة. اهـ
قلتُ: هذا الذي قرره الحافظ هو الذي رجَّحه الشيخ ابن عثيمين ﵀.
وقد قال بأصل المسألة الحسن البصري، علَّقه عنه البخاري، ووصله الدارقطني، وهو ثابت عنه. (١)
تنبيه: أفتى الإمامان ابن باز والعثيمين رحمة الله عليهما كما في فتاواهما: أن الشهرين المتتابعين لا يصح تقسيمهما على الورثة؛ لأنه لا يصدق على واحد منهم أنه صام شهرين متتابعين.
ويظهر لي -والله أعلم- أنه يصح التعاون عليها؛ بشرط أن يتابعوا بينها، ولا يقطعوا التتابع؛ لأن الصوم قد وقع على التتابع كما أمر الله، وبالله التوفيق.
стр. 2241
فَصْلٌ فِي مَسَائِلَ تَتَعَلّقُ بِقَضَاءِ رَمَضَانَ
مسألة [١]: هل يلزم التتابع في قضاء رمضان ؟
• في المسألة قولان:
الأول: أنه يلزمه التتابع، صحَّ هذا القول عن ابن عمر، وعائشة ﵄، كما في «مصنف عبد الرزاق» (٤/ ٢٤١ - ٢٤٢)، وجاء عن علي ﵁ عند ابن أبي شيبة (٣/ ٤٣)، وفي إسناده الحارث الأعور، وقد كذب، وهو قول ابن حزمٍ، واستدل بقوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران:١٣٣]، ثم قال: وتُجزئه متفرقة؛ لقوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤].اهـ
الثاني: أنه لا يلزمه التتابع، وهو قول الجمهور، وصحَّ عن عبد الله بن عباس ﵄، كما في «مصنف عبد الرزاق» (٤/ ٢٤٣)، وثبت أيضًا عن أبي هريرة، وأنس ﵄، كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (٣/ ٣٢)، وهو قول سعيد بن جبير، ومجاهد، والحسن، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾.
وهذا القول هو ترجيح الإمام البخاري في «صحيحه» وهو الراجح إن شاء الله، ورجَّحه أيضًا شيخنا مقبل الوادعي، والشيخ ابن عثيمين رحمة الله عليهما.
стр. 2242
قال الحافظ ابن حجر ﵀: ولا يختلف المجيزون للتفريق أنَّ التتابع أولى. (١)
مسألة [٢]: هل يلزم القضاء فورًا، أم أنَّ له أنْ يؤخره ؟
• ذهب بعض أهل الظاهر إلى وجوبه من ثاني شوال. واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾.
• وذهب جمهور العلماء إلى جواز تأخيره بشرط أن يقضي قبل دخول رمضان من قابل، واستدلوا بحديث عائشة ﵂، قالت: كان يكون عليَّ الصوم من رمضان فما أستطيع أن أقضيه حتى يأتي شعبان. وبقوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾.
وأما كونه يقضي قبل دخول رمضان الآخر، فقد قال الحافظ ابن حجر ﵀: ويؤخذ من حرصها على ذلك في شعبان أنه لا يجوز تأخير القضاء حتى يدخل رمضان آخر. اهـ
وقد سبقه إلى نحو ذلك ابن قدامة، وزاد فقال: ولأنَّ الصوم عبادة متكررة، فلم يَجُزْ تأخير الأولى عن الثانية كالصلوات الخمس المفروضة. اهـ. (٢)
مسألة [٣]: إذا أخَّرَ القضاءَ بغير عذر حتى دخل رمضان آخر ؟
• في المسألة أقوال:
الأول: أنه يلزمه بعد صيام رمضان أن يقضي ما عليه، ويطعم عن كل يوم
стр. 2243
مسكينًا، وهو قول الجمهور، وصحَّ عن أبي هريرة وابن عباس ﵄، كما في «سنن الدارقطني» (٢/ ١٩٧)، والبيهقي (٤/ ٢٥٣)، ونُقِل عن الطحاوي أنه نقل عن يحيى بن أكثم قال: وجدته عن ستة من الصحابة، ولا أعلم لهم فيه مخالفًا.
الثاني: أنه يقضي ولا فدية عليه، وهو قول الحسن، والنخعي، وأصحاب الرأي، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، ورجَّحه البخاري فقال: ولم يذكر الله تعالى الإطعام، إنما قال: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾.
الثالث: أنَّ عليه أن يطعم ولا قضاء عليه.
قال به سعيد بن جبير، وقتادة، وهذا مُخالفٌ للآية السابقة، والراجح هو القول الثاني، وهو ترجيح ابن حزم، والشوكاني، والوادعي، وابن عثيمين رحمة الله عليهم أجمعين. (١)
مسألة [٤]: إذا أخَّر قضاء رمضان بعذر حتى دخل رمضان آخر ؟
• في المسألة قولان:
الأول: أنَّ عليه القضاء فقط، ولا إطعام عليه، حكاه ابن المنذر عن طاوس، والحسن، والنخعي، وحماد، والأوزاعي، ومالك، وأحمد، وإسحاق، وهو مذهب الشافعي، وأبي حنيفة وداود، والمزني.
стр. 2244
الثاني: قال ابن المنذر: وقال ابن عباس، وابن عمر، وسعيد بن جبير، وقتادة: يصوم رمضان الحاضر عن الحاضر، ويفدي عن الغائب، ولا قضاء عليه.
والراجح هو القول الأول؛ لقوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، وأثر ابن عباس، وابن عمر، ثابتان عنهما كما في «سنن الدارقطني» (٢/ ١٩٦ - ١٩٧).
مسألة [٥]: هل يجوز لمن عليه صومٌ أن يتطوع ؟
• في المسألة أقوال:
القول الأول: أنه يجوز له ذلك؛ مالم يَضِقِ الوقت، وقالوا: ما دام الوقت موسعًا؛ فإنه يجوز له أن يتنفل، وهوقول الحنفية، ورواية عن أحمد.
القول الثاني: يجوز مع الكراهة؛ إلا ما يتأكد استحبابه، فيجوز بلا كراهة، وهو قول المالكية.
القول الثالث: إن كان الإفطار في رمضان لعذر؛ جاز، وإلا فلا يجوز، وهوقول الشافعية؛ لأنهم يرون القضاء على التراخي في حالة العذر، وأما عند عدمه فالأصح عندهم أنه على الفور.
والقول الأول هو الراجح، وهو ترجيح الشيخ ابن عثيمين ﵀. (١)
стр. 2245
بَابُ صَوْمِ التَّطَوُّعِ وَمَا نُهِيَ عَنْ صَوْمِهِ
٦٦٢ - عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الأَنْصَارِيِّ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ؟ فَقَالَ: «يُكَفِّرُ السَّنَةَ المَاضِيَةَ وَالبَاقِيَةَ»، وَسُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ؟ فَقَالَ: «يُكَفِّرُ السَّنَةَ المَاضِيَةَ» وَسُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الإِثْنَيْنِ؟ فَقَالَ: «ذَلِكَ يَوْمٌ وُلِدْت فِيهِ، وَبُعِثْت فِيهِ، وَأُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (١)
قوله: «يُكَفِّرُ السَّنَةَ الْبَاقِيَة».
قال الصنعاني ﵀: وقد استشكل تكفير مالم يقع، وهو ذنبُ السَّنَة الآتية، وأُجيب: بأنَّ المراد أنْ يوفق فيها لعدم الإتيان بذنب، وسمَّاه تكفيرًا لمناسبة الماضية، أو إنه إن أوقع فيها ذنبًا وفق للإتيان بما يكفره. (٢)
الأحكام والمسائل المستفادة من الحديث
مسألة [١]: هل صيام ذلك اليوم يكفر الصغائر والكبائر ؟
• ظاهر الحديث أنَّ صيام عرفة، وعاشوراء يكفر الصغائر والكبائر، والجمهور على أنه لا يكفر الكبائر؛ فإنَّ صوم يوم عرفة ويوم عاشوراء ليسا بأفضل من صيام رمضان، ولا من الصلوات الخمس، وقد قال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات لما