← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 165

فتح العلام في دراسة أحاديث بلوغ المرام ط 4

محمد بن علي بن حزام البعداني

Полный текст (5 956 стр.). Показаны 2556–2595 · переход к 2561.

стр. 2556

مسألة [٢٧]: ماذا يقول أثناء الطواف ؟ يشرع للطائف أثناء الطواف، ويستحب له ذكر الله والدعاء، وكذا قراءة القرآن، وصحَّ عن ابن عباس ﵄ أنه قال: الطواف بالبيت صلاة؛ فأقلوا الكلام فيه. أخرجه ابن أبي شيبة (١٢٩٦٣) بإسناد صحيح. قال الترمذي ﵀ عقب الحديث (٩٦٠): والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم، يستحبون أن لا يتكلم الرجل في الطواف إلا لحاجة، أو بذكر الله تعالى، أو من العلم. اهـ قلتُ: وقد كره بعض أهل العلم قراءة القرآن، وهو قول عروة، والحسن، ومالك، وأحمد في رواية. • وذهب آخرون -وهم الأكثر- إلى مشروعية قراءة القرآن، وهو مذهب عطاء، ومجاهد، والثوري، وابن المبارك، والشافعي، وأحمد، وأبي ثور، وأصحاب الرأي، وهذا القول أقرب؛ لعدم وجود دليل على الكراهة، والقرآن من أفضل الذكر، والله أعلم. (١) تنبيه: جاء في حديثٍ أنَّ النبي قرأ بين الركنين اليمانيين ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة:٢٠١]؛ فاستحبَّ جماعةٌ من أهل العلم أن يقرأ الطائف ذلك بين الركنين اليمانيين.

стр. 2557

والحديث المتقدم رواه أبو داود (١٨٩٢)، والبيهقي (٥/ ٨٤) وغيرهما، من طريق: يحيى بن عبيد المكي، عن أبيه، عن عبد الله بن السائب مرفوعًا، وهو ضعيفٌ؛ لأنَّ عُبيدًا المكي مجهول، فقد تفرد بالرواية عنه ولده، ولم يوثقه معتبر، وعلى هذا فلا يُستحب تخصيص هذا الذكر. (١) مسألة [٢٨]: حكم الرَمَل في الثلاثة الأشواط الأُوَل من طواف القدوم . قوله: «فرمل ثلاثًا». الرَّمَل: هو السُّرعة في المشي مع مقاربة الخُطا، والأحاديث متكاثرة عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنه رمل في الثلاثة الأشواط، منها: حديث جابر الذي في الباب. وقال الترمذي ﵀ عقب هذا الحديث (٨٥٧): والعمل على هذا عند أهل العلم. اهـ وقال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٥/ ٢١٧): وهو سنة في الأشواط الثلاثة من طواف القدوم لا نعلم فيه بين أهل العلم خلافًا، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه رمل ثلاثًا، ومشى أربعًا، رواه جابر، وابن عباس، وابن عمر، وأحاديثهم متفق عليها (٢). اهـ قلتُ: حديث جابر انفرد به مسلم. (٣)

стр. 2558

مسألة [٢٩]: هل يرمل الطواف كاملًا، أم أنَّ له أن يمشي بين الركنين ؟ • ذهب بعض أهل العلم إلى أنه يمشي بين الركنين اليمانيين؛ لأنَّ في حديث ابن عباس ﵄ في «الصحيحين» (١) أن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أمرهم أن يرملوا في الثلاثة الأشواط، ويمشوا بين الركنين. وهو قول طاوس، وعطاء، والحسن، وسعيد بن جبير، والقاسم، وسالم. • وذهب أكثر أهل العلم إلى أنه يرمل الثلاثة الأشواط كاملة، وهو مذهب مالك، والشافعي، وأحمد، والثوري، وأصحاب الرأي؛ لحديث جابر في «صحيح مسلم» (١٢٦٣): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- رمل من الحجر الأسود حتى انتهى إليه. وعنده (١٢٦٢)، عن ابن عمر قال: رمل رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- من الحَجَر إلى الحَجَر ثلاثًا، ومشى أربعًا. وصحَّ من فعل ابن عمر، وابن مسعود. وهذا القول هو الصواب؛ لأنَّ هذا هو آخر الأمرين، وهو في حجة الوداع، وحديثهم كان في عمرة القضاء. (٢) مسألة [٣٠]: من ترك الرمل عمدًا ؟ • قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٥/ ٢٢٢): ولو تركه عمدًا؛ لم يلزمه شيء، وهذا قول عامة الفقهاء، إلا ما حُكِي عن الحسن، والثوري، وعبد الملك بن الماجشون أنَّ عليه دمًا؛ لأنه نسك. انتهى المراد.

стр. 2559

قلتُ: والقول بأنه لا يلزمه شيء هو الصحيح؛ لأنه سنة؛ فإنَّ طواف القدوم لا يجب بتركه شيءٌ، فترك صفة فيه أولى أن لا يجب بها؛ لأنَّ ذلك لا يزيد على تركه، قاله ابن قدامة -رحمه الله تعالى-. (١) مسألة [٣١]: من فاته الرمل في الثلاثة الأولى، فهل يرمل فيما بعدها ؟ ذكر أهل العلم رحمهم الله تعالى أنَّ من فاته الرمل في الثلاثة الأولى لم يقضه في الأربعة الباقية؛ لأنها هيئة فات موضعها؛ فسقطت، ولأنَّ المشي هيئة في الأربعة كما أن الرمل هيئة في الثلاثة، فإذا رمل في الأربعة الأخيرة؛ كان تاركًا للهيئة في جميع طوافه. (٢) مسألة [٣٢]: إذا لم يرمل في طواف القدوم، فهل يرمل في طواف الإفاضة ؟ • أكثر الحنابلة على أنه لا يرمل في طواف الإفاضة. • وقال الشافعية: يرمل إذا كان لم يسع بين الصفا والمروة، فيرمل في طواف الإفاضة، ثم يسعى بين الصفا والمروة. والصواب -والله أعلم- قول الحنابلة؛ لأنَّ الرمل ثبت في طواف القدوم، فلا يغير إلى طواف آخر، والله أعلم. (٣) مسألة [٣٣]: هل على النساء رمل ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٥/ ٢٤٦): قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْلُ

стр. 2560

الْعِلْمِ عَلَى أَنَّهُ لَا رَمَلَ عَلَى النِّسَاءِ حَوْلَ الْبَيْتِ، وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ اضْطِبَاعٌ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِيهِمَا إظْهَارُ الْجلَدِ، وَلَا يُقْصَدُ ذَلِكَ فِي حَقِّ النِّسَاءِ، وَلِأَنَّ النِّسَاءَ يُقْصَدُ فِيهِنَّ السَّتْرُ، وَفِي الرَّمَلِ وَالِاضْطِبَاعِ تَعَرُّضٌ لِلتَّكَشُّفِ. اهـ ونقل الإجماع أيضًا ابن عبد البر كما في «الاستذكار» (١٢/ ١٣٩)، وأخرج البيهقي (٥/ ٨٤) عن ابن عمر قال: ليس على النساء سعي بالبيت، ولا بين الصفا والمروة. وإسناده صحيح؛ لولا أنَّ فيه عنعنة ابن جريج. مسألة [٣٤]: الاضطباع . معنى الاضطباع: أن يجعل وسط الرداء تحت كتفه اليمنى، ويرد طرفيه على كتفه اليسرى، ويُبقي كتفه اليمنى مكشوفة. قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٥/ ٢١٦): وَيُسْتَحَبُّ الِاضْطِبَاعُ فِي طَوَافِ الْقُدُومِ؛ لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد، وَابْنُ مَاجَهْ، عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ طَافَ مُضْطَبِعًا. (١) وَرَوَيَا أَيْضًا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَصْحَابَهُ اعْتَمَرُوا مِنْ الْجعْرَانَةِ، فَرْمَلُوا بِالْبَيْتِ، وَجَعَلُوا أَرْدَيْتَهُمْ تَحْتَ آبَاطِهِمْ، ثُمَّ قَذَفُوهَا عَلَى عَوَاتِقِهِمْ الْيُسْرَى. (٢) وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَكَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَقَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ الِاضْطِبَاعُ بِسُنَّةٍ. وَقَالَ: لَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِبَلَدِنَا

стр. 2561

يَذْكُرُ أَنَّ الِاضْطِبَاعَ سُنَّةٌ. اهـ قلتُ: حديث يعلى صحيح، وحديث ابن عباس حسن، وكلاهما في «الصحيح المسند» لشيخنا ﵀ برقم (١٢٠٤) (٦٨٣)؛ فالصواب أنَّ ذلك مستحبٌّ، ومالك لم تبلغه الأحاديث، والله أعلم. تنبيه: ذهب الشافعي إلى أنه يضطبع أيضًا بين الصفا والمروة، وخالفه أحمد، فقال: لا يضطبع. وهو الصحيح؛ لأنَّ الأدلة جاءت بالطواف بالبيت، والقياس لا يصح إلا فيما عقل معناه، وهذا تعبد محض. (١) مسألة [٣٥]: عدد أشواط الطواف بالبيت، وحكم من ترك شوطًا منها . قوله في الحديث: «فرمل ثلاثًا، ومشى أربعًا». فيه أن عدد الأشواط سبعة، وهذا مُجمعٌ عليه؛ فيجب أن يطوف بالبيت سبعة أشواط عند جميع أهل العلم. • وذهب أكثرهم إلى أنه إن ترك شوطًا، أو بعض شوط؛ فإنَّ طوافه لا يجزئه، وهو مذهب مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وابن المنذر. وقال أبو حنيفة: إن كان بمكة؛ لزمه الإتمام في الإفاضة، وإن كان قد انصرف من مكة؛ فعليه الرجوع إن كان قد طاف ثلاثة، وإن كان قد طاف أربعة؛ فعليه دمٌ، ويجزئه. قلتُ: والصواب قول الجمهور، والله أعلم. (٢)

стр. 2562

مسألة [٣٦]: النية للطواف . قال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٨/ ١٨): قد ذكرنا أنَّ الأصح عندنا أنها لا تشترط، وبه قال الثوري، وأبو حنيفة. وقال أحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وابن القاسم المالكي، وابن المنذر: لا يصح إلا بالنية. اهـ قلتُ: قال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنما الأعمال بالنيات»؛ فلا يصح الطواف إلا بنية، والنية قد يكون الطائف ذاكرًا لها عند الطواف، وقد يكون مستصحبًا لها لم يقطعها بأن يكون قد عزم على العمرة بما فيها من طواف وغيره، وكذلك الحج، كلاهما جائز، والذين قالوا: (لا تُشترط) كالشافعية، صرَّحوا بأنه إذا قطع النية وقصد طلب غريم مثلًا؛ فإنَّ الطواف لا يجزئه، والله أعلم. مسألة [٣٧]: الذي يشك في عدد أطوافه كيف يصنع ؟ قال ابن المنذر ﵀: أجمع أهل العلم على أنَّ من شك في عدد أطوافه بنى على اليقين. اهـ قلتُ: فعلى هذا إن شك هل هي أربعة، أو ثلاثة؛ جعلها ثلاثة. (١) مسألة [٣٨]: إذا اختلف طائفان في عدد الطواف ؟ • قال النووي ﵀ في «المجموع» (٨/ ٢٢): قال ابن المنذر: ولو اختلف الطائفان في عدد الطواف، قال عطاء بن أبي رباح، والفضيل بن عياض: يأخذ بقول صاحبه الذي لا يشك.

стр. 2563

• وقال مالك: أرجو أن يكون فيه سعة. • ومذهب الشافعي: أنه لا يجزئه إلا علم نفسه، ولا يقبل قول غيره. قال ابن المنذر: وبه أقول، والله أعلم. اهـ قلتُ: إن كان أحدهما شاكًّا وصاحبه جازمًا، وهو عدل؛ وجب عليه قبول خبره، وعليه يُحمل قول عطاء، وفُضيل، وإن كان غير شاكٍّ؛ فيأخذ بقول نفسه، وعليه يُحمل قول الشافعي، وابن المنذر، وهذا مذهب الحنابلة كما في «المغني» (٥/ ٢٢٤ - ٢٢٥). مسألة [٣٩]: هل يجزئ أن يطوف راكبًا ؟ أما إذا كان معذورًا عن المشي؛ فيجزئه بلا خلاف كما قال ابن قدامة. • وأما إذا لم يكن معذورًا؛ ففيه مذاهب: الأول: يصح طوافه ولا دم عليه، ولكنه خالف الأفضل والأَوْلَى، وهو مذهب الشافعي، وأحمد، وداود، وابن المنذر. ثانيها: يصح طوافه، وعليه دم، وهو قول مالك، وأبي حنيفة. ثالثها: لا يصح طوافه، وهو رواية عن أحمد. قلتُ: طاف النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- راكبًا على بعير كما في «الصحيحين» (١) عن ابن عباس ﵄، وكما في «مسلم» (١٢٧٣) (١٢٧٤)، عن جابر، وعائشة ﵃، والسبب في

стр. 2564

ذلك ازدحام الناس على رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كما في «صحيح مسلم» عن ابن عباس، وجابر، وعائشة ﵃، ومن أجل أن يتعلم الناس عنه كما في حديث جابر أيضًا، فهذا يدل على جواز الركوب؛ لأنَّ هذه العلة كان النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يستطيع فعلها بغير الركوب؛ فدل على جواز الركوب، والله أعلم. وعلى هذا: فالقول الأول هو الصحيح، وأما ما جاء في «سنن أبي داود» (١٨٨١)، عن ابن عباس أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مرضَ عند دخول مكة؛ فركب. فهو حديث ضعيفٌ؛ لأنَّ في إسناده: يزيد بن أبي زياد الهاشمي، وهو ضعيفٌ. (١) مسألة [٤٠]: إذا حمل مُحْرِمٌ مُحْرِمًا فطافا ونويا الطواف لكل واحد منهما، فهل يجزئه ؟ • في هذه المسألة ثلاثة أقوال: الأول: يقع الطواف عن الحامل فقط، ولا يقع على المحمول، وهذا هو الأصح عند الشافعية، وقال به بعض الحنابلة. الثاني: يقع الطواف عن المحمول فقط، ولا يقع عن الحامل، وهو قول بعض الشافعية، والأصح عند الحنابلة. الثالث: أن الطواف لا يجزئ عن أحدٍ منهما، وهو قول المالكية؛ لأن الطواف كالصلاة؛ فلا يصح أن يجعل العمل عن نفسه، وعن غيره.

стр. 2565

الرابع: يقع الطواف عنهما جميعًا، وهو قول أبي حنيفة، وبعض الشافعية، والحنابلة، وهذا القول هو الصواب؛ لحديث: «إنما الأعمال بالنيات»، وهو ترجيح الإمام ابن عثيمين ﵀، والله أعلم. وأما قول المالكية: إنه لايصح أن يجعل العمل عن نفسه، وعن غيره؛ فجوابه: أن كل واحد منهما قد عمل عن نفسه، إنما صار الحامل كالمطية للمحمول، وكل منهما قد طاف بنية نفسه؛ فأجزأ عنهما جميعًا. (١) مسألة [٤١]: إذا نويا الطواف للمحمول فقط ؟ • فيه ثلاثة أوجه عند الشافعية، فمنهم من قال: يقع للمحمول فقط. • ومنهم من قال: يقع عن الحامل فقط. • ومنهم من قال: يقع عنهما جميعًا. قلتُ: والصواب أنَّ الطواف يقع عن المحمول؛ للحديث المتقدم، وهو قول الحنابلة كما في «الإنصاف». (٢) مسألة [٤٢]: إذا نوى المحمول عن نفسه، ولم ينو الحامل شيئًا ؟ يصح الطَّواف عن المحمول في الأصح عند الحنابلة، وإذا حصل العكس بأن ينوي الحامل عن نفسه، ولا ينوي المحمول شيئًا، فيقع عن الحامل عند

стр. 2566

الحنابلة، والشافعية. (١) مسألة [٤٣]: هل يصح أن ينوي كل واحد منهما الطواف لصاحبه ؟ لا يصح الطواف لأي واحد منهما؛ لحديث: «إنما الأعمال بالنيات». (٢) تنبيه: إذا كان الحمل لعذر، ونوياه للمحمول؛ فيصح عنه دون الحامل بغير خلاف كما قال ابن قدامة في «المغني» (٥/ ٥٥). تنبيه آخر: إذا كان المحمول صبيًّا لا يميز؛ فالاعتبار بالنية نية الولي الذي حج به. مسألة [٤٤]: هل تُشترط الطهارة لصحة الطواف ؟ • ذهب أكثر العلماء إلى أنَّ الطهارة شرطٌ لصحة الطواف، وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد وغيرهم، واستدلوا على ذلك بأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- توضأ ثم طاف كما في «الصحيحين» (٣) عن عائشة ﵂، وقد قال: «خذوا عني مناسككم» (٤)، وبحديث عائشة في «الصحيحين» أنها حاضت، فقال لها النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي في البيت حتى تطهري»، واستدلوا بحديث ابن عباس ﵄: «الطواف بالبيت صلاة إلا أنه خفف لكم في الكلام» (٥)، وقد رُوي

стр. 2567

مرفوعًا وموقوفًا، ورجَّح النسائي، والبيهقي، والمنذري، والنووي وغيرهم وقفَه. • وذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنَّ الطهارة مستحبة، وليست بشرط، وهو قول منصور، وحماد، والأعمش، والحسن، وابن سيرين، وأبي حنيفة، واختار هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-. وقال كما في «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٢٧٣): والذين أوجبوا الوضوء للطواف ليس معهم حجة أصلًا؛ فإنه لم ينقل أحدٌ عن النبي ﷺ لا بإسناد صحيح ولا ضعيف أنه أمر بالوضوء للطواف، مع العلم بأنه قد حج معه خلائق عظيمة، وقد اعتمر عُمَرًا متعددة، والناس يعتمرون معه؛ فلو كان الوضوء فرضًا للطواف؛ لبينه النبي ﷺ بيانًا عَامًّا، ولو بينه؛ لنقل ذلك المسلمون عنه ولم يهملوه، ولكن ثبت في «الصحيح» أنه لما طاف توضأ، وهذا وحده لا يدل على الوجوب؛ فإنه قد كان يتوضأ لكل صلاة، وقد قال: «إني كرهت أن أذكر الله إلا على طهر»، فتيمم لرد السلام. (١) اهـ. وهذا القول اختاره ابن حزم إلا أنه أباح الطواف للنفساء، واستدل بعضهم للاستحباب بحديث ابن عباس ﵄: «إنما أُمرت بالوضوء إذا قمت للصلاة»، وهو حديث صحيح أخرجه أبو داود وغيره، وأصله في «مسلم».

стр. 2568

• وذهب أحمد في رواية إلى أنَّ الطهارة واجبة، ولو طاف بغير طهارة؛ يجبر بدم، وهو قولٌ لبعض المالكية. وقد رجَّح الإمام ابن باز ﵀ القول الأول، ورجَّح الإمام ابن عثيمين ﵀ القول الثاني. قلتُ: حديث: «افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري» وحديث «أحابستنا هي» -يعني: صفية، حين أخبر أنها حاضت، فلما قيل له: إنها قد أفاضت. قال: «إذن فلتنفر معكم» يدلان على اشتراط الطهارة، فإنه لا يعلم سبب صحيح في منع الحائض من الطواف بالبيت؛ إلا أنها غير متطهرة، ووضوءه ﵊ أمام المسلمين قبل الطواف، فيه بيان لوجوبه، مع الأحاديث المتقدمة. والظاهر أنه كان أمرًا مشهورًا بين الصحابة؛ لأن عائشة ﵂ بكت حين أصابها الحيض وتخوفوا من أن تحيض صفية قبل طواف الإفاضة، والله أعلم. (١) مسألة [٤٥]: هل يُشترط للطواف طهارة الثياب والبدن ؟ • ذهب جمعٌ من أهل العلم إلى اشتراط ذلك، وهو مذهب الشافعي، وأحمد، ومالك، واستدلوا بأنَّ الطواف صلاة، والصلاة يُشترط لها ذلك، وبقوله تعالى: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ [الحج:٢٦]؛ فيدل على أنه يلزم طهارة الثياب، والبدن؛

стр. 2569

لأمره بتطهير المكان. • وذهب أبو حنيفة إلى أنَّ ذلك ليس بشرط لصحة الطواف، وهو رواية عن أحمد؛ لعدم وجود دليل يدل على ذلك، وقولهم: (إنَّ الطواف صلاة) ليس بصحيح، ولم يثبت على ذلك دليل مرفوعٌ، والطواف يختلف عن الصلاة في أشياء كثيرة، وأما الآية ففيها الأمر بتطهير المسجد الحرام، ولا تدل على أنَّ من طاف وعليه نجاسة أنَّ طوافه باطل، وهذا القول أقرب، والله أعلم. (١) مسألة [٤٦]: هل يُشترط ستر العورة لصحة الطواف ؟ • ذهب الجمهور إلى أنَّ ذلك شرط، وهو مذهب مالك، والشافعي، وأحمد؛ لحديث أبي هريرة ﵁، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أمر بالسَّنَةِ التَّاسِعة أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان. متفق عليه. (٢) • وذهب أبو حنيفة إلى أنَّ ذلك ليس بشرطٍ. والصحيح أنَّ من طاف عريانًا، ولم يستر عورته المغلظة؛ فطوافه غير صحيح؛ لنهي النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عن ذلك. قال ابن حزمٍ ﵀ في «المحلَّى» (٨٣٨): ولا يجوز لأحد أن يطوف بالبيت عريانًا؛ فإنْ فعل لم يجزه؛ فإنْ غطَّى قبله ودبره؛ فلا يسمى عريانًا. اهـ (٣)

стр. 2570

مسألة [٤٧]: هل يرمل الذي يطوف راكبًا ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٥/ ٢٥١): إذَا طَافَ رَاكِبًا، أَوْ مَحْمُولًا؛ فَلَا رَمَلَ عَلَيْهِ. وَقَالَ الْقَاضِي: يَخُبُّ بِهِ بَعِيرُهُ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَفْعَلْهُ، وَلَا أَمَرَ بِهِ، وَلِأَنَّ مَعْنَى الرَّمَلِ لَا يَتَحَقَّقُ فِيهِ. اهـ قلتُ: واختيار ابن قدامة هو الصحيح. مسألة [٤٨]: هل يُشترط الموالاة بين أشواط الطواف ؟ • الأصح عند الشافعية أنَّ الموالاة مستحبة، وليست واجبة، وهو القول الجديد للشافعي، وهو مذهب الحنفية. • وذهب الحنابلة، وبعض الشافعية إلى الوجوب، وعن أحمد رواية: أنها لا تُشترط للمعذور، فإذا كان لعذر؛ بنى وإن طال الفصل، وهذا قول جيد، والله أعلم. (١) مسألة [٤٩]: إذا أُقيمت الصلاة، فهل له أن يقطع الطواف ليصلي ؟ • ذهب أكثر أهل العلم إلى أنه يقطع فيصلي، ثم يرجع إلى طوافه، وهو قول ابن عمر (٢)، وسالم، وعطاء، والشافعي، وأحمد، وأبي ثور، وأصحاب الرأي، وقال مالك: يمضي في طوافه ولا يقطعه؛ لأنه فرضٌ، فلا يقطعه لفرض آخر. قلتُ: والصواب القول الأول؛ لأنَّ الفصل بالصلاة لا يطول، وصلاة الجماعة

стр. 2571

واجبة، وإذا صلَّى، ثم عاد؛ فإنه يبني في قول عامة أهل العلم، وخالف الحسن، فقال: يعيد. قال ابن المنذر: لا نعلم أحدًا خالف إلا الحسن. والصواب أنه يبني، والله أعلم. (١) مسألة [٥٠]: هل يقطع الطواف؛ ليصلي على الجنازة إذا حضرت ؟ • قال الشافعي ﵀: لا أحب ترك الطواف لذلك. ومذهب الحنابلة أنَّ له أن يقطع ويصلي. • وقال الحافظ ﵀ في «الفتح» [باب (٦٨) من كتاب الحج]: واختار الجمهور قطعه للحاجة. اهـ قلتُ: الصلاة على الجنازة لا تطول، فلا بأس أن يقطع ويصلي، ثم يبني بعد ذلك، والله أعلم. (٢) مسألة [٥١]: إذا أحدث في الطواف، فهل يعيد، أو يبني ؟ • أما إن سبقه الحدث ففيه قولان: الأول: أنه يعيد الطواف، ويبطل طوافه الأول، وهو مذهب مالك، ورواية عن أحمد، وقال به الحسن. الثاني: أنه يبني بعد أن يتوضأ، ولا يبطل طوافه، وهو مذهب الشافعي، وإسحاق، ورواية عن أحمد.

стр. 2572

• وأما إن تعمد الحدث ففيه قولان: الأول: أنه يعيد، ويبطل طوافه الأول، وهو قول الحسن، ومالك، وأحمد، وبعض الشافعية. الثاني: أنه يبني، ولا يبطل طوافه الأول، وهذا قول أكثر الشافعية، وهو مقتضى قول من لا يشترط الطهارة. قال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب أنه يبني في الحالتين، والله أعلم. (١) مسألة [٥٢]: من أين يقع البناء ؟ • يبني من المكان الذي انقطع منه عند أكثر الشافعية، واختار هذا القول الشيخ ابن باز ﵀، وذهب أحمد، وبعض الشافعية إلى أنه يبني من الحجر الأسود، ويعيد الشوط الذي انقطع فيه. قلتُ: والراجح القول الأول، وأظنُّ أنَّ أحمد قال ذلك على سبيل الاستحباب لا على سبيل الوجوب، والله أعلم. (٢) مسألة [٥٣]: قوله: «ثم نفذ إلى مقام إبراهيم ﵇ -». قال النووي ﵀ في «شرح مسلم» (٨/ ١٧٥): هذا دليل لِمَا أجمع عليه العلماء: أنه ينبغي لكل طائف إذا فرغ من طوافه أن يصلي خلف المقام ركعتين. اهـ

стр. 2573

مسألة [٥٤]: حكم الركعتين اللتين بعد الطواف . • ذهب جمهور العلماء إلى أنَّ هاتين الركعتين سنة مؤكدة؛ لفعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وتبعه على ذلك الصحابة رضوان الله عليهم، كانوا إذا فرغوا من الطواف صلوا ركعتين، وهو مذهب أحمد، ومالك، وقولٌ للشافعي. • وللشافعي قولٌ بالوجوب، وهو قول بعض أصحابه. واحتجوا على ذلك بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «خذوا عني مناسككم»، وبقوله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة:١٢٥]. والأظهر هو القول الأول؛ لأنَّ الآية فيها الأمر باتخاذه مصلى، وليس فيها الأمر بالركعتين، وأما الحديث فتقدم أنه أمرٌ منه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أن نعمل كأعماله في الحج، وهذه الأعمال منها الركن، والواجب، والمستحب، ويدل على ذلك دليل آخر، والله أعلم. (١) مسألة [٥٥]: مكان صلاة الركعتين . يستحبُّ أن تكون خلف المقام، ويجعل المقام بينه وبين البيت؛ فإن تيسر وإلا صلى في أي مكان من المسجد الحرام؛ فإنَّ له أن يصلي حيث شاء بالإجماع، نقل الإجماع غير واحد من أهل العلم كابن المنذر، وابن عبد البر، ثم النووي، والحافظ وغيرهم. (٢)

стр. 2574

تنبيه: إذا احتاج أن يصلي الركعتين خارج الحرم فله ذلك، ففي «البخاري» عن أم سلمة ﵂ أنها اشتكت، فأمرها رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أن تطوف من وراء الناس وهي راكبة، قال: ولم تصلِّ حتى خرجت. وعلَّق البخاري في «صحيحه» عن عمر ابن الخطاب ﵁ أنه طاف بالبيت وصلى الركعتين بذي طوى بعدما طلعت الشمس (١). (٢) مسألة [٥٦]: من نسي ركعتي الطواف ؟ • ذهب الشافعي، وأبو حنيفة، وابن المنذر -وعزاه الحافظ للجمهور- أنه يصلي متى ذكرها في الحرم، أو في الحل؛ لعموم حديث: «من نام عن صلاة، أو نسيها؛ فليصلها إذا ذكرها» (٣)، وقال الثوري: يركعها حيث شاء؛ مالم يخرج من الحرم. وقال مالك: إن لم يركعها حتى يرجع إلى بلده؛ فعليه دم. والصواب القول الأول، والله أعلم. (٤) مسألة [٥٧]: إذا صلى المكتوبة بعد طوافه، فهل تجزئه عن ركعتي الطواف ؟ • في المسألة قولان: الأول: أنها تجزئه، وهو قول عطاء، وأبي الشعثاء، والحسن، وسعيد بن جبير،

стр. 2575

وأحمد، وإسحاق، وهو قولٌ للشافعي؛ وذلك لأنَّ المقصود هو وقوع صلاة بعد الطواف؛ فأجزأته الفريضة كتحية المسجد. الثاني: لا تجزئه، ويصلي الركعتين بعد الفريضة، وهو قول الزهري، ومالك، وأصحاب الرأي، وبعض الشافعية؛ وذلك لأنها سنة معينة، ومؤكدة، ولا نعلم دليلًا يدل على أن المقصود هو وقوع صلاة بعد الطواف أيًّا كانت، بخلاف تحية المسجد، فقد جاءت أدلة متكاثرة في ذلك، والقول الثاني أقرب، والله أعلم. (١) مسألة [٥٨]: الجمع بين أكثر من طواف، ثم الصلاة بعد ذلك . يشرع عند أهل العلم أن يجمع الطائف بين أكثر من طواف؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحدًا طاف بالبيت وصلى أية ساعة شاء من ليل أو نهار». (٢) • واختلفوا في تأخير الصلاة عقب الطوافات كلها مع إجماعهم بأنَّ الأَوْلى أن يصلي عقب كل سبوع. فكرهه جماعةٌ، منهم: ابن عمر، والحسن، والزهري، ومالك، وأبو حنيفة، والثوري، وأبو ثور، وقالوا: لم يرد ذلك عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، والثابت عنه أنه كان يصلي عقب كل طواف ركعتين، وبوَّب البخاري في «صحيحه»: [باب صلَّى النبي ﷺ لسبوعه ركعتين].

стр. 2576

• وذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنَّ ذلك لا بأس به، وصحَّ عن المسور بن مخرمة، وعائشة ﵄ فعل ذلك -أعني الطواف- بعد صلاة الصبح والعصر، والصلاة بعد طلوع الشمس، وبعد الغروب كما في «مصنف ابن أبي شيبة»، وهو قول عطاء، وطاوس، ومجاهد، وابن جبير، والشافعي، وأبي يوسف، وأحمد، وإسحاق وعزاه الحافظ للجمهور والله أعلم. (١) مسألة [٥٩]: الطواف وصلاة الركعتين بعد صلاة الفجر والعصر . • في المسألة ثلاثة أقوال: الأول: جواز الطواف وكراهة الصلاة حتى تطلع الشمس، أو تغرب، وهو مذهب أبي حنيفة، وصحَّ عن عمر، وأبي سعيد أنهما أخَّرا الصلاة إلى بعد طلوع الشمس كما في «مصنف ابن أبي شيبة»، وتقدم عن عائشة، والمسور كذلك. الثاني: كراهة الطواف والصلاة بعده، وهو قول سعيد بن جبير، ومجاهد، وبعض الحنفية، والثوري. الثالث: جمهور الصحابة ومن بعدهم كما قال ابن المنذر على الترخيص في الطواف والصلاة، وصحَّ عن ابن عمر ذلك. ويدل عليه حديث جبير بن مطعم ﵁ مرفوعًا: «لا تمنعوا أحدًا طاف بهذا البيت وصلى أية ساعة شاء من ليل، أو نهار».

стр. 2577

وهذا القول هو الصواب. ومن أخَّر الصلاة كما فعل الصحابة المتقدمون؛ فحَسَنٌ، والله أعلم. (١) مسألة [٦٠]: قراءة: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ عند المقام ؟ يستحب للطائف إذا أتى المقام أن يقرأ هذه الآية كما فعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. قال ابن المنذر ﵀ كما في «الفتح» (١٦٢٧): احتملت قراءته أن تكون صلاة الركعتين خلف المقام فرضًا، لكن أجمع أهل العلم على أنَّ الطائف تجزئه الركعتان حيث شاء؛ إلا شيئًا ذكر عن مالك في أن من صلى ركعتي الطواف الواجب في الحجر: يعيد. اهـ مسألة [٦١]: قوله: كان يقرأ في الركعتين: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ . استحبَّ جماعةٌ من أهل العلم لمن صلى الركعتين أن يقرأ في الركعة الأولى بعد الفاتحة: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ وفي الركعة الثانية بعد الفاتحة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾؛ لهذا الحديث. مسألة [٦٢]: الرجوع إلى الركن بعد صلاة الركعتين؛ لاستلامه . قوله: ثم رجع إلى الركن فاستلمه. فيه دليل على استحباب الرجوع إلى الركن ليستلمه.

стр. 2578

قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٥/ ٢٣٤): نصَّ عليه أحمد؛ لأنَّ النبي ﷺ فعل ذلك، وكان ابن عمر يفعله (١)، وبه قال النخعي، ومالك، والثوري، والشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي، ولا نعلم فيه خلافًا. اهـ قال النووي ﵀ في «شرح مسلم» (٨/ ١٧٦): واتفقوا على أنَّ هذا الاستلام ليس بواجب، وإنما هو سنة؛ لو تركه لم يلزمه دمٌ. اهـ مسألة [٦٣]: قوله: فلما دنا من الصفا قرأ: «﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾» . استحب بعض أهل العلم للمعتمر، أو الحاج أن يقرأ إذا بدأ بالطواف بين الصفا والمروة هذه الآية التي قرأها النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وذلك قبل الرُّقِي إلى الصفا، ولا يفعل ذلك في بقية الأشواط. مسألة [٦٤]: قوله: «أبدأ بما بدأ الله به»، فبدأ بالصفا . • ذهب جمهور أهل العلم إلى أنَّ الابتداء في السعي بين الصفا والمروة يكون من الصفا، كما فعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وهو واجبٌ، ولا يجزئه أن يبتدئ من المروة، وذلك لأنَّ فعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وقع بيانًا للسعي الواجب، واستدلوا بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ»، وهو مذهب أحمد، ومالك، والشافعي، وأصحاب الرأي، والمشهور عن أبي حنيفة أنه يجوز الابتداء من المروة، والصحيح قول الجمهور.

стр. 2579

فإذا ابتدأ من المروة؛ فشوطه الأول لا يُحسب، ويكون شوطه الثاني هو الأول، وعليه فيزيد شوطًا في آخر طوافه، والله أعلم. (١) مسألة [٦٥]: قوله: فرقى الصَّفا . • ذكر الشافعية، والحنابلة أنَّ الرُّقِي إلى الصفا والمروة ليس بواجب، وإنما هو سنة، والواجب إنما هو استيعاب الطواف بين الصفا والمروة كاملًا؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة:١٥٨]. • وقال بعض الشافعية: لا يصح سعيه حتى يصعد على شيء من الصفا. ورجَّح الإمام ابن باز، والإمام ابن عثيمين القول الأول، والله أعلم. (٢) مسألة [٦٦]: قوله: حتى رأى البيت، فاستقبل القبلة ... إلى قوله: مثل هذا ثلاث مرات . استحب أهلُ العلم لمن صعد الصفا أن يصعد حتى يرى الكعبة، ثم يستقبلها، فيوحد الله ويكبره، ثم يقول: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله و حده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده»، ثم يدعو بين ذلك، يفعل مثل هذا ثلاث

стр. 2580

مرات، كلما انتهى من الذكر دعا بما تيسر له من الأدعية الجامعة لخيري الدنيا والآخرة، ويفعل مثل هذا على المروة، ويفعله في كل شوط على الصفا والمروة. (١) مسألة [٦٧]: قوله: حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي سعى، حتى إذا صعدتا مشى . استحبَّ أهل العلم للطائف أن يسعى سعيًا شديدًا إذا بلغ بطن المسيل؛ لحديث جابر المذكور، ولحديث ابن عمر ﵄ في «الصحيحين» (٢) أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يسعى ببطن المسيل إذا طاف بين الصفا والمروة. وأخرج النسائي (٥/ ٢٤٢) بإسناد حسن عن امرأة قالت: رأيت رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يسعى في بطن المسيل، ويقول: «لا يقطع الوادي إلا شدًّا». وأخرج عبد الله بن أحمد في «زوائد المسند» (٥٩٧) بإسناد حسن عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه رأى النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يسعى بين الصفا والمروة في المسعى كاشفًا عن ثوبه قد بلغ إلى ركبتيه. وحسَّن الحديثين شيخنا مقبل الوادعي ﵀ في «الجامع الصحيح» (٢/ ٣٥٥). قال الترمذي ﵀ عقب حديث (٨٦٣): وهو الذي يستحبه أهل العلم أن يسعى بين الصفا والمروة؛ فإن لم يسع ومشى بين الصفا والمروة رأوه جائزًا. اهـ

стр. 2581

ثم استدل على الجواز بحديث ابن عمر ﵄ أنه قال: إن سعيت فقد رأيت رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يسعى، وإن مشيت فقد رأيت رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يمشي. وإسناده عند الترمذي (٨٦٤) فيه ضعفٌ، ولكنه صحيح عند أحمد (٢/ ٥٣، ٦٠، ١٥١)، وعبد بن حميد (٨٠٠) وغيرهما، وهو في «الجامع الصحيح» (٢/ ٣٥٦). تنبيه: أثناء طوافه بين الصفا والمروة يذكر الله بما شاء، ويدعو بما شاء، وليس فيه ذكر، أو دعاء مخصوص. مسألة [٦٨]: قوله: ففعل على المروة كما فعل على الصفا . قال النووي ﵀ في «شرح مسلم» (٨/ ١٧٨): فيه أنه يسن عليها من الذكر، والدعاء، والرُّقِي مثل ما يُسَنُّ على الصفا، وهذا متفق عليه. اهـ مسألة [٦٩]: الذهاب من الصفا إلى المروة يعتبر شوطًا، والرجوع يعتبر شوطًا آخر . قوله: حتى إذا كان آخر طوافه على المروة. قال النووي ﵀ في «شرح مسلم» (٨/ ١٧٨): فِيهِ دَلَالَة لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيّ وَالْجمْهُور: أَنَّ الذَّهَاب مِنْ الصَّفَا إِلَى الْمَرْوَة يُحْسَب مَرَّة، وَالرُّجُوع إِلَى الصَّفَا ثَانِيَة، وَالرُّجُوع إِلَى الْمَرْوَة ثَالِثَة، وَهَكَذَا، فَيَكُون اِبْتِدَاء السَّبْع مِنْ الصَّفَا، وَآخِرهَا بِالْمَرْوَةِ.

стр. 2582

وَقَالَ اِبْن بِنْت الشَّافِعِيّ، وَأَبُو بَكْر الصَّيْرَفِيّ -مِنْ أَصْحَابنَا-: يُحْسَب الذَّهَاب إِلَى الْمَرْوَة وَالرُّجُوع إِلَى الصَّفَا مَرَّة وَاحِدَة؛ فَيَقَع آخِر السَّبْع فِي الصَّفَا، وَهَذَا الْحَدِيث الصَّحِيح يَرُدّ عَلَيْهِمَا، وَكَذَلِكَ عَمَل الْمُسْلِمِينَ عَلَى تَعَاقُب الْأَزْمَان، وَاَللهُ أَعْلَم. اهـ قلتُ: وثبت عند ابن أبي شيبة (٤/ ١/٣٨٨) بإسناد صحيح عن ابن عمر ﵄، أنه قال: اِفْتَتِحْ بِالصَّفَا، وَاخْتُمْ بِالمَرْوَة. (١) مسألة [٧٠]: حكم السعي بين الصفا والمروة راكبًا . قال النووي ﵀ في «المجموع» (٨/ ٧٧): ذكرنا أن مذهبنا أنه لو سعى راكبًا جازَ، ولا يقال: مكروه. لكنه خلاف الأولى، ولا دم عليه، وبه قال أنس بن مالك (٢)، وعطاء، ومجاهد. قال ابن المنذر: وكره الركوب عائشة (٣)، وعروة، وأحمد، وإسحاق. وقال أبو ثور: لا يجزئه، ويلزمه الإعادة. وقال مجاهد: لا يركب إلا لضرورة. وقال أبو حنيفة: إن كان بمكة أعاده ولا دم، وإن رجع إلى وطنه بلا إعادة لزمه دم دليلنا الحديث الصحيح السابق أن النبي ﷺ سعى راكبًا. (٤) اهـ

стр. 2583

قلتُ: الصحيح أنه جائزٌ، وهو خلاف الأولى؛ إن لم يَحْتَجْ إلى ذلك، وفي «المغني» (٥/ ٢٥١) أنَّ مذهب الحنابلة الجواز. (١) مسألة [٧١]: هل يقطع السعي للصلاة المكتوبة ؟ • قال النووي ﵀ في «المجموع» (٨/ ٧٩): لو أقيمت الصلاة المكتوبة وهو في أثناء السعي؛ قطعه وصلاها، ثم بنى عليه، هذا مذهبنا وبه قال جمهور العلماء، منهم: ابن عمر (٢)، وابنه سالم، وعطاء، وأبو حنيفة، وأبو ثور. قال ابن المنذر: هو قول أكثر العلماء. • وقال مالك: لا يقطعه للصلاة إلا أن يضيق وقتها. اهـ قلتُ: والصواب قول الجمهور، والله أعلم. مسألة [٧٢]: هل تشترط الطهارة للطواف بين الصفا والمروة ؟ قال النووي ﵀ في «المجموع» (٨/ ٧٩): مذهبنا ومذهب الجمهور أنَّ السعي يصح من المحدِث، والجنب، والحائض، وعن الحسن: أنه إن كان قبل التحلل أعاد السَّعي، وإن كان بعده؛ فلا شيء عليه. ودليلنا: قوله ﷺ لعائشة ﵂ وقد حاضت: «اصنعي ما يصنع الحاج؛ غير أن لا تطوفي بالبيت» رواه البخاري، ومسلم. (٣)

стр. 2584

مسألة [٧٣]: حكم السَّعي بين الصفا والمروة . • في هذه المسألة ثلاثة أقوال: الأول: أنه ركنٌ من أركان الحج والعمرة، وهو قول عائشة ﵂ كما في «الصحيحين» (١)، وهو مذهب الشافعي، ومالك، وأحمد في رواية، وإسحاق، وأبي ثور، وداود، ورُوي عن مجاهد، والنخعي. واستدلوا على ذلك بأمر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- به كما في «الصحيحين» (٢) عن ابن عمر ﵄، وفيه: «ومن لم يهد؛ فليطف بالبيت، وبالصفا، والمروة، ثم ليقصر»، ومثله عن جابر في «الصحيحين» (٣)، وكذلك عن أبي موسى عند أن قدم من اليمن، قال له النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «فطُف بالبيت، وبالصفا، والمروة، ثم حل» (٤)، واستدلوا بحديث: «اسعوا؛ فإن الله كتب عليكم السَّعيَ» (٥)، واستدلوا بفعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مع قوله: «خذوا عني مناسككم». الثاني: أنه واجبٌ وليس بركنٍ، وتركه يُجْبَرُ بدم، وهو قول الحسن، وقتادة، والثوري، وأبي يوسف، ومحمد، وأبي حنيفة، ورواية عن أحمد، وحُكي عن

стр. 2585

عطاء، واختاره ابن قدامة، واستدلوا بالأدلة المتقدمة. الثالث: أنه سنة وليس بواجب، وهو قول ابن سيرين، وحُكي عن عطاء، وميمون بن مهران، ومجاهد، وصحَّ عن أنس، وابن عباس، وابن الزبير، وجاء عن أُبي بن كعب، وابن مسعود أنهما قرأا الآية: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيهِ ألَّا يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾، وفي كلا الأثرين ضعفٌ. ولكن صحَّ عن ابن عباس ﵄ أنه قرأها كذلك، وهذا القول رواية عن أحمد، واستدلوا بالآية: ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾. قال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول هو الصواب، وهو ترجيح الشيخ ابن باز، والشيخ ابن عثيمين رحمة الله عليهما؛ للأدلة المذكورة، والواجب في العبادة شرطٌ في صحتها؛ إلا ما خصَّه الدليل. وقد أجمعوا على أنَّ الطواف بالبيت ركنٌ -إلا خلافٌ شاذ- والدليل على ذلك أمر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- به في الأدلة المتقدمة، فكما دلت تلك الأدلة على أن الطواف بالبيت ركنٌ؛ فكذلك الطواف بين الصفا والمروة ركنٌ، ومن فرَّقَ فعليه البرهان. وأما القراءة: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَلَّا يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾؛ فهي خلاف القراءة المتواترة، والقراءة المتواترة: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾. والمقصود منها كما بينت عائشة ﵂: إباحة التطوف خلافًا لما ظنَّه بعض الصحابة من أنَّ التطوف بينهما من عمل الجاهلية. واسْتُفِيد أنه ركنٌ من أدلةٍ

стр. 2586

أخرى تقدم ذكرها، والله أعلم. (١) مسألة [٧٤]: حكم السَّعي بين الصفا والمروة قبل الطواف بالبيت . • ذهب أكثر العلماء إلى أنَّ السعي لا يصح، وهو قول أحمد، ومالك، والشافعي، وأصحاب الرأي؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بدأ بالطواف بالبيت، ولم ينقل عنه أنه ابتدأ بالسعي قط، وقد قال: «خذوا عني مناسككم»، وقال: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد». • وذهب طائفة من أهل العلم إلى أنه يصح، حكاه ابن المنذر عن عطاء وطائفة من أصحاب الحديث، وحكاه بعض الشافعية عن داود، واستدلوا بحديث أسامة بن شريك: أنَّ رجلًا سأل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فقال: سعيت قبل أن أطوف. فقال: «لا حرج». • وعن أحمد رواية: أنه يجزئه إذا كان ناسيًا، وحُمِل عليه حديث أسامة بن شريك، واختار الإمام ابن عثيمين ﵀ أنَّ العمرة لا يصح فيها السعي قبل الطواف. وأما الحج فيصح؛ لحديث أسامة بن شريك، فقد كان ذلك في الحج، والنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قاعدٌ للناس بمنى، ففي الحديث: خرجت مع رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- حاجًّا، وكان الناس يأتونه، فمن قائلٍ يقول: يا رسول الله، سعيت قبل أن أطوف، أو أخرت

стр. 2587

شيئًا، أو قدمت شيئًا. فكان يقول لهم: «لا حرج، لا حرج» (١). (٢) مسألة [٧٥]: الأشواط السبعة بين الصفا والمروة، هل يُشترط فيها الموالاة ؟ • الأصح عند الحنابلة عدم الاشتراط، وهو مذهب الشافعية، وذهب بعض الحنابلة إلى الاشتراط، وهو رواية عن أحمد، وهو مذهب مالك، وأما الحنفية فيرون الموالاة سنة. قال أبو عبد الله غفر الله له: قال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا؛ فهو رد»، فلا يجوز ترك الموالاة بدون عذر، ومن كان معذورًا لم تشترط في حقه الموالاة. (٣) مسألة [٧٦]: الموالاة بين الطواف بالبيت، وبين السعي بين الصفا والمروة . • ذهب كثير من أهل العلم إلى عدم اشتراط الموالاة في هذا الموضع؛ لأنهما عبادتان منفصلتان، وهو قول عطاء، والحسن، والقاسم، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وهو الأصح عند الشافعية، وهو مذهب الحنفية. وذهب بعض الشافعية إلى الاشتراط، والقول الأول أقرب، والله أعلم. (٤)

стр. 2588

مسألة [٧٧]: كم عدد الأشواط الواجبة بين الصفا والمروة ؟ في «الصحيحين» (١) عن ابن عمر ﵄ قال: طاف النبي ﷺ بالبيت سبعًا، وصلَّى خلف المقام ركعتين، وبين الصفا والمروة سبعًا، وقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة. وعليه العمل عند أهل العلم. • واختلفوا فيمن ترك الطواف بين الصفا والمروة، أو ترك بعض الأشواط، هل يصح سعيه، أم لا؟ وذلك الاختلاف مبنيٌ على اختلافهم في حكم السعي بين الصفا والمروة، وقد تقدم أنَّ الصواب أنه ركن، فمن ترك شيئًا من ذلك؛ فطوافه لا يصح، والله أعلم. مسألة [٧٨]: الحلق، أو التقصير . من كان معتمرًا؛ فيجب عليه أن يتحلل بعد طوافه بين الصفا والمروة بالحلق، أو التقصير. • وهل الحلق أو التقصير نسك، أم استباحة محظور؟ بالأول قال الجمهور، وبالثاني قال الشافعي في أحد قوليه، والمشهور عنه الأول، وهو رواية عن أحمد، وحكاه عياض عن عطاء، وأبي ثور، وأبي يوسف. واستدل القائلون بأنه استباحة محظور بحديث جابر ﵁ في «مسلم» (١٢١٦)، ففيه: «فحلوا»، وحديث أبي موسى ﵁ في «الصحيحين»، وفيه: «فَطُفْ بِالْبَيْتِ، وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ حِلَّ».

стр. 2589

وأجاب الجمهور: بأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قد أمر بالتقصير، أو الحلق، ففي حديث ابن عمر ﵄ في «الصحيحين»: «فمن لم يهد؛ فليطف بالبيت، وبالصفا والمروة، وليقصر، وليحلل»، وعن جابر في «الصحيحين» أيضًا: «فطوفوا بالبيت، وبالصفا، والمروة، ثم قصروا، وحلوا»، فالقول بأنه نسكٌ هو الصواب، والله أعلم. (١) مسألة [٧٩]: حكم الحلق، أو التقصير . • ذهب الجمهور إلى وجوبه؛ لأمر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بالتحلل به، وهو الصحيح، وهو مقتضى مذهب ابن عباس ﵄ كما تقدم عنه النقل في المسألة رقم (١٤). • وذهب الشافعية في الأصح عندهم إلى أنه ركنٌ من أركان الحج، أو العمرة، ومقتضى قول من قال: (ليس بنسك) أن يكون مستحبًّا، وهو مذهب الشافعي في أحد قوليه، ورُوي عن عطاء، وأبي يوسف، وبعض المالكية. (٢) مسألة [٨٠]: متى يقطع المعتمر التلبية ؟ • ذهب أكثر أهل العلم إلى أنه يقطعها إذا استلم الركن، صحَّ عن ابن عباس ﵄، وهو قول عطاء، وطاوس، وعمرو بن ميمون، والنخعي، والثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي. وجاء في ذلك حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عند أحمد

стр. 2590

(٢/ ١٨٠) وغيره، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان إذا كان في عمرة يمسك عن التلبية في العمرة إذا استلم الحجر. أو في معناه، وبنحوه عن ابن عباس ﵄، أخرجه الترمذي (٩١٩)، وأبو داود (١٨١٧)، ولكن حديث عمرو بن شعيب يرويه عنه حجاج بن أرطاة، وهو ضعيفٌ، وحديث ابن عباس الراجح وقفه. رجح ذلك أبو داود، والبيهقي، وغيرهما. وقال الترمذي بعد حديث ابن عباس ﵄: العمل علىه عند أكثر أهل العلم. • وذهب عروة، والحسن، وصحَّ عن ابن عمر ﵄ أنه يقطعها إذا دخل الحرم، وقال ابن المسيب: يقطعها حين يرى عريش مكة. وقال مالك: إنْ أحرم من الميقات قطع التلبية إذا وصل الحرم، وإن أحرم بها من أدنى الحل؛ قطع التلبية حين يرى البيت. قلتُ: وقول الجمهور أولى؛ لأنه إذا شرع في الطواف استحب له الذكر كما فعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، والله أعلم. (١) مسألة [٨١]: فسخ الحج إلى العمرة . قوله: «فمن كان منكم ليس معه هدي؛ فليحل وليجعلها عمرة». استدل بهذا من يقول بفسخ الحج إلى العمرة. • وفي هذه المسألة أقوال:

стр. 2591

القول الأول: استحباب فسخ الحج إلى عمرة، وهو مذهب الحسن، ومجاهد، وأحمد، وداود؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أمر الصحابة بذلك كما في أحاديث كثيرة تبلغ حد التواتر. القول الثاني: وجوب فسخ الحج إلى عمرة، وهو قول ابن عباس، وابن حزم، وابن القيم، ثم الإمام الألباني، والإمام الوادعي رحمة الله عليهما. واستدلوا على ذلك بأمر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بذلك، وغَضِبَ على الصحابة حين ترددوا في ذلك. القول الثالث: عدم جواز فسخ الحج إلى عمرة؛ لأنه نُسُك قد نواه؛ فلا يجوز تغييره، وهذا قول الجمهور، وقالوا: أمر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بالفسخ خاصٌّ بالصحابة. واستدلوا على ذلك بحديث الحارث بن بلال بن الحارث المزني، عن أبيه، أنه قال: يا رسول الله، فسخ الحج لنا خاصَّة، أو لمن أتى؟ قال: «لكم خاصَّة» أخرجه أبو داود (١٨٠٨)، والنسائي (٥/ ١٧٩)، وابن ماجه (٢٩٨٤)، وهو حديث ضعيفٌ؛ لجهالة الحارث بن بلال، ولمخالفته الأحاديث الصحيحة أنَّ سُراقة بن مالك قال: يا رسول الله، ألِعامنا هذا، أم لأبد؟ فقال: «لا، بل لأبد أبد». (١) واستدلوا على الخصوصية بحديث أبي ذر ﵁ في «صحيح مسلم» (١٢٢٤)، قال: كانت المتعة لنا أصحابَ محمد ﷺ خاصة. وهذا الحديث أَوَّلُوه على أن مقصود أبي ذر ﵁: (فسخ الحج إلى عمرة)،

стр. 2592

وليس مقصوده مجرد التمتع، وهو خلاف منطوق الحديث. قال أبو عبد الله غفر الله له: القول الثالث ضعيفٌ؛ لمعارضته الأحاديث الصحيحة المتواترة، والقولان الأولان قويان، والأقرب -والله أعلم- هو الاستحباب، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، والشيخ ابن عثيمين ﵀. وقد أشرنا إلى وجه ترجيح هذا القول عند مسألة: [أفضل الأنساك الثلاثة]؛ فليُراجع من هنالك، والله أعلم. (١) تنبيه: قال ابن قدامة ﵀: أما إذا كان معه هدي؛ فليس له أن يحل من إحرام الحج، ويجعله عمرة بغير خلاف نعلمه. اهـ (٥/ ٢٥١ - ٢٥٢). مسألة [٨٢]: إدخال الحج على العمرة . نقل ابن المنذر، وابن قدامة الإجماع على جواز إدخال الحج على العمرة إذا كان ذلك قبل الطواف. • وهذا الإجماع لا يصح؛ فإنَّ من أوجب فسخ الحج إلى عمرة يقتضي قوله أنه لا يجوز إدخال الحج على العمرة، وعلى هذا فيكون المخالف هو ابن عباس ﵄، ومن ذهب مذهبه كما تقدم. والظاهر هو الجواز مع الكراهة، إلا في حق من ساق الهدي؛ فيجب في حقه

стр. 2593

القِران على الصحيح، والله أعلم. (١) ويدل على جواز إدخال الحج على العمرة حديث عائشة عند أن حاضت، فأمرها النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أن تهل بالحج، ثم قال لها بعد ذلك: «قد حللت من حجك وعمرتك جميعًا». (٢) وفي رواية: «يجزئ عنك طوافك بالصفا والمروة عن حجك وعمرتك»، وفي رواية: «يسعك طوافك لحجك وعمرتك»، وكلا الروايتين في «مسلم» (١٢١١) (١٣٢) (١٣٣). • وقد ذهب الجمهور إلى أنَّ من حاضت؛ فعلت كما فعلت عائشة، فتُدخِل الحج على العمرة، وخالف أبو حنيفة، فقال: ترفض العمرة بالنية، وتهل بالحج؛ فتكون مفردة. واستدل بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في حديث عائشة ﵂: «دعي العمرة». (٣) وأجاب الجمهور: بأنَّ أكثر طرق الحديث ليس فيها هذه الزيادة، وعلى صحتها؛ يكون معناها: دعي أفعال العمرة المفردة. وهذا التأويل لابد منه؛ للجمع بين ألفاظ الحديث المتقدمة وبين هذا اللفظ، والله أعلم. قال ابن قدامة ﵀: وكل متمتع خشي فوات الحج؛ فإنه يُحرم بالحج ويصير قارنًا، وكذلك المتمتع الذي معه الهدي؛ فإنه لا يحل من عمرته، بل يهل

стр. 2594

بالحج، ويصير قارنًا. اهـ قلتُ: وقد صحَّ عن ابن عمر ﵄ كما في «الصحيحين» (١) أنه أهلَّ بعمرة، ثم لما كان بالطريق أدخل عليها الحج، فهذا الأثر يضاف إلى حديث عائشة ﵂ المتقدم، والله أعلم. (٢) مسألة [٨٣]: هل له إدخال الحج على العمرة بعد الطواف ؟ • في المسألة قولان: الأول: ليس له ذلك، وهو قول أحمد، والشافعي، وأبي ثور، وعطاء؛ لأنَّ حديث عائشة المتقدم، وأثر ابن عمر فيهما إدخال الحج على العمرة قبل الطواف، ولا دليل على إدخاله عليها بعد الطواف. الثاني: أنَّ له ذلك، ويصير قارنًا، وهو قول مالك، وأبي حنيفة. ورجَّح ابن قدامة ﵀ القول الأول، وقال: ولنا أنه شارع في التحلل من العمرة؛ فلم يَجُزْ له إدخال الحج عليها كما لو سعى بين الصفا والمروة. اهـ قلتُ: ويدل على القول الثاني قوله ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات»، ولأنه لم يشرع بعدُ بالتحلل من العمرة؛ فإن التحلل إنما يكون بالحلق، أو التقصير. (٣)

стр. 2595

مسألة [٨٤]: إدخال العمرة على الحج . • في المسألة قولان: الأول: أنه غير جائزٍ، ولا يصح، ولا يصير قارنًا، وهو قول أحمد، ومالك، وإسحاق، وأبي ثور، وابن المنذر، والشافعي، واستدلوا على المنع بأثرٍ رُوي عن علي بن أبي طالب ﵁، كما في «سنن البيهقي» (٥/ ٣٤٨) أنه أفتى بذلك، وفي إسناده رجلٌ يقال له: أبو نصر الأسدي، مجهول الحال، قال ابن قدامة: ولأنَّ إدخال العمرة على الحج لا يفيده إلا ما أفاده العقد الأول؛ فلم يصح. الثاني: يصح، وهو قول أبي حنيفة، والقول القديم للشافعي، وبعض الحنابلة، وقواه الشيخ ابن عثيمين، واستدل عليه بحديث عمر في «البخاري» (١٥٣٤): أنَّ جبريل قال للنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «صلِّ في هذا الوادي المبارك، وَقُلْ: عمرة في حجة»،وكذلك فإنَّ الصحابة خرجوا من المدينة ولا يرون إلا أنه الحج، فلما قدموا مكة أمر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- من لم يكن معه هدي أن يفسخ إلى عمرة، ومن كان معه هدي أن يبقى على إحرامه، فأدخلوا العمرة على الحج، وهذا القول أقرب، والله أعلم. (١) مسألة [٨٥]: وقت الإحرام بالحج . قوله: «فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى، فأهلوا بالحج». • دل الحديث على أنَّ الصحابة أهلوا بالحج يوم التروية، وهو اليوم الثامن من
следующие страницы →