← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 165

فتح العلام في دراسة أحاديث بلوغ المرام ط 4

محمد بن علي بن حزام البعداني

Полный текст (5 956 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.

стр. 2486

وقال الأوزاعي: العلماء بالشام يعدونها من السِّباع، ويكرهون أكلها. قال ابن قدامة ﵀: وهو القياس؛ إلا أنَّ اتِّباع السنة أولى. اهـ قلتُ: الصحيح -بلا ريب- أنَّ فيه شاة؛ للحديث المتقدم، ولقضاء الصحابة بذلك، والله أعلم. (١) مسألة [٢٥]: الأرنب ماذا فيه ؟ • صحَّ عن عمر بن الخطاب ﵁، أنه قضى فيه بـ (عَناق)، وهو قول أحمد، والشافعي. • وقال عطاء، ومجاهد: فيه شاة. • وقال مالك: قيمته طعامًا. قلتُ: والصواب قول عمر ومن معه، والله أعلم. والعَنَاق: هي صغيرة الماعز التي بلغت أن تكون جذعة. (٢) مسألة [٢٦]: الحمامة ماذا فيها إذا صادها المحرم ؟ • ثبت عن ابن عمر، وابن عباس ﵄ أنهما جعلا فيها شاة، وجاء ذلك عن عمر، وعثمان ﵄ بسند فيه ضعف (٣)، وأخذ بذلك الشافعي، وأحمد، وداود الظاهري، ومالك قال به في حمام الحرم.

стр. 2487

• وذهب النخعي، والزهري، وأبو حنيفة إلى أن فيها القيمة، وهو قول مالك في حمام غير الحرم، والصحيح هو القول الأول؛ لأنه حكم الصحابة. (١) مسألة [٢٧]: الطيور التي أصغر من الحمام . قال النووي ﵀ في «المجموع» (٧/ ٤٤٠): ما دون الحمام من العصافير ونحوها من الطيور تجب فيه قيمته عندنا، وبه قال مالك، وأبو حنيفة، وأحمد، والجمهور، وهو الصحيح في مذهب داود، وقال بعض أصحاب داود: لا شيء فيه؛ لقوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة:٩٥] فدل على أنه لا شيء فيما لا مثل له. واحتج أصحابنا بأن عمر، وابن عباس وغيرهما أوجبوا الجزاء في الجرادة؛ فالعصفور أولى، وروى البيهقي بإسناده عن ابن عباس، قال: في كل طير دون الحمام قيمته. اهـ قلتُ: الصواب قول الجمهور، وأثر ابن عباس الأخير عند البيهقي (٥/ ٢٠٦)، وهو صحيح. (٢) مسألة [٢٨]: هل في بيض الصيد جزاء ؟ • ذهب الجمهور إلى أنَّ فيه الجزاء، وجزاؤه قيمته، وثبت هذا عن ابن عباس ﵄، وجاء عن عمر ﵁ بإسناد منقطع كما في «مصنف عبدالرزاق، وجاء عن

стр. 2488

ابن مسعود ﵁ من طريق ولده أبي عبيدة، ولم يسمع من أبيه، وهذا قول النخعي، والزهري، وأحمد، والشافعي، وأصحاب الرأي. • وذهب المزني، وبعض الظاهرية، وابن حزم -وعزاه إلى أبي حنيفة- إلى أنه لا شيء عليه؛ لأنه ليس بصيد، وهذا القول أقرب -والله أعلم-؛ لأنه ليس بصيد. (١) مسألة [٢٩]: إذا كان المصيد صغيرًا، أو مَعيبًا ؟ • ذهب عطاء، وأحمد، وأبو ثور، والشافعي إلى أنَّ من صاد صيدًا صغيرًا؛ فجزاؤه مثله من النعم صغيرًا؛ لقوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾. • وذهب مالك إلى أنه يجب أن يكون كبيرًا؛ لقوله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة:٩٥]، قال: ولا يجزئ الهدي الصغير. وأجاب الجمهور عن ذلك: بالآية المتقدمة مع حكم الصحابة بالعَنَاق، والجدي، والجفرة، وهي مما لا يهدى به، وقال الجمهور: الأولى أن يفدي بكبير، ولكن الواجب عليه مثله، والصواب قول الجمهور، والله أعلم. • وكذلك المعيب الخلاف فيه كالخلاف المتقدم، والصحيح قول الجمهور، وبالله التوفيق. (٢)

стр. 2489

مسألة [٣٠]: إذا اشترك جماعةٌ في قتل صيدٍ ؟ • ذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنَّ الجزاء عليهم، يشتركون في جزاء واحد، وهو قول عطاء، والزهري، وحماد، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وداود. • وذهب جماعةٌ إلى أنَّ على كل واحد منهم جزاء، وهو قول الحسن، والشعبي، والنخعي، والثوري، ومالك، وأبي حنيفة. والصحيح القول الأول؛ لأنَّ المقتول واحد؛ فوجب فيه جزاء واحد، والله أعلم. (١) مسألة [٣١]: إذا اختار الجاني على الصيد أن يفدي بالمثل، فكيف يصنع ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٥/ ٤١٦): إذَا اخْتَارَ الْمِثْلَ، ذَبَحَهُ، وَتَصَدَّقَ بِهِ عَلَى مَسَاكِينِ الْحَرَمِ؛ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾، وَلَا يُجْزِئُهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ حَيًّا عَلَى الْمَسَاكِينِ؛ لِأَنَّ الله تَعَالَى سَمَّاهُ هَدْيًا، وَالْهَدْيُ يَجِبُ ذَبْحُهُ، وَلَهُ ذَبْحُهُ أَيَّ وَقْتٍ شَاءَ، وَلَا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِأَيَّامِ النَّحْرِ. اهـ قال القرطبي ﵀ في «تفسيره» (٦/ ٣١٦): أَمَّا الهدْيُ فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مَكَّةَ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾.اهـ وقال (٦/ ٣١٤): وَلَمْ يُرِدِ الْكَعْبَةَ بِعَيْنِهَا؛ فَإِنَّ الْهَدْيَ لَا يَبْلُغُهَا، وَإِنَّمَا أَرَادَ الْحَرَمَ، وَلَا خِلَافَ فِي هَذَا. اهـ

стр. 2490

مسألة [٣٢]: إذا اختار الإطعام، فكيف يصنع ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٥/ ٤١٦): مَتَى اخْتَارَ الْإِطْعَامَ؛ فَإِنَّهُ يُقَوِّمُ الْمِثْلَ بِدَرَاهِمَ، وَالدَّرَاهِمَ بِطَعَامٍ، وَيَتَصَدَّقُ بِهِ عَلَى الْمَسَاكِينِ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ مَالِكٌ: يُقَوِّمُ الصَّيْدَ لَا الْمِثْلَ؛ لِأَنَّ التَّقْوِيمَ إذَا وَجَبَ لِأَجْلِ الْإِتْلَافِ، قُوِّمَ الْمُتْلَفُ، كَاَلَّذِي لَا مِثْلَ لَهُ. وَلَنَا: أَنَّ كُلَّ مَا تَلِفَ وَجَبَ فِيهِ الْمِثْلُ إذَا قُوِّمَ لَزِمَتْ قِيمَةُ مِثْلِهِ، كَالْمِثْلِيِّ مِنْ مَالِ الْآدَمِيِّ. اهـ مسألة [٣٣]: ما هو مقدار الإطعام ؟ • ذهب أحمد إلى أنه يُعطِي كل مسكين مُدًّا من البر، أو مُدَّين من غيره، وذهب الشافعي، ومالك إلى أنه يطعم كل مسكين مُدًّا مُدًّا، وذهب أبو حنيفة إلى أنه يطعم كل مسكين نصف صاع. وقال ابن حزم ﵀: إن شاء أطعم مساكين، وأقلهم ثلاثة. اهـ قلتُ: والظاهر -والله أعلم- أنه يدفع إلى كل مسكين ما شاء، وأقله ما يشبعه، ولا ينقصه عن المد، والله أعلم. (١) مسألة [٣٤]: مكان الإطعام . • ذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أن الإطعام في الحرم أيضًا؛ لأنه قائم مقام الهدي، وهو مذهب أحمد، والشافعي، ورُوي عن مالك. • وذهب حماد، وأبو حنيفة إلى أنه يطعم بموضع الإصابة، ورُوي عن مالك.

стр. 2491

• وقال الطبري: يطعم حيث شاء. وهو قول ابن حزم ﵀، وهو الصحيح للإطلاق في الآية، والعمل بالقول الأول أحوط، والله أعلم. (١) مسألة [٣٥]: إذا اختار الصوم، فكم يصوم ؟ • اختلف أهل العلم في ذلك: • فذهب جماعةٌ إلى أنه يصوم مكان كل مُدٍّ يومًا، وهو ظاهر قول عطاء، ومالك، والشافعي، وأحمد؛ قياسًا على قولهم في كفارة المجامع في نهار رمضان، وقد تقدمت المسألة. • وذهب جماعةٌ إلى أنه يصوم مكان كل نصف صاع يومًا، وهو قول الحسن، والنخعي، والثوري، وأصحاب الرأي، وإسحاق، وابن المنذر، وحجتهم أنَّ هذا قد جاء عن ابن عباس ﵄، ولكنه من طريق: الحكم عن مِقسَم، ولم يسمع منه؛ إلا أحاديث يسيرة كما في «جامع التحصيل». • وذهب أبو ثور إلى أنَّ جزاء الصيد من الطعام والصيام مثل كفارة الأذى. • وقال سعيد بن جبير: الصوم في فدية الصيد من ثلاثة أيام إلى عشرة أيام. • وذهب الليث إلى أنه لا يتجاوز ستين يومًا، واختاره ابن العربي. • وذهب ابن حزم ﵀ إلى أنه ينظر إلى ذلك الصيد كم يشبع من الناس؟ فيصوم بدل كل إنسان يومًا، وعزاه القرطبي ليحيى بن عمر من المالكية.

стр. 2492

قال أبو عبد الله غفر الله له: ليس في المسألة نصٌّ صريح، ولكن قول أبي ثور قريب؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أوجب في فدية الأذى هديًا، أو إطعام ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع، أو صيام ثلاثة أيام؛ وعليه فيقوم الطعام، ويصوم عن كل صاع يومًا، والله أعلم. (١) مسألة [٣٦]: هل يجب التتابع في الصيام ؟ قال ابن قدامة ﵀ (٥/ ٤١٨): ولا يجب التتابع في الصيام، وبه قال الشافعي، وأصحاب الرأي؛ فإنَّ الله تعالى أمر به مطلقًا؛ فلا يقيد بالتتابع من غير دليل. اهـ

стр. 2493

٧١٩ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ، كُلُّهُنَّ فَاسِق، يُقْتَلْنَ فِي الحَرَمِ: الغُرَابُ، وَالحِدَأَةُ، وَالعَقْرَبُ، وَالفَأْرَةُ، وَالكَلْبُ العَقُورُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: بيان بعض ما يتعلق بالخمس الفواسق . قوله: «وَالغُرَابُ»، قال الحافظ ﵀ في «الفتح» (١٨٢٩): زَادَ فِي رِوَايَة سَعِيد ابْن الْمُسَيَّب عَنْ عَائِشَة عِنْد مُسْلِم «الْأَبْقَع»، وَهُوَ الَّذِي فِي ظَهْره أَوْ بَطْنه بَيَاض، وَأَخَذَ بِهَذَا الْقَيْد بَعْض أَصْحَاب الْحَدِيث كَمَا حَكَاهُ اِبْن الْمُنْذِر وَغَيْره، ثُمَّ وَجَدْت اِبْن خُزَيْمَةَ قَدْ صَرَّحَ بِاخْتِيَارِهِ، وَهُوَ قَضِيَّة حَمْل الْمُطْلَق عَلَى الْمُقَيَّد، وَأَجَابَ اِبْن بَطَّال بِأَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَة لَا تَصِحّ؛ لِأَنَّهَا مِنْ رِوَايَة قَتَادَةَ عَنْ سَعِيد، وَهُوَ مُدَلِّس، وَقَدْ شَذَّ بِذَلِكَ، وَقَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ: لَا تَثْبُت هَذِهِ الزِّيَادَة. وَقَالَ اِبْن قُدَامَةَ: الرِّوَايَات الْمُطْلَقَة أَصَحّ. وَفِي جَمِيع هَذَا التَّعْلِيل نَظَر، أَمَّا دَعْوَى التَّدْلِيس فَمَرْدُودَة بِأَنَّ شُعْبَة لَا يَرْوِي عَنْ شُيُوخه الْمُدَلِّسِينَ إِلَّا مَا هُوَ مَسْمُوع لَهُمْ، وَهَذَا مِنْ رِوَايَة شُعْبَة، بَلْ صَرَّحَ النَّسَائِيُّ فِي رِوَايَته مِنْ طَرِيق النَّضْر ابْن شُمَيْلٍ عَنْ شُعْبَة بِسَمَاعِ قَتَادَةَ. وَأَمَّا نَفْي الثُّبُوت فَمَرْدُود بِإِخْرَاجِ مُسْلِم. وَأَمَّا التَّرْجِيح فَلَيْسَ مِنْ شَرْط قَبُول الزِّيَادَة، بَلْ الزِّيَادَة مَقْبُولَة مِنْ الثِّقَة الْحَافِظ، وَهُوَ كَذَلِكَ هُنَا. اهـ

стр. 2494

قلتُ: وأكثر أهل العلم على أنه يجوز للمحرم قتل الغراب بدون تقييد بالأبقع، والعمل بالزيادة أحوط، وأسلم، والله أعلم. قال الحافظ ﵀: وَقَدْ اِتَّفَقَ الْعُلَمَاء عَلَى إِخْرَاج الْغُرَاب الصَّغِير الَّذِي يَأْكُل الْحَبّ مِنْ ذَلِكَ، وَيُقَال لَهُ: غُرَاب الزَّرْع. وَيُقَال لَهُ: الزَّاغ. وَأَفْتَوْا بِجَوَازِ أَكْله. اهـ قوله: «العَقْرَبُ»، جاءت في بعض الروايات ذكر (الحية) بدلها. قال الحافظ ابن حجر ﵀: وَالَّذِي يَظْهَر لِي أَنَّهُ ﷺ نَبَّهَ بِإِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى عِنْد الِاقْتِصَار، وَبَيَّنَ حُكْمهمَا مَعًا حَيْثُ جَمَعَ. قَالَ اِبْن الْمُنْذِر: لَا نَعْلَمهُمْ اِخْتَلَفُوا فِي جَوَاز قَتْل الْعَقْرَب. وَقَالَ نَافِع لَمَّا قِيلَ لَهُ: فَالْحَيَّة؟ قَالَ: لَا يُخْتَلَف فِيهَا. وَفِي رِوَايَة: وَمَنْ يَشُكّ فِيهَا؟ وَتَعَقَّبَهُ اِبْن عَبْد الْبَرّ بِمَا أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة مِنْ طَرِيق شُعْبَة أَنَّهُ سَأَلَ الْحَكَم وَحَمَّادًا؟ فَقَالَا: لَا يَقْتُل الْمُحْرِم الْحَيَّة وَلَا الْعَقْرَب. قَالَ: وَمِنْ حُجَّتهمَا أَنَّهُمَا مِنْ هَوَامّ الْأَرْض؛ فَيَلْزَم مَنْ أَبَاحَ قَتْلهمَا مِثْل ذَلِكَ فِي سَائِر الْهَوَامّ، وَهَذَا اِعْتِلَال لَا مَعْنَى لَهُ، نَعَمْ عِنْد الْمَالِكِيَّة خِلَاف فِي قَتْل صَغِير الْحَيَّة وَالْعَقْرَب الَّتِي لَا تَتَمَكَّن مِنْ الْأَذَى. اهـ قوله: «وَالحِدَأَةُ»، بكسر أوله، وفتح ثانيه بعدها همزة. قال الحافظ ﵀: ومن خواص الحدأة أنها تقف في الطيران، ويقال: إنها لا تخطف إلا من جهة اليمين. اهـ وعامَّةُ أهل العلم على جواز قتلها كما في «المغني» (٥/ ١٧٥)، و «المجموع»

стр. 2495

(٧/ ٣٣٣)، ولم ينقلا في المسألة خلافًا. قوله: «وَالْفَأْرَةُ». قال الحافظ ﵀ في «الفتح» (١٨٢٩): وَلَمْ يَخْتَلِف الْعُلَمَاء فِي جَوَاز قَتْلهَا لِلْمُحْرِمِ؛ إِلَّا مَا حُكِيَ عَنْ إِبْرَاهِيم النَّخَعِيِّ فَإِنَّهُ قَالَ: فِيهَا جَزَاء إِذَا قَتَلَهَا الْمُحْرِم أَخْرَجَهُ اِبْن الْمُنْذِر، وَقَالَ: هَذَا خِلَاف السُّنَّة، وَخِلَاف قَوْل جَمِيع أَهْل الْعِلْم. وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ (١) بِإِسْنَادٍ صَحِيح عَنْ حَمَّاد ابْن زَيْد قَالَ لَمَّا ذَكَرُوا لَهُ هَذَا الْقَوْل: مَا كَانَ بِالْكُوفَةِ أَفْحَش رَدًّا لِلْآثَارِ مِنْ إِبْرَاهِيم النَّخَعِيِّ؛ لِقِلَّةِ مَا سَمِعَ مِنْهَا، وَلَا أَحْسَن اِتِّبَاعًا لَهَا مِنْ الشَّعْبِيّ؛ لِكَثْرَةِ مَا سَمِعَ. اهـ قوله: «والكلب العقور». قال الحافظ ابن حجر ﵀ في «الفتح» (١٨٢٩): وَقَالَ زُفَر: الْمُرَاد بِالْكَلْبِ الْعَقُور هُنَا الذِّئْب خَاصَّة. وَقَالَ مَالِك فِي «المُوَطَّأ»: كُلّ مَا عَقَرَ النَّاس وَعَدَا عَلَيْهِمْ وَأَخَافهُمْ مِثْل الْأَسَد، وَالنَّمِر، وَالْفَهْد، وَالذِّئْب هُوَ الْعَقُور. وَكَذَا نَقَلَ أَبُو عُبَيْد عَنْ سُفْيَان، وَهُوَ قَوْل الْجمْهُور. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة: الْمُرَاد بِالْكَلْبِ هُنَا الْكَلْب خَاصَّة، وَلَا يَلْتَحِق بِهِ فِي هَذَا الْحُكْم سِوَى الذِّئْب. وَاحْتَجَّ أَبُو عُبَيْد لِلْجُمْهُورِ بِقَوْلِهِ ﷺ : «اللَّهُمَّ سَلِّطْ عَلَيْهِ كَلْبًا مِنْ كِلَابك»، فَقَتَلَهُ الْأَسَد، وَهُوَ حَدِيث حَسَن أَخْرَجَهُ الْحَاكِم مِنْ طَرِيق أَبِي نَوْفَل بْن أَبِي عَقْرَب عَنْ أَبِيهِ، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة:٤]، فَاشْتَقَّهَا مِنْ اِسْم الْكَلْب؛ فَلِهَذَا قِيلَ لِكُلِّ جَارِح عَقُور. اهـ

стр. 2496

قلتُ: أما حديث: «اللهم سَلِّط عليه كلبًا من كلابك» فهو حديث ضعيفٌ؛ فإنَّ في إسناده عند الحاكم (٢/ ٥٣٩): عباس بن الفضل الأنصاري، وقد قال فيه البخاري: منكرُ الحديث. وقال النسائي: ليس بثقة. وقال ابن المديني: ذهب حديثه. وقال أبو زرعة: كان لا يصدق. كما في «تهذيب التهذيب». والصواب قول الجمهور، والاستشهاد بالحديث إنما هو استشهاد لغوي. مسألة [٢]: هل يلتحق بهذه الخمس غيرها في جواز قتلها ؟ قال الحافظ ﵀ في «الفتح» (١٨٢٩): وَذَهَبَ الْجمْهُور كَمَا تَقَدَّمَ إِلَى إِلْحَاق غَيْر الْخَمْس بِهَا فِي هَذَا الْحُكْم. اهـ المراد قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٥/ ١٧٧): الْخَبَرَ نَصَّ مِنْ كُلِّ جِنْسٍ عَلَى صُورَةٍ مِنْ أَدْنَاهُ؛ تَنْبِيهًا عَلَى مَا هُوَ أَعْلَى مِنْهَا، وَدَلَالَةً عَلَى مَا كَانَ فِي مَعْنَاهَا، فَنَصُّهُ عَلَى الْحِدَأَةِ وَالْغُرَابِ تَنْبِيهٌ عَلَى الْبَازِي وَنَحْوِهِ، وَعَلَى الْفَأْرَةِ تَنْبِيهٌ عَلَى الْحَشَرَاتِ، وَعَلَى الْعَقْرَبِ تَنْبِيهٌ عَلَى الْحَيَّةِ، وَعَلَى الْكَلْبِ الْعَقُورِ تَنْبِيهٌ عَلَى السِّبَاعِ الَّتِي هِيَ أَعْلَى مِنْهُ؛ وَلِأَنَّ مَا لَا يُضْمَنُ بِمِثْلِهِ وَلَا بِقِيمَتِهِ لَا يُضْمَنُ كَالْحَشَرَاتِ. اهـ مسألة [٣]: هل تقتل السباع وإن لم تبدأ بالهجوم ؟ قال النووي ﵀ في «المجموع» (٧/ ٣٣٤): قال ابن المنذر: وأجمعوا على أنَّ السبع إذا بدر المحرم فقتله؛ فلا شيء عليه. قال: واختلفوا فيمن بدأ السبع، فقال مجاهد، والنخعي، والشعبي، والثوري، وأحمد، وإسحاق: لا يقتله. وقال عطاء،

стр. 2497

وعمرو بن دينار، والشافعي، وأبو ثور: لا بأس بقتله في الإحرام؛ عدا عليه أم لم يعد. قال ابن المنذر: وبه أقول. اهـ قلتُ: وهو الصواب؛ لظاهر حديث الباب، والله أعلم. مسألة [٤]: قتل بعض الحشرات المؤذية كالقمل والقُرَاد . قال النووي ﵀ في «المجموع» (٧/ ٣٣٤): قال ابن المنذر: وأما القملة إذا قتلها المحرم، فقال ابن عمر: يتصدق بحفنة من طعام. (١) وفي رواية عنه أنه قال: هي أهون مقتول. أي: لا شيء فيها. وقال عطاء: قبضة من طعام. ومثله عن قتادة، وقال مالك: حفنة من طعام. وقال أحمد: يطعم شيئًا. وقال إسحاق: تمرة فما فوقها. وقال أصحاب الرأي: ما تصدق به فهو خير منها. وقال طاوس، وعطاء، وسعيد بن جبير، وأبو ثور: لا شيء فيها. وقال الشافعي: إن قتلها من رأسه؛ افتدى بلقمة، وإن كانت ظاهرة في جسده فقتلها؛ فلا فدية. قال ابن المنذر: لا شيء فيها، وليس لمن أوجب فيها شيئا حجة. اهـ والذي اختاره ابن المنذر هو الصحيح بلا ريب. والقراد: دابة متطفلة على الحيوانات، ولا سيما البعير، فتشرب دمه، وقد صح عن عمر أنه كان يقرد بعيره، وصح عن ابن عباس أنه أمر بقتلها، وعلى هذا عامة أهل العلم، وجاء عن مالك، وسعيد بن المسيب، وعكرمة أنهم كرهوا قتلها

стр. 2498

للمحرم، والصحيح قول الجمهور. تنبيه: الحشرات المؤذية كالبعوض، والبراغيث، والذباب، والزنبور تقتل عند أكثر أهل العلم، ونقل عن مالك أنه قال في الذباب، والنمل، والزنبور إذا قتلت: يتصدق بشيء. والصواب قول الجمهور، والله أعلم. (١)

стр. 2499

٧٢٠ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: الحجامة للمحرم . قال النووي ﵀ في «شرح مسلم» (١٢٠٢): وَفِي هَذَا الْحَدِيث دَلِيل لِجَوَازِ الْحِجَامَة لِلْمُحْرِمِ، وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاء عَلَى جَوَازهَا لَهُ فِي الرَّأْس وَغَيْره إِذَا كَانَ لَهُ عُذْر فِي ذَلِكَ وَإِنْ قَطَعَ الشَّعْر حِينَئِذٍ، لَكِنْ عَلَيْهِ الْفِدْيَة؛ لِقَطْعِ الشَّعْر، فَإِنْ لَمْ يَقْطَع فَلَا فِدْيَة عَلَيْهِ، وَدَلِيل الْمَسْأَلَة قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾ [البقرة:١٩٦] الْآيَة، وَهَذَا الْحَدِيث مَحْمُول عَلَى أَنَّ النَّبِيّ ﷺ كَانَ لَهُ عُذْر فِي الْحِجَامَة فِي وَسَط الرَّأْس؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْفَكّ عَنْ قَطْع شَعْر، أَمَّا إِذَا أَرَادَ الْمُحْرِم الْحِجَامَة لِغَيْرِ حَاجَة، فَإِنْ تَضَمَّنَتْ قَلْع شَعْر فَهِيَ حَرَام؛ لِتَحْرِيمِ قَطْع الشَّعْر، وَإِنْ لَمْ تَتَضَمَّن ذَلِكَ بِأَنْ كَانَتْ فِي مَوْضِع لَا شَعْر فِيهِ، فَهِيَ جَائِزَة عِنْدنَا وَعِنْد الْجمْهُور وَلَا فِدْيَة فِيهَا، وَعَنْ اِبْن عُمَر (٢) وَمَالِك كَرَاهَتهَا، وَعَنْ الْحَسَن الْبَصْرِيّ فِيهَا الْفِدْيَة، دَلِيلنَا أَنَّ إِخْرَاج الدَّم لَيْسَ حَرَامًا فِي الْإِحْرَام. اهـ قلتُ: وكلام النووي ﵀ نفيس ومفيد، ومثله قال ابن قدامة في «المغني» (٥/ ١٢٦، ١٢٧)، ولكن إيجاب الفدية بأخذ ذلك القدر من الشعر فيه خلاف سيأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى تحت حديث كعب بن عجرة، والله أعلم. (٣)

стр. 2500

٧٢١ - وَعَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ﵁، قَالَ: حُمِلْت إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَالقَمْلُ يَتَنَاثَرُ عَلَى وَجْهِي، فَقَالَ: «مَا كُنْت أُرَى الوَجَعَ بَلَغَ بِك مَا أَرَى (١)، أَتَجِدُ شَاةً؟» قُلْت: لَا، قَالَ: «فَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (٢) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: هل على المحرم الفدية إذا حلق رأسه ؟ أما إذا كان لمرض، أو أذى في رأسه، فلا خلاف بين أهل العلم في أنَّ له أن يحلق ويفتدي؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة:١٩٦]، ولحديث كعب بن عجرة الذي في الباب. وأما إذا كان ذلك الحلق لغير علة وهو متعمد: فقد قال ابن المنذر كما في «المغني» (٥/ ٣٨١): أجمع أهل العلم على وجوب الفدية على من حلق وهو محرم بغير علة. اهـ • وذهب ابن حزم كما في «المحلى» (٨٧٤) إلى أن من حلقه متعمدًا لغير علة فلا فدية عليه، ولكن يبطل حجُّه، ولا نعلم أحدًا وافق ابن حزم على هذا.

стр. 2501

• وذهب الشوكاني كما في «السيل الجرار» إلى أنَّ الفدية خاصَّة بمن حلق رأسه لعذر؛ لظاهر الآية، ولا يقاس عليها المتعمد لغير عذر. وذكر أهلُ العلم أنَّ المتعمد عليه الفدية؛ لأنَّ الله ذكر المتعمد المعذور تنبيهًا على أنَّ المتعمد الغير معذور عليه الفدية أيضًا. والشوكاني محجوجٌ بالإجماع والصحيح أنَّ عليه الفدية لما تقدم والله أعلم. (١) مسألة [٢]: هل الفدية على العامد والناسي ؟ • في المسألة قولان: الأول: أنَّ الفدية على العامد والناسي، وهو مذهب مالك، وظاهر مذهب أحمد، والشافعي، والثوري. الثاني: أنَّ الفدية على العامد، ولا فدية على الناسي، وهو مذهب إسحاق، وداود، وابن المنذر، ووجهٌ للحنابلة، وقولٌ للشافعي؛ لأنَّ الآية والحديث جاءت في حق المتعمد؛ فإلحاق الناسي به إلحاقٌ مع وجود الفارق، وهذا لا يصلح، وهذا القول أصح، والله أعلم. (٢) فائدة: يلتحق بحلق الرأس التقصير، والإزالة بالنورة وغيرها، والنتف، وقال ابن قدامة: لا نعلم في ذلك خلافًا. وأغرب ابن حزم، فلم يلحق النتف. (٣)

стр. 2502

مسألة [٣]: ما هو القدر الذي إذا حلق وجبت به الفدية ؟ • في المسألة أقوال، منها: ١) أربع شعرات، وهو قول أحمد في رواية وبعض أصحابه. ٢) ثلاث شعرات؛ لأنه أقل الجمع، وهو قول أحمد في رواية، وقال به الحسن، وعطاء، وابن عيينة، والشافعي، وأبو ثور وغيرهم. ٣) إذا حلق ربع الرأس؛ فعليه الفدية، وإن كان أقل من الربع؛ فليس عليه، وهو قول أبي حنيفة. ٤) إذا حلق ما يصلح مثله لإزالة الأذى؛ وجبت عليه الفدية، وهذا قول مالك، وبعض الحنابلة، واستدلوا بحديث كعب، وظاهر الآية. وهذا القول اختاره الشيخ ابن عثيمين، وقال: والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ [البقرة:١٩٦] فهو لا يحلق إذا كان به أذى من رأسه إلا ما يُماط به الأذى؛ فعليه دمٌ. والنبي ﷺ احتجم وهو محرمٌ في رأسه، والحجامة في الرأس من ضرورتها أن يحلق الشعر من مكان المحاجم، ولا يمكن سوى ذلك، ولم ينقل عن النبي ﷺ أنه افتدى. قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: وعلى هذا فنقول: من حلق ثلاث شعرات، أو أربعًا، أو خمسًا، أو عشرًا، أو عشرين؛ فليس عليه دمٌ، لكن هل يحل له ذلك، أم لا؟ الجواب: لا، لا يحل؛ لأنَّ لدينا قاعدة: (امتثال الأمر لا يتم إلا بفعل جميعه،

стр. 2503

وامتثال النهي لا يتم إلا بترك جميعه). اهـ قلتُ: وما رجَّحه الإمام ابن عثيمين أقرب الأقوال المذكورة، والله أعلم. (١) مسألة [٤]: لو حلق المحرم رأس الحلال، فهل عليه شيء ؟ • ذهب أكثر أهل العلم إلى أنه لا شيء عليه؛ لأنَّ المحظور هو إزالة شعر الْمُحْرِم، وهو قول الشافعي، ومالك، وأحمد، وداود، وقال أبو حنيفة: على الحالق فدية. وهذا القول ليس عليه دليل. (٢) مسألة [٥]: لو حلق الحلال رأس محرم بغير إرادة المحرم، كأن يكون نائمًا، أو مُكرهًا ؟ • ذهب كثير من أهل العلم إلى أنَّ الفدية يتحملها الحلال، وهو قول الشافعي، ومالك، وأحمد، وأبي ثور، وابن المنذر، وقال أبو حنيفة: تجب على المحلوق. قال صاحب «الإنصاف»: ووَجَّهَ في «الفروع» احتمالًا: أنه لا فدية على واحد منهما؛ لأنه لا دليل عليه. اهـ قلتُ: والأقرب أنها تجب، ويتحملها الجاني؛ لأن الشرع قد أوجبها على المعذور؛ فدل على أنها لا تسقط في الحالة المذكورة، والله أعلم. (٣)

стр. 2504

مسألة [٦]: هل يلتحق بتحريم حلق الرأس تحريم أخذ شعر بقية الجسد ؟ • أكثر أهل العلم يلحقون بقية شعر الجسد في تحريم حلقها بحرمة حلق شعر الرأس، وقالوا: العلة في ذلك هو التَّرَفُّهُ بإزالة الشعر، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾، وقد فسَّر الصحابة والتابعون قضاء التفث بإزالة شعر الإبط، وقص الشارب، وقص الأظفار، ونحو ذلك (١). • بينما ذهب داود، وابن حزم وأصحابهما إلى أنَّ المحرَّم هو حلق شعر الرأس فقط، وهو قول الشيخ ابن عثيمين ﵀، كما في «الشرح الممتع»، وهو ترجيح شيخنا مقبل الوادعي ﵀. قال الإمام ابن عثيمين ﵀: ولو أنَّ الإنسان تجنب الأخذ من شعوره، كشاربه، وإبطه، وعانته احتياطًا؛ لكان هذا جيدًا، ولكن أن نلزمه ونؤثمه إذا أخذ مع عدم وجود الدليل الرافع للإباحة؛ فهذا فيه نظر. اهـ قلتُ: والقول الأول أحوط؛ لما تقدم في تفسير الآية. (٢)

стр. 2505

مسألة [٧]: ما هو الواجب عليه في هذه الفدية ؟ • الجمهور على أنَّ الواجب عليه في الفدية هو أحد الثلاثة الأمور المذكورة في حديث كعب بن عجرة، وهو فيها على الخيار. • وروى سعيد بن منصور بإسناد صحيح عن الحسن قال: الصوم عشرة أيام، والصدقة على عشرة مساكين. وروى الطبري عن عكرمة ونافع نحوه. وقال ابن عبد البر ﵀: لم يقل بذلك أحدٌ من فقهاء الأمصار. اهـ • وذهب الثوري، وأصحاب الرأي إلى أنه يجزئ من البر نصف صاع، وأما من غيره فعليه صاعٌ. والصواب قول الجمهور؛ لحديث كعب بن عجرة. والتخيير موجود في الحديث من طرق أخرى في الصحيحين. (١) مسألة [٨]: هل يجزئه في الإطعام أن يغديهم، أو يعشيهم ؟ • أجازه أبو يوسف. • ومنع ذلك الأكثر كمالك، والثوري، والشافعي، ومحمد بن الحسن، وهو الأظهر؛ لظاهر آية الفدية، وحديث كعب بن عجرة المبين لها، والله أعلم. (٢)

стр. 2506

مسألة [٩]: من حلق رأسه متعمدًا فهل يكون مخيرًا أم يلزمه الدم ؟ • ذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنه يُلزَم بالدم؛ تغليظًا عليه؛ لأنه تعمد بغير عذر، وهو قول أحمد في رواية، والشافعي، وأبي حنيفة، وعزاه الحافظ للجمهور. • وذهب مالك، وأحمد في رواية إلى أنه مخيَّر؛ لأنَّ الآية نصَّت على المعذور، وألحق به أهل العلم غير المعذور، فيلتحق بها في الحكم أيضًا، وهذا القول أرجح، والله أعلم. (١) مسألة [١٠]: موضع الفدية . • فيها أقوال: القول الأول: الذبح بمكة، والصدقة والصيام حيث شاء؛ قياسًا على جزاء الصيد بقوله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة:٩٥]، وهو قول عطاء في رواية. القول الثاني: الذبح، والإطعام بمكة، والصوم حيث شاء، وهو قول طاوس، وعطاء في رواية، والحسن، ومجاهد؛ إلا أنَّ مجاهدًا قال في النسك: بمكة، أو بمنى. القول الثالث: أنَّ الدم، والإطعام لأهل الحرم، والصيام حيث شاء، وهو قول الشافعي، وأبي حنيفة.

стр. 2507

القول الرابع: الذبح، والإطعام، والصوم كلها حيث شاء، وهو قول إبراهيم، ومجاهد في رواية، ومالك، وعزاه الحافظ لأكثر التابعين، وهذا القول هو الصحيح، واختاره ابن جرير؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يأمر كعب بن عجرة أن يجعل شيئًا من ذلك في الحرم، والآية مطلقة أيضًا، فمن قيَّد؛ فعليه الدليل، والله أعلم. ثم وجدت أثرًا عن علي بن أبي طالب ﵁: أنَّ ولده الحسين اشتكى رأسه وهو محرم، فأمر علي به، فحلق، ثم نحر بدنة. أخرجه ابن جرير في [آية:١٩٦] من سورة البقرة، ومالك (١/ ٣٨٨)، والبيهقي (٥/ ٢١٨) بإسناد صحيح، قال ابن حزم: ولا نعلم لهما من الصحابة مخالفًا. (١) مسألة [١١]: تقليم الأظفار . قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٥/ ٣٨٨): قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْمُحْرِمَ مَمْنُوعٌ مِنْ أَخْذِ أَظْفَارِهِ، وَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ بِأَخْذِهَا فِي قَوْلِ أَكْثَرِهِمْ. وَهُوَ قَوْلُ حَمَّادٍ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ، وَعَنْهُ: لَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَرِدْ فِيهِ بِفِدْيَةٍ. اهـ المراد. قال الإمام ابن عثيمين ﵀ (٧/ ١٣٣): إن صحَّ هذا الإجماع؛ فلا عذر في مخالفته، بل يتبع، وإن لم يصح؛ فإنه يبحث في تقليم الأظفار كما بحثنا في حلق بقية الشعر. اهـ وقال: وتقليم الأظفار لم يرد فيه نصٌّ قرآني، ولا نبوي، لكنهم قاسوه على حلق

стр. 2508

الشعر بجامع الترفُّه، وإذا كان داود ينازع في حلق بقية الشعر الذي بالجسم في إلحاقها بالرأس؛ فهنا من باب أولى، ولهذا ذكر في «الفروع» أنه يتوجه احتمال أن لا يكون من المحظورات بناءً على القول بأن بقية الشعر ليس من المحظورات. اهـ قلتُ: وذكر ابن حزم في «المحلى» (٧/ ٢٤٦) أثرًا صحيحًا عن ابن عباس ﵄، وهو في «المصنف» لابن أبي شيبة (٤/ ٢٠٣)، أنه قال في المحرم ينكسر ظفره: إذا آذاك؛ فارم به عنك. ثم قال ابن حزم ﵀ (٧/ ٢٤٨): وهو قول عكرمة، وإبراهيم النخعي، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وسعيد بن المسيب، وحماد بن أبي سليمان، ليس منهم أحدٌ جعل في ذلك شيئًا. اهـ قلتُ: يعني أنهم لم يوجبوا الفدية، ولكن الآثار عنهم فيمن انكسر ظفره فآذاه، كما في «المصنف» (٤/ ٢٠٣)، والصحيح: أنه ليس عليه فدية؛ لعدم وجود نص، أو إجماع على ذلك، والله أعلم. والأخذ بالإجماع الذي ذكره ابن المنذر أولى، ويدل عليه ما تقدم ذكره في الآية: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾، فقد فسَّر جمع من الصحابة والتابعين قضاء التفث بإزالة شعر الإبط، وقص الشارب، وقص الأظفار، وحلق العانة، ونحو ذلك. (١)

стр. 2509

مسألة [١٢]: من احتاج إلى أن يلبس المخيط، أو يغطي رأسه وما أشبهه، فهل عليه الفدية ؟ • أكثر أهل العلم يقولون: من احتاج إلى لبس المخيط، أو تغطية الرأس وما أشبهها من المحظورات؛ فإنَّ له أن يفعل ذلك، وعليه الفدية؛ قياسًا على من حلق رأسه، بل وذهبوا إلى أنه يجب عليه إذا فعل ذلك من غير عذر. قال الشوكاني ﵀ في «وبل الغمام» (١/ ٥٧٣): المراد بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا﴾، أي: مرضًا يجوز له معه فعل شيء من محظورات الإحرام التي ورد الدليل بها، كلبس المخيط، وتغطية الرأس، وسائر ما ورد الدليل بمنع المحرم منه حال إحرامه. اهـ قلتُ: التقدير الذي ذكره الشوكاني في المريض سبقه إليه ابن الجوزي كما في «زاد المسير»، وأكثر المفسرين يقولون: من احتاج إلى حلق رأسه؛ لمرض، أو أذى فيحلق، فيجعلون المرض متعلقًا بالرأس، وكلام الشوكاني أقرب؛ لظاهر لفظ الآية، والله أعلم. وظاهر كلام الشوكاني ﵀ المتقدم أنه يرى أنَّ عليه الفدية إذا احتاج إلى اللباس للمخيط، أو تغطية رأسه بسبب مرض. وقال الشوكاني ﵀ في «السيل» (٢/ ١٨٢) -وهو يرد على صاحب «حدائق الأزهار» في إيجابه الفدية على من فعل المحظور متعمدًا بغير عذر-: لم يرد في هذه

стр. 2510

المذكورات ما يدل على لزوم الفدية، والأصل البراءة، فلا ينقل عنها إلا ناقل صحيح، وقد ورد القرآن بلزوم الفدية للمريض، ومن به أذى من رأسه إذا حلق رأسه، كما يفيده أول الآية، فيقتصر على ذلك، والتشبث بالقياس غير صحيح. اهـ قال أبو عبد الله غفر الله له: أما المعذور فالظاهر أنه يفتدي إذا احتاج إلى فعل بعض المحظورات؛ لوجود شَبَه فيه بحال كعب بن عجرة. وأما المتعمد غير المعذور فعليه أن يستغفر الله، وأن يترك المُحرَّم، وأما الفدية؛ فلما أوجب أهل العلم على الذي يحلق رأسه متعمدًا الفدية، وقالوا: إنه ذكر في الآية المعذور؛ تنبيهًا على غير المعذور؛ كان القياس هاهنا أنهم يفدون أيضًا، فقول الجمهور هو الصحيح، والله أعلم. (١)

стр. 2511

٧٢٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: لَمَّا فَتَحَ اللهُ تَعَالَى عَلَى رَسُولِهِ ﷺ مَكَّةَ، قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي النَّاسِ، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «إنَّ اللهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الفِيلَ، وَسَلَّطَ عَلَيْهَا رَسُولَهُ وَالمُؤْمِنِينَ، وَإِنَّهَا لَمْ تَحِلَّ؛ لِأَحَدٍ كَانَ قَبْلِي، وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، وَإِنَّهَا لَنْ تَحِلَّ؛ لِأَحَدٍ بَعْدِي، فَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلَا يُخْتَلَى شَوْكُهَا، وَلَا تَحِلُّ سَاقِطَتُهَا إلَّا لِمُنْشِدٍ، وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ» فَقَالَ العَبَّاسُ: إلَّا الإِذْخِرَ، يَا رَسُولَ اللهِ، فَإِنَّا نَجْعَلُهُ فِي قُبُورِنَا وَبُيُوتِنَا، فَقَالَ: «إلَّا الإِذْخِرَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: حكم قتل صيد حَرَم مكة . أجمع أهل العلم على تحريم قتل صيد مكة للمحرم، والحلال؛ لحديث أبي هريرة ﵁، وفيه: «ولا ينفر صيدها»، وإذا حَرُمَ تنفيره؛ فقتله من باب أولى، وقد أخرج الشيخان (٢) عن ابن عباس، وأبي شريح الخزاعي ﵃ نحو حديث أبي هريرة ﵁، وممن نقل الإجماع ابن قدامة والنووي. (٣) مسألة [٢]: هل في صيد مكة الجزاء ؟ • أكثر أهل العلم يرون أن صيد مكة فيه الجزاء، وإن كان حلالًا، وقد صحَّ

стр. 2512

عن ابن عباس، وابن عمر ﵃، كما في «مصنف عبدالرزاق» (٤/ ٤١٤ - ٤١٦): أنهما قضيا بالجزاء على من قتل في مكة، واستدل بعضهم بقوله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة:٩٥]، وقالوا: ﴿وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ يشمل المحرم، ويشمل المكان؛ فإنَّ من دخل الحرم يقال له: محرم، وممن ذكر ذلك ابن العربي، والقرطبي، وابن حزم. • وذهب داود الظاهري ﵀ إلى أنه ليس عليه الجزاء؛ إلا إذا كان مُحْرِمًا؛ لعدم وجود دليل على ذلك، وأما الآية فهي في حقِّ الإحرام، وسياقها يدل على ذلك. واختار هذا القول الشوكاني ﵀ في «وبل الغمام» (١/ ٥٨١)، فقال: ولا يجب على الحلال في صيد مكة ولا شجره شيء؛ إلا مجرد الإثم، وأما من كان محرمًا بالحج؛ فعليه جزاؤه الذي ذكره الله إذا قتل صيدًا، وليس عليه شيء في شجر مكة؛ لعدم ورود دليل تقوم به الحجة. اهـ قال أبو عبد الله غفر الله له: هذا القول هو الصواب عندي، والله أعلم. (١) فائدة: عما يضمن عند الجمهور. قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٥/ ١٨٠): وَمَا يُحَرَّمُ وَيُضْمَنُ فِي الْإِحْرَامِ يُحَرَّمُ وَيُضْمَنُ فِي الْحَرَمِ، وَمَا لَا فَلَا، إلَّا شَيْئَيْنِ: أَحَدُهُمَا: الْقَمْلُ، مُخْتَلَفٌ فِي

стр. 2513

قَتْلِهِ فِي الْإِحْرَامِ، وَهُوَ مُبَاحٌ فِي الْحَرَمِ بِلَا اخْتِلَافٍ. الثَّانِي: صَيْدُ الْبَحْرِ. مُبَاحٌ فِي الْإِحْرَام بِغَيْرِ خِلَافٍ، وَلَا يَحِلُّ صَيْدُهُ مِنْ آبَارِ الْحَرَمِ وَعُيُونِهِ. وَكَرِهَهُ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ الله؛ لِعُمُومِ قَوْلِهِ ﵇: «لَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا»، وَلِأَنَّ الْحُرْمَةَ تَثْبُتُ لِلصَّيْدِ، كَحُرْمَةِ الْمَكَانِ، وَهُوَ شَامِلٌ لِكُلِّ صَيْدٍ. وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى: أَنَّهُ مُبَاحٌ؛ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ لَا يُحَرِّمُهُ، فَأَشْبَهَ السِّبَاعَ وَالْحَيَوَانَ الْأَهْلِيَّ. اهـ قلتُ: واختار الشيخ ابن عثيمين ﵀ أنه جائز؛ لقوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ [المائدة:٩٦]. (١) مسألة [٣]: من ملك صيدًا في الحل فأدخله الحرم ؟ • في المسألة قولان: الأول: أنه يلزمه إرساله، ورفع يده عنه، وهو قول عطاء، وطاوس، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي، وصحَّ عن عائشة ﵂ أنها أرسلت الطير الذي يُهدى لها وهي بمكة، وثبت عن ابن عمر، وابن عباس ﵃ كراهة إدخال الصيد الحرمَ. الثاني: لا يلزمه الإرسال، وله أن يمسكه، وله أن يذبحه ويأكله، وهو مذهب سعيد بن جبير، ومجاهد، ومالك، والشافعي، وابن المنذر، وصحَّ عن جابر بن عبد الله، وصحَّ عن هشام بن عروة أنه قال: كان ابن الزبير تسع سنين بمكة، وأصحاب رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يقدمون فيرونها في الأقفاص: القباري واليعاقيب.

стр. 2514

وهذا القول هو الراجح، وهو اختيار الإمام ابن عثيمين ﵀. (١) مسألة [٤]: إذا صَاد الرجل وهو في الحل صيدًا في الحرم ؟ • في المسألة قولان: الأول: يَحْرُمُ ويَضْمَن، وهو قول أحمد، والشافعي، والثوري، وأبي ثور، وابن المنذر، وأصحاب الرأي. الثاني: رواية عن أحمد حكاها أبو الخطاب: أنه لا يَضْمن، ولا حرمة فيه، والصواب القول الأول، وأما الجزاء فقد تقدم أن الصواب عدم وجوبه، وهو قول داود، والشوكاني. (٢) مسألة [٥]: إن صاد الرجل وهو في الحرم صيدًا في الحل ؟ • ذكر أهل العلم أنه ليس عليه شيء؛ لأن الصيد ليس من صيد الحرم، وخالف ابن حزم فأوجب الجزاء، ونقله عن عطاء، وقتادة. • واختلفوا فيما إذا كان الطائر على غصن شجرة في الحل، وأصلها في الحرم، فذهب أكثر أهل العلم إلى جواز قتله، وصيده، وهو قول الثوري، والشافعي، وأبي ثور، ورواية عن أحمد، وابن المنذر، وهو ظاهر قول أصحاب الرأي، وذهب ابن الماجشون، وإسحاق، وأحمد في رواية إلى أنَّ عليه الجزاء؛ لأنَّ

стр. 2515

الغصن تابع للأصل. والقول الأول أظهر؛ لأنَّ الهواء تابعٌ للقرار، فما فوق الغصن تابعٌ للأرض التي تحته، والله أعلم. (١) مسألة [٦]: إن رمى بسهم، أو أرسل كلبه، وهو في الحل، فدخل الحرم ثم خرج، فأصاب الصيد في الحل ؟ • ذهب أحمد، وأبو ثور، وابن المنذر، وأصحاب الرأي إلى أنه ليس عليه شيء، وهذا هو الصواب. • وحكى أبو ثور عن الشافعي أنَّ عليه الجزاء. (٢) مسألة [٧]: إن رمى صيدًا في الحل فقتل صيدًا في الحرم ؟ • ذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنَّ عليه الجزاء، وهو مذهب أحمد، والثوري، وإسحاق، وأصحاب الرأي. • وذهب جماعةٌ إلى أنه ليس عليه شيء، وهو مذهب أبي ثور، وداود، وهو مقتضى قول طاوس، وسعيد بن جبير، وابن المنذر، وأحمد في رواية؛ لأنهم قالوا في المحرم يقتل خطأ: ليس عليه شيء. وقد تقدم. وهذا القول هو الصواب، والله أعلم؛ لقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦]. (٣)

стр. 2516

مسألة [٨]: إن أرسل كلبه لصيد في الحل، فدخل الحرم فصاد ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٥/ ١٨٣): فَأَمَّا إنْ أَرْسَلَ كَلْبَهُ عَلَى صَيْدٍ فِي الْحِلِّ، فَدَخَلَ الْكَلْبُ الْحَرَمَ، فَقَتَلَ صَيْدًا آخَرَ؛ لَمْ يَضْمَنْهُ، وَهَذَا قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُرْسِلْ الْكَلْبَ عَلَى ذَلِكَ الصَّيْدِ، وَإِنَّمَا دَخَلَ بِاخْتِيَارِ نَفْسِهِ؛ فَهُوَ كَمَا لَوْ اسْتَرْسَلَ بِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ إرْسَالٍ. اهـ مسألة [٩]: إن أرسل كلبه على صيد في الحل، فدخل الصيد الحرم، فدخل الكلب بعده وأصابه في الحرم ؟ • فيه ثلاثة أقوال: الأول: أنه لا يضمن؛ لأنه أرسل كلبه على صيد حلال، وهو قول أحمد، والشافعي، وأبي ثور، وابن المنذر. الثاني: يضمن؛ لأنه صاده في الحرم، وهو قول عطاء، وأبي حنيفة وصاحبيه. الثالث: إن كان الصيد قريبًا من الحرم؛ يضمن؛ لتفريطه، وهو قول مالك، ورواية عن أحمد. قال أبو عبد الله غفر الله له: ليس عليه ضمانٌ مطلقًا، وأما الإثم؛ فإن كان قريبًا من الحرم، وعلم أنه سيفر إلى الحرم؛ فيأثم، وأما إن شك في هروبه إلى الحرم؛ فلا

стр. 2517

إثم عليه، والله أعلم. (١) مسألة [١٠]: قطع شجر الحرم . دلَّ حديثُ الباب على تحريم قطع شجر الحرم. قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٥/ ١٨٥): أجمع أهل العلم على تحريم قطع شجر الحرم، وإباحة أخذ الإذخر، وما أنبته الآدميون من البقول، والزروع، والرياحين، حكى ذلك ابن المنذر. اهـ مسألة [١١]: ما أنبته الآدميون من الشجر . • اختلف أهل العلم في هذه المسألة على أقوال: الأول: أنه يحل له قطعه، وأنَّ التحريم خاصٌّ بشجره الذي نبت بنفسه من غير صنع الآدمي. وهذا قول جماعة من الحنابلة، وعزاه الحافظ في «الفتح» للجمهور، واختاره الشيخ ابن عثيمين؛ لقوله في الحديث: «لا يعضد شجره». قال ﵀: الشجر مضافٌ إلى الحرم؛ فيفيد أن المحرَّم ما كان من شجر الحرم، لا من شجر الآدمي، وعلى هذا فما غرسه الآدمي، أو بَذَرَه؛ فإنه ليس بحرام؛ لأنه ملكه، ولا يضاف إلى الحرم، بل يضاف إلى مالكه. اهـ الثاني: يحرم قطعه، وهو اختيار الشافعي لعموم قوله: «ولا يعضد شجرها».

стр. 2518

الثالث: لا جزاء فيما ينبت الآدميون جنسه، كالجوز، واللوز، والنخل ونحوه، ولا فيما ينبته الآدميون من غيره، كالدوح، والسلم، والعضاة؛ لأنَّ الحرم يختص تحريمه ما كان وحشيًّا من الصيد، وهو قول أبي حنيفة. قال ابن قدامة ﵀: وَالْأَوْلَى الْأَخْذُ بِعُمُومِ الْحَدِيثِ فِي تَحْرِيمِ الشَّجَرِ كُلِّهِ بِقَوْلِهِ ﵇: «لَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا»؛ إلَّا مَا أَنْبَتَهُ الْآدَمِيُّ مِنْ جِنْسِ شَجَرِهِمْ، بِالْقِيَاسِ عَلَى مَا أَنْبَتُوهُ مِنْ الزَّرْعِ، وَالْأَهْلِيِّ مِنْ الْحَيَوَانِ، فَإِنَّنَا إنَّمَا أَخْرَجْنَا مِنْ الصَّيْدِ مَا كَانَ أَصْلُهُ إنْسِيًّا، دُونَ مَا تَأَنَّسَ مِنْ الْوَحْشِيِّ، كَذَا هَاهُنَا. اهـ قلتُ: القول الأول أقرب، وقول ابن قدامة أحوط، وينبغي أن يكون العمل عليه. (١) مسألة [١٢]: هل يجوز قطع شوك الحرم ؟ • ذهب طائفة من أهل العلم إلى تحريم قطع شوك الحرم، وعزا الحافظ هذا القول للجمهور؛ لظاهر الحديث «ولا يختلى شوكها»، وفي رواية: «لا يعضد شوكها». • وذهب بعض الحنابلة، والشافعي إلى أنه لا يحرم، ورُوي ذلك عن عطاء، ومجاهد، وعمرو بن دينار؛ لأنه يؤذي؛ فأشبه السِّباع. قلتُ: القول الأول هو الصحيح؛ للحديث المذكور، وقياسهم فاسد الاعتبار؛ لمخالفته للنص.

стр. 2519

قال ابن قدامة ﵀: وَالْغَالبُ فِي شَجَرِ الْحَرمِ الشَّوك، فَلَّما حَرَّم النَّبي ﷺ قَطْعَ شَجَرِها، والشَّوْك غَالِبُه؛ كَانَ ظَاهِرًا فِي تَحْرِيْمِه. اهـ (١) مسألة [١٣]: هل يجوز قطع اليابس من الشجر والحشيش ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٥/ ١٨٦ - ١٨٧): وَلَا بَأْسَ بِقَطْعِ الْيَابِسِ مِنَ الشَّجَرِ والْحَشِيْشِ؛ لِأَنَّه بِمَنزِلةِ الميِّتِ، وَلَا بِقَطْعِ مَا انْكَسَرِ وَلم يَبِنْ؛ لِأَنَّه قَد تَلِفَ، فَهُو بِمَنْزِلَةِ الظُّفر المنْكَسِرِ. اهـ المراد. (٢) مسألة [١٤]: هل يجوز الانتفاع بما انقطع من الشجر ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٥/ ١٨٧): وَلَا بَأْسَ بِالانْتِفَاعِ بِمَا انْكَسَرَ مِنَ الْأَغْصَانِ، وَانْقَلَعَ مِنَ الشَّجَرِ بِغَيْرِ فِعْلِ آدَمِيٍّ، وَلَا مَا سَقَطَ مِنَ الْوَرَقِ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، وَلَا نَعْلَمُ فِيْهِ خَلَافًا. اهـ (٣) مسألة [١٥]: إذا قطعه آدمي آخر، هل يجوز الانتفاع به ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٥/ ١٨٧): فَأَمَّا إنْ قَطَعَهُ آدَمِيٌّ، فَقَالَ أَحْمَدُ: لَمْ أَسْمَعْ، إذَا قُطِعَ يُنْتَفَعُ بِهِ. وَقَالَ فِي الدَّوْحَةِ تُقْلَعُ: مَنْ شَبَّهَهُ بِالصَّيْدِ، لَمْ يَنْتَفِعْ بِحَطَبِهَا. وَذَلِكَ لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ إتْلَافِهِ؛ لِحُرْمَةِ الْحَرَمِ، فَإِذَا قَطَعَهُ مَنْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ قَطْعُهُ؛ لَمْ يُنْتَفَعْ بِهِ، كَالصَّيْدِ يَذْبَحُهُ الْمُحْرِمُ. قال: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُبَاحَ لِغَيْرِ الْقَاطِعِ الِانْتِفَاعُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ انْقَطَعَ بِغَيْرِ فِعْلِهِ، فَأُبِيحَ لَهُ

стр. 2520

الِانْتِفَاعُ بِهِ. انتهى المراد. قال أبو عبد الله غفر الله له: يظهر لي -والله أعلم- ألَّا بأس بانتفاع غير القاطع من الغصن الذي قطع؛ لأنه ليس متعدٍ، ولأنه قد صار ميتًا؛ فجاز الانتفاع به. مسألة [١٦]: هل له أن يأخذ ورق الشجر من الشجرة ؟ قال ابن قدامة ﵀ (٥/ ١٨٧): وَلَيْسَ لَهُ أَخْذُ وَرَقِ الشَّجَرِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَهُ أَخْذُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَضُرُّ بِهِ. وَكَانَ عَطَاءٌ يُرَخِّصُ فِي أَخْذِ وَرَقِ السَّنَى، يَسْتَمْشِي بِهِ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ أَصْلِهِ. وَرَخَّصَ فِيهِ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، وَلَنَا، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا يُخْبَطُ شَوْكُهَا، وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَلِأَنَّ مَا حُرِّمَ أَخْذُهُ حُرِّمَ كُلُّ شَيْءٍ مِنْهُ، كَرِيشِ الطَّائِرِ. وَقَوْلُهُمْ: لَا يَضُرُّ بِهِ. لَا يَصِحُّ؛ فَإِنَّهُ يُضْعِفُهَا، وَرُبَّمَا آلَ إلَى تَلَفِهَا. اهـ مسألة [١٧]: هل يجوز رعي البهائم في الحرم ؟ • فيه قولان: الأول: جواز الرَّعي في الحرم، وهو مذهب الشافعي، ووجهٌ عند الحنابلة، وهو قول عطاء، وهو اختيار ابن حزم، وحجتهم حديث ابن عباس ﵄، في «الصحيحين»، قال: فأرسلت الأتان ترتع، ودخلت في الصف. وكان ذلك بمنى، ومنى من الحرم. وقال ابن قدامة ﵀: لأنَّ الهدايا كانت تدخل الحرم فتكثر فيه، فلم ينقل أنه كانت تشد أفواهها، ولأنَّ بهم حاجة إلى ذلك، فأشبه قطع الإذخر. اهـ

стр. 2521

الثاني: عدم الجواز، وهو مذهب أبي حنيفة، ووجهٌ عند الحنابلة؛ لأنَّ ما حرم إتلافه لم يَجُز أن يرسل عليه ما يتلفه. والقول الأول هو الصواب، والله أعلم. (١) مسألة [١٨]: هل في إتلاف شجر الحرم جزاء ؟ • ذهب كثير من أهل العلم إلى أنَّ عليه الجزاء، وهو مذهب الشافعي، والحنابلة، وأصحاب الرأي. واحتجوا بأنه ورد عن ابن عباس، وعمر ﵃، أنهما جعلا فيها الجزاء، للدوحة العظيمة بقرة، والصغيرة شاة، وهذان الأثران لم نقف لهما على إسناد، وما أظنهما يثبتان. • وذهب مالك، وأبو ثور، وداود، وابن المنذر إلى أنه ليس فيها جزاء، وهو ترجيح ابن حزم، وهو الصحيح؛ لعدم وجود دليل يدل على أنَّ عليه الجزاء، والله أعلم. (٢) مسألة [١٩]: من قتل متعمدا خارج الحرم، ثم لجأ بالحرم، فهل يُقام عليه القصاص في الحرم ؟ • اختلف أهل العلم في هذه المسألة:

стр. 2522

• فذهب مالك، والشافعي، وابن المنذر إلى أنَّه يقاد منه ولو في الحرم؛ لعموم الأمر باستيفاء القصاص من غير تخصيص مكان دون مكان، وقد أمر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بقتل ابن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة. • وذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه لا يستوفى منه في الحرم، وصحَّ هذا القول عن ابن عباس، وهو قول عطاء، وعبيد بن عمير، والزهري، ومجاهد، والشعبي، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي، وابن حزم الظاهري، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران:٩٧]، وقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إن الله حرم مكة، ولم يحرمها الناس، فلا يحل لامرئ مسلم أن يسفك بها دمًا، أو يعضد بها شجرة؛ فإنْ أحدٌ ترخص بقتال رسول الله ﷺ فقولوا: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم، وإنما أذن لي ساعة من نهار، ثم عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، فليبلغ الشاهد الغائب»، متفق عليه. والحجة في ذلك من وجهين: أحدهما: أنه حرم سفكَ الدم بها على الإطلاق، وتخصيص مكة بها يدل على أنه أراد العموم؛ فإنه لو أراد سفك الدم الحرام لم يختص به مكة، فلا يكون التخصيص مفيدًا. الثاني: قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنما أحلت لي ساعة من نهار، ثم عادت حرمتها»، ومعلومٌ أنه إنما حل له سفك دمٍ حلال في غير الحرم، فحرَّمها الحرم، ثم أحلت له ساعة، ثم عادت الحرمة، ثم أكد هذا بمنعه قياس غيره عليه، والاقتداء به فيه بقوله: «فإنْ

стр. 2523

أحدٌ ترخص بقتال رسول الله ﷺ ، فقولوا له: إنَّ الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم»، وهذا يدفع ما احتجوا به من قتل ابن خطل؛ فإنه من رخصة رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- التي منع الناس أن يقتدوا به فيها، وبين أنها له على الخصوص. وأما قولهم: (عموم الأمر باستيفاء القصاص دون تخصيص مكان دون آخر) فهذا ليس بصحيح؛ لأن أدلة الفريق الثاني تعتبر خاصة، فيخصص بها العموم، وهذا القول فيه قوة إلا أنه في هذه الآونة يتعسر القبض عليهم إذا تركوا في الحرم، ويؤدي ذلك إلى كثرة الفساد؛ فالصحيح أنهم يؤخذون برفق، ثم يقام عليهم الحد، والله أعلم. (١) تنبيه: ذهب أكثر الجمهور إلى أن الملتجئ بالحرم وعليه قتل؛ فإنه لا يُبايع، ولا يُشارى، ولا يُئوَى، ولا يُطعم، ويُذَكَّر بالله ، ويقال له: اتق الله واخرج إلى الحل حتى يُستوفى منك الذي عليك، وقال أبو يوسف: يخرج مضطرًا إلى الحل، وفعله ابن الزبير، وقال به ابن حزم. قلتُ: أثر ابن الزبير صحيح، والقول الأول هو قول ابن عباس ﵄، وهو صحيح، وكلاهما في «تفسير ابن جرير» عند قوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾، انظر المصادر السابقة. مسألة [٢٠]: وهل تُقام الحدود التي دون القتل ؟ • فيها قولان:

стр. 2524

الأول: لا تُسْتوفى الحدود بالحرم، وهو قول أحمد في رواية، وهو الأظهر في مذهبه، وابن حزم؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾، وهو ظاهر قول ابن عباس المتقدم؛ فإنه قال: (من أصاب حدًّا، فدخل الحرم .. ) بل قد صرح بالسرقة كما سيأتي. الثاني: تُستوفى الحدود دون القتل؛ لأن الحديث المتقدم فيه تحريم القتل فيها دون إقامة الحدود، وهذا قول أبي حنيفة، وأحمد في رواية. (١) مسألة [٢١]: إذا اجتمع بغاةٌ في الحرم ؟ قال الماوردي كما في «الفتح» (١٨٣٤): من خصائص مكة أن لا يحارب أهلها، فلو بغوا على أهل العدل؛ فإنْ أمكن ردهم بغير قتال؛ لم يجز، وإنْ لم يمكن إلا بالقتال، فقال الجمهور: يقاتلون؛ لأنَّ قتال البغاة من حقوق الله تعالى، فلا يجوز إضاعتها. وقال آخرون: لا يجوز قتالهم، بل يضيق عليهم إلى أن يرجعوا إلى الطاعة. قال النووي: والأول نصَّ عليه الشافعي. قال الحافظ: وعن الشافعي قول آخر بالتحريم، اختاره القفال، وجزم به في «شرح التلخيص»، وقال به جماعةٌ من علماء الشافعية، والمالكية، واختار هذا الطبري، ومال إليه ابن العربي، والقرطبي، وابن دقيق العيد. انتهى بتصرف واختصار. قلتُ: إنْ تعدَّى البغاة بالقتل؛ فيُقاتلون، ولو كانوا في الحرم؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا

стр. 2525

تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾ [البقرة:١٩١]. وأما إن بغوا ولم يُقاتلوا؛ فيستخدم معهم التضييق؛ فإن لم ينفع فللإمام أن يأخذهم بالقوة إذا رأى المصلحة في ذلك، والله أعلم. (١) مسألة [٢٢]: من قتل أو فعل جناية في الحرم ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٢/ ٤١٣): ومن انتهك حرمة الحرم بجناية فيه تُوجب حدًّا، أو قِصاصًا؛ فإنه يُقام عليه حدُّها، لا نعلم فيه خلافًا. اهـ وقال الحافظ ابن حجر ﵀ في «الفتح» (١٨٣٤): فأما القتل: فنقل بعضهم الاتفاق على جواز إقامة حد القتل فيها على من أوقعه فيها، وخصَّ الخلاف بمن قتل في الحل ثم لجأ إلى الحرم، وممن نقل الإجماع على ذلك ابن الجوزي. اهـ قلتُ: وقد جاء في ذلك أيضًا أثرٌ عن ابن عباس ﵄ كما في «تفسير ابن جرير» (٥/ ٦٠٤)، قال: ومن أحدث في الحرم حدثًا؛ أُقيم عليه الحد. وفي إسناده: حجاج بن أرطاة، وهو مدلِّس فيه ضعف. ثم وجدت له إسنادًا صحيحًا في «مصنف عبد الرزاق» (٥/ ١٥٢) عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس قال: فإنْ قتل، أو سرق في الحل، فدخل الحرم، فأرادوا أن يقيموا عليه ما أصاب؛ أخرجوه من الحرم إلى الحل، فأقيم عليه، وإن قتل في الحرم، أو سرق؛ أُقيم عليه في الحرم.
следующие страницы →