الشرط الخامس: الاستطاعة.
الاستطاعة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران:٩٧].
قال ابن قدامة ﵀: لا نعلم فيه اختلافًا.
وقال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٧/ ٦٣): الاستطاعة شرطٌ لوجوب الحج بإجماع المسلمين. اهـ
تنبيه: الشرط الأول والثاني شرطٌ للوجوب والصحة، والشرط الثالث شرطٌ للوجوب والإجزاء، وليس شرطًا للصحة، والشرط الرابع شرطٌ للوجوب فقط، وقال الجمهور: شرطٌ للإجزاء أيضًا. والشرط الخامس شرطٌ للوجوب فقط.
تنبيه آخر: إن ارتد، أو جُنَّ بعد أن استطاع وتمكن من الحج؛ فإنَّ ذلك لا يسقط من ذمته، بل عليه الحج إذا أسلم، أو أفاق من جنونه، على الصحيح من قولي أهل العلم. (١)
مسألة [٢]: ما ضابط الاستطاعة المشترطة ؟
• في هذه المسألة أقوال:
القول الأول: الصحة وقوة الجسم، وهو قول عكرمة ومالك.
القول الثاني: الاستطاعة هي الزاد والراحلة، وبه قال الحسن، ومجاهد،
стр. 2347
وسعيد بن جبير، وأحمد، والشافعي، وإسحاق. قال الترمذي: العمل عليه عند أهل العلم. واستدلوا بحديث أنس ﵁ الذي في الباب.
القول الثالث: استطاعة كل إنسان بحسبه، فبعضهم لا يحتاج إلى راحلة، ويستطيع أن يمشي بدون مشقة، وبعضهم لا يحتاج إلى زاد؛ لاستغنائه بتجارة، أو عمل يوافقه في الطريق، فيكون في حكم من تزود، وبعضهم عنده الزاد والراحلة، وليس عنده القدرة على الذهاب؛ فيجب عليه أن ينوب غيره.
قال ابن حزم ﵀ في «المحلى» (٨١٥): واستطاعة السبيل الذي يجب به الحج إِمَّا صحةُ الجسم والطاقة على المشي والتكسب من عمل أو تجارة ما يبلغ به إلى الحج ويرجع إلى موضع عيشه أو أهله، وإما مال يُمَكِّنُه من ركوب البحر أو البر، والعيش منه حتى يبلغ مكة ويرده إلى موضع عيشه أو أهله، وإن لم يكن صحيح الجسم؛ إلا أنه لا مشقة عليه في السفر برًّا أو بحرًا، وإما أن يكون له من يطيعه؛ فيحج عنه ويعتمر بأجرة أو بغير أجرة إن كان هو لا يقدر على النهوض لا راكبًا ولا راجلًا، فأي هذه الوجوه أمكنت الإنسان المسلم العاقل البالغ؛ فالحج والعمرة فرضٌ عليه، ومن عجز عن جميعها؛ فلا حج عليه ولا عمرة. اهـ
ثم نقل ابن حزمٍ ﵀ (٧/ ٥٤) عن ابن عباس، وابن الزبير ﵃، ما يدل على هذا القول، ولكن بإسنادين ضعيفين، ثم قال: وهو أحد قولي عطاء. اهـ
قال أبو عبد الله غفر الله له: وهو قول بعض الحنابلة، وهذا القول هو الصواب؛ لأنَّ حديث الباب لم يثبت، ولأنه يشمله قوله تعالى: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ
стр. 2348
سَبِيلًا﴾، والله أعلم. (١)
مسألة [٣]: ضابط الزاد الذي يشترط القدرة عليه .
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٥/ ١١): هُوَ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي ذَهَابِهِ وَرُجُوعِهِ مِنْ مَأْكُولٍ، وَمَشْرُوبٍ، وَكُسْوَةٍ؛ فَإِنْ كَانَ يَمْلِكُهُ، أَوْ وَجَدَهُ يُبَاعُ بِثَمَنِ الْمِثْلِ فِي الْغَلَاءِ وَالرُّخْصِ، أَوْ بِزِيَادَةٍ يَسِيرَةٍ لَا تُجْحِفُ بِمَالِهِ، لَزِمَهُ شِرَاؤُهُ، وَإِنْ كَانَتْ تُجْحِفُ بِمَالِهِ، لَمْ يَلْزَمْهُ. اهـ
وقال ﵀ (٥/ ١١ - ١٢): وَيُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَ هَذَا فَاضِلًا عَمَّا يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِنَفَقَةِ عِيَالِهِ الَّذِينَ تَلْزَمُهُ مَئُونَتُهُمْ، فِي مُضِيِّهِ وَرُجُوعِهِ؛ لِأَنَّ النَّفَقَةَ مُتَعَلِّقَةٌ بِحُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ، وَهُمْ أَحْوَجُ، وَحَقُّهُمْ آكَدُ، وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الله بْنُ عَمْرٍو، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «كَفَى بِالْمَرْءِ إثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ» (٢). اهـ. (٣)
مسألة [٤]: من استطاع التزود ولكن عليه دين ؟
• ذكر كثيرٌ من أهل العلم أنه لا يجب عليه الحج؛ لأنه غير مستطيع، والمال الذي في حوزته يحتاجه في قضاء دينه، وسواء كان الدين حالًا أو مؤجلًا.
• وذهب بعض أهل العلم إلى وجوب الحج إذا كان الدين مؤجلًا أجلًا لا
стр. 2349
ينقضي إلا بعد رجوعه من الحج. ورجَّح الإمام ابن عثيمين ﵀ القول الأول. (١)
مسألة [٥]: من كان له عقار من أرض أو دار ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٥/ ١٢): وَمَنْ لَهُ عَقَارٌ يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِسُكْنَاهُ، أَوْ سُكْنَى عِيَالِهِ، أَوْ يَحْتَاجُهُ إلَى أُجْرَتِهِ لِنَفَقَةِ نَفْسِهِ أَوْ عِيَالِهِ، أَوْ بِضَاعَةٌ مَتَى نَقَصَهَا اخْتَلَّ رِبْحُهَا فَلَمْ يَكْفِهِمْ، أَوْ سَائِمَةٌ يَحْتَاجُونَ إلَيْهَا؛ لَمْ يَلْزَمْهُ الْحَجُّ، وَإِنْ كَانَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ فَاضِلٌ عَنْ حَاجَتِهِ؛ لَزِمَهُ بَيْعُهُ فِي الْحَجِّ. اهـ
مسألة [٦]: هل يدخل في الاستطاعة المشترطة أمن الطريق ؟
• ذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنَّ أمن الطريق شرطٌ في وجوب الحج؛ لأنه إن كان يخشى على نفسه، أو ماله؛ فهو غير مستطيع، وقال تعالى: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾، وهو قول الشافعي، وأبي حنيفة، وأحمد في رواية، وقال به بعض أصحابه.
• وذهب أحمد في رواية -وهو قول بعض أصحابه- إلى أنَّ تخلية الطريق ليس شرطًا لوجوب الحج، بل هو شرط للزوم السعي، فلو استطاع الحج ولكن الطريق ليست آمنة، فيبقى الحج في ذمته.
والأقرب هو القول الأول، والله أعلم. (٢)
стр. 2350
مسألة [٧]: هل يدخل في الاستطاعة المشترطة إمكان الوصول قبل فوات الحج ؟
• ذهب كثيرٌ من أهل العلم إلى أنَّ إمكان السير يدخل في الاستطاعة المشترطة؛ لأنه إن استطاع الحج في وقتٍ لا يدركه؛ فهو في حكم عدم المستطيع، وهو قول الشافعي، وأبي حنيفة، ورواية عن أحمد، وهو قول بعض أصحابه، وقال به ابن حزم.
• وذهب أحمد في رواية وهو قول بعض أصحابه إلى أنَّ إمكان السير ليس شرطًا لوجوب الحج، بل هوشرطٌ للزوم السَّعي، فلو استطاع الحج في وقتٍ لا يدركه؛ لزمه الحج، ويبقى في ذمته.
والصواب هو القول الأول، والله أعلم. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: حج الصبي .
• ذهب عامَّةُ أهل العلم إلى مشروعية الحج بالصبيان، واستدلوا بحديث الباب، وبحديث السائب بن يزيد ﵁ في «البخاري» (١٨٥٨) قال: حُجَّ بي مع النبي ﷺ ، وأنا ابن سبع سنين.
وذكر القاضي عياض أنه لم يخالف في ذلك إلا بعض أهل البدع، ونقله عنه النووي، ثم الشوكاني. (١)
مسألة [٢]: كيفية الإحرام وأفعال الحج .
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٥/ ٥٠): إن كان مميزًا أحرم بإذن وليه، وإن كان غير مميز أحرم عنه وليه، فيصير محرمًا بذلك، وبه قال مالك، والشافعي، ورُوي عن عطاء والنخعي، وقال أبو حنيفة: لا ينعقد إحرام الصبي، ولا يصير محرمًا بإحرام وليه. انتهى المراد.
ومعنى قول أبي حنيفة: أنَّ للصبي أن يحج، ولكنه ليس مُلْزِمًا له بشيء، حتى وإن فعل بعض المحظورات، بل هو للتدريب. وهذا قول ابن حزم أيضًا.
بينما ذهب الجمهور إلى أنَّ الولي يلزمه أن يجنب الصبي محظورات الإحرام، وإذا فعل ما يلزمه الفدية وجب على الولي عند أكثرهم، وقال بعضهم: يجب في مال الصبي.
وقال ابن قدامة ﵀ (٥/ ٥٢): كل ما أمكنه فعله بنفسه؛ لزمه فعله، ولا ينوب غيره عنه فيه، كالوقوف، والمبيت بمزدلفة، ونحوهما، وما عجز عنه عمله الولي عنه، قال ابن المنذر: كل من حفظت عنه من أهل العلم يرى الرَّمي عن الصبي الذي لا يقدر على الرمي .. ، وأما الطواف؛ فإنْ أمكنه المشي مشى، وإلا طِيْفَ به محمولًا، أو راكبًا. انتهى باختصار.
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: الإنابة في الحج للعاجز عن الحج بنفسه .
دلَّ حديث الباب على أنَّ من كان مستطيعًا الحج بالزاد والراحلة، ولم يكن مستطيعًا بنفسه أنه يجب عليه أن ينوب غيره بالحج، وهذا قول جمهور العلماء.
• وخالف مالك فقال: لا يجب عليه الحج؛ لأنه غير مستطيع، وأجاب عن الحديث بأنَّ المرأة فعلت ذلك تطوعًا منها لأبيها، وقال: ليس في الحديث إيجاب الإنابة.
وأجاب عليه الجمهور: بأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أقرَّ المرأة بقولها: فريضة الله أدركت أبي. فكانت تسأل: أيجزئ أن تؤدي عن أبيها هذه الفريضة؟ ويؤيد ذلك رواية مسلم: إنَّ أبي شيخ كبير عليه فريضة الله في الحج.
والصواب هو قول الجمهور، والله أعلم. (١)
مسألة [٢]: إذا نوَّبَ العاجزُ غيره ثم أطاق الحج بعد ذلك ؟
• ذهب الشافعي، وأبو حنيفة وأصحابهما وعزاه الحافظ للجمهور أنَّ ذلك الحج لا يجزئه عن حجة الإسلام، ويجب عليه أن يحج حجةً أخرى؛ لأنه تبين أنه لم يكن ميؤوسًا منه.
• وذهب أحمد، وإسحاق، والظاهرية إلى أنه تُجْزِئه تلك الحجة عن حجة الإسلام؛ لأنه قد فعل ما يستطيعه في ذلك الحال.
قال ابن حزمٍ ﵀: ولو كان ذلك عائدًا؛ لبيَّنَ ﵇، إذ قد يقوى الشيخ فيطيق الركوب؛ فإذ لم يخبر النبي ﷺ بذلك؛ فلا يجوز عودة الفرض عليه بعد صحة تأديته عنه. اهـ
وهذا القول أقرب، وهو اختيار الشيخ ابن عثيمين ﵀. (٢)
مسألة [٣]: هل يجوز لمن يستطيع الحج بنفسه أن يُنيب غيره ؟
قال الحافظ ابن حجر ﵀: ونقل ابن المنذر وغيره الإجماع على أنه لا يجوز أن يستنيب من يقدر على الحج بنفسه في الحج الواجب، وأما النفل فيجوز عند أبي حنيفة خلافًا للشافعي، وعن أحمد روايتان. اهـ
قلتُ: والصواب أنه لا يجوز أن يُنيب غيره حتى في النفل؛ لعدم وجود دليل على ذلك. (٣)
стр. 2355
مسألة [٤]: المريض مرضًا غير مأيوس من شفائه هل له أن يُنيب غيره ؟
• ذهب جمهور العلماء إلى أنه لا ينيب غيره؛ لعدم وجود دليل على ذلك.
• وخالف أبو حنيفة، فقال: له أن ينيب غيره.
والصواب قول الجمهور. (١)
مسألة [٥]: الأعمى والمقعد هل يُنَوِّبان غيرهما ؟
• ذهب أبو حنيفة في الأصح عنه إلى أنهما لا يلزمهما أن يحجا بأنفسهما، بل ينوِّبان غيرهما.
• وذهب جمهور العلماء، ومنهم: الشافعي، وأحمد، وأبو يوسف، ومحمد، والظاهرية إلى أنه إن كان هناك من يعينه بلا مشقة شديدة عليه؛ وجب عليه أن يحج بنفسه، وإن لم؛ فينوب غيره. وهذا القول هو الصواب، والله أعلم. (٢)
مسألة [٦]: إنابة الرجل عن المرأة والعكس .
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٥/ ٢٧): يَجُوزُ أَنْ يَنُوبَ الرَّجُلُ عَنْ الرَّجُلِ وَالمَرْأَةِ، وَالمَرْأَةُ عَنْ الرَّجُلِ وَالمَرْأَةِ فِي الْحَجِّ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ لَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا إلَّا الْحَسَنَ بْنَ صَالِحٍ؛ فَإِنَّهُ كَرِهَ حَجَّ الْمَرْأَةِ عَنْ الرَّجُلِ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: هَذِهِ غَفْلَةٌ عَنْ ظَاهِرِ السُّنَّةِ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ المَرْأَةَ أَنْ تَحُجَّ عَنْ أَبِيهَا. اهـ. (٣)
٦٩٩ - وَعَنْهُ ﵁، أَنَّ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ جَاءَتْ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ: إنَّ أُمِّي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ، فَلَمْ تَحُجَّ حَتَّى مَاتَتْ، أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ قَالَ: «نَعَمْ، حُجِّي عَنْهَا، أَرَأَيْت لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ، أَكُنْتِ قَاضِيَتَهُ؟ اقْضُوا اللهَ؛ فَاللهُ أَحَقُّ بِالوَفَاءِ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ. (٤)
стр. 2356
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: من مات وعليه حجٌّ واجبٌ .
• من مات وعليه حجٌّ واجب؛ وجَبَ أن يُحَجَّ عنه من ماله كاملًا، وهو قول الحسن، وعطاء، وطاوس، وأحمد، والشافعي، والظاهرية، وعزاه ابن حزم للجمهور.
واستدلوا بحديث الباب، وبحديث ابن عباس ﵄، عند النسائي (٥/ ١١٦ - ١١٧) بإسناد صحيح أنَّ امرأة سألت النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عن أبيها مات ولم يحجَّ؟ قال: «حُجِّي عن أبيك»، وبقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء:١١]، ودين الله أحقُّ بالوفاء.
• وذهب مالك، وأبو حنيفة إلى أنه يسقط عنه؛ إلا أن يوصي به فيخرج من الثلث، ورُوي عن الشعبي، والنخعي؛ لأنه عبادة بدنية، فتسقط بالموت كالصلاة.
قال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب القول الأول، وهو عبادة تدخله النيابة؛ فلم يسقط، بخلاف الصلاة، ورجَّح هذا القول الإمام ابن باز، والإمام العثيمين رحمة الله عليهما. (١)
مسألة [٢]: هل يجوز أن يحج عن الميت حج تطوع ؟
• أما إذا أوصى الميت بذلك فذهب أكثر الفقهاء إلى أنه يحج عنه، وهو مذهب مالك، وأحمد، وأبي حنيفة، والأصح عند الشافعية.
• وعند الشافعية وجهٌ بعدم ذلك.
• وأما إذا لم يوص فلا خلاف عند الشافعية في المنع من ذلك، وكره ذلك مالك، وإن فعل صح ذلك عنده.
• ومذهب أحمد وأبي حنيفة: جواز الإهداء في ثواب جميع العبادات البدنية.
قال أبو عبد الله غفر الله له: الحج عبادة بدنية ومالية؛ فيجوز فيها النيابة، وإن كان تطوعًا، وكما جاز لو وصى؛ فيجوز إذا لم يوصِّ بذلك، والله أعلم. (٢)
مسألة [٣]: من أناب غيره بالحج، فمن أين يحج عنه ؟
• هذه المسألة فيها أقوال:
الأول: من بلده، أو الموضع الذي أيسر فيه، وهو قول الحسن، وأحمد،
стр. 2357
وإسحاق، ومالك في النذر؛ لأنه يجب على العاجز أو الميت من ذلك المكان؛ فوجب أن يُناب عنه منه.
الثاني: قال عطاء في الناذر: إن لم يكن نوى مكانًا؛ فمن ميقاته، واختاره ابن المنذر.
الثالث: قال الشافعي: يستأجر من يحج عنه من الميقات؛ لأنَّ الإحرام لا يجب من دونه.
قلتُ: وهذا القول هو الصواب -أعني قول الشافعي- ولا يشترط أن يكون من نفس ميقات الميت، بل ينوبه من ميقات البلدة التي يقيم بها النائب، وهو ترجيح الإمام ابن عثيمين -رحمه الله تعالى-. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: هل يجزئ الصبي حَجُّهُ عن حجة الإسلام ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٥/ ٤٤): قَالَ ابْنُ المُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ، إلَّا مَنْ شَذَّ عَنْهُمْ مِمَّنْ لَا يُعْتَدُّ بِقَوْلِهِ خِلَافًا عَلَى أَنَّ الصَّبِيَّ إذَا حَجَّ فِي حَالِ
стр. 2360
صِغَرِهِ، ثُمَّ بَلَغَ أَنَّ عَلَيْه حَجَّةَ الْإِسْلَامِ.
ثم قال ﵀: كَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَعَطَاءٌ، وَالْحَسَنُ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَقَدْ أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَيْهِ. اهـ
قال أبو عبد الله غفر الله له: السبب في ذلك أنه غير مكلف؛ فيكون الحج في حقِّه تطوعًا، والله أعلم.
مسألة [٢]: هل يجزئ العبد حجُّه عن حجَّةِ الإسلام ؟
• ذهب من تقدم ذكرهم في المسألة السابقة إلى أنَّ العبد لا يجزئه حجُّه عن حجة الإسلام، بل عليه إذا أُعتِق أن يحج حجة أخرى.
• وقد خالف ابن حزم ﵀ في هذه المسألة، فقال بإجزائه عن العبد؛ لأنه مكلَّفٌ بالغٌ، فيقع منه ذلك عن حجة الإسلام، ونقله عن القاسم بن محمد، ومجاهد، وسليمان بن يسار، ونصوصهم فيما إذا أذن له السيد، وأما إذا لم يأذن له السيد فظاهر كلام ابن حزم أنه يجزئه أيضًا، وهو الصواب.
وقد توقَّف الشيخ ابن عثيمين ﵀ في مسألة الإجزاء للعبد في «الشرح الممتع» (٧/ ١٩)، ثم رجَّح في (٧/ ٢٧) أنه يصح حجُّه ويجزِئه عن حجة الإسلام، والله أعلم. (١)
стр. 2361
مسألة [٣]: إذا بلغ الصبي، أو عتق العبد أثناء الحج ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٥/ ٤٥): فَإِنْ بَلَغَ الصَّبِيُّ، أَوْ عَتَقَ الْعَبْدُ بِعَرَفَةَ، أَوْ قَبْلَهَا، غَيْرَ مُحْرِمَيْنِ، فَأَحْرَمَا وَوَقَفَا بِعَرَفَةَ، وَأَتَمَّا الْمَنَاسِكَ، أَجْزَأْهُمَا عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ، لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا.
قال: وَإِنْ كَانَ الْبُلُوغُ وَالْعِتْقُ وَهُمَا مُحْرِمَانِ، أَجْزَأْهُمَا أَيْضًا عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ. كَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ (١)، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَقَالَهُ الْحَسَنُ فِي الْعَبْدِ، وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يُجْزِئُهُمَا. وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: لَا يُجْزِئُ الْعَبْدَ، فَأَمَّا الصَّبِيُّ؛ فَإِنْ جَدَّدَ إحْرَامًا بَعْدَ أَنْ احْتَلَمَ قَبْلَ الْوُقُوفِ، أَجْزَأَهُ، وَإِلَّا فَلَا. انتهى المراد.
قال أبو عبد الله غفر الله له: أما العبد فقد تقدم أنه يجزئه حجُّه، وإن لم يعتق؛ فإن عتق فمن باب أولى.
وأما الصبي فالأقرب أنه يجزئه عن حجة الإسلام؛ إذا كان بلوغه قبل الوقوف بعرفة، كما قال أحمد، والشافعي، وإسحاق، اختاره ابن حزمٍ أن يجدد الإحرام كما في «المحلَّى» (٩١٦).
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: هل المَحْرَمُ شرطٌ لوجوب حج المرأة ؟
• ذهب طائفةٌ من أهل العلم إلى أنَّ الْمَحْرَم شرطٌ لوجوب حج المرأة، ويدخل في السبيل الذي ذكره الله بقوله: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران:٩٧]، وهو قول أحمد، وإسحاق، والثوري، والشافعي في قول، وابن المنذر، وأصحاب الرأي، ومن التابعين: الحسن، والنخعي.
واستدلوا بحديث الباب، وبحديث أبي هريرة، وابن عمر، وهما في «الصحيحين»: «لا تسافر المرأة إلا ومعها ذو محرم»، وجاء عن غيرهما. (١)
• وجاء عن أحمد رواية: أنَّ الْمَحْرَمَ شرطٌ للزوم السعي لا لوجوب الحج، ورواية أخرى: أنَّ الْمَحْرَمَ لا يشترط في الحج الواجب.
• وذهب ابن سيرين، ومالك، والشافعي، والأوزاعي إلى أنَّ المحرم ليس شرطًا بحال.
قال ابن سيرين ﵀: تخرج مع رجلٍ من المسلمين، وقال مالك: تخرج مع جماعة النساء، وقال الشافعي: تخرج مع حُرَّةٍ مسلمة ثقة، وقال الأوزاعي: وتخرج مع قوم عدول.
واحتجُّوا بأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فسَّر الاستطاعة بالزاد والراحلة، وبحديث عدي بن حاتم في «صحيح البخاري» (٣٥٩٥): «يوشك أن تخرج الظَّعِيْنَةُ من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف أحدًا إلا الله»، وقالوا: هو سفرٌ واجب، فلم يشترط له المحرم، كالمسلمة إذا تخلَّصت من أيدي الكفار، وهذا قول ابن حزم.
قال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول هو الصواب؛ للأدلة المتقدمة، قال ابن المنذر: تركوا القول بظاهر الحديث واشترط كل واحد منهم شرطًا لا حجة معه عليه.
وهو ترجيح اللجنة الدائمة، والشيخ ابن باز ﵀، وكذلك الشيخ ابن عثيمين، والشيخ مقبل الوادعي رحمة الله عليهما.
وأما أدلتهم فأولها ضعيفٌ، وثانيها ليس بصريح؛ فإنه يدل على وقوع هذا السفر لا على جوازه.
قال ابن قدامة ﵀: وأما الأسيرة إذا تخلصت من أيدي الكفار؛ فإنَّ سفرها سفر ضرورة لا يُقَاس عليه حالة الاختيار، ولذلك تخرج وحدها، ولأنها تدفع ضررًا متيقنًا بتحمل الضرر المتوهم، فلا يلزم تحمل ذلك من غير ضرر
стр. 2364
أصلًا. اهـ. (١)
مسألة [٢]: ضابط الْمَحْرَم .
هو زوجها، أو من تحرم عليه على التأبيد بنسبٍ، أو سببٍ مباحٍ كالرَّضاع، والمصاهرة؛ إلا الملاعِنَة.
مسألة [٣]: هل يلزم المحرم أن يحج معها إذا بذلت له النفقة ؟
• ذهب أحمد في رواية إلى أنه يلزمه، وهو اختيار ابن حزمٍ، واستدل بحديث الباب: «انطلق، فحج مع امرأتك».
• وذهب أحمد في الرواية الأخرى إلى أنه لا يلزمه، وصححه ابن قدامة، فقال: والصحيح أنه لا يلزمه الحج معها؛ لأنَّ في الحج مشقة شديدة، وكُلفة عظيمة؛ فلا تلزم أحدًا لأجل غيره، كما لم يلزمه أن يحج عنها إذا كانت مريضة.
واختار هذا القول الإمام ابن عثيمين ﵀، قال: وأما الحديث؛ فإنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أمره أن يحج مع امرأته؛ لأنَّ المرأة قد شرعت في السفر، ولا طريق من الخلاص من ذلك إلا أن يسافر معها. اهـ. (٢)
стр. 2365
بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَة
مسألة [١]: هل العبد مَحْرَمٌ لسيدته ؟
• ذهب أحمد إلى أنه ليس بِمَحْرَمٍ؛ لأنه ليس بِمُحَرَّمٍ عليها على التأبيد؛ فإنه يجوز له الزواج منها إذا أعتقته. وهو قول الحنفية، والمالكية، وبعض الشافعية؛ لأنهم قالوا: هو منها كالأجنبي حتى في النظر.
• وذهب الشافعي إلى أنه يُعَدُّ محرمًا؛ لأنه يجوز له أن ينظر إليها؛ فجاز له السفر معها كبقية المحارم.
والصواب هو قول أحمد، والله أعلم، وقد جاء في المنع حديث صريحٌ، ولكنه لم يثبت، وهو حديث: «سفر المرأة مع عبدها ضيعة». أخرجه البزار (٥٩٩٣)، والطبراني في «الأوسط (٦٦٣٩) من طريق بزيع بن عبد الرحمن، عن نافع، عن ابن عمر به. قال أبو حاتم: هذا حديث منكر، ويرويه ضعيف الحديث. اهـ
قلتُ: بزيع بن عبد الرحمن، لم يرو عنه غير إسماعيل بن عياش، وضعفه أبو حاتم كما تقدم، وإسماعيل بن عياش، روايته عن غير الشاميين ضعيفة، وبزيع مجهول لا يدرى من هو. (١)
стр. 2366
مسألة [٢]: هل يشترط في المحرم أن يكون بالغًا عاقلاً ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٥/ ٣٤): وَيُشْتَرَطُ فِي الْمَحْرَمِ أَنْ يَكُونَ بَالِغًا عَاقِلًا. قِيلَ لِأَحْمَدَ: فَيَكُونُ الصَّبِيُّ مَحْرَمًا؟ قَالَ: لَا، حَتَّى يَحْتَلِمَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقُومُ بِنَفْسِهِ، فَكَيْفَ يَخْرُجُ مَعَ امْرَأَةٍ.
وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْمَحْرَمِ حِفْظُ الْمَرْأَةِ، وَلَا يَحْصُلُ إلَّا مِنْ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ، فَاعْتُبِرَ ذَلِكَ. اهـ. (١)
مسألة [٣]: هل يشترط أن يكون مسلمًا ؟
• ذهب أحمد إلى اشتراط كونه مسلمًا؛ لأنه لا يؤمن عليها أن يفتنها عن دينها، وليس له ولاية عليها بالنكاح وغيره، فكذلك في السفر.
• وذهب أبو حنيفة، والشافعي إلى أنه محرم لها؛ لأنها محرمة عليه على التأبيد.
واختار هذا القول الإمام ابن عثيمين ﵀، بشرط أن يؤمن عليها. (٢)
مسألة [٤]: على من نفقة الْمَحْرَم ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٥/ ٣٤): وَنَفَقَةُ الْمَحْرَمِ فِي الْحَجِّ عَلَيْهَا، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ سَبِيلِهَا، فَكَانَ عَلَيْهَا نَفَقَتُهُ، كَالرَّاحِلَةِ؛ فَعَلَى هَذَا يُعْتَبَرُ فِي اسْتِطَاعَتِهَا أَنْ تَمْلِكَ زَادًا وَرَاحِلَةً لَهَا وَلِمَحْرَمِهَا؛ فَإِنْ امْتَنَعَ مَحْرَمُهَا مِنْ الْحَجِّ مَعَهَا، مَعَ بَذْلِهَا لَهُ نَفَقَتَهُ، فَهِيَ كَمَنْ لَا مَحْرَمَ لَهَا. اهـ
стр. 2367
مسألة [٥]: هل للرجل أن يمنع امرأته من حجة الإسلام ؟
• ذهب أكثر أهل العلم إلى أنه لا يجوز له منعها، وهو قول أحمد، والنخعي، وإسحاق، وأبي ثور، وأصحاب الرأي، والأصح من قولي الشافعي، وله قول آخر بالمنع بناءً على أن الحج على التراخي، ولنا أنه فرضٌ فلم يكن له منعها منه، كصوم رمضان، والصلوات الخمس، قاله ابن قدامة.
ثم قال ابن قدامة ﵀: وليس له منعها من الحج المنذور؛ لأنه واجبٌ عليها أشبه حجة الإسلام. اهـ (١)
مسألة [٦]: هل له أن يمنعها من حجِّ التطوع ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٥/ ٣٥): قال ابن المنذر: أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم أن له منعها من الخروج إلى الحج التطوع؛ وذلك لأنَّ حق الزوج واجبٌ؛ فليس لها تفويته بما ليس بواجب، كالسيد مع عبده. اهـ
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: هل يشترط فيمن يحج عن غيره أن يكون قد حج عن نفسه ؟
• في هذه المسألة أقوال:
القول الأول: أنه يشترط ذلك؛ فإنْ فعلَ وقع إحرامه عن نفسه، وهو مذهب أحمد، والأوزاعي، والشافعي، وإسحاق، واستدلوا بحديث ابن عباس المذكور قريبًا مرفوعًا، وموقوفًا.
القول الثاني: أنه يشترط ذلك؛ فإن فعلَ بطل حجه، ولا يصح عنه ولا عن غيره؛ لأنه ليس له نية على نفسه، وهو قول أبي بكر عبد العزيز الحنبلي.
القول الثالث: أنه لا يشترط ذلك، ويجوز لمن لم يحج عن نفسه أن يحج عن غيره، وهو قول الحسن، والنخعي، وأيوب، وجعفر بن محمد، ومالك، وأبي حنيفة، وحُكي عن أحمد.
стр. 2370
القول الرابع: قال الثوري: إن كان يقدر على الحج عن نفسه؛ حجَّ عن نفسه، وإن لم يقدر على الحج عن نفسه؛ حجَّ عن غيره.
قال أبو عبد الله غفر الله له: الأحوط والأولى أن لا يحج عن غيره إلا وقد حجَّ عن نفسه، ولكن لا نعلم دليلًا صحيحًا صريحًا يمنع الإنسان أن يحج عن غيره إذا لم يكن قد حجَّ عن نفسه، وحديث ابن عباس الذي في الباب الرَّاجح وقفه، وليس بصريح أنه إن فعل وقع عن نفسه؛ لأنه قال له: «اجعل هذه عن نفسك». (١)
تنبيه: إذا كان الإنسان قادرًا على أن يحج عن نفسه، ولم يكن قد حجَّ فلا يجوز له أن ينوب عن غيره في ذلك العام؛ لوجوب الحج عليه على الفور كما تقدم، ولكنه لو حجَّ عن غيره وخالف؛ فالأظهر هو صحة الحج عن ذلك الغير، ويأثم لتأخيره الحج عن نفسه، ويبقى في ذمته، والله أعلم.
стр. 2371
بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَة
مسألة [١]: أيهما يقدم: حجة الإسلام، أم حجة النذر ؟
قال النووي ﵀ في «المجموع» (٧/ ١١٩): مذهبنا وجوب تقدم حجة الإسلام، وبه قال ابن عمر، وعطاء، وأحمد، وإسحاق، وأبو عبيد، وقال ابن عباس، وعكرمة، والأوزاعي: يجزئه حجة واحدة عنهما. انتهى المراد.
قلتُ: الراجح هو القول الأول، وأثر ابن عمر صحيح، أخرجه ابن أبي شيبة (٤/ ٢٠١)، وأحمد كما في «مسائل عبد الله» (ص ٢٢٠)، بإسناد صحيح، وهو ترجيح الظاهرية؛ لأنه ركنٌ من أركان الإسلام، ووجوبه متقدم على وجوب النذر، وأما أثر ابن عباس فأخرجه ابن أبي شيبة (٤/ ٢٠١)، وفي إسناده رجلٌ مبهمٌ، وعزاه في «المغني» (٥/ ٤٤) إلى سنن ابن منصور، وهي مفقودة. (١)
مسألة [٢]: إذا حج الرجل عن نذره أو تطوعًا، ولم يكن حج حجة الإسلام ؟
• في المسألة قولان:
القول الأول: يقع عن حجة الإسلام، وهو قول ابن عمر كما تقدم، وهو مذهب أحمد، والشافعي.
стр. 2372
وقد استدل هؤلاء بالقياس على من أحرم بالحج عن غيره، ولم يكن قد حج عن نفسه؛ فإنه يقع على نفسه عندهم كما تقدم.
القول الثاني: يقع ما نواه، وتبقى حجة الإسلام في ذمته، وهو قول مالك، والثوري، وأبي حنيفة، وإسحاق، وابن المنذر، وهو رواية عن أحمد اختارها أبو بكر الحنبلي.
واستدلوا بحديث: «إنما الأعمال بالنيات»، وهذا القول أقرب، والله أعلم.
• وفي المسألة قولٌ ثالثٌ لابن حزم، وهو أنه إن أحرم بالنذر، فقد خالف وعصى، ولا يقع حجه عن النذر، ولا عن حجة الإسلام. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين
مسألة [١]: وجوب الحج في العمر مرة .
قال النووي ﵀ في «شرح مسلم» (٩/ ١٠٢): وأجمعت الأمة على أنَّ الحج لا يجب في العمر إلا مرة واحدة بأصل الشرع، وقد تجب زيادة بالنذر. اهـ
وقال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٥/ ٦): وأجمعت الأمة على وجوب الحج على المستطيع في العمر مرة واحدة. اهـ
ونقل الإجماع أيضًا ابن حزم كما في «المحلَّى» (٨١١).
بَابُ المَوَاقِيتِ
٧٠٥ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَقَّتَ لِأَهْلِ المَدِينَةِ: ذَا الحُلَيْفَةِ، وَلِأَهْلِ الشَّامِ الجُحْفَةَ، وَلِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنَ المَنَازِلِ، وَلِأَهْلِ اليَمَنِ يَلَمْلَمَ، «هُنَّ لَهُنَّ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِهِنَّ مِمَّنْ أَرَادَ الحَجَّ والعُمْرَةَ، وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ، حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١)
٧٠٦ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَقَّتَ لِأَهْلِ العِرَاقِ ذَاتَ عِرْقٍ. رَوَاهُ أَبُودَاوُد وَالنَّسَائِيُّ. (٢)
٧٠٧ - وَأَصْلُهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ ﵁، إلَّا أَنَّ رَاوِيَهِ شَكَّ فِي رَفْعِهِ. (٣)
المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث
المواقيت: جمع ميقات، وهو ما حُدَّ للعبادة بزمان، أو مكان.
مسألة [١]: المواقيت المكانية .
دلَّ الحديث على أربعة مواقيت، وهي مجمع عليها عند أهل العلم، ذكر ذلك ابن قدامة، والنووي وغيرهما. (١)
ميقات أهل المدينة:
هو (ذو الحليفة)، وهو مكان معروفٌ قريب من المدينة بينه وبين مكة مائتا ميل غير ميلين قاله ابن حزمٍ، وقال غيره: بينهما عشر مراحل. وقال النووي: بينها وبين المدينة ستة أميال.
قال البسام ﵀: وتسمى الآن (آبار علي) وتبلغ المسافة بينها وبين المسجد النبوي (١٣) كيلو، ومنها إِلى مكة المكرمة (٤٢٠) كيلو متر، فهي أبعد المواقيت، وهي ميقات أهل المدينة، ومن أتى عن طريقهم.
ميقات أهل الشام:
هو (الجحفة) بضم الجيم، وسكون المهملة، وهي قرية خربة بينها وبين مكة خمس مراحل، أو ستة.
قال ابن حزمٍ ﵀: وهي فيما بين المغرب والشمال من مكة، ومنها إلى مكة اثنان وثمانون ميلًا. اهـ
وهذا الميقات أيضًا لأهل مصر؛ لأنه على طريقهم، وسميت الجحفة؛ لأنِّ السيل أجحفها في وقتٍ.
قال الحافظ ﵀: واختصت الجحفة بالحمى فلا ينزلها أحدٌ إلَّا حمَّ. اهـ
قال البسام ﵀: كانت قرية عامرة، محطة من محطات الحاج بين الحرمين،
стр. 2377
ثم جحفتها السيول، فصار الإحرام من قرية (رابغ)، الواقعة عنها غربًا ببعد (٢٢) ميلًا، ويحاذي الجحفة من خط الهجرة (الخط السريع) من المدينة باتجاه مكة، وتبعد عن مكة (٢٠٨) كيلو.
ميقات أهل نجد:
قال الحافظ ﵀: أما نجد فهو كل مكان مرتفع، وهو اسم لعشرة مواضع، والمراد هنا التي أعلاها تهامة واليمن، وأسفلها الشام والعراق، والمنازل بلفظ جمع (المنزل)، والمركب الإضافي هو اسم المكان، ويقال له: (قرن) أيضًا بلا إضافة. اهـ
قال ابن حزمٍ ﵀: وهو شرقي من مكة، ومنه إلى مكة اثنان وأربعون ميلًا.
قال البسام ﵀: ويسمى "السيل الكبير"، ومسافته من بطن الوادي إلى مكة المكرمة (٧٨) كيلومتر.
تنبيه: وادي محرم: هو أعلى قرن المنازل، يحرم منه حجاج أهل الطائف، ومن مرَّ على طريقهم من غيرهم، وليس ميقاتاً مستقلاً، وإنما هو الطريق الأعلى لقرن المنازل. ويبعد عن مكة بمسافة (٧٥) كيلو متر.
ميقات أهل اليمن:
هو (يَلَمْلَم).
قال الحافظ ﵀: هو على مرحلتين من مكة، بينهما ثلاثون ميلًا.
قال ابن حزمٍ ﵀: وهو جنوب مكة، ومنه إلى مكة ثلاثون ميلًا.
стр. 2378
ويمسى الميقات اليوم: (السعدية)، قيل: نسبة إلى امرأة حفرتها تسمى: (فاطمة السعدية)، ويلملم: وادٍ عظيم ينحدر من جبال السراة إلى تهامة، ثم يصب في البحر الأحمر، يبعد عن مكة المكرمة (١٢٠) كيلو متر.
مسألة [٢]: ميقات ذات عرق .
قال ابن حزمٍ ﵀: هو بين المشرق والشمال من مكة، ومنها إلى مكة اثنان وأربعون ميلًا.
قال البسام ﵀: سمِّي بذلك لوجود جبل صغير ممتد من الشرق إلى الغرب، بطول (٢) كيلو فقط، مطل على موضع الإحرام من الجهة الجنوبية، يبتديء هذا العرق شرقًا، وما تحته من موضع الإحرام، من وادٍ يقال له: "أنخل"، وينتهي غربًا بواد يقال له: العصلاء الشرقية"، وهذه الكتابة والتحديد عن مشاهدة مع سكان ثقات من أهل المنطقة، ويسمى الضريبة بفتح الضاد بعدها راء مكسورة ثم ياء ساكنة، واحدة الضراب، وهي الجبال الصغار، ويقع عن مكة شرقًا بمسافة قدرها (١٠٠) كيلو متر، والآن مهجور لعدم وجود الطرق عليه. اهـ
قلتُ: والآن القادمون من العراق والمشرق، منهم من يمر على قرن المنازل، ومنهم من يمر على المدينة، ويحرمون من ذي الحليفة.
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٥/ ٥٦ - ٥٧): فَأَمَّا ذَاتُ عِرْقٍ فَمِيقَاتُ أَهْلِ الْمَشْرِقِ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ إحْرَامَ الْعِرَاقِيِّ مِنْ ذَاتِ عِرْقٍ
стр. 2379
إحْرَامٌ مِنْ الْمِيقَاتِ. وَرُوِيَ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ كَانَ يُحْرِمُ مِنْ الْعَقِيقِ. وَاسْتَحْسَنَهُ الشَّافِعِيُّ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ. وَكَانَ الْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ يُحْرِمُ مِنْ الرَّبَذَةِ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ خُصَيْفٍ، وَالْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَقَّتَ لِأَهْلِ الْمَشْرِقِ الْعَقِيقَ. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: الْعَقِيقُ أَوْلَى وَأَحْوَطُ مِنْ ذَاتِ عِرْقٍ، وَذَاتُ عِرْقٍ مِيقَاتُهُمْ بِإِجْمَاعٍ. اهـ
قلتُ: العقيق: بفتح العين وكسر القاف ثم ياء فقاف، وادٍ عظيمٌ يقع شرق مكة المكرمة فهو بحذاء ذات عرق شرقًا يبعد (٢٨ كيلو مترًا)، ويبعد عن مكة بـ (١٢٨ كيلو متر). اهـ من «توضيح الأحكام».
وأثر أنس في أنه أحرم من العقيق صحيحٌ، أخرجه مسدد كما في «المطالب العالية» (١١٧٩)، بإسناد صحيح، وأما حديث ابن عباس فضعيفٌ كما تقدم في أحاديث الباب.
قال الحافظ ﵀ في «الفتح» (١٥٣١): وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي «الْأُمّ»: لَمْ يَثْبُت عَنْ النَّبِي ﷺ أَنَّهُ حَدَّ ذَات عِرْق، وَإِنَّمَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ النَّاس. وَهَذَا كُلّه يَدُلّ عَلَى أَنَّ مِيقَات ذَات عِرْق لَيْسَ مَنْصُوصًا، وَبِهِ قَطَعَ الْغَزَالِيّ وَالرَّافِعِيّ فِي «شَرْح الْمُسْنَد»، وَالنَّوَوِيّ فِي «شَرْح مُسْلِم»، وَكَذَا وَقَعَ فِي «الْمُدَوَّنَة» لِمَالِك، وَصَحَّحَ الْحَنَفِيَّة، وَالْحَنَابِلَة، وَجُمْهُور الشَّافِعِيَّة، وَالرَّافِعِيّ فِي «الشَّرْح الصَّغِير»، وَالنَّوَوِيّ فِي «شَرْح الْمُهَذَّب» أَنَّهُ مَنْصُوص. اهـ
ونفى الحافظ في «الفتح» (١٥٣١) وجود من أوجب الإحرام من العقيق،
стр. 2380
فقال: ولم يقل به أحدٌ، وإنما قالوا: يستحب احتياطًا.
قال الحافظ ﵀: وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِر عَنْ الْحَسَن بْن صَالِح أَنَّهُ كَانَ يُحْرِم مِنْ الرَّبَذَة، وَهُوَ قَوْل الْقَاسِم بْن عَبْد الرَّحْمَن، وَخُصَيْف الْجزَرِيّ، قَالَ اِبْن الْمُنْذِر: وَهُوَ أَشْبَه فِي النَّظَر إِنْ كَانَتْ ذَات عِرْق غَيْر مَنْصُوصَة؛ وَذَلِكَ أَنَّهَا تُحَاذِي ذَا الْحُلَيْفَة، وَذَات عِرْق بَعْدهَا، وَالْحُكْم فِيمَنْ لَيْسَ لَهُ مِيقَات أَنْ يُحْرِم مِنْ أَوَّل مِيقَات يُحَاذِيه، لَكِنْ لَمَّا سَنَّ عُمَر ذَات عِرْق وَتَبِعَهُ عَلَيْهِ الصَّحَابَة وَاسْتَمَرَّ عَلَيْهِ الْعَمَل كَانَ أَوْلَى بِالِاتِّبَاعِ. اهـ
مسألة [٣]: من كان ساكنًا قريبًا من مكة دون المواقيت، فمن أين ميقاته ؟
• ذهب أكثر أهل العلم إلى أن ميقاته منزله؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في حديث ابن عباس ﵄: «ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ حتى أهل مكة من مكة»، وهو قول أحمد، والشافعي، وأبي ثور، وأصحاب الرأي وغيرهم.
• وحُكي الخلاف عن مجاهد أنه قال: يُهِلُّ من مكة.
والصحيح قول الجمهور. (١)
مسألة [٤]: ميقات أهل جدة ؟
قال الإمام ابن باز ﵀ في «شرح العمدة» (ص ٤٤٩):
стр. 2381
قوله: «ومن كان دون ذلك»، يعني منزله دون المواقيت، «فمُهَلّه من حيث أنشأ»، يحرم من مكانه إذا كان مكانه دون المواقيت، مثل أهل جدة يحرمون من جدة، أهل بحرة يُحرمون من بحرة، أهل أم السلم يحرمون من أم السلم، أهل مزينة يُحرمون من مزينة، الذي مسكنه دون المواقيت أقرب إلى مكة من المواقيت يحرم من محله، فَمُهلَّه من حيث أنشأ، حتى أهل مكة من مكة يحرمون من مكة، يعني بالحج. اهـ
مسألة [٥]: ميقات أهل السودان وأثيوبيا والصومال ومن جاء من جهتهم ؟
قال الإمام العثيمين ﵀ كما في مجموع الفتاوى (٢١/ ٢٨٣):
ميقات أثيوبيا والصومال إذا جاءوا من جنوب؛ فإنهم يحاذون يلملم التي وقتها النبي ﷺ لأهل اليمن، وإن جاءوا من شمال جدة فميقاتهم الجحفة التي وقتها النبي ﷺ لأهل الشام، وجعل الناس بدلاً منها رابغ، أما إذا جاءوا من بين ذلك قصدًا إلى جدة؛ فإن ميقاتهم جدة؛ لأنهم يصلون إلى جدة قبل محاذات الميقاتين المذكورين. اهـ
وقال ﵀ كما في مجموع الفتاوى (٢١/ ٢٨٤): أهل السودان إذا جاءوا قصداً إلى جدة فميقاتهم جدة، وإن كانوا أتوا من الناحية الشمالية، أو الجنوبية فإن ميقاتهم قبل أن يصلوا إلى جدة: إن جاءوا من الناحية الشمالية؛ فإن ميقاتهم إذا حاذوا الجحفة أو رابغ، وإن جاءوا من الجهة الجنوبية فإن ميقاتهم إذا حاذوا يلملم وهو ميقات أهل اليمن، فيكون ميقات أهل السودان مختلف بحسب
стр. 2382
الطريق الذي جاءوا منه. اهـ
مسألة [٦]: من أتى على المواقيت من غير أهل تلك البلاد ؟
ذكر أهل العلم أنَّ ذلك ميقاته؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في الحديث: «ولمن أتى عليهن من غير أهلهن».
• واختلفوا فيما إذا مرَّ رجلٌ له ميقاتٌ بميقات آخر قبل ميقاته، كالشامي إذا أراد الحج، فدخل المدينة، فميقاته ذو الحليفة؛ لاجتيازه عليها، ولا يؤخر حتى يأتي الجحفة التي هي ميقاته الأصلي عند جمهور العلماء، وهو مذهب أحمد، والشافعي، وإسحاق، ورواية عن أبي حنيفة، والظاهرية، وقال به من التابعين عروة، وسعيد بن المسيب.
• وذهب أبو ثور، ومالك، وأصحاب الرأي إلى أنَّ له أنْ يؤخِّر الإحرام إلى الجحفة؛ لأنها ميقاته الأصلي، وأورد ابن حزمٍ لهم أثرًا عن ابن عمر (٧/ ٧٢) بإسناد صحيح أنه قال: أهل مصر، ومن مرَّ من أهل الجزيرة على المدينة في الميقات من أهل الشام.
قال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول هو الصواب؛ لأنَّ الحديث المتقدم نصٌّ في محل النزاع. وأما الأثر فأجاب عنه ابن حزم بأنه يقتضي الوجوب، وهم لا يقولون بذلك. اهـ
قلتُ: ومع ذلك فهو اجتهاد صحابي لا يعارض الحديث المرفوع والله أعلم.
стр. 2383
مسألة [٧]: من لم يكن على طريقه ميقات من المواقيت المذكورة ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٥/ ٦٣): وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا بَيْنَ مِيقَاتَيْنِ؛ فَإِنَّهُ يَجْتَهِدُ حَتَّى يَكُونَ إحْرَامُهُ بِحَذْوِ الْمِيقَاتِ الَّذِي هُوَ إلَى طَرِيقِهِ أَقْرَبُ؛ لِمَا رَوَيْنَا أَنَّ أَهْلَ الْعِرَاقِ قَالُوا لِعُمَرَ: إنَّ قَرْنًا جَوْرٌ عَنْ طَرِيقِنَا. فَقَالَ: اُنْظُرُوا حَذْوَهَا مِنْ طَرِيقِكُمْ. فَوَقَّتَ لَهُمْ ذَاتَ عِرْقٍ، وَلِأَنَّ هَذَا مِمَّا يُعْرَفُ بِالِاجْتِهَادِ وَالتَّقْدِيرِ، فَإِذَا اشْتَبَهَ دَخَلَهُ الِاجْتِهَادُ، كَالْقِبْلَةِ. اهـ
قال ابن قدامة ﵀ (٥/ ٦٣): فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ حَذْوَ الْمِيقَاتِ الْمُقَارِبِ لِطَرِيقِهِ؛ احْتَاطَ فَأَحْرَمَ مِنْ بُعْدٍ، بِحَيْثُ يَتَيَقَّنُ أَنَّهُ لَمْ يُجَاوِزْ الْمِيقَاتَ إلَّا مُحْرِمًا .... ، وانظر بقية كلامه.
مسألة [٨]: الإحرام قبل الميقات .
• في هذه المسألة ثلاثة أقوال:
القول الأول: الأفضل الإحرام من الميقات، ويكره قبله، وهو قول الحسن، وعطاء، ومالك، وأحمد، وإسحاق، وقولٌ للشافعي، واستدلوا بأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وأصحابه أحرموا من الميقات، ولا يفعلون إلا الأفضل، وعلَّق البخاري في «صحيحه» (١) أثرًا عن عثمان، فقال: وكره عثمان أن يحرم من خراسان، أو كرمان. وهو أثرٌ حسن (٢) وكان إنكارًا لعبدالله بن عامر عند أن أحرم من خراسان.
стр. 2384
وجاء عن عمران بن حصين أنه أحرم من البصرة، فغضب عمر، وقال: يتسامع الناس أنَّ رجلًا من أصحاب النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أحرم من مصره (١)، وهو من طريق: الحسن، عن عمران، ولم يسمع منه، ولم يدرك عمر.
القول الثاني: الأفضل أن يحرم من بلده، وهو قول أبي حنيفة، وقولٌ للشافعي، وكان علقمة والأسود وعبد الرحمن وأبو إسحاق يحرمون من بيوتهم.
واحتجوا بحديث أم سلمة مرفوعًا: «من أهلَّ بحجٍّ، أو عمرة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام؛ غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، أو وجبت له الجنة»، وهو حديث ضعيفٌ، أخرجه أبو داود (١٧٤١)، وابن ماجه (٣٠٠٢)، وفي إسناده: (حُكَيمة)، وهي مجهولة.
وصحَّ عن ابن عمر ﵄ أنه أحرم من بيت المقدس، أخرجه الشافعي كما في «المسند» (١/ ٢٩٤)، والبيهقي (٥/ ٣٠)، وفي حديث الصبي بن معبد أنه أحرم من العذيب، ثم قال عمر: هُدِيت لسنة نبيك -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. (٢)
وجاء عن علي ﵁ في تفسير ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٩٦] إتمامها: أن تحرم بها من دويرة أهلك.
وجاء أن رجلًا سأل عمر بن الخطاب عن تمام العمرة، فقال: ائت عليًّا فسله.
стр. 2385
فسأل عليًّا، فقال: تمامها أن تنشئها من بلدك. فعاد إلى عمر، فقال: هو كما قال. وهو من طريق: عبدالرحمن بن أذينه عن أبيه، أنه سأل عمرَ فذكره. أخرجه ابن أبي شيبة (٤/ ٢٢٣).
القول الثالث: عدم جواز الإحرام قبل الميقات، وهو قول الظاهرية، وظاهر تبويب البخاري، فقد بوَّب في «صحيحه»: [باب إهلال أهل المدينة من ذي الحليفة ولا يهلون قبل ذي الحليفة]. قال الحافظ ابن حجر ﵀: وهو قول داود، وإسحاق. «الفتح» (١٥٢٢).
واستدلوا بحديث ابن عمر في «الصحيحين» أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «يهل أهل المدينة من ذي الحليفة، وأهل الشام من الجحفة ... » الحديث.
فقوله: «يهل» خبرٌ مرادٌ به الأمر، والأمر يقتضي الوجوب، وفي رواية للبخاري عن ابن عمر: فرضها رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لأهل نجد قرنًا، ولأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة. ولمسلم رواية: أمر رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أهل المدينة .... الحديث.
قال أبو عبد الله غفر الله له: وهذا القول الثالث هو الصواب؛ لدلالة الأدلة عليه، وأما تفسير علي ﵁ لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ من دويرة أهلك، فقد أخرجه ابن جرير (٣/ ٣٢٩ - ٣٣٠)، وابن أبي حاتم (١/ ٣٣٣)، والحاكم (٢/ ٢٧٦)، والبيهقي (٥/ ٣٠)، وفي إسناده: عبدالله بن سلمة المرادي، وهو ضعيف، وأما أثره مع عمر ففي إسناده: أذينة والد عبد الرحمن، وهو مجهول، تفرد