ودواعيه، من تقبيل، ومعانقة، ونحو ذلك، فأما معاطاة الشيء ونحوه؛ فلا بأس به، فقد ثبت في «الصحيحين» عن عائشة ... ، -ثم ذكر حديثها في ترجيلها لرسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- -. (١)
مسألة [١٣]: إذا باشر دون الفرج، فهل يفسد اعتكافه ؟
• فيها ثلاثة أقوال:
الأول: أنه يفسد، سواء أنزل أم لم يُنزل، وهو قول مالك، والشافعي في أحد أقواله؛ لأنها مباشرة محرمة، فأفسدت الاعتكاف كما لو أنزل.
الثاني: أنه يفسد إذا أنزل، وإذا لم ينزل لم يفسد، وهو قول أحمد، وأبي حنيفة، وقول عن الشافعي، ورجَّحه ابن قدامة؛ لأنَّ هذه المباشرة التي لم ينزل فيها لا تفسد صومًا، ولا حجًّا؛ فكذلك لا تفسد الاعتكاف.
الثالث: أنه لا يفسد، سواء أنزل أم لم ينزل، وهو قول عطاء، والمزني، وذكره عن الشافعي، وهو احتمالٌ عند بعض الحنابلة.
والراجح -والله أعلم- هو القول الثاني. (٢)
مسألة [١٤]: من وطئ أهله في اعتكافه ناسيًا ؟
قال ابن عبد البر ﵀: كلٌّ على أصله، فمن يقضي بفساد الصوم ناسيًا؛ فالاعتكاف كذلك عنده فاسد، ومن لم يفسد الصوم بالوطء ناسيًا؛ لم يفسد ذلك
стр. 2312
الاعتكاف. اهـ (١)
تنبيه: انظر مسألة المجامع ناسيًا في أثناء صومه تحت حديث أبي هريرة ﵁: «مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ، فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللهُ وَسَقَاهُ».
مسألة [١٥]: إذا خرج من المسجد لغير حاجة ؟
• ذهب أحمد، وأبو حنيفة، ومالك، والشافعي إلى أنه يبطل اعتكافه، وإنْ قلَّ.
• وذهب أبو يوسف، ومحمد بن الحسن إلى أنه لا يفسد حتى يكون أكثر من نصف يومٍ؛ لأنَّ اليسير مَعْفُوٌّ عنه بدليل أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- جاءته صفية وهو معتكفٌ ثم قام معها لِيَقْلِبَها.
وأُجيب عن ذلك: بمنع عدم وجود الحاجة؛ فإنه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- خشي عليها؛ لكونه ليلًا. والراجح هو القول الأول، والله أعلم. (٢)
مسألة [١٦]: هل يخرج المؤذن وهو معتكف؛ ليؤذن من مكان مرتفع ؟
قال ابن المنذر ﵀: كان الشافعي لا يكره للمؤذن المعتكف أن يصعد المنارة، وبه قال أبو ثور، وأصحاب الرأي. وكره مالك ذلك، ورخص فيه مرة، وأكثر مرة الكراهية، وبه قال القاسم. قال أبو بكر بن المنذر: لا بأس به. اهـ
قلتُ: الأقرب هو الجواز؛ لأنه حاجة شرعية، والله أعلم. (٣)
стр. 2313
مسألة [١٧]: هل تخرج المرأة من الاعتكاف إذا حاضت أو استحاضت ؟
قال ابن المنذر ﵀ في كتابه «الإشراف» (٣/ ١٦٧): واختلفوا في المرأة المعتكفة تحيض، فقال الزهري، وعمرو بن دينار، وربيعة، ومالك، والأوزاعي، والشافعي، وأصحاب الرأي: تخرج، فإذا طهرت فلترجع. وروينا عن أبي قلابة أنه قال: تضرب خباها على باب المسجد إذا حاضت. وقال النخعي: تضرب فسطاطها في دارها، فإذا طهرت قضت تلك الأيام.
قال أبو بكر: كقول مالك، والشافعي أقول. والمستحاضة: لا تبرح؛ إذ حكمها حكم الطاهرة. اهـ
مسألة [١٨]: إذا أغمي على المعتكف ثم أفاق فهل يبني أم يستقبل ؟
قال ابن المنذر ﵀ في كتابه «الإشراف» (٣/ ١٦٩): قال الشافعي، وأبو ثور: إذا أغمي على المعتكف أو جن بني عليه إذا أفاق. وقال أصحاب الرأي. يستقبل.
قال أبو بكر: قول الشافعي صحيح. اهـ
قلتُ: وما صححه ابن المنذر، هو الصحيح عندي؛ لعدم وجود دليل يدل على بطلان اعتكافه الأول، والله أعلم.
مسألة [١٩]: إذا مرض المعتكف فخرج فما الحكم ؟
• واختلفوا في المعتكف يمرض، فقالت طائفة: يخرج فإذا صح رجع، وقضى ما بقي عليه، هذا قول مالك، والشافعي.
стр. 2314
• وروينا عن الحسن البصري، أنه قال: لا يخرج.
• وقال النعمان، ومحمد، ويعقوب: إن خرج يوماً أو أكثر من نصف يوم استقبل.
قال أبو بكر: إن كان مرضه مرضًا يمكنه المقام في المسجد أقام فيه، وإن لم يمكنه لشدة العلة خرج، فإذا صح رجع، وبناه إذا كان اعتكافاً واجباً فإن لم يكن واجباً فإن شاء رجع وإن شاء لم يرجع. اهـ
قلتُ: وما اختاره ابن المنذر ﵀ هو المختار عندي، والله أعلم؛ لقوله ﵊: «وإذا أمركم بأمر فأتوا منه ما استطعتم».
مسألة [٢٠]: من اعتكف العشر الأواخر فمن متى يبدأ اعتكافه ؟
• في المسألة قولان:
الأول: أنه يعتكف من بعد صلاة الصبح من اليوم الحادي والعشرين، وهو قول الأوزاعي، والليث، والثوري، وابن المنذر، واستدلوا بحديث عائشة ﵂، الذي في الباب، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان إذا أراد أن يعتكف العشر الأواخر صلَّى الفجر ثم دخل معتكفه.
الثاني: أنه يبدأ من غروب شمس اليوم العشرين، وهو قول أحمد، ومالك، والشافعي، وأبي حنيفة، وطائفة من أهل العلم؛ لأنَّ العشر تبدأ بغروب الشمس، ولحديث أبي سعيد الخدري ﵁ في «الصحيحين» (١)، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- اعتكف في
стр. 2315
العشر الأوسط في رمضان يلتمس ليلة القدر، ثم بانت له أنها في العشر الأواخر، فقال: «مَنِ اعْتَكَفَ مَعي؛ فَلْيَبِتْ فِي مُعْتَكَفِه ... ». وهذا القول هو الراجح، وهو ترجيح شيخنا الإمام مقبل الوادعي ﵀.
وأما حديث عائشة ﵂: فأَوَّلُوه بأنه دخل من أول الليل، ولكن إنما تخلَّى بنفسه في المكان الذي أعدَّه لنفسه بعد صلاة الصبح. (١)
مسألة [٢١]: هل يبيت ليلة العيد في معتكفه إذا اعتكف العشر الأواخر ؟
• استحبَّ أحمد ومالك أنْ يبيت ليلة العيد في معتكفه ويخرج بعد صلاة الصبح.
• وقال الشافعي والأوزاعي، وابن المنذر: يخرج إذا غابت الشمس؛ لأنَّ العشر تزول بزوال الشهر، والشهر ينقضي بغروب الشمس.
وهذا هو الراجح، ولا دليل على الاستحباب، والله أعلم. (٢)
مسألة [٢٢]: ما يُكره على المعتكف في اعتكافه ؟
قال الحافظ ﵀ في «الفتح» (٤/ ٣٢٠): والجمهور على أنه لا يُكره فيه إلا ما يُكره في المسجد -يعني في اعتكافه- وعن مالك: تُكره فيه الصنائع، والحِرَف حتى طلب العلم. انتهى.
قلتُ: أما طلب العلم فهو من أفضل العبادات، فلا يُكره في الاعتكاف، ولكن ينبغي ذكر المسائل المهمة، والنصائح والتوجيهات بدون إطالة، والله المستعان.
стр. 2316
٦٨٧ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، أَنَّ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أُرُوا لَيْلَةَ القَدْرِ فِي المَنَامِ، فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أُرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ، فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيهَا فَلْيَتَحَرَّهَا فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١)
٦٨٨ - وَعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ فِي لَيْلَةِ القَدْرِ: «لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ». رَوَاهُ أَبُودَاوُد، وَالرَّاجِحُ وَقْفُهُ (٢)، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي تَعْيِينِهَا عَلَى أَرْبَعِينَ قَوْلًا أَوْرَدْتهَا فِي «فَتْحِ البَارِي».
المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين
مسألة [١]: سبب تسميتها ليلة القدر .
ذكروا أسبابًا كثيرة:
منها: أنَّ الله يقدر فيها ما يشاء من أمره إلى مثلها من السَّنَة القابلة، ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان:٤].
ومنها: أنها سُمِّيت بذلك لعظمها، وقدرها، وشرفها، من قولهم: (لفلان قدر)، أي: شرف ومنزلة.
стр. 2317
وقيل: سُمِّيت بذلك لأنَّ للطاعات فيها قدرًا عظيمًا، وثوابًا جزيلًا، وهناك أقوال أخرى. (١)
مسألة [٢]: هل ليلة القدر باقية، أم رفعت ؟
الصحيح الذي عليه الأدلة المتكاثرة أنها باقية، وأما ما جاء في «البخاري» (٤٩)، من حديث عبادة بن الصامت، وفي «مسلم» (١١٦٧)(٢١٧)، من حديث أبي سعيد، ومن حديث الفلتان بن عاصم عند البزار كما في «الكشف» (٤/ ١٣٦)، وهو في «الصحيح المسند» (١٠٦٨): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- خرج يخبرهم بليلة القدر، فرأى رجلين يختصمان، فحجز بينهما، فقال: «خرجت لأخبركم بليلة القدر، فتلاحى فلان وفلان، فَرُفِعَت»، فالمراد رفع تعيينها، وقد وجد خلاف شاذٌّ لا يُعبأ به بأنها رفعت.
فقد قال الإمام النووي ﵀: وهذا القول الذي اخترعه هؤلاء الشَّاذُّون غلطٌ ظاهر، وغباوة بينة؛ لأن آخر الحديث يرد عليهم؛ لأنه ﷺ قال: «فَرُفِعَت، وعسى أن يكون خيرًا لكم، فالتمسوها في التاسعة، والسابعة، والخامسة»، ولو كان المراد رفع وجودها لم يأمر بالتماسها. اهـ. (٢)
مسألة [٣]: متى ليلة القدر ؟
• اختلف في تعيين ليلة القدر على أقوال كثيرة، أورد الحافظ في «الفتح» أكثر من أربعين قولًا.
стр. 2318
قال عبد الله البسام: ويمكن تصنيف هذه الأقوال إلى أربع فئات:
الأولى: مرفوضة، كالقول بإنكارها في أصلها، أو القول برفعها.
الثانية: ضعيفة، كالقول بأنها ليلة النصف من شعبان، ويدل على ضعف هذا القول قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة:١٨٥]، وقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر:١].
الثالثة: مرجوحة، كالقول بأنها في رمضان في غير العشر الأخيرة منه.
الرابعة: وهي الرَّاجحة، وهو كونها في العشر الأواخر من شهر رمضان، وأرجاها: أوتارها، وأرجى الأوتار: السبع الأواخر، وأرجاها ليلة سبع وعشرين. اهـ
قلتُ: وهذا القول الأخير هو الصحيح، وتجتمع به الأدلة كلها، فقد جاء عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنه قال: «التمسوها في العشر الأواخر»، فشمل الليالي الوتر منها والشفع.
وقلنا: إنَّ الليالي الوتر أرجى؛ لقول النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «التمسوها في الوتر من العشر الأواخر».
وقلنا: إنَّ ليلة سبع وعشرين أرجى؛ لحديث أُبي بن كعب في «صحيح مسلم» (٧٦٢): أنه كان يحلف لا يستثني أنها ليلة سبع وعشرين.
стр. 2319
وجاء عن ابن عباس عند أحمد (٢١٤٩): أنَّ رجلًا قال: يا رسول الله، إني يشق عليَّ القيام، فمرني بليلةٍ لعل الله يوفقني بليلة القدر، فقال: «عليك بالسابعة». واستدلوا بحديث معاوية الذي في الكتاب، والرَّاجح وقفه كما تقدم.
والذي جعلنا لا نعينها في ليلة سبع وعشرين أنه قد ثبت في «الصحيحين» (١) من حديث أبي سعيد ﵁: أنها وقعت ليلة إحدى وعشرين.
وفي «صحيح مسلم» (١١٦٨)، عن عبدالله بن أنيس: أنها وقعت ليلة ثلاث وعشرين، أما كون أرجى الليالي جملةً السبع الأواخر؛ فلحديث ابن عمر المتقدم في الكتاب.
وكذلك ما رواه مسلم في «صحيحه» (١١٦٥)(٢٠٩)، عن عبد الله بن عمر أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «التمسوها في العشر الأواخر، فمن ضعُفَ، أو عجز فلا يغلبن على السبع البواقي».
قال الحافظ ابن حجر ﵀ بعد أن ذكر أقوالًا كثيرة في المسألة: وَأَرْجَحهَا كُلّهَا أَنَّهَا فِي الوِتْرٍ مِنْ الْعَشْر الْأَخِيرة، وَأَنَّهَا تَنْتَقِل كَمَا يُفْهَم مِنْ أَحَادِيث هَذَا الْبَاب، وَأَرْجَاهَا أَوْتَار الْعَشْر، وَأَرْجَى أَوْتَار الْعَشْر عِنْد الشَّافِعِيَّة لَيْلَة إِحْدَى وَعِشْرِينَ، أَوْ ثَلَاث وَعِشْرِينَ عَلَى مَا فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد وَعَبْد الله بْن أُنَيْسٍ، وَأَرْجَاهَا عِنْد الْجمْهُور لَيْلَة سَبْع وَعِشْرِينَ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ أَدِلَّة ذَلِكَ. انتهى. (٢)
стр. 2320
بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَة
مسألة [١]: هل ينال الإنسان ليلة القدر إذا قامها وإن لم يعلم بها ؟
• في هذه المسألة قولان:
الأول: يختص الأجر بمن علم بها، قال الحافظ ﵀: وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَر، وَيَدُلُّ لَهُ مَا وَقَعَ عِنْد مُسْلِم (١) مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة بِلَفْظِ: «مَنْ يَقُمْ لَيْلَة الْقَدْر فَيُوَافِقهَا» ... ، ثم قال: وَهُوَ الَّذِي يَتَرَجَّح فِي نَظَرِي، وَلَا أُنْكِرُ حُصُول الثَّوَاب الْجزِيل لِمَنْ قَامَ لِابْتِغَاءِ لَيْلَة الْقَدْر وَإِنْ لَمْ يَعْلَم بِهَا، وَلَوْ لَمْ تُوَفَّق لَهُ. اهـ
الثاني: أنه يناله الأجر الموعود، وإن لم يعلم بها، وهو قول الطبري، والمهلب، وابن العربي، وجماعة.
وهو الراجح، ورجَّح ذلك الإمام ابن عثيمين ﵀، وقال: أما قول بعض العلماء: (إنه لا ينال أجرها إلا من شعر بها)، فقولٌ ضعيفٌ جدًّا؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا؛ غُفِر له ما تقدم من ذنبه»، ولم يقل: (عالمًا بها)، ولو كان العلم شرطًا في حصول الثواب؛ لبَيَّنَه النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.اهـ
قلتُ: ويدل على صحة هذا القول، قول ابن مسعود ﵁: من يقم السنة؛
стр. 2321
يصب ليلة القدر. وأقره أبي بن كعب على ذلك، وإنما بيَّن أنها في ليلة سبع وعشرين.
وأما استدلالهم بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: « ... ، فيوافقها .. » فمعناه: يوافقها في نفس الأمر، وإن لم يعلم هو ذلك، والله أعلم. (١)
مسألة [٢]: علامات ليلة القدر .
ثبت لها بعض العلامات:
أحداها: ليلةٌ سمحاءُ، لا حارَّة ولا باردة.
جاء ذلك من حديث جابر ﵁ عند ابن خزيمة (٢١٩٠)، وابن حبان (٣٦٨٨)، وفي إسناده: الفضيل بن سليمان، وهو ضعيفٌ، وجاء من حديث عبادة ابن الصامت ﵁، عند أحمد (٥/ ٣٢٤)، وفيه: بقية بن الوليد، ولم يصرح بالتحديث عن شيخ شيخه، وفيه انقطاع: خالد بن معدان لم يسمع من عبادة، وجاء من حديث ابن عباس ﵄، عند ابن خزيمة (٢١٩٢)، والبزار كما في «الكشف» (١٠٣٤)، وفي سنده: زمعة بن صالح وهو ضعيفٌ، والحديث يرتقي إلى الحسن بمجموع هذه الشواهد، والله أعلم.
الثانية: نزول المطر.
جاء ذلك في حديث أبي سعيد الخدري ﵁، في «الصحيحين» (٢)، ومن
стр. 2322
حديث عبد الله ابن أُنيس ﵁، في «صحيح مسلم» (١١٦٨).
الثالثة: طلوع الشمس في صبيحة تلك الليلة لا شعاع لها.
لِمَا أخرجه مسلم (٧٦٢)، عن أُبي بن كعب أنه حدَّث عن رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنَّ الشمس تطلع من ذلك اليوم لا شعاع لها.
وله شاهد من حديث ابن مسعود عند أحمد (٣٨٥٧)، من طريق: أبي الصلت، عن أبي عقرب، عنه.
وهذا إسناد ضعيف؛ لجهالة أبي الصلت، وأبي عقرب، وله شاهد كذلك من حديث عبادة بن الصامت، وقد تقدم بيان حاله، ومن أخرجه.
стр. 2323
٦٨٩ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: قُلْت: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْت إنْ عَلِمْت أَيَّ لَيْلَةٍ لَيْلَةُ القَدْرِ، مَا أَقُولُ فِيهَا؟ قَالَ: قُولِي: «اللهُمَّ إنَّك عَفُوٌّ تُحِبُّ العَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي». رَوَاهُ الخَمْسَةُ، غَيْرَ أَبِي دَاوُد، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالحَاكِمُ. (١)
الحكم المستفاد من الحديث
فيه استحباب الدعاء في تلك الليلة بهذا الدعاء الذي علَّمَه النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أمَّ المؤمنين عائشة ﵂.
ويُستحبُّ الإكثار من جميع الأدعية الواردة عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، والله أعلم.
стр. 2324
٦٩٠ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: المَسْجِدُ الحَرَامُ، وَمَسْجِدِي هَذَا، وَالمَسْجِدُ الأَقْصَى». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
بيان معنى الحديث.
قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ».
هذا نفيٌ أُريد به النهي، وهو أبلغ من صريح النهي، والرِّحال جمعُ رَحْلٍ، وهو للبعير كالسرج على الفرس، وكنَّى بشد الرِّحال عن السفر؛ لأنَّه لازمه، وخرج ذكرها مخرج الغالب في ركوب المسافر، وإلا فلا فرق بين ركوب الرَّواحل، والخيل، والبغال، والحمير، والمشي في المعنى المذكور.
ويدلُّ عليه قوله في بعض طرقه: «إنما يسافر ... » أخرجه مسلم (١٣٩٧)(٥١٣)، عن أبي هريرة ﵁. (٢)
ويستفاد من هذا الحديث فضيلة هذه المساجد الثلاثة، وشرعية السفر إليها للعبادة: من صلاة، واعتكاف، وغيرها، قال شيخ الإسلام ﵀: وأما المساجد الثلاثة فاتفق العلماء على استحباب إتيانها للصلاة ونحوها. (٣)
стр. 2325
مسألة [١]: السفر إلى غيرها من المساجد .
قال ابن عبد الهادي ﵀: ولو سافر من بلد إلى بلد، مثل أن يسافر إلى دمشق من مصر لأجل مسجدها أو بالعكس، أو يسافر إلى مسجد قباء من بلد بعيد؛ لم يكن هذا مشروعًا باتِّفاق الأئمة الأربعة وغيرهم، ولو نذر ذلك لم يَفِ بنذره باتفاق الأئمة الأربعة وغيرهم؛ إلا خلاف شاذٌّ عن الليث بن سعد في المساجد، وقاله ابن مسلمة من أصحاب مالك في مسجد قباء فقط. (١)
مسألة [٢]: النذر لإتيان المساجد الثلاثة .
قال شيخ الإسلام ﵀ في «اقتضاء الصراط المستقيم» (٢/ ٨٠٦): ولكن لو نذر ذلك، هل يجب بالنذر؟ فيه قولان للعلماء: أحدهما: أنه لا يجب بالنذر إلا إتيان المسجد الحرام خاصة، وهذا أحد قولي الشافعي، وهو مذهب أبي حنيفة، وبناه على أصله في أنه لا يجب بالنذر إلا ما كان من جنسه واجب بالشرع. والقول الثاني: وهو مذهب مالك، وأحمد وغيرهما: أنه يجب إتيان المساجد الثلاثة بالنذر، لكن إن أتى الفاضل أغناه عن إتيان المفضول، فإذا نذر إتيان مسجد المدينة ومسجد إيلياء أغناه إتيان المسجد الحرام، وإن نذر إتيان مسجد إيلياء أغناه إتيان أحد مسجدي الحرمين، وذلك أنه قد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه» (٢)، وهذا يعم كل طاعة، سواء كان جنسها واجبًا أو لم يكن، وإتيان الأفضل؛ إجراءً للحديث
стр. 2326
الوارد في ذلك. اهـ
قلتُ: قول شيخ الإسلام ﵀ (للحديث الوارد في ذلك) يعني به ما أخرجه أبو داود (٣٣٠٥)، وأحمد (٣/ ٣٦٣)، من حديث جابر ﵁ بإسناد صحيح: أنَّ رجلًا قال يوم الفتح: يا رسول الله، إني نذرت إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس، فقال: «صلِّ هاهنا»، فسأله، فقال: «صلِّ هاهنا»، فسأله، فقال: «فشأنك إذًا».
وقد صححه شيخنا الوادعي ﵀ في «الجامع الصحيح» (٤/ ٤٧١)، وبوب عليه بما اقتضاه كلام شيخ الإسلام المتقدم، وبالله التوفيق.
مسألة [٣]: شد الرَّحل لزيارة القبور .
قال ابن عبد الهادي ﵀ في «الصارم المنكي» (ص ١٨ - ١٩): وذكر -يعني شيخ الإسلام- في ذلك قولين للعلماء، أحدها: القول بإباحة ذلك كما يقوله بعض أصحاب الشافعي وأحمد. والثاني: أنه منهي عنه كما نص عليه إمام دار الهجرة مالك بن أنس، ولم ينقل عن أحد من الأئمة الثلاثة خلافه، وإليه ذهب جماعة من أصحاب الشافعي وأحمد.
قال: واحتجَّ الشيخ لمن قال بمنع شدِّ الرِّحال وإعمال الْمُطِّي إلى القبور بحديث مشهور متَّفق على صحَّته وثبوته، من حديث أبي هريرة عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «لا تشدُّ الرِّحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى» (١). اهـ
стр. 2327
فتح العلام
في دراسة أحاديث بلوغ المرام
حديثيا وفقهيا مع ذكر بعض المسائل الملحقة
تأليف
أبي عبدالله محمد بن علي بن حزام الفضلي البعداني
في دار الحديث بدماج
الجزء الخامس
كتاب الحج - كتاب البيوع
فَضْلُهُ وَبَيَانُ مَنْ فُرِضَ عَلَيْهِ- المَوَاقِيت - وُجُوهُ الإِحْرَامِ وَصِفَتِهِ - الإِحْرَامُ وَمَا يَتَعَلَّقُ بهِ صِفَةُ الحَجِّ وُدُخُولِ مَكَّةَ- الفَوَاتُ وَالإِحْصَارُ- كِتَاُبُ الْبُيُوعِ- شُرُوطُه وَمَا نُهِيَ عَنْهُ مِنْهُ
стр. 2328
كِتَابُ الْحَجِّ
بَابُ فَضْلِهِ وَبَيَانِ مَنْ فُرِضَ عَلَيْهِ
٦٩١ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «العُمْرَةُ إلَى العُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، وَالحَجُّ المَبْرُورُ (١) لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إلَّا الجَنَّةَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (٢)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
فيه الحث على الحج والعمرة، وبيان فضلهما، وقد وردت أحاديث أخرى منها:
حديث أبي هريرة ﵁، في «الصحيحين» (٣) أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- سُئل: أي الأعمال أفضل؟ قال: «إيمان بالله ورسوله»، قيل: ثم ماذا؟ قال: «الجهاد في سبيل الله»، قيل: ثم ماذا؟ قال: «حجٌّ مبرور».
وفي «الصحيحين» (٤) عن أبي هريرة ﵁، مرفوعًا: «من حجَّ فلم يرفث، ولم
стр. 2329
يفسق؛ رجع كيوم ولدته أمه».
وفي «صحيح مسلم» برقم (١٣٤٨) عن عائشة ﵂، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدًا من النار من يوم عرفة».
وفي «الصحيحين» (١) عن ابن عباس ﵄ أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «عمرة في رمضان تعدل حجة معي»، وحديث عائشة الثاني في الباب.
وفي «السنن» عن ابن مسعود، وابن عباس ﵃، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «تابعوا بين الحج والعمرة؛ فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد». (٢)
المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث
مسألة [١]: حكم الحج .
قال النووي ﵀ في «المجموع» (٧/ ٧): الحجُّ فرضُ عينٍ على كل مستطيع بإجماع المسلمين، وتظاهرت على ذلك دلائل الكتاب والسنة، وإجماع الأمة. اهـ
وقال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٥/ ٥): وأجمعت الأمة على وجوب الحج على المستطيع في العمر مرةً واحدة. اهـ
قلتُ: ودليل الوجوب قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، وقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «بُني الإسلام على خمسٍ ... »، وذكر منها: «حج البيت لمن استطاع إليه سبيلًا»، وقد استدل على الوجوب أيضًا بأحاديث الباب، وتقدم أنَّ فيها ضعفًا.
مسألة [٢]: حكم العمرة .
• في هذه المسألة قولان:
القول الأول: الوجوب، وهو قول أحمد، والشافعي في الجديد، وعليه أكثر أصحابه، وإسحاق، والثوري، وغيرهم، وقال به من التابعين: عطاء، وابن المسيب، وسعيد بن جبير، والحسن، وابن سيرين، والشعبي، وصحَّ هذا عن جماعة من الصحابة، كعمر، وابنه، وعبدالله بن عباس، وزيد بن ثابت ﵃، كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (٤/ ٣٠٥)، والبيهقي (٤/ ٣٥١)، وغيرهما.
واستدل على الوجوب بحديث عائشة ﵂، الذي في الباب: «عَلَيْهِنَّ جِهَادٌ لَا قِتَالَ فِيهِ»، وممن استدل به: ابن خزيمة ﵀ في «صحيحه»، وقد تقدم الكلام عليه، واستدل ابن عباس ﵄، بقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٩٦]، قال: والله إنها لقرينتها في كتاب الله.
واستدل أحمد وغيره بحديث أبي رزين العقيلي، أنه قال للنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: إنَّ أبي شيخٌ كبير، لا يستطيع الحج ولا العمرة، ولا الظَّعن، فقال: «حج عن أبيك واعتمر». (١)
وذكر أحمد ﵀ أنَّ هذا الحديث أصح حديث يدل على وجوب العمرة.
وقد صححه شيخنا ﵀ في «الجامع الصحيح» (٢/ ٣٣٩)، وبَوَّبَ عليه: [باب وجوب العمرة].
وأخرج أبو داود (١٧٩٨)، والنسائي (٥/ ١٤٦ - ١٤٧)، وغيرهما بإسناد صحيح عن الصبي بن معبد أنه قال لعمر بن الخطاب: إني وجدت الحج والعمرة
стр. 2333
مكتوبين عليَّ، وإني أهللت بهما جميعًا ... ، الحديث، وفيه قال له عمر: هُدِيت لسنة نبيك -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.
تنبيه: القائلون بوجوب العمرة يقولون بوجوبها مرة واحدة في العمر.
القول الثاني: الاستحباب، وهو قول الشافعي في القديم وبعض أصحابه، وقال به مالك، والحنفية، وأبو ثور، وأحمد في رواية، وعزاه شيخ الإسلام للأكثر ورجحه.
وصحَّ عن ابن مسعود كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (٤/ ٣٠٤)، أنه قال: الحج فريضة، والعمرة تطوع.
واستدل أصحاب هذا القول بحديث جابر ﵁، الذي في الكتاب، وهو ضعيفٌ، والرَّاجح وقفه.
وأخرج ابن ماجه (٢٩٨٩) من حديث طلحة بن عبيد الله مرفوعًا: «الحج جهادٌ، والعمرة تطوع»، وفي إسناده: الحسن بن يحيى الخشني، وهو متروكٌ.
قال أبو عبد الله غفر الله له: القول الثاني هو الصواب؛ لعدم ثبوت الأمر بها عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وأما حديث أبي رزين فخرج الأمر جوابًا على سؤاله، وأما حديث الصبي ابن معبد مع عمر ﵁ فغايته أنه يفيد أن عمر ﵁ كان يرى الوجوب وقد خالفه ابن مسعود ﵁ كما تقدم.
وقد رجح الشوكاني في «السيل»، عدم الوجوب؛ لما ذكرنا، والله أعلم. (١)
стр. 2334
مسألة [٣]: العمرة على أهل مكة .
• صحَّ عن ابن عباس ﵄، كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (٤/ ٨٨)، أنه قال: يا أهل مكة لا عمرة لكم، إنما عمرتكم الطَّواف بالبيت.
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٥/ ١٤ - ١٥): وَلَيْسَ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ عُمْرَةٌ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، وَقَالَ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَرَى الْعُمْرَةَ وَاجِبَةً، وَيَقُولُ: يَا أَهْلَ مَكَّةَ: لَيْسَ عَلَيْكُمْ عُمْرَةٌ، إنَّمَا عُمْرَتُكُمْ طَوَافُكُمْ بِالْبَيْتِ. وَبِهَذَا قَالَ عَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ. اهـ
وذهب شيخ الإسلام كما في «مجموع الفتاوى» (٢٦/ ٢٤٨ - ٣٠١)، إلى أنها بدعة (ص ٢٦٤)، واختار هذا القول ابن القيم في «زاد المعاد» (٢/ ٩٤)، والإمام الألباني ﵀ في «الصحيحة» (٢٦٢٦).
وقد استدلوا على عدم المشروعية بأنه لم يثبت عن رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنه اعتمر من مكة، أو خرج إلى خارجها بقصد العمرة، ولم يفعل ذلك أحدٌ من صحابته إلا عائشة وحدها كما في «مجموع الفتاوى»، و «زاد المعاد».
قال أبو عبد الله غفر الله له: ظاهر كلام الأئمة المتقدمين عدم الوجوب؛ لقولهم (ليس عليه) بخلاف ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم رحمة الله عليهما.
• وذهب طائفة من أهل العلم إلى مشروعية العمرة للمكي، وكذلك للآفاقي إذا أراد أن يكرر، وهذا القول عزاه للأئمة الأربعة صاحب كتاب «الفقه على المذاهب الأربعة» (١/ ٦٨٥ - ٦٨٦)، وعزاه الشيخ ابن عثيمين للجمهور كما
стр. 2335
في «الشرح الممتع» (٧/ ٥٦).
وقد جاء عن عمر وعلي ﵄ ما يؤيد هذا القول، أخرجهما ابن أبي شيبة، وفي إسناده أذينة العبدي، وهو مجهول.
وثبت عن ابن عمر، وابن الزبير، وعائشة ﵃، أنهم كانوا يعتمرون، وهم بمكة؛ يخرجون إلى الحل. أخرج ذلك عنهم ابن أبي شيبة بأسانيد صحيحة.
وهذا القول اختاره ابن حزم، وابن قدامة، والنووي، وابن دقيق العيد، وابن حجر، والشوكاني، واللجنة الدائمة، والشيخ مقبل ﵀.
واستدلوا على ذلك بحديث عائشة في «الصحيحين»، (١) أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أمر عبد الرحمن بن أبي بكر أن يعمرها من التنعيم.
قال ابن حجر ﵀ في «الفتح» (١٧٨٥): وبعد أن فعلته عائشة بأمره ﷺ دلَّ على مشروعيته. اهـ
وأصحاب هذا القول يقولون: يُحْرِم من أراد العمرة من الحل، ويخرج من الحرم.
وقد أخرج ابن أبي شيبة بإسناده عن ابن عباس ﵄، قال: لا يضركم يا أهل مكة ألا تعتمروا؛ فإن أبيتم؛ فاجعلوا بينكم وبين الحرم بطن الوادي. وفي إسناده عمر بن كيسان، وهو مجهول، تفرد بالرواية عنه عمرو بن دينار.
стр. 2336
قلتُ: وهذا القول هو الصحيح، والله أعلم
• وذهب بعض أهل العلم إلى أنه يحرم من مكة نفسها، وهو قول البخاري ﵀، فقد بوَّبَ في «صحيحه»: [باب مهل أهل مكة للحج والعمرة]، واختاره الصنعاني، والشوكاني في «السيل الجرار» (٢/ ٢١٦)؛ لحديث ابن عباس بعد أن ذكر المواقيت مرفوعًا: «هُنَّ لهن، ولمن أتى عليهن من غير أهلهن، ممن أراد الحج والعمرة، ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ، حتى أهل مكة من مكة».
وقد أجاب الشيخ ابن عثيمين ﵀ على الاستدلال بحديث ابن عباس كما في «الشرح الممتع» (٧/ ٥٧)، فقال بعد أن ذكره: ظاهره أنَّ العمرة لأهل مكة تكون من مكة. ثم قال: هذا الظاهر يعارضه حديث عائشة أن رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أمر أخاها أن يخرج بها؛ لتحرم من التنعيم؛ فإن قال قائلٌ: عائشة ليست من أهل مكة، فَأُمِرت أن تخرج إلى الحل؛ لتحرم منه؟ قلنا: ليس المانع من إحرام الآفاقي من مكة هو أنه ليس من أهل مكة، بدليل أنَّ الآفاقي يحرم بالحج من مكة، فلو كانت مكة ميقاتًا للإحرام بالعمرة؛ لكانت ميقاتًا لأهل مكة، وللآفاقيين الذين هم ليسوا من أهلها، وهذا واضح، وأيضًا: العمرة الزيارة، والزائر لابد أن يفد إلى المزور؛ لأنَّ من كان معك في البيت إذا وافقك في البيت لا يقال: (إنه زارك)، وهذا ترجيحٌ لُغوي .... وانظر بقية كلامه. (١)
стр. 2337
مسألة [٤]: هل له أن يعتمر في السنة أكثر من مرة ؟
• ذهب بعض أهل العلم إلى أنه يكره تكرار العمرة في العام الواحد، وقالوا: يعتمر في العام الواحد مرة واحدة؛ لأنَّ هذا هو الذي ثبت عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وهو قول الحسن، وابن سيرين، ومالك، والنخعي.
• وذهب أكثر أهل العلم إلى مشروعية التكرار في العام الواحد، وصحَّ عن علي أنه قال: في كل شهر عمرة. أخرجه ابن أبي شيبة، والبيهقي من طريق مجاهد عن علي به، والصحيح أن مجاهد قد سمع من علي ﵁.
وصحَّ عن ابن عمر، عند ابن أبي شيبة، والبيهقي، وعن عائشة عند البيهقي، أنهما اعتمرا عمرتين في سنة واحدة.
وهو قول عطاء، وطاوس، وعكرمة، والشافعي، وأحمد، وغيرهم، واستدلوا على ذلك بأنَّ عائشة ﵂، اعتمرت في شهرٍ مرتين بأمر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عمرةً في قرانها، وعمرة بعد حجِّها.
واستدلوا بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «تابعوا بين الحج والعمرة؛ فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد»، (١) وهذا القول هو الصحيح، والله أعلم.
تنبيه: ينبغي أن يُفَرَّق بين العمرتين بفترة زمنية، ولا يوالي بينهما؛ لأنَّ هذا لم يثبت، وإن فرَّق بينهما بسفرٍ من الأسفار؛ فهو أفضل، والله أعلم.
قال ابن قدامة ﵀ (٥/ ١٧): فَأَمَّا الْإِكْثَارُ مِنْ الِاعْتِمَارِ، وَالْمُوَالَاةُ
стр. 2338
بَيْنَهُمَا؛ فَلَا يُسْتَحَبُّ فِي ظَاهِرِ قَوْلِ السَّلَفِ الَّذِي حَكَيْنَاهُ، وَكَذَلِكَ قَالَ أَحْمَدُ: إذَا اعْتَمَرَ فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَحْلِقَ أَوْ يُقَصِّرَ، وَفِي عَشَرَةِ أَيَّامٍ يُمْكِنُ حَلْقُ الرَّأْسِ. فَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يَعْتَمِرَ فِي أَقَلَّ مِنْ عَشَرَةِ أَيَّامٍ.
وَقَالَ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ: إنْ شَاءَ اعْتَمَرَ فِي كُلِّ شَهْرٍ. وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: يُسْتَحَبُّ الْإِكْثَارُ مِنْ الِاعْتِمَارِ. وَأَقْوَالُ السَّلَفِ وَأَحْوَالُهُمْ تَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَاهُ؛ وَلِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَصْحَابَهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُمْ الْمُوَالَاةُ بَيْنَهُمَا، وَإِنَّمَا نُقِلَ عَنْهُمْ إنْكَارُ ذَلِكَ، وَالْحَقُّ فِي اتِّبَاعِهِمْ. اهـ. (١)
مسألة [٥]: هل تجزئ عمرة التمتع والقِرَان عن العمرة الواجبة عند من أوجبها ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٥/ ١٥): وَتُجْزِئُ عُمْرَةُ الْمُتَمَتِّعَ، وَعُمْرَةُ الْقَارِنِ، وَالْعُمْرَةُ مِنْ أَدْنَى الْحِلِّ عَنْ الْعُمْرَةِ الْوَاجِبَةِ، وَلَا نَعْلَمُ فِي إجْزَاءِ عُمْرَةِ التَّمَتُّعِ خِلَافًا، كَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عُمَرَ، وَعَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ، وَمُجَاهِدٌ، وَلَا نَعْلَمُ عَنْ غَيْرِهِمْ خِلَافَهُمْ. اهـ
ثم نقل روايةً عن أحمد بأنَّ عمرة القارن لا تجزئ عن العمرة الواجبة؛ لحديث عائشة أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أعمرها من التنعيم، ثم صوَّب ابن قدامة أنها تجزئ، واستدل على ذلك بحديث الصبي بن معبد.
قال ﵀: ولنا قول الصبي بن معبد: إنِّي وَجَدْت الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ مَكْتُوبَيْنِ
стр. 2339
عَلَيَّ، فَأَهْلَلْت بِهِمَا جَمِيْعًا. فَقَالَ عُمَرُ: هُدِيت لِسُنَّةِ نَبِيِّك. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَحْرَمَ بِهِمَا يَعْتَقِدُ أَدَاءَ مَا كَتَبَهُ اللهُ عَلَيْهِ مِنْهُمَا، وَالْخُرُوجَ عَنْ عُهْدَتِهِمَا، فَصَوَّبَهُ عُمَرُ، وَقَالَ: هُدِيت لِسُنَّةِ نَبِيِّك. وَحَدِيْثُ عَائِشَة ﵂، إِنَّمَا أَعْمَرَهَا مِنَ التَّنْعِيْمِ قَصْدًا لِتطْيِيبِ قلْبِهَا، وَإِجَابَةِ مَسْأَلَتِهَا، لَا لِأَنَّها كَانَتْ وَاجِبَةً عَلَيْهَا. انتهى المراد. (١)
مسألة [٦]: حكم العمرة المفردة التي تؤدى بعد الحج ؟
في «الصحيحين» عن عائشة ﵂، قالت: يا رسول الله يصدر الناس بنسكين، وأصدر بنسك، فقيل لها: انتظري فإذا طهرت، فاخرجي إلى التنعيم، فأهلي ثم ائتينا بمكان كذا ولكنها على قدر نفقتك أو نصبك.
وأسند ابن أبي شيبة (١٣١٧٩) بإسنادٍ صحيحٍ عن عائشة ﵂، أنها كانت تعتمر في آخر ذي الحجة.
وأخرج بإسنادٍ صحيح عن سعيد بن جبير، أنه سئل عن العمرة بعد الحج بستة أيام؟ فقال: اعتمر إن شئت.
وأخرج أيضًا عن عمر ﵁، أنه سئل عن العمرة بعد الحج؛ فقال: هي خير من لا شيء. وفي إسناده ليث بن أبي سليم، وهو ضعيف مختلط، وهو من طريق مجاهد عن عمر، ولم يدركه.
وأخرج أيضًا عن علي ﵁، أنه قال: هي خير من مثقال ذرة. وفي إسناده ليث ابن أبي سليم، وهو ضعيف مختلط.
стр. 2340
وأخرج أيضًا عن جابر ﵁، أنه لم ير بها بأسًا، وقال: ليس فيها هدي. وهو من طريق ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر به.
وإسناده ضعيف؛ لأن ابن جريج، وأبا الزبير مدلسان، ولم يصرحا بالسماع.
وأسند ابن أبي شيبة (١٣١٨٢) عن ابن عمر بإسنادٍ صحيحٍ، أنه سئل عن العمرة بعد الحج، فقال: إن أناسا يفعلون ذلك، ولأن أعتمر في غير ذي الحجة، أحب إلي من أن أعتمر في ذي الحجة. وأسند عن عطاء وطاوس ومجاهد كراهة ذلك. (١)
قال أبو عبد الله غفر الله له: لم يفعل ذلك الصحابة في عهده ﵊؛ سوى عائشة لما شكت من رجوع الناس بنسكين، ورجوعها بنسك؛ فأذن لها النبي ﷺ ، وعلى هذا فالأقرب أنه مشروع.
والأفضل في العمرة أن تكون بسفر خاص بها، وأما تكرار العمرة من التنعيم في كل يوم، أو في كل يومين، أو في كل أسبوع؛ فهذا العمل ليس منه السنة، ولم يعمله النبي ﷺ ، وأصحابه.
مسألة [٧]: هل وجوب الحج على الفور، أم على التراخي ؟
• في المسألة قولان:
الاول: أنَّ وجوبه على الفور في عامِهِ الذي استطاع فيه الحج، وهذا مذهب أحمد، ومالك، وأبي يوسف، والمزني، والحنفية، والظاهرية.
واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ
стр. 2341
سَبِيلًا﴾ [آل عمران:٩٧]، والأمر يقتضي الفور؛ مالم يقترن بقرينة تدلُّ على التراخي على الأصح في علم الأصول.
وبقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «من أراد الحج فليتعجَّل»، وهو حديث حسن بطريقيه، أخرجه أحمد (١/ ٢١٤، ٢٢٥)، وأبو داود (١٧٣٢)، وابن ماجه (٢٨٨٣)، والدارمي (١٧٨٤)، والحاكم (١/ ٤٤٨)، والبيهقي (٤/ ٣٣٩ - ) عن ابن عباس ﵄.
قال ابن قدامة ﵀: وَلِأَنَّهُ أَحَدُ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ، فَكَانَ وَاجِبًا عَلَى الْفَوْرِ، كَالصِّيَامِ، وَلِأَنَّ وُجُوبَهُ بِصِفَةِ التَّوَسُّعِ يُخْرِجُهُ عَنْ رُتْبَةِ الْوَاجِبَاتِ؛ لِأَنَّهُ يُؤَخَّرُ إلَى غَيْرِ غَايَةٍ وَلَا يَأْثَمُ بِالمَوْتِ قَبْلَ فِعْلِهِ؛ لِكَوْنِهِ فَعَلَ مَا يَجُوزُ لَهُ فِعْلُهُ وَلَيْسَ عَلَى المَوْتِ أَمَارَةٌ يَقْدِرُ بَعْدَهَا عَلَى فِعْلِهِ. اهـ
الثاني: أنَّ وجوبه موسعٌ وله تأخيره، وهو قول الشافعي وأصحابه، والأوزاعي، والثوري، ومحمد بن الحسن، وهو قول بعض الحنابلة. واستدلوا على ذلك بأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- حجَّ في السنة العاشرة، وقالوا: وجوب الحج كان في السنة السادسة؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٩٦]، وهذه الآية نزلت في السنة السادسة؛ لأنها نزلت في كعب بن عجرة يوم الحديبية، وكذلك حج بالناس في السنة التاسعة أبو بكر ﵁.
قال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول أقرب، والله أعلم.
وقد أجاب الإمام ابن عثيمين ﵀ على أدلتهم فقال: وأما الاستدلال بقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ فغير صحيح؛ لأنَّ هذا ليس أمرًا بهما ابتداءً، ولكنه
стр. 2342
أمرٌ بالإتمام بهما، وفرق بين الابتداء والإتمام، وأما فرض الحج فالصواب أنه في السنة التاسعة، ولم يفرضه الله تعالى قبل ذلك؛ لأنَّ فرضه قبل ذلك ينافي الحكمة، وذلك أنَّ قريشًا منعت الرسول -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- من العمرة، فمن الممكن والمتوقع أن تمنعه من الحج، ومكة قبل الفتح بلاد كفر، ولكن تحررت من الكفر بعد الفتح، وصار إيجاب الحج على الناس موافقًا للحكمة، والدليل على أنَّ الحج فُرِض في السنة التاسعة أنَّ آية وجوب الحج في صدر سورة آل عمران، وصدر هذه السورة نزلت عام الوفود. اهـ
ثم ذكر أن سبب تأخيره عن السنة التاسعة أنَّ الوفود كثرت عليه في تلك السنة؛ ولذلك تُسَمَّى السنة التاسعة: عام الوفود، ولا شك أنَّ استقبال المسلمين الذين جاءوا إلى رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-؛ ليتفقهوا في دينهم أمرٌ مهم، بل قد نقول: إنه واجبٌ على الرسول -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-؛ ليبلغ الناس.
ثم ذكر من الأسباب أيضًا: احتمال أنه أرد تطهير البيت من المشركين والعرايا في ذلك العام الذي حج فيه أبو بكر.
قال ابن قدامة ﵀: ويحتمل أنه أخره بأمر الله تعالى؛ لتكون حجته حجة الوداع في السنة التي استدار فيها الزمان كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، ويصادف وقفته الجمعة، ويكمل الله دينه. اهـ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين مع تقديم
بعض المسائل المتعلقة بالباب
مسألة [١]: شروط وجوب الحج .
الشرط الأول: الإسلام.
قال ابن قدامة ﵀: وأما الكافر فغير مخاطبٍ بفروع الدين خطابًا يُلزِمه أداءً، ولا يوجب قضاء. اهـ
قال النووي ﵀: فالكافر الأصلي لا يُطالب بفعله في الدنيا بلا خلاف، سواء الحربي، والذِّمِّي، والكتابي، والوثني، والمرأة، والرجل، وهذا لا خلاف فيه، فإذا استطاع في حال كفره ثم أسلم وهو معسر لم يلزمه الحج؛ إلا أن يستطيع بعد ذلك؛ لأنَّ الاستطاعة في الكفر لا أثر لها. اهـ
وهذا الشرط لا خلاف فيه إذا كان الكافر أصليًّا، ذكره النووي، وابن قدامة.
وقال صاحب «الإنصاف» (٣/ ٣٥١): إنْ كان الكافر أصليًّا؛ لم يجب عليه إجماعًا. اهـ
وقال ابن حزمٍ ﵀: إجماعٌ مُتَيَقَّن. اهـ
وأما الكافر المرتد فاختلفوا فيه، والأصح عند الشافعية: أنَّ الوجوب يتعلق بذمته إذا استطاع أثناء ردته، وهو وجهٌ عند الحنابلة، والوجه الثاني عند الحنابلة: أنَّ الوجوب لا يتعلق بذمته إذا استطاع أثناء ردته، وهذا الوجه هو مقتضى مذهب الظاهرية، ومالك، وأبي حنيفة، كما تقدم في الصلاة. وهذا القول أقرب؛ لأنه
стр. 2345
كافر، ولا دليل على التفريق بين الأصلي والمرتد.
الشرط الثاني: العقل.
لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «رُفع القلم عن ثلاثة ... » (١)، وذكر منهم: «المجنون حتى يعقل».
قال النووي ﵀ في «المجموع» (٧/ ٢٠): وأجمعت الأمة على أنه لا يجب الحج على المجنون. اهـ
قال صاحب «الإنصاف» (٣/ ٣٥١): لا يجب الحج على المجنون إجماعًا. اهـ
الشرط الثالث: البلوغ.
لحديث: «رُفع القلم عن ثلاثة ... »، ومنهم: «الصبي حتى يبلغ»، قال ابن قدامة ﵀ (٥/ ٦): لا نعلم في هذا اختلافًا. اهـ
الشرط الرابع: الحرية.
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٥/ ٦): وأما العبد فلا يجب عليه؛ لأنه عبادة تطول مدتها، وتتعلق بقطع مسافة، وتشترط لها الاستطاعة بالزاد، والراحلة، ويضيع حقوق سيده المتعلقة به؛ فلم يجب عليه كالجهاد. وقال: ولا نعلم في هذا اختلافًا. اهـ
وقال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٧/ ٤٣): أجمعت الأمة على أنَّ العبد لا يلزمه الحج؛ لأنَّ منافعه مستحقة لسيده، فليس هو مستطيعًا. انتهى المراد.
قلتُ: خالف ابن حزمٍ فأوجبه على العبد إنِ استطاع كما في «المحلَّى» (٨١١).
стр. 2346
الشرط الخامس: الاستطاعة.
الاستطاعة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران:٩٧].
قال ابن قدامة ﵀: لا نعلم فيه اختلافًا.
وقال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٧/ ٦٣): الاستطاعة شرطٌ لوجوب الحج بإجماع المسلمين. اهـ
تنبيه: الشرط الأول والثاني شرطٌ للوجوب والصحة، والشرط الثالث شرطٌ للوجوب والإجزاء، وليس شرطًا للصحة، والشرط الرابع شرطٌ للوجوب فقط، وقال الجمهور: شرطٌ للإجزاء أيضًا. والشرط الخامس شرطٌ للوجوب فقط.
تنبيه آخر: إن ارتد، أو جُنَّ بعد أن استطاع وتمكن من الحج؛ فإنَّ ذلك لا يسقط من ذمته، بل عليه الحج إذا أسلم، أو أفاق من جنونه، على الصحيح من قولي أهل العلم. (١)
مسألة [٢]: ما ضابط الاستطاعة المشترطة ؟
• في هذه المسألة أقوال:
القول الأول: الصحة وقوة الجسم، وهو قول عكرمة ومالك.
القول الثاني: الاستطاعة هي الزاد والراحلة، وبه قال الحسن، ومجاهد،
стр. 2347
وسعيد بن جبير، وأحمد، والشافعي، وإسحاق. قال الترمذي: العمل عليه عند أهل العلم. واستدلوا بحديث أنس ﵁ الذي في الباب.
القول الثالث: استطاعة كل إنسان بحسبه، فبعضهم لا يحتاج إلى راحلة، ويستطيع أن يمشي بدون مشقة، وبعضهم لا يحتاج إلى زاد؛ لاستغنائه بتجارة، أو عمل يوافقه في الطريق، فيكون في حكم من تزود، وبعضهم عنده الزاد والراحلة، وليس عنده القدرة على الذهاب؛ فيجب عليه أن ينوب غيره.
قال ابن حزم ﵀ في «المحلى» (٨١٥): واستطاعة السبيل الذي يجب به الحج إِمَّا صحةُ الجسم والطاقة على المشي والتكسب من عمل أو تجارة ما يبلغ به إلى الحج ويرجع إلى موضع عيشه أو أهله، وإما مال يُمَكِّنُه من ركوب البحر أو البر، والعيش منه حتى يبلغ مكة ويرده إلى موضع عيشه أو أهله، وإن لم يكن صحيح الجسم؛ إلا أنه لا مشقة عليه في السفر برًّا أو بحرًا، وإما أن يكون له من يطيعه؛ فيحج عنه ويعتمر بأجرة أو بغير أجرة إن كان هو لا يقدر على النهوض لا راكبًا ولا راجلًا، فأي هذه الوجوه أمكنت الإنسان المسلم العاقل البالغ؛ فالحج والعمرة فرضٌ عليه، ومن عجز عن جميعها؛ فلا حج عليه ولا عمرة. اهـ
ثم نقل ابن حزمٍ ﵀ (٧/ ٥٤) عن ابن عباس، وابن الزبير ﵃، ما يدل على هذا القول، ولكن بإسنادين ضعيفين، ثم قال: وهو أحد قولي عطاء. اهـ
قال أبو عبد الله غفر الله له: وهو قول بعض الحنابلة، وهذا القول هو الصواب؛ لأنَّ حديث الباب لم يثبت، ولأنه يشمله قوله تعالى: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ
стр. 2348
سَبِيلًا﴾، والله أعلم. (١)
مسألة [٣]: ضابط الزاد الذي يشترط القدرة عليه .
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٥/ ١١): هُوَ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي ذَهَابِهِ وَرُجُوعِهِ مِنْ مَأْكُولٍ، وَمَشْرُوبٍ، وَكُسْوَةٍ؛ فَإِنْ كَانَ يَمْلِكُهُ، أَوْ وَجَدَهُ يُبَاعُ بِثَمَنِ الْمِثْلِ فِي الْغَلَاءِ وَالرُّخْصِ، أَوْ بِزِيَادَةٍ يَسِيرَةٍ لَا تُجْحِفُ بِمَالِهِ، لَزِمَهُ شِرَاؤُهُ، وَإِنْ كَانَتْ تُجْحِفُ بِمَالِهِ، لَمْ يَلْزَمْهُ. اهـ
وقال ﵀ (٥/ ١١ - ١٢): وَيُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَ هَذَا فَاضِلًا عَمَّا يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِنَفَقَةِ عِيَالِهِ الَّذِينَ تَلْزَمُهُ مَئُونَتُهُمْ، فِي مُضِيِّهِ وَرُجُوعِهِ؛ لِأَنَّ النَّفَقَةَ مُتَعَلِّقَةٌ بِحُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ، وَهُمْ أَحْوَجُ، وَحَقُّهُمْ آكَدُ، وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الله بْنُ عَمْرٍو، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «كَفَى بِالْمَرْءِ إثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ» (٢). اهـ. (٣)
مسألة [٤]: من استطاع التزود ولكن عليه دين ؟
• ذكر كثيرٌ من أهل العلم أنه لا يجب عليه الحج؛ لأنه غير مستطيع، والمال الذي في حوزته يحتاجه في قضاء دينه، وسواء كان الدين حالًا أو مؤجلًا.
• وذهب بعض أهل العلم إلى وجوب الحج إذا كان الدين مؤجلًا أجلًا لا
стр. 2349
ينقضي إلا بعد رجوعه من الحج. ورجَّح الإمام ابن عثيمين ﵀ القول الأول. (١)
مسألة [٥]: من كان له عقار من أرض أو دار ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٥/ ١٢): وَمَنْ لَهُ عَقَارٌ يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِسُكْنَاهُ، أَوْ سُكْنَى عِيَالِهِ، أَوْ يَحْتَاجُهُ إلَى أُجْرَتِهِ لِنَفَقَةِ نَفْسِهِ أَوْ عِيَالِهِ، أَوْ بِضَاعَةٌ مَتَى نَقَصَهَا اخْتَلَّ رِبْحُهَا فَلَمْ يَكْفِهِمْ، أَوْ سَائِمَةٌ يَحْتَاجُونَ إلَيْهَا؛ لَمْ يَلْزَمْهُ الْحَجُّ، وَإِنْ كَانَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ فَاضِلٌ عَنْ حَاجَتِهِ؛ لَزِمَهُ بَيْعُهُ فِي الْحَجِّ. اهـ
مسألة [٦]: هل يدخل في الاستطاعة المشترطة أمن الطريق ؟
• ذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنَّ أمن الطريق شرطٌ في وجوب الحج؛ لأنه إن كان يخشى على نفسه، أو ماله؛ فهو غير مستطيع، وقال تعالى: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾، وهو قول الشافعي، وأبي حنيفة، وأحمد في رواية، وقال به بعض أصحابه.
• وذهب أحمد في رواية -وهو قول بعض أصحابه- إلى أنَّ تخلية الطريق ليس شرطًا لوجوب الحج، بل هو شرط للزوم السعي، فلو استطاع الحج ولكن الطريق ليست آمنة، فيبقى الحج في ذمته.
والأقرب هو القول الأول، والله أعلم. (٢)
стр. 2350
مسألة [٧]: هل يدخل في الاستطاعة المشترطة إمكان الوصول قبل فوات الحج ؟
• ذهب كثيرٌ من أهل العلم إلى أنَّ إمكان السير يدخل في الاستطاعة المشترطة؛ لأنه إن استطاع الحج في وقتٍ لا يدركه؛ فهو في حكم عدم المستطيع، وهو قول الشافعي، وأبي حنيفة، ورواية عن أحمد، وهو قول بعض أصحابه، وقال به ابن حزم.
• وذهب أحمد في رواية وهو قول بعض أصحابه إلى أنَّ إمكان السير ليس شرطًا لوجوب الحج، بل هوشرطٌ للزوم السَّعي، فلو استطاع الحج في وقتٍ لا يدركه؛ لزمه الحج، ويبقى في ذمته.
والصواب هو القول الأول، والله أعلم. (١)