الثاني: عدم الجواز، وهو مذهب أبي حنيفة، ووجهٌ عند الحنابلة؛ لأنَّ ما حرم إتلافه لم يَجُز أن يرسل عليه ما يتلفه.
والقول الأول هو الصواب، والله أعلم. (١)
مسألة [١٨]: هل في إتلاف شجر الحرم جزاء ؟
• ذهب كثير من أهل العلم إلى أنَّ عليه الجزاء، وهو مذهب الشافعي، والحنابلة، وأصحاب الرأي.
واحتجوا بأنه ورد عن ابن عباس، وعمر ﵃، أنهما جعلا فيها الجزاء، للدوحة العظيمة بقرة، والصغيرة شاة، وهذان الأثران لم نقف لهما على إسناد، وما أظنهما يثبتان.
• وذهب مالك، وأبو ثور، وداود، وابن المنذر إلى أنه ليس فيها جزاء، وهو ترجيح ابن حزم، وهو الصحيح؛ لعدم وجود دليل يدل على أنَّ عليه الجزاء، والله أعلم. (٢)
مسألة [١٩]: من قتل متعمدا خارج الحرم، ثم لجأ بالحرم، فهل يُقام عليه القصاص في الحرم ؟
• اختلف أهل العلم في هذه المسألة:
стр. 2522
• فذهب مالك، والشافعي، وابن المنذر إلى أنَّه يقاد منه ولو في الحرم؛ لعموم الأمر باستيفاء القصاص من غير تخصيص مكان دون مكان، وقد أمر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بقتل ابن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة.
• وذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه لا يستوفى منه في الحرم، وصحَّ هذا القول عن ابن عباس، وهو قول عطاء، وعبيد بن عمير، والزهري، ومجاهد، والشعبي، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي، وابن حزم الظاهري، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران:٩٧]، وقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إن الله حرم مكة، ولم يحرمها الناس، فلا يحل لامرئ مسلم أن يسفك بها دمًا، أو يعضد بها شجرة؛ فإنْ أحدٌ ترخص بقتال رسول الله ﷺ فقولوا: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم، وإنما أذن لي ساعة من نهار، ثم عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، فليبلغ الشاهد الغائب»، متفق عليه.
والحجة في ذلك من وجهين:
أحدهما: أنه حرم سفكَ الدم بها على الإطلاق، وتخصيص مكة بها يدل على أنه أراد العموم؛ فإنه لو أراد سفك الدم الحرام لم يختص به مكة، فلا يكون التخصيص مفيدًا.
الثاني: قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنما أحلت لي ساعة من نهار، ثم عادت حرمتها»، ومعلومٌ أنه إنما حل له سفك دمٍ حلال في غير الحرم، فحرَّمها الحرم، ثم أحلت له ساعة، ثم عادت الحرمة، ثم أكد هذا بمنعه قياس غيره عليه، والاقتداء به فيه بقوله: «فإنْ
стр. 2523
أحدٌ ترخص بقتال رسول الله ﷺ ، فقولوا له: إنَّ الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم»، وهذا يدفع ما احتجوا به من قتل ابن خطل؛ فإنه من رخصة رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- التي منع الناس أن يقتدوا به فيها، وبين أنها له على الخصوص.
وأما قولهم: (عموم الأمر باستيفاء القصاص دون تخصيص مكان دون آخر) فهذا ليس بصحيح؛ لأن أدلة الفريق الثاني تعتبر خاصة، فيخصص بها العموم، وهذا القول فيه قوة إلا أنه في هذه الآونة يتعسر القبض عليهم إذا تركوا في الحرم، ويؤدي ذلك إلى كثرة الفساد؛ فالصحيح أنهم يؤخذون برفق، ثم يقام عليهم الحد، والله أعلم. (١)
تنبيه: ذهب أكثر الجمهور إلى أن الملتجئ بالحرم وعليه قتل؛ فإنه لا يُبايع، ولا يُشارى، ولا يُئوَى، ولا يُطعم، ويُذَكَّر بالله ، ويقال له: اتق الله واخرج إلى الحل حتى يُستوفى منك الذي عليك، وقال أبو يوسف: يخرج مضطرًا إلى الحل، وفعله ابن الزبير، وقال به ابن حزم.
قلتُ: أثر ابن الزبير صحيح، والقول الأول هو قول ابن عباس ﵄، وهو صحيح، وكلاهما في «تفسير ابن جرير» عند قوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾، انظر المصادر السابقة.
مسألة [٢٠]: وهل تُقام الحدود التي دون القتل ؟
• فيها قولان:
стр. 2524
الأول: لا تُسْتوفى الحدود بالحرم، وهو قول أحمد في رواية، وهو الأظهر في مذهبه، وابن حزم؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾، وهو ظاهر قول ابن عباس المتقدم؛ فإنه قال: (من أصاب حدًّا، فدخل الحرم .. ) بل قد صرح بالسرقة كما سيأتي.
الثاني: تُستوفى الحدود دون القتل؛ لأن الحديث المتقدم فيه تحريم القتل فيها دون إقامة الحدود، وهذا قول أبي حنيفة، وأحمد في رواية. (١)
مسألة [٢١]: إذا اجتمع بغاةٌ في الحرم ؟
قال الماوردي كما في «الفتح» (١٨٣٤): من خصائص مكة أن لا يحارب أهلها، فلو بغوا على أهل العدل؛ فإنْ أمكن ردهم بغير قتال؛ لم يجز، وإنْ لم يمكن إلا بالقتال، فقال الجمهور: يقاتلون؛ لأنَّ قتال البغاة من حقوق الله تعالى، فلا يجوز إضاعتها. وقال آخرون: لا يجوز قتالهم، بل يضيق عليهم إلى أن يرجعوا إلى الطاعة. قال النووي: والأول نصَّ عليه الشافعي.
قال الحافظ: وعن الشافعي قول آخر بالتحريم، اختاره القفال، وجزم به في «شرح التلخيص»، وقال به جماعةٌ من علماء الشافعية، والمالكية، واختار هذا الطبري، ومال إليه ابن العربي، والقرطبي، وابن دقيق العيد. انتهى بتصرف واختصار.
قلتُ: إنْ تعدَّى البغاة بالقتل؛ فيُقاتلون، ولو كانوا في الحرم؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا
стр. 2525
تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾ [البقرة:١٩١].
وأما إن بغوا ولم يُقاتلوا؛ فيستخدم معهم التضييق؛ فإن لم ينفع فللإمام أن يأخذهم بالقوة إذا رأى المصلحة في ذلك، والله أعلم. (١)
مسألة [٢٢]: من قتل أو فعل جناية في الحرم ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١٢/ ٤١٣): ومن انتهك حرمة الحرم بجناية فيه تُوجب حدًّا، أو قِصاصًا؛ فإنه يُقام عليه حدُّها، لا نعلم فيه خلافًا. اهـ
وقال الحافظ ابن حجر ﵀ في «الفتح» (١٨٣٤): فأما القتل: فنقل بعضهم الاتفاق على جواز إقامة حد القتل فيها على من أوقعه فيها، وخصَّ الخلاف بمن قتل في الحل ثم لجأ إلى الحرم، وممن نقل الإجماع على ذلك ابن الجوزي. اهـ
قلتُ: وقد جاء في ذلك أيضًا أثرٌ عن ابن عباس ﵄ كما في «تفسير ابن جرير» (٥/ ٦٠٤)، قال: ومن أحدث في الحرم حدثًا؛ أُقيم عليه الحد. وفي إسناده: حجاج بن أرطاة، وهو مدلِّس فيه ضعف.
ثم وجدت له إسنادًا صحيحًا في «مصنف عبد الرزاق» (٥/ ١٥٢) عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس قال: فإنْ قتل، أو سرق في الحل، فدخل الحرم، فأرادوا أن يقيموا عليه ما أصاب؛ أخرجوه من الحرم إلى الحل، فأقيم عليه، وإن قتل في الحرم، أو سرق؛ أُقيم عليه في الحرم.
стр. 2526
قلتُ: ويشهد لذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾، وقد خالف ابن حزم في هذه المسألة، فقال: لا يقتل في الحرم.
وقول الجمهور أولى وأقرب، والله أعلم. (١)
مسألة [٢٣]: حدود الحرم المكي .
أولا: من جهة المدينة (الشمال) حدوده: التنعيم.
قال النووي: على ثلاثة أميال من مكة. وقال البسام: يبعد بـ (٧) كيلوات.
ثانيًا: من جهة اليمن (الجنوب) حدوده: أضاة لِبْن.
قال النووي: على سبعة أميال من مكة. وقال البسام: وتبعد بـ (١٢) كيلوًا.
ثالثًا: من جهة الطائف (الشرق)، حدوده: ضفة وادي عرنة الغربية.
قال النووي: على سبعة أميال. قال البسام: ويبعد بـ (١٥) كيلوا.
رابعًا: من جهة جُدَّة (الغرب).
قال النووي: منقطع الأعشاش على عشرة أميال من مكة. وقال البسام: الشميسي (الحديبية) فبعضها في الحل، وبعضها في الحرم، وتبعد بـ (٢٢) كيلوا.
خامسًا: من طريق الجعرانة (الشمال الشرقي).
قال النووي: على شعب آل عبد الله بن خالد، على تسعة أميال. وقال البسام: عند جبل المقطع بالقرب من قرية (شرائع المجاهدين) وتبعد بنحو (١٦) كيلوا.
стр. 2527
سادسًا: قال النووي: ومن طريق العراق على ثنية خلٍّ بالمقطع على سبعة أميال.
ثم نقل النووي هذا التحديد عن أبي الوليد الأزرقي، والماوردي، والشافعية. (١)
стр. 2528
٧٢٣ - وَعَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إنَّ إبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ وَدَعَا لِأَهْلِهَا، وَإِنِّي حَرَّمْت المَدِينَةَ كَما حَرَّمَ إبْرَاهِيمُ مَكَّةَ، وَإِنِّي دَعَوْت فِي صَاعِهَا وَمُدِّهَا بِمِثْلِ مَا دَعَا بِهِ إبْرَاهِيمُ لِأَهْلِ مَكَّةَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١)
٧٢٤ - وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «المَدِينَةُ حَرَمٌ مَا بَيْنَ عَيْرٍ إلَى ثَوْرٍ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (٢)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين
مع ذكر بعض المسائل الملحقة
مسألة [١]: هل يحرم صيد المدينة وشجرها ؟
• ذهب أكثر العلماء إلى أن المدينة حرمٌ؛ فلا يُصاد صيدها، ولا يعضد شجرها، واستدلوا بحديثي الباب، وبحديث رافع بن خديج ﵁، في «صحيح مسلم» (١٣٦١)، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «إنَّ إبراهيم حرَّم مكة، وإني أحرم ما بين لابتيها» يريد المدينة.
وأخرج مسلم أيضًا (١٣٦٣) من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إني أحرم ما بين لابتي المدينة أن يقطع عضاهها، أو يقتل صيدها»، وأخرج مثله (١٣٦٢)، عن جابر مرفوعًا.
стр. 2529
وأخرج (١٣٦٥)، عن أنس ﵁ مرفوعًا: «اللهم إني أُحرم ما بين جبليها مثل ما حرم به إبراهيم مكة»، وفي رواية: «ما بين لابتيها».
وأخرج (١٣٧٢)، عن أبي هريرة ﵁ قال: حرَّم رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ما بين لابتي المدينة.
وأخرج (١٣٧٤)، عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «اللهم إنَّ إبراهيم حرَّم مكة فجعلها حرمًا، وإني حرمت المدينة حرامًا ما بين مأزميها أن لا يهراق فيها دم، ولا يحمل فيها سلاح لقتال، ولا تخبط فيها شجرة إلا لعلف».
وأخرج (١٣٧٥)، عن سهل بن حنيف أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال في المدينة: «إنها حرمٌ آمن».
• وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا يحرم؛ لأنه لو كان محرمًا لبَيَّنه النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بيانًا عامًّا، ولوجب فيه الجزاء كصيد مكة، واستدل له بحديث: «يا أبا عُمير، ما فعل النُّغَير؟»، وكان عصفورًا صغيرًا يلعب به.
قال أبو عبد الله غفر الله له: الأحاديث متواترة في تحريم المدينة كما تقدم بعضها، فكيف لا يكون هذا بيانًا عامًّا؟! والجزاء لا يجب في حرم المدينة، ولا في حرم مكة كما تقدم، وأما حديث: «يا أبا عمير ... » فيُحمل على أنه عصفور أدخل من خارج المدينة، أو يكون ذلك قبل تحريم المدينة، والصواب قول الجمهور، والله أعلم. (١)
стр. 2530
مسألة [٢]: ما هي حدود الحرم المدني ؟
جاء في حديث علي في الباب: «مَا بَيْنَ عَيْرٍ إلَى ثَوْرٍ».
و «عَيْرٍ»: جبل أسود بحمرة مستطيلة من الشرق إلى الغرب، يُشرف على المدينة من الجنوب، وبسفحه الشمالي وادي العقيق.
و «ثَوْرٍ»: جبلٌ صغيرٌ مستديرٌ أحمر، يقع شمال المدينة، وموقعه خلف جبل أُحُد، وقد أنكر كثير من أهل العلم هذه اللفظة؛ لِظَنِّهم أنَّ ثورًا إنما هو جبلٌ بمكة، فبعضهم وَهَّمَ الرَّاوي، وبعضهم قال: المراد أنَّ هذا القدر من مكة حرم المدينة. وبعضهم قال: صواب الرواية: (من عير إلى أُحد).
وقد أثبت جماعةٌ من أهل العلم وجود جبل بالمدينة خلف جبل أُحد يُسمَّى (ثورًا)، ونقلوه عن جماعة من أهل المدينة خلفًا عن سلف، كما في «الفتح» (١٨٦٧)، و «الإنصاف» (٣/ ٥٠٨)، وجاء في الأحاديث الأخرى التي تقدمت: «ما بين لابتيها».
قال النووي ﵀: قال أهل اللغة وغريب الحديث: اللَّابتان الحرَّتان، واحدتهما (لابة)، وهي الأرض الملبسة حجارة سوداء، وللمدينة لابتان شرقية، وغربية، وهي بينهما. انتهى من «شرح مسلم» (٩/ ١٣٥).
وقال في (٩/ ١٤٣): وهذه الأحاديث كلها متفقة، فما بين لابتيها بيانٌ لحدِّ حرمها من جهتي المشرق والمغرب، وما بين جبليها بيانٌ لحدِّه من جهة الجنوب
стр. 2531
والشمال. اهـ (١)
مسألة [٣]: هل في صيد المدينة جزاء ؟
• ذهب أكثر العلماء إلى أنه ليس في صيدها الجزاء، وهو مذهب أحمد، ومالك، والشافعي وغيرهم؛ لعدم وجود دليل على إيجاب الجزاء في ذلك.
• وذهب جماعةٌ من العلماء إلى أنَّ فيه الجزاء، وهو قول ابن أبي ذئب، والشافعي في القديم، ورواية عن أحمد، وبعض المالكية، وابن المنذر، وابن حزم؛ لأنَّ حرمتها كحرمة مكة كما في الأحاديث المتقدمة، وجزاؤه عند أحمد والشافعي أخذ سلبه كما سيأتي.
واستدل ابن حزمٍ بقوله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة:٩٥]، وقال: قوله ﴿حُرُمٌ﴾ يشمل كونه في مكة، أو المدينة.
قلتُ: والقول الأول هو الصواب؛ لما تقدم، وأمَّا الآية ﴿وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ فالمقصود به (وأنتم محرمون)، وهو الإحرام، والله أعلم. (٢)
مسألة [٤]: أخذ سلب من قطع شجر المدينة .
روى مسلم في «صحيحه» (١٣٦٤)، من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁: أنه وجد عبدًا يقطع شجرًا، أو يخبطه، فَسَلَبَه، فلما رجع سعد جاءه أهل العبد
стр. 2532
فكلموه أن يرد على غلامهم أوعليهم ما أخذ من غلامهم، فقال: معاذ الله أن أردَّ شيئًا نفلنيه رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. وأبى أن يرد عليهم.
قلتُ: وقد أخذ بهذا الحديث أحمد في رواية، والشافعي في القديم، وسعد بن أبي وقاص ﵁، ورجَّحه ابن حزم، ونقله عن عمر، وابن عمر ﵄.
قال عياض ﵀: لم يقل به أحد بعد الصحابة إلا الشافعي في القديم، وخالفه أئمة الأمصار. اهـ
قال الحافظ ﵀: قلت: واختاره جماعةٌ معه وبعده؛ لصحة الخبر فيه. وقال النووي: ولا تضر مخالفتهم إذا كانت السنة معه، وهذا القول القديم هو المختار؛ لثبوت الحديث فيه، وعمل الصحابة على وفقه، ولم يثبت له دافع. اهـ
قال أبو عبد الله غفر الله له: إذا صحَّ الحديث فهو مذهبي، والحديث لا نعلم فيه مطعنًا، والله المستعان. (١)
مسألة [٥]: كيفية سلبه .
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في «الفتح» (١٨٦٧): ولمن قال به اختلاف في كيفية السَّلب ومصرفه، والذي دلَّ عليه صنيع سعد عند مسلم وغيره أنه كسلب القتيل، وأنه للسَّالب، لكنه لا يُخَمَّس. اهـ (٢)
стр. 2533
تنبيه: أكثر القائلين بالسَّلب يقولون به في قطع الشجر، والصيد أيضًا، وظاهر كلام ابن حزم تخصيصه بقطع الشجر، وهو ظاهر حديث سعد بن أبي وقاص الذي في «مسلم»، وقد جاء في «سنن أبي داود» (٢٠٣٧)، أنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «من وجد أحدًا يصيد فيه؛ فليسلبه»، ولكن في إسناده: سليمان بن أبي عبد الله، مجهول الحال.
فائدة: قوله في حديث الباب «إنَّ إبراهيم حرَّم مكة» ظاهره يعارض قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كما في «الصحيحين»: «إنَّ مكة حرَّمها الله، ولم يحرمها الناس» أخرجاه من حديث أبي شريح، وأخرجاه من حديث ابن عباس بلفظ: «هذا بلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض».
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في «الفتح» (١٨٣٢): ولا معارضة؛ لأنَّ المعنى أنَّ إبراهيم حرَّم مكة بأمر الله تعالى لا باجتهاده، أو أنَّ الله قضى يوم خلق السماوات والأرض أنَّ إبراهيم سيحرم مكة، أو المعنى: أنَّ إبراهيم أول من أظهر تحريمها بين الناس، وكانت قبل ذلك عند الله حرامًا، أو أول من أظهره بعد الطوفان. انتهى المراد.
مسألة [٦]: هل يحرم صيد وادي وَجّ وادي بالطائف ؟
أخرج أحمد (١/ ١٦٥)، وأبو داود (٢٠٣٢)، من حديث الزبير بن العوام ﵁، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «صيد وَجّ وعضاهها محرَّم»، وهو من طريق: محمد بن عبد الله بن إنسان، عن أبيه، عن عروة بن الزبير، عن أبيه به، وإسناده ضعيفٌ،
стр. 2534
محمد بن عبد الله قال أبو حاتم فيه: ليس بالقوي، في حديثه نظر. وقال البخاري -لما ذكر حديثه المذكور-: لم يتابع عليه. وأبوه عبد الله ابن إنسان: مجهول، تفرد بالرواية عنه ولده، ولم يوثقه إلا ابن حبان، وقال البخاري: لم يصح حديثه. يعني هذا الحديث؛ فإنه ليس له غيره.
قلتُ: وقد أخذ الشافعي وأصحابه بالحديث، فذهبوا إلى تحريم صيد وَجّ، وخالفهم أكثر أهل العلم، فقالوا: لا يحرم؛ لضعف الحديث. وهو الصحيح. (١)
стр. 2535
فَصْل
ومن محظورات الإحرام:
ما ذكره الله تعالى في قوله: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة:١٩٧]، والرَّفث هو الجماع ومقدماته، كالقبلة، والمس بشهوة، عند بعض أهل العلم.
قال ابن قدامة ﵀: كل ما فُسِّر به الرَّفث ينبغي للمحرم أن يتجنبه؛ إلا أنه في الجماع أظهر. اهـ
والفسوق هي المعاصي، ومنها السِّبَاب؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر»، والجِدال هو الجدال بالباطل الذي يورث التباغض والشحناء. (١)
مسألة [١]: حك المحرم لرأسه .
قال النووي ﵀ في «المجموع» (٥/ ٢٤٨): وأما حكُّ المحرم رأسه فلا أعلم خلافًا في إباحته، بل هو جائزٌ، وقد حكى ابن المنذر جوازه عن ابن عمر، وجابر (٢)،
وسعيد بن جبير، والثوري، وأحمد، وإسحاق، وبه قال ابن المنذر، ولم
стр. 2536
يذكر فيه خلافًا، لكن قالوا: برفقٍ؛ لئلا ينتف شعرًا، والله أعلم. اهـ
فلو نتفَ شعرًا فقد ألزمه الشافعية، والحنابلة بالفدية، وأما إذا شك هل انقلع الشعر بالحك أم كان منقطعًا، أو مقلوعًا؛ فلا فدية عليه في الأصح عندهم.
قلتُ: والصحيح عدم الفدية مطلقًا، سواء انقلع بالحك، أو لا، وهو اختيار شيخ الإسلام، والشيخ ابن عثيمين. (١)
مسألة [٢]: هل للمحرم أن يغسل رأسه ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٥/ ١١٧): وَلَا بَأْسَ أَنْ يَغْسِلَ المُحْرِمُ رَأْسَهُ وَبَدَنَهُ بِرِفْقٍ، فَعَلَ ذَلِكَ عُمَرُ (٢)، وَابْنُهُ (٣)، وَرَخَّصَ فِيهِ عَلِيٌّ، وَجَابِرٌ (٤)،
وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَكَرِهَ مَالِكٌ لِلْمُحْرِمِ أَنْ
стр. 2537
يَغْطِسَ فِي المَاءِ، وَيُغَيِّبَ فِيهِ رَأْسَهُ. وَلَعَلَّهُ ذَهَبَ إلَى أَنَّ ذَلِكَ سِتْرٌ لَهُ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِسِتْرٍ؛ وَلِهَذَا لَا يَقُومُ مَقَامَ السُّتْرَةِ فِي الصَّلَاةِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: رُبَّمَا قَالَ لِي عُمَرُ وَنَحْنُ مُحْرِمُونَ بِالجحْفَةِ: تَعَالَ أُبَاقِيك أَيُّنَا أَطْوَلُ نَفَسًا فِي المَاءِ. وَقَالَ: رُبَّمَا قَامَسْت عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ بِالجحْفَةِ وَنَحْنُ مُحْرِمُونَ. رَوَاهُمَا سَعِيدٌ. وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِسِتْرٍ مُعْتَادٍ، أَشْبَهَ صَبَّ المَاءِ عَلَيْهِ، أَوْ وَضْعَ يَدَيْهِ عَلَيْهِ. وَقَدْ رَوَى عَبْدُالله ابْنُ حُنَيْنٍ، قَالَ: أَرْسَلَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ إلَى أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ، فَأَتَيْته وَهُوَ يَغْتَسِلُ، فَسَلَّمْت عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ فَقُلْت: أَنَا عَبْدُالله بْنُ حُنَيْنٍ أَرْسَلَنِي إلَيْك عَبْدُالله بْنُ عَبَّاسٍ يَسْأَلُك: كَيْفَ كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ؟ فَوَضَعَ أَبُو أَيُّوبَ يَدَهُ عَلَى الثَّوْبِ، فَطَأْطَأَهُ حَتَّى بَدَا لِي رَأْسُهُ، ثُمَّ قَالَ لِإِنْسَانٍ يَصُبُّ عَلَيْهِ المَاءَ: صُبَّ. فَصَبَّ عَلَى رَأْسِهِ، ثُمَّ حَرَّك رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ، فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأَيْت رَسُولَ الله ﷺ يَفْعَلُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١)
قال: وَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ المُحْرِمَ يَغْتَسِلُ مِنْ الجنَابَةِ. اهـ
قلتُ: وأثر عمر مع ابن عباس في البقاء تحت الماء أثرٌ صحيح، أخرجه البيهقي (٥/ ٦٣)، من طريق الشافعي، وهو في المسند (٥٣٦) عن ابن عيينة، عن عبد الكريم الجزري، عن عكرمة، عن ابن عباس به. وهذا إسنادٌ صحيح، رجاله ثقات.
وأخرجه ابن أبي شيبة (١٣٠٠٣) عن ابن علية، عن عبد الكريم به.
стр. 2538
فَصْل
مبطلات الحج:
تقدم أنَّ الجماع من مبطلات الحج، ونقل في ذلك الإجماع، وقد تقدم.
ومن مبطلات الحج: الرِّدَّة في أثنائه قبل أن يتمه؛ لأنه كافر، والكافر لا يقبل عمله، قال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ [التوبة:٥٤].
فالعبادات لا تصح من الكافر، وهو قول جميع أهل العلم؛ لِمَا تقدم في شروط الحج من أنهم اشترطوا الإسلام. (١)
ومن مبطلات الحج: الجنون، والإغماء إذا فاته الوقوف بعرفة.
قال ابن حزم ﵀ في «المحلى» (٨٦١): ومن أُغمي عليه، أو جُنَّ فلم يُفِقْ إلا بعد طلوع الفجر من ليلة يوم النحر؛ فقد بطل حجُّه، سواء وُقِفَ به بعرفة، أم لم يُوقف به. اهـ
ثم استدل على ذلك بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنما الأعمال بالنيات»، والمجنون، والمغمى عليه ليس له نية، والله أعلم.
стр. 2539
مسألة [١]: من حج ثم ارتد بعد حجه؛ فهل يبطل حجُّه، ويلزمه الحج مرة أخرى إذا أسلم ؟
• في هذه المسألة قولان:
الأول: أنَّ حجَّه يبطل، وعليه حجة أخرى، وهو قول أبي حنيفة، ومالك، وداود.
واستدلوا بقوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر:٦٥].
وقوله: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام:٨٨].
الثاني: ليس عليه حجة أخرى، وتُجزئه الحجة الأولى، وهو قول أحمد، والشافعي، وابن حزم.
وقالوا: يحبط عمله إذا مات على الكفر؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ [البقرة:٢١٧].
فهذه الآية مقيدة لأدلتهم، وكذلك حديث: «أسلمتَ على ما أسلفتَ من خير»، أخرجه البخاري (٥٩٩٢)، ومسلم (١٢٣)، من حديث حكيم بن حزام ﵁.
وهذا القول هو الصواب. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مع ذكر بعض المسائل الملحقة
تنبيه: ذكر الحافظ ﵀ هذا الحديث وهو حديث جابر الطويل في صفة حج النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وقد اختصر بعض ألفاظه، وسنذكر إن شاء الله المسائل المتعلقة بالحديث كاملًا؛ حتى وإن كان من الألفاظ التي اختصرها الحافظ، وسنترك المسائل التي تقدمت.
مسألة [١]: جواز الركوب والمشي في الحج، وبيان الأفضل .
قوله: حتى إذا استوت به ناقته على البيداء نظرت إلى مد بصري بين يديه من راكب وماشٍ، وعن يمينه مثل ذلك، وعن يساره مثل ذلك، ومن خلفه مثل ذلك.
قال النووي ﵀: فِيهِ جَوَاز الْحَجّ رَاكِبًا وَمَاشِيًا، وَهُوَ مُجْمَع عَلَيْهِ، وَقَدْ تَظَاهَرَتْ عَلَيْهِ دَلَائِل الْكِتَاب وَالسُّنَّة وَإِجْمَاع الْأُمَّة، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ [الحج:٢٧].
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي الْأَفْضَل مِنْهُمَا، فَقَالَ مَالِك، وَالشَّافِعِيُّ، وَجُمْهُور الْعُلَمَاء: الرُّكُوب أَفْضَل؛ اِقْتِدَاء بِالنَّبِيِّ ﷺ ، وَلِأَنَّهُ أَعْوَن لَهُ عَلَى وَظَائِف مَنَاسِكه، وَلِأَنَّهُ أَكْثَر نَفَقَة. وَقَالَ دَاوُدُ: مَاشِيًا أَفْضَل؛ لِمَشَقَّتِهِ. وَهَذَا فَاسِد؛ لِأَنَّ الْمَشَقَّة لَيْسَتْ مَطْلُوبَة. اهـ
والصواب قول الجمهور، والله أعلم. (١)
стр. 2543
مسألة [٢]: تلبية رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وذكر بعض زيادات الصحابة في التلبية .
قال جابر ﵁ في الحديث: أَهَلَّ بِالتَّوْحِيدِ: «لَبَّيْكَ اللهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَك لَبَّيْكَ، إنَّ الحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَك وَالمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَك».
وهذه التلبية رواها أيضًا ابن عمر كما في «الصحيحين» (١)، وعائشة أيضًا كما في «البخاري» (١٥٥٠)، وَاقْتَصَرَتْ على قوله: «والنعمة لك»، ولم تذكر ما بعدها.
وقد جاء عن جماعة من الصحابة أنهم كانوا يزيدون على التلبية الثابتة عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فقد ثبت في «صحيح مسلم» (١١٨٤) عن عمر، وابن عمر ﵄ أنهما كانا يزيدان: لبيك اللهم لبيك وسعديك، والخير في يديك، والرغباء إليك والعمل.
وثبت عند ابن أبي شيبة (٤/ ٢٨٣)، عن عمر ﵁ أنه كان يقول: لبيك ذا النعماء والفضل لبيك، لبيك مرهوبًا ومرغوبًا إليك لبيك.
وثبت في «سنن أبي داود» (١٨١٣) من حديث جابر قال: والناس يزيدون «ذا المعارج»، ونحوها من الكلام، والنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يسمع، فلا يقول لهم شيئًا. وثبت عن أنس عند البزار كما في «كشف الأستار» (١٠٩١) أنه كان يقول: «لبيك حقًّا حقًّا، تعبُّدًا ورِقًّا».
مسألة [٣]: حكم الزيادة في التلبية .
قوله: وأهل الناس بهذا الذي يهلون، فلم يرد عليهم رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- شيئًا، ولزم رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- تلبيته.
стр. 2544
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في «الفتح» (١٥٤٩): وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الِاقْتِصَار عَلَى التَّلْبِيَة المَرْفُوعَة أَفْضَل؛ لِمُدَاوَمَتِهِ هُوَ ﷺ عَلَيْهَا، وَأَنَّهُ لَا بَأْس بِالزِّيَادَةِ؛ لِكَوْنِهِ لَمْ يَرُدَّهَا عَلَيْهِمْ وَأَقَرَّهُمْ عَلَيْهَا، وَهُوَ قَوْل الجمْهُور، وَبِهِ صَرَّحَ أَشْهَب، وَحَكَى اِبْن عَبْدالْبَرّ عَنْ مَالِك الْكَرَاهَة، قَالَ: وَهُوَ أَحَد قَوْلَيْ الشَّافِعِيّ. اهـ
وجاءت الكراهة عن سعد بن أبي وقاص ﵁، فعند الطحاوي (٢/ ١٢٥) بإسناد صحيح عنه أنه سمع رجلًا يقول: لبيك ذا المعارج. فقال: إنه لذو المعارج، وما هكذا كنا نلبي على عهد رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.
قلتُ: والصواب قول الجمهور، وهو أنَّ الاقتصار على تلبية النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أفضل، وأنَّ الزيادة مشروعة، لا تكره. (١)
مسألة [٤]: حكم رفع اليدين بالدعاء عند رؤية البيت .
قوله: حتى إذا أتينا البيت استلم الركن.
• ظاهره أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يرفع يديه عند رؤية البيت، ولم يَدْعُ، وعلى هذا فلا يستحب رفع اليدين عند رؤية البيت ولا الدعاء، وهو قول مالك.
• وذهب الجمهور إلى استحباب الرفع والدعاء عند رؤية البيت، وهو قول الثوري، وابن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق.
وقد أخرج البيهقي (٥/ ٧٢) حديثًا مرفوعًا من حديث ابن عباس ﵄، وفيه: «ترفع الأيدي في الصلاة، وإذا رأى البيت» ... الحديث، وأشار إلى أنه عن ابن عمر
стр. 2545
-﵄ أيضًا، وفي كلا الإسنادين ضعفٌ؛ فيهما محمد بن عبدالرحمن بن أبي ليلى، وقد اضطرب فيه فرواهما مرفوعين وموقوفين.
قلتُ: والموقوف عن ابن عباس ﵄ له إسناد آخر عند ابن أبي شيبة (٤/ ٥٤٠)، وفيه: عطاء بن السائب، وهو مختلط؛ فالأثر لا يثبت مرفوعًا، ولا موقوفًا، والله أعلم.
والصواب هو قول مالك، وإليه مال الشيخ ابن عثيمين ﵀. (١)
مسألة [٥]: طواف القدوم .
هذا الطواف في حق المعتمر ركنٌ من أركان العمرة بلا خلاف. (٢)
قال النووي ﵀ في «المجموع» (٨/ ١٢): اعلم أنَّ طواف القدوم إنما يتصور في حق مفرد الحج، وفي حق القارن إذا كانا قد أحرما من غير مكة، ودخلاها قبل الوقوف بعرفات، فأما المكي فلا يتصور في حقه طواف القدوم؛ إذ لا قدوم له، وأما المحرم بالعمرة فلا يتصور في حقه طواف القدوم، بل إذا طاف للعمرة أجزأه عنهما، ويتضمن القدوم كما تجزئ الصلاة المفروضة عن الفرض، وتحية المسجد. انتهى المراد.
مسألة [٦]: حكم طواف القدوم .
قال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٨/ ١٩): قد ذكرنا أنه سنة عندنا، لو
стр. 2546
تركه لم يأثم، ولم يلزمه دمٌ، وبه قال أبو حنيفة، وابن المنذر، وقال أبو ثور: عليه دمٌ. وعن مالك رواية كمذهبنا، ورواية: أنه إنْ كان مضايقًا للوقوف؛ فلا دم في تركه، وإلا فعليه دمٌ. اهـ
قلتُ: والقول بأنه سنة هو مذهب الحنابلة، والجمهور، وهو الصواب، ويدل عليه حديث عروة بن مضرس ﵁، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «من شهد معنا صلاتنا هذه -يعني بالمزدلفة- وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلًا، أو نهارًا؛ فقد تمَّ حجه وقضى تفثه». (١)
مسألة [٧]: ابتداء الطَّواف .
ذكر أهل العلم أنه يجب ابتداء الطواف من الحجر الأسود، ولا يُجزئ أن يبتدئ من مكان آخر؛ فإن فعل، لا يُعتد بشوطه ذلك، ويعتد بشوطه الذي يبدأ به من الحجر الأسود، وذلك لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يبدأ طوافه من الحجر، ولم يَرِدْ عنه أنه بدأ من مكان سواه، وقال الشافعي في «الأم»: لا اختلاف في ذلك. وقال ابن عبد البر: لا خلاف فيه. (٢)
مسألة [٨]: المحاذاة للحجر الأسود عند الابتداء .
ذكر أهل العلم أنه يجب أن يبتدئ الطواف مُحاذيًا للحجر الأسود، واختلفوا هل يجزئه الطواف إذا حاذاه ببعض بدنه؟
стр. 2547
• فذهب أكثر الشافعية، والحنابلة إلى عدم الإجزاء، وذهب جماعةٌ من الشافعية، والحنابلة إلى أنه يجزئه، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-، وهذا أقرب، والله أعلم. (١)
مسألة [٩]: استلام الحجر الأسود .
نقل النووي ﵀ في «شرح مسلم» (٩/ ١٤) إجماع الأمة على استحباب استلامه.
قلتُ: والأدلة متكاثرة عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في استلام الحجر الأسود، منها: حديث جابر الذي في الباب، وجاء أيضًا عن ابن عمر، وابن عباس ﵃، كما في «الصحيحين» (٢)، وجاء عن غيرهما. (٣)
مسألة [١٠]: هل يستقبل الحجر عند استلامه ؟
ذكر أهل العلم ﵏ أنَّ السنة استقباله عند استلامه، وجزم الشافعية، والحنابلة باستحبابه، وذكر في «الإنصاف» عن بعض الحنابلة القول بأنه لا يُستحب، قال: وقيل: يجب.
قلتُ: الصواب هو الاستحباب، وهو ظاهر الأدلة التي فيها الاستلام، والتقبيل؛ فإنَّ ذلك لا يتيسر إلا باستقباله، ويدل عليه أيضًا حديث جابر ﵁ في «صحيح مسلم» (١٢١٨)(١٥٠): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- «استلم الحجر، ثم مشى على يمينه، فرمل
стр. 2548
ثلاثًا، ومشى أربعًا»، فقوله: «ثم مشى عن يمينه» يدل على أنه كان مستقبلًا له، والله أعلم. (١)
مسألة [١١]: تقبيل الحجر الأسود .
في «الصحيحين» (٢) عن عمر بن الخطاب ﵁، أنه كان يقبل الحجر، ويقول: إني لأعلم أنك حجرٌ لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يقبلك ما قبلتك. وفي «البخاري» (١٦١١)، عن ابن عمر ﵄، قال: رأيت رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يستلمه ويقبله.
وقد استحب أهل العلم تقبيل الحجر الأسود -لمن تيسر له- مع استلامه، والله أعلم. (٣)
مسألة [١٢]: هل له أن يقبل يده بعد استلامه بها ؟
أخرج مسلم (١٢٦٨) من حديث ابن عمر ﵄، أنه استلم الحجر، ثم قبَّل يده، وقال: ما تركته منذ رأيت رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يفعله.
• وقد ذهب إلى استحباب ذلك أكثر أهل العلم، وهو قول عروة، وسعيد بن جبير، وأيوب، والثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وصحَّ عن ابن عمر، وأبي هريرة، وابن عباس ﵃ أنهم فعلوا ذلك، وهذا القول هو الصواب؛ لحديث ابن عمر ﵄.
стр. 2549
• وخالف مالك فلم يرَ تقبيل اليد، وكأنه لم يبلغه حديث ابن عمر ﵄، والله أعلم. (١)
مسألة [١٣]: إذا لم يستطع أن يستلم الحجر بيده، فهل له أن يستلمه بعصا، وهل يقبل العصا ؟
• ذهب أكثر أهل العلم إلى أنه يستحب له أن يستلم الحجر بعصا، ثم يقبل موضع الاستلام؛ لحديث ابن عباس ﵄ في «الصحيحين» (٢) أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- طاف على بعير يستلم الركن بِمِحْجَن. وأخرجه مسلم (٣) أيضًا من حديث جابر ابن عبد الله وأبي الطُّفيل ﵃ وفي حديث أبي الطفيل زيادة: «ويقبل المحجن».
• وذهب بعض الحنابلة إلى أنه لا يقبل العصا، وهو مقتضى قول مالك المتقدم في المسألة السابقة.
والصواب قول الجمهور، والله أعلم. (٤)
مسألة [١٤]: إذا ذُهِبَ بالحجر، والعياذ بالله ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٥/ ٢١٤): فإذا كان ذلك -والعياذ بالله- فإنه يقف مقابلًا لمكانه، ويستلم الرُّكنَ. اهـ
стр. 2550
وقال النووي ﵀ في «المجموع» (٨/ ٣٦): قال الدارمي: لو مُحي الحجر الأسود -والعياذ بالله- من موضعه؛ استلم الركن الذي كان فيه، وقبَّله، وسجد عليه. اهـ
قلتُ: يستلمه فقط كما قال ابن قدامة، والله أعلم.
مسألة [١٥]: ماذا يقول عند استلام الحجر وابتداء الطواف ؟
أخرج البخاري (١٦١٣) عن ابن عباس ﵄ قال: طاف النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بالبيت على بعير، كلما أتى الركن أشار إليه بشيء كان عنده، وكبَّر. وبوَّب عليه البخاري في «صحيحه» [باب التكبير عند الركن]. وقال الحافظ: فيه استحباب التكبير عند الركن الأسود في كل طوفة.
وصحَّ عن ابن عمر ﵄ كما في «مصنف عبد الرزاق» (٨٨٩٤)، و «سنن البيهقي» (٥/ ٧٩) أنه كان يقول عند أن يستلم الحجر: بسم الله، والله أكبر.
وقد استحب جماعةٌ من أهل العلم أن يقول ذلك، وزاد بعضهم: بسم الله، والله أكبر، اللهم إيمانًا بك، وتصديقًا بكتابك، ووفاء بعهدك، واتِّباعًا لسنة نبيك -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. وليس على هذه الزيادة دليلٌ يثبت، كما بيَّن ذلك الحافظ في «التلخيص».
قلتُ: والأظهر أنه يقتصر على التكبير كما هو تبويب البخاري؛ لأنه هو الثابت عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. (١)
стр. 2551
مسألة [١٦]: استلام الركن اليماني الذي ليس فيه الحجر .
ثبت عن ابن عمر في «الصحيحين» أن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يستلم الركنين اليمانيين، وأخرجه مسلم عن ابن عباس ﵄، ونقل النووي إجماع الأمة على استحباب استلامه، وقال ابن عبدالبر: لا خلاف في ذلك. (١)
مسألة [١٧]: تقبيل الركن اليماني، أو التقبيل مكان الاستلام من اليد والعصا .
• ذهب الشافعية إلى استحباب تقبيل الركن اليماني، وهو قول بعض الحنابلة، والأصح في مذهب الحنابلة، وعليه الأكثرون: عدم تقبيل الركن اليماني، أو اليد، والعصا، وهو الصحيح؛ لعدم وجود دليل على التقبيل للركن اليماني مطلقًا، والله أعلم. (٢)
مسألة [١٨]: استلام الركنين الشاميين .
• ذهب أكثر العلماء إلى عدم استلام هذين الركنين، وهو قول جماعة من الصحابة، منهم: ابن عمر، وابن عباس ﵃؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يستلمهما.
• وذهب بعض الصحابة والتابعين إلى استلامهما، وهو قول معاوية، وابن الزبير كما في «البخاري» (١٦٠٨)، وصحَّ عن عروة بن الزبير، وأبي الشَّعْثَاء، وسويد بن غفلة، وجاء عن غيرهم، قال معاوية ﵁: ليس شيء من
стр. 2552
البيت مهجورًا.
قلتُ: والصواب ما ذهب إليه الجمهور، وخير الهدي هدي النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وقد أجاب الشافعي ﵀ على قول من قال: (ليس شيء من البيت مهجورًا) بأَنَّا لم ندع استلامهما هجرًا للبيت، وكيف يهجره وهو يطوف به، ولَكِنَّا نتبع السنة فعلًا وتركًا، ولو كان ترك استلامهما هجرًا لهما؛ لكان ترك استلام ما بين الركنين هجرًا لها، ولا قائل به. (١)
مسألة [١٩]: هل يَسْتَلِم الركنين في كل شوط ؟
استحبَّ كثير من الفقهاء استلام الركنين في كل طوفة من السبع؛ لِمَا روى أبو داود (١٨٧٦) من حديث ابن عمر بإسناد حسن، قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لا يدع أن يستلم الركن اليماني والحجر في كل طوفة، وكان ابن عمر يفعله.
قلتُ: ويشير إلى ذلك أيضًا قول ابن عباس ﵄: كلما أتى الركن أشار إليه بشيء، كان عنده، وكبَّر. أخرجه البخاري (١٦١٣)، وجاء عن بعض أهل العلم أنه يستلم في كل وتر من الطواف، وهو قول مجاهد، وطاوس، واستحبَّه بعض الفقهاء.
والصواب القول الأول، وعليه الأكثر. (٢)
стр. 2553
مسألة [٢٠]: الطواف هل يجزئ من دون الحِجْر ؟
• ذهب أكثر أهل العلم إلى أنَّ الطَّواف لا يُجزئ؛ إلا أن يكون من وراء الحِجْر، وإذا طاف من دون الحِجْر فطوافه غير صحيح، ولا يُعتد به، وهو قول أحمد، ومالك، والشافعي، وأبي ثور، وابن المنذر، وقال به عطاء. وقال أصحاب الرأي: إن كان بمكة؛ قضى ما بقي، وإن رجع؛ فعليه دمٌ. ونحوه عن الحسن.
والصواب قول الجمهور؛ لأنَّ الحِجْر من البيت، وإنما تركت قريش بناءه؛ لأنَّ المال قصر عن بنائه كاملًا، وكان النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يطوف من وراء الحِجْر، والله عزوجل أمر بالطواف بالبيت كاملًا في قوله: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج:٢٩]. (١)
مسألة [٢١]: كيفية الطَّواف .
أخرج مسلم في «صحيحه» (١٢١٨)(١٥٠)، عن جابر بن عبد الله ﵁، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قدم مكة، فاستلم الحجر ثم مشى عن يمينه، فرمل ثلاثًا، ومشى أربعًا.
قال الترمذي ﵀ عقب حديث (٨٥٦): والعمل على هذا عند أهل العلم. اهـ
قلتُ: وذهب أكثرهم إلى أنه لا يجزئه أن ينكس الطواف، فيمشي أمامه، ويجعل البيت عن يمينه، ويمشي جهة اليسار.
• وهو مذهب مالك، والشافعي، وأحمد، والحميدي، وأبي ثور وغيرهم؛ لأنَّ
стр. 2554
هذا هو فعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وهو بيان للأدلة التي فيها الأمر بالطواف، ولقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا؛ فهو رد».
• وذهب أبو حنيفة إلى أنه إذا كان بمكة؛ يُعيد؛ فإن رجع إلى بلده جَبره بدم.
والصواب قول الجمهور، أنه لا يجزئه، وإن عاد إلى بلده رجع إلى مكة وأعاد الطواف، والله أعلم. (١)
مسألة [٢٢]: إذا مشى في طوافه القهقرى، وجعل البيت عن يمينه ؟
الأصح عند الشافعية، وهو مذهب المالكية، والحنابلة: أنه لا يجزئه؛ إلا أن يجعل البيت عن يساره ويمشي أمامه، وبهذا أفتى الإمام ابن عثيمين ﵀ كما في «مجموع فتاواه» (٢٢/ ٣٢٧)، وهو الصحيح؛ لقوله ﷺ : «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد». (٢)
مسألة [٢٣]: الدُّنُو من البيت في الطَّواف .
استحبَّ أهل العلم الدنو من البيت عند الطَّواف؛ لأنَّ ذلك فعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ولأنَّ البيت هو المقصود.
قالوا: فإن كان قرب البيت زحام، فظنَّ أنه إذا وقف لم يؤذ أحدًا، وتمكن من الرَّمَل وقف؛ ليجمع بين الرَّمَل والدُّنو من البيت، وإن لم يظن ذلك، وظن أنه إذا
стр. 2555
كان في حاشية تمكن من الرمل؛ فعل، وكان أولى من الدنو.
واتفق الشافعية -وعليه أكثر الحنابلة- على أنَّ البعد مع الرمل أولى من الدنو بدون رمل، وهو الصحيح؛ لأنَّ المحافظة على ذات العبادة أولى من المحافظة على مكان العبادة كما يقول الفقهاء. (١)
مسألة [٢٤]: التباعد عن البيت في الطواف .
قال النووي ﵀ في «المجموع» (٨/ ٣٩): وأجمع المسلمون على أنه يجوز التباعد مادام في المسجد، وأجمعوا على أنه لو طاف خارج المسجد لم يصح. اهـ (٢)
مسألة [٢٥]: ما الحكم لو وسع المسجد الحرام .
قال النووي ﵀ (٨/ ٣٩): واتفق أصحابنا على أنه لو وُسِّعَ المسجد اتسع المطاف، وصح الطواف في جميعه. اهـ
قلتُ: والعمل على هذا عند أهل العلم، فما زال المسجد يُوسَّع بعد عهد النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ويطوف الطائفون في جميع المسجد بدون نكير من أهل العلم.
مسألة [٢٦]: الطواف في سطح المسجد حول الكعبة .
• أكثر أهل العلم على الجواز.
• ومنع بعض الشافعية، وليس لهم دليلٌ على المنع فكما أنه تجوز الصلاة في مكان مرتفع عن الكعبة؛ فكذلك يجوز الطواف. (٣)
стр. 2556
مسألة [٢٧]: ماذا يقول أثناء الطواف ؟
يشرع للطائف أثناء الطواف، ويستحب له ذكر الله والدعاء، وكذا قراءة القرآن، وصحَّ عن ابن عباس ﵄ أنه قال: الطواف بالبيت صلاة؛ فأقلوا الكلام فيه. أخرجه ابن أبي شيبة (١٢٩٦٣) بإسناد صحيح.
قال الترمذي ﵀ عقب الحديث (٩٦٠): والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم، يستحبون أن لا يتكلم الرجل في الطواف إلا لحاجة، أو بذكر الله تعالى، أو من العلم. اهـ
قلتُ: وقد كره بعض أهل العلم قراءة القرآن، وهو قول عروة، والحسن، ومالك، وأحمد في رواية.
• وذهب آخرون -وهم الأكثر- إلى مشروعية قراءة القرآن، وهو مذهب عطاء، ومجاهد، والثوري، وابن المبارك، والشافعي، وأحمد، وأبي ثور، وأصحاب الرأي، وهذا القول أقرب؛ لعدم وجود دليل على الكراهة، والقرآن من أفضل الذكر، والله أعلم. (١)
تنبيه: جاء في حديثٍ أنَّ النبي قرأ بين الركنين اليمانيين ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة:٢٠١]؛ فاستحبَّ جماعةٌ من أهل العلم أن يقرأ الطائف ذلك بين الركنين اليمانيين.
стр. 2557
والحديث المتقدم رواه أبو داود (١٨٩٢)، والبيهقي (٥/ ٨٤) وغيرهما، من طريق: يحيى بن عبيد المكي، عن أبيه، عن عبد الله بن السائب مرفوعًا، وهو ضعيفٌ؛ لأنَّ عُبيدًا المكي مجهول، فقد تفرد بالرواية عنه ولده، ولم يوثقه معتبر، وعلى هذا فلا يُستحب تخصيص هذا الذكر. (١)
مسألة [٢٨]: حكم الرَمَل في الثلاثة الأشواط الأُوَل من طواف القدوم .
قوله: «فرمل ثلاثًا».
الرَّمَل: هو السُّرعة في المشي مع مقاربة الخُطا، والأحاديث متكاثرة عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنه رمل في الثلاثة الأشواط، منها: حديث جابر الذي في الباب.
وقال الترمذي ﵀ عقب هذا الحديث (٨٥٧): والعمل على هذا عند أهل العلم. اهـ
وقال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٥/ ٢١٧): وهو سنة في الأشواط الثلاثة من طواف القدوم لا نعلم فيه بين أهل العلم خلافًا، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه رمل ثلاثًا، ومشى أربعًا، رواه جابر، وابن عباس، وابن عمر، وأحاديثهم متفق عليها (٢). اهـ
قلتُ: حديث جابر انفرد به مسلم. (٣)
стр. 2558
مسألة [٢٩]: هل يرمل الطواف كاملًا، أم أنَّ له أن يمشي بين الركنين ؟
• ذهب بعض أهل العلم إلى أنه يمشي بين الركنين اليمانيين؛ لأنَّ في حديث ابن عباس ﵄ في «الصحيحين» (١) أن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أمرهم أن يرملوا في الثلاثة الأشواط، ويمشوا بين الركنين. وهو قول طاوس، وعطاء، والحسن، وسعيد بن جبير، والقاسم، وسالم.
• وذهب أكثر أهل العلم إلى أنه يرمل الثلاثة الأشواط كاملة، وهو مذهب مالك، والشافعي، وأحمد، والثوري، وأصحاب الرأي؛ لحديث جابر في «صحيح مسلم» (١٢٦٣): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- رمل من الحجر الأسود حتى انتهى إليه. وعنده (١٢٦٢)، عن ابن عمر قال: رمل رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- من الحَجَر إلى الحَجَر ثلاثًا، ومشى أربعًا. وصحَّ من فعل ابن عمر، وابن مسعود.
وهذا القول هو الصواب؛ لأنَّ هذا هو آخر الأمرين، وهو في حجة الوداع، وحديثهم كان في عمرة القضاء. (٢)
مسألة [٣٠]: من ترك الرمل عمدًا ؟
• قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٥/ ٢٢٢): ولو تركه عمدًا؛ لم يلزمه شيء، وهذا قول عامة الفقهاء، إلا ما حُكِي عن الحسن، والثوري، وعبد الملك بن الماجشون أنَّ عليه دمًا؛ لأنه نسك. انتهى المراد.
стр. 2559
قلتُ: والقول بأنه لا يلزمه شيء هو الصحيح؛ لأنه سنة؛ فإنَّ طواف القدوم لا يجب بتركه شيءٌ، فترك صفة فيه أولى أن لا يجب بها؛ لأنَّ ذلك لا يزيد على تركه، قاله ابن قدامة -رحمه الله تعالى-. (١)
مسألة [٣١]: من فاته الرمل في الثلاثة الأولى، فهل يرمل فيما بعدها ؟
ذكر أهل العلم رحمهم الله تعالى أنَّ من فاته الرمل في الثلاثة الأولى لم يقضه في الأربعة الباقية؛ لأنها هيئة فات موضعها؛ فسقطت، ولأنَّ المشي هيئة في الأربعة كما أن الرمل هيئة في الثلاثة، فإذا رمل في الأربعة الأخيرة؛ كان تاركًا للهيئة في جميع طوافه. (٢)
مسألة [٣٢]: إذا لم يرمل في طواف القدوم، فهل يرمل في طواف الإفاضة ؟
• أكثر الحنابلة على أنه لا يرمل في طواف الإفاضة.
• وقال الشافعية: يرمل إذا كان لم يسع بين الصفا والمروة، فيرمل في طواف الإفاضة، ثم يسعى بين الصفا والمروة.
والصواب -والله أعلم- قول الحنابلة؛ لأنَّ الرمل ثبت في طواف القدوم، فلا يغير إلى طواف آخر، والله أعلم. (٣)
مسألة [٣٣]: هل على النساء رمل ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٥/ ٢٤٦): قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْلُ
стр. 2560
الْعِلْمِ عَلَى أَنَّهُ لَا رَمَلَ عَلَى النِّسَاءِ حَوْلَ الْبَيْتِ، وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ اضْطِبَاعٌ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِيهِمَا إظْهَارُ الْجلَدِ، وَلَا يُقْصَدُ ذَلِكَ فِي حَقِّ النِّسَاءِ، وَلِأَنَّ النِّسَاءَ يُقْصَدُ فِيهِنَّ السَّتْرُ، وَفِي الرَّمَلِ وَالِاضْطِبَاعِ تَعَرُّضٌ لِلتَّكَشُّفِ. اهـ
ونقل الإجماع أيضًا ابن عبد البر كما في «الاستذكار» (١٢/ ١٣٩)، وأخرج البيهقي (٥/ ٨٤) عن ابن عمر قال: ليس على النساء سعي بالبيت، ولا بين الصفا والمروة. وإسناده صحيح؛ لولا أنَّ فيه عنعنة ابن جريج.
مسألة [٣٤]: الاضطباع .
معنى الاضطباع: أن يجعل وسط الرداء تحت كتفه اليمنى، ويرد طرفيه على كتفه اليسرى، ويُبقي كتفه اليمنى مكشوفة.
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٥/ ٢١٦): وَيُسْتَحَبُّ الِاضْطِبَاعُ فِي طَوَافِ الْقُدُومِ؛ لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد، وَابْنُ مَاجَهْ، عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ طَافَ مُضْطَبِعًا. (١) وَرَوَيَا أَيْضًا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَصْحَابَهُ اعْتَمَرُوا مِنْ الْجعْرَانَةِ، فَرْمَلُوا بِالْبَيْتِ، وَجَعَلُوا أَرْدَيْتَهُمْ تَحْتَ آبَاطِهِمْ، ثُمَّ قَذَفُوهَا عَلَى عَوَاتِقِهِمْ الْيُسْرَى. (٢) وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَكَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ الِاضْطِبَاعُ بِسُنَّةٍ. وَقَالَ: لَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِبَلَدِنَا