قوله: «ومن كان دون ذلك»، يعني منزله دون المواقيت، «فمُهَلّه من حيث أنشأ»، يحرم من مكانه إذا كان مكانه دون المواقيت، مثل أهل جدة يحرمون من جدة، أهل بحرة يُحرمون من بحرة، أهل أم السلم يحرمون من أم السلم، أهل مزينة يُحرمون من مزينة، الذي مسكنه دون المواقيت أقرب إلى مكة من المواقيت يحرم من محله، فَمُهلَّه من حيث أنشأ، حتى أهل مكة من مكة يحرمون من مكة، يعني بالحج. اهـ
مسألة [٥]: ميقات أهل السودان وأثيوبيا والصومال ومن جاء من جهتهم ؟
قال الإمام العثيمين ﵀ كما في مجموع الفتاوى (٢١/ ٢٨٣):
ميقات أثيوبيا والصومال إذا جاءوا من جنوب؛ فإنهم يحاذون يلملم التي وقتها النبي ﷺ لأهل اليمن، وإن جاءوا من شمال جدة فميقاتهم الجحفة التي وقتها النبي ﷺ لأهل الشام، وجعل الناس بدلاً منها رابغ، أما إذا جاءوا من بين ذلك قصدًا إلى جدة؛ فإن ميقاتهم جدة؛ لأنهم يصلون إلى جدة قبل محاذات الميقاتين المذكورين. اهـ
وقال ﵀ كما في مجموع الفتاوى (٢١/ ٢٨٤): أهل السودان إذا جاءوا قصداً إلى جدة فميقاتهم جدة، وإن كانوا أتوا من الناحية الشمالية، أو الجنوبية فإن ميقاتهم قبل أن يصلوا إلى جدة: إن جاءوا من الناحية الشمالية؛ فإن ميقاتهم إذا حاذوا الجحفة أو رابغ، وإن جاءوا من الجهة الجنوبية فإن ميقاتهم إذا حاذوا يلملم وهو ميقات أهل اليمن، فيكون ميقات أهل السودان مختلف بحسب
стр. 2382
الطريق الذي جاءوا منه. اهـ
مسألة [٦]: من أتى على المواقيت من غير أهل تلك البلاد ؟
ذكر أهل العلم أنَّ ذلك ميقاته؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في الحديث: «ولمن أتى عليهن من غير أهلهن».
• واختلفوا فيما إذا مرَّ رجلٌ له ميقاتٌ بميقات آخر قبل ميقاته، كالشامي إذا أراد الحج، فدخل المدينة، فميقاته ذو الحليفة؛ لاجتيازه عليها، ولا يؤخر حتى يأتي الجحفة التي هي ميقاته الأصلي عند جمهور العلماء، وهو مذهب أحمد، والشافعي، وإسحاق، ورواية عن أبي حنيفة، والظاهرية، وقال به من التابعين عروة، وسعيد بن المسيب.
• وذهب أبو ثور، ومالك، وأصحاب الرأي إلى أنَّ له أنْ يؤخِّر الإحرام إلى الجحفة؛ لأنها ميقاته الأصلي، وأورد ابن حزمٍ لهم أثرًا عن ابن عمر (٧/ ٧٢) بإسناد صحيح أنه قال: أهل مصر، ومن مرَّ من أهل الجزيرة على المدينة في الميقات من أهل الشام.
قال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول هو الصواب؛ لأنَّ الحديث المتقدم نصٌّ في محل النزاع. وأما الأثر فأجاب عنه ابن حزم بأنه يقتضي الوجوب، وهم لا يقولون بذلك. اهـ
قلتُ: ومع ذلك فهو اجتهاد صحابي لا يعارض الحديث المرفوع والله أعلم.
стр. 2383
مسألة [٧]: من لم يكن على طريقه ميقات من المواقيت المذكورة ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٥/ ٦٣): وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا بَيْنَ مِيقَاتَيْنِ؛ فَإِنَّهُ يَجْتَهِدُ حَتَّى يَكُونَ إحْرَامُهُ بِحَذْوِ الْمِيقَاتِ الَّذِي هُوَ إلَى طَرِيقِهِ أَقْرَبُ؛ لِمَا رَوَيْنَا أَنَّ أَهْلَ الْعِرَاقِ قَالُوا لِعُمَرَ: إنَّ قَرْنًا جَوْرٌ عَنْ طَرِيقِنَا. فَقَالَ: اُنْظُرُوا حَذْوَهَا مِنْ طَرِيقِكُمْ. فَوَقَّتَ لَهُمْ ذَاتَ عِرْقٍ، وَلِأَنَّ هَذَا مِمَّا يُعْرَفُ بِالِاجْتِهَادِ وَالتَّقْدِيرِ، فَإِذَا اشْتَبَهَ دَخَلَهُ الِاجْتِهَادُ، كَالْقِبْلَةِ. اهـ
قال ابن قدامة ﵀ (٥/ ٦٣): فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ حَذْوَ الْمِيقَاتِ الْمُقَارِبِ لِطَرِيقِهِ؛ احْتَاطَ فَأَحْرَمَ مِنْ بُعْدٍ، بِحَيْثُ يَتَيَقَّنُ أَنَّهُ لَمْ يُجَاوِزْ الْمِيقَاتَ إلَّا مُحْرِمًا .... ، وانظر بقية كلامه.
مسألة [٨]: الإحرام قبل الميقات .
• في هذه المسألة ثلاثة أقوال:
القول الأول: الأفضل الإحرام من الميقات، ويكره قبله، وهو قول الحسن، وعطاء، ومالك، وأحمد، وإسحاق، وقولٌ للشافعي، واستدلوا بأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وأصحابه أحرموا من الميقات، ولا يفعلون إلا الأفضل، وعلَّق البخاري في «صحيحه» (١) أثرًا عن عثمان، فقال: وكره عثمان أن يحرم من خراسان، أو كرمان. وهو أثرٌ حسن (٢) وكان إنكارًا لعبدالله بن عامر عند أن أحرم من خراسان.
стр. 2384
وجاء عن عمران بن حصين أنه أحرم من البصرة، فغضب عمر، وقال: يتسامع الناس أنَّ رجلًا من أصحاب النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أحرم من مصره (١)، وهو من طريق: الحسن، عن عمران، ولم يسمع منه، ولم يدرك عمر.
القول الثاني: الأفضل أن يحرم من بلده، وهو قول أبي حنيفة، وقولٌ للشافعي، وكان علقمة والأسود وعبد الرحمن وأبو إسحاق يحرمون من بيوتهم.
واحتجوا بحديث أم سلمة مرفوعًا: «من أهلَّ بحجٍّ، أو عمرة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام؛ غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، أو وجبت له الجنة»، وهو حديث ضعيفٌ، أخرجه أبو داود (١٧٤١)، وابن ماجه (٣٠٠٢)، وفي إسناده: (حُكَيمة)، وهي مجهولة.
وصحَّ عن ابن عمر ﵄ أنه أحرم من بيت المقدس، أخرجه الشافعي كما في «المسند» (١/ ٢٩٤)، والبيهقي (٥/ ٣٠)، وفي حديث الصبي بن معبد أنه أحرم من العذيب، ثم قال عمر: هُدِيت لسنة نبيك -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. (٢)
وجاء عن علي ﵁ في تفسير ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٩٦] إتمامها: أن تحرم بها من دويرة أهلك.
وجاء أن رجلًا سأل عمر بن الخطاب عن تمام العمرة، فقال: ائت عليًّا فسله.
стр. 2385
فسأل عليًّا، فقال: تمامها أن تنشئها من بلدك. فعاد إلى عمر، فقال: هو كما قال. وهو من طريق: عبدالرحمن بن أذينه عن أبيه، أنه سأل عمرَ فذكره. أخرجه ابن أبي شيبة (٤/ ٢٢٣).
القول الثالث: عدم جواز الإحرام قبل الميقات، وهو قول الظاهرية، وظاهر تبويب البخاري، فقد بوَّب في «صحيحه»: [باب إهلال أهل المدينة من ذي الحليفة ولا يهلون قبل ذي الحليفة]. قال الحافظ ابن حجر ﵀: وهو قول داود، وإسحاق. «الفتح» (١٥٢٢).
واستدلوا بحديث ابن عمر في «الصحيحين» أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «يهل أهل المدينة من ذي الحليفة، وأهل الشام من الجحفة ... » الحديث.
فقوله: «يهل» خبرٌ مرادٌ به الأمر، والأمر يقتضي الوجوب، وفي رواية للبخاري عن ابن عمر: فرضها رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لأهل نجد قرنًا، ولأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة. ولمسلم رواية: أمر رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أهل المدينة .... الحديث.
قال أبو عبد الله غفر الله له: وهذا القول الثالث هو الصواب؛ لدلالة الأدلة عليه، وأما تفسير علي ﵁ لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ من دويرة أهلك، فقد أخرجه ابن جرير (٣/ ٣٢٩ - ٣٣٠)، وابن أبي حاتم (١/ ٣٣٣)، والحاكم (٢/ ٢٧٦)، والبيهقي (٥/ ٣٠)، وفي إسناده: عبدالله بن سلمة المرادي، وهو ضعيف، وأما أثره مع عمر ففي إسناده: أذينة والد عبد الرحمن، وهو مجهول، تفرد
стр. 2386
بتوثيقه ابن حبان.
وأما حديث الصبي بن معبد، فقول عمر ﵁: (هديت لسنة نبيك) يعني في القران، والجمع بين الحج والعمرة لا في الإحرام من قبل الميقات؛ فإنَّ سنة النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- الإحرام من الميقات، بيَّنَ ذلك بفعله وقوله.
قال ابن قدامة ﵀: وَأَمَّا قَوْلُ عُمَرَ وَعَلِيٍّ: (إتْمَامُ الْعُمْرَةِ أَنْ تُنْشِئَهَا مِنْ بَلَدِك) فَمَعْنَاهُ: أَنْ تُنْشِئَ لَهَا سَفَرًا مِنْ بَلَدِك، تَقْصِدُ لَهُ، لَيْسَ أَنْ تُحْرِمَ بِهَا مِنْ أَهْلِك. قَالَ أَحْمَدُ: كَانَ سُفْيَانُ يُفَسِّرُهُ بِهَذَا. وَكَذَلِكَ فَسَّرَهُ بِهِ أَحْمَدُ. وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُفَسَّرَ بِنَفْسِ الْإِحْرَامِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَصْحَابَهُ مَا أَحْرَمُوا بِهَا مِنْ بُيُوتِهِمْ، وَقَدْ أَمَرَهُمْ اللهُ بِإِتْمَامِ الْعُمْرَةِ، فَلَوْ حُمِلَ قَوْلُهُمْ عَلَى ذَلِكَ؛ لَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ تَارِكِينَ لِأَمْرِ الله. ثُمَّ إنَّ عُمَرَ وَعَلِيًّا مَا كَانَا يُحْرِمَانِ إلَّا مِنْ الْمِيقَاتِ، أَفَتَرَاهُمَا يَرَيَانِ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِإِتْمَامٍ لَهَا وَيَفْعَلَانِهِ، هَذَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَوَهَّمَهُ أَحَدٌ. اهـ (١)
مسألة [٩]: هل يجزئه إذا أحرم قبل الميقات ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٥/ ٦٥): لَا خِلَافَ فِي أَنَّ مَنْ أَحْرَمَ قَبْلَ الْمِيقَاتِ يَصِيرُ مُحْرِمًا، تَثْبُتُ فِي حَقِّهِ أَحْكَامُ الْإِحْرَامِ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ مَنْ أَحْرَمَ قَبْلَ الْمِيقَاتِ أَنَّهُ مُحْرِمٌ. اهـ
قلتُ: خالف ابن حزمٍ -ولا أعلمه عن غيره- فقال: لا يجزئه، ولا يكون مُحْرِمًا، وهو محجوج بإجماع أهل العلم قبله، وكذلك فإنَّ من الصحابة من أحرم
стр. 2387
قبل الميقات كما تقدم عن ابن عمر ﵄، أ نه أحرم من بيت المقدس، وجاء عن معاذ بن جبل ﵁ أيضًا أنه أحرم من بيت المقدس (١)، وصحَّ عن أنس ﵁ كما تقدم أنه أحرم من العقيق، وصحَّ عن عثمان بن أبي العاص ﵁ أنه أحرم من المنجشانية بقرب البصرة (٢)، وكذلك عثمان ﵁ ورد عنه الكراهة، ولم يبطل إحرام عبد الله بن عامر، والله أعلم. (٣)
مسألة [١٠]: من تجاوز الميقات بدون إحرام ؟
قال ابن قدامة ﵀: مَنْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ مُرِيدًا لِلنُّسُكِ غَيْرَ مُحْرِمٍ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَرْجِعَ إلَيْهِ لِيُحْرِمَ مِنْهُ إنْ أَمْكَنَهُ، سَوَاءٌ تَجَاوَزَهُ عَالِمًا بِهِ أَوْ جَاهِلًا، عَلِمَ تَحْرِيمَ ذَلِكَ أَوْ جَهِلَهُ؛ فَإِنْ رَجَعَ إلَيْهِ فَأَحْرَمَ مِنْهُ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، لَا نَعْلَمُ فِي ذَلِكَ خِلَافًا. وَبِهِ يَقُولُ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وَالْحَسَنُ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَغَيْرُهُمْ؛ لِأَنَّهُ أَحْرَمَ مِنْ الْمِيقَاتِ الَّذِي أُمِرَ بِالْإِحْرَامِ مِنْهُ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ ... .
قال: وَإِنْ أَحْرَمَ مِنْ دُونِ الْمِيقَاتِ، فَعَلَيْهِ دَمٌ، سَوَاءٌ رَجَعَ إلَى الْمِيقَاتِ، أَوْ لَمْ يَرْجِعْ، وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ. اهـ
قلتُ: وهو مذهب زُفَر أيضًا.
• وذهب الشافعي إلى أنه إن رجع إلى الميقات فلا شيء عليه إلا أن يكون قد
стр. 2388
تلبس بشيء من المناسك؛ فعليه الدم، قال النووي: هذا مذهبنا، وبه قال الثوري، وأبو يوسف، ومحمد، وأبو ثور.
• وذهب أبو حنيفة إلى أنه إن عاد فلبَّى؛ سقط عنه الدم، وإن ترك العود، أو التلبية؛ فعليه الدم.
• وذهب الحسن، والنخعي، وعطاء في رواية، ويحيى بن سعيد الأنصاري إلى أنه لا شيء على من ترك الميقات.
• ورُوي عن سعيد بن جبير، واختاره ابن حزم أنه لا يصح الحج إلا أن يحرم من الميقات.
وأثرُ سعيد بن جبير أورده ابن حزمٍ من طريق: عتاب بن بشير، عن خصيف، عن سعيد، وهذا الإسناد ضعيفٌ؛ لضعف خُصيف، وعتاب ضعيفُ الرواية عن خُصيف.
قال أبو عبد الله غفر الله له: ثبت عن ابن عباس ﵄ أنه قال: من ترك نُسُكًا؛ فعليه دم (١). (٢)
مسألة [١١]: إذا جاوز الميقات غير مريد للنسك، فهل يلزمه الرجوع إلى الميقات إذا أراد النسك بعد ذلك ؟
• ذهب أكثر أهل العلم إلى أنه لا يرجع إلى الميقات، بل ميقاته مكانه إذا أراد
стр. 2389
الحج أو العمرة، وهو مذهب الشافعي، ومالك، والثوري، وأبي ثور، وأبي يوسف، ومحمد، وابن المنذر، وبه قال عطاء، ورجَّحه ابن قدامة، وهو قول بعض الحنابلة؛ لأنه يشمله حديث: «ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ»، وهو قول الظاهرية، لكن بالغ ابن حزمٍ فقال: ولا يجزئه الإحرام إذا عاد إلى الميقات.
• وذهب أحمد، وإسحاق إلى أنه يلزمه العود إلى الميقات، وحمل ابن قدامة كلام أحمد على من يجاوز الميقات ممن يجب عليه الإحرام.
والصواب هو القول الأول، والله أعلم. (١)
مسألة [١٢]: من جاوز الميقات فخشي إن رجع أن يفوته الحج ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٥/ ٧٣): لَا خِلَافَ فِي أَنَّ مَنْ خَشِيَ فَوَاتَ الْحَجِّ بِرُجُوعِهِ إلَى الْمِيقَاتِ، أَنَّهُ يُحْرِمُ مِنْ مَوْضِعِهِ، فِيمَا نَعْلَمُهُ؛ إلَّا أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: مَنْ تَرَكَ الْمِيقَاتَ فَلَا حَجَّ لَهُ. وَمَا عَلَيْهِ الْجمْهُورُ أَوْلَى ... وانظر بقية كلامه.
وأثر سعيد لم يصح كما تقدم.
قال ابن قدامة ﵀: وَإِذَا أَحْرَمَ مِنْ دُونِ الْمِيقَاتِ عِنْدَ خَوْفِ الْفَوَاتِ؛ فَعَلَيْهِ دَمٌ، لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا عِنْدَ مَنْ أَوْجَبَ الْإِحْرَامَ مِنْ الْمِيقَاتِ. اهـ
стр. 2390
فَصْلٌ في المواقيت الزمانية
المواقيت الزمانية:
هي المذكورة في قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة:١٩٧]، وقد أجمعوا على أنَّ شوالًا، وذا القعدة من أشهر الحج.
• واختلفوا هل يدخل شهر ذي الحجة في ذلك بتمامه، أم بعضه على أقوال:
القول الأول: أنَّ أشهر الحج (شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة)، وهو قول عطاء، ومجاهد، والحسن، والشعبي، والنخعي، وأحمد، والثوري، وأصحاب الرأي.
واستدلوا على ذلك بأنه قد صحَّ أنَّ ابن عباس ﵄ كما في «تفسير الطبري» (٣/ ٤٤٤)، وابن عمر ﵃ كما في «الكبرى» للبيهقي (٤/ ٣٤٢) فسَّرا الأشهر بذلك، وجاء ذلك أيضًا عن ابن مسعود ﵁، أخرجه ابن أبي شيبة (٤/ ٣٠٢)، وابن جرير (٣/ ٤٤٤)، وغيرهما، ولكن في إسناده: شريك القاضي، وهو ضعيفٌ، وجاء عن ابن الزبير كما في «الكبرى» للبيهقي (٤/ ٣٤٢)، وفي إسناده: أبو سعد البَقَّال، وهو ضعيفٌ.
القول الثاني: أنَّ أشهر الحج (شوال، وذو القعدة، وتسعة أيام من ذي الحجة
стр. 2391
مع ليلة النحر)، وهو قول الشافعي؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ [البقرة:١٩٧]، ومن المعلوم أنه لا يصح الإحرام بالحج في اليوم العاشر.
القول الثالث: أنَّ أشهر الحج (شوال، وذو القعدة، وذو الحجة بتمامها)، وهو قول مالك، واختاره بعض الحنابلة، ورجَّحه ابن حزمٍ، واختاره الشيخ ابن عثيمين.
واستدلوا بالآية: ﴿أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾، وأقل الجمع غالبًا في اللغة ثلاثة، وهذا القول جاء عن عمر بن الخطاب، أخرجه سعيد بن منصور في «تفسيره» (٣٣٤)، من طريق: عروة، عن عمر، وهو منقطعٌ؛ لأنَّ عروة بن الزبير لم يدرك عمر بن الخطاب. وصحَّ هذا القول عن ولده عبدالله بن عمر كما في «تفسير ابن جرير» (٣/ ٤٤٧).
وقال ابن حزمٍ ﵀ في «المحلى» (٨٢١): قال تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ ولا يطلق على (شهرين، وبعض آخر) أشهر، وأيضًا فإن رمي الجمار -وهو من أعمال الحج- يُعمل في اليوم الثالث عشر من ذي الحجة، وطواف الإفاضة -وهو من فرائض الحج- يُعمل في ذي الحجة كله بلا خلاف منهم؛ فصح أنها ثلاثة أشهر، وبالله تعالى التوفيق. اهـ
وهذا القول هو الصواب، والقول الأول يرده ما ذكره ابن حزمٍ ﵀، والقول الثاني يرده ما ذكره ابن حزم، وأيضًا قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في يوم النحر «يوم الحج الأكبر»،
стр. 2392
وأكثر أفعال الحج في هذا اليوم، فكيف لا يكون من أشهر الحج.
وأما استدلالهم بالآية ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾، فالجواب عنها:
أنَّ (في) للظرفية؛ فالمقصود (في هذه الأشهر)، وبينت السنة كما في حديث عروة بن المضرس (١) أنه لا يحرم بالحج بعد فوات عرفة، ولا ينافي ذلك أنَّ ذا الحجة بتمامه من أشهر الحج، والله أعلم. (٢)
مسألة [١]: إذا أحرم قبل أشهر الحج ؟
• ذهب بعض أهل العلم إلى كراهة ذلك، ولكنه ينعقد إحرامه، وإذا بقي إلى وقت الحج صحَّ حجُّه، وهو قول أحمد، ومالك، والثوري، وإسحاق، والنخعي، وأبي حنيفة.
واستدلوا بقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة:١٨٩].
• وذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنَّ الحج لا ينعقد إلا في أشهر الحج؛ لقوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة:١٩٧]، أي: وقت الحج أشهر معلومات، وهو قول عطاء، وطاوس، ومجاهد، والشافعي، وجاء عن ابن عباس (٣)، وجابر
стр. 2393
ابن عبد الله ﵃، (١) وقال بعضهم: ينعقد إحرامه عمرة.
وهذا القول هو الصواب، وهو ترجيح الإمام ابن عثيمين ﵀؛ لظاهر القرآن.
وأما دليلهم فليس فيه تعارضٌ مع دليلنا؛ لأنَّ معناه أنَّ الناس يعلمون مواقيت العبادات والمعاملات بالأهلة، ومنها أشهر الحج الثلاثة يعلمون دخولها وخروجها بالأهلة، والله أعلم. (٢)
стр. 2394
بَابُ وُجُوهِ الإِحْرَامِ وَصِفَتِهِ
٧١٠ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَامَ حَجَّةِ الوَدَاعِ، فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ، وَأَهَلَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالحَجِّ فَأَمَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ فَحَلَّ، وَأَمَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ، أَوْ جَمَعَ بَيْنَ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ فَلَمْ يَحِلُّوا حَتَّى كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: أنواع نسك الحج .
له ثلاثة أنساك: التمتع، والقِران، والإفراد.
صفة التمتع:
أن يُهِلَّ بعمرة مفردة من الميقات في أشهر الحج، فإذا فرغ من أعمال العمرة أحلَّ وفعل ما يفعل الحلال حتى إذا كان وقت الحج من عامه أهلَّ بالحج، وعليه هديٌ إذا فرغ من الحج؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة:١٩٦].
صفة القِران:
أن يُهِلَّ بعمرة وحج من الميقات في أشهر الحج، فتدخل أعمال العمرة تحت أعمال الحج، فيكفي لهما طوافٌ واحدٌ، وسعيٌ واحدٌ، وكذلك لو أحرم بالعمرة،
стр. 2395
ثم أدخل عليها الحج، أو أحرم بالحج ثم أدخل عليه عمرة على خلاف عند أهل العلم في ذلك.
صفة الإفراد:
أن يهل بالحج مفردًا من الميقات في أشهر الحج، ثم لا يحل حتى ينتهي من أعمال الحج، وليس عليه هديٌ.
مسألة [٢]: هل له أن يحرم بهذه الثلاثة الأنساك ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٥/ ٨٢): وأجمع أهل العلم على جواز الإحرام بأي الأنساك الثلاثة شاء. اهـ
وقال النووي ﵀ في «شرح مسلم» (١٢١١): وقد أجمع العلماء على جواز الأنواع الثلاثة. اهـ
قلتُ: قد خالف ابن عباس ﵄، فكان يرى وجوب التمتع، وكان يقول كما في «الصحيحين»: لا يطوف بالبيت حاجٌّ ولا غير حاجٍّ؛ إلا حلَّ. (١)
وهو مذهب ابن حزم، واختاره ابن القيم، واستدلوا على الوجوب بالأحاديث المتواترة أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أمر من لم يسق الهدي من الصحابة أنَّ يحلَّ وأن يجعلها عمرة، وغضب عند أن تباطئوا في ذلك وقال: «لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت ولجعلتها عمرة»، وقال: «دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة»، فقال سراقة بن مالك ﵁: يا رسول الله، أَلِعَامِنا هذا، أم لأبد؟ فقال:
стр. 2396
«بل لأبد أبد». (١)
وهذه الأدلة قوية كما ترى، ولكن ثبت من حديث عروة بن مضرس أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال له وقد شكا إليه أنه لم يترك حبلًا إلا وقف عليه حتى أتعب نفسه وراحلته: «من صلَّى صلاتنا يعني بالمزدلفة وكان قد وقف قبل ذلك ليلًا أو نهارًا؛ فقد تم حجُّه، وقضى تفثه». (٢)
فهذا الحديث نصٌّ أن من حج مُفرِدًا فحجُّه كامل، وقد ثبت عن كبار الصحابة أنهم كانوا يحجون مفردين، كأبي بكر، وعمر، وعثمان.
وإذا قيل: إنَّ حديث عروة بن مضرس خاصٌّ بمن لم يدرك كما هو حال عروة.
فيُجاب عنه: بأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- تكلم بكلام عامٍّ يشمل قضية عروة بن مضرس وغيره.
وقد اختار شيخ الإسلام ﵀ في قصة أمر الرسول -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- الصحابة أن يجعلوها عمرة، وغضبه وتحتيمه أنَّ هذا الوجوب خاصٌّ بالصحابة ﵃ في ذلك العام.
وصحح هذا القول الشيخ ابن عثيمين ﵀؛ وذلك لأنهم خوطبوا به مباشرة، وكان النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أراد مخالفة الجاهلية الذين يقولون: (إنَّ العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض)، فأوجب عليهم في ذلك العام أن يحلوا مخالفةً
стр. 2397
لهم، ويدل على ذلك أنَّ جميع الصحابة لم يوجبوا التمتع بعد ذلك العام ما عدا ما حُكي عن ابن عباس، فمنهم من كان يحج مفردًا، ومنهم من يقرن.
قال أبوعبدالله غفر الله له: الذي يظهر لي -والله أعلم- هو جواز الأنساك الثلاثة وأنَّ وجوب فسخ الحج إلى عمرة كان خاصًّا بالصحابة في ذلك العام، والله أعلم.
وأما قوله: «دخلت العمرة في الحج»، أي: مشروعيتها خلافًا لأمر الجاهلية، والله أعلم. (١)
مسألة [٣]: أفضل الأنساك الثلاثة .
• اختلف أهل العلم في ذلك على أقوال:
القول الأول: أفضلها التمتع، وهو اختيار ابن عباس، وابن عمر ﵃، وهو قول الحسن، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، وجابر بن زيد، وسالم، وعكرمة، وهو المشهور عن أحمد، وقولٌ للشافعي.
واستدلوا بأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أمر أصحابه بذلك كما في الأحاديث المشهورة المتواترة، وقال لهم: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي، ولجعلتها عمرة» (٢)، فَتَأَسُّفُ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عليه يدلُّ على فضله، ولأنَّ المتمتع
стр. 2398
يجتمع له الحج والعمرة في أشهر الحج مع كمالهما وكمال أفعالهما على وجه اليسر، والسهولة مع زيادة نسك؛ فكان ذلك أولى.
القول الثاني: أفضلها القِرَان، وهو قول الثوري، وأصحاب الرأي؛ لحديث أنس في «الصحيحين» (١) قال: سمعت النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يقول: «لبيك عمرةً وحجًّا»، وحديث الصبي بن معبد أنه أهل بهما، فقال له عمر: هُديت لسنة نبيك -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-؛ (٢) ولأنَّ القِران مبادرة إلى فعل العبادة، وإحرام بالنسكين من الميقات، وفيه زيادة نسك هو الدم؛ فكان أولى.
القول الثالث: أفضلها الإفراد، وهو مذهب مالك، والشافعي، وأبي ثور.
واستدلوا بما جاء عن جابر، وعائشة ﵄، أنهم خرجوا مع النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مُهِلِّين بالحج، لا يذكرون إلا الحج. وبحديث ابن عمر: لبَّى بالحج وحده -يعني النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- - وكلها في «الصحيح». (٣)
واستدلوا بأنه صحَّ عن أبي بكر، وعمر، وعثمان ﵃ كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (٤/ ٣٧٦)، أنهم جردوا الحج.
وبقول عمر ﵁ كما في «صحيح مسلم» (١٢١٧): اِفْصِلُوا حَجَّكُم مِنْ
стр. 2399
عُمْرَتِكم؛ فَإِنَّه أَتَمُّ لِحَجِّكُم، وَأَتَمُّ لِعُمْرَتِكُم.
قال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول هو الصواب؛ لِمَا تقدَّم من الأدلة، وأما كون النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَرَنَ ولم يتمتع؛ فكان ذلك بسب سوق الهدي، وقد تمنَّى ﵊ أنه لم يسقه، وأحلَّ كما أحلُّوا، وجعلها عمرة؛ ولذلك فمن ساق الهدي فالأفضل في حقِّه القِرَان، كما قال أحمد ﵀، وكذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
وأما ما جاء من أنَّ الخلفاء أفردوا فقد خالفهم غيرهم من الصحابة كما تقدم، وأما الأحاديث التي فيها أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أفرد فقد عارضها أحاديث أخرى في «الصحيحين» في أنه قرن، وفي بعضها أنه تمتع.
قال النووي ﵀ في «شرح مسلم» (٨/ ١٣٥): وَالصَّحِيح أَنَّهُ ﷺ كَانَ أَوَّلًا مُفْرِدًا ثُمَّ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ بَعْد ذَلِكَ، وَأَدْخَلَهَا عَلَى الْحَجّ؛ فَصَارَ قَارِنًا.
ثم قال: فَمَنْ رَوَى الْإِفْرَاد هُوَ الْأَصْل، وَمَنْ رَوَى الْقِرَان اِعْتَمَدَ آخِر الْأَمْر، وَمَنْ رَوَى التَّمَتُّع أَرَادَ التَّمَتُّع اللُّغَوِيّ، وَهُوَ: الِانْتِفَاع وَالِارْتِفَاق، وَقَدْ اِرْتَفَقَ بِالْقِرَانِ كَارْتِفَاقِ الْمُتَمَتِّع، وَزِيَادَة فِي الِاقْتِصَار عَلَى فِعْل وَاحِد، وَبِهَذَا الْجمْع تَنْتَظِم الْأَحَادِيث كُلّهَا. اهـ
وهناك جمعٌ آخر:
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٥/ ٨٧): يُمْكِنُ الجمْعُ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ، بِأَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ، ثُمَّ لَمْ يَحِلَّ مِنْهَا لِأَجْلِ هَدْيِهِ، حَتَّى أَحْرَمَ بِالْحَجِّ،
стр. 2400
فَصَارَ قَارِنًا، وَسَمَّاهُ مَنْ سَمَّاهُ مُفْرِدًا؛ لِأَنَّهُ اشْتَغَلَ بِأَفْعَالِ الْحَجِّ وَحْدَهَا، بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ أَفْعَالِ الْعُمْرَةِ. اهـ
وأحسن من الجمع المتقدم ببيانٍ هو كلام شيخ الإسلام الذي نقله عنه ابن القيم في «الزاد» (٢/ ١١٨ - ).
قال ﵀: وَالصّوَابُ أَنّ الْأَحَادِيثَ فِي هَذَا الْبَابِ مُتّفِقَةٌ لَيْسَتْ بِمُخْتَلِفَةٍ إلّا اخْتِلَافًا يَسِيرًا يَقَعُ مِثْلُهُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ؛ فَإِنّ الصّحَابَةَ ثَبَتَ عَنْهُمْ أَنّهُ تَمَتّعَ، وَالتّمَتّعُ عِنْدَهُمْ يَتَنَاوَلُ الْقِرَانَ، وَاَلّذِينَ رُوِيَ عَنْهُمْ أَنّهُ أَفْرَدَ رُوِيَ عَنْهُمْ أَنّهُ تَمَتّعَ.
ثم ذكر عن عثمان، وعلي، وعمران بن حصين، وعمر ﵃ أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- تمتع.
قَالَ: فَهَؤُلَاءِ الْخُلَفَاءُ الرّاشِدُونَ عُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيّ، وَعِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ رُوِيَ عَنْهُمْ بِأَصَحّ الْأَسَانِيدِ أَنّ رَسُولَ الله ﷺ قَرَنَ بَيْنَ الْعُمْرَةِ وَالْحَجّ، وَكَانُوا يُسَمّونَ ذَلِكَ تَمَتّعًا، وَهَذَا أَنَسٌ يَذْكُرُ أَنّهُ سَمِعَ النّبِيّ ﷺ يُلَبّي بِالْحَجّ وَالْعُمْرَةِ جَمِيعًا. (١) وَمَا ذَكَرَهُ بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ الْمُزَنِيّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنّهُ لَبّى بِالْحَجّ وَحْدَه (٢)؛ فَجَوَابُهُ: أَنّ الثّقَاتِ الّذِينَ هُمْ أَثْبَتُ فِي ابْنِ عُمَرَ مِنْ بَكْرٍ، مِثْلَ سَالِمٍ ابْنِهِ، وَنَافِعٍ، رَوَوْا عَنْهُ أَنّهُ قَالَ: تَمَتّعَ رَسُولُ الله ﷺ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجّ.
ثم قال: وَيُشْبِهُ أَنّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ لَهُ: (أَفْرَدَ الْحَج)؛ فَظَنّ أَنّهُ قَالَ: (لَبَّى بِالْحَجّ)؛ فَإِنّ إفْرَادَ الْحَجّ كَانُوا يُطْلِقُونَهُ وَيُرِيدُونَ بِهِ إفْرَادَ أَعْمَالِ الْحَجّ وَذَلِكَ رَدّ مِنْهُمْ عَلَى
مِنْهُ، بَلْ بَقِيَ عَلَى إحْرَامِهِ لِأَجْلِ سَوْقِ الْهَدْيِ؛ فَالْأَحَادِيثُ الْكَثِيرَةُ تَرُدّ قَوْلَهُ أَيْضًا، وَهُوَ أَقَلّ غَلَطًا، وَإِنْ أَرَادَ تَمَتّعَ الْقِرَانِ؛ فَهُوَ الصّوَابُ الّذِي تَدُلّ عَلَيْهِ جَمِيعُ الْأَحَادِيثِ الثّابِتَةِ، وَيَأْتَلِفُ بِهِ شَمْلُهَا، وَيَزُولُ عَنْهَا الْإِشْكَالُ وَالِاخْتِلَافُ. اهـ (١)
مسألة [٤]: هل يلزم من ساق الهدي أن يحرم قارنًا ؟
• ذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا يلزمه القران، وله أن يتمتع، وأن ساق الهدي، وهو مذهب مالك، والشافعي؛ لأن الصحابة منهم من أفرد، ومنهم من قرن، ومنهم من تمتع.
• ومذهب الحنفية أنه يتمتع، ولكن لا يحل حتى يكون يوم النحر، وهو قول الحسن، والنخعي، والثوري، وأبي ثور؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾.
• ومذهب الحنابلة: أنه يصير قارنًا، ويلزمه ذلك؛ للآية المتقدمة، وهو اختيار شيخ الإسلام، ثم العثيمين رحمة الله عليهما.
• وعن عطاء، وأحمد في رواية: إذا قدم قبل العشر؛ طاف وسعى، وينحر هديه، وإن قدم في العشر؛ لم ينحره إلى يوم النحر.
• وعن مالك وابن المنذر: إذا أهدى للعمرة؛ ذبحه بعد العمرة، وحلَّ، وعليه هدي آخر يوم النحر.
قال أبو عبد الله غفر الله له: الذي يظهر لي أنه يلزمه القران؛ للآية المتقدمة؛
стр. 2403
إلا أن يكون نوى بالهدي هدي تطوع يذبحه بعد العمرة فله أن يتمتع، وبالله التوفيق. (١)
مسألة [٥]: إذا أحرم بنسك، ثم نسيه قبل الطواف ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٥/ ٩٨): إذَا أَحْرَمَ بِنُسُكٍ، ثُمَّ نَسِيَهُ قَبْلَ الطَّوَافِ، فَلَهُ صَرْفُهُ إلَى أَيِّ الْأَنْسَاكِ شَاءَ، وَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ يَجْعَلُهُ عُمْرَةً. قَالَ الْقَاضِي: هَذَا عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِحْبَابِ؛ لِأَنَّهُ إذَا اُسْتُحِبَّ ذَلِكَ فِي حَالِ الْعِلْمِ، فَمَعَ عَدَمِهِ أَوْلَى. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَصْرِفُهُ إلَى الْقِرَانِ. وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي الْجدِيدِ، وَقَالَ فِي الْقَدِيمِ: يَتَحَرَّى، فَيَبْنِي عَلَى غَالِبِ ظَنِّهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ شَرَائِط الْعِبَادَةِ، فَيَدْخُلُهُ التَّحَرِّي كَالْقِبْلَةِ. وَمُنْشَأُ الْخِلَافِ عَلَى فَسْخِ الْحَجِّ إلَى الْعُمْرَةِ؛ فَإِنَّهُ جَائِزٌ عِنْدَنَا، وَغَيْرُ جَائِزٍ عِنْدَهُمْ. انتهى باختصار.
وما قرَّره ابن قدامة هو الصواب، والله أعلم.
مسألة [٦]: هل له أن يحرم بما أحرم به فلان ؟
في «الصحيحين» (٢) أنَّ أبا موسى وعليًّا أهلَّا بما أهلَّ به النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وكان أبو موسى لم يَسُقِ الهدي، فأمره النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أن يحل ويجعلها عمرةً، وكان عليٌّ معه هديٌ، فبقي على إحرامه.
• فذهب جمهور العلماء، وهو مذهب أحمد، والشافعي إلى جواز ومشروعية
стр. 2404
إبهام الإحرام.
• وخالف المالكية، والحنفية، فقالوا: لا يصح الإحرام على الإبهام.
وكأنَّ هذا اختيار البخاري، فقد بوَّب في «صحيحه»: [باب من أهلَّ في زمن النبي ﷺ كإهلال النبي ﷺ ].
وهذا ظاهره أنه يرى الخصوصية، ومأخذ ذلك بأنَّ الأحكام لم تكن استقرت، وأما الآن فقد استقرت وعرفت مراتب الإحرام.
وما ذهب إليه الجمهور أصحُّ؛ لعدم وجود دليل يعتمد عليه على الخصوصية. (١)
مسألة [٧]: أحوال من أبهم إحرامه .
قال ابن قدامة ﵀: لَا يَخْلُو مَنْ أَبْهَمَ إحْرَامَهُ مِنْ أَحْوَالٍ أَرْبَعَةٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَعْلَمَ مَا أَحْرَمَ بِهِ فُلَانٌ. فَيَنْعَقِدُ إحْرَامُهُ بِمِثْلِهِ؛ فَإِنَّ عَلِيًّا قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : «مَاذَا قُلْت حِينَ فَرَضْت الْحَجَّ؟» قَالَ: قُلْت: اللَّهُمَّ إنِّي أُهِلُّ بِمَا أَهَلَّ بِهِ رَسُولُ الله ﷺ . قَالَ: «فَإِنَّ مَعِي الْهَدْيَ، فَلَا تَحِلَّ». (٢)
الثّانِي: أَنْ لَا يَعْلَمَ مَا أَحْرَمَ بِهِ فُلَانٌ، فَيَكُون حُكْمُهُ حُكْمَ النَّاسِي.
الثّالِثُ: أَنْ لَا يَكُونَ فُلَانٌ أَحْرَمَ. فَيَكُونَ إحْرَامُهُ مُطْلَقًا حُكْمُهُ حُكْم الفَصْل الَّذِي قَبْلَهُ -يعني إبهام الإحرام-.
بَابُ الإِحْرَامِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ
كِتَابُ الحَجِّ
معنى الإحرام:
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: الإحرام مأخوذٌ من التحريم، ومعنى أحرم، أي: دخل في الحرام، كأنجد، أي: دخل في نجد.
قال: والمراد به هنا: نية النُّسك، يعني نية الدخول فيه، لا نية أنه يعتمر، أو أنه يحج، وبين الأمرين فرق ...
قال: فنية الفعل لا تؤثر، لكن نية الدخول فيه هي التي تؤثر، وسُمِّيت نية الدخول في النسك إحرامًا؛ لأنه إذا نوى الدخول في النسك؛ حرَّمَ على نفسه ما كان مباحًا قبل الإحرام، فيحرم عليه مثلًا: الرَّفث، والطِّيب، وحلق الرأس، والصيد، وغير ذلك (١). اهـ (٢)
стр. 2407
٧١١ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: مَا أَهَلَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَّا مِنْ عِنْدِ المَسْجِدِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: حكم نية الإحرام .
لا ينعقد الإحرام إلا بالنية؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنما الأعمال بالنيات»، وهو مذهب مالك، والشافعي، وأحمد. وقال داود وجماعةٌ من أهل الظاهر: ينعقد بمجرد التلبية. قال داود: ولا تكفي النية، بل لا بد من التلبية، ورفع الصوت بها. وقال أبو حنيفة: لا ينعقد الإحرام إلا بالنية مع التلبية، أو مع سوق الهدي.
قال النووي ﵀: واحتج لهم بأنَّ النبي ﷺ لبَّى وقال: «لَتأخذوا عنِّي مناسككم» (٢)، واحتج داود لوجوب رفع الصوت بحديث خلَّاد بن السائب وسيأتي في الباب.
قال: واستدل أصحابنا بما ذكره المصنف -يعني حديث: «إنما الأعمال بالنيات ... » - وحملوا أحاديث التلبية على الاستحباب، والله أعلم. اهـ
قلتُ: الصواب هو قول الجمهور، والله أعلم.
وقد صح عن ابن عمر ﵄ ما يفيد ذلك؛ فقد أخرج ابن أبي شيبة (٤/ ٤٤١)
стр. 2408
بإسناد صحيح عنه أنه قال: يكفيك النية في الحج والعمرة إذا أردت أن تُحرم. (١)
مسألة [٢]: الوقت المستحب للإحرام في الميقات .
حديث ابن عمر الذي في الباب كان يقوله ردًّا على من يقول: (أهلَّ رسول الله ﷺ من البيداء)، فكان يقول: ما أهلَّ رسول الله ﷺ إلا من عند المسجد.
وفي «الصحيحين» في هذا الحديث: «أهلَّ حين استوت به راحلته قائمةً»، وفي لفظ لمسلم: «أهل من عند الشجرة حين قام به بعيره».
فهذه الأحاديث فيها استحباب الإهلال عند الإحرام، والإهلال هو رفع الصوت بالتلبية، وفي هذا الحديث أنه بدأ بالإهلال حين استوى على راحلته.
وقد عارض حديثَ ابن عمر حديثُ جابر في «صحيح مسلم» (١٢١٨): «حتى إذا استوت به على البيداء أهلَّ بالتوحيد»، وأخرجه البخاري (١٥٥١)(١٥٤٥) أيضًا عن أنس، وابن عباس ﵃.
وجاء في «سنن أبي داود» (١٧٧٠)، من حديث ابن عباس ﵄: «لما صلَّى في مسجد ذي الحليفة أوجب من مجلسه»، وفي إسناده: خصيف الجزري، وهو سيء الحفظ.
قال الحافظ ابن حجر ﵀: البيداء هذه فوق علمي ذي الحليفة لمن صعد من الوادي، قاله أبو عبيد البكري وغيره. اهـ
стр. 2409
قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى-: وقد اتفق فقهاء الأمصار على جواز جميع ذلك، وإنما الخلاف في الأفضل. اهـ «الفتح» (١٥٤١).
قال النووي ﵀ في «المجموع» (٧/ ٢٢٣): الأصح عندنا أنه يستحب إحرامه عند ابتداء السير، وانبعاث الراحلة، وبه قال مالك، والجمهور من السلف والخلف. وقال أبو حنيفة، وأحمد، وداود: إذا فرغ من الصلاة. اهـ
قال أبو عبد الله غفر الله له: وفي مذهب أحمد أيضًا استحبابه من حين يستوي على راحلته كما في «المغني» (٥/ ١٠٠ - ١٠١)، والحديث الذي فيه أنه أهلَّ من مجلسه بعد صلاته ضعيفٌ كما تقدم، وأما ما تقدم من أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أهلَّ من البيداء؛ فلا يُعارض حديث ابن عمر؛ لأنَّ ابن عمر عنده زيادة علم، وأولئك سمعوه يهل بالبيداء؛ فظنُّوا أنه ابتدأ من هنالك، وكان -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قد ابتدأ من حين استوى على بعيره، والله أعلم. (١)
مسألة [٣]: هل يستحب أن يذكر ما يريد أن يحرم به قبل التلبية ؟
استحبَّهُ جماعةٌ من أهل العلم كما في «المغني» (٥/ ٨٢، ٩١، ٩٥).
قال شيخ الإسلام ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٢٦/ ١٠٥): ولكن تنازع العلماء هل يستحب أن يتكلم بذلك -يعني كأن يقول: (اللهم إني أريد الحج، أو: أريد العمرة، أو: أريدهما، أو: اللهم إني أوجبت عمرة، أو: أوجبت حجًّا، أو: أوجبت حجة وعمرة-.
стр. 2410
قال: والصواب المقطوع به أنه لا يستحب شيء من ذلك؛ فإن النبي ﷺ لم يشرع للمسلمين شيئًا من ذلك، ولا كان يتكلم قبل التلبية بشيء من ألفاظ النية، لا هو ولا أصحابه ...
قال: وكان يقول في تلبيته: «لبيك عمرة وحجًّا»، وكان يقول للواحد من أصحابه: «بم أهللت؟» وقال في المواقيت: «مهل أهل المدينة ذو الحليفة، ومهل أهل الشام الجحفة، ومهل أهل اليمن يلملم، ومهل أهل نجد قرن المنازل، ومهل أهل العراق ذات عرق، ومن كان دونهن؛ فمهله من أهله» (١)، والإهلال هو التلبية، فهذا هو الذي شرع النبي ﷺ للمسلمين التكلم به في ابتداء الحج والعمرة. اهـ
وما رجَّحه شيخ الإسلام هو الذي صححه الإمام ابن عثيمين ﵀ كما في «الشرح الممتع» (٧/ ٧٩)، وهو الصواب، وبالله التوفيق.
مسألة [٤]: الإحرام عَقِبَ الصلاة .
استحبَّ أهل العلم أن يُحرِمَ عَقِبَ صلاةٍ، فرضًا كانت أو نفلًا؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أحرم عَقِبَ الصلاة كما في «صحيح مسلم» (١٢١٨)(١٢٤٣)، من حديث ابن عباس، وجابر ﵃، وأخرج مسلمٌ في «صحيحه» (١١٨٤)(٢١) عن ابن عمر، قال: «كان رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يركع بذي الحليفة ركعتين، ثم إذا استوت به الناقة قائمةً عند مسجد ذي الحليفة أهلَّ ... ».
стр. 2411
وأخرج البخاري (١٥٣٤)، من حديث عمر بن الخطاب ﵁، قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بوادي العقيق يقول: «أتاني الليلة آتٍ من ربي، فقال: صلِّ في هذا الوادي المبارك، وقل: عمرة في حجة».
واختار شيخ الإسلام أنه يحرم عقيب فرضٍ إن كان وقته.
قال: وإلا فليس للإحرام صلاة تخصُّه.
ومال إلى قوله الشيخ ابن عثيمين ﵀.
قلتُ: حديث ابن عمر المتقدم يدل على أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يُحرم عَقِبَ الصلاة، ويظهر من لفظ الحديث أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يتحرى أن يجعل إحرامه عَقِبَ الصلاة، والله أعلم.
وهاتان الركعتان ليستا ركعتين خاصة بالإحرام كما قال شيخ الإسلام، بل يصلح أن يصلِّيَ ضحًى أونفلًا مطلقًا في غير وقت النهي، ثم يحرم، والله أعلم. (١)
فائدة: قال صاحب «الإنصاف» (٣/ ٣٩١): لا يصلي الركعتين في وقتِ نهيٍ على الصحيح من المذهب، وعليه الأصحاب. اهـ
قلتُ: وهو الظاهر؛ لأنها ليست من ذوات الأسباب، وليست صلاةً للإحرام، والله أعلم.
стр. 2412
مسألة [٥]: استقبال القبلة، والتسبيح، والتحميد، والتكبير قبل الإهلال بالتلبية .
استحب ذلك جماعة من أهل العلم؛ لما روى البخاري في «صحيحه» (١٥٥٣)، عن نافع، عن ابن عمر ﵄: أنه كان إذا صلى الغداة بذي الحليفة أمر براحلته، فرحلت، ثم ركب، فإذا استوت به استقبل القبلة قائمًا، ثم يلبي، ثم يذكر عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنه فعل ذلك.
ولما أخرجه البخاري (١٥٥٢)، عن أنس ﵁: أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ركب حتى إذا استوت به على البيداء حمد الله، وسبح، وكبر، ثم أهل بحج وعمرة، وأهل الناس بهما.
стр. 2413
٧١٢ - وَعَنْ خَلَّادِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ أَبِيهِ ﵄، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «أَتَانِي جِبْرِيلُ، فَأَمَرَنِي أَنْ آمُرَ أَصْحَابِي أَنْ يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالإِهْلَالِ». رَوَاهُ الخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: حكم التلبية .
• في هذه المسألة ثلاثة أقوال:
الأول: أنها سُنَّة، وهو مذهب أحمد، والشافعي، والحسن بن حي؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لبَّى هو وأصحابه واستمروا على ذلك، وهي من شعائر الحج.
الثاني: واجبة، وإذا تركها؛ فعليه دمٌ، وهو مذهب المالكية؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-
стр. 2414
لبَّى، وقال: «لتأخذوا عني مناسككم» (١)، ولحديث السائب بن خلاد الذي في الكتاب، وهو قول بعض الشافعية.
الثالث: أنها شرط لصحة الإحرام، وهو مذهب الثوري، وأبي حنيفة، والظاهرية، قال ابن حزمٍ: (وهو فرضٌ ولو مرة) وهو قول عطاء وبعض الشافعية.
قال أبو عبد الله غفر الله له: أما حديث: «خذوا عني مناسككم»؛ فهو حديث مجملٌ، ومعناه: أن نفعل كما فعل رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في الحج، فما كان واجبًا؛ فعلناه على سبيل الوجوب، وما كان مستحبًّا؛ فعلناه على سبيل الاستحباب، ولا يصح أن يقال: (كل ما فعله رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في الحج فهو واجبٌ)؛ لهذا الحديث، فقد أجمع أهل العلم على أنَّ كثيرًا من الأفعال التي فعلها النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ليست واجبة، بل مستحبة؛ وعلى هذا فيؤخذ الوجوب والاستحباب من أدلة أخرى، والله أعلم.
وأما حديث السائب بن خلاد؛ فإنَّ الأمر على سبيل الاستحباب، فإنَّا لا نعلم أحدًا أوجب رفع الصوت في التلبية غير داود، وابن حزم، ومع ذلك فقال ابن حزم: (فرض ولو مرة)، ولا نعلم له دليلًا على تخصيص الوجوب بمرة.
فالظاهر أنَّ الراجح هو القول الأول، والله أعلم.
ولا ينبغي لإنسان أن يترك التلبية؛ للخلاف في وجوبها، ولفضيلتها، فقد صحَّ عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- من حديث سهل ابن سعد أنه قال: ما من مسلم يلبِّي إلا لبَّى ما عن يمينه وشماله من حجر، أو شجر، أو مدر حتى تنقطع الأرض من هاهنا، وهاهنا.
стр. 2415
رواه الترمذي (٨٢٨)، وابن ماجه (٢٩٢١)، وهو حديث صحيح، وقد صححه شيخنا ﵀ في «الصحيح المسند» (٤٦٨). (١)
مسألة [٢]: رفع الصوت بالتلبية .
دلَّ حديث الباب على استحباب رفع الصوت بالتلبية، وفي «البخاري» (١٥٤٨) عن أنس، و «مسلم» (١٢٤٨) عن أبي سعيد: أنهم كانوا يصرخون بها صراخًا.
وصحَّ عن ابن عمر أنه رفع صوته حتى أسمع ما بين الجبلين. أخرجه ابن أبي شيبة (٤/ ٤٦٣)، وصحَّ عن أبي حازم كما في «المحلَّى» (٧/ ٩٤)، أنه قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ إذا أحرموا لم يبلغوا الروحاء حتى تبح أصواتهم.
• وقد ذهب عامة أهلُ العلم إلى استحباب رفع الصوت بالتلبية.
• وذهب داود، وابن حزم إلى وجوب رفع الصوت بالتلبية، ولو مرة، ومن لم يرفع صوته بالتلبية، ولا مرة واحدة؛ فحجُّه باطلٌ إذا كان عالمًا متعمدًا.
والصواب هو الاستحباب كما قال الجمهور، والله أعلم. (٢)
مسألة [٣]: رفع المرأة صوتها بالتلبية .
• ذهب ابن حزمٍ ﵀ إلى أنَّ حكمها حكم الرجل: يجب عليها أن ترفع
стр. 2416
صوتها بالتلبية ولو مرة، وخالفه عامة أهل العلم.
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٥/ ١٦٠): قال ابن عبد البر: أجمع العلماء على أنَّ السنة في المرأة أن لا ترفع صوتها، وإنما عليها أن تُسمع نفسها. اهـ (١)
مسألة [٤]: هل يستحب ذكر ما أحرم به في تلبيته ؟
• ذهب أحمد وأصحابه إلى استحباب ذلك؛ لما روى أنس ﵁ كما في «الصحيحين» قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يقول: «لبيك عمرة وحجًّا»، وعنه في «البخاري» (١٥٤٨)، قال: سمعتهم يصرخون بهما صراخًا. وعن أبي سعيد ﵁ في «مسلم» (١٢٤٨): خرجنا مع النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نصرخ بالحج صراخًا. وحديث جابر في «مسلم» (١٢١٣): قدم النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وأصحابه مهلين بالحج.
• وذهب الشافعي إلى عدم استحباب ذلك؛ لحديث جابر ﵁، قال: ما سمَّى النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في تلبيته حجًّا ولا عمرة. وجاء عن ابن عمر ﵄ أنه سمع رجلًا يلبي بالحج فضرب صدره، وقال: تعلمه ما في نفسك. أخرجه البيهقي (٥/ ٤٠)، وإسناده ضعيفٌ، فيه عنعنة ابن جريج، وهو مدلس.
قلتُ: القول الأول هو الصواب؛ لقوة أدلتهم، وأما حديث جابر الذي استدلوا به؛ فقد أخرجه الشافعي كما في «المسند» (١/ ٣٧٠)، وفي إسناده: إبراهيم بن أبي يحيى، وهو كذاب، وأثر ابن عمر ﵄، فيه ضعفٌ، والذي صحَّ عنه كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (٤/ ٤٤١)، أنه قال: يكفيك النية في الحج والعمرة إذا
стр. 2417
أردت أن تحرم. وإسناده صحيح. وهذا يدل على أنَّ الإحرام ينعقد بالنية، ولا يشترط التلبية به في انعقاد الحج، ولا يدل على أنه لا يستحب ذلك، والله أعلم. (١)
مسألة [٥]: رفع الصوت بالتلبية بالأمصار والمساجد .
• ذهب أحمد، ومالك إلى عدم رفع الصوت بالتلبية في الأمصار والمساجد؛ إلا في مكة، والمسجد الحرام.
• وذهب الشافعي إلى أنه يرفع صوته في المساجد كلها؛ أخذًا بعموم حديث الباب.
قلتُ: الرفع بالصوت مستحبٌّ، فإذا وجد من يتأذى برفع صوته من القائمين بتلك المساجد؛ فلا يرفع صوته؛ لحديث أبي سعيد ﵁: «كلكم مناجٍ ربه، فلا يؤذين بعضكم بعضًا، ولا يرفع بعضكم على بعضٍ في القراءة» أخرجه أبو داود (١٣٣٢) بإسناد صحيح، وصححه شيخنا الإمام الوادعي ﵀، وأكرمه برضوانه في «الصحيح المسند» (٤١٩). (٢)
مسألة [٦]: التلبية بغير العربية .
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٥/ ١٠٧): ولا يلبي بغير العربية؛ إلا أن يعجز عنها؛ لأنه ذِكْرٌ مشروعٌ، فلا يشرع بغير العربية، كالأذان والأذكار المشروعة في الصلاة. اهـ
стр. 2418
٧١٣ - وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَجَرَّدَ لِإِهْلَالِهِ وَاغْتَسَلَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: غسل المحرم عند إرادة الإحرام .
• ذهب عامَّةُ أهل العلم إلى الاستحباب؛ للأحاديث المتقدمة، وقال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن الإحرام جائزٌ بغير اغتسال، وأنه غير واجبٍ. وحُكِي عن الحسن أنه قال: إذا نسي الغسل يغتسل إذا ذكر.
قال ابن قدامة ﵀: وقال الأثرم: سمعت أبا عبد الله قيل له عن بعض أهل المدينة: من ترك الاغتسال عند الإحرام فعليه دمٌ. فأظهر التعجب من هذا القول.
قلتُ: وذهب ابن حزمٍ إلى وجوبه على النفساء خاصَّة؛ لحديث جابر ﵁، في «صحيح مسلم» (١٢١٨): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أمرها أن تغتسل وتهل.
والصواب ما ذهب إليه الجمهور -أعني الاستحباب- حتى في حق النفساء،
стр. 2419
والأمر الذي في حديث جابر محمولٌ على الاستحباب، وإنما أمرها لكونه كان جوابًا لسؤالها حين أرسلت إلى النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- تسأله كيف تصنع؟ فأمرها بذلك، والله أعلم. (١)
مسألة [٢]: التنظف عند الإحرام .
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٥/ ٧٦): وَيُسْتَحَبُّ التَّنَظُّفُ بِإِزَالَةِ الشَّعَثِ، وَقَطْعِ الرَّائِحَةِ، وَنَتْفِ الْإِبِطِ، وَقَصِّ الشَّارِبِ، وَقَلْمِ الْأَظْفَارِ، وَحَلْقِ الْعَانَةِ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ يُسَنُّ لَهُ الِاغْتِسَالُ وَالطِّيبُ، فَسُنَّ لَهُ هَذَا كَالْجمُعَةِ، وَلِأَنَّ الْإِحْرَامَ يَمْنَعُ قَطْعَ الشَّعْرِ وَقَلْمَ الْأَظْفَارِ، فَاسْتُحِبَّ فِعْلُهُ قَبْلَهُ؛ لِئَلَّا يَحْتَاجَ إلَيْهِ فِي إحْرَامِهِ، فَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْهُ. اهـ