مسألة [٢]: ماذا عليه إذا جامع وهو محرم ؟
• في المسألة أقوال:
الأول: ذهب أكثر أهل العلم إلى أن عليه بَدَنَة، صحَّ ذلك عن ابن عباس ﵄، وهو قول عطاء، وطاوس، ومجاهد، وأحمد، ومالك، والشافعي، وأبي ثور، وهذا اختيار الإمام ابن باز، والإمام العثيمين رحمة الله عليهما.
الثاني: عليه بدنة؛ فإن لم يجد فشاة، وهو قول الثوري، وإسحاق.
الثالث: إن كان الجماع قبل الوقوف؛ فعليه شاة، ويفسد الحج، وإن كان بعد الوقوف؛ فعليه بدنة، ولا يفسد الحج، وهو قول أصحاب الرأي.
الرابع: عليه أن يستغفر الله ويتوب إليه، وليس عليه بدنة، وهو قول ابن حزم كما في «المحلَّى» (٨٥٧)، واختاره الشوكاني كما في «السيل الجرار» (٢/ ٢٢٨).
قال أبو عبد الله غفر الله له: يعمل بما أفتى به الصحابي عبدالله بن عباس ﵄؛ فعليه بدنة، والله أعلم. (١)
مسألة [٣]: وهل يلزمه أن يمضي في هذا الحج الفاسد حتى يكمله، وهل يلزمه قضاؤه ؟
• ذهب أكثر أهل العلم إلى أنه يلزمه إتمام الحج الفاسد، وثبت هذا القول عن عمر، وابن عباس، وابن عمر، وابن عمرو ﵃، كما في «مصنف ابن أبي شيبة»
стр. 2452
(٤/ ٢٣٩)، و «سنن البيهقي» (٥/ ١٦٧ - ١٦٨)، وكذلك ألزموه بالقضاء من العام المقبل، واستدل بعضهم بقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٩٦].
واستدلوا بما أخرجه ابن وهب في «موطئه» كما في «بيان الوهم والإيهام» (٢/ ١٩٢)، قال: أخبرنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عبدالرحمن بن حرملة، عن ابن المسيب: أنَّ رجلًا من جذام جامع امرأته وهما محرمان، فسأل الرجل رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-؟ فقال لهما: «أتما حجكما، ثم ارجعا وعليكما حجة أخرى، فأقبلا؛ حتى إذا كنتما بالمكان الذي أصبتما فيه ما أصبتما، فأحرما وتفرقا، ولا يرى واحد منكما صاحبه، ثم أتما نسككما، وأهديا»، لكن هذا المرسل في إسناده: ابن لهيعة، وفيه ضعف، والمحفوظ عن سعيد من قوله، أخرجه مالك في «الموطأ» (١/ ٣٨٢)، عن يحيى بن سعيد، عنه موقوفًا عليه.
وفي الباب مرسل آخر: أخرجه أبو داود في «المراسيل» (١٤٠): حدثنا أبو توبة، حدثنا معاوية بن سلَّام، عن يحيى، أخبرني يزيد بن نعيم، أو زيد بن نعيم شك أبو توبة أنَّ رجلًا من جذام ... ، فذكر نحو مرسل ابن المسيب.
ورواه البيهقي في «الكبرى» (٥/ ١٦٧)، من طريق: أبي داود، به، ثم قال: هذا منقطع، وهو يزيد بن نعيم الأسلمي بلا شك. اهـ
وكذلك ذكر الحافظ في «التقريب» في ترجمة (زيد بن نعيم) أنَّ صوابه (يزيد بن نعيم).
قلتُ: ويزيد بن نعيم الأسلمي حسن الحديث؛ إلا أنه لم يسمع من أحد من
стр. 2453
الصحابة، وله رواية عن سعيد بن المسيب كما في «تهذيب الكمال»؛ فيحتمل أنَّ هذا الحديث من روايته عنه؛ فيكون راجعًا إلى مرسل ابن المسيب، وتقدم أنَّ الراجح أنه من قوله، وإلا فسيكون معضلًا لا يصلح للاعتضاد، والله أعلم.
• وعن الحسن وطاوس: تصير الحجة التي جامع فيها عمرة، وعليه الحج من قابل، والهدي. وقال مالك: ليجعلها عمرة، ويحج من قابل، ويهدي.
• وذهب داود، وابن حزم إلى أنه لا يلزمه أن يستمر على هذا الحج الفاسد، وهو قول عطاء، وقتادة.
قال ابن حزم ﵀: قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس:٨١]، فمن الخطأ تماديه على عمل لا يصلحه الله ؛ لأنه مفسد بلا خلاف منا ومنهم، فالله تعالى لا يصلح عمله بنص القرآن.
ثم قال: وقد صح عن رسول الله ﷺ أن الحج إنما يجب مرة، ومن ألزمه التمادي على ذلك الحج الفاسد ثم ألزمه حجًّا آخر؛ فقد ألزمه حجتين، وهذا خلاف أمر رسول الله ﷺ ، لكن يُحرم من موضعه؛ فإن أدرك تمام الحج فلا شيء عليه غير ذلك، وإن كان لا يدرك تمام الحج؛ فقد عصى وأمره إلى الله تعالى، ولا هدي في ذلك ولا شيء؛ إلا أن يكون لم يحج قط؛ فعليه الحج والعمرة. اهـ
قال الشوكاني ﵀ في «النيل» (١٩٠٥): فمن لم يقبل المرسل، ولا رأى حُجِّيَّة أقوال الصحابة؛ فهو في سعة عن التزام هذه الأحكام، وله في ذلك سلف صالح كداود الظاهري. اهـ
стр. 2454
وقال ﵀ في «السيل الجرار» (٢/ ٢٢٨): والحاصل أن ما رتبه المصنف على فساد الحج بالوطء، وجعله متفرعا عليه من لزوم إتمامه كالصحيح، ولزوم قضائه، ولو نفلًا؛ كلام لا دليل عليه، وتكليفٌ لعباد الله بما لم يكلفهم الله به، وهكذا من اعتمد في إثبات الأحكام الشرعية على خيالات الآراء وزائف الاجتهاد يأتي بمثل هذه الخرافات التي لا ثمرة لها إلا إتعاب العباد في غير شرع. اهـ
قلتُ: وقد رجح الإمام ابن باز، والإمام العثيمين رحمهما الله القول الأول، وهو الصحيح؛ لأن الصحابة رضوان الله عليهم أفتوا بذلك، ولا يعلم لهم مخالف، وهذا فهم منهم لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾؛ ففهموا ﵃ من الآية أنها تشمل الصحيح والفاسد من الحج والعمرة. (١)
مسألة [٤]: هل يفرق بينه وبين امرأته في حجته القابلة ؟
• ذهب كثير من أهل العلم إلى أن الرجل والمرأة يتفرقان في الحجة القابلة، واختلفوا في موضع التفرق:
فقال بعضهم: يتفرقان من المكان الذي وقع على امرأته فيه، وهذا القول صحَّ عن ابن عباس كما في «سنن البيهقي» (٥/ ١٦٨)، وهو قول سعيد بن المسيب، وعطاء، والنخعي، والثوري، والشافعي، وأحمد في رواية، وإسحاق، وأصحاب الرأي.
стр. 2455
وقال بعضهم: يتفرقان من مكان الإحرام.
وهذا ثابت عن ابن عباس ﵄ أيضًا كما في «سنن البيهقي» (٥/ ١٦٧)، وهو قول مالك، وأحمد في رواية.
وحُجَّةُ كلٍّ من الفريقين أثر ابن عباس ﵄ الثابت في ذلك.
• وذهب عطاء، وأبو حنيفة إلى عدم التفرق؛ لعدم وجود دليل يلزم بذلك، ولم يذكره ابن عمر، وابن عمرو في فتياهما.
وهذا القول أقرب من القولين المتقدمين. (١)
مسألة [٥]: هل التفريق على سبيل الوجوب عند من قال به ؟
• اختلف القائلون في التفريق هل هو على سبيل الوجوب، أم الاستحباب: فذهب أحمد، ومالك إلى الوجوب، وهو وجهٌ للشافعية، وبعض الحنابلة.
• وذهب جماعةٌ من الحنابلة -وهو الأصح عند الشافعية- إلى أنَّ ذلك على سبيل الاستحباب، وهو قول أبي ثور، واستحسنه ابن المنذر واختاره ابن قدامة ﵀. (٢)
مسألة [٦]: من أين يحرم في القضاء ؟
• في المسألة قولان:
стр. 2456
الأول: من نفس الموضع الذي أحرم فيه في الحجة الفاسدة، وهو قول سعيد ابن المسيب، وأحمد، وإسحاق، والشافعي، وابن المنذر.
الثاني: من الميقات، وهو قول مالك، وأحمد في رواية، وهذا القول أقرب من الذي قبله. (١)
مسألة [٧]: هل يفسد الحج إذا جامع ناسيًا ؟
• ذهب أحمد، ومالك، والشافعي في القديم، وأبو حنيفة إلى أنه يفسد؛ لأنه لا يكاد يتطرق النسيان إليه.
• وذهب الشافعي في الجديد من قوليه إلى أنه لا يفسد، وهو قول بعض الحنابلة، وقول الظاهرية.
وهذا أرجح؛ لقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦].
وقوله: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة:٢٢٥]، وقوله: ﴿وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب:٥].
تنبيه: الخلاف في الجاهل نفس الخلاف المتقدم، والرَّاجح عدم بطلان حجه؛ لأنه معذور بجهله، والله أعلم. (٢)
مسألة [٨]: هل يفسد حج المكرهة على الوطء ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٥/ ١٦٨): وأما فساد الحج فلا فرق بين
стр. 2457
حال الإكراه والمطاوعة، لا نعلم فيه خلافًا. اهـ
قلتُ: الخلاف موجودٌ مشهور.
• فقد خالف بعض الحنابلة كما في «الإنصاف» (٣/ ٤٤٧)، وهو الأصح عند الشافعية كما في «المجموع» (٧/ ٣٤١)، وهو قول الظاهرية كما في «المحلَّى» (٨٥٥)، فهؤلاء كلهم قالوا: المكرهة لا يفسد حجها؛ لقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل:١٠٦]، وبالحديث: «إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه» (١)، وهذا القول هو الصواب، وهو ترجيح الإمام ابن عثيمين ﵀ كما في «الشرح الممتع» (٧/ ٢١٦).
تنبيه: كذلك الرجل إذا أُكره على الوطء لا يفسد حجُّه، وهو مذهب الظاهرية، والأصح عند الشافعية. (٢)
مسألة [٩]: إذا جامع امرأته بعد التحلل الأول من الحج وقبل طواف الإفاضة ؟
• في هذه المسألة قولان:
القول الأول: لا يفسد حجُّه، وهو ثابت عن ابن عباس ﵄، كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (٥/ ٥٢٨) ط/الرشد، و «سنن البيهقي» (٥/ ١٧١)، وهو قول مجاهد، وعطاء، والشعبي، والحكم، وعكرمة، وهو مذهب مالك، والشافعي، وأحمد، وأصحاب الرأي.
стр. 2458
القول الثاني: يفسد حجُّه، وصحَّ عن ابن عمر ﵄، كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (٥/ ٥٢٨) ط/الرشد، أنه قال: عليه الحج من قابل. وهو قول الزهري، وحماد، والنخعي، وعلقمة، والظاهرية، وحجَّتهم: أنه محرم عليه الجماع؛ فكان حكمه كحكم الجماع قبل التحلل الأول.
ورجَّح الإمام ابن باز، والإمام ابن عثيمين رحمهما الله القول الأول، وهو الأصح عندي؛ لعدم وقوع إجماع على بطلان الحج في هذا الموضع، والأصل عدم البطلان، والله أعلم. (١)
مسألة [١٠]: هل عليه ذبح ؟
• ألزمه جماعة من أهل العلم بشاة، وهو قول عكرمة، وربيعة، ومالك، وإسحاق، وأحمد في رواية.
• وذهب جماعة إلى أنَّ عليه بدنة، وهو قول أحمد، والشافعي، وأصحاب الرأي، وهو ثابتٌ عن ابن عباس ﵄، كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (٥/ ٥٢٨) ط/الرشد، وهو قول عطاء، والشعبي.
ونرى أن يعمل بفتوى الصحابي الجليل عبد الله بن عباس ﵄ في إلزامه بالبدنة، والله أعلم، انظر المصادر السابقة.
стр. 2459
مسألة [١١]: ماذا عليه أن يصنع ؟
اختلف القائلون بعدم فساد حجِّه: ماذا يفعل؟
• فذهب طائفة من أهل العلم إلى أنه يواصل فيذهب ويطوف طواف الإفاضة، وليس عليه أن يجدد الإحرام، وهو الثابت عن ابن عباس كما في «موطأ مالك» (١/ ٣٨٤)، و «سنن البيهقي» (٥/ ١٧١)، وهو مذهب عطاء، والشعبي، والشافعي.
• وذهب بعض أهل العلم إلى أنه يجدد الإحرام، فيخرج إلى الحل، ويأتي بعمرة، ثم يطوف طواف الإفاضة، وهو قول عكرمة، وربيعة، وإسحاق، وأحمد، ومالك، وأخرج مالك في «الموطأ» (١/ ٣٨٤) عن ثور بن زيد، عن عكرمة، قال: لا أظنه إلا عن ابن عباس ... ، فذكر أنه يعتمر، ويهدي.
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٥/ ٣٧٦): وَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ وَمَنْ وَافَقَهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ: أَنَّهُ يَعْتَمِرُ، فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُمْ أَرَادُوا هَذَا يعني أنه يحرم، ثم يطوف للإفاضة ولا يأتي بأفعال العمرة، وَسَمَّوْهُ عُمْرَةً؛ لِأَنَّ هَذَا هُوَ أَفْعَالُ الْعُمْرَةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُمْ أَرَادُوا عُمْرَةً حَقِيقِيَّة، فَيَلْزَمُهُ سَعْيٌ وَتَقْصِيرٌ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ. اهـ
قلتُ: والقول الأول أقرب، والله أعلم، وأفتى الشيخ ابن عثيمين ﵀ بأنه يخرج إلى الحل ويحرم، ثم يطوف للإفاضة، يعني أن المقصود الإحرام، لا عمرة حقيقية. (١)
стр. 2460
مسألة [١٢]: إذا جامع المعتمر قبل الطواف ؟
قال ابن المنذر -رحمه الله تعالى-: وأجمعوا على أنه لو وطئ قبل الطواف فسدت عمرته. اهـ (١)
مسألة [١٣]: إذا جامع المعتمر بعد الطواف قبل السعي ؟
• ذهب مالك، وأحمد، والشافعي، وأبو ثور إلى فساد عمرته، وقالوا: عليه القضاء. وأوجب عليه الشافعي بدنة، ومالك، وأحمد، وأبو ثور هديًا.
وقال عطاء: عليه شاةٌ، ولم يذكر القضاء، وهو مذهب الثوري، وإسحاق، قالا: يريق دمًا، وقد تمت عمرته. وقال أبو حنيفة: إن طاف بالبيت أربعة لم تفسد، وعليه دم، وإن ثلاثة؛ فسدت وعليه إتمامها، والقضاء والدم. (٢)
مسألة [١٤]: إذا جامع المعتمر بعد الطواف والسعي، وقبل الحلق، أو التقصير ؟
قال النووي ﵀ في «المجموع» (٧/ ٤٢٢): مذهبنا فساد العمرة إن قلنا: الحلق نسك. وهو الأصح، قال ابن المنذر: ولا أحفظ هذا عن غير الشافعي. وقال ابن عباس، والثوري، وأبو حنيفة: عليه دمٌ. وقال مالك: عليه الهدي. وعن عطاء: أنه يستغفر الله ولا شيء عليه. قال ابن المنذر: قول ابن عباس أعلى. اهـ
قلتُ: أخرج سعيد بن منصور في «سننه» كما في «شرح العمدة» لشيخ الإسلام (١/ ٢٤٧): ثنا هشيم، وأبو عوانة، ثنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير، قال: جاءت امرأة إلى ابن عباس ﵄، فذكرت أن زوجها أصابها، وكانت اعتمرت، فوقع بها
стр. 2461
قبل أن تقصر.
فقال ابن عباس: شبق شديد، شبق شديد. فاستحيت المرأة، فانصرفت، وكره ابن عباس ما فرط منه، وندم على ما قال، واستحيا من ذلك، ثم قال: عليَّ بالمرأة. فأُتي بها، فقال: عليك فدية من صيام، أو صدقة، أو نسك. قالت: فأي ذلك أفضل؟ قال: النسك. قال: إن شئت فناقة، وإن شئت فبقرة. قالت: أي ذلك أفضل؟ قال: انحري بدنة. واللفظ لهشيم.
وأخرجه سعيد بن أبي عروبة في «المناسك» كما في «شرح العمدة» (١/ ٢٤٧) من وجه آخر بإسناد صحيح بنحوه.
قال شيخ الإسلام ﵀: ولا يعرف له في الصحابة مخالف.
قال أبو عبد الله غفر الله له: العمرة صحيحة ويلزمه ما أفتى به ابن عباس ﵄، والله أعلم. (١)
مسألة [١٥]: هل على المعتمر المجامع أن يعيد العمرة ؟
• ذهب الشافعي، والأوزاعي إلى أنه يتم عمرته الفاسدة، ثم يرجع إلى الميقات فيحرم بعمرة مكانها، وعليه الهدي. قال الشافعي: وعليه بدنة.
• وقال مالك: يرجع إلى الميقات إن كان قريبًا، وإن لم يفعل؛ فلا شيء عليه، وروي ذلك عن مجاهد. وعن مجاهد: عليه دم. قال ابن المنذر: قول مالك حسن. اهـ (٢)
стр. 2462
قلتُ: هو كذلك، والله أعلم.
مسألة [١٦]: هل على المرأة المكرهة هدي ؟
• في المسألة قولان:
القول الأول: ليس عليها هدي، ولا على الرجل عنها، وهو مذهب أحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وابن المنذر.
القول الثاني: على الرجل أن يهدي عنها، وهو قول أحمد في رواية، وعطاء، ومالك.
تنبيه: هذا الخلاف عند من أوجب على الرجل بدنة، وأما من لم يوجب شيئًا؛ فلا يجب عندهم هاهنا، وقد تقدمت المسألة. (١)
مسألة [١٧]: إذا كانت المرأة مطاوعة ؟
• اختلف القائلون بوجوب البدنة: هل تجب على المرأة؟ على قولين:
الأول: على كل واحد بدنة، صحَّ هذا القول عن ابن عباس كما في «سنن البيهقي» (٥/ ١٦٨) وهو قول سعيد بن المسيب، والنخعي، والضحاك، والحكم، وحماد، ومالك، وأحمد، وابن المنذر.
الثاني: يجزئهما هدي واحد، وهو قول أحمد في رواية، وهو مذهب عطاء، والشافعي، وإسحاق. (٢)
стр. 2463
مسألة [١٨]: إذا وطئ دون الفرج، فلم ينزل ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٥/ ١٦٩): أما إذا لم ينزل؛ فإن حجَّه لا يفسد بذلك، لا نعلم أحدًا قال بفساد حجه. اهـ
مسألة [١٩]: إذا وطئ دون الفرج فأنزل ؟
• في المسألة قولان:
الأول: عليه بدنة، وهو مذهب الحسن، وسعيد بن جبير، والثوري، وأبي ثور، والحنابلة.
الثاني: عليه شاة، وهو مذهب الشافعي، وأصحاب الرأي، وابن المنذر، ولا نعلم دليلًا عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في إيجاب شيء من ذلك. (١)
مسألة [٢٠]: هل يفسد حج من وطئ دون الفرج فأنزل ؟
• في المسألة قولان:
الأول: يفسد حجُّه، وهو قول عطاء، والحسن، والقاسم، ومالك، وإسحاق، ورواية عن أحمد اختارها الخِرَقِي.
الثاني: لا يفسد حجُّه، وهو قول الشافعي، وأصحاب الرأي، وابن المنذر.
وصححه ابن قدامة.
فقال: وهو الصحيح إن شاء الله؛ لأنه استمتاع لا يجب بنوعه الحد، فلم
стр. 2464
يفسد الحج كما لو لم ينزل، ولأنه لا نصَّ فيه، ولا إجماع، ولا هو في معنى المنصوص عليه؛ لأنَّ الوطء في الفرج يجب به الحد ويتعلق به اثنا عشر حكمًا. اهـ
وهذا القول هو الصحيح، والله أعلم. (١)
مسألة [٢١]: المباشرة والقبلة بشهوة إذا أنزل ؟
• ذهب كثير من أهل العلم، بل أكثرهم إلى أنَّ حجه لا يفسد، وعليه دم، وهو قول سعيد بن المسيب، وعطاء، وابن سيرين، والزهري، وقتادة، ومالك، والثوري، والشافعي، وأبي ثور، وأصحاب الرأي، وأحمد في رواية، لكن قال: عليه بدنة.
• وفي الرواية الأخرى: أنه يفسد حجه، ورُوي عن سعيد بن جبير، وهو رواية عن مالك.
والظاهر أنه لا يفسد، ولكن الدم، لا نعلم دليلًا على إلزامه به، فليس عليه شيء، وإنما عليه التوبة والاستغفار.
وهو قول عطاء، وسعيد في رواية، أعني ابن جبير. (٢)
مسألة [٢٢]: من نظر إلى امرأته حتى أمنى ؟
• لا يفسد حجُّه عند أكثر أهل العلم.
стр. 2465
• وقال مالك: يفسد حجُّه. ورُوي عن الحسن.
والصواب قول الجمهور.
• ثم اختلف الجمهور هل عليه شيء، أم لا؟ على ثلاثة أقوال:
القول الأول: عليه شاةٌ، وهو قول سعيد بن جبير، وأحمد في رواية، وإسحاق.
وروي هذا القول عن ابن عباس ﵄، أخرجه سعيد بن منصور كما في «القِرَى» (ص ٢١٧).
القول الثاني: عليه بدنة، وهو قول أحمد في رواية.
القول الثالث: ليس عليه شيء، وهو قول أبي ثور، وأبي حنيفة، والشافعي، وهذا القول هو الصواب، والله أعلم. (١)
مسألة [٢٣]: هل يلتحق بما تقدم من وطئ في الدبر، وكذا اللواط، وكذا وطء البهيمة ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٥/ ١٦٨): وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْوَطْءِ فِي الْقُبُلِ وَالدُّبُرِ، مِنْ آدَمِيٍّ أَوْ بَهِيمَةٍ. وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ. وَيَتَخَرَّجُ فِي وَطْءِ الْبَهِيمَةِ أَنَّ الْحَجَّ لَا يَفْسُدُ بِهِ. وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُوجِبُ الْحَدَّ، فَأَشْبَهَ الْوَطْءَ دُونَ الْفَرْجِ.
وَحَكَى أَبُو ثَوْرٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ اللِّوَاطَ وَالْوَطْءَ فِي الدُّبُرِ لَا يُفْسِدُ الْحَجَّ؛
стр. 2466
لِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ بِهِ الْإِحْصَانُ، فَلَمْ يُفْسِدْ الْحَجَّ كَالْوَطْءِ دُونَ الْفَرْجِ. اهـ
وقال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٧/ ٤٢١): لو وطئ امرأةً في دبرها، أو لاط برجل، أو أتى بهيمة؛ فقد ذكرنا أن الأصح عندنا أنه يفسد حجُّه وعمرته، وقال أبو حنيفة: البهيمة لا تفسد، ولا فدية، وفي الدبر روايتان، وقال داود: لا تفسد ا لبهيمة واللواط. اهـ (١)
стр. 2467
٧١٧ - وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ الأَنْصَارِيِّ ﵁ -فِي قِصَّةِ صَيْدِهِ الحِمَارَ الوَحْشِيَّ، وَهُوَ غَيْرُ مُحْرِمٍ- قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِأَصْحَابِهِ -وَكَانُوا مُحْرِمِينَ-: «هَلْ مِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَوْ أَشَارَ إلَيْهِ بِشَيْءٍ؟» قَالُوا: لَا. قَالَ: «فَكُلُوا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١)
٧١٨ - وَعَنِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ اللَّيْثِيِّ ﵁، أَنَّهُ أَهْدَى لِرَسُولِ اللهِ ﷺ حِمَارًا وَحْشِيًّا، وَهُوَ بِالأَبْوَاءِ، أَوْ بِوَدَّانَ؛ فَرَدَّهُ عَلَيْهِ، وَقَالَ: «إنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْك إلَّا أَنَّا حُرُمٌ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (٢)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين
مسألة [١]: ما حكم الصيد للمحرم ؟
يحرم على المحرم صيد البر بالإجماع، ويحل له صيد البحر بالإجماع؛ لحديثي الباب، ولقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة:٩٦].
والمقصود من الآية: أنه يحرم على المحرم أن يقتل، أو يذبح صيد البر، ويجوز له أن يقتل صيد البحر، وكذلك يحرم عليه أكل صيد البر. (٣)
стр. 2468
مسألة [٢]: هل للمحرم أن يأكل من صيد البر إذا اصطاده الحلالُ، وأهدى له ؟
• في هذه المسألة أقوال:
القول الأول: يمنع المحرم من لحم الصيد مطلقًا، وهو قول الليث، والثوري، وإسحاق، وصحَّ عن علي، وابن عمر، وابن عباس ﵃، أنهما كرهاه للمحرم على كل حال، كما في «تفسير ابن جرير»، وحُجَّةُ أهل هذا القول قوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾، وحديث الصعب بن جثامة الذي في الباب، وحديث زيد بن أرقم في «صحيح مسلم» (١١٩٥)، أنه قال: أُهدِي إلى رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عضو من لحم صيد؛ فرده، وقال: إنا لا نأكله؛ إنا حُرُمٌ.
القول الثاني: يجوز للمحرم أن يأكل من لحم الصيد الذي يُهدي له الحلالُ مطلقًا، وهو قول مجاهد، وابن جبير، وأصحاب الرأي.
واستدلوا بحديث أبي قتادة الذي في الباب، وحديث طلحة بن عبيد الله في «صحيح مسلم» (١١٩٧)، قال: أكلناه على عهد رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.
وحديث عمير بن سلمة في «موطأ مالك» (١/ ٣٥١)، وغيره أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- خرج يريد مكة وهو محرم، فمر بالعرج، فإذا هو بحمار وحش عقير، فلم يلبث أن جاء رجل من بهز، فقال: يا رسول الله، هذه رميتي، فشأنكم بها. فأمر رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أبا بكر فقسمه بين الرِّفاق. وهو حديث صحيح.
القول الثالث: إن كان الحلال صاده للمحرم بأمره، أو دلالته، أو بغير أمره،
стр. 2469
فهو حرام على المحرم، وإن صاده الحلال لنفسه، وأهدى منه للمحرم فيجوز، وهذا القول قال به أحمد، والشافعي، ومالك، وإسحاق، وأبو ثور وغيرهم، وهو قول الجمهور، وحجتهم: أنَّ هذا القول يجمع بين الأدلة؛ فإنَّ أكثر الأدلة تدل على الجواز، فيحمل حديث الصعب بن جثامة على أنه صاده لرسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فعلم ذلك النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فرده، وذكر له العلة الأصلية من التحريم، وهي (الإحرام)، واستأنس الجمهور على ذلك بحديث جابر بن عبد الله في «سنن أبي داود» (١٨٥١)، والنسائي (٥/ ١٨٧) وغيرهما، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «صيد البر لكم حلال؛ مالم تصيدوه أو يُصَد لكم»، وفي إسناده انقطاع؛ لأنَّ المطلب بن عبدالله بن حنطب لم يسمع من جابر بن عبدالله ﵄.
وقد صحَّ هذا القول عن عثمان بن عفان، فروى مالك في «الموطأ» (١/ ٣٥٤) بإسناد صحيح أنه أُتي بلحم صيد، فقال لأصحابه: كلوا. قالوا: ألا تأكل أنت؟ قال: إني لست كهيئتكم، إنما صيد من أجلي.
وثبت عن عمر وأبي هريرة ﵄، ما يدل على ذلك.
وهذا القول هو أقرب الأقوال، وهو ترجيح الإمام الوادعي، والإمام ابن عثيمين رحمة الله عليهما، وأما قوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ﴾، فالآية يحتمل أن المراد بها (اصطياد)، وأنَّ المراد بها (مصيد)، والأول مجمع على تحريمه، والثاني فيه اختلاف كما تقدمت الأحاديث، فإما أن يكون ليس مرادًا بالآية، أو يكون مرادًا، ولكن دلت الأدلة الأخرى على تخصيصه، فأجازت ما أُهدي
стр. 2470
للمحرم من الحلال بدون أن يصيده من أجله، والله أعلم. (١)
مسألة [٣]: ما حرم على المحرم لكونه صِيْدَ لأجله هل يحرم على غيره أن يأكله ؟
ذكر أهل العلم أنَّ لغيره أن يأكل، وثبت ذلك عن عثمان بن عفان ﵁ كما تقدم، وثبت ذلك أيضًا عن أبي هريرة ﵁، وأقرَّه عمر ﵁ كما في «سنن البيهقي» (٥/ ١٨٩) بإسناد صحيح عنهما وهو ظاهر حديث الصعب بن جثامة. (٢)
مسألة [٤]: إذا قتل المحرم الصيد، أو ذبحه، فهل تحل تلك الذبيحة ؟
• ذهب أكثر أهل العلم إلى أنها تعتبر ميتة لا تحل، وهو قول الحسن، والقاسم، وسالم، ومالك، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي، وذلك لأنها ذُكِّيت ذكاةً غير شرعية، وهو قول الظاهرية، واختاره الإمام ابن عثيمين ﵀.
• وذهب بعض أهل العلم إلى أنه يجوز لغير المحرم الذي قتلها أكلها، وهو قول الثوري، وأبي ثور، وابن المنذر، قال ابن المنذر: هي كذبيحة السارق، وهو قول عمرو بن دينار، وأيوب، والشافعي في القديم.
قال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول أظهر؛ لما تقدم، والله أعلم. (٣)
стр. 2471
مسألة [٥]: من اضطر ووجد ميتة وصيدًا وهو محرمٌ ؟
• اختار بعض أهل العلم أنه يقدم الميتة، وهو قول أحمد، والحسن، والثوري، ومالك، وقالوا: الصيد إذا قتله المحرم صار ميتة؛ فيكون محرمًا من جهة أنه ميتة، ومن جهة كونه صيدًا لمُحْرم.
• وذهب بعض أهل العلم إلى أنه يقدم الصيد؛ لأنَّ الميتة محرمة لذاتها، والصيد محرم لكونه مُحرمًا؛ فهو محرم لعارض، فإذا وجدت الضرورة جاز، ولا يسلَّم لهم أنه ميتة إذا كان مضطرًا لصيده؛ لأنَّ صيده يصبح حلالًا، فكيف يكون ميتة؟! وهو قول الشافعي، وإسحاق، وابن المنذر، وهو الصواب. (١)
مسألة [٦]: إذا أحرم وفي ملكه صيد، فهل يلزمه إرساله ؟
• قال جماعةٌ من أهل العلم: عليه إرساله. وهو قول أبي ثور، وأحمد، والصحيح عند الشافعية، وهو قول أصحاب الرأي.
• وذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنه لا يلزمه إرساله، وهو قول أبي ثور، وابن المنذر، وبعض الشافعية؛ لأنه ملكه، وهو حلال، ولكن لا يقتله، ولا يذبحه بعد إحرامه.
• وعن مالكٍ، وأحمد أنه لا يلزمه إرساله إذا كان في منزله، ولم يكن في يده.
وقول أبي ثور، وابن المنذر أقرب، والله أعلم. (٢)
стр. 2472
مسألة [٧]: ما حكم طير الماء ؟
قال النووي ﵀ في «المجموع» (٧/ ٣٣٣): قال الأوزاعي، والشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي، وعوام أهل العلم: هو من صيد البر، فإذا قتله المحرم؛ لزمه الجزاء، والله أعلم. اهـ
وقال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٥/ ١٧٨): فَأَمَّا طَيْرُ الْمَاءِ، كَالْبَطِّ وَنَحْوِهِ، فَهُوَ مِنْ صَيْدِ الْبَرِّ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَفِيهِ الْجزَاءُ.
وَحُكِيَ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ قَالَ: حَيْثُ يَكُونُ أَكْثَرَ، فَهُوَ صَيْدُهُ. وَقَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ يَبِيضُ فِي الْبَرِّ، وَيُفْرِخُ فِيهِ؛ فَكَانَ مِنْ صَيْدِ الْبَرِّ، كَسَائِرِ طَيْرِهِ، وَإِنَّمَا إقَامَتُهُ فِي الْبَحْرِ لِطَلَبِ الرِّزْقِ، وَالْمَعِيشَةِ مِنْهُ، فكان كَالصَّيَّادِ. اهـ
مسألة [٨]: حكم صيد الجراد .
• ذهب عامَّةُ أهل العلم إلى أنَّ الجراد يحرم على المحرم اصطياده، وفيه الجزاء، وصحَّ عن عمر، وابن عمر، وعبد الله بن عباس، أنهم جعلوا فيه الجزاء تمرة، كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (٤/ ٥٢٧ - ٥٢٨).
• وخالف أبو سعيد الاصطخري من الشافعية، وحُكِي عن عروة بن الزبير، أنهم قالوا: ليس فيه الجزاء، واحتج لهم بحديث أبي هريرة ﵁، عند أبي داود (١٨٥٤)، والترمذي (٨٥٠)، أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «إنما هو من صيد البحر»، وهو حديث ضعيفٌ، في إسناده: أبو المهزم، وهو متروك. (١)
стр. 2473
فَصْلٌ فِي جَزَاءِ مَنْ قَتَلَ صَيْدًا وَهُوَ مُحْرِمٌ
مسألة [١]: إذا قتل المحرم الصيد، فهل عليه الجزاء إذا كان متعمدًا ؟
• ذهب عامة أهل العلم إلى أن عليه الجزاء؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة:٩٥] الآية، ولم ينقل الخلاف في ذلك إلا عن مجاهد، وتأول الآية بتأويل غير مقبول، حيث قال: متعمدًا للصيد غير ذاكرٍ للإحرام. قال: وأما إن كان ذاكرًا للإحرام فأمره عظيم، لا يُكَفَّر. ولم يوافقه أهل العلم على هذا التأويل. (١)
مسألة [٢]: إذا قتل المحرم الصيد خطأ فهل عليه الجزاء ؟
• ذهب أكثر أهل العلم إلى أنَّ عليه الجزاء أيضًا، وقالوا في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾: يحتمل أن تكون الآية (متعمدًا لقتله ناسيًا لإحرامه)، ويحتمل أن تكون (متعمدًا لقتله ذاكرًا لإحرامه)، فتحمل الآية على العموم، وقالوا: يقاس على قتل الآدمي؛ فإنَّ الدية تجب في قتله عمدًا، أو خطًا.
• وذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنَّ المخطئ ليس عليه جزاء، وهو قول طاوس، وسعيد بن جبير، وأبي ثور، وداود، وأحمد في رواية، وابن المنذر؛
стр. 2474
لظاهر الآية المتقدمة، وهذا القول هو الأظهر، وقد اختاره الإمام الشنقيطي ﵀، وأما تأويل الجمهور وقياسهم فغير مقبول. (١)
تنبيه: الخلاف المذكور هو جارٍ أيضًا في حق الناسي.
مسألة [٣]: إذا دلَّ المحرمُ حلالاً على الصيد فقتله، فهل يلزم المحرم جزاء ؟
• ذهب بعض أهل العلم إلى أنَّ عليه الجزاء؛ لدلالته عليه، وهو قول عطاء، ومجاهد، وبكر المزني، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي، وجاء عن ابن عباس بإسناد ضعيف، فيه: ليث بن أبي سليم، وحجتهم: أنَّ القتل ترتب على دلالته وإعانته؛ فكان كالقاتل.
• وذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنه ليس عليه جزاء، ويأثم على دلالته، وهو قول مالك، والشافعي، وأبي ثور، وداود، وابن المنذر، وهو الصحيح، -والله أعلم-؛ لأنَّ الله تعالى قال: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾ والآية لا تتناول الدَّال في نصِّها وظاهرها، والله أعلم. (٢)
مسألة [٤]: إذا دلَّ المحرم محرمًا آخر فقتله، فعلى من الجزاء ؟
• في المسألة ثلاثة أقوال:
الأول: الجزاء بينهما، وهو قول عطاء، وحماد، وأحمد.
стр. 2475
الثاني: على كل واحد منهما جزاءٌ، وهو قول الشعبي، وابن جبير، وأصحاب الرأي.
الثالث: الجزاء على القاتل وحده، ويأثم الذي أعان أو دلَّ، وهو قول مالك، والشافعي، وأبي ثور، وداود، وهذا القول هو الصواب؛ لما تقدم في المسألة التي قبلها. (١)
مسألة [٥]: إن أكل المحرم ما صيد لأجله، أو بدلالته، فهل عليه الجزاء ؟
• في المسألة قولان:
الأول: أنه يضمن الجزاء بأكله، وهو قول أحمد، ومالك، والشافعي في القديم، وذلك لأنه ممنوع منه.
الثاني: أنه ليس عليه جزاء، وهو قول الشافعي في الجديد، وهذا أصح، ولا نعلم دليلًا على إيجاب الجزاء على من أكل ولم يقتل. (٢)
مسألة [٦]: من قتل الصيد ثم أكله، فكم عليه جزاء ؟
• ذهب أكثر أهل العلم إلى أنه يضمن للقتل دون الأكل، وهو قول أحمد، ومالك، والشافعي، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن، وابن المنذر؛ لدلالة الآية السابقة على ذلك.
• وذهب بعضهم إلى أنه يضمن للأكل أيضًا، وهو قول عطاء، وأبي حنيفة.
стр. 2476
والصواب القول الأول، والله أعلم. (١)
مسألة [٧]: إذا قتل المحرم صيدًا آخر بعد أول، فهل عليه جزاء آخر ؟
• ذهب أكثر أهل العلم إلى أنَّ عليه جزاءً آخر، وهو قول الشافعي، ومالك، وأحمد في رواية، وابن المنذر، وأبي حنيفة؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾.
• وذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنَّ عليه جزاءً واحدًا بالصيد الأول، وهو قول الحسن، وابن جبير، ومجاهد، والنخعي، وقتادة، وهو قول داود، ورواية عن أحمد، وكأنهم قاسوه على الحدود؛ فإنَّ الحد لا يتعدد إلا إن ارتكب الجريمة عقب إقامة الحد مرة أخرى.
قلتُ: والقول الأول أظهر؛ لأنه هو الظاهر من الآية لمن تدبرها، والله أعلم، وأما قياسهم فغير صحيح؛ فإنَّ الكفارات تتعدد بتعدد القتل والأيمان، وأروش الجنايات تتعدد بتعدد الجنايات. (٢)
مسألة [٨]: إذا قتل المحرم صيدًا مملوكًا لإنسان ؟
• في المسألة قولان:
الأول: أن عليه الجزاء، والقيمة، وهو قول الشافعي، وأحمد، وأبي حنيفة، ومالك، وأكثر أصحاب داود؛ لأنه تعدى في حق الله، وحق المخلوق، فكان عليه
стр. 2477
الضمان بالجزاء والقيمة.
الثاني: عليه القيمة وليس عليه الجزاء، وهو قول المزني، وبعض أصحاب داود.
قال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول أقرب، والله أعلم. (١)
مسألة [٩]: إذا صال على المحرم صيد ولم يستطع دفعه إلا بقتله، فهل عليه الجزاء ؟
• ذهب أحمد، والشافعي وأصحابهما إلى أنه يقتله وليس عليه شيء؛ لأنه مأمور بقتله للحفاظ على نفسه، ولأنه التحق بالمؤذيات طبعًا؛ فصار كالكلب العقور.
• وذهب أبو حنيفة، وقال به بعض الحنابلة إلى أنَّ عليه الجزاء؛ لأنه قتل صيدًا لحاجة نفسه.
قلتُ: والقول الأول هو الصحيح؛ لأنه مأمور بقتله للدفاع عن نفسه، وأما الصيد الذي فيه الجزاء فهو منهي عن قتله، وعليه فكيف يؤمر بالجزاء؟!، والله أعلم. (٢)
مسألة [١٠]: إذا اضطر المحرم إلى الأكل، فصاد صيدًا، فهل عليه الجزاء ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٥/ ٣٩٦): يُبَاحُ لَهُ ذَلِكَ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ؛ فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة:١٩٥]، وَتَرْكُ الْأَكْلِ مَعَ الْقُدْرَةِ
стр. 2478
عِنْدَ الضَّرُورَةِ؛ إلْقَاءٌ بِيَدِهِ إلَى التَّهْلُكَةِ، وَمَتَى قَتَلَهُ ضَمِنَهُ، سَوَاءٌ وَجَدَ غَيْرَهُ أَوْ لَمْ يَجِدْ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: لَا يَضْمَنُهُ؛ لِأَنَّهُ مُبَاحٌ أَشْبَهَ صَيْدَ الْبَحْرِ. اهـ
قلتُ: وقول الأوزاعي أقرب؛ لأنه مأمور بقتله، وأما الذي يجب فيه الجزاء فهو المحرم قتله بنص الآية، والله أعلم.
مسألة [١١]: لا تفريق بين إحرام الحج وإحرام العمرة .
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٥/ ٣٩٧): الْجزَاءُ لَا يَجِبُ إلَّا عَلَى الْمُحْرِمِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ إحْرَامِ الْحَجِّ وَإِحْرَامِ الْعُمْرَةِ؛ لِعُمُومِ النَّصِّ فِيهِمَا، وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْإِحْرَامِ بِنُسُكٍ وَاحِدٍ، وَبَيْنَ الْإِحْرَامِ بِنُسُكَيْنِ، وَهُوَ الْقَارِنُ؛ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُمَا. اهـ
قلتُ: وأوجبَ أبو حنيفة على القارن جزاءين، وخالفه الجمهور، وقولهم هو الصواب. (١)
مسألة [١٢]: ما هو ضابط الصيد ؟
قال أبو محمد بن قدامة ﵀: وَالصَّيْدُ مَا جَمَعَ ثَلَاثَةَ أَشْيَاءَ، وَهُوَ: أَنْ يَكُونَ مُبَاحًا أَكْلُهُ، لَا مَالِكَ لَهُ، مُمْتَنِعًا؛ فَيَخْرُجُ بِالْوَصْفِ الْأَوَّلِ كُلُّ مَا لَيْسَ بِمَأْكُولٍ لَا جَزَاءِ فِيهِ، كَسِبَاعِ الْبَهَائِمِ، وَالْمُسْتَخْبَثِ مِنْ الْحَشَرَاتِ، وَالطَّيْرِ، وَسَائِرِ الْمُحَرَّمَاتِ. قَالَ أَحْمَدُ: إنَّمَا جُعِلَتْ الْكَفَّارَةُ فِي الصَّيْدِ الْمُحَلَّلِ أَكْلُهُ. وَقَالَ: كُلُّ مَا يُودَى إذَا أَصَابَهُ الْمُحْرِمُ يُؤْكَلُ لَحْمُهُ، وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ. (٢)
стр. 2479
مسألة [١٣]: الذي لا يمتنع، وليس بوحشي .
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٥/ ٣٩٩): وَمَا لَيْسَ بِوَحْشِيٍّ لَا يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ ذَبْحُهُ وَلَا أَكْلُهُ، كَبَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ كُلِّهَا، وَالْخَيْلِ، وَالدَّجَاجِ وَنَحْوِهَا، لَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي هَذَا خِلَافًا، وَالِاعْتِبَارُ فِي ذَلِكَ بِالْأَصْلِ لَا بِالْحَالِ، فَلَوْ اسْتَأْنَسَ الْوَحْشِيُّ؛ وَجَبَ فِيهِ الْجزَاءُ، وَكَذَلِكَ وَجَبَ الْجزَاءُ فِي الْحَمَامِ أَهْلِيِّهِ وَوَحْشِيِّهِ؛ اعْتِبَارًا بِأَصْلِهِ، وَلَوْ تَوَحَّشَ الْأَهْلِيُّ لَمْ يَجِبْ فِيهِ شَيْءٌ.
قَالَ أَحْمَدُ فِي بَقَرَةٍ صَارَتْ وَحْشِيَّةً: لَا شَيْءَ فِيهَا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فَيْهَا الْإِنْسِي. انتهى المراد.
مسألة [١٤]: هل في الثعلب جزاء ؟
• في المسألة قولان:
الأول: فيه الجزاء، وهو قول طاوس، وقتادة، ومالك، والشافعي، والحسن.
الثاني: ليس فيه الجزاء، وهو قول الزهري، وعمرو بن دينار، وابن أبي نجيح، وأحمد، وابن المنذر.
قلتُ: ثبت في «الصحيح» (١) أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نهى عن كل ذي نابٍ من السِّباع، والثعلب له ناب يفترس به.
وعلى هذا: فالصحيح القول الثاني؛ لأنه لا يحل أكله، وليس بصيد، ومن قال:
стр. 2480
فيه الجزاء؛ فإنهم يرون أنه يُباح أكله، وبعضهم علل بأنَّ نابه ليس بقوي، وهذا لا يكفي في إخراجه من عموم النص السابق. (١)
تنبيه: هناك حيوانات أخرى مُخْتَلَفٌ فيها، هل فيها جزاء أم لا؟ وذلك بناءً على اختلافهم في جواز أكلها أم لا، فما أُبيح أكله؛ وجبَ فيه الجزاء، وما لا يُباح؛ فليس فيه الجزاء، وبيان ذلك إن شاء الله تعالى في [كتاب الأطعمة].
مسألة [١٥]: ماذا يجب على من صاد وهو محرم من الجزاء ؟
بيان ذلك في قول الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ [المائدة: ٩٥] الآية.
قال ابن قدامة -رحمه الله تعالى-: قَاتِلُ الصَّيْدِ مُخَيَّرٌ فِي الْجزَاءِ بِأَحَدِ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ، بِأَيِّهَا شَاءَ كَفَّرَ، مُوسِرًا كَانَ أَوْ مُعْسِرًا. وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ: أَنَّهَا عَلَى التَّرْتِيبِ، فَيَجِبُ الْمِثْلُ أَوَّلًا؛ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَطْعَمَ؛ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ صَامَ. وَرُوِيَ هَذَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَالثَّوْرِيِّ؛ لِأَنَّ هَدْيَ الْمُتْعَةِ عَلَى التَّرْتِيبِ. وَهَذَا أَوْكَدُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ بِفِعْلٍ مَحْظُورٍ. وَعَنْهُ رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ: أَنَّهُ لَا إطْعَامَ فِي الْكَفَّارَةِ، وَإِنَّمَا ذُكِرَ فِي الْآيَةِ لِيَعْدِلَ الصِّيَامَ؛ لِأَنَّ مَنْ قَدَرَ عَلَى الْإِطْعَامِ قَدَرَ عَلَى الذَّبْحِ. هَكَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَهَذَا قَوْلُ الشَّعْبِيِّ، وَأَبِي عِيَاضٍ. اهـ
قال أبو عبد الله غفر الله له: الآية نصٌّ في التخيير بين الثلاثة الأمور؛ فالَّراجح
стр. 2481
والصواب هو القول الأول، والله أعلم.
وقول الشعبي، وأبي عياض عزاه النووي في «المجموع» (٧/ ٤٣٨) إليهما، وزاد: النخعي، وزفر.
وقول ابن عباس الأول في الترتيب له طريقان كما في «تفسير ابن جرير»، وفي كليهما ضعفٌ، وأما أثره الثاني في عدم الإطعام؛ فهو من طريق: الحَكَم بن عتيبة، عن مِقْسَم، عنه، والحَكَم لم يسمع من مِقسَم إلا بعض الأحاديث، نحو خمسة أو ستة كما في «جامع التحصيل»، وعلى هذا فهو ضعيفٌ، والله أعلم. (١)
مسألة [١٦]: من الذي يحكم بالمثل من النعم ؟
أمر الله أن يحكم بذلك رجلان عدلان، والصيد منه ما حكم به الصحابة ﵃، ومنه ما لم يرد عنهم فيه الحكم.
• فأما ما حكم به الصحابة: فأكثر أهل العلم على أنه يؤخذ به؛ لأنهم أعلم مِنَّا وأحكم، وهم عدول، وقد قضوا بذلك؛ فوجب المصير إليه، وهذا قول عطاء، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وداود، وابن حزم وغيرهم.
• وذهب مالك، وابن أبي ليلى، والحسن بن حي، والثوري إلى أنه لابد من استئناف حكمين، ثم اختلفوا: فقال مالك: الخيار إلى المحكوم عليه، لا إلى الحكمين، ويقول لهما: (لا تحكما عليَّ إلا بالإطعام) إن شاء، أو بالصيام إن شاء، أو بالجزاء إن شاء. وقال الباقون: الخيار إلى الحكمين، لا إلى المحكوم
стр. 2482
عليه. وقال مالك: لا يجوز للحكمين أن يحكما بغير حكم من مضى. وقال ابن حي: إن كان حكم اليوم أكثر؛ حكم بحكم اليوم، وإن كان حكم اليوم أقل؛ حكم بحكم من مضى.
قلتُ: والأظهر أنَّ ما حكم به الصحابة يُرجَع إليه، والله أعلم. (١)
مسألة [١٧]: إذا صاد المحرم نعامة، فماذا عليه ؟
• أكثر أهل العلم على أنَّ عليه نظيره من النَّعم، وهي البدنة، ولم ينقل الخلاف إلا عن النخعي، وأبي حنيفة، فقالا: عليه القيمة، ويجوز صرفها في المثل. وكذلك قولهم في غير النعامة من الصيد.
والقول الأول هو الصواب، وقد جاء عن جمعٍ من الصحابة أنهم قضوا بذلك، جاء عن ابن عباس ﵄ بطرق يحسن بها كما في «سنن البيهقي»، وجاء عن ابن مسعود بسندٍ منقطع، وجاء عن عمر، وعثمان، وعلي، وزيد بن ثابت ﵃ بإسناد منقطع في موضعين. (٢)
مسألة [١٨]: إذا صاد المحرم حمارًا وحشيًّا، فماذا عليه من النَّعَم ؟
• في المسألة قولان:
الأول: عليه بدنة، جاء عن ابن مسعود بإسناد منقطع، وروي عن ابن عباس، ولم أقف له على إسناد، لكن قال ابن حزم في «المحلَّى»: الرواية في ذلك عن ابن
стр. 2483
عباس لا تصح. وهو قول عطاء، والنخعي، وأبي عبيدة، وأحمد في رواية.
الثاني: عليه بقرة، عزاه ابن قدامة إلى عمر ﵁، ولم أقف عليه، وهو قول عروة، ومجاهد، وعطاء، والشافعي، وأحمد في رواية.
وقال ابن حزمٍ ﵀ في «المحلى» (٧/ ٢٢٨): وجدنا حمار الوحش أشبه بالبقرة منه بالناقة؛ لأنَّ البقر وحمار الوحش ذوا شعر وذنب سابغ، وليس لهما سنام، والناقة ذات وبر وذنب قصير وسنام؛ فوجب الحكم بالبقرة؛ لقوة المماثلة. اهـ
قلتُ: وهذا القول هو الصواب، والله أعلم. (١)
مسألة [١٩]: إذا صاد المحرم بقرةً وحشية، فماذا عليه من النعم ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٥/ ٤٠٣): وفي بقرة الوحش بقرة، رُوي ذلك عن ابن مسعود، وعطاء، وعروة، وقتادة، والشافعي. اهـ
قلتُ: أثر ابن مسعود أخرجه عبد الرزاق (٤/ ٤٠٠)، من طريق: الضحاك بن مزاحم، عن ابن مسعود، والضحاك لم يدرك ابن مسعود؛ فهو ضعيف منقطع، ولكنَّ الحكم عليه؛ فإنَّ المماثلة بينهما ظاهرة جدًّا.
مسألة [٢٠]: إذا صاد المحرم ظبيًا، فماذا عليه من النَّعَم ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٥/ ٤٠٤): وفي الظَّبي شاةٌ، ثبت ذلك عن
стр. 2484
عمر، ورُوي عن علي، وبه قال عطاء، وعروة، والشافعي، وابن المنذر، ولا نحفظ عن غيرهم خلافهم. اهـ
قلتُ: وأثر عمر ﵁ أخرجه عبد الرزاق (٤/ ٤٠٦) بإسناد صحيح، وأثر علي ﵁ أخرجه أيضًا عبدالرزاق (٤/ ٤٠٦)، من طريق: سماك، عن عكرمة، عنه، وسماك روايته عن عكرمة مضطربة، وعكرمة لم يسمع من علي ﵁؛ فهو منقطع.
مسألة [٢١]: الوبر ماذا فيه ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٥/ ٤٠٤): وفي الوبر شاةٌ، رُوي ذلك عن مجاهد، وعطاء، وقال القاضي: فيه جفرة. وهي ما بلغ أربعة أشهر من ولد المعز؛ لأنه ليس بأكبر منها، وقال الشافعي: إن كانت العرب تأكل الوبر؛ ففيه جفرة. اهـ
قال أبو عبد الله غفر الله له: الجفرة أقرب إلى المماثلة بالوبر من الشاة، وهو أقرب إلى حكم الصحابة في اليربوع كما سيأتي.
مسألة [٢٢]: اليربوع ماذا فيه ؟
• فيه قولان:
الأول: فيه جفرة، وهذا القول صحَّ عن عمر، وجاء عن ابن مسعود بسندين يُحسَّن بهما، وهو قول عطاء، وأحمد، والشافعي، وأبي ثور.
الثاني: قال النخعي: فيه ثَمَنُه، وقال مالك: قيمته طعامًا. وقال عمرو بن دينار: ما سمعنا أنَّ الضَّبَّ واليربوع يوديان.
стр. 2485
قلتُ: والصواب ما قضى به الصحابة، والله أعلم. (١)
مسألة [٢٣]: الضَّبُّ ما فيه ؟
• فيه أقوال:
الأول: فيه جَدْيٌ، وهذا القول صحَّ عن عمر ﵁، وقال به الشافعي، وأحمد في رواية، وداود، وأبو يوسف.
الثاني: فيه شاةٌ، وهو قول عطاء، وأحمد في رواية، وذكره ابن قدامة عن جابر، ولم أجد له سندًا. وقال مجاهد: حفنة من طعام. وقال قتادة: صاع. وقال مالك: قيمته من الطعام.
قلتُ: القول الأول هو الصواب؛ لأنَّ عمر ﵁ قضى به. (٢)
مسألة [٢٤]: الضَّبع ماذا فيه ؟
ثبت في «السنن» من حديث جابر بن عبد الله ﵁ أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «الضَّبع صيد، ويُجعل فيه كبش إذا صاده المحرم» (٣)، وهو في «الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين» (٢١٤).
وقد صحَّ عن عمر، وجابر، وابن عباس ﵃، أنهم جعلوا فيه كبشًا، وهو قول عطاء، وأحمد، والشافعي، وابن المنذر.
стр. 2486
وقال الأوزاعي: العلماء بالشام يعدونها من السِّباع، ويكرهون أكلها.
قال ابن قدامة ﵀: وهو القياس؛ إلا أنَّ اتِّباع السنة أولى. اهـ
قلتُ: الصحيح -بلا ريب- أنَّ فيه شاة؛ للحديث المتقدم، ولقضاء الصحابة بذلك، والله أعلم. (١)
مسألة [٢٥]: الأرنب ماذا فيه ؟
• صحَّ عن عمر بن الخطاب ﵁، أنه قضى فيه بـ (عَناق)، وهو قول أحمد، والشافعي.
• وقال عطاء، ومجاهد: فيه شاة.
• وقال مالك: قيمته طعامًا.
قلتُ: والصواب قول عمر ومن معه، والله أعلم.
والعَنَاق: هي صغيرة الماعز التي بلغت أن تكون جذعة. (٢)
مسألة [٢٦]: الحمامة ماذا فيها إذا صادها المحرم ؟
• ثبت عن ابن عمر، وابن عباس ﵄ أنهما جعلا فيها شاة، وجاء ذلك عن عمر، وعثمان ﵄ بسند فيه ضعف (٣)، وأخذ بذلك الشافعي، وأحمد، وداود الظاهري، ومالك قال به في حمام الحرم.
стр. 2487
• وذهب النخعي، والزهري، وأبو حنيفة إلى أن فيها القيمة، وهو قول مالك في حمام غير الحرم، والصحيح هو القول الأول؛ لأنه حكم الصحابة. (١)
مسألة [٢٧]: الطيور التي أصغر من الحمام .
قال النووي ﵀ في «المجموع» (٧/ ٤٤٠): ما دون الحمام من العصافير ونحوها من الطيور تجب فيه قيمته عندنا، وبه قال مالك، وأبو حنيفة، وأحمد، والجمهور، وهو الصحيح في مذهب داود، وقال بعض أصحاب داود: لا شيء فيه؛ لقوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة:٩٥] فدل على أنه لا شيء فيما لا مثل له. واحتج أصحابنا بأن عمر، وابن عباس وغيرهما أوجبوا الجزاء في الجرادة؛ فالعصفور أولى، وروى البيهقي بإسناده عن ابن عباس، قال: في كل طير دون الحمام قيمته. اهـ
قلتُ: الصواب قول الجمهور، وأثر ابن عباس الأخير عند البيهقي (٥/ ٢٠٦)، وهو صحيح. (٢)
مسألة [٢٨]: هل في بيض الصيد جزاء ؟
• ذهب الجمهور إلى أنَّ فيه الجزاء، وجزاؤه قيمته، وثبت هذا عن ابن عباس ﵄، وجاء عن عمر ﵁ بإسناد منقطع كما في «مصنف عبدالرزاق، وجاء عن
стр. 2488
ابن مسعود ﵁ من طريق ولده أبي عبيدة، ولم يسمع من أبيه، وهذا قول النخعي، والزهري، وأحمد، والشافعي، وأصحاب الرأي.
• وذهب المزني، وبعض الظاهرية، وابن حزم -وعزاه إلى أبي حنيفة- إلى أنه لا شيء عليه؛ لأنه ليس بصيد، وهذا القول أقرب -والله أعلم-؛ لأنه ليس بصيد. (١)
مسألة [٢٩]: إذا كان المصيد صغيرًا، أو مَعيبًا ؟
• ذهب عطاء، وأحمد، وأبو ثور، والشافعي إلى أنَّ من صاد صيدًا صغيرًا؛ فجزاؤه مثله من النعم صغيرًا؛ لقوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾.
• وذهب مالك إلى أنه يجب أن يكون كبيرًا؛ لقوله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة:٩٥]، قال: ولا يجزئ الهدي الصغير.
وأجاب الجمهور عن ذلك: بالآية المتقدمة مع حكم الصحابة بالعَنَاق، والجدي، والجفرة، وهي مما لا يهدى به، وقال الجمهور: الأولى أن يفدي بكبير، ولكن الواجب عليه مثله، والصواب قول الجمهور، والله أعلم.
• وكذلك المعيب الخلاف فيه كالخلاف المتقدم، والصحيح قول الجمهور، وبالله التوفيق. (٢)
стр. 2489
مسألة [٣٠]: إذا اشترك جماعةٌ في قتل صيدٍ ؟
• ذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنَّ الجزاء عليهم، يشتركون في جزاء واحد، وهو قول عطاء، والزهري، وحماد، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وداود.
• وذهب جماعةٌ إلى أنَّ على كل واحد منهم جزاء، وهو قول الحسن، والشعبي، والنخعي، والثوري، ومالك، وأبي حنيفة.
والصحيح القول الأول؛ لأنَّ المقتول واحد؛ فوجب فيه جزاء واحد، والله أعلم. (١)
مسألة [٣١]: إذا اختار الجاني على الصيد أن يفدي بالمثل، فكيف يصنع ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٥/ ٤١٦): إذَا اخْتَارَ الْمِثْلَ، ذَبَحَهُ، وَتَصَدَّقَ بِهِ عَلَى مَسَاكِينِ الْحَرَمِ؛ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾، وَلَا يُجْزِئُهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ حَيًّا عَلَى الْمَسَاكِينِ؛ لِأَنَّ الله تَعَالَى سَمَّاهُ هَدْيًا، وَالْهَدْيُ يَجِبُ ذَبْحُهُ، وَلَهُ ذَبْحُهُ أَيَّ وَقْتٍ شَاءَ، وَلَا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِأَيَّامِ النَّحْرِ. اهـ
قال القرطبي ﵀ في «تفسيره» (٦/ ٣١٦): أَمَّا الهدْيُ فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مَكَّةَ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾.اهـ
وقال (٦/ ٣١٤): وَلَمْ يُرِدِ الْكَعْبَةَ بِعَيْنِهَا؛ فَإِنَّ الْهَدْيَ لَا يَبْلُغُهَا، وَإِنَّمَا أَرَادَ الْحَرَمَ، وَلَا خِلَافَ فِي هَذَا. اهـ
стр. 2490
مسألة [٣٢]: إذا اختار الإطعام، فكيف يصنع ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٥/ ٤١٦): مَتَى اخْتَارَ الْإِطْعَامَ؛ فَإِنَّهُ يُقَوِّمُ الْمِثْلَ بِدَرَاهِمَ، وَالدَّرَاهِمَ بِطَعَامٍ، وَيَتَصَدَّقُ بِهِ عَلَى الْمَسَاكِينِ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ مَالِكٌ: يُقَوِّمُ الصَّيْدَ لَا الْمِثْلَ؛ لِأَنَّ التَّقْوِيمَ إذَا وَجَبَ لِأَجْلِ الْإِتْلَافِ، قُوِّمَ الْمُتْلَفُ، كَاَلَّذِي لَا مِثْلَ لَهُ. وَلَنَا: أَنَّ كُلَّ مَا تَلِفَ وَجَبَ فِيهِ الْمِثْلُ إذَا قُوِّمَ لَزِمَتْ قِيمَةُ مِثْلِهِ، كَالْمِثْلِيِّ مِنْ مَالِ الْآدَمِيِّ. اهـ
مسألة [٣٣]: ما هو مقدار الإطعام ؟
• ذهب أحمد إلى أنه يُعطِي كل مسكين مُدًّا من البر، أو مُدَّين من غيره، وذهب الشافعي، ومالك إلى أنه يطعم كل مسكين مُدًّا مُدًّا، وذهب أبو حنيفة إلى أنه يطعم كل مسكين نصف صاع.
وقال ابن حزم ﵀: إن شاء أطعم مساكين، وأقلهم ثلاثة. اهـ
قلتُ: والظاهر -والله أعلم- أنه يدفع إلى كل مسكين ما شاء، وأقله ما يشبعه، ولا ينقصه عن المد، والله أعلم. (١)
مسألة [٣٤]: مكان الإطعام .
• ذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أن الإطعام في الحرم أيضًا؛ لأنه قائم مقام الهدي، وهو مذهب أحمد، والشافعي، ورُوي عن مالك.
• وذهب حماد، وأبو حنيفة إلى أنه يطعم بموضع الإصابة، ورُوي عن مالك.