٦٧٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تَخْتَصُّوا لَيْلَةَ الجُمُعَةِ بِقِيَامٍ مِنْ بَيْنِ اللَّيَالِي، وَلَا تَخْتَصُّوا يَوْمَ الجُمُعَةِ بِصِيَامٍ مِنْ بَيْنِ الأَيَّامِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي صَوْمٍ يَصُومُهُ أَحَدُكُمْ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (١)
٦٧٣ - وَعَنْهُ أَيْضًا ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا يَصُومَنَّ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الجُمُعَةِ، إلَّا أَنْ يَصُومَ يَوْمًا قَبْلَهُ، أَوْ يَوْمًا بَعْدَهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (٢)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين
مسألة [١]: حكم إفراد يوم الجمعة بالصوم .
• فيه ثلاثة أقوال:
الأول: التحريم، نقله أبو الطيب الطبري عن أحمد، وابن المنذر، وبعض الشافعية، ونقل ابن المنذر، وابن حزم منع صومه عن علي، وأبي هريرة، وسلمان، وأبي ذرٍّ ﵃.
стр. 2277
قلتُ: صحَّ أثر أبي هريرة، وأبي ذر كما في «مصنف ابن أبي شيبة»، و «مصنف عبدالرزاق».
وأما أثر علي، وسلمان فلم يثبتا. (١)
قال ابن حزم ﵀: لا نعلم لهم مخالفًا من الصحابة. اهـ
وهو الذي رجَّحه الصنعاني، والشوكاني، وهو الراجح.
ويدل عليه حديث أبي هريرة ﵁ في «الصحيحين» المذكور في الباب.
وحديث جويرية في «البخاري» (١٩٨٦): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- دخل يوم الجمعة عليها وهي صائمة، فقال لها: «أصمت أمس؟» قالت: لا، قال: «تصومين غدًا؟» قالت: لا، قال: فأفطري، والأصل في الأمر الوجوب.
الثاني: الكراهة، وهو قول الجمهور، واستدلوا بالأدلة المتقدمة.
الثالث: الاستحباب، وهو قول مالك.
قال الداودي: لم يبلغ مالكًا هذا الحديث، ولو بلغه لم يخالفه، وهو قول أبي حنيفة أيضًا. (٢)
стр. 2278
مسألة [٢]: تخصيص أيام معينة بالصوم لم يرد الشرع بتخصيصها .
لا يشرع للمسلم أن يخصص أيامًا، أو أشهرًا من قبل نفسه يخصها بالصيام، ويعتقد لها فضيلة على غيرها، ولم يأت بالشرع الحض عليها.
وقد أخرج عبد الرزاق (٤/ ٢٩٢) عن ابن جريج، عن عطاء قال: كان ابن عباس ينهى عن صيام الشهر كاملا، ويقول: ليصمه إلا أياما، وكان ينهى عن إفراد اليوم كلما مر به، وعن صيام الأيام المعلومة، وكان يقول: «لا يصم صياما معلوما».
وإسناده صحيح، وقد أخرجه أيضًا ابن أبي شيبة (٤/ ٢٩٢) من طريق ابن جريج به.
стр. 2279
٦٧٤ - وَعَنْهُ أَيْضًا ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إذَا انْتَصَفَ شَعْبَانُ فَلَا تَصُومُوا». رَوَاهُ الخَمْسَةُ. وَاسْتَنْكَرَهُ أَحْمَدُ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: حكم التطوع بالصيام بعد النصف من شعبان .
• قال الصنعاني ﵀: واختلف العلماء في ذلك، فذهب كثيرٌ من الشافعية إلى التحريم؛ لهذا النهي.
• وقيل: إنه يكره إلا قبل رمضان بيومٍ، أو يومين فيحرم.
• وقيل: لا يكره.
• وقيل: إنه مندوبٌ. اهـ
قلتُ: الصحيح أنه مندوبٌ، وهو قول الجمهور؛ لحديث عائشة ﵂، المتقدم: «وما رأيت رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أكثر منه صيامًا من شعبان».
стр. 2280
وحديث أم سلمة عند أبي داود (٢٣٣٦)، وغيره: أنه كان لا يصوم من السنة شهرًا تامًّا إلا شعبان يصله برمضان.
والمراد أنه كان يصوم معظمه؛ جمعًا بينه وبين حديث عائشة الذي تقدم.
وقد جاء في روايةٍ عند مسلم: «كان يصوم شعبان إلا قليلًا».
وقد نقل الترمذي عن ابن المبارك أنه قال: جائزٌ في كلام العرب إذا صام أكثر الشهر أن يقول: (صام الشهر كله)، ويقال: قام فلان ليلته أجمع، ولعله قد تعشى واشتغل ببعض أمره.
قال الترمذي ﵀: كأن ابن المبارك جمع بين الحديثين بذلك. اهـ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: حكم إفراد يوم السبت بالصوم .
• مذهب الشافعية، والحنابلة كراهة إفراد يوم السبت بالصيام تطوعًا؛ لحديث الصَّمَّاء المتقدم، ورجَّح ذلك الترمذي، وابن خزيمة، وابن حبان، والبيهقي، ومال إلى كراهته ابن القيم.
قال الترمذي ﵀: ومعنى النهي أن يختصه الرجل بالصيام؛ لأنَّ اليهود يعظمونه. اهـ
وقال ابن خزيمة ﵀: باب النهي عن صوم يوم السبت تطوعًا إذا أُفرد بالصوم، قال: وأحسب أنَّ النهي عن صيامه؛ إذ اليهود تعظمه، وقد اتخذته عيدًا بدل الجمعة. اهـ
وقال البيهقي ﵀ (٤/ ٣٠٣): وكأنه أراد بالنهي تخصيصه بالصوم على طريق التعظيم. اهـ
وقال ابن حبان ﵀: باب الزجر عن إفراد يوم السبت بالصوم. اهـ
قال ابن مفلح ﵀ في «الفروع»: واختار شيخنا -يعني شيخ الإسلام- أنه لا يكره، وأنه قول أكثر العلماء، وأنه الذي فهمه الأثرم من روايته، وأنه لو أُريد إفراده لما دخل الصوم المفروض ليُسْتَثْنَى، فالحديث شاذٌّ، أو منسوخٌ، وأنَّ هذه طريقة قدماء أصحاب أحمد الذين صحبوه كالأثرم، وأبي داود. اهـ
стр. 2284
قلتُ: وقد استدل القائلون بعدم الكراهة بحديث أم سلمة ﵂، المذكور في الكتاب، وهو ضعيفٌ كما تقدم.
واستدلوا بحديث أبي هريرة ﵁، في «الصحيحين» «لا تصوموا يوم الجمعة؛ إلا أن يصوم أحدكم يومًا قبله، أو يومًا بعده». (١)
وبحديث جويرية ﵂ في «البخاري» (١٩٨٦): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- دخل عليها يوم الجمعة وهي صائمة، فقال: «أصمت أمس؟» قالت: لا. قال: «هل تصومين غدًا؟» قالت: لا. قال: «فأفطري».
وقد أُجِيب عن هذه الأحاديث: بأنها ليست واردة بإفراد السبت، إنما بصيامه مع الجمعة.
قال النووي ﵀: وأما الأحاديث الباقية التي ذكرناها في صيام السبت، فكلها واردة في صيام السبت مع الجمعة والأحد، فلا مخالفة لما قاله أصحابنا من كراهة إفراد يوم السبت. اهـ
قلتُ: وقد تقدم كلام الترمذي، وابن خزيمة، وابن حبان، والبيهقي بأنَّ المراد بالنهي إفراده، وتخصيصه بالصوم تعظيمًا، وهو الصواب، والله أعلم. (٢)
стр. 2285
٦٧٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ. رَوَاهُ الخَمْسَةُ غَيْرُ التِّرْمِذِيِّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَالحَاكِمُ، وَاسْتَنْكَرَهُ العُقَيْلِيُّ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين
مسألة [١]: صيام يوم عرفة بعرفة .
• في هذه المسألة ثلاثة أقوال:
القول الأول: التحريم، وهو قول يحيى بن سعيد الأنصاري، ورجَّحه الصنعاني، واستدلوا بحديث الباب، وقد تقدم أنه ضعيفٌ.
القول الثاني: استحباب فطره، وهو قول الجمهور، واستدلوا بحديث ميمونة بنت الحارث، وأم الفضل بنت الحارث ﵄، وكلاهما في «الصحيحين» أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- شرب من لبن يوم عرفة بعرفة.
القول الثالث: استحباب صومه، وقد كان ابن الزبير، وعائشة ﵃ يصومانه (٢)، وكان ذلك يعجب الحسن، ويحكيه عن عثمان، ونقله ابن المنذر
стр. 2286
عن إسحاق بن راهويه، وهو القول القديم للشافعي، وحكاه الخطابي عن أحمد، واختاره الآجري.
وقيد بعض هؤلاء الاستحباب بما إذا لم يضعفه عن الوقوف والدعاء، واستدلوا بعموم حديث: «يكفر السنة الماضية والباقية»، وهو قول الظاهرية.
وأما حديث ميمونة، وأم الفضل:
فقد قال الحافظ ابن حجر ﵀: واستدل بهذين الحديثين على استحباب الفطر يوم عرفة بعرفة، وفيه نظر؛ لأنَّ فعله المجرد لا يدل على نفي الاستحباب؛ إذ قد يترك الشيء المستحب لبيان الجواز، ويكون في حقه أفضل لمصلحة التبليغ. اهـ
قال أبو عبدالله غفر الله له: لاشك أنَّ المفطر أقوى على العبادة، والذكر، والدعاء من الصائم، فالذي نستحبه هو الإفطار، وهو فعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وغالبًا أنَّ الصائم تناله المشقة في ذلك اليوم؛ لأنه يحتاج إلى أن ينتقل من منى إلى عرفات، وهو يلبي؛ فالفطر هو الأفضل، وبالله التوفيق. (١)
стр. 2287
٦٧٨ - وَعَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا صَامَ مَنْ صَامَ الأَبَدَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١)
٦٧٩ - وَلِمُسْلِمٍ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ بِلَفْظِ: «لَا صَامَ وَلَا أَفْطَرَ». (٢)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين
مسألة [١]: حكم صيام الدهر .
• في هذه المسألة أقوال:
القول الأول: أنه يكره صيام الدهر، وهو مذهب إسحاق، وأهل الظاهر، وهو رواية عن أحمد، ورجَّح ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم.
واستدلوا بما يلي:
١) قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لا صام من صام الأبد»، وقوله: «لا صام ولا أفطر». قال ابن العربي ﵀: قوله «لا صام من صام الأبد» إن كان معناه الدعاء فيا ويح من أصابه دعاء النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وإن كان معناه الخبر؛ فيا ويح من أخبر عنه النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنه لم يصم، وإذا لم يصم شرعًا لم يكتب له الثواب.
٢) قوله: «أحب الصيام إلى الله صيام داود» أخرجه البخاري (٣٤٢٠)، ومسلم
стр. 2288
١١٥٩ - (١٩٠) من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص ﵄ وقال: «لا أفضل من صيام داود» أخرجه البخاري (١٩٧٦)، ومسلم (١١٥٩)، من حديثه أيضًا.
قال ابن القيم ﵀: فَإِنّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مَكْرُوهًا؛ لَزِمَ أَحَد ثَلَاثَةِ أُمُورٍ مُمْتَنِعَةٍ: أَنْ يَكُونَ أَحَبّ إلَى الله مِنْ صَوْمِ يَوْمٍ وَفِطْرِ يَوْمٍ وَأَفْضَلُ مِنْهُ؛ لِأَنّهُ زِيَادَةُ عَمَلٍ، وَهَذَا مَرْدُودٌ بِالْحَدِيثِ الصّحِيحِ -وذكر الحديث المتقدم- وَإِمّا أَنْ يَكُونَ مُسَاوِيًا لَهُ فِي الْفَضْلِ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ أَيْضًا، وَإِمّا أَنْ يَكُونَ مُبَاحًا مُتَسَاوِيَ الطّرَفَيْنِ لَا اسْتِحْبَابَ فِيهِ وَلَا كَرَاهَةَ، وَهَذَا مُمْتَنِعٌ؛ إذْ لَيْسَ هَذَا شَأْنُ الْعِبَادَاتِ، بَلْ إمّا أَنْ تَكُونَ رَاجِحَةً، أَوْ مَرْجُوحَةً، وَاَللهُ أَعْلَمُ. اهـ
القول الثاني: أنه يُستحبُّ صوم الدهر لمن قدر عليه، ولم يفوت حقًّا، ولا يصوم ما حرم الله عليه من الأيام، وهو قول الجمهور من أهل العلم.
واستدلوا بما يلي:
١) قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «من صام رمضان، ثم أتبعه سِتًّا من شوال فكأنما صام الدهر». (١)
٢) قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «صوم ثلاثة أيام من كل شهر صوم الدهر وإفطاره». (٢)، فهذان الحديثان يدلان على أفضلية صوم الدهر؛ لأنَّ المشبه به أفضل.
٣) حديث حمزة بن عمرو الأسلمي ﵁، قال: يا رسول الله، إني أسرد الصوم ... رواه مسلم (١١٢١)(١٠٤).
٤) أنه قد جاء عن عمر، وعثمان، وأبي طلحة أنهم كانوا يصومون كل يومٍ. وفي
стр. 2289
البيهقي عن عائشة ﵂ بإسنادٍ صحيح أنها كانت تصوم الدهر في السفر والحضر. وحمله البيهقي على سرد الصوم.
القول الثالث: جواز صيام الدهر، وهو قول ابن المنذر، وطائفة.
القول الرابع: التحريم، وهو قول ابن حزم، والصنعاني، واستدلوا بنفس أدلة المذهب الأول، وزادوا عليه:
٥) حديث أبي موسى ﵁، عند أحمد (٤/ ٤١٤)، والنسائي كما في «تحفة الأشراف» (٦/ ٤٢٢ - ٤٢٣)، وعبد بن حميد (٥٦٣)، مرفوعًا: «من صام الدهر ضُيِّقَت عليه جهنم، وعقد بيده».
ورجاله ثقات؛ إلا أنَّ الراجح وقفه؛ فإنه من طريق: قتادة، عن أبي تميمة، عن أبي موسى، به، فرواه شعبة، وهمام، عن قتادة بإسناده موقوفًا، ورواه سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة بإسناده مرفوعًا، لكن الراوي عن سعيد هو: ابن أبي عدي، وقد روى عنه بعد الاختلاط، وقد تابع قتادة على الوقف: سفيان الثوري، كما في «مصنف عبدالرزاق» (٧٨٦٦)، وعقبةُ بن عبدالله الأصم، كما في «زوائد عبدالله» على «الزهد» لأبيه (ص ٢٤٦)، وتابع قتادة على الرفع: الضحاك بن يسار البصري، كما في «مسند أحمد» (٤/ ٤١٤)، والضحاك ضعفه جماعة من الحفاظ كما في «تعجيل المنفعة». (١)
قلتُ: ومع ترجيح وقفه؛ فلا يَبْعُدُ أن يكون له حكم الرفع.
стр. 2290
٦) روى ابن أبي شيبة (٣/ ٧٩) بإسناد صحيح عن أبي عمرو الشيباني، قال: بلغ عمر أنَّ رجلًا يصوم الدهر، فأتاه، فعلاه بالدُّرَّةِ، وجعل يقول: كل يا دهري.
قال ابن حزم ﵀: فصحَّ أن تحريم صوم الدهر كان من مذهبه، ولو كان عنده مباحًا لما ضرب فيه، ولا أمر بالفطر.
والراجح -والله أعلم- هو القول الأول؛ لدلالة قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لا صام ولا أفطر».
وقد أجاب الجمهور عن هذا: بأنه محمول على من صام الدهر حقيقةً؛ فإنه يدخل فيه ما حرم صومه كالعيدين.
لكن قال ابن القيم ﵀: وَلَيْسَ مُرَادُهُ بِهَذَا مَنْ صَامَ الْأَيّامَ المُحَرّمَةَ؛ فَإِنّهُ ذَكَرَ ذَلِكَ جَوَابًا لِمَنْ قَالَ: أَرَأَيْت مَنْ صَامَ الدّهْرَ؟ وَلَا يُقَالُ فِي جَوَابِ مَنْ فَعَلَ المُحَرّمَ: (لَا صَامَ وَلَا أَفْطَرَ)؛ فَإِنّ هَذَا يُؤْذِنُ بِأَنّهُ سَوَاءٌ فِطْرُهُ وَصَوْمُهُ لَا يُثَابُ عَلَيْهِ وَلَا يُعَاقَبُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ مَنْ فَعَلَ مَا حَرّمَ الله عَلَيْهِ مِنْ الصّيَامِ، فَلَيْسَ هَذَا جَوَابًا مُطَابِقًا لِلسّؤَالِ عَنْ المُحَرّمِ مِنْ الصّوْمِ. اهـ
وأما الرد على أدلة الجمهور:
١)، ٢) قال ابن القيم ﵀: نَفْسُ هَذَا التّشْبِيهِ فِي الْأَمْرِ الْمُقَدّرِ لَا يَقْتَضِي جَوَازَهُ؛ فَضْلًا عَنْ اسْتِحْبَابِهِ، وَإِنّمَا يَقْتَضِي التّشْبِيهَ بِهِ فِي ثَوَابِهِ لَوْ كَانَ مُسْتَحَبّا، وَالدّلِيلُ عَلَيْهِ مِنْ نَفْسِ الْحَدِيثِ؛ فَإِنّهُ جَعَلَ صِيَامَ ثَلَاثَةِ أَيّامٍ مِنْ كُلّ شَهْرٍ
стр. 2291
بِمَنْزِلَةِ صِيَامِ الدّهْرِ؛ إذْ الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَحْصُلَ لَهُ ثَوَابُ مَنْ صَامَ ثَلَاثِمِائَةٍ وَسِتّينَ يَوْمًا، وَمَعْلُومٌ أَنّ هَذَا حَرَامٌ قَطْعًا، فَعُلِمَ أَنّ الْمُرَادَ بِهِ حُصُولُ هَذَا الثّوَابِ عَلَى تَقْدِيرِ مَشْرُوعِيَّةِ صِيَامِ ثَلَاثِمِائَةٍ وَسِتّينَ يَوْمًا. اهـ
٣) قال الحافظ ابن حجر ﵀: وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ سُؤَال حَمْزَة إِنَّمَا كَانَ عَنْ الصَّوْم فِي السَّفَرِ لَا عَنْ صَوْم الدَّهْر، وَلَا يَلْزَم مِنْ سَرْدِ الصِّيَامِ صَوْمُ الدَّهْرِ، فَقَدْ قَالَ أُسَامَة بْن زَيْد: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَسْرُدُ الصَّوْمَ، فَيُقَالُ: لَا يُفْطِرُ. أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ (١)، وَمِنْ الْمَعْلُوم أَنَّ النَّبِيّ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَصُومُ الدَّهْرَ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذِكْرِ السَّرْدِ صِيَامُ الدَّهْرِ. اهـ
٤) الذي جاء عن عمر صحَّ عنه كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (٣/ ٧٩)، ولكن الذي جاء عنه السرد في الصيام، ولفظه في «المصنف»: قال ابن عمر: إنَّ عمر سرد الصوم قبل موته بسنتين. وتقدَّم أنَّ السرد هو المتابعة بالصيام، ولا يلزم منه صوم الدهر.
وأما أثر عثمان ﵁، فأخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٧٩)، من طريق: الزبير بن عبد الله بن رهيمة عن جدته رهيمة، عن عثمان، والزبير بن عبدالله لَيِّن الحديث كما في «الجرح والتعديل»، وجدَّته مجهولة.
وأما أثر أبي طلحة فهو صحيح عنه، أخرجه البخاري برقم (٢٨٢٨)، ولكنه
стр. 2292
ليس بحجة، فقد صحَّ عنه أنه كان يأكل البرد في صيامه.
قال ابن حزمٍ ﵀: فصومه الدهر ليس بحجة، ولئن كان صومه الدهر حجة؛ فإنَّ أكله البرد في صيامه حجة. اهـ
وأما الرد على أدلة القول الرابع:
أما حديث أبي موسى فأحسن ما يقال فيه ما قاله الحافظ ابن حجر ﵀ حيث قال: والأَولى إجراء الحديث على ظاهره وحمله على من فوت حقًّا واجبًا بذلك؛ فإنه يتوجه إليه الوعيد. اهـ
قال أبو عبد الله غفر الله له: وقد يحمل أيضًا على من صام الدهر مع أيام العيد؛ لأنه هو الأصل في إطلاق الدهر، ولأنَّ هذا الحديث يدل على أنه يأثم، وقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لا صام ولا أفطر» يُشعِر بأنه لا يأثم ولا يُثاب.
وأما ما صحَّ عن عمر من ضرب الرجل؛ فمحمول على أنه رأى أنَّ ذلك الرجل قد أضرَّ بنفسه، أو رأى المصلحة بضربه مع كراهيته فقط، فقد جاء عن عمر ﵁ في «صحيح مسلم» (٣١): أنه ضرب أبا هريرة ﵁ لما أمره النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أن يُبشِّرَ الناس بأنَّ من قال: «لا إله إلا الله مستيقنًا من قلبه دخل الجنة»؛ لكونه رأى المصلحة بعدم ذلك، والله أعلم.
وقد رجَّح القول بالكراهة الشوكاني ﵀ في «الدراري»، وصديق بن حسن في «الروضة الندية»، والشيخ الألباني في «تمام المنة». (١)
стр. 2293
بَابُ الاعْتِكَافِ وَقِيَامِ رَمَضَانَ
٦٨٠ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: بيان معنى الحديث .
قوله: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ»، أي: قام لياليه مُصلِيًّا.
قال الحافظ ﵀: والمراد من قيام الليل ما يحصل به مطلق القيام، وذكر النووي أنَّ المراد بقيام رمضان صلاة التراويح، يعني: أنه يحصل بها المطلوب من القيام لا أنَّ القيام لا يكون إلا بها. (٢)
قال أبو عبد الله غفر الله له: ويؤيده ما أخرجه أبو داود (١٣٧٥)، عن أبي ذرٍّ مرفوعًا: «من صلَّى مع إمامه حتى ينصرف؛ كُتِبَ له قيام ليلة»، وهو في «الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين» (٢٧٠).
قوله: «إِيْمَانًا»، أي: تصديقًا بوعد الله بالثواب عليه.
قوله: «احتِسَابًا»، أي: طلبًا للأجر، لا لقصدٍ آخر.
стр. 2294
قوله: «غُفِرَ لَهُ» ظاهره يتناول الصغائر والكبائر، وبه جزم ابن المنذر، وقال النووي: المعروف أنه يختص بالصغائر، وبه جزم إمام الحرمين، وعزاه عياض لأهل السنة، قال بعضهم: ويجوز أن يخفف من الكبائر إذا لم يصادف صغائر.
ويؤيد قول الجمهور قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مُكفِّرات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر» أخرجه مسلم عن أبي هريرة ﵁.
فائدة: قال الحافظ ﵀: سُمِّيت الصلاة في الجماعة في ليالي رمضان التروايح؛ لأنهم أول ما اجتمعوا عليها كانوا يستريحون بين كل تسليمتين. «الفتح» (٢٠٠٨).
تنبيه: عدد الركعات في قيام الليل تقدم في [باب صلاة التطوع]، فليُراجَع من هنالك.
مسألة [٢]: أيهما أفضل في صلاة التراويح: أن تكون في المسجد أم في البيت ؟
• ذهب الجمهور إلى استحباب أن تكون في المسجد، وهو الذي جمع الناسَ عليه عمرُ بن الخطاب ﵁. وثبت عن ابن مسعود ﵁ أنه كان يصلى في المسجد، ويؤم الناس.
قالوا: وإنما لم يفعله النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- خشيةَ أن يفرض على الناس كما ثبت ذلك في
стр. 2295
«الصحيحين» (١) عن عائشة ﵂ بعد أن صلى النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بهم في المسجد بعض الليالي ثم تركه.
• وذهب مالك في إحدى الروايتين عنه، وأبو يوسف، وجماعة من الشافعية إلى أنَّ الصلاة في البيوت أفضل، وصح عن ابن عمر ﵄.
واستدلوا بحديث زيد بن ثابت عند البخاري (٧٣٠)، ومسلم (٧٨١)، قال: احْتَجَرَ رَسُولُ الله ﷺ حُجَيْرَةً بِخَصَفَةٍ، أَوْ حَصِيرٍ، فَخَرَجَ رَسُولُ الله ﷺ يُصَلِّى فِيهَا، قَالَ: فَتَتَبَّعَ إِلَيْهِ رِجَالٌ، وَجَاءُوا يُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ.
قَالَ: ثُمَّ جَاءُوا لَيْلَةً، فَحَضَرُوا، وَأَبْطَأَ رَسُولُ الله ﷺ عَنْهُمْ.
قَالَ: فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ، فَرَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ، وَحَصَبُوا الْبَابَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ الله ﷺ مُغْضَبًا، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ الله ﷺ : «مَا زَالَ بِكُمْ صَنِيعُكُمْ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُكْتَبُ عَلَيْكُمْ، فَعَلَيْكُمْ بِالصَّلَاةِ فِى بُيُوتِكُمْ؛ فَإِنَّ خَيْرَ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِى بَيْتِهِ إِلَّا الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ».
قالوا: فالنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ذكر أنَّ أفضل الصلاة في بيته إلا المكتوبة عند أن طلبوا منه الخروج للصلاة في المسجد؛ فدل على أنَّ الصلاة في البيت أفضل.
قالوا: ولا يصح إخراج هذه الصورة -أعني الاجتماع لصلاة الليل في المسجد- من الحديث بالتخصيص؛ لأنَّ الحديث بالتفضيل وارد فيها.
وصحَّ هذا عن ابن عمر، والقاسم، وسالم، وإبراهيم.
стр. 2296
قال أبو عبدالله غفر الله له: الصلاة مع الجماعة في المسجد أنشط للإنسان من الصلاة بمفرده، ومعينة له على الاجتهاد في الصلاة، والذكر، والعبادة؛ ولذلك جمع عمر ﵁ الناسَ عليها، واستمر عمل المسلمين على ذلك، فنحن نفضل الصلاة في المسجد من أجل ذلك، وبالله التوفيق. (١)
стр. 2297
٦٨١ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إذَا دَخَلَ العَشْرُ أَيِ: العَشْرُ الأَخِيرَةُ (١) مِنْ رَمَضَانَ شَدَّ مِئْزَرَهُ، وَأَحْيَا لَيْلَهُ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (٢)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: الحث على الاجتهاد في العشر الأواخر من رمضان .
قولها: «شَدَّ مِئْزَرَهُ»: يحتمل أن يكون المراد اعتزال النساء، ويحتمل أن يكون المراد التشمير والجد في العبادة، ويحتمل أنه أراد الأمرين معًا.
قولها: «وَأَحْيَا لَيْلَهُ»، أي: أسهره، فأحياه بالطاعة، وأحيا نفسه بسهره فيه.
قال الحافظ ﵀: وفي الحديث الحرص على مداومة القيام في العشر الأخيرة إشارة إلى الحث على تجويد الخاتمة. اهـ
قلتُ: وفي الحديث دلالة ظاهرة على فضيلة هذه الليالي العشر، وعلى فضل إحيائها، كيف لا! وفيها ليلة القدر التي قال الله فيها: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر:٣].
وشرعًا: المقام في المسجد من شخص مخصوص على صفة مخصوصة؛ تعبدًا لله تعالى. (١)
مسألة [١]: حكم الاعتكاف .
مشروعٌ، ومُستحَبٌّ بالكتاب والسنة، والإجماع، ولا يجب إلا بنذرٍ بالإجماع.
أما من الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة:١٨٧].
وأما من السنة: فأحاديث الباب المتقدمة، والأحاديث في مشروعية الاعتكاف كثيرة تبلغ حد التواتر.
وأما الإجماع: فقد نقل غيرُ واحد الإجماع على أنه سُنَّة، وأنه لا يجب إلا بالنذر، كابن المنذر، وابن قدامة، والنووي وغيرهم. (٢)
مسألة [٢]: هل يلزمه إتمام الاعتكاف إذا شرع فيه، أم له الخروج إذا شاء ؟
• ذهب الشافعي، وأحمد إلى أنه لا يلزمه الإتمام، وله الخروج إذا شاء؛ لعدم وجود دليل على إلزامه بالإتمام.
وقد ثبت في «الصحيحين» (٣) أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أراد أن يعتكف فأمر بخبائه، فَضُرِب، فاستأذنته عائشة، فأذن لها، فضربت خِباءها، ثم استأذنته حفصة، ثم
стр. 2301
زينب، فلما صلَّى رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- الفجر نظر، فإذا الأخبية، فقال: «آلبر تُرِدْنَ؟»، فأمر بخبائه فقوض، وترك الاعتكاف في شهر رمضان، ثم اعتكف العشر الأول من شوال.
• وذهب مالك إلى أنه يلزمه بالنية مع الدخول فيه؛ فإنْ قطعه لزِمه قضاؤه، وادَّعى ابن عبد البر الإجماع على ذلك، وليس بصحيح كما بيَّنَ ذلك ابن قدامة ﵀، وأما قضاء النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فإنما فعله تطوعًا؛ لأنه كان إذا عمل عملًا أثبته، ويدل على أنَّ القضاء ليس بواجب أنه لم يأمر نساءه بقضائه، والقول الأول هو الراجح، والله أعلم. (١)
مسألة [٣]: هل يُشترط في الاعتكاف الصوم ؟
• فيه قولان:
القول الأول: وجوب الصوم مع الاعتكاف، وهو قول مالك، والليث، وأبي حنيفة، والثوري، ورواية عن أحمد. وثبت هذا القول عن عائشة وابن عباس ﵃، كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (٣/ ٨٧).
واستدلوا بحديث عائشة ﵂، الذي في الباب: «ولا اعتكاف إلا بصوم»، وتقدَّم أنه مُعَلٌّ، واستدلوا أيضًا بحديث ابن عمر ﵄، عند أبي داود (٢٤٧٤): أنَّ عمر جعل على نفسه في الجاهلية أنْ يعتكف، فقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «اعتكف وصم»، وهذا الحديث ضعيفٌ، فقد تفرَّد به عبد الله بن بديل، عن عمرو بن دينار،
стр. 2302
وعبد الله بن بديل: ضعيفٌ، وقد خالف ما في «الصحيحين»؛ فإنه ليس فيهما الأمر بالصوم.
القول الثاني: أنه لا يلزمه الصوم؛ إلا أن يوجبه على نفسه في نذره، صحَّ هذا عن ابن عباس ﵄، كما في الباب، وهذا مذهب الشافعي، وإسحاق، والمشهور عن أحمد، وهو قول سعيد بن المسيب، وعمر بن عبد ا لعزيز.
واستدلوا بحديث ابن عمر ﵄ في «الصحيحين» (١): أنَّ عمر ﵁ سأل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: كنت نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلةً في المسجد الحرام. فقال: «أُوفِ بنذرك»، والليل ليس بظرف للصوم.
وقد تعقب بأنَّ مسلمًا قد أخرجه من وجه صحيح بلفظ: «يومًا»، وهذا التعقب لا يفسد الاستدلال، بل يقال: لم يأمره النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بالصوم، ولو كان شرطًا؛ لأمره به.
واستدلوا بحديث ابن عباس ﵄ الذي في الباب، وتقدم أنَّ الراجح وقفه.
واستدلوا أيضًا باعتكاف النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في العشر الأُوَل من شوال كما في «الصحيحين» عن عائشة ﵂. وقالوا: إيجاب الصوم حكمٌ لا يثبت إلا بالشرع، ولم يصح فيه نصٌّ ولا إجماعٌ.
والقول الثاني هو الراجح، والله أعلم. (٢)
стр. 2303
مسألة [٤]: هل يُشترط للاعتكاف أن يكون في المسجد ؟
أما بالنسبة للرجل:
فقال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٤/ ٤٦١): وَلَا يَصِحُّ الِاعْتِكَافُ فِي غَيْرِ مَسْجِدٍ إذَا كَانَ الْمُعْتَكِفُ رَجُلًا، لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُ الله تَعَالَى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾، فَخَصَّهَا بِذَلِكَ، وَلَوْ صَحَّ الِاعْتِكَافُ فِي غَيْرِهَا، لَمْ يَخْتَصَّ تَحْرِيمُ الْمُبَاشَرَةِ فِيهَا؛ فَإِنَّ الْمُبَاشَرَةَ مُحَرَّمَةٌ فِي الِاعْتِكَافِ مُطْلَقًا. اهـ
وقد نقل الإجماع على ذلك ابن عبد البر، والقرطبي في «تفسيره»، وشيخ الإسلام ابن تيمية، ولا يصح الإجماع، فقد وجد خلافٌ شاذٌّ لا يُلتفت إليه كما في «الفتح».
وقد اختلفوا في هذا المسجد:
• فذهب بعضهم إلى اختصاصه بالمساجد الثلاثة، وهو قول حذيفة، وخصَّه عطاء بمسجد مكة والمدينة، وابن المسيب بمسجد المدينة.
• وذهب الجمهور إلى عمومه في كل مسجد؛ إلا من تلزمه الجمعة فاستحب له الشافعي الجامع، وشرطه مالك؛ لأنَّ الاعتكاف عنده ينقطع بالجمعة. وقال بقول مالك، الزهري، والحكم، وحماد.
• وذهب أبو حنيفة، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور إلى صحته بالمسجد الذي تُقام فيه الصلوات الخمس، وإن لم تقم فيه الجمعة.
стр. 2304
وهذا القول هو الراجح؛ لأنه إن اعتكف في مسجد لا تُقام فيه الجماعة فإما أن يترك الجماعة ويبقى في المسجد، وهذا لا يجوز، وإما أن يخرج كثيرًا، والخروج الكثير ينافي الاعتكاف، وهو مع ذلك يستطيع التحرز منه.
وأما حديث: «لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة» (١)، فقد اختُلِف في رفعه ووقفه، والرَّاجح وقفُه على حذيفة، ومع ذلك فقد حمله جماعةٌ من أهل العلم على نفي الأفضلية والكمال، لا على نفي الصحة.
وأما بالنسبة للمرأة:
• فذهب أبو حنيفة، والثوري إلى أنَّ لها أن تعتكف في مسجد بيتها، وهو قول الشافعي في القديم.
стр. 2305
والصحيح ما ذهب إليه أحمد، والشافعي من أنه لا يصح إلا في المسجد؛ لعموم الآية: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾، ولأنَّ أزواج النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- استأذَنَّهُ في الاعتكاف بالمسجد، فأذِنَ لهن، ثم منعهن، فلو لم يكن المسجد شرطًا؛ ما وقع ما ذُكِر من الإذن والمنع، ولاكتفى لهن بالاعتكاف في مسجد بيوتهن.
تنبيه: لا يشترط أن تعتكف المرأة في مسجد جامع، بل يُجزِئُها في كل مسجد؛ لأنَّ الجماعة غير واجبة عليها، وبذلك جزم الشافعي، وأحمد. (١)
مسألة [٥]: أقل مقدار للاعتكاف .
• في المسألة قولان:
الأول: لا حدَّ لأَقَلِّه، وهو قول الشافعي، وداود، وابن عُلَيَّة، ورواية عن أحمد، واختاره ابن المنذر، وابن العربي، فيصح أن يعتكف ولو ساعة، وهو رواية عن أبي حنيفة.
الثاني: أنَّ أقل الاعتكاف يوم وليلة، وهو قول مالك، وأبي حنيفة في المشهور عنه؛ لأنَّ هذا أقل ما ورد في الشرع، يعنون حديث عمر المتقدم.
والراجح القول الأول؛ لأنَّ الاعتكاف في اللغة يقع على القليل والكثير، ولم يحده الشرع بشيء يخُصُّه، فبقي على أصله ومعناه اللغوي. (٢)
стр. 2306
مسألة [٦]: هل يصح الاعتكاف في رحبة المسجد ؟
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في «الفتح» (٧١٦٥): الرَّحَبَة بِفَتْحِ الرَّاء وَالْحَاء الْمُهْمَلَة بَعْدَهَا مُوَحَّدَة، هِيَ بِنَاء يَكُون أَمَام بَاب الْمَسْجِد غَيْر مُنْفَصِل عَنْهُ، هَذِهِ رَحَبَة الْمَسْجِد، وَوَقَعَ فِيهَا الِاخْتِلَاف، وَالرَّاجِح أَنَّ لَهَا حُكْم الْمَسْجِد؛ فَيَصِحّ فِيهَا الِاعْتِكَاف، وَكُلّ مَا يُشْتَرَط لَهُ الْمَسْجِد؛ فَإِنْ كَانَتْ الرَّحَبَة مُنْفَصِلَة فَلَيْسَ لَهَا حُكْم الْمَسْجِد. اهـ
قلتُ: وقد جزم بصحة الاعتكاف فيها الإمام الشافعي، نقله عنه النووي في «شرح المهذب» (٦/ ٥٠٧)، وهو ظاهر اختيار البخاري؛ فإنه بوب في كتاب الأحكام: [باب من قضى ولاعن في المسجد]، ثم قال تحت هذا الباب: وكان الحسن، وزرارة بن أوفى يقضيان في الرحبة خارجًا من المسجد.
قال ابن المنير كما في «الفتح» (٧١٦٥): ولرحبة المسجد حكم المسجد؛ إلا إن كانت منفصلة عنه. اهـ
وقال العيني ﵀ في «عمدة القاري» (٢٤/ ٢٤٥): وهي الساحة، والمكان المتسع أمام باب المسجد غير منفصل عنها، وحكمها حكم المسجد؛ فيصح فيها الاعتكاف في الأصح، بخلاف ما إذا كانت منفصلة. اهـ
مسألة [٧]: خروج المعتكف للغائط والبول .
أجمع أهل العلم على أنَّ للمعتكف الخروج للغائط والبول، نقل الإجماع غير
стр. 2307
واحد، كابن المنذر، وابن قدامة وغيرهما. (١)
مسألة [٨]: الخروج لغير الغائط والبول .
قال ابن قدامة ﵀: وَفِي مَعْنَاهُ الْحَاجَةُ إلَى الْمَأْكُولِ وَالْمَشْرُوبِ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْ يَأْتِيهِ بِهِ، فَلَهُ الْخُرُوجُ إلَيْهِ إذَا احْتَاجَ إلَيْهِ، وَإِنْ بَغَتَهُ الْقَيْء فَلَهُ أَنْ يَخْرُجَ لِيَتَقَيَّأ خَارِجَ الْمَسْجِدِ، وَكُلُّ مَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ، وَلَا يُمْكِنُ فِعْلُهُ فِي الْمَسْجِدِ، فَلَهُ الْخُرُوجُ إلَيْهِ، وَلَا يَفْسُدُ اعْتِكَافُهُ وَهُوَ عَلَيْهِ، مَا لَمْ يُطِلْ، وَكَذَلِكَ لَهُ الْخُرُوجُ إلَى كُلِّ مَا أَوْجَبَهُ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ، مِثْلُ مَنْ يَعْتَكِفُ فِي مَسْجِدِ لَا جُمُعَةَ فِيهِ، فَيَحْتَاجُ إلَى خُرُوجِهِ لِيُصَلِّيَ الْجمُعَةَ، وَيَلْزَمُهُ السَّعْيُ إلَيْهَا، فَلَهُ الْخُرُوجُ إلَيْهَا، وَلَا يَبْطُلُ اعْتِكَافُهُ. انتهى المراد. (٢)
مسألة [٩]: الخروج لعيادة المريض وتشييع الجنازة .
• إذا لم يشترط ذلك عند دخوله في الاعتكاف ففيه قولان:
الأول: أنه ليس له الخروج لذلك، وهو قول مالك، والشافعي، وأبي حنيفة، ورواية عن أحمد، وهو قول عطاء، وعروة، ومجاهد، و الزهري.
واستدلوا بقول عائشة ﵂، الذي في الباب: «السنة على المعتكف ... »، وقد تقدم أنه معلول، ويُغني عنه حديثها الذي قبله في الباب، ففي بعض طرقه: «والمريض فيه فما أسأل عنه إلا وأنا مارة».
стр. 2308
الثاني: أن له الخروج لذلك، وهو قول سعيد بن جبير، والنخعي، والحسن، ورُوي عن علي (١)، وهو رواية عن أحمد، وقال به الثوري.
والراجح هو القول الأول؛ لأنَّ هذا ليس بواجب، فليس له ترك الاعتكاف من أجله، كالمشي مع أخيه في حاجة ليقضيها له.
تنبيه: إن تعينت عليه صلاة الجنازة، وأمكنه فعلها في المسجد؛ فليس له الخروج إليها؛ فإن لم يمكنه ذلك فله الخروج إليها، وإن تعَيَّن عليه دفن الميت، أو تغسيله؛ جاز له أن يخرج له؛ لأنَّ هذا واجبٌ مُتَعَيِّنٌ، فأشبه الخروج لصلاة الجمعة.
• أما إذا اشترط ذلك عند دخوله في الاعتكاف ففيه قولان:
الأول: أنْ له الخروج إذا شرط ذلك، وهو قول الشافعي، والثوري، وإسحاق، ورواية عن أحمد رجَّحها ابن قدامة، وذلك لأنَّ الاعتكاف لا يختص بِقَدْرٍ، فإذا شرط الخروج فكأنه نذر القدر الذي أقامه.
الثاني: أنه لا يصح الشرط، وهو قول مالك، والأوزاعي، وأبي مجلز، ورواية عن أحمد.
وقد رجَّح الإمام ابن عثيمين ﵀ القول الأول، واستدل بحديث ضباعة بنت الزبير، أنها كانت تريد الحج، وهي شاكية، فقال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «حُجِّي
стр. 2309
واشترطي أنَّ محلي حيث حبستني» (١)، قال: فيؤخذ من هذا أنَّ الإنسان إذا دخل في عبادة واشترط شيئًا لا ينافي فلا بأس.
قلتُ: الذي يظهر لي -والله أعلم- أنَّ هذا الشرط ينافي الاعتكاف؛ لأنَّ الاعتكاف هو حبس النفس ولزومها في المسجد، والأمر هنا ليس كذلك.
فعلى هذا فالراجح -والله أعلم- هو القول الثاني، وبالله التوفيق. (٢)
مسألة [١٠]: إذا شرط الوطء في اعتكافه أو البيع أو الكسب بالصناعة ؟
قال ابن قدامة ﵀: لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾، فَاشْتِرَاطُ ذَلِكَ اشْتِرَاطٌ لِمَعْصِيَةِ الله تَعَالَى، وَالصِّنَاعَةُ فِي الْمَسْجِدِ مَنْهِيٌّ عَنْهَا فِي غَيْرِ الِاعْتِكَافِ، فَفِي الِاعْتِكَافِ أَوْلَى، وَسَائِرُ مَا ذَكَرْنَاهُ يُشْبِهُ ذَلِكَ، وَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ؛ فَإِنْ احْتَاجَ إلَيْهِ، فَلَا يَعْتَكِفْ؛ لِأَنَّ تَرْكَ الِاعْتِكَافِ أَوْلَى مِنْ فِعْلِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ. اهـ (٣)
تنبيه: لو اعتكف شخصٌ فباع، أو اشترى؛ فإنه يأثم، ولكن ليس هناك دليل على إبطال اعتكافه. وللمعتكف أن يشتري شيئا يحتاجه من خارج المسجد عند الجمهور، وقيَّده مالك باليسير. (٤)
стр. 2310
مسألة [١١]: إذا وطئ في حال اعتكافه ؟
يفسد اعتكافه بإجماع أهل العلم، نقل الإجماع غير واحدٍ، كابن المنذر، وابن قدامة، والقرطبي، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾.
ونقل ابن المنذر الإجماع على أنَّ المراد بالمباشرة في الآية الجماع، كما في «الفتح»، وهذا الإجماع لا يصح كما في «زاد المسير» لابن الجوزي (١/ ١٩٣). (١)
مسألة [١٢]: المباشرة للمعتكف .
أمَّا إنْ كان لغير شهوة: فالذي عليه أكثر أهل العلم هو الجواز، وقطع به أكثر الحنابلة، والشافعية، والمالكية؛ لحديث عائشة في «الصحيحين»، أنها كانت تُرَجِّلُ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وهو معتكفٌ، وتقدم الحديث في الباب.
وأما قول ابن عبد البر ﵀ في «التمهيد» (٧/ ٣٢٨): أجمع العلماء أنَّ المعتكف لا يباشر ولا يقبل.
فهي محمولة على المباشرة بشهوة وتلذذ؛ فإن كانت المباشرة بشهوة وتلذذ؛ فقد جزم أكثر الحنابلة بالتحريم، وكذا جزم به الشافعية، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾.
قال الحافظ ابن كثير ﵀: ثم إنَّ المراد بالمباشرة إنما هو الجماع
стр. 2311
ودواعيه، من تقبيل، ومعانقة، ونحو ذلك، فأما معاطاة الشيء ونحوه؛ فلا بأس به، فقد ثبت في «الصحيحين» عن عائشة ... ، -ثم ذكر حديثها في ترجيلها لرسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- -. (١)
مسألة [١٣]: إذا باشر دون الفرج، فهل يفسد اعتكافه ؟
• فيها ثلاثة أقوال:
الأول: أنه يفسد، سواء أنزل أم لم يُنزل، وهو قول مالك، والشافعي في أحد أقواله؛ لأنها مباشرة محرمة، فأفسدت الاعتكاف كما لو أنزل.
الثاني: أنه يفسد إذا أنزل، وإذا لم ينزل لم يفسد، وهو قول أحمد، وأبي حنيفة، وقول عن الشافعي، ورجَّحه ابن قدامة؛ لأنَّ هذه المباشرة التي لم ينزل فيها لا تفسد صومًا، ولا حجًّا؛ فكذلك لا تفسد الاعتكاف.
الثالث: أنه لا يفسد، سواء أنزل أم لم ينزل، وهو قول عطاء، والمزني، وذكره عن الشافعي، وهو احتمالٌ عند بعض الحنابلة.
والراجح -والله أعلم- هو القول الثاني. (٢)
مسألة [١٤]: من وطئ أهله في اعتكافه ناسيًا ؟
قال ابن عبد البر ﵀: كلٌّ على أصله، فمن يقضي بفساد الصوم ناسيًا؛ فالاعتكاف كذلك عنده فاسد، ومن لم يفسد الصوم بالوطء ناسيًا؛ لم يفسد ذلك
стр. 2312
الاعتكاف. اهـ (١)
تنبيه: انظر مسألة المجامع ناسيًا في أثناء صومه تحت حديث أبي هريرة ﵁: «مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ، فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللهُ وَسَقَاهُ».
مسألة [١٥]: إذا خرج من المسجد لغير حاجة ؟
• ذهب أحمد، وأبو حنيفة، ومالك، والشافعي إلى أنه يبطل اعتكافه، وإنْ قلَّ.
• وذهب أبو يوسف، ومحمد بن الحسن إلى أنه لا يفسد حتى يكون أكثر من نصف يومٍ؛ لأنَّ اليسير مَعْفُوٌّ عنه بدليل أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- جاءته صفية وهو معتكفٌ ثم قام معها لِيَقْلِبَها.
وأُجيب عن ذلك: بمنع عدم وجود الحاجة؛ فإنه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- خشي عليها؛ لكونه ليلًا. والراجح هو القول الأول، والله أعلم. (٢)
مسألة [١٦]: هل يخرج المؤذن وهو معتكف؛ ليؤذن من مكان مرتفع ؟
قال ابن المنذر ﵀: كان الشافعي لا يكره للمؤذن المعتكف أن يصعد المنارة، وبه قال أبو ثور، وأصحاب الرأي. وكره مالك ذلك، ورخص فيه مرة، وأكثر مرة الكراهية، وبه قال القاسم. قال أبو بكر بن المنذر: لا بأس به. اهـ
قلتُ: الأقرب هو الجواز؛ لأنه حاجة شرعية، والله أعلم. (٣)
стр. 2313
مسألة [١٧]: هل تخرج المرأة من الاعتكاف إذا حاضت أو استحاضت ؟
قال ابن المنذر ﵀ في كتابه «الإشراف» (٣/ ١٦٧): واختلفوا في المرأة المعتكفة تحيض، فقال الزهري، وعمرو بن دينار، وربيعة، ومالك، والأوزاعي، والشافعي، وأصحاب الرأي: تخرج، فإذا طهرت فلترجع. وروينا عن أبي قلابة أنه قال: تضرب خباها على باب المسجد إذا حاضت. وقال النخعي: تضرب فسطاطها في دارها، فإذا طهرت قضت تلك الأيام.
قال أبو بكر: كقول مالك، والشافعي أقول. والمستحاضة: لا تبرح؛ إذ حكمها حكم الطاهرة. اهـ
مسألة [١٨]: إذا أغمي على المعتكف ثم أفاق فهل يبني أم يستقبل ؟
قال ابن المنذر ﵀ في كتابه «الإشراف» (٣/ ١٦٩): قال الشافعي، وأبو ثور: إذا أغمي على المعتكف أو جن بني عليه إذا أفاق. وقال أصحاب الرأي. يستقبل.
قال أبو بكر: قول الشافعي صحيح. اهـ
قلتُ: وما صححه ابن المنذر، هو الصحيح عندي؛ لعدم وجود دليل يدل على بطلان اعتكافه الأول، والله أعلم.
مسألة [١٩]: إذا مرض المعتكف فخرج فما الحكم ؟
• واختلفوا في المعتكف يمرض، فقالت طائفة: يخرج فإذا صح رجع، وقضى ما بقي عليه، هذا قول مالك، والشافعي.
стр. 2314
• وروينا عن الحسن البصري، أنه قال: لا يخرج.
• وقال النعمان، ومحمد، ويعقوب: إن خرج يوماً أو أكثر من نصف يوم استقبل.
قال أبو بكر: إن كان مرضه مرضًا يمكنه المقام في المسجد أقام فيه، وإن لم يمكنه لشدة العلة خرج، فإذا صح رجع، وبناه إذا كان اعتكافاً واجباً فإن لم يكن واجباً فإن شاء رجع وإن شاء لم يرجع. اهـ
قلتُ: وما اختاره ابن المنذر ﵀ هو المختار عندي، والله أعلم؛ لقوله ﵊: «وإذا أمركم بأمر فأتوا منه ما استطعتم».
مسألة [٢٠]: من اعتكف العشر الأواخر فمن متى يبدأ اعتكافه ؟
• في المسألة قولان:
الأول: أنه يعتكف من بعد صلاة الصبح من اليوم الحادي والعشرين، وهو قول الأوزاعي، والليث، والثوري، وابن المنذر، واستدلوا بحديث عائشة ﵂، الذي في الباب، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان إذا أراد أن يعتكف العشر الأواخر صلَّى الفجر ثم دخل معتكفه.
الثاني: أنه يبدأ من غروب شمس اليوم العشرين، وهو قول أحمد، ومالك، والشافعي، وأبي حنيفة، وطائفة من أهل العلم؛ لأنَّ العشر تبدأ بغروب الشمس، ولحديث أبي سعيد الخدري ﵁ في «الصحيحين» (١)، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- اعتكف في
стр. 2315
العشر الأوسط في رمضان يلتمس ليلة القدر، ثم بانت له أنها في العشر الأواخر، فقال: «مَنِ اعْتَكَفَ مَعي؛ فَلْيَبِتْ فِي مُعْتَكَفِه ... ». وهذا القول هو الراجح، وهو ترجيح شيخنا الإمام مقبل الوادعي ﵀.
وأما حديث عائشة ﵂: فأَوَّلُوه بأنه دخل من أول الليل، ولكن إنما تخلَّى بنفسه في المكان الذي أعدَّه لنفسه بعد صلاة الصبح. (١)
مسألة [٢١]: هل يبيت ليلة العيد في معتكفه إذا اعتكف العشر الأواخر ؟
• استحبَّ أحمد ومالك أنْ يبيت ليلة العيد في معتكفه ويخرج بعد صلاة الصبح.
• وقال الشافعي والأوزاعي، وابن المنذر: يخرج إذا غابت الشمس؛ لأنَّ العشر تزول بزوال الشهر، والشهر ينقضي بغروب الشمس.
وهذا هو الراجح، ولا دليل على الاستحباب، والله أعلم. (٢)
مسألة [٢٢]: ما يُكره على المعتكف في اعتكافه ؟
قال الحافظ ﵀ في «الفتح» (٤/ ٣٢٠): والجمهور على أنه لا يُكره فيه إلا ما يُكره في المسجد -يعني في اعتكافه- وعن مالك: تُكره فيه الصنائع، والحِرَف حتى طلب العلم. انتهى.
قلتُ: أما طلب العلم فهو من أفضل العبادات، فلا يُكره في الاعتكاف، ولكن ينبغي ذكر المسائل المهمة، والنصائح والتوجيهات بدون إطالة، والله المستعان.