صوتها بالتلبية ولو مرة، وخالفه عامة أهل العلم.
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٥/ ١٦٠): قال ابن عبد البر: أجمع العلماء على أنَّ السنة في المرأة أن لا ترفع صوتها، وإنما عليها أن تُسمع نفسها. اهـ (١)
مسألة [٤]: هل يستحب ذكر ما أحرم به في تلبيته ؟
• ذهب أحمد وأصحابه إلى استحباب ذلك؛ لما روى أنس ﵁ كما في «الصحيحين» قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يقول: «لبيك عمرة وحجًّا»، وعنه في «البخاري» (١٥٤٨)، قال: سمعتهم يصرخون بهما صراخًا. وعن أبي سعيد ﵁ في «مسلم» (١٢٤٨): خرجنا مع النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نصرخ بالحج صراخًا. وحديث جابر في «مسلم» (١٢١٣): قدم النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وأصحابه مهلين بالحج.
• وذهب الشافعي إلى عدم استحباب ذلك؛ لحديث جابر ﵁، قال: ما سمَّى النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في تلبيته حجًّا ولا عمرة. وجاء عن ابن عمر ﵄ أنه سمع رجلًا يلبي بالحج فضرب صدره، وقال: تعلمه ما في نفسك. أخرجه البيهقي (٥/ ٤٠)، وإسناده ضعيفٌ، فيه عنعنة ابن جريج، وهو مدلس.
قلتُ: القول الأول هو الصواب؛ لقوة أدلتهم، وأما حديث جابر الذي استدلوا به؛ فقد أخرجه الشافعي كما في «المسند» (١/ ٣٧٠)، وفي إسناده: إبراهيم بن أبي يحيى، وهو كذاب، وأثر ابن عمر ﵄، فيه ضعفٌ، والذي صحَّ عنه كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (٤/ ٤٤١)، أنه قال: يكفيك النية في الحج والعمرة إذا
стр. 2417
أردت أن تحرم. وإسناده صحيح. وهذا يدل على أنَّ الإحرام ينعقد بالنية، ولا يشترط التلبية به في انعقاد الحج، ولا يدل على أنه لا يستحب ذلك، والله أعلم. (١)
مسألة [٥]: رفع الصوت بالتلبية بالأمصار والمساجد .
• ذهب أحمد، ومالك إلى عدم رفع الصوت بالتلبية في الأمصار والمساجد؛ إلا في مكة، والمسجد الحرام.
• وذهب الشافعي إلى أنه يرفع صوته في المساجد كلها؛ أخذًا بعموم حديث الباب.
قلتُ: الرفع بالصوت مستحبٌّ، فإذا وجد من يتأذى برفع صوته من القائمين بتلك المساجد؛ فلا يرفع صوته؛ لحديث أبي سعيد ﵁: «كلكم مناجٍ ربه، فلا يؤذين بعضكم بعضًا، ولا يرفع بعضكم على بعضٍ في القراءة» أخرجه أبو داود (١٣٣٢) بإسناد صحيح، وصححه شيخنا الإمام الوادعي ﵀، وأكرمه برضوانه في «الصحيح المسند» (٤١٩). (٢)
مسألة [٦]: التلبية بغير العربية .
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٥/ ١٠٧): ولا يلبي بغير العربية؛ إلا أن يعجز عنها؛ لأنه ذِكْرٌ مشروعٌ، فلا يشرع بغير العربية، كالأذان والأذكار المشروعة في الصلاة. اهـ
стр. 2418
٧١٣ - وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَجَرَّدَ لِإِهْلَالِهِ وَاغْتَسَلَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: غسل المحرم عند إرادة الإحرام .
• ذهب عامَّةُ أهل العلم إلى الاستحباب؛ للأحاديث المتقدمة، وقال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن الإحرام جائزٌ بغير اغتسال، وأنه غير واجبٍ. وحُكِي عن الحسن أنه قال: إذا نسي الغسل يغتسل إذا ذكر.
قال ابن قدامة ﵀: وقال الأثرم: سمعت أبا عبد الله قيل له عن بعض أهل المدينة: من ترك الاغتسال عند الإحرام فعليه دمٌ. فأظهر التعجب من هذا القول.
قلتُ: وذهب ابن حزمٍ إلى وجوبه على النفساء خاصَّة؛ لحديث جابر ﵁، في «صحيح مسلم» (١٢١٨): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أمرها أن تغتسل وتهل.
والصواب ما ذهب إليه الجمهور -أعني الاستحباب- حتى في حق النفساء،
стр. 2419
والأمر الذي في حديث جابر محمولٌ على الاستحباب، وإنما أمرها لكونه كان جوابًا لسؤالها حين أرسلت إلى النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- تسأله كيف تصنع؟ فأمرها بذلك، والله أعلم. (١)
مسألة [٢]: التنظف عند الإحرام .
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٥/ ٧٦): وَيُسْتَحَبُّ التَّنَظُّفُ بِإِزَالَةِ الشَّعَثِ، وَقَطْعِ الرَّائِحَةِ، وَنَتْفِ الْإِبِطِ، وَقَصِّ الشَّارِبِ، وَقَلْمِ الْأَظْفَارِ، وَحَلْقِ الْعَانَةِ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ يُسَنُّ لَهُ الِاغْتِسَالُ وَالطِّيبُ، فَسُنَّ لَهُ هَذَا كَالْجمُعَةِ، وَلِأَنَّ الْإِحْرَامَ يَمْنَعُ قَطْعَ الشَّعْرِ وَقَلْمَ الْأَظْفَارِ، فَاسْتُحِبَّ فِعْلُهُ قَبْلَهُ؛ لِئَلَّا يَحْتَاجَ إلَيْهِ فِي إحْرَامِهِ، فَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْهُ. اهـ
تنبيه: من أطلق من الفقهاء تحريم المخيط؛ فمراده هو ما ذكره ابن قدامة من تركِ ما عُمِل على قدر البدن، أو على عضو من أعضائه، وليس المراد ما حصل فيه خياط مطلقًا. (١)
مسألة [٢]: هل يجوز له لبس السراويل إذا لم يجد الإزار، ولبس الخفين إذا لم يجد النعلين ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٥/ ١٢٠): لَا نَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ، فِي أَنَّ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَلْبَسَ السَّرَاوِيلَ إذَا لَمْ يَجِدْ الْإِزَارَ، وَالْخُفَّيْنِ إذَا لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ. وَبِهَذَا قَالَ عَطَاءٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَالثَّوْرِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَغَيْرُهُمْ. اهـ
ثم استدل بحديث ابن عباس، قال: سَمِعْت النَّبِيَّ ﷺ يَخْطُبُ بِعَرَفَاتٍ، يَقُولُ: مَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ الْخُفَّيْنِ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إزَارًا فَلْيَلْبَسْ سَرَاوِيلَ لِلْمُحْرِمِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢)، وَرَوَى جَابِرٌ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَ ذَلِكَ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. (٣)
قلتُ: وهو الصحيح؛ لدلالة الأحاديث المتقدمة عليه، ولكن قد وجد خلاف، فقد قال الحافظ ﵀ في «الفتح» (١٨٤١): وعن أبي حنيفة منعُ السراويل للمحرم مطلقًا، ومثله عن مالك، وكأنَّ حديث ابن عباس لم يبلغه. اهـ
стр. 2422
مسألة [٣]: هل عليه فدية إذا لبس السراويل ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٥/ ١٢٠): وَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ فِي لُبْسِهِمَا عِنْدَ ذَلِكَ، فِي قَوْلِ مَنْ سَمَّيْنَا، إلَّا مَالِكًا وَأَبَا حَنِيفَةَ قَالَا: عَلَى كُلِّ مَنْ لَبِسَ السَّرَاوِيلَ الْفِدْيَةُ؛ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ. اهـ
قلتُ: وهذا يدل على أنَّ مالكًا، وأبا حنيفة يريان منع المحرم من لبس السراويل مطلقًا كما تقدم، ولذلك ألزماه بالفدية إذا احتاج إليه.
والصواب هو مذهب الجمهور بأنه ليس عليه فدية؛ لحديث ابن عباس المتقدم، وهو صريحٌ في الإباحة، ظاهرٌ في إسقاط الفدية؛ لأنه أمر بلبسه ولم يذكر فدية، وحديث ابن عمر مخصوصٌ بحديث ابن عباس، وجابر.
مسألة [٤]: إذا لبس السراويل فهل عليه فتقها حتى تصير كالإزار ؟
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في «الفتح» (١٨٤١): والأصح عند الشافعية، والأكثر جواز لبس السراويل بغير فتق، كقول أحمد، واشترط الفتق محمد بن الحسن، وإمام الحرمين وطائفة. اهـ
والصواب ما ذهب إليه أحمد، وأكثر الشافعية؛ لعدم وجود دليل على اشتراط الفتق، والله أعلم.
مسألة [٥]: إذا لبس الخفين، فهل يلزمه أن يقطعهما من أسفل الكعبين ؟
دلَّ حديث ابن عمر ﵄ الذي في الباب على أنه يقطعهما، وليس للقطع ذِكْرٌ
стр. 2423
في حديث ابن عباس ﵄ في «الصحيحين»، وفي حديث جابر في «مسلم»، وقد تقدما.
قال النووي ﵀ في «شرح مسلم» (٨/ ٧٤ - ٧٥): وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ، فَقَالَ أَحْمَد: يَجُوز لُبْس الْخُفَّيْنِ بِحَالِهِمَا، وَلَا يَجِب قَطْعهمَا؛ لِحَدِيثِ اِبْن عَبَّاس، وَجَابِر. وَكَانَ أَصْحَابه يَزْعُمُونَ نَسْخ حَدِيث اِبْن عُمَر الْمُصَرِّح بِقَطْعِهِمَا، وَزَعَمُوا أَنَّ قَطْعهمَا إِضَاعَة مَال.
وَقَالَ مَالِك، وَأَبُو حَنِيفَة، وَالشَّافِعِيُّ، وَجَمَاهِير الْعُلَمَاء: لَا يَجُوز لُبْسهمَا إِلَّا بَعْد قَطْعهمَا أَسْفَل مِنْ الْكَعْبَيْنِ؛ لِحَدِيثِ اِبْن عُمَر، قَالُوا: وَحَدِيث اِبْن عَبَّاس وَجَابِر مُطْلَقَانِ، فَيَجِب حَمْلهمَا عَلَى الْمَقْطُوعَيْنِ، لِحَدِيثِ اِبْن عُمَر؛ فَإِنَّ الْمُطْلَق يُحْمَل عَلَى الْمُقَيَّد، وَالزِّيَادَة مِنْ الثِّقَة مَقْبُولَة.
وَقَوْلهمْ: إِنَّهُ إِضَاعَة مَال لَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الْإِضَاعَة إِنَّمَا تَكُون فِيمَا نُهِيَ عَنْهُ، وَأَمَّا مَا وَرَدَ الشَّرْع بِهِ فَلَيْسَ بِإِضَاعَةٍ، بَلْ حَقّ يَجِب الْإِذْعَان لَهُ، وَاَللهُ أَعْلَم. اهـ
قلتُ: وقال بقول أحمد: عطاء، وعكرمة، وسعيد القداح، وهوقريب؛ لأنَّ حديث ابن عباس، وجابر كان بعرفات، ولو كان واجبًا؛ لبيَّنه للناس، وحديث ابن عمر كان في المدينة في مسجد النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كما جاء في بعض ألفاظه.
والعمل بقول الجمهور أحوط؛ خروجًا من الخلاف، والله أعلم. (١)
стр. 2424
مسألة [٦]: من لبس الخفين لعدم النعلين هل عليه فدية ؟
قال النووي ﵀ في «شرح مسلم» (٨/ ٧٥): ثُمَّ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي لَابِس الْخُفَّيْنِ لِعَدَمِ النَّعْلَيْنِ، هَلْ عَلَيْهِ فِدْيَة أَمْ لَا؟ فَقَالَ مَالِك، وَالشَّافِعِيّ وَمَنْ وَافَقَهُمَا: لَا شَيْء عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَتْ فِدْيَة لَبَيَّنَهَا ﷺ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة وَأَصْحَابه: عَلَيْهِ الْفِدْيَة. اهـ
قلتُ: والصحيح قول الجمهور.
مسألة [٧]: إذا لبس المقطوع مع وجود النعل .
• ظاهر الأحاديث المتقدمة أنه لا يجوز له لبسه مع وجود النعل، وهو قول الجمهور كما ذكر ذلك الحافظ في «الفتح» (١٥٤٢)، وهو مذهب أحمد، ومالك، والشافعي في قولٍ، كما في «المغني» (٥/ ١٢٢).
• وذهب الحنفية إلى الجواز، وهو قول بعض الشافعية.
والصحيح قول الجمهور؛ إلا أنَّ الجمهور ألزموه بالفدية، ولا نعلم دليلًا على الفدية، والله أعلم.
مسألة [٨]: ما هو المستحب لبسه للمحرم ؟
قال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٧/ ٢١٧): السنة أن يحرم في إزار، ورداء، ونعلين، هذا مجمع على استحبابه. اهـ
قلتُ: ويدل عليه حديث ابن عمر عند أحمد (٢/ ٣٤) بإسناد صحيح، أنَّ النبي
стр. 2425
-صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «وليحرم أحدكم في إزار، ورداء، ونعلين». (١)
مسألة [٩]: هل له أن يعقد الإزار ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٥/ ١٢٤): ويجوز أن يعقد إزاره عليه؛ لأنه يحتاج إليه لستر العورة، فيباح كاللباس للمرأة. اهـ
قال النووي ﵀ في «المجموع» (٧/ ٢٥٥): اتفقت نصوصُ الشافعي، والأصحاب على أنه يجوز أن يعقد الإزار، ويشد عليه خيطان، وأن يجعل له مثل الحجزة، ويدخل فيها التكة ونحو ذلك؛ لأنَّ ذلك من مصلحة الإزار؛ فإنه لا يستمسك إلا بنحو ذلك. اهـ (٢)
مسألة [١٠]: هل له أن يعقد الرداء ؟
• أكثر الشافعية، والحنابلة على منع ذلك؛ لأنه يصير في حكم المخيط، قالوا: وليس له أن يضمه بِزِرٍّ، أو شوكة، أو إبرة، أو خيط، ونحو ذلك.
• قال النووي ﵀: وقالت طائفةٌ من أصحابنا: لا يحرم عقد الرداء كما لا يحرم عقد الإزار، وبهذا قطع إمام الحرمين، والغزالي في «البسيط»، والمتولي وغيرهم، وقالوا: هذا لا يعد مخيطًا. انتهى المراد.
وأجاز ذلك الإمام ابن عثيمين ﵀، ثم قال: لكن الناس توسعوا في هذه المسألة، وصار الرجل يشبك رداءه من رقبته إلى عانته، فيبقى كأنه قميص ليس له
стр. 2426
أكمام، وهذا لا ينبغي. اهـ (١)
فائدة: قال النووي ﵀ في «المجموع» (٧/ ٢٥٥): قال أصحابنا: وله غرز ردائه في طرف إزاره، وهذا لا خلاف فيه؛ لأنه يحتاج إليه للاستمساك. اهـ
قلتُ: لعله أراد عدم الخلاف في مذهبه، وإلا فالخلاف موجود عند الحنابلة كما في «الإنصاف» (٣/ ٤٢١).
مسألة [١١]: ما حكم لبس الْهِمْيَان، والْمِنْطَقَة ؟
الْهِمْيَان: قال الحافظ: هو بكسر الهاء معرَّب، يشبه تكة السراويل، يُجعل فيها النفقة، ويشد في الوسط. وقال صاحب «النهاية»: الهميان هوالمنطقة، والتكة.
قلتُ: يظهر من كلام الفقهاء أنَّ كُلًّا من الهميان والمنطقة يستخدم لحفظ النفقة، ولشد الإزار؛ إلا أنَّ الهميان مقصود في حفظ النفقة، والمنطقة مقصودة في شد الإزار، والله أعلم.
وقد رخَّص في الهميان عامة أهل العلم، وصحَّ ذلك عن عائشة، وابن عباس ﵃، كما في «مصنف ابن أبي شيبة (٤/ ٥٠٨).
وقال ابن عبد البر ﵀: أجاز ذلك فقهاء الأمصار.
قال الحافظ ﵀ في «الفتح»: وأجازوا عقده إذا لم يمكن إدخال بعضه ببعض، ومنع إسحاق عقده، وقيل: إنه تفرد بذلك، وليس كذلك. اهـ ثم أسند عن
стр. 2427
سعيد بن المسيب الخلاف أيضًا.
قلتُ: وكلام إسحاق محمول أيضًا على من لم يمكنه إدخال بعضه ببعض، كما في «المغني» (٥/ ١٢٥).
وأما المنطقة: فإن كان فيها النفقة؛ فحكمها حكم الهميان، وإن لم يكن فيها النفقة؛ ففيها خلافٌ عند الحنابلة كما في «الإنصاف» (٣/ ٤٢١)، وثبت عن ابن عمر ﵄ الكراهة كما في «موطإ مالك» (١/ ٣٢٦)، وإلى الجواز ذهب سعيد بن المسيب، ومالك، وآخرون، كما في «الاستذكار» (١١/ ٤٢ - )، وهو الصواب؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نهى عن أشياء معلومة، وهذا لا يشبه شيئًا منها، والله أعلم. (١)
مسألة [١٢]: تغطية المحرم رأسه .
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٥/ ١٥٠ - ١٥١): قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْمُحْرِمَ مَمْنُوعٌ مِنْ تَخْمِيرِ رَأْسِهِ. وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ نَهْيُ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ لُبْسِ الْعَمَائِمِ وَالْبَرَانِسِ. وَقَوْلُهُ فِي الْمُحْرِمِ الَّذِي وَقَصَتْهُ رَاحِلَتُهُ: «لَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ؛ فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا» (٢)، عَلَّلَ مَنْعَ تَخْمِيرِ رَأْسِهِ بِبَقَائِهِ عَلَى إحْرَامِهِ، فَعُلِمَ أَنَّ الْمُحْرِمَ مَمْنُوعٌ مِنْ ذَلِكَ. اهـ
مسألة [١٣]: هل تدخل الأُذُنان في تحريم تغطية الرأس ؟
• مذهب الحنابلة دخولها في تحريم تغطية الرأس؛ لحديث: «الأذنان من
стр. 2428
الرأس». (١)
• ومذهب الشافعي الإباحة.
والصواب مذهب الحنابلة، فقد صحَّ عن جماعة من الصحابة أنهم قالوا: الأذنان من الرأس.
وأما الحديث ففيه اختلاف تقدمت الإشارة إليه في [كتاب الطهارة]. (٢)
مسألة [١٤]: إن حمل على رأسه مِكْتَلا، أو طبقًا ؟
• ذهب أكثر أهل العلم إلى أنه لا شيء عليه؛ لأنَّ هذا لا يقصد به الستر غالبًا، وهو مذهب عطاء، وأحمد، ومالك، والشافعي في قول، وعن الشافعي قولٌ: أنَّ عليه الفدية. وأخذ بذلك بعض أصحابه، والذي عليه أكثر أصحابه فيما حكاه النووي يقولون بالجواز؛ لِمَا تقدم. (٣)
مسألة [١٥]: هل يَحْرُمُ تغطية الْمُحْرِمِ لِوَجْهِهِ ؟
• في هذه المسألة قولان:
الأول: يُباح للمحرم تغطية وجهه، وصحَّ هذا القول عن عثمان، وجابر، وعبد الله بن عباس، وثبت عن ابن الزبير، كما في «سنن البيهقي» (٥/ ٥٤)، و «المحلَّى» (٧/ ٩١)، و «مصنف ابن أبي شيبة» (٤/ ٣٧١).
стр. 2429
وهو قول القاسم، وطاوس، وعكرمة، وعطاء، والثوري، وإسحاق، والشافعي، وأبي ثور، وداود، وأحمد في رواية، وعزاه النووي لجمهور العلماء، وقالوا: جاءت النصوص بتحريم العمائم، والبَرَانِس، وهذا يدل على تحريم تغطية الرأس فحسب.
الثاني: تحريم تغطية الوجه، وهذا مذهب أبي حنيفة، ومالك، وأحمد في رواية، وصحَّ عن ابن عمر كما في «موطأ مالك» (١/ ٣٢٧)، أنه قال: ما فوق الذقن من الرأس؛ فلا يغطه المحرم.
واستدلوا بحديث ابن عباس ﵄ في قصة المحرم: «ولا تخمروا رأسه ولا وجهه» أخرجه مسلم.
قلتُ: حديث ابن عباس ﵄ مخرجه سعيد بن جبير، وقد رواه عنه غير واحد بدون ذكر الوجه، ومنهم: عمرو بن دينار، والحفاظ من أصحاب عمرو بن دينار يروونه كذلك بدون ذكر الوجه.
قال البيهقي ﵀ في «السنن» (٣/ ٣٩٣): ورواية الجماعة في الرأس وحده، وذكر الوجه فيه غريب، ورواه أبو الزبير عن سعيد بن جبير، فذكر الوجه على شك منه في متنه، ورواية الجماعة الذين لم يشكوا وساقوا المتن أحسن سياقةً أولى بأن تكون محفوظة، والله أعلم. اهـ
وقال الحاكم ﵀ في «معرفة علوم الحديث» (ص ١٤٨): ذكر الوجه تصحيفٌ من الرواة؛ لإجماع الثقات الأثبات من أصحاب عمرو بن دينار على
стр. 2430
روايته عنه: «ولا تغطُّوا رأسه»، وهو المحفوظ. اهـ
قلتُ: ليس هو من باب التصحيف، بل من باب الشاذ، والله أعلم، وقد أشار إلى ذلك البيهقي.
فالَّراجح هو القول الأول، وهو ترجيح الإمام ابن عثيمين ﵀، والله أعلم. (١)
مسألة [١٦]: استظلال المحرم .
أخرج مسلمٌ في «صحيحه» (١٢٩٨) من حديث أم الحصين ﵂، قالت: حججتُ مع رسول الله ﷺ حجة الوداع، فرأيته حين رمى جمرة العقبة وانصرف وهو على راحلته، ومعه بلال، وأسامة، أحدهما يقود به راحلته، والآخر رافعٌ ثوبه على رأس رسول الله ﷺ من الشمس ... الحديث.
قال النووي ﵀ في «شرح مسلم» (٩/ ٤٦): وَفِيهِ: جَوَاز تَظْلِيل الْمُحْرِم عَلَى رَأْسه بِثَوْبٍ وَغَيْره، وَهُوَ مَذْهَبنَا وَمَذْهَب جَمَاهِير الْعُلَمَاء، سَوَاء كَانَ رَاكِبًا أَوْ نَازِلًا، وَقَالَ مَالِك وَأَحْمَد: لَا يَجُوز، وَإِنْ فَعَل لَزِمَتْهُ الْفِدْيَة، وَعَنْ أَحْمَد رِوَايَة: أَنَّهُ لَا فِدْيَة. وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَوْ قَعَدَ تَحْت خَيْمَة أَوْ سَقْف جَازَ. اهـ
قلتُ: الصواب قول الجمهور، وليس مع من منع من ذلك حجة ظاهرة، وقد صحَّ عن ابن عمر ﵄ كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (٤/ ٣٧١) أنه رأى رجلًا محرمًا قد استظل، فقال له: أضح لمن أحرمت له.
стр. 2431
وهذا لا يدل على أن ابن عمر يرى عدم جواز الاستظلال، بل غاية ما يُستفاد منه أنه استحبَّ عدم الاستظلال، والله أعلم.
وأما الأشياء الثابتة، كالخباء، والسقف، والشجر، فاستدلوا له بحديث جابر الطويل في صفة حج النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وفيه: فأمر بِقُبَّةٍ من شعر، فضربت له بِنَمِرة. (١)
مسألة [١٧]: تغطية المحرمة لرأسها .
ذكر أهل العلم أنه يجب على المحرمة أن تغطي رأسها؛ لأنه عورة، وليس حكمها في ذلك كحكم الرجل بالإجماع. (٢)
مسألة [١٨]: تغطية المحرمة لوجهها .
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٥/ ١٥٤): وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَرْأَةَ يَحْرُمُ عَلَيْهَا تَغْطِيَةُ وَجْهِهَا فِي إحْرَامِهَا، كَمَا يَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ تَغْطِيَةُ رَأْسِهِ. لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا، إلَّا مَا رُوِيَ عَنْ أَسْمَاءَ أَنَّهَا كَانَتْ تُغَطِّي وَجْهَهَا وَهِيَ مُحْرِمَةٌ. وَيَحْتَمِلُ أَنَّهَا كَانَتْ تُغَطِّيهِ بِالسَّدْلِ عِنْدَ الْحَاجَةِ، فَلَا يَكُونُ اخْتِلَافًا. اهـ
قلتُ: أثر أسماء ثابت عنها كما في «مستدرك الحاكم» (١/ ٤٥٤)، وصحَّ عن عائشة ﵂، كما في «سنن البيهقي» (٥/ ٤٧)، أنها قالت: ولا تتبرقع، ولا تتلثم، وتسدل الثوب على وجهها إن شاءت.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في «منسكه» (ص ٢٤) كما في «حاشية
стр. 2432
الشرح الممتع» (٧/ ١٥٣): ولو غطت المرأة وجهها بشيء لا يمس الوجه؛ جاز بالاتفاق، وإن كان يمسه: فالصحيح أنه يجوز أيضًا، ولا تكلف المرأة أن تجافي سترتها عن الوجه، لا بعود ولا بيد ولا غير ذلك؛ فإن النبى ﷺ سَوَّى بين وجهها ويديها، وكلاهما كبدن الرجل لا كرأسه، وأزواجه ﷺ كُنَّ يُسْدِلْنَ على وجوههن من غير مراعاة المجافاة، ولم ينقل أحدٌ من أهل العلم عن النبى ﷺ أنه قال: (إحرام المرأة في وجهها)، وإنما هذا قول بعض السلف، لكن النبى ﷺ نهاها أن تنتقب أو تلبس القفازين كما نهى المحرم أن يلبس القميص والخف؛ مع أنه يجوز له أن يستر يديه ورجليه باتفاق الأئمة، والبرقع أقوى من النقاب (١)؛ فلهذا ينهى عنه باتفاقهم، ولهذا كانت المحرمة لا تلبس ما يصنع لستر الوجه كالبرقع ونحوه؛ فإنه كالنقاب. اهـ
قال الإمام ابن عثيمين ﵀ (٧/ ١٥٣): ولم يَرِد عن النبي ﷺ أنه حرَّم على المحرمة تغطية وجهها، وإنما حرَّم عليها النِّقاب فقط؛ لأنه لباس الوجه، وفرقٌ بين النقاب وتغطية الوجه، وعلى هذا: فلو أنَّ المرأة المحرمة غطَّت وجهها؛ لقلنا: هذا لا بأس به، ولكن الأفضل أن تكشفه؛ مالم يكن حولها رجالٌ أجانب، فيجب عليها أن تستر وجهها عنهم. اهـ
стр. 2433
قلتُ: ودليل النهي عن النقاب حديث ابن عمر في «البخاري» (١٨٣٨): «ولا تنتقب المرأة، ولا تلبس القفازين».
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٥/ ١٥٥): وَلَمْ أَرَ هَذَا الشَّرْطَ عَنْ أَحْمَدَ يعني مجافاة الثوب عن الوجه وَلَا هُوَ فِي الْخَبَرِ، مَعَ أَنَّ الظَّاهِرَ خِلَافُهُ؛ فَإِنَّ الثَّوْبَ الْمَسْدُولَ لَا يَكَادُ يَسْلَمُ مِنْ إصَابَةِ الْبَشَرَةِ، فَلَوْ كَانَ هَذَا شَرْطًا؛ لَبُيِّنَ، وَإِنَّمَا مُنِعَتْ الْمَرْأَةُ مِنْ الْبُرْقُعِ، وَالنِّقَابِ، وَنَحْوِهِمَا. اهـ (١)
مسألة [١٩]: لباس القفازين للمحرمة .
• في المسألة قولان:
الأول: التحريم، وهو قول عطاء، وطاوس، ومجاهد، والنخعي، وأحمد، ومالك، وإسحاق، وهو الأصح عند الشافعية، ونصَّ عليه الشافعي في «الأم»، وهذا القول صحَّ عن ابن عمر ﵄، واستدلوا بحديث ابن عمر في «البخاري» (١٨٣٨) مرفوعًا: «ولا تنتقب المرأة، ولا تلبس القفازين».
الثاني: الرخصة، وبه قال عطاء، والثوري، وأبو حنيفة، وبعض الشافعية، وليس معهم دليلٌ صحيحٌ يعتمد عليه بعد ثبوت الحديث في النهي عن ذلك.
والصواب القول الأول، والله أعلم. (٢)
стр. 2434
مسألة [٢٠]: هل للمرأة أن تلبس حُلِيَّهَا ؟
• كره بعض أهل العلم للمرأة أن تلبس حُلِيَّها، وهو قول عطاء، والثوري، وأبي ثور، ورواية عن أحمد، وذلك لأنها من الزينة، والمحرم ينبغي له تركها.
• وذهب جماعةٌ إلى الرخصة في ذلك. قال ابن قدامة: وظاهر مذهب أحمد الرخصة فيه.
قلتُ: وهو قول قتادة، وأصحاب الرأي، وصحَّ عن عائشة ﵂ كما في «مسائل أبي داود» (٧٢٧)، أنها قالت: تلبس المحرمة ما تلبس وهي حلال من خزِّها، وقزِّها، وحُليِّها.
وصحَّ عن ابن عمر أنَّ نساءه وبناته كُنَّ يلبسن الحُلي، فلا ينكر ذلك كما في «مسائل أبي داود» (٧٣٠)، وهذا اختيار ابن المنذر، وهذا القول هو الصواب، ولكن لا ينبغي أن تلبس فوق عادتها في غير الإحرام، والله أعلم. (١)
مسألة [٢١]: هل للمحرم أن يتطيب في بدنه وثوبه ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٥/ ١٤٠): أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْمُحْرِمَ مَمْنُوعٌ مِنْ الطِّيبِ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْمُحْرِمِ الَّذِي وَقَصَتْهُ رَاحِلَتُهُ: «لَا تَمَسُّوهُ بِطِيبٍ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَفِي لَفْظٍ: «لَا تُحَنِّطُوهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢)، فَلَمَّا مُنِعَ الْمَيِّتُ مِنْ الطِّيبِ لِإِحْرَامِهِ؛ فَالْحَيُّ أَوْلَى.
стр. 2435
وقال: لَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا فِي هَذَا يعني في أن المحرم لا يلبس ثوبًا مسَّه الزعفران، أو الورس، أو الطِّيب. اهـ
قلتُ: ودليله حديث الباب: «ولا تلبسوا من الثياب شيئًا مسَّه الزعفران، أو الورس»، وليس الممنوع منه خاصًّا بالزعفران، أو الورس، بل في كل طيبٍ، ويدل عليه حديث الذي وقصته ناقته: «ولا تحنِّطوه»، وهذا مجمع عليه كما في «الفتح» (١٥٤٢) قاله ابن العربي.
وليس تحريم الطيب في البدن، والثياب خاصًّا بالرجل، بل يشمل المرأة بالإجماع، بيَّنَ ذلك الحافظ في «الفتح» (١٨٣٨).
تنبيه: المقصود من تحريم الطيب على المحرم هو التطيب بعد الإحرام، وأما تتطيبه قبل الإحرام فهي مسألة أخرى سيأتي الكلام عليها إن شاء الله.
مسألة [٢٢]: إذا انقطعت الرائحة من الثوب بالغسل، أو طول الزمن ؟
• ذهب الجمهور إلى جواز لبسه للمحرم؛ لأنه نُهِيَ عنه من أجل رائحته، وقد زالت، وهو مذهب أحمد، والشافعي، وغيرهما.
وَشَرَطَ الْجمْهُورُ أَنْ لَا يَعُود الرِّيْحُ إذا رُشَّ بالماء.
• وكره ذلك مالك؛ إلا أنْ يغسل ويذهب لونه مع رائحته.
والصواب قول الجمهور، والله أعلم. (١)
стр. 2436
مسألة [٢٣]: الزعفران وغيره من الطيب إذا جعل في مأكول، أو مشروب ؟
• في المسألة قولان:
الأول: يجوز أكله، أو شربه إذا ذهب الريح بالطبخ، وإلا فلا، وهو مذهب الشافعي، وأحمد.
الثاني: الجواز مطلقًا، وهو مذهب مالك، وأصحاب الرأي؛ لأنه أصبح أكلًا.
قلتُ: الأظهر هو القول الأول؛ لأنَّ الطيب إذا بقيت رائحته فقد مسَّه المحرم أثناء الأكل، أو الشرب، وهو منهيٌ عن ذلك، وهذا ترجيح الإمام ابن عثيمين ﵀ كما في «فتاواه». (١)
مسألة [٢٤]: النبات الذي له ريح طيب .
هُوَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ:
الأول: نوعٌ لا ينبت للطيب، ولا يتخذ منه الطيب، مثل الفواكه، ومنها: التفاح، والأُترج، قال ابن قدامة: فمباحٌ شَمُّه، ولا فدية فيه، ولا نعلم فيه خلافًا. اهـ
الثاني: نوعٌ ينبت للطيب، ويتخذ منه الطيب، قال الحافظ ابن حجر باب (١٨) من [كتاب الحج]: كل ما يتخذ منه الطيب يحرم بلا خلاف. مثل الورد والياسمين.
стр. 2437
الثالث: نوعٌ ينبت للطيب، ولا يتخذ منه الطيب، ويمثلون له بالريحان.
واختلف أهل العلم فيه:
• فذهب إلى جواز مسِّه الحسن، ومجاهد، وإسحاق، وهو وجهٌ للحنابلة، وصحَّ عن ابن عباس كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (٤/ ٤٠٩)، و «الكبرى» للبيهقي (٥/ ٥٧): أنه كان لا يرى بأسًا للمحرم بشم الريحان، وهو قولُ بعض الشافعية.
• وذهب الشافعي في قول مع بعض أصحابه إلى التحريم، وهو قول أبي ثور، وبعض الحنابلة؛ لأنه يتخذ للطيب، فأشبه الورد،
وهذا القول أقرب -والله أعلم-؛ لأنه من أنواع الطيب، وليس معنا من الأدلة ما يستثنيه. وثبت عن ابن عمر ﵄ كما في «سنن البيهقي» (٥/ ٥٧) أنه كان يكره شم الريحان للمحرم. وجاء عن جابر المنع من ذلك، أخرجه الشافعي في «الأم» (٢/ ٥٢٣)، والبيهقي (٥/ ٥٧)، وفي إسناده عنعنة ابن جريج.
• وذهب مالك، والحنفية إلى الكراهة فقط. (١)
مسألة [٢٥]: هل يجوز للمحرمة أن تلبس المصبوغ بالعصفر ؟
• ذهب أكثر أهل العلم إلى الجواز؛ لأنه ليس بِطِيْبٍ، وقد ثبت عن ابن عمر ﵄، في «سنن أبي داود» (١٨٢٧)، والحاكم (١/ ٤٨٦) بإسناد حسن: أنَّ النبي
стр. 2438
-صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نهى النساء في إحرامهن عن القفازين، والنقاب، وما مسَّ الورس، والزعفران من الثياب، ولتلبس بعد ذلك ما أحبت من ألوان الثياب من معصفر، أو خزٍّ، أو حُلِيٍّ، أو سراويل، أو قُمُص، أو خف (١).
وصحَّ عن عائشة ﵂ أنها كانت تلبس المعصفر وهي محرمة، علقه البخاري في [كتاب الحج] من «صحيحه» باب (٢٣)، ووصله سعيد بن منصور كما في «الفتح»، وابن سعد (٨/ ٧٠)، والبيهقي (٥/ ٥٩) بإسناد صحيح، وأخرج مالك في «الموطأ» (١/ ٣٢٦) بإسناد صحيح عن أسماء بنت أبي بكر ﵄، أنها كانت تلبس الثياب المعصفرات المشبعات وهي محرمة ليس فيها زعفران.
وثبت عن عائشة بنت سعد بن أبي وقاص بإسناد صحيح قالت: كنَّ أزواج النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يحرمن بالمعصفرات. رواه أحمد كما في «مسائل حنبل» كما في «شرح العمدة» لشيخ الإسلام (٢/ ٩٦).
• ومنع من ذلك الثوري، وأبو حنيفة، ومحمد بن الحسن، وشبَّهُوه بالمورَّس، والمزعفر، وأُجِيب عنهم بأنه ليس بطيب، وأما الورس والزعفران فإنه طيب. (٢)
стр. 2439
مسألة [٢٦]: هل يدهن المحرم بدنه ورأسه ؟
أما بالنسبة للبدن: فقال ابن المنذر: أجمع العلماء على أنَّ للمحرم أن يأكل الزيت، والشحم، والسمن، والشيرج، وأن يستعمل ذلك في جميع بدنه سوى رأسه ولحيته.
وهذا محمولٌ عندهم على الدهن الذي ليس بمطيب؛ لإجماعهم على تحريم الطيب.
• وأما بالنسبة للرأس: فذهب أكثر أهل العلم إلى عدم دهنه؛ لأنه يزيل الشعث، ويسكن الشعر، وهو قول عطاء، وأحمد، ومالك، والشافعي، وأبي ثور، وأصحاب الرأي، وبعضهم ألزمه بالفدية إذا دهن، وردَّه ابن قدامة ﵀ بأن وجوب الفدية يحتاج إلى دليل ولا دليل فيه من نصٍّ ولا إجماع.
• وذهب بعض الحنابلة إلى إباحته، وقالوا: تركُه أولى، وهو اختيار شيخ الإسلام، فقد قال في «منسكه» (ص ٢٨) كما في «الشرح الممتع» (٧/ ١٥٩): وأما الدهن في رأسه، أو بدنه بالزيت، والسمن ونحوه إذا لم يكن فيه طيب ففيه نزاعٌ مشهور، وترْكُهُ أولى. اهـ (١)
مسألة [٢٧]: الاكتحال للمحرم والمحرمة .
قال الإمام النووي ﵀ في «شرح مسلم» (٨/ ١٢٤ - ١٢٥): وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَكْتَحِل بِكُحْلٍ لَا طِيب فِيهِ إِذَا اِحْتَاجَ إِلَيْهِ، وَلَا فِدْيَة عَلَيْهِ فِيهِ،
стр. 2440
وَأَمَّا الِاكْتِحَال لِلزِّينَةِ فَمَكْرُوه عِنْد الشَّافِعِيّ وَآخَرِينَ، وَمَنَعَهُ جَمَاعَة، مِنْهُمْ: أَحْمَد، وَإِسْحَاق، وَفِي مَذْهَب مَالِك قَوْلَانِ كَالْمَذْهَبَيْنِ، وَفِي إِيجَاب الْفِدْيَة عِنْدهمْ بِذَلِكَ خِلَاف. اهـ
قلتُ: وصحَّ عن ابن عمر ﵄ كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (٤/ ٤٤٢): أنه قال: يكتحل المحرم بأي كحل شاء مالم يكن فيه طيب.
واستدل الذين قالوا بالكراهة بحديث جابر في «مسلم» (١٢١٨): أنَّ عليًّا قدِم من اليمن فوجد فاطمة ﵂ ممن حلَّ، فلبست ثيابًا صبيغًا واكتحلت، فأنكر عليها، فقالت: إنَّ أبي أمرني بهذا، فقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «صدقت، صدقت».
والصواب هو قول الشافعي، والله أعلم. (١)
стр. 2441
٧١٥ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كُنْت أُطَيِّبُ رَسُولَ اللهِ ﷺ لِإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ، وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالبَيْتِ. مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: حكم تطييب البدن عند الإحرام .
• في المسألة قولان:
الأول: الاستحباب، وهو قول أكثر العلماء، ومنهم: الشافعي، وأحمد، والثوري، وأبو يوسف، وداود، وأصحاب الرأي، وصحَّ ذلك عن جمعٍ من الصحابة، وهم: سعد بن أبي وقاص، وابن عباس، وابن الزبير، ومعاوية، وعائشة، وأم حبيبة ﵃، كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (٤/ ٢٨٤ - ٢٨٦).
وحجَّةُ أصحاب هذا القول هو حديث عائشة الذي في الباب، وفي لفظٍ عنها في «الصحيح»: «كأني أنظر إلى وبيص المسك على رأس رسول الله ﷺ وهو محرم»، وفي لفظ: «طَيَّبْتُه بِأَطْيَب الطِّيب».
الثاني: المنع، وهو قول الزهري، ومالك، ومحمد بن الحسن، وصحَّ ذلك عن عمر، وعثمان كما في «شرح المعاني» للطحاوي (٢/ ١٢٦)، وصحَّ عن ابن عمر كما في «صحيح مسلم» أنه قال: لأن أطلي بقطران أحبُّ إليَّ من أن أصبح محرمًا أنضخ طيبًا.
стр. 2442
وحجَّتُهم: أنَّ المُحْرِمَ يحرم عليه الطيب ابتداءً؛ فيحرم عليه استدامةً كما في سائر المحظورات.
واستدلوا أيضًا بحديث يعلى بن أمية أنَّ رجلًا أتى النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فقال: يا رسول الله، كيف ترى في رجلٍ أحرم بعمرة، وهو متضمخ بطيب؟ فقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «اغسل الطيب الذي بك، وانزع الجبة، واصنع في عمرتك كما تصنع في حجك» متفق عليه. (١)
قال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب القول الأول؛ لقوة دليلهم، وهو ترجيح الإمام ابن باز، والإمام ابن عثيمين، والإمام الوادعي رحمة الله عليهم أجمعين.
والجواب عن أدلة القول الثاني:
قولهم: (يحرم ابتداءً؛ فيحرم استدامةً كسائر المحظورات) قياسٌ في مقابلة النص؛ فهو فاسد الاعتبار، وقد دلَّ الحديث على استثناء الطيب في البدن، فيجوز الاستدامة دون الابتداء.
وأما حديث يعلى بن أمية، فأُجيب عنه بثلاثة أوجه:
أولها: ليس في الحديث أنه تطيب قبل الإحرام، بل يحتمل أنه تطيب بعد الإحرام، فأنكر عليه النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لذلك. ذكره النووي في «المجموع».
ثانيها: جاء في بعض ألفاظ الحديث: (عليه جبة فيها أثر خلوق)، وفي بعضها: (وهو متضمخ بالخلوق)، والخَلُوق طيبٌ فيه زعفران، بل جاءت رواية (عليه
стр. 2443
ردع من زعفران)، والزعفران مَنْهِيٌ عنه الرجال في غير الإحرام، ففيه أولى، ففي «البخاري» (٥٨٤٦)، ومسلم (٢١٠١)، عن أنس ﵁، قال: «نهى النبي ﷺ أن يتزعفر الرجل»، وهذا الجواب ذكره ابن حزم، والنووي، وابن قدامة، والحافظ ابن حجر، وغيرهم.
ثالثها: أنَّ حديثهم متقدم، كان في عمرة الجعرانة، وحديث عائشة كان في حجة الوداع كما في بعض ألفاظه في «الصحيح»، فحديثنا ناسخٌ لحديثهم، وهو جواب كثير من أهل العلم، منهم: ابن حزم، وابن عبد البر، وابن قدامة، والنووي، والحازمي، والحافظ ابن حجر وغيرهم.
وعلى هذا: فلا حجة معهم يُعتمد عليها في منعهم من الطيب للمحرم قبل إحرامه، والله أعلم. (١)
مسألة [٢]: تطييب الثوب قبل الإحرام .
• ذهب أكثر الشافعية، والحنابلة إلى كراهة ذلك وجوازه، وقالوا: إذا طَيَّبها، ثم نزعها بعد إحرامه؛ فلا يجوز له أن يلبسها مرةً أخرى؛ لحديث: «ولا تلبسوا من الثياب شيئًا مسَّه الزعفران، أو الورس».
وإنما كرهوه؛ لأنه قد يحتاج إلى نزعها فلا يستطيع بعد ذلك لبسها، وقالوا بالجواز قياسًا على تطييب البدن.
стр. 2444
• وذهب بعض الشافعية، والحنابلة إلى تحريم ذلك، واستدلوا بالحديث المذكور آنفًا، وقالوا: جميع المحرمات المذكورة في نفس الحديث يحرم على المحرم لبسها ابتداءً، أو استدامةً، وإخراج هذه الجملة من التحريم في حالة الاستدامة والاستصحاب يحتاج إلى دليل، وأما تطييب البدن فقد جاء في حديث عائشة ﵂ المتقدم أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يطيب رأسه ولحيته، والقياس على ذلك ليس بظاهر، وهذا ترجيح الإمام ابن عثيمين ﵀ كما في «الشرح الممتع» و «الفتاوى»، وهو أقرب، والله أعلم. (١)
مسألة [٣]: تعمد شم الطيب .
• ذهب أحمد إلى عدم جواز ذلك، وكره ذلك مالك، وذلك كما لو باشره، ويحققه أنَّ القصدَ شمه، لا مباشرته.
• وذهب الشافعي إلى الجواز، وهو اختيار ابن المنذر، وذهب الإمام ابن عثيمين إلى أنه إن شَمَّه للاستلذاذ؛ فيحرم، وإلا فلا.
قلتُ: تقدم عن ابن عمر ﵄ أنه كره شم الريحان، وعن ابن عباس ﵄ أنه قال: لا بأس للمحرم أن يشم الريحان. فالذي ينبغي هو الابتعاد عن تعمد شمه، وأما إن شمه بدون قصد؛ فلا مانع من ذلك.
قال ابن قدامة ﵀: فأمَّا شمه من غير قصد، كالجالس عند العطار لحاجته،
стр. 2445
وداخل السوق، أو داخل الكعبة، ومن يشتري طيبًا لنفسه، أو للتجارة، ولا يمسه؛ فغير ممنوع؛ لأنه لا يمكنه التحرز من هذا، فعفي عنه. اهـ (١)
فائدة: حديث عائشة في «سنن أبي داود» (١٨٣٠): «كُنَّا نَخْرُجُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى مَكَّةَ، فَنُضَمِّدُ جِبَاهَنَا بِالسُّكِّ الْمُطَيَّبِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ، فَإِذَا عَرِقَتْ إِحْدَانَا سَالَ عَلَى وَجْهِهَا، فَيَرَاهُ النَّبِيُّ ﷺ ، فَلَا يَنْهَاهَا»، وإسناده صحيح، فيه دليلٌ على مشروعية التطيب عند الإحرام للنساء أيضًا، وهو قول جماعة من الفقهاء من الشافعية، والحنابلة، وينبغي أن يحمل ذلك على ما إذا كانت بعيدة من الرجال الأجانب، وإذا لم تحصل فتنة، والله أعلم. (٢)
مسألة [٤]: من أحرم وعليه قميص فماذا يصنع ؟
يصحُّ إحرامه، وعليه نزعه وخلعه عند أكثر أهل العلم.
• وذهب الشعبي، والنخعي، وأبو قلابة، وأبو صالح إلى أنه يشقه ولا ينزعه حتى لا يغطي رأسه وهو محرم.
والقول الأول أصح؛ لأنها تغطية غير مقصودة، وعارضة، أشبه ما يحمله على رأسه، والله أعلم، وهو ترجيح الشيخ ابن عثيمين ﵀. (٣)
стр. 2446
٧١٦ - وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَنْكِحُ المُحْرِمُ، وَلَا يُنْكِحُ، وَلَا يَخْطُبُ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: زواج المحرم وتزويجه .
• في المسألة قولان:
الأول: التحريم، والمنع، وصحَّ هذا القول عن عمر، فقد تزوج رجل وهو محرم، فرد عمر نكاحه، وصح عن ابن عمر، وجاء عن زيد بن ثابت كما في «الموطأ» (١/ ٣٤٨)، و «مصنف ابن أبي شيبة» (٤/ ٢٢٧).
وهو قول سعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، والزهري، والأوزاعي، وأحمد، ومالك، والشافعي، والظاهرية، واستدلوا بحديث عثمان بن عفان ﵁ الذي في الباب.
الثاني: الجواز، وهو قول عطاء، والقاسم، وعكرمة، والنخعي، والثوري، وأبي حنيفة، وصحَّ عن ابن عباس وابن مسعود ﵄، كما في «مصنف ابن أبي شيبة»؛ لما في «الصحيحين» (٢) من حديث ابن عباس ﵄، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- تزوج ميمونة وهو محرمٌ.
стр. 2447
وقد عارضه حديث ميمونة في «صحيح مسلم» (١٤١١): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- تزوجها وهو حلالٌ، وحديث ميمونة أُعلَّ بالإرسال، فقد رجَّح البخاري، والدارقطني الإرسال، وأنَّ صوابه عن يزيد بن الأصم، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- تزوج ميمونة، وهو حلالٌ. (١)
ولكن له شاهد من حديث أبي رافع عند الترمذي (٨٤١) وأحمد (٦/ ٣٩٢ - ) وغيرهما، وفي إسناده: مطر الورَّاق، وفيه ضعف، وقد خالفه مالك في «الموطأ» (١/ ٣٤٨)، وأنس بن عياض كما في «طبقات ابن سعد» (٨/ ١٣٤)، والدراوردي كما في «العلل» للدارقطني (٧/ ١٤)، فرووه عن ربيعة، عن سليمان بن يسار مرسلًا بدون ذكر أبي رافع، ورجح الإرسال الترمذي، وابن عبدالبر.
وله شاهدٌ من مراسيل سعيد بن المسيب، أخرجه البيهقي (٧/ ٢١٢) بإسناد صحيح عنه، قال: وهل ابن عباس، وإن كانت خالته، ما تزوجها رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إلا بعدما أحلَّ.
وأخرج النسائي في «الكبرى» (٥٤٠٣) بإسناد صحيح عن صفية بنت شيبة قالت: تزوج رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ميمونة وهو حلالٌ بسرف. وصفية مُختلف في صحبتها، والراجح ثبوت صحبتها.
قلتُ: فمجموع هذه الأدلة تدل على أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- تزوج ميمونة وهو حلال، وهذا هو الذي يسبق إلى الذهن؛ فإن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- دخل مكة في عمرة القضاء، فما
стр. 2448
لبث إلا يسيرًا حتى أتمها، ومن البعيد أن ينشغل في ذلك الحين بالزواج، والله أعلم.
وابن عباسٍ ﵄، كان صغيرًا قد جاوز العشر بقليل، فظنَّ أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- تزوجها قبل أن يحل، ويؤيد هذا أنه تزوجها وهو حلال نهيه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عن أن يتزوج المحرم كما في حديث عثمان، وقد حمل بعضهم حديث ابن عباس «وهو محرم» أي: في الحرم، وعلى هذا فلا إشكال، ولكنه محمل فيه نظر.
وعلى كلٍّ فالراجح هو القول الأول، وهو ترجيح شيخ الإسلام، وابن القيم، والذهبي، والنووي، والحافظ ابن حجر، والشوكاني، ثم الإمام ابن باز، وابن عثيمين، والوادعي رحمة الله عليهم أجمعين. (١)
مسألة [٢]: هل يبطل نكاحه إذا نكح وهو محرم ؟
قال النووي ﵀ في «المجموع» (٧/ ٢٩٠): إذا تزوج المحرم؛ فنكاحه باطلٌ عندنا، وعند الجمهور، ويفرق بينهما تفرقة الأبدان بغير طلاق، وقال مالك، وأحمد: يجب تطليقها؛ لتحل لغيره بيقينٍ؛ لشبهة الخلاف في صحة النكاح. دليلنا: أنَّ العقد الفاسد غير منعقد، فلا يحتاج في إزالته إلى فسخ كالبيع الفاسد وغيره، وفي هذا جوابٌ عن دليلهم. اهـ
قلتُ: والراجح قول الشافعي، والجمهور.
стр. 2449
مسألة [٣]: مراجعة المحرم لطليقته .
• ذهب الجمهور إلى أنَّ للمحرم أن يراجع طليقته وهو مُحرِم؛ لأنه ليس بنكاح، وإنما هو إمساك، كما قال تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة:٢٢٩]، وهو رواية عن أحمد، رجَّحها ابن قدامة، والرواية الأخرى عن أحمد بمنع ذلك؛ لأنه يستبيحها بالرجعة، فأشبه النكاح. والصواب قول الجمهور، والله أعلم. (١)
مسألة [٤]: شراء الأمة في حق المحرم .
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٥/ ١٧٥): وَأَمَّا شِرَاءُ الْإِمَاءِ فَمُبَاحٌ، وَسَوَاءٌ قَصَدَ بِهِ التَّسَرِّي أَوْ لَمْ يَقْصِدْ، لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِمَوْضُوعٍ للِاسْتِبَاحَةِ فِي الْبِضْعِ، فَأَشْبَهَ شِرَاءَ الْعَبِيدِ وَالْبَهَائِمِ، وَلِذَلِكَ أُبِيحَ شِرَاءُ مَنْ لَا يَحِلُّ وَطْؤُهَا، فَلِذَلِكَ لَمْ يَحْرُمْ فِي حَالَةٍ يُحْرِم فِيهَا الْوَطْءُ. اهـ (٢)
مسألة [٥]: إذا أسلم الكافر وله أكثر من أربع نسوة، فأسلمن وهو محرم ؟
ذكر أهل العلم أنَّ له أن يتخير منهن أربعًا في حال إحرامه؛ لأنه ليس بنكاح، بل هو إمساك، والله أعلم. (٣)
стр. 2450
فَصْلٌ فِي ذِكْرِ بَعْضِ المَسَائِلِ المُلْحَقَة
مسألة [١]: من جامع امرأته وهو محرم ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٥/ ١٦٦): أَمَّا فَسَادُ الْحَجِّ بِالجمَاعِ فِي الْفَرْجِ فَلَيْسَ فِيهِ اخْتِلَافٌ، قَالَ ابْنُ المُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْحَجَّ لَا يَفْسُدُ بِإِتْيَانِ شَيْءٍ فِي حَالِ الْإِحْرَامِ إلَّا الجمَاعَ. اهـ
وقد ثبت القول بفساد الحج عن عمر، وابن عمر، وابن عباس، وابن عمرو ﵃، كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (٥/ ١٨٩) ط/الرشد، و «سنن البيهقي» (٥/ ١٦٧ - ١٦٨).
قال ابن قدامة ﵀: ولم نعلم لهم في عصرهم مخالفًا، وقالوا كلهم بفساده، سواء كان قبل الوقوف أو بعده، إلا أبا حنيفة فقال: إن جامع بعد الوقوف؛ لم يفسد حجُّه؛ لقول النبي ﷺ «الحج عرفة».انتهى بتصرف.
وأجاب عنه الجمهور بأنَّ المقصود بـ «الحج عرفة» يعني: معظمه، أو أنه ركنٌ متأكدٌ فيه. (١)
تنبيه: ذهب الإمام الشوكاني ﵀ كما في «السيل الجرار» (٢/ ٢٢٧ - ٢٢٨) إلى أنَّ الجماع ليس مفسدًا للحج، وهو محجوجٌ بالإجماع، ولا نعلم مخالفًا من المتقدمين في ذلك، والله أعلم.
стр. 2451
مسألة [٢]: ماذا عليه إذا جامع وهو محرم ؟
• في المسألة أقوال:
الأول: ذهب أكثر أهل العلم إلى أن عليه بَدَنَة، صحَّ ذلك عن ابن عباس ﵄، وهو قول عطاء، وطاوس، ومجاهد، وأحمد، ومالك، والشافعي، وأبي ثور، وهذا اختيار الإمام ابن باز، والإمام العثيمين رحمة الله عليهما.
الثاني: عليه بدنة؛ فإن لم يجد فشاة، وهو قول الثوري، وإسحاق.
الثالث: إن كان الجماع قبل الوقوف؛ فعليه شاة، ويفسد الحج، وإن كان بعد الوقوف؛ فعليه بدنة، ولا يفسد الحج، وهو قول أصحاب الرأي.
الرابع: عليه أن يستغفر الله ويتوب إليه، وليس عليه بدنة، وهو قول ابن حزم كما في «المحلَّى» (٨٥٧)، واختاره الشوكاني كما في «السيل الجرار» (٢/ ٢٢٨).
قال أبو عبد الله غفر الله له: يعمل بما أفتى به الصحابي عبدالله بن عباس ﵄؛ فعليه بدنة، والله أعلم. (١)
مسألة [٣]: وهل يلزمه أن يمضي في هذا الحج الفاسد حتى يكمله، وهل يلزمه قضاؤه ؟
• ذهب أكثر أهل العلم إلى أنه يلزمه إتمام الحج الفاسد، وثبت هذا القول عن عمر، وابن عباس، وابن عمر، وابن عمرو ﵃، كما في «مصنف ابن أبي شيبة»
стр. 2452
(٤/ ٢٣٩)، و «سنن البيهقي» (٥/ ١٦٧ - ١٦٨)، وكذلك ألزموه بالقضاء من العام المقبل، واستدل بعضهم بقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٩٦].
واستدلوا بما أخرجه ابن وهب في «موطئه» كما في «بيان الوهم والإيهام» (٢/ ١٩٢)، قال: أخبرنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عبدالرحمن بن حرملة، عن ابن المسيب: أنَّ رجلًا من جذام جامع امرأته وهما محرمان، فسأل الرجل رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-؟ فقال لهما: «أتما حجكما، ثم ارجعا وعليكما حجة أخرى، فأقبلا؛ حتى إذا كنتما بالمكان الذي أصبتما فيه ما أصبتما، فأحرما وتفرقا، ولا يرى واحد منكما صاحبه، ثم أتما نسككما، وأهديا»، لكن هذا المرسل في إسناده: ابن لهيعة، وفيه ضعف، والمحفوظ عن سعيد من قوله، أخرجه مالك في «الموطأ» (١/ ٣٨٢)، عن يحيى بن سعيد، عنه موقوفًا عليه.
وفي الباب مرسل آخر: أخرجه أبو داود في «المراسيل» (١٤٠): حدثنا أبو توبة، حدثنا معاوية بن سلَّام، عن يحيى، أخبرني يزيد بن نعيم، أو زيد بن نعيم شك أبو توبة أنَّ رجلًا من جذام ... ، فذكر نحو مرسل ابن المسيب.
ورواه البيهقي في «الكبرى» (٥/ ١٦٧)، من طريق: أبي داود، به، ثم قال: هذا منقطع، وهو يزيد بن نعيم الأسلمي بلا شك. اهـ
وكذلك ذكر الحافظ في «التقريب» في ترجمة (زيد بن نعيم) أنَّ صوابه (يزيد بن نعيم).
قلتُ: ويزيد بن نعيم الأسلمي حسن الحديث؛ إلا أنه لم يسمع من أحد من
стр. 2453
الصحابة، وله رواية عن سعيد بن المسيب كما في «تهذيب الكمال»؛ فيحتمل أنَّ هذا الحديث من روايته عنه؛ فيكون راجعًا إلى مرسل ابن المسيب، وتقدم أنَّ الراجح أنه من قوله، وإلا فسيكون معضلًا لا يصلح للاعتضاد، والله أعلم.
• وعن الحسن وطاوس: تصير الحجة التي جامع فيها عمرة، وعليه الحج من قابل، والهدي. وقال مالك: ليجعلها عمرة، ويحج من قابل، ويهدي.
• وذهب داود، وابن حزم إلى أنه لا يلزمه أن يستمر على هذا الحج الفاسد، وهو قول عطاء، وقتادة.
قال ابن حزم ﵀: قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس:٨١]، فمن الخطأ تماديه على عمل لا يصلحه الله ؛ لأنه مفسد بلا خلاف منا ومنهم، فالله تعالى لا يصلح عمله بنص القرآن.
ثم قال: وقد صح عن رسول الله ﷺ أن الحج إنما يجب مرة، ومن ألزمه التمادي على ذلك الحج الفاسد ثم ألزمه حجًّا آخر؛ فقد ألزمه حجتين، وهذا خلاف أمر رسول الله ﷺ ، لكن يُحرم من موضعه؛ فإن أدرك تمام الحج فلا شيء عليه غير ذلك، وإن كان لا يدرك تمام الحج؛ فقد عصى وأمره إلى الله تعالى، ولا هدي في ذلك ولا شيء؛ إلا أن يكون لم يحج قط؛ فعليه الحج والعمرة. اهـ
قال الشوكاني ﵀ في «النيل» (١٩٠٥): فمن لم يقبل المرسل، ولا رأى حُجِّيَّة أقوال الصحابة؛ فهو في سعة عن التزام هذه الأحكام، وله في ذلك سلف صالح كداود الظاهري. اهـ
стр. 2454
وقال ﵀ في «السيل الجرار» (٢/ ٢٢٨): والحاصل أن ما رتبه المصنف على فساد الحج بالوطء، وجعله متفرعا عليه من لزوم إتمامه كالصحيح، ولزوم قضائه، ولو نفلًا؛ كلام لا دليل عليه، وتكليفٌ لعباد الله بما لم يكلفهم الله به، وهكذا من اعتمد في إثبات الأحكام الشرعية على خيالات الآراء وزائف الاجتهاد يأتي بمثل هذه الخرافات التي لا ثمرة لها إلا إتعاب العباد في غير شرع. اهـ
قلتُ: وقد رجح الإمام ابن باز، والإمام العثيمين رحمهما الله القول الأول، وهو الصحيح؛ لأن الصحابة رضوان الله عليهم أفتوا بذلك، ولا يعلم لهم مخالف، وهذا فهم منهم لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾؛ ففهموا ﵃ من الآية أنها تشمل الصحيح والفاسد من الحج والعمرة. (١)
مسألة [٤]: هل يفرق بينه وبين امرأته في حجته القابلة ؟
• ذهب كثير من أهل العلم إلى أن الرجل والمرأة يتفرقان في الحجة القابلة، واختلفوا في موضع التفرق:
فقال بعضهم: يتفرقان من المكان الذي وقع على امرأته فيه، وهذا القول صحَّ عن ابن عباس كما في «سنن البيهقي» (٥/ ١٦٨)، وهو قول سعيد بن المسيب، وعطاء، والنخعي، والثوري، والشافعي، وأحمد في رواية، وإسحاق، وأصحاب الرأي.
стр. 2455
وقال بعضهم: يتفرقان من مكان الإحرام.
وهذا ثابت عن ابن عباس ﵄ أيضًا كما في «سنن البيهقي» (٥/ ١٦٧)، وهو قول مالك، وأحمد في رواية.
وحُجَّةُ كلٍّ من الفريقين أثر ابن عباس ﵄ الثابت في ذلك.
• وذهب عطاء، وأبو حنيفة إلى عدم التفرق؛ لعدم وجود دليل يلزم بذلك، ولم يذكره ابن عمر، وابن عمرو في فتياهما.
وهذا القول أقرب من القولين المتقدمين. (١)
مسألة [٥]: هل التفريق على سبيل الوجوب عند من قال به ؟
• اختلف القائلون في التفريق هل هو على سبيل الوجوب، أم الاستحباب: فذهب أحمد، ومالك إلى الوجوب، وهو وجهٌ للشافعية، وبعض الحنابلة.
• وذهب جماعةٌ من الحنابلة -وهو الأصح عند الشافعية- إلى أنَّ ذلك على سبيل الاستحباب، وهو قول أبي ثور، واستحسنه ابن المنذر واختاره ابن قدامة ﵀. (٢)
مسألة [٦]: من أين يحرم في القضاء ؟
• في المسألة قولان: