← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 165

فتح العلام في دراسة أحاديث بلوغ المرام ط 4

محمد بن علي بن حزام البعداني

Полный текст (5 956 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.

стр. 2591

القول الأول: استحباب فسخ الحج إلى عمرة، وهو مذهب الحسن، ومجاهد، وأحمد، وداود؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أمر الصحابة بذلك كما في أحاديث كثيرة تبلغ حد التواتر. القول الثاني: وجوب فسخ الحج إلى عمرة، وهو قول ابن عباس، وابن حزم، وابن القيم، ثم الإمام الألباني، والإمام الوادعي رحمة الله عليهما. واستدلوا على ذلك بأمر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بذلك، وغَضِبَ على الصحابة حين ترددوا في ذلك. القول الثالث: عدم جواز فسخ الحج إلى عمرة؛ لأنه نُسُك قد نواه؛ فلا يجوز تغييره، وهذا قول الجمهور، وقالوا: أمر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بالفسخ خاصٌّ بالصحابة. واستدلوا على ذلك بحديث الحارث بن بلال بن الحارث المزني، عن أبيه، أنه قال: يا رسول الله، فسخ الحج لنا خاصَّة، أو لمن أتى؟ قال: «لكم خاصَّة» أخرجه أبو داود (١٨٠٨)، والنسائي (٥/ ١٧٩)، وابن ماجه (٢٩٨٤)، وهو حديث ضعيفٌ؛ لجهالة الحارث بن بلال، ولمخالفته الأحاديث الصحيحة أنَّ سُراقة بن مالك قال: يا رسول الله، ألِعامنا هذا، أم لأبد؟ فقال: «لا، بل لأبد أبد». (١) واستدلوا على الخصوصية بحديث أبي ذر ﵁ في «صحيح مسلم» (١٢٢٤)، قال: كانت المتعة لنا أصحابَ محمد ﷺ خاصة. وهذا الحديث أَوَّلُوه على أن مقصود أبي ذر ﵁: (فسخ الحج إلى عمرة)،

стр. 2592

وليس مقصوده مجرد التمتع، وهو خلاف منطوق الحديث. قال أبو عبد الله غفر الله له: القول الثالث ضعيفٌ؛ لمعارضته الأحاديث الصحيحة المتواترة، والقولان الأولان قويان، والأقرب -والله أعلم- هو الاستحباب، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، والشيخ ابن عثيمين ﵀. وقد أشرنا إلى وجه ترجيح هذا القول عند مسألة: [أفضل الأنساك الثلاثة]؛ فليُراجع من هنالك، والله أعلم. (١) تنبيه: قال ابن قدامة ﵀: أما إذا كان معه هدي؛ فليس له أن يحل من إحرام الحج، ويجعله عمرة بغير خلاف نعلمه. اهـ (٥/ ٢٥١ - ٢٥٢). مسألة [٨٢]: إدخال الحج على العمرة . نقل ابن المنذر، وابن قدامة الإجماع على جواز إدخال الحج على العمرة إذا كان ذلك قبل الطواف. • وهذا الإجماع لا يصح؛ فإنَّ من أوجب فسخ الحج إلى عمرة يقتضي قوله أنه لا يجوز إدخال الحج على العمرة، وعلى هذا فيكون المخالف هو ابن عباس ﵄، ومن ذهب مذهبه كما تقدم. والظاهر هو الجواز مع الكراهة، إلا في حق من ساق الهدي؛ فيجب في حقه

стр. 2593

القِران على الصحيح، والله أعلم. (١) ويدل على جواز إدخال الحج على العمرة حديث عائشة عند أن حاضت، فأمرها النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أن تهل بالحج، ثم قال لها بعد ذلك: «قد حللت من حجك وعمرتك جميعًا». (٢) وفي رواية: «يجزئ عنك طوافك بالصفا والمروة عن حجك وعمرتك»، وفي رواية: «يسعك طوافك لحجك وعمرتك»، وكلا الروايتين في «مسلم» (١٢١١) (١٣٢) (١٣٣). • وقد ذهب الجمهور إلى أنَّ من حاضت؛ فعلت كما فعلت عائشة، فتُدخِل الحج على العمرة، وخالف أبو حنيفة، فقال: ترفض العمرة بالنية، وتهل بالحج؛ فتكون مفردة. واستدل بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في حديث عائشة ﵂: «دعي العمرة». (٣) وأجاب الجمهور: بأنَّ أكثر طرق الحديث ليس فيها هذه الزيادة، وعلى صحتها؛ يكون معناها: دعي أفعال العمرة المفردة. وهذا التأويل لابد منه؛ للجمع بين ألفاظ الحديث المتقدمة وبين هذا اللفظ، والله أعلم. قال ابن قدامة ﵀: وكل متمتع خشي فوات الحج؛ فإنه يُحرم بالحج ويصير قارنًا، وكذلك المتمتع الذي معه الهدي؛ فإنه لا يحل من عمرته، بل يهل

стр. 2594

بالحج، ويصير قارنًا. اهـ قلتُ: وقد صحَّ عن ابن عمر ﵄ كما في «الصحيحين» (١) أنه أهلَّ بعمرة، ثم لما كان بالطريق أدخل عليها الحج، فهذا الأثر يضاف إلى حديث عائشة ﵂ المتقدم، والله أعلم. (٢) مسألة [٨٣]: هل له إدخال الحج على العمرة بعد الطواف ؟ • في المسألة قولان: الأول: ليس له ذلك، وهو قول أحمد، والشافعي، وأبي ثور، وعطاء؛ لأنَّ حديث عائشة المتقدم، وأثر ابن عمر فيهما إدخال الحج على العمرة قبل الطواف، ولا دليل على إدخاله عليها بعد الطواف. الثاني: أنَّ له ذلك، ويصير قارنًا، وهو قول مالك، وأبي حنيفة. ورجَّح ابن قدامة ﵀ القول الأول، وقال: ولنا أنه شارع في التحلل من العمرة؛ فلم يَجُزْ له إدخال الحج عليها كما لو سعى بين الصفا والمروة. اهـ قلتُ: ويدل على القول الثاني قوله ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات»، ولأنه لم يشرع بعدُ بالتحلل من العمرة؛ فإن التحلل إنما يكون بالحلق، أو التقصير. (٣)

стр. 2595

مسألة [٨٤]: إدخال العمرة على الحج . • في المسألة قولان: الأول: أنه غير جائزٍ، ولا يصح، ولا يصير قارنًا، وهو قول أحمد، ومالك، وإسحاق، وأبي ثور، وابن المنذر، والشافعي، واستدلوا على المنع بأثرٍ رُوي عن علي بن أبي طالب ﵁، كما في «سنن البيهقي» (٥/ ٣٤٨) أنه أفتى بذلك، وفي إسناده رجلٌ يقال له: أبو نصر الأسدي، مجهول الحال، قال ابن قدامة: ولأنَّ إدخال العمرة على الحج لا يفيده إلا ما أفاده العقد الأول؛ فلم يصح. الثاني: يصح، وهو قول أبي حنيفة، والقول القديم للشافعي، وبعض الحنابلة، وقواه الشيخ ابن عثيمين، واستدل عليه بحديث عمر في «البخاري» (١٥٣٤): أنَّ جبريل قال للنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «صلِّ في هذا الوادي المبارك، وَقُلْ: عمرة في حجة»،وكذلك فإنَّ الصحابة خرجوا من المدينة ولا يرون إلا أنه الحج، فلما قدموا مكة أمر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- من لم يكن معه هدي أن يفسخ إلى عمرة، ومن كان معه هدي أن يبقى على إحرامه، فأدخلوا العمرة على الحج، وهذا القول أقرب، والله أعلم. (١) مسألة [٨٥]: وقت الإحرام بالحج . قوله: «فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى، فأهلوا بالحج». • دل الحديث على أنَّ الصحابة أهلوا بالحج يوم التروية، وهو اليوم الثامن من

стр. 2596

ذي الحجة، وهذا هو الأفضل عند أكثر أهل العلم، وكان ابن عمر ﵄ يفعل ذلك، وهو مذهب الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وبعض الحنابلة. • وكان بعض التابعين يهلون من بداية ذي الحجة، وقال مالك: الأفضل لمن كان بمكة أن يهل من بداية ذي الحجة. قلتُ: في «الصحيحين» (١) عن عبيد بن جريج قال: قلت لابن عمر: أرى الناس إذا أهل هلال ذي الحجة أهلوا، ولم تهل أنت حتى يكون يوم التروية. فقال ابن عمر ﵄: إني لم أر رسول الله ﷺ يهل حتى تنبعث به راحلته. وقول الجمهور هو الصواب، والله أعلم. وقال النووي ﵀ في «شرح مسلم» (٨/ ٩٦): والخلاف في الاستحباب، وكلٌّ منهما جائزٌ بالإجماع. اهـ (٢) مسألة [٨٦]: متى يتوجه إلى منى ؟ قوله: «فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى، فأهلوا بالحج، وركب رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فصَلَّى بها الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، والفجر». قال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٨/ ٩٢): مذهبنا أنَّ السنة أن يصلي الظهر يوم التروية بمنى، وبه قال جمهور العلماء، منهم: الثوري، ومالك، وأبو

стр. 2597

حنيفة، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور. قال ابن المنذر: وقال ابن عباس: إذا زاغت الشمس؛ فليخرج إلى منى. قال: وصلَّى ابن الزبير الظهر بمكة يوم التروية. وتأخرت عائشة يوم التروية حتى ذهب ثلث الليل. اهـ. قلتُ: أثر ابن عباس ﵄ في «مصنف ابن أبي شيبة» (٤/ ٤٠٢) من طريق: عطاء الخراساني عنه، ولم يسمع منه، وابن الزبير صحَّ عنه كما في «المصنف» (٤/ ٤٠٣)، أنه قال: إنَّ من سنة الحج أن يصلي الإمام بمنى الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، والفجر، ثم يغدو. وأثر عائشة ﵂ عند ابن أبي شيبة (٤/ ٤٢٠) بلفظ: كانت تمكث بمكة ليلة عرفة مساء يوم التروية عامة الليل. قلتُ: قد صحَّ عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كما تقدم في حديث جابر ﵁ أنه صلى بمنى الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، والفجر، وفي حديث أنس في «الصحيحين» (١) أنه سئل: أين صلى النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- الظهر يوم التروية؟ قال: بمنى. وعلى هذا: فالصواب قول الجمهور، وَتَأَخُّرُ عائشة ﵂ يُحمل على أنها احتاجت أن تتأخر، لا لأنَّ ذلك هو السنة، والله أعلم. (٢) مسألة [٨٧]: هل يغتسل المتمتع ويتطيب عند إحرامه بالحج ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٥/ ٢٦١): وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَفْعَلَ عِنْدَ إحْرَامِهِ هَذَا مَا يَفْعَلُهُ عِنْدَ الْإِحْرَامِ مِنْ الْمِيقَاتِ، مِنْ الْغُسْلِ، وَالتَّنْظِيفِ، وَيَتَجَرَّدَ عَنْ

стр. 2598

المَخِيطِ، وَيَطُوفَ سَبْعًا، وَيُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يُحْرِمَ عَقِيبَهُمَا، وَمِمَّنْ اسْتَحَبَّ ذَلِكَ: عَطَاءٌ، وَمُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَابْنُ المُنْذِرِ. اهـ قلتُ: قوله (وَيَطُوف سَبْعًا، وَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ) ليس عليه دليل، والنبي ﷺ لما أمر أصحابه أن يهلوا يوم التروية، لم يأمرهم بالطواف بالبيت، وبالصلاة ركعتين. مسألة [٨٨]: هل يُسن أن يطوف بعد إحرامه ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٥/ ٢٦١): وَلَا يُسَنُّ أَنْ يَطُوفَ بَعْدَ إحْرَامِهِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا أَرَى لِأَهْلِ مَكَّةَ أَنْ يَطُوفُوا بَعْدَ أَنْ يُحْرِمُوا بِالْحَجِّ، وَلَا أَنْ يَطُوفُوا بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ حَتَّى يَرْجِعُوا (١). وَهَذَا مَذْهَبُ عَطَاءٍ، وَمَالِكٍ، وَإِسْحَاقَ. اهـ قلتُ: وذلك لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وأصحابه لم يطوفوا حتى رجعوا من عرفة. مسألة [٨٩]: إذا طاف وسعى بعد هذا الطواف المذكور، فهل يجزئه عن السعي الواجب ؟ • ذهب أحمد، ومالك إلى أنه لا يجزئه؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يأمر أصحابه بذلك، ولم يعمله أحدٌ منهم. • وذهب الشافعي إلى أنه يجزئه، وأجازه القاسم بن محمد، وابن المنذر؛ لأنه سعى بعد طوافٍ، فأجزأه كما لو سعى بعد طواف الإفاضة.

стр. 2599

والقول الأول أقرب؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا؛ فهو رد»، وهذا الطواف لم يفعله النبي ﷺ ، ولم يطف أحد من الصحابة بين الصفا والمروة بعد طواف تطوع غير طواف القدوم، والله أعلم. (١) مسألة [٩٠]: التلبية إذا غدا إلى عرفة . في «الصحيحين» (٢) عن أنس ﵁ أنه سُئل وهو ذاهبٌ إلى عرفة: كيف كنتم تصنعون مع رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في هذا اليوم؟ فقال: كان يهل منا المهل، فلا ينكر عليه، ويكبر منا المكبر، فلا ينكر عليه. وبنحوه أخرجه مسلم (١٢٨٤) عن ابن عمر ﵄. وعليه العمل عند أهل العلم؛ إلا ما رُوي عن الحسن أنه يقطع التلبية في غداة يوم عرفة. مسألة [٩١]: قوله: فوجد القبة قد ضربت له بنمرة، فنزل بها . قال النووي ﵀ في «شرح مسلم» (٨/ ١٨٠): فيه استحباب النزول بنمرة إذا ذهبوا من منى؛ لأنَّ السنة أن لا يدخلوا عرفات إلا بعد زوال الشمس، وبعد صلاتي الظهر والعصر جمعًا. اهـ ونَمِرَة: بفتح النون، وكسر الميم: موضعٌ بقرب عرفات خارج الحرم بين

стр. 2600

طرف الحرم وطرف عرفات. مسألة [٩٢]: قوله: فمكث قليلًا حتى طلعت الشمس . قال النووي ﵀ في «شرح مسلم» (٨/ ١٨٠): فيه أن السنة أن لا يخرجوا من منى حتى تطلع الشمس، وهذا متفقٌ عليه. انتهى. مسألة [٩٣]: قوله: فأتى بطن الوادي فخطب الناس . قال النووي ﵀ في «شرح مسلم» (٨/ ١٨١ - ١٨٢): هو وادي عُرنة، بضم العين، وفتح الراء، وبعدها نون، وليست عرنة من أرض عرفة عند الشافعي والعلماء كافة؛ إلا مالكًا، فقال: هي من عرفات. وقوله: «فخطب الناس» فيه استحباب الخطبة للإمام بالحجيج يوم عرفة في هذا الموضع، وهو سُنَّة باتفاق جماهير العلماء، وخالف فيها المالكية. اهـ مسألة [٩٤]: الجمع بين الصلاتين: الظهر والعصر، يوم عرفة . قوله: ثم أذن، ثم أقام، فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر. قال النووي ﵀ (٨/ ١٨٤ - ١٨٥): فيه أنه يُشرع الجمع بين الظهر والعصر هناك في ذلك اليوم، وقد أجمعت الأمة عليه. اهـ قلتُ: واختلفوا فيمن كان من مكة، أو جوارها بمسافة دون مسافة القصر، فذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أن من كان دون مسافة القصر؛ فلا يجمع، وهو قول الشافعي وأصحابه، وكذا الحنابلة، وعزاه الحافظ للجمهور.

стр. 2601

قال الحافظ ﵀: وعن مالك، والأوزاعي، وهو وجهٌ للشافعية أن الجمع بعرفة جمع للنسك؛ فيجوز لكل أحد، وروى ابن المنذر بإسناد صحيح عن القاسم ابن محمد: سمعت ابن الزبير يقول: إنَّ من سنة الحج أنَّ الإمام يروح إذا زالت الشمس يخطب، فيخطب الناس، فإذا فرغ من خطبته نزل فصلى الظهر والعصر جميعًا. اهـ قلتُ: واختاره ابن قدامة، ورجحه بكلام أقوى فقال: وليس بصحيح -يعني القول الأول- لأنَّ النبي ﷺ جمع، فجمع معه من حضره من المكيين وغيرهم، ولم يأمرهم بترك الجمع كما أمرهم بترك القصر حين قال: «أتموا؛ فإِنَّا سَفْرٌ» (١)، ولو حرم الجمع؛ لبيَّنَه لهم؛ إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، ولا يقر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- على الخطأ. ثم نقل الجمع عن عثمان، وابن الزبير (٢)، وعمر بن عبد العزيز. ثم قال: ولم يبلغنا عن أحد من المتقدمين خلاف في الجمع بعرفة، ومزدلفة، بل وافق عليه من لا يرى الجمع في غيره، والحق فيما أجمعوا عليه؛ فلا يعرج على

стр. 2602

غيره. اهـ (١) مسألة [٩٥]: من فاته الجمع مع الإمام، فهل يجمع منفردًا ؟ • ذهب عامة أهل العلم إلى أنَّ له أن يجمع منفردًا، ثبت ذلك عن ابن عمر، ﵄، كما في مصنف ابن أبي شيبة، وقال به عطاء، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وصاحبا أبي حنيفة. • وخالف النخعي، والثوري، وأبو حنيفة، فقالوا: لا يجمع، ويختص بمن صلَّى مع الإمام. وليس لهم دليل على تخصيص ذلك بالإمام، والله أعلم. (٢) مسألة [٩٦]: هل يقصر الصلاةَ الإمامُ ومن معه ؟ أما من كان مسافرًا سفرًا يوجب القصر؛ فيقصر الصلاة بغير خلاف عند أهل العلم. • واختلفوا فيمن كان من أهل مكة، فذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنهم لا يقصرون، بل إذا سلم الإمام وجب عليهم الإتمام، وهذا قول عطاء، ومجاهد، والزهري، وابن جريج، والثوري، والقطان، والشافعي، وأحمد، وأصحاب الرأي، وابن المنذر؛ لأنه يشترط في القصر أن يكون مسافرًا سفرًا يباح له فيه القصر.

стр. 2603

• وذهب القاسم، وسالم، ومالك، والأوزاعي إلى أنهم يقصرون، واختار هذا شيخ الإسلام، واعتمد على ذلك بأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- صلَّى بالناس ولم يأمرهم بالإتمام في هذا الموضع. وقوله: «أتموا؛ فإنا سَفر» هذا قاله في فتح مكة كما في حديث عمران بن حصين ﵁ في «سنن أبي داود». وقال شيخ الإسلام ﵀: هذه الواقعة تدل على أنه ليس هناك تحديد لأقل مسافة القصر. قلتُ: القول الثاني هو الراجح؛ لما ذكره شيخ الإسلام، وقد رجحه الإمام ابن باز، والإمام ابن عثيمين رحمة الله عليهما. (١) مسألة [٩٧]: الجمع بأذان وإقامتين . ظاهر الحديث -حديث جابر- أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- جمع بأذان وإقامتين، وجاء أيضًا عن أسامة ابن زيد في «الصحيحين» (٢)، وهذا القول هو الصحيح، وما جاء مخالفًا لهذا فهو مرجوح، وقد تقدم الكلام على المسألة في كتاب الأذان؛ فلتراجع من هنالك.

стр. 2604

مسألة [٩٨]: تعجيل الصلاة وتقصير الخطبة . في «صحيح البخاري» (١٦٦٠): أن سالمًا بن عبدالله بن عمر قال للحجاج: إن كنت تريد السنة؛ فأقصر الخطبة، وعجِّل الوقوف. فقال عبد الله: صدق. قال ابن عبد البر ﵀: هذا لا خلاف فيه بين علماء المسلمين. اهـ وقال النووي ﵀ في «المجموع»: إذا فرغوا من صلاتي الظهر، والعصر؛ فالسنة أن يسيروا في الحال إلى الموقف، ويعجلوا المسير، وهذا التعجيل مستحبٌّ بالإجماع. اهـ (١) مسألة [٩٩]: هل يغتسل إذا ذهب إلى الموقف ؟ استحبه جماعة من أهل العلم؛ لأنه مكان يجتمع فيه الناس، فاستحب الغسل كالجمعة، والعيدين، منهم: أحمد، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور، وابن المنذر، وصح ذلك عن ابن عمر كما في «موطإ مالك» (١/ ٣٢٢)، وصحَّ عن علي ﵁ كما في «سنن البيهقي» (٣/ ٢٧٨) أنه سُئِل عن الغسل؟ فقال: اغتسل كل يوم إن شئت. فقال: لا، الغسل الذي هو الغسل. فقال: يوم الجمعة، ويوم عرفة، ويوم النحر، ويوم الفطر. قلتُ: لم ينقل أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- اغتسل في ذلك اليوم، فمن وجد من نفسه ريحًا، أو أذى؛ استحب له الغسل؛ لما ذكره من تقدم من أهل العلم، وإن لم؛ فلا يستحب

стр. 2605

له ذلك، والله أعلم. (١) مسألة [١٠٠]: قوله: ثم ركب رسول الله ﷺ حتى أتى الموقف . قال الحافظ ﵀ في «الفتح» (١٦٦١): وَاخْتَلَفَ أَهْل الْعِلْمِ فِي أَيُّهُمَا أَفْضَل: الرُّكُوبُ، أَوْ تَرْكُهُ بِعَرَفَة؟ فَذَهَبَ الْجمْهُورُ إِلَى أَنَّ الْأَفْضَلَ الرُّكُوب؛ لِكَوْنِهِ ﷺ وَقَفَ رَاكِبًا، وَمِنْ حَيْثُ النَّظَر؛ فَإِنَّ فِي الرُّكُوبِ عَوْنًا عَلَى الِاجْتِهَادِ فِي الدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ الْمَطْلُوبِ حِينَئِذ، كَمَا ذَكَرُوا مِثْلَهُ فِي الْفِطْرِ، وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّ اِسْتِحْبَاب الرُّكُوب يَخْتَصُّ بِمَنْ يَحْتَاجُ النَّاس إِلَى التَّعْلِيمِ مِنْهُ، وَعَنْ الشَّافِعِيِّ قَوْل أَنَّهُمَا سَوَاء. اهـ قلتُ: الظاهر أنَّ الأفضل له ما كان أعون له وأحضر لقلبه، وخشوعه، وراحته، والله أعلم. (٢) مسألة [١٠١]: قوله: فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات . قال النووي ﵀ في «شرح مسلم» (٨/ ١٨٥): يُسْتَحَبّ أَنْ يَقِف عِنْد الصَّخَرَات الْمَذْكُورَات، وَهِيَ صَخَرَات مُفْتَرِشَات فِي أَسْفَل جَبَل الرَّحْمَة، وَهُوَ الْجبَل الَّذِي بِوَسَطِ أَرْض عَرَفَات، فَهَذَا هُوَ الْمَوْقِف الْمُسْتَحَب. اهـ ويجزئ الوقوف في جميع عرفة عند جميع أهل العلم؛ لحديث جابر في «صحيح مسلم» (١٢١٨) (١٤٩)، أن رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «وقفت ها هنا،

стр. 2606

وعرفة كلها موقف»، وحدُّ عرفة: من الجبل المشرف على عُرنة إلى الجبال المقابلة له مما يلي حوائط بني عامر. (١) مسألة [١٠٢]: هل يجزئ الوقوف بوادي عرنة ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٥/ ٢٦٧): وَلَيْسَ وَادِي عُرَنَةَ مِنْ الْمَوْقِفِ، وَلَا يُجْزِئُهُ الْوُقُوفُ فِيهِ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ مَنْ وَقَفَ بِهِ لَا يُجْزِئُهُ. وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يُهْرِيقُ دَمًا، وَحَجُّهُ تَامٌّ. وَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : «كُلُّ عَرَفَةَ مَوْقِفٌ، وَارْفَعُوا عَنْ بَطْنِ عُرَنَةَ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يَقِفْ بِعَرَفَةَ؛ فَلَمْ يُجْزِئْهُ، كَمَا لَوْ وَقَفَ بِمُزْدَلِفَةَ. اهـ قلتُ: الحديث: «ارفعوا عن بطن عرنة» جاء من حديث جبير بن مطعم عند أحمد (٤/ ٨٢) وغيره، وفي إسناده انقطاع واضطراب، وجاء من حديث جابر عند ابن ماجه (٣٠١٢)، وفي إسناده: القاسم بن عبد الله العمري، وهو متروك، وقد كُذِّب. وجاء من حديث ابن عباس، أخرجه ابن خزيمة (٢٨١٦)، والحاكم (١/ ٤٦٢)، والطحاوي في «مشكل الآثار» (١١٩٤)، والبيهقي (٥/ ١١٥)، كلهم من طريق: محمد بن كثير، ثنا سفيان بن عيينة، عن زياد بن سعد، عن أبي الزبير، عن أبي معبد، عن ابن عباس. وهذا إسنادٌ رجاله ثقات؛ إلا أبا الزبير؛ فإنه حسن الحديث، ومحمد بن كثير هو العبدي كما جاء مصرحًا بذلك عند ابن خزيمة،

стр. 2607

وقد أنكر بعضهم ذلك، وقال: هو الصنعاني؛ لأنَّ العبدي ليس له رواية عن ابن عيينة كما في «تهذيب الكمال». قلتُ: وهذا التعليل لا يكفي في ردِّ التصريح عند ابن خزيمة؛ لأنَّ «تهذيب الكمال» مع ما فيه من الفائدة الكبيرة؛ فإنه لم يستوعب كل ما هو موجود في كتب السنة، والله أعلم. ومع ذلك فله شواهد مرسلة، فقد أخرجه ابن أبي شيبة (٤/ ٣٢٧)، عن ابن عيينة، عن محمد بن المنكدر، وزيد بن أسلم، قالا: قال رسول الله ﷺ : «عرفة كلها موقف، وارتفعوا عن بطن عرنة». وأسند ابن أبي شيبة (٤/ ٣٢٨) بإسنادين صحيحين عن ابن الزبير، وابن عمر ﵃ أنهما قالا: عرفة كلها موقف؛ إلا بطن عرنة. فالصحيح قول الجمهور، وقد أنكر بعضهم صحة الخلاف عن مالك. (١) مسألة [١٠٣]: حكم الوقوف بعرفة . قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٥/ ٢٦٧): والوقوف ركنٌ لا يتم الحج إلا به إجماعًا. اهـ وقال النووي ﵀ في «المجموع» (٨/ ١٠٢ - ١٠٣): الوقوف بعرفات ركنٌ من أركان الحج، وهو أشهر أركان الحج؛ للأحاديث الصحيحة السابقة: «الحج

стр. 2608

عرفة»، وأجمع المسلمون على كونه ركنًا. اهـ قلتُ: والدليل على ذلك حديث عبدالرحمن بن يعمر الديلي عند أحمد، وأصحاب السنن، والبيهقي وغيرهم، قال: أتيت رسول الله ﷺ بعرفة، فجاءه نفر من أهل نجد، فقالوا: يا رسول الله، كيف الحج؟ قال: «الحج عرفة، فمن جاء قبل صلاة الفجر ليلة جمع؛ فقد تم حجه»، وفي رواية: «فمن أدرك ليلة جمع قبل أن يطلع الفجر؛ فقد أدرك» (١)، وقد صححه شيخنا في «الجامع الصحيح». وكذلك مثله حديث عروة بن المضرس، أنه أتى رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وهو بجمع، فقال: يا رسول الله، جئت من جبل طيء، أكللت راحلتي، وأتعبت نفسي، والله ما تركت من حَبْلٍ إلا وقفت عليه، فهل لي من حج؟ فقال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «من شهد صلاتنا هذه، ووقف معنا حتى ندفع، وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلًا، أو نهارًا؛ فقد تم حجه، وقضى تفثه». (٢) مسألة [١٠٤]: وقت الوقوف . أما آخر وقت الوقوف المجزئ فهو طلوع الفجر الصادق من يوم النحر، وهذا بلا خلاف عند أهل العلم. قال ابن قدامة ﵀: ودليله حديث عبد الرحمن بن يعمر، وعروة بن

стр. 2609

المضرس ﵄.اهـ، وقد تقدما في المسألة السابقة. وأما أول وقت الوقوف: • فذهب جمهور العلماء إلى أنَّ أوله بعد زوال الشمس؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وقف بعد الزوال، وكذلك الخلفاء بعده، ولم ينقل أنهم وقفوا قبل الزوال، وهو قول مالك، والشافعي، وأبي حنيفة، واختاره شيخ الإسلام. • وذهب أحمد وأصحابه إلى أنَّ أول وقته من طلوع الفجر؛ لحديث عروة بن المضرس: «ليلًا أو نهارًا»، والنهار يبدأ من طلوع الفجر. وأجاب الجمهور عنه: بأنه محمول على ما بعد الزوال؛ لفعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وأجاب الحنابلة بأنَّ ترك الوقوف قبل الزوال لا يمنع كونه وقتًا للوقوف كبعد العشاء، وإنما وقف النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وأصحابه وقت الفضيلة، ولم يستوعبوا جميع وقت الوقوف، وكما أن فعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وأصحابه لا يحدد وقت الوقوف من جهة الليل؛ فكذلك لا يحدده من جهة النهار. وهذا القول أقرب، والله أعلم، وهو اختيار الإمام ابن باز ﵀ كما في «مجموع فتاواه» (١٧/ ٢٦٠)، وصحح القول الأول الشيخ الإمام صالح الفوزان عافاه الله، كما في «الملخص الفقهي» (١/ ٤٣٢). (١) مسألة [١٠٥]: الدفع قبل غروب الشمس . • جمهور العلماء على أن حجَّه صحيح؛ لحديث عروة بن المضرس الذي تقدم

стр. 2610

ذكره، ففيه: «وقد وقف ليلًا، أو نهارًا». • وذهب مالك إلى أن حجَّه لا يصح حتى يقف شيئًا من الليل، واستدل له بحديث عبدالله بن عمر ﵄، عند الدارقطني مرفوعًا: «من أدرك عرفات بليل؛ فقد أدرك الحج، ومن فاته عرفات بليل؛ فقد فاته الحج؛ فليحل وعليه الحج من قابل»، رواه الدارقطني (٢/ ٢٤١)، وضعفه بـ (رحمة بن مصعب) فقال فيه: ضعيف، ولم يأت به غيره. اهـ وضعفَّه ابن معين كما في «الميزان». قلتُ: وعلى صحته؛ فليس فيه حجة لمذهب مالك؛ فإنَّ غاية ما فيه أن إدراك الحج بإدراك الوقوف بعرفة، ولو في الليل، وهذا لا يعارض فيه أحد كما تقدم، والله أعلم. (١) مسألة [١٠٦]: هل عليه دمٌ إذا دفع قبل الغروب ؟ • ذهب أحمد، وأبو حنيفة -وهو قول الشافعية- إلى أن عليه دمًا؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وقف حتى غربت الشمس، وقال: «خذوا عني مناسككم»؛ فوجب الوقوف إلى ذلك الحد، ومن تركه؛ فعليه دمٌ. • والأصح عند الشافعية أنه لا يلزمه دمٌ؛ لحديث عروة بن المضرس المتقدم، وهذا القول هو الصواب، ولا دليل على إلزامه بالدم، بل ليس لنا دليل على تأثيمه

стр. 2611

بعد حديث عروة، والله أعلم. (١) تنبيه: الخلاف في المسألة السابقة فيما إذا لم يعد، أما إذا عاد فأتم الوقوف؛ فالشافعي، وأحمد، ومالك على أنه ليس عليه دمٌ، وذهب الكوفيون، وأبو ثور إلى أنه عليه دمٌ. مسألة [١٠٧]: لو وقف بعرفات وهو لا يعلم أنها عرفات . قال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٨/ ١١٨): مذهبنا صحة وقوفه، وبه قال مالك، وأبو حنيفة، وحكى ابن المنذر عن بعض العلماء أنه لا يجزئه. اهـ قلتُ: والقول بالإجزاء هو مذهب الحنابلة أيضًا كما في «المغني» (٥/ ٢٧٥)، ويدل عليه حديث عروة بن المضرس ﵁، وقد تقدم لفظه. (٢) مسألة [١٠٨]: لو وقف بعرفة وهو مغمى عليه، أو مجنون ؟ • ذهب أكثر أهل العلم إلى عدم الإجزاء، وهو مذهب الحسن، والشافعي، وأبي ثور، وأحمد، وإسحاق، وابن المنذر، وابن حزم ﵏؛ لأنهما فاقدا العقل. • وذهب مالك، وأصحاب الرأي إلى أن المغمى عليه يجزئه؛ تشبيهًا له بالنائم. والقول الأول أقرب؛ لأنَّ النائم غير فاقد الشعور؛ فإنه إذا نُبِّه انتبه، بخلاف

стр. 2612

المغمى عليه، والله أعلم. (١) مسألة [١٠٩]: هل يشترط الطهارة للوقوف بعرفة ؟ أجمع أهل العلم على عدم الاشتراط، نقل ذلك الإجماع ابن المنذر، ويدل عليه قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لعائشة ﵂: «افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري» متفق عليه. (٢) مسألة [١١٠]: إذا أخطأ الناس فوقفوا في غير يوم عرفة ؟ أما إذا كان الخطأ عندهم جميعًا؛ فإنه يجزئهم عند أهل العلم؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «الفطر يوم يفطر الناس، والأضحى يوم يضحِّي الناس». (٣) وأما إذا أخطأ جماعةٌ منهم؛ فلا يجزئهم؛ لأنهم غير معذورين، ذكر ذلك ابن قدامة ﵀، والذي تقدم فيما إذا غُمَّ عليهم، فوقفوا في اليوم العاشر، وأما إذا شهد فساقٌ -جُهِلَ حالهم- بأنهم رأوا الهلال وكذبوا، فوقف الناس في اليوم الثامن، فنقل النووي في «المجموع» أنَّ الأصح عند الشافعية، ومذهب مالك، وأحمد أنه لا يجزئهم، وعزاه أيضًا للحنفية. قلتُ: والمعروف في مذهب أحمد أنه يجزئ، ولو كان الخطأ في اليوم الثامن وهو مذهب جماعة من الشافعية، وهو الصحيح بدون شك؛ للحديث

стр. 2613

السابق، والله أعلم. وإذا رأى الهلالَ بعضُ الناس، فلم يؤخذ بشهادتهم؛ فعليهم أن يقفوا مع الناس عند الحنابلة، وخالف الشافعية، وهو وجهٌ عند الحنابلة، فقالوا: يقف في اليوم الذي يوافق حسابه، وهو اليوم الثامن، ثم يقف مع الناس في اليوم التاسع، ولو اقتصروا على الوقوف مع الناس لم يجزئهم؛ لأنهم لا يعتقدونه يوم عرفة، وهذا مذهب ابن حزم، وأسنده عن سالم بن عبد الله بإسناد صحيح، وهو الصواب، والله أعلم. (١) مسألة [١١١]: التعريف بغير عرفة . • ومعناه: اجتماعهم يوم عرفة في المساجد بعد العصر للذكر والدعاء، وقد فعله الحسن، وبكر، وثابت، ومحمد بن واسع، وقال أحمد: لا بأس به. ورواه الحسن عن ابن عباس كما في «مصنف ابن أبي شيبة»، والحسن لم يسمع من ابن عباس؛ فالأثر لا يصح عن ابن عباس. • وصرَّح جماعةٌ من أهل العلم بأنَّ ذلك من البدع، كالحكم، وحماد، والنخعي، وكرهه نافع، ومالك وغيرهما، وعدَّه الطرطوشي من البدع، وهو الصواب، والله أعلم. (٢)

стр. 2614

مسألة [١١٢]: قوله: ويقول بيده اليمنى: «يا أيها الناس، السكينة، السكينة» . فيه الأمر بلزوم السكينة في المشي، وعدم الإسراع المفضي إلى الازدحام والأذية. وفي «البخاري» (١٦٧١)، عن ابن عباس ﵄ أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال في هذا الموضع: «عليكم بالسكينة؛ فإنَّ البر ليس بالإيضاع». ولا بأس بشيءٍ من الإسراع إذا وجد فراغًا أمامه، ففي حديث أسامة بن زيد في «الصحيحين» (١) أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يسير العَنَقَ، فإذا وجد فجوة نَصَّ. والعَنَق: سير معتدل، والنَّصُّ: فوق ذلك. مسألة [١١٣]: الجمع بين صلاتي المغرب والعشاء في المزدلفة . قوله: «حتى أتى المزدلفة، فصلى بها المغرب والعشاء». نقل ابن المنذر، وابن قدامة، والنووي الإجماع على أنَّ من السنة تأخير المغرب حتى تجمع مع العشاء بمزدلفة؛ لفعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- الذي دلَّ عليه حديث جابر المتقدم، وجاء عن غيره من الصحابة كما في «الصحيحين» (٢). (٣)

стр. 2615

مسألة [١١٤]: هل يجوز أن يجمع قبل أن يصل إلى المزدلفة جمع تقديم ؟ • ذهب جمهور العلماء إلى أن صلاته تصح مع الكراهة؛ لأنه صلاهما في وقتهما. قال النووي ﵀: هذا مذهبنا، وبه قال جماعات من الصحابة والتابعين، وقاله الأوزاعي، وأبو يوسف، وأبو أشهب، وفقهاء أصحاب الحديث. اهـ • وذهب أبو حنيفة، وجماعة من الكوفيين إلى أنه يشترط أن يصليهما بالمزدلفة، ولا يجوز قبلها، وهو قول ابن حزم الظاهري. واستدل بحديث أسامة بن زيد أنه قال للنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في الطريق: أتصلي يا رسول الله؟ فقال: «الصلاة أمامك» (١) يعني بالمزدلفة. • وقال مالك: لا يجوز الجمع في الطريق إلا من عذرٍ، بشرط أن يكون بعد مغيب الشفق. والصواب هو قول الجمهور، والله أعلم. وحديث: «الصلاة أمامك» لا يدل على أنَّ الصلاة لا تجزئ إلا بالمزدلفة وقد يتأخر إنسان بعرفة ويخشى خروج وقت العشاء فيلزمه أن يصلي، والله أعلم. (٢) مسألة [١١٥]: هل يجزئه أن يصلي المغرب قبل أن يأتي المزدلفة ؟ • ذهب الجمهور إلى أنها تصح وقد خالف السنة، وهو قول عطاء، وعروة، والقاسم، وسعيد بن جبير، وأحمد، ومالك، والشافعي، وإسحاق، وأبي ثور،

стр. 2616

وأبي يوسف، وابن المنذر وغيرهم؛ لأنه صلاها في وقتها. • وقال أبو حنيفة، والثوري، وابن حزم: لا تجزئه؛ لحديث: «الصلاة أمامك». والصواب قول الجمهور، وقد تقدم الجواب عليهم، والله أعلم. (١) مسألة [١١٦]: من فاته الجمع مع الإمام، فهل يجمع منفردًا ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٥/ ٢٨٠): يجمع منفردًا كما يجمع الإمام، ولا خلاف في هذا؛ لأن الثانية منهما تُصلَّى في وقتها. اهـ مسألة [١١٧]: قوله: ولم يُسَبِّح بينهما شيئًا . قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٥/ ٢٨١): والسنة أن لا تطوع بينهما، قال ابن المنذر: لا أعلمهم يختلفون في ذلك، وقد رُوي عن ابن مسعود أنه تطوع بينهما، ورواه عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ولنا: حديث أسامة، وابن عمر، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يُصَلِّ بينهما، وحديثهما أصح. اهـ قلتُ: حديث ابن عمر، وأسامة في «الصحيحين» (٢)، ووافقها حديث جابر الذي في الباب، فلا شكَّ أنَّ هذه الأحاديث أرجح من حديث ابن مسعود ﵁ الذي انفرد به البخاري (١٦٧٥)، والله أعلم.

стр. 2617

مسألة [١١٨]: المبيت بمزدلفة . قوله: «ثم اضطجع رسول الله ﷺ حتى طلع الفجر». • فيه أنَّ المبيت في تلك الليلة يكون بالمزدلفة، واختلف الفقهاء في حكم ذلك المبيت على أقوال: القول الأول: أنَّ المبيت بها ركنٌ من أركان الحج، وهو مذهب علقمة، والنخعي، والشعبي، والأسود، والحسن، وبعض الشافعية، وعزاه ابن القيم إلى الأوزاعي، وحماد، وداود، وأبي عبيد، وابن جرير، وابن خزيمة. واستدلوا بحديث عروة بن المضرس، وفيه: «من شهد معنا صلاتنا هذه، ووقف معنا حتى ندفع، وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلًا، أو نهارًا؛ فقد تم حجه» (١)، فمفهومه أنَّ من لم يقف بالمزدلفة؛ فحجه غير تام. ومال إلى هذا القول ابن القيم ورجَّحه ابن حزم، واختاره الشيخ الألباني ﵀. القول الثاني: أنَّ المبيت واجبٌ، وليس بركنٍ، وهذا قول عطاء، والزهري، وقتادة، والثوري، وأحمد، والشافعي، وإسحاق، وأبي ثور، وأصحاب الرأي وعزاه بعضهم إلى الجمهور. واستدلوا بالحديث السابق، حديث عروة ﵁، وبحديث ابن عمر ﵄ في «الصحيحين» (٢) أنه كان يقدم ضَعَفَةَ أهله من المزدلفة إلى منى بالليل، ويقول:

стр. 2618

أرخص لأولئك رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. واستدلوا بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «خذوا عني مناسككم». القول الثالث: أنَّ المبيت سنة، وهو وجهٌ عند الشافعية، وعزاه الحافظ في «الفتح» لعطاء، والأوزاعي، وقالوا: إنما هو منزلٌ مَنْ شَاَء نَزَلَه، ومن شاء لم ينزل. وأخرج الطبري من حديث عبدالله بن عمرو ﵄ مرفوعًا: «إنما جمع منزل لدلج المسلمين»، قال الحافظ: وسنده فيه ضعف. قلتُ: هذه المسألة قوية الخلاف، والقولان الأولان أقرب، وأقربهما القول الثاني، وهو ترجيح الإمام ابن باز، والإمام ابن عثيمين رحمة الله عليهما؛ لما تقدم من الأدلة، وحديث عروة بن المضرس ﵁ ظاهره كما قال أهل القول الأول، ولكن في حديث عبد الرحمن بن يعمر -وقد تقدم-: «الحج عرفة، فمن أدرك ليلة جمع قبل صلاة الفجر؛ فقد أدرك»، ومعلومٌ أنَّ من لم يقف إلا قبل طلوع الفجر بيسير؛ فإنه لا يدرك المبيت بمزدلفة، وهذا يدل على أنه ليس ركنًا من أركان الحج، وأنه يعذر من تركه لعذرٍ كمن تأخر، وعلى هذا فيكون قوله في حديث عروة: «فقد تم حجه» يدل على أنَّ من لم يقف بمزدلفة متعمدًا بغير عذر؛ فحجه ناقص، ولا يبطل، وقد ألزمه القائلون بالوجوب بدمٍ؛ ليجبر النقص، ويشمله قول ابن عباس ﵄، المتقدم: (من ترك نسكًا؛ فعليه دم)، والله أعلم. (١) تنبيه: ليس المقصود عند أهل العلم بإيجاب المبيت أنه يلزمه أن ينام،

стр. 2619

وإنما مقصودهم أنه يلزمه أن يمكث تلك الليلة بمزدلفة، والتعبير بـ (المبيت بالمزدلفة) يشمل من مكث ليلًا فيها، سواء نام، أم لم ينم. مسألة [١١٩]: قوله: ثم اضطجع رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- حتى الفجر . السُّنَّةُ عند أهل العلم أن ينام الحاج في هذه الليلة كما فعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. مسألة [١٢٠]: متى يجوز للحاج أن يدفع من المزدلفة ؟ • في هذه المسألة أقوال: الأول: يجوز الدفع بعد نصف الليل؛ فإن وصل قبل نصف الليل مكث إلى نصفه، وإن وصل بعد نصف الليل مكث يسيرًا، ثم جاز له الدفع، وهو مذهب أحمد، والشافعي، واستدلوا بإذنه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- للضعفة أن يدفعوا من الليل كما في «الصحيحين» عن جماعة من الصحابة، وفيهما عن أسماء بنت أبي بكر أنها تَحرَّت غروب القمر في تلك الليلة، فلما غاب القمر دفعت إلى منى، فرمت الجمرة، ثم صلت في منزلها بمنى، فقال مولاها: لقد غلَّسنا. قالت: كلا، أي بني، إنَّ النبي ﷺ أذن للظعن. (١) ومغيب القمر في تلك الليلة يكون قريبًا من ثلث الليل الآخر. الثاني: قال مالك: إن نزل فيها ولو يسيرًا؛ أجزأه، وإن مرَّ مرورًا؛ فلا يجزئه وعليه دمٌ. الثالث: لا يجوز الدفع قبل طلوع الفجر إلا للنساء والضعفة، وهو قول أبي

стр. 2620

حنيفة، وابن حزم، والشوكاني، وهو ظاهر اختيار شيخ الإسلام؛ إلا أنَّ الشوكاني، وشيخ الإسلام يريان وجوب الوقوف بمزدلفة حتى يسفر جدًّا كما في الحديث. وهذا القول أقرب الأقوال؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إنما رخص للضعفة كما في حديث ابن عمر في «الصحيحين» أنه كان يقدم ضعفة أهله ويقول: أرخص لأولئك رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. فدل على أن غيرهم لا رخصة لهم في الدفع قبل الفجر؛ لحديث عروة بن المضرس، وقد تقدم لفظه. ويدل على ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:١٩٨]، وقد بين النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بفعله هذا الأمر الذي أمرنا الله به، وما وقع بيانًا لواجب؛ فهو واجب. فإن دفع قبل طلوع الفجر؛ فسد حجُّه عند ابن حزم، وعليه دم عند أبي حنيفة، ويأثم عند الشوكاني وحجُّه صحيح، وهو الصواب، والله أعلم. (١) وَأَمَّا تَقَدُّمُ الضَّعَفَةِ مِنَ الَّليل؛ فهو مباحٌ عند عامة أهل العلم، وقال ابن قدامة في «المغني» (٥/ ٢٨٦): لا نعلم في ذلك خلافًا، ولكن قيَّد الشافعية، والحنابلة جواز تقدمهم من المزدلفة عقب نصف الليل. قال ابن القيم ﵀ في «زاد المعاد» (٢/ ٢٥٢): والذي دلَّت عليه السنة إنما هو التعجيل بعد غيبوبة القمر، لا نصف الليل، وليس مع من حده بالنصف دليل، والله أعلم. اهـ

стр. 2621

مسألة [١٢١]: قوله: وصلى الفجر حين تبين له الصبح . فيه أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- صلى الفجر بعد تبين الصبح، وقد أخرج الشيخان (١) عن ابن مسعود ﵁: أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- صلاها قبل وقتها بغلس. وعند البخاري (١٦٨٣)، عن ابن مسعود ﵁، أنه صلاها، وقائلٌ يقول: قد طلع الفجر. وقائل يقول: لم يطلع الفجر. والجمع بين هذه الأحاديث: أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عجل بصلاة الصبح ذلك اليوم في أول وقتها، ولم ينتظر حتى يتبين الصبح كما يتبين في سائر الأيام، ولهذا استحب أهل العلم تعجيل الصلاة في هذا اليوم. (٢) مسألة [١٢٢]: حكم الصلاة مع الإمام في صلاة الصبح . • تفرد ابن حزم ﵀ بإيجاب الصلاة مع الإمام في صلاة الصبح، قال: ومن لم يصل مع الإمام في تلك الفريضة؛ فلا يصح حجُّه. • وخالفه أهل العلم في ذلك، ونقل الطحاوي، وابن قدامة الإجماع على عدم وجوب الصلاة مع الإمام، وعلى الإجزاء إذا صلاها وحده بعد انتهاء الإمام. وحُجَّةُ ابن حزم هو حديث عروة بن المضرس ﵁، وقد تقدم: «من شهد صلاتنا هذه -يعني بمزدلفة- وقد وقف قبل ذلك بعرفة ... » الحديث. والجواب عنه: أنه يُحمل على أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أراد بقوله: «فقد تم حجه»، أي:

стр. 2622

من وقف؛ لأنَّ السؤال كان على الوقوف، ولحديث عبد الرحمن بن يعمر عند أبي داود (١٩٤٩)، والترمذي (٨٨٩)، وغيرهما بإسناد صحيح أن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «الحج عرفة، من جاء قبل طلوع الفجر من ليلة جمع؛ فقد أدرك الحج»؛ فإنه يدل على إدراك الحج بإدراك أدنى وقت قبل طلوع الفجر، ومن فعل ذلك فإنه لا يدرك الصلاة مع الإمام بمزدلفة. (١) مسألة [١٢٣]: الوقوف في المشعر الحرام . قوله: «حتى أتى المشعر الحرام». المشعر الحرام الذي وقف عليه النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- هو (جبل قزح)، وعليه المسجد المبني في هذا اليوم. ويصح الوقوف في جميع مزدلفة، ويطلق عليها كلها المشعر الحرام؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «وقفت هاهنا وجمع كلها موقف» أخرجه مسلم (١٢١٨) (١٤٩)، عن جابر ﵁. • واختلف نقل أهل العلم في الوقوف في المشعر الحرام: فمنهم من يجعل الخلاف فيه كالخلاف في المبيت بمزدلفة، كالحافظ ابن حجر ﵀، فقد قال في «الفتح» (١٦٧٦) في سياق كلامه عن المشعر الحرام: وَقَدْ اِخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَكَانَ بَعْضهمْ يَقُولُ: وَمَنْ مَرَّ بِمُزْدَلِفَة فَلَمْ يَنْزِلْ بِهَا؛ فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَمَنْ نَزَلَ بِهَا، ثُمَّ دَفَعَ مِنْهَا فِي أَيِّ وَقْتٍ كَانَ مِنْ اللَّيْلِ؛ فَلَا دَمَ

стр. 2623

عَلَيْهِ، وَلَوْ لَمْ يَقِفْ مَعَ الْإِمَامِ. وَقَالَ مُجَاهِد، وقَتَادَة، وَالزُّهْرِيّ، وَالثَّوْرِيّ: مَنْ لَمْ يَقِفْ بِهَا؛ فَقَدْ ضَيَّعَ نُسُكًا وَعَلَيْهِ دَم. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَة، وَأَحْمَد، وَإِسْحَاق، وَأَبِي ثَوْر، وَرُوِيَ عَنْ عَطَاء، وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيّ لَا دَمَ عَلَيْهِ مُطْلَقًا، وَإِنَّمَا هُوَ مَنْزِلٌ مَنْ شَاءَ نَزَلَ بِهِ وَمَنْ شَاءَ لَمْ يَنْزِلْ بِهِ. وَذَهَب اِبْن بِنْت الشَّافِعِي، وَابْن خُزَيْمَة إِلَى أَنَّ الْوُقُوفَ بِهَا رُكْن لَا يَتِمُّ الْحَجُّ إِلَّا بِهِ، وَأَشَارَ اِبْن الْمُنْذِر إِلَى تَرْجِيحِهِ، وَنَقَلَهُ اِبْن الْمُنْذِر عَنْ عَلْقَمَةِ، وَالنَّخَعِيّ. انتهى المراد. وكذلك ابن القيم حيث قال في «زاد المعاد» (٢/ ٢٥٣) -بعد أن ذكر حديث عروة بن المضرس-: وبهذا احتج من ذهب إلى أنَّ الوقوف بمزدلفة، والمبيت بها ركنٌ. اهـ ثم نقل ذلك عمن تقدم ذكرهم أنهم يقولون بركنية المبيت. بينما نصَّ النووي في «شرح المهذب» (٨/ ١٥١) أنَّ الوقوف على المشعر الحرام مستحبٌّ. فقال ﵀: مذهبنا أنه يُستحب أن يقف بعد صلاة الصبح على قزح، ولا يزال واقفا به يدعو ويذكر حتى يسفر الصبح جدًّا، وبه قال ابن مسعود، وابن عمر، وأبو حنيفة، وجماهير العلماء، قال ابن المنذر: وهو قول عامة العلماء غير مالك؛ فإنه كان يرى أن يدفع منه قبل الإسفار، دليلنا: حديث جابر السابق وهو صحيح. اهـ فظاهر هذا النقل أنه كان يرى أنَّ الوقوف على المشعر الحرام مستحبٌّ عند

стр. 2624

الجمهور، وهو ظاهر صنيع ابن قدامة في «المغني» (٥/ ٢٨٢)؛ فإنه لم ينص على وجوبه، بل نص على وجوب المبيت بمزدلفة، ثم ذكر أنه يقف في المشعر الحرام، وظاهر كلامه أنه على سبيل الاستحباب. وقد نقل عبدالعزيز بن محمد الكناني الشافعي ﵀ عن أصحاب المذاهب الأربعة القول بأنه سنة، ومستحب، كما في كتابه «هداية السالك إلى المذاهب الأربعة في المناسك». قال أبو عبد الله غفر الله له: لا إشكال بحمد الله بين كلام أهل العلم؛ فمن جعل هذا الخلاف كالخلاف في المبيت بمزدلفة؛ فمقصودهم بالوقوف في المشعر الحرام: هو الوقوف بمزدلفة مطلقًا، وهو المبيت، ومن قال باستحباب الوقوف على المشعر الحرام؛ فمقصودهم: الوقوف بعد الفجر حتى يسفر، وهذا الوقوف عندهم زائد على المبيت الواجب؛ لأنهم -كما تقدم- يقولون بوجوب المبيت إلى نصف الليل، وبعضهم يقول: حتى يطلع الفجر، والصحيح كما تقدم أنه يجب عليه الوقوف بمزدلفة حتى يسفر، والله أعلم. وقد أوجب ابن حزم ﵀ المبيت، والوقوف، ولا يصح الحج عنده إلا بهما. مسألة [١٢٤]: قوله: فاستقبل القبلة، فدعا الله، وكبره، وهلله، ووحده . • فيه استحباب ذكر الله عند المشعر الحرام؛ امتثالًا لأمر الله به في قوله: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾،

стр. 2625

ونقل الطحاوي الإجماع على أنَّ الوقوف يجزئ بغير ذكر الله ، وأنَّ الذكر ليس من واجبات الحج، كما في «الفتح» (١٦٧٦). • وذهب الشوكاني ﵀ كما في «وبل الغمام» (١/ ٥٥١) إلى وجوب هذا الذكر، واستدل بالآية: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ مع فعله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. قلتُ: ذكرُ الله المأمور به في الآية يقع بصلاة المغرب، والعشاء، والفجر بمزدلفة، وكذلك بذكر الله بعد الفجر حتى يسفر، وكذلك بأي ذكر وقع في تلك الليلة؛ فالذي يظهر -والله أعلم- هو وجوب الذكر في الجملة، وبالله التوفيق. مسألة [١٢٥]: قوله: فلم يزل واقفًا حتى أسفر جدًّا . • أخذ بظاهر ذلك الجمهور، فقالوا: يُستحبُّ الإسفار كما فعل رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وخالف مالك، فقال: يدفع قبل أن يُسفر. وأوجب شيخ الإسلام، والشوكاني الوقوف حتى يسفر، وهو الصواب؛ لحديث عروة بن المضرس «من شهد معنا صلاتنا هذه -يعنى بمزدلفة-، ووقف معنا حتى ندفع، وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلًا، أو نهارًا؛ فقد تم حجه، وقضى تفثه» (١)، والله أعلم. (٢) مسألة [١٢٦]: قوله: فدفع قبل أن تطلع الشمس . وكان ذلك مخالفةً للمشركين؛ فإنهم كانوا في الجاهلية يدفعون بعد طلوع

стр. 2626

الشمس، ففي «البخاري» (١٦٨٤)، عن عمر ﵁ أنه صلى الصبح بجمع، ثم وقف، فقال: «إنَّ المشركين كانوا لا يفيضون حتى تطلع الشمس، ويقولون: أشرق ثبير. وإنَّ النبي ﷺ خالفهم، ثم أفاض قبل أن تطلع الشمس» ومن لم يدرك الوقوف حتى طلعت الشمس فاته الوقوف بالإجماع. نقله الطبري كما في «الفتح» (١٦٨٤). مسألة [١٢٧]: قوله: حتى أتى بطن محسر، فحرك قليلًا . قال النووي ﵀: أَمَّا مُحَسِّر: فَبِضَمِّ الْمِيم، وَفَتْح الْحَاء، وَكَسْر السِّين الْمُشَدَّدَة الْمُهْمَلَتَيْنِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّ فِيل أَصْحَاب الْفِيل حُسِرَ فِيهِ، أَيْ: أُعْيِيَ وَكَّلَ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ [الملك:٤]، وَأَمَّا قَوْله: «فَحَرَّكَ قَلِيلًا»، فَهِيَ سُنَّة مِنْ سُنَن السَّيْر فِي ذَلِكَ الْمَوْضِع. قَالَ أَصْحَابنَا: يُسْرِع الْمَاشِي، وَيُحَرِّك الرَّاكِب دَابَّته فِي وَادِي مُحَسِّر، وَيَكُون ذَلِكَ قَدْر رَمْيَة حَجَر. وَاَللهُ أَعْلَم. اهـ قلتُ: الإسراع في هذا الوادي سنة عند أهل العلم، وهو بين المزدلفة ومنى، فحدود مزدلفة من جهة منى: (وادي مُحسِّر)، وليس هو منها، ومن جهة عرفة: (وادي عرنة)، وليس هو منها، وحدود منى من جهة المزدلفة: (وادي محسر)، وليس هو منها، وحدود منى من جهة مكة: (جمرة العقبة)، وليست من منى، ولا من مكة. (١)

стр. 2627

مسألة [١٢٨]: قوله: ثم سلك الطريق الوسطى . قال النووي ﵀ في «شرح مسلم» (٨/ ١٩٠): فيه أنَّ سلوك هذا الطريق في الرجوع من عرفات سنة، وهو غير الطريق الذي ذهب فيه إلى عرفات، وهذا معنى قول أصحابنا: يذهب إلى عرفات في طريق ضب، ويرجع في طريق المأزمين. اهـ مسألة [١٢٩]: قوله: حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة . قال النووي ﵀: فيه أنَّ السنة للحاج إذا دفع من مزدلفة، فوصل منى أن يبدأ بجمرة العقبة، ولا يفعل شيئًا قبل رميها، ويكون ذلك قبل نزوله. اهـ مسألة [١٣٠]: قوله: فرماها بسبع حصيات . فيه أنَّ الواجب أن يرمي بسبع حصيات؛ لفعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- الذي وقع بيانًا لأمره -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بالرمي في قوله: «ارم ولا حرج» (١)، وقوله: «بمثل هؤلاء فارموا» (٢)، وهذا قول الجمهور، ورواية عن أحمد. • واختلف أهل العلم فيما إذا نقص حصاة، أو حصاتين ونحوها ناسيًا، أو متعمدًا على أقوال: فمنهم من قال: لا بأس في ذلك، وهو قول مجاهد، ونقل عن سعد بن أبي وقاص أنه قال: رجعنا في الحجة التي حججناها مع رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فمن قائل يقول: رمينا بست. ومن قائل: رمينا بسبع. ولا يعيب بعضنا على بعض. أخرجه النسائي (٥/ ٢٧٥)، وهو حديث ضعيفٌ؛ لانقطاعه بين مجاهد وسعد.

стр. 2628

وجاء هذا القول عن أبي حبة الأنصاري، وابن عمر كما في «المحلى»، وهو ثابت عنهما، وهو قول أحمد، وإسحاق فيمن رمى بست. ومنهم من قال: إن ترك حصاة؛ فعليه تمرة، أو القيمة، وهو قول طاوس. ومنهم من قال: عليه بالحصا طعام مسكين نصف صاع حنطة، وهو قول أبي حنيفة. ومنهم من قال: إن نسي الحصا؛ فعليه دمٌ؛ فإن ترك السبع؛ فعليه بدنة، وهو قول مالك. ومنهم من قال: عليه بالحصا طعام؛ فإن بلغت ثلاثًا؛ فعليه دمٌ، وهو قول الشافعي. ومنهم من قال: يرجع ويتم ما بقي، وهو قول ابن عمر (١)، ومحمد بن الحنفية، وابن حزم، وهو الأقرب إلى الصواب، ومن ترك متعمدًا فلم يتم حتى سافر؛ فيأثم، وحجُّه صحيح، والله أعلم. (٢) مسألة [١٣١]: حكم رمي جمرة العقبة . • ذهب جمهور العلماء إلى أنها واجبة، وليست بركن، واستدلوا بأمر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بقوله: «بمثل هؤلاء فارموا»، وقوله: «ارم ولا حرج». • وذهب عبد الملك بن الماجشون، وابن حزم إلى أنها ركنٌ لا يصح الحج إلا بها، ونقله ابن حزم عن الزهري، وعن أصحابه الظاهرية، واستدلوا بنفس الأدلة

стр. 2629

السابقة. ورجَّح الإمام ابن باز، والإمام ابن عثيمين القول الأول، والله أعلم. (١) مسألة [١٣٢]: قوله: يكبر مع كل حصاة . فيه استحباب التكبير عند رميه لكل حصاة. قال الحافظ ﵀ في «الفتح» (١٧٥٠): وفيه التكبير عند رمي حصى الجمار، وأجمعوا على أنَّ من لم يكبر؛ فلا شيء عليه. اهـ مسألة [١٣٣]: هل يجزئ رميها مرة واحدة ؟ استدل أهل العلم بقوله: «يكبر مع كل حصاة» أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- رماها متوالية، ولم يرمها دفعة واحدة. • واختلفوا في الإجزاء إذا رماها دفعة واحدة: فذهب أكثر العلماء إلى أنه لا تقع إلا رمية واحدة، وهو قول أحمد، ومالك، والشافعي وغيرهم، وقال عطاء: تجزئه. وقال أبو حنيفة: تجزئه إن سقطت الأحجار متوالية، وإلا فلا تجزئه. وقول الجمهور أقرب؛ لأنَّ فعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وقع بيانًا لأمره المتقدم برمي الجمار، والله أعلم. (٢)

стр. 2630

مسألة [١٣٤]: قوله: مثل حصى الخذف . قال النووي ﵀ في «المجموع» (٨/ ١٨٣): مذهبنا استحباب كون الحصى قدر حصى الخذف، وبه قال جمهور العلماء من السلف والخلف، منهم: ابن عمر، وجابر، وابن عباس، وابن الزبير (١)، وطاوس، وعطاء، وسعيد بن جبير، وأبو حنيفة، وأبو ثور، قال ابن المنذر: ولا معنى لقول مالك: أكبر من ذلك قليلًا أعجب إليَّ. لأنَّ النبي ﷺ سنَّ الرمي بمثل حصى الخذف؛ فاتباع السنة أولى. اهـ مسألة [١٣٥]: هل يجزئه الرمي بالحجار الكبيرة ؟ • في حديث جابر ﵁ الذي في الباب: «مثل حصى الخذف»، وفي حديث الفضل بن عباس ﵄ في «صحيح مسلم» (١٢٨٢): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «عليكم بحصى الخذف الذي يرمى به الجمرة»، وفي حديث ابن عباس ﵄ عند أحمد (١٨٥١)، وغيره بإسناد صحيح أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال له: «القط لي حصيات هن حصى الخذف»، ثم قال: «بمثل هؤلاء فارموا، وإياكم والغلو؛ فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو»، فأخذ بظاهر هذه الأحاديث أحمد، وابن حزم، فقالا: لا يجزئ الرمي بالحجار الكبيرة التي لا يطلق عليها حصى؛ لأنه منهي عنه ذلك، وفي الحديث: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا؛ فهو ردٌّ».
следующие страницы →