الشمس، ففي «البخاري» (١٦٨٤)، عن عمر ﵁ أنه صلى الصبح بجمع، ثم وقف، فقال: «إنَّ المشركين كانوا لا يفيضون حتى تطلع الشمس، ويقولون: أشرق ثبير. وإنَّ النبي ﷺ خالفهم، ثم أفاض قبل أن تطلع الشمس» ومن لم يدرك الوقوف حتى طلعت الشمس فاته الوقوف بالإجماع. نقله الطبري كما في «الفتح» (١٦٨٤).
مسألة [١٢٧]: قوله: حتى أتى بطن محسر، فحرك قليلًا .
قال النووي ﵀: أَمَّا مُحَسِّر: فَبِضَمِّ الْمِيم، وَفَتْح الْحَاء، وَكَسْر السِّين الْمُشَدَّدَة الْمُهْمَلَتَيْنِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّ فِيل أَصْحَاب الْفِيل حُسِرَ فِيهِ، أَيْ: أُعْيِيَ وَكَّلَ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ [الملك:٤]، وَأَمَّا قَوْله: «فَحَرَّكَ قَلِيلًا»، فَهِيَ سُنَّة مِنْ سُنَن السَّيْر فِي ذَلِكَ الْمَوْضِع. قَالَ أَصْحَابنَا: يُسْرِع الْمَاشِي، وَيُحَرِّك الرَّاكِب دَابَّته فِي وَادِي مُحَسِّر، وَيَكُون ذَلِكَ قَدْر رَمْيَة حَجَر. وَاَللهُ أَعْلَم. اهـ
قلتُ: الإسراع في هذا الوادي سنة عند أهل العلم، وهو بين المزدلفة ومنى، فحدود مزدلفة من جهة منى: (وادي مُحسِّر)، وليس هو منها، ومن جهة عرفة: (وادي عرنة)، وليس هو منها، وحدود منى من جهة المزدلفة: (وادي محسر)، وليس هو منها، وحدود منى من جهة مكة: (جمرة العقبة)، وليست من منى، ولا من مكة. (١)
стр. 2627
مسألة [١٢٨]: قوله: ثم سلك الطريق الوسطى .
قال النووي ﵀ في «شرح مسلم» (٨/ ١٩٠): فيه أنَّ سلوك هذا الطريق في الرجوع من عرفات سنة، وهو غير الطريق الذي ذهب فيه إلى عرفات، وهذا معنى قول أصحابنا: يذهب إلى عرفات في طريق ضب، ويرجع في طريق المأزمين. اهـ
مسألة [١٢٩]: قوله: حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة .
قال النووي ﵀: فيه أنَّ السنة للحاج إذا دفع من مزدلفة، فوصل منى أن يبدأ بجمرة العقبة، ولا يفعل شيئًا قبل رميها، ويكون ذلك قبل نزوله. اهـ
مسألة [١٣٠]: قوله: فرماها بسبع حصيات .
فيه أنَّ الواجب أن يرمي بسبع حصيات؛ لفعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- الذي وقع بيانًا لأمره -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بالرمي في قوله: «ارم ولا حرج» (١)، وقوله: «بمثل هؤلاء فارموا» (٢)، وهذا قول الجمهور، ورواية عن أحمد.
• واختلف أهل العلم فيما إذا نقص حصاة، أو حصاتين ونحوها ناسيًا، أو متعمدًا على أقوال:
فمنهم من قال: لا بأس في ذلك، وهو قول مجاهد، ونقل عن سعد بن أبي وقاص أنه قال: رجعنا في الحجة التي حججناها مع رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فمن قائل يقول: رمينا بست. ومن قائل: رمينا بسبع. ولا يعيب بعضنا على بعض. أخرجه النسائي (٥/ ٢٧٥)، وهو حديث ضعيفٌ؛ لانقطاعه بين مجاهد وسعد.
стр. 2628
وجاء هذا القول عن أبي حبة الأنصاري، وابن عمر كما في «المحلى»، وهو ثابت عنهما، وهو قول أحمد، وإسحاق فيمن رمى بست.
ومنهم من قال: إن ترك حصاة؛ فعليه تمرة، أو القيمة، وهو قول طاوس.
ومنهم من قال: عليه بالحصا طعام مسكين نصف صاع حنطة، وهو قول أبي حنيفة.
ومنهم من قال: إن نسي الحصا؛ فعليه دمٌ؛ فإن ترك السبع؛ فعليه بدنة، وهو قول مالك.
ومنهم من قال: عليه بالحصا طعام؛ فإن بلغت ثلاثًا؛ فعليه دمٌ، وهو قول الشافعي.
ومنهم من قال: يرجع ويتم ما بقي، وهو قول ابن عمر (١)، ومحمد بن الحنفية، وابن حزم، وهو الأقرب إلى الصواب، ومن ترك متعمدًا فلم يتم حتى سافر؛ فيأثم، وحجُّه صحيح، والله أعلم. (٢)
مسألة [١٣١]: حكم رمي جمرة العقبة .
• ذهب جمهور العلماء إلى أنها واجبة، وليست بركن، واستدلوا بأمر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بقوله: «بمثل هؤلاء فارموا»، وقوله: «ارم ولا حرج».
• وذهب عبد الملك بن الماجشون، وابن حزم إلى أنها ركنٌ لا يصح الحج إلا بها، ونقله ابن حزم عن الزهري، وعن أصحابه الظاهرية، واستدلوا بنفس الأدلة
стр. 2629
السابقة.
ورجَّح الإمام ابن باز، والإمام ابن عثيمين القول الأول، والله أعلم. (١)
مسألة [١٣٢]: قوله: يكبر مع كل حصاة .
فيه استحباب التكبير عند رميه لكل حصاة.
قال الحافظ ﵀ في «الفتح» (١٧٥٠): وفيه التكبير عند رمي حصى الجمار، وأجمعوا على أنَّ من لم يكبر؛ فلا شيء عليه. اهـ
مسألة [١٣٣]: هل يجزئ رميها مرة واحدة ؟
استدل أهل العلم بقوله: «يكبر مع كل حصاة» أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- رماها متوالية، ولم يرمها دفعة واحدة.
• واختلفوا في الإجزاء إذا رماها دفعة واحدة:
فذهب أكثر العلماء إلى أنه لا تقع إلا رمية واحدة، وهو قول أحمد، ومالك، والشافعي وغيرهم، وقال عطاء: تجزئه. وقال أبو حنيفة: تجزئه إن سقطت الأحجار متوالية، وإلا فلا تجزئه.
وقول الجمهور أقرب؛ لأنَّ فعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وقع بيانًا لأمره المتقدم برمي الجمار، والله أعلم. (٢)
стр. 2630
مسألة [١٣٤]: قوله: مثل حصى الخذف .
قال النووي ﵀ في «المجموع» (٨/ ١٨٣): مذهبنا استحباب كون الحصى قدر حصى الخذف، وبه قال جمهور العلماء من السلف والخلف، منهم: ابن عمر، وجابر، وابن عباس، وابن الزبير (١)،
وطاوس، وعطاء، وسعيد بن جبير، وأبو حنيفة، وأبو ثور، قال ابن المنذر: ولا معنى لقول مالك: أكبر من ذلك قليلًا أعجب إليَّ. لأنَّ النبي ﷺ سنَّ الرمي بمثل حصى الخذف؛ فاتباع السنة أولى. اهـ
مسألة [١٣٥]: هل يجزئه الرمي بالحجار الكبيرة ؟
• في حديث جابر ﵁ الذي في الباب: «مثل حصى الخذف»، وفي حديث الفضل بن عباس ﵄ في «صحيح مسلم» (١٢٨٢): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «عليكم بحصى الخذف الذي يرمى به الجمرة»، وفي حديث ابن عباس ﵄ عند أحمد (١٨٥١)، وغيره بإسناد صحيح أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال له: «القط لي حصيات هن حصى الخذف»، ثم قال: «بمثل هؤلاء فارموا، وإياكم والغلو؛ فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو»، فأخذ بظاهر هذه الأحاديث أحمد، وابن حزم، فقالا: لا يجزئ الرمي بالحجار الكبيرة التي لا يطلق عليها حصى؛ لأنه منهي عنه ذلك، وفي الحديث: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا؛ فهو ردٌّ».
стр. 2631
• وذهب مالك، والشافعي، وأبو حنيفة إلى أنها تجزئه مع أنَّ ذلك خلاف السنة عند الشافعي، وهو قول بعض الحنابلة.
والقول الأول أقرب، والله أعلم. (١)
مسألة [١٣٦]: هل يجوز الرمي بغير الحصى ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٥/ ١٨٩): وَيُجْزِئُ الرَّمِي بِكُلِّ مَا يُسَمَّى حَصًى، وَهِيَ الْحِجَارَةُ الصِّغَارُ، سَوَاءٌ كَانَ أَسْوَدَ، أَوْ أَبْيَضَ، أَوْ أَحْمَرَ، مِنْ الْمَرْمَرِ، أَوْ الْبِرَامِ، أَوْ الْمَرْوِ وَهُوَ الصَّوَّانُ، أَوْ الرُّخَامِ، أَوْ الْكَذَّانِ، أَوْ حَجَرِ الْمِسَنِّ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يُجْزِئُ الرُّخَامُ، وَلَا الْبِرَامُ وَالْكَذَّانُ. وَيَقْتَضِي قَوْلُهُ: أَنْ لَا يُجْزِئَ الْمَرْوُ، وَلَا حَجَرُ الْمِسَنِّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ بِالطِّينِ وَالْمَدَرِ، وَمَا كَانَ مِنْ جِنْسِ الْأَرْضِ. وَنَحْوَهُ قَالَ الثَّوْرِيُّ. وَرُوِيَ عَنْ سُكَيْنَةَ بِنْتِ الْحُسَيْنِ، أَنَّهَا رَمَتْ الْجمْرَةَ وَرَجُلٌ يُنَاوِلُهَا الْحَصَى، تُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ، وَسَقَطَتْ حَصَاةٌ فَرَمَتْ بِخَاتَمِهَا.
وَلَنَا: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَمَى بِالْحَصَى، وَأَمَرَ بِالرَّمْيِ بِمِثْلِ حَصَى الْخَذْفِ، فَلَا يَتَنَاوَلُ غَيْرَ الْحَصَى، وَيَتَنَاوَلُ جَمِيعَ أَنْوَاعِهِ، فَلَا يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ بِغَيْرِ دَلِيلٍ، وَلَا إلْحَاقُ غَيْرِهِ بِهِ. اهـ. (٢)
стр. 2632
مسألة [١٣٧]: صفة الرمي .
• ذهب بعض الشافعية إلى أنه يخذف الحصى خذفًا؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «عليكم بحصى الخذف» كما تقدم في «صحيح مسلم»، وعنده رواية: أنه قال: والنبي ﷺ يشير بيده كما يخذف الإنسان.
• وخالفهم عامة أهل العلم، فقالوا: يرمي بها رميًا، ولا يخذف بها؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «ارم ولا حرج» (١)، وقوله: «بمثل هؤلاء فارموا» (٢)، وغيرها من الأحاديث، والمقصود من حديثهم كما قال النووي: المراد به الإيضاح، وزيادة البيان لحصى الخذف، وليس المراد أنَّ الرمي يكون على هيئة الخذف. اهـ. (٣)
مسألة [١٣٨]: هل يجزئه أن يضعها وضعًا ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٥/ ٢٩٦): وكذلك إن وضعها بيده في المرمى؛ لم يجزئه في قول جميعهم. اهـ
قلتُ: نقل النووي خلافًا شاذًّا لأصحابه أنها تجزئ، والصواب أنها لا تجزئ إلا بالرمي؛ لفعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وأمره بذلك. (٤)
مسألة [١٣٩]: إذا وقعت الحصى خارج المرمى والحوض .
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٥/ ٢٩٦): ولا يجزئه الرمي إلا أن يقع
стр. 2633
الحصى في المرمى؛ فإنْ وقع دونه، لم يجزئه، وبه قال أصحاب الرأي، ولا نعلم فيه خلافًا. اهـ
مسألة [١٤٠]: إذا شك الرامي في وقوع الحجر في الحوض .
• لا تجزئ؛ لأنَّ الأصل عدم الوقوع فيه، والأصل أيضًا بقاء الرمي عليه، وهذا قول أحمد، والشافعي، وللشافعي قول قديم: أنها تجزئه؛ لأنَّ الظاهر وقوعه في المرمى، وقال بعض أصحابه: هذا ليس مذهبه القديم، وإنما نقله عن غيره.
والصواب عدم الإجزاء؛ لما تقدم. (١)
مسألة [١٤١]: هل له أن يرمي بحصى قد رُمِيَ به ؟
• أكثر أهل العلم على الجواز، وهو مذهب مالك، والشافعي، وأبي حنيفة، وداود؛ لأنها يطلق عليها حصى.
• وذهب أحمد، وأصحابه إلى أنها لا تجزئ؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يفعله، وقال: «خذوا عني مناسككم».
ورجَّح الإمام ابن عثيمين ﵀ القول الأول، وهو الصواب، وأما كون النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يفعله؛ فلا يدل على كونه غير جائز، ولم ينقل أنه احتاج فلم يفعل. (٢)
стр. 2634
مسألة [١٤٢]: من أين يلقط الحصى ؟
• يجزئ التقاطها من أي مكان عند أهل العلم، ولكن اختار جماعة منهم أن يلتقطها بمزدلفة، منهم: سعيد بن جبير، ومجاهد، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، حتى يصل منى، فيبدأ بالرمي قبل أن يصنع شيئًا آخر.
• وقال بعضهم: يلتقطها من حيث شاء، وهو قول عطاء، ومالك، وأحمد، وابن المنذر، وهذا القول أقرب.
والذي يظهر أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- التقطها في منى، فقد جاء في «مسلم» (١٢٨٢)، و «النسائي» (٣٠٥٨) من حديث الفضل بن عباس ما يدل على ذلك والله أعلم. (١)
مسألة [١٤٣]: هل يستحب غسل الحصى ؟
• استحبه بعض الفقهاء كطاوس، والشافعية، ورُوي عن أحمد.
• وذهب أكثر أهل العلم إلى عدم استحباب ذلك، وهو قول عطاء، ومالك، ورُوي عن أحمد وغيرهم.
وهذا هو الصحيح؛ لأنَّ ذلك لم يثبت عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وقد صرَّح الإمام ابن عثيمين ﵀ أنَّ غسله من البدع، وهو الظاهر، والله أعلم. (٢)
стр. 2635
مسألة [١٤٤]: قطع التلبية .
• ذهب أكثر العلماء إلى أنَّ الحاج يقطع التلبية عند انتهائه إلى الجمرة، وهو مذهب ابن مسعود (١)، وابن عباس (٢)، وطاوس، وابن جبير، والنخعي، والثوري، والشافعي، وأحمد، وأصحاب الرأي؛ لحديث الفضل بن عباس في «الصحيحين» (٣) أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لبَّى حتى أتى جمرة العقبة.
وفي «المسند» (١٣٣٣)، وغيره أنَّ علي بن أبي طالب ﵁ لبَّى حتى انتهى إلى الجمرة، وأخبر أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فعل ذلك، والحديث في «الصحيح المسند» لشيخنا ﵀ (٩٥١).
وعن أحمد رواية: أنه يلبي حتى ينتهي من الرمي، وهوقول إسحاق؛ لما جاء في حديث الفضل بن عباس: «حتى رمى جمرة العقبة»، وهو قول بعض أصحاب الشافعي، وابن خزيمة، واستدل له ابن خزيمة بما أخرجه (٢٨٨٧) بإسنادٍ حسنٍ عن الفضل بن عباس قال: أفضت مع النبي ﷺ من عرفات، فلم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة، يكبر مع كل حصاة، ثم قطع التلبية مع آخر حصاة.
• وقال مالك: يقطعها قبل الوقوف بعرفة. وقال الحافظ: رواه ابن المنذر، وسعيد بن منصور بأسانيد صحيحة عن عائشة، وسعد بن أبي وقاص، وعلي،
стр. 2636
وهو قول الأوزاعي، والليث، فهؤلاء يقولون: يقطعها إذا راح إلى الوقوف بعرفة بعد زوال الشمس.
• وقال الحسن: يقطعها إذا صلى الغداة من يوم عرفة.
قلتُ: القول الأول أقرب الأقوال.
والقول الثاني قوي؛ إلا أنَّ أكثر الأحاديث تدل على القول الأول، وحديثهم قد أخرجه البخاري، ومسلم عن الفضل بدون زيادة التلبية أثناء الرمي.
قال البيهقي ﵀ في «الكبرى» (٥/ ١٣٧): وأما ما في رواية الفضل بن عباس من الزيادة؛ فإنها غريبة أوردها محمد بن إسحاق بن خزيمة واختارها، وليست فى الروايات المشهورة عن ابن عباس عن الفضل بن عباس. اهـ
وأما من ذُكِرَ من الصحابة أنهم قالوا: يقطعها إذا راح إلى الموقف، فيحمل قولهم على أنه يقطعها في ذلك الحين؛ حتى يتفرغ للذكر والدعاء في عرفة، وليس مقصودهم أنه يقطعها مطلقًا، فقد ثبت عن علي أنه لم يقطعها إلا عند الجمرة.
وقد نصَّ شيخ الإسلام بأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يثبت عنه التلبية أثناء وقوفه بعرفة، والله أعلم. (١)
стр. 2637
مسألة [١٤٥]: وقت رمي جمرة العقبة .
الأفضل عند أهل العلم رميها ضحًى؛ لحديث جابر في «صحيح مسلم» (١٢٩٩)(٣١٤): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- رمى الجمرة يوم النحر ضحى، وأما بعد ذلك، فإذا زالت الشمس.
• واختلفوا في وقت الجواز:
فذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنَّ وقت الجواز من بعد نصف الليل، وهو قول عطاء، وابن أبي ليلى، وعكرمة بن خالد، والشافعي، وأحمد في رواية، وفعلته أسماء بنت أبي بكر ومولاها كما في «الصحيحين»؛ فثبت عنها أنها رمت بعد غياب القمر، وقد تقدم.
واستدلوا بأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أذن للضعفة أن يرموا من الليل، فدلَّ على جواز رميها قبل طلوع الفجر.
• وذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنها تجزئ من بعد طلوع الفجر، وهو مذهب مالك، وأحمد في رواية، وإسحاق، وأصحاب الرأي، وابن المنذر.
واستدل لهم بحديث ابن عمر ﵄ في «الصحيحين» أنه كان يقدم ضعفة أهله من الليل، فيقفون في المشعر الحرام، ثم يدفعون قبل أن يقف الإمام، فمنهم من يقدم منى لصلاة الصبح ومنهم من يقدم بعد ذلك، فإذا قدموا رموا، ويقول ابن عمر: أرخص لهم رسول الله ﷺ .
• وذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنه لا يجوز إلا بعد طلوع الشمس، وهو
стр. 2638
قول مجاهد، والثوري، والنخعي، والظاهرية؛ لحديث ابن عباس أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قدَّم ضعفة أهله، وقال: «لا ترموا حتى تطلع الشمس»، وهو حديث صحيح بمجموع طرقه، فقد أخرجه أبو داود (١٩٤٠)، والنسائي (٥/ ٢٧٠ - )، وأحمد (٢٠٨٢)، وغيرهم، من طريق: الحسن العرني، عن ابن عباس، ولم يسمع منه، وأخرجه أحمد (١/ ٣٢٦)، والترمذي (٨٩٣)، من طريق: الحكم عن مقسم، عن ابن عباس، والحكم لم يسمع من مقسم إلا خمسة، أو ستة أحاديث ليس هذا منها.
وله طريق أخرى عند أبي داود (١٩٤١)، والنسائي (٥/ ٢٧٢)، من طريق: حبيب بن أبي ثابت، عن عطاء، عن ابن عباس، وحبيب مدلس، ولم يصرح بالتحديث.
قلتُ: والقول الصحيح أنه يجوز الرمي قبل طلوع الفجر، وهو القول الأول، وأما حديث ابن عباس الأخير فيُحمل على الاستحباب؛ جمعًا بينه وبين الأحاديث الأخرى، والله أعلم، ولكن لا يجوز للرجال الأقوياء أن يخرجوا من مزدلفة قبل طلوع الفجر كما تقدم. (١)
مسألة [١٤٦]: هل يجوز رمي جمرة العقبة من بعد الظهر إلى المغرب ؟
قال ابن عبد البر ﵀: أجمع أهل العلم على أنَّ من رماها قبل المغيب؛ فقد رماها في وقتٍ لها، وإن لم يكن مستحبًّا لها. اهـ
стр. 2639
وقال ابن المنذر ﵀: أجمع أهل العلم على أنَّ من رمى جمرة العقبة يوم النحر بعد طلوع الشمس أجزأه. اهـ
قلتُ: وقد أخرج البخاري (١٧٣٥)، عن ابن عباس ﵄ أنَّ رجلًا قال: يا رسول الله، رميت بعدما أمسيت، فقال: «لا حرج». (١)
مسألة [١٤٧]: فإذا أخَّر الرمي إلى الليل فما الحكم ؟
• في المسألة قولان:
الأول: لا يرمي بالليل، ويؤخرها إلى الغد، فيرميها بعد الزوال، وهو مذهب أحمد، وإسحاق، وبعض الحنفية، واستدلوا بأثر ابن عمر ﵄: من فاته الرمي حتى تغيب الشمس؛ فلا يرم حتى تزول الشمس من الغد.
الثاني: يرميها بالليل، وهو قول مالك، والشافعي، وبعض الحنفية، وابن حزم، ولا شيء عليه، وقد أساء بالتأخير، وقال مالك مرة: عليه دم.
وهذا القول هو الصواب، وليس عليه شيء، ولا نعلم دليلًا على أنَّ آخر وقتها ينتهي بغروب الشمس، وقد بيَّن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بداية الرمي، ولم يثبت عنه تحديد انتهاء رمي جمرة العقبة، وهذا القول هو ترجيح الشيخ ابن عثيمين، وشيخنا مقبل الوادعي وغيرهما، والله أعلم.
وأما أثر ابن عمر الذي استدلوا به؛ فلم أقف عليه، ووقفت على أثرٍ عنه
стр. 2640
يخالف ذلك، ففي «مصنف ابن أبي شيبة» (٤/ ٤٩٣) بإسناد صحيح عن نافعٍ أنَّ صفية بنت أبي عبيد امرأة عبد الله تخلَّفت بسبب امرأة ابن عبد الله بن عمر بالمزدلفة بسبب نفاسٍ، فلم تأتيا منى إلا بالليل، فرمتا الجمرة، فلم ينكر ذلك عليهما عبد الله، ولم يأمرهما أن تقضيا. (١)
مسألة [١٤٨]: إذا أخر الرمي إلى أيام التشريق .
• ذهب أبو حنيفة، ومالك إلى أنَّ من أخرها إلى أيام التشريق فيرميها، وعليه دمٌ.
• وذهب الشافعي، وأحمد إلى أنه أساء، ولا دمَ عليه. ويرميها بعد الزوال عند أحمد، واختار الشافعي أن يكون قبل الزوال، واختار الإمام العثيمين قول أحمد. (٢)
مسألة [١٤٩]: قوله: رمى من بطن الوادي .
قال النووي ﵀ في «شرح مسلم» (٨/ ١٩١): وفيه أنَّ السنة أن يقف للرمي في بطن الوادي بحيث تكون منى وعرفات والمزدلفة عن يمينه، ومكة عن يساره، وهذا هو الصحيح الذي جاءت به الأحاديث الصحيحة. اهـ
стр. 2641
قلتُ: ومن هذه الأحاديث: حديث ابن مسعود في «الصحيحين» (١) أنه جعل البيت عن يساره، ومنى عن يمينه، ورمى من بطن الوادي، وقال: هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة.
قال الحافظ ﵀ في «الفتح» (١٧٥٠): الأفضل الرمي من بطن الوادي، ومن حيث رماها جاز بالإجماع. اهـ
مسألة [١٥٠]: حكم الهدي على المتمتع والقارن .
قوله: «ثم انصرف إلى المنحر، فنحر».
في هذا الحديث بيان أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أهدى، وهذا الهدي واجبٌ في حق المتمتع؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة:١٩٦].
قال الحافظ ابن كثير ﵀ في تفسير الآية: أي: إذا تمكنتم من أداء المناسك، فمن كان منكم مُتَمتِّعًا بالعُمرة إلى الحج، وهو يشمل من أحرم بهما، أو أحرم بالعمرة أولًا، فلما فرغ منها أحرم بالحج، وهذا هو التمتع الخاص، وهو المعروف في كلام الفقهاء، والتمتع العام يشمل القسمين، كما دلت عليه الأحاديثُ الصحاح؛ فإنَّ من الرُّواة من يقولُ: تمتع رسول الله ﷺ ، وآخر يقول: قَرَن. ولا خلاف أنّه ساق الهدي. اهـ
قلتُ: يشير الحافظ ابن كثير ﵀ إلى أنَّ الهدي واجبٌ على المتمتع، والقارن،
стр. 2642
فأما المتمتع فقد أجمع العلماء على أنه يجب عليه دمٌ؛ للآية المتقدمة، نقل الإجماع ابن المنذر، والنووي، وابن قدامة وغيرهم.
• وأما القارن: فذهب أكثر العلماء إلى أنه يجب عليه الهدي أيضًا؛ لأنه يطلق عليه (متمتع)، وقد أطلق جماعةٌ من الصحابة على النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنه تمتع، ومن المعلوم أنه كان قارنًا، واستدلوا بفعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وقوله: «خذوا عني مناسككم».
• وذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنَّ الهدي لا يجب على القارن، وإنما هو مستحبٌّ، وهو قول شُريح، وداود الظاهري، وابنه، وابن حزم، ورُوي عن طاوس، وقالوا: لم يثبت دليلٌ على أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أمر من قرن بالهدي، واستدل ابن حزم أيضًا بحديث عائشة أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أمرها أن تدخل الحج على العمرة، وصارت قارنة، ولم يأمر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عائشة ﵂ أن تُهدي، بل في «الصحيح» (١) أنها قالت: ولم يكن في ذلك هدي، ولا صوم، ولا صدقة. وجاء من قول عروة أيضًا.
قال أبو عبد الله غفر الله له: وهذا القول أقرب، والله أعلم؛ لأنَّ الآية: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ الظاهر أن المقصود منها التمتع الخاص المعروف عند الفقهاء؛ لقوله في الآية: ﴿بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾، فظاهرها أنَّ العمرة منفصلة، ثم يحل، ثم يحج، وأما القارن؛ فإن عمرته مع حجته، ولا يصح أن يقال فيها (إلى الحج).
стр. 2643
وأما استدلالهم بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «خذوا عني مناسككم»، فقد تقدم أنَّ هذا الحديث لا يفيد وجوب جميع أفعال الحج، بل يدل على الأخذ بما فعله رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وقد يكون واجبًا، أو ركنًا، أو مُستحبًّا بأدلة أخرى، والله أعلم.
قال السندي ﵀ كما في «شرح النسائي» (٢٦/ ٣٩) للأثيوبي: وهذا لا يدل على وجوب المناسك، وإنما يدل على وجوب الأخذ والتعلم، فمن استدل به على وجوب شيء من المناسك؛ فدليله في محل النظر، فليتأمل. انتهى.
قال الأثيوبي: ما قاله السندي -رحمه الله تعالى- حسنٌ جدًّا، وحاصله أن مجرد فعله ﷺ لشيء من المناسك لا يدل على وجوبه، بل لابد من دليل آخر يضم إلى الفعل، مثل الأمر، والله تعالى أعلم. اهـ. (١)
مسألة [١٥١]: شروط وجوب الدم على المتمتع .
الشرط الأول: أن تكون العمرة في أشهر الحج.
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٥/ ٣٥٢ - ): وَلَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا فِي أَنَّ مَنْ اعْتَمَرَ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ عُمْرَةً، وَحَلَّ مِنْهَا قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ، أَنَّهُ لَا يَكُونُ مُتَمَتِّعًا، إلَّا قَوْلَيْنِ شَاذَّينِ، أَحَدُهُمَا عَنْ طَاوُسٍ، أَنَّهُ قَالَ: إذَا اعْتَمَرْت فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ، ثُمَّ أَقَمْت حَتَّى الْحَجِّ، فَأَنْتَ مُتَمَتِّعٌ. وَالثَّانِي عَنْ الْحَسَنِ، أَنَّهُ قَالَ: مِنْ اعْتَمَرَ بَعْدَ النَّحْرِ، فَهِيَ مُتْعَةٌ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا نَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ بِوَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ. اهـ
стр. 2644
قلتُ: والصواب قول الجمهور؛ لأنَّ المعلوم في إطلاق الصحابة، بل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنهم أطلقوا (التمتع) على من اعتمر في أشهر الحج، ثم حجَّ من عامه ذلك، ويدل على ذلك قوله ﷺ : «دخلت العمرةُ في الحجِّ إلى يومِ القيامةِ»
الشرط الثاني: أن يحج من عامه ذلك.
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٥/ ٣٥٤): لا نعلم فيه خلافًا؛ إلا قولًا شاذًّا عن الحسن فيمن اعتمر في أشهر الحج، فهو متمتعٌ، حجَّ أم لم يحج. اهـ
قلتُ: والصواب قول الجمهور؛ لما تقدم من أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وأصحابه أطلقوا (التمتع) على من اعتمر في أشهر الحج، ثم حج من نفس العام.
الشرط الثالث: أن لا يسافر بين العمرة والحج سفرًا بعيدًا تقصر به الصلاة، بل يقيم بمكة بعد إحلاله من العمرة حتى يحج.
• اشترط ذلك أحمد، وإسحاق، وهو قول سعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، وإبراهيم النخعي، ورُوي عن عطاء، وجاء عن عمر بن الخطاب، ولم يصح؛ لأنَّ في إسناده: عبد الله بن عمر العمري، وهو ضعيفٌ، وثبت ذلك عن ابن عمر ﵄.
وقال الشافعي: إن رجع إلى الميقات؛ فلا دم عليه. وقال أصحاب الرأي: إن رجع إلى مصره؛ بطلت متعته وإلا فلا. وقال مالك: إن رجع إلى مصره، أو أبعد؛ بطلت متعته، وإلا فلا.
стр. 2645
• وذهب الحسن، وسعيد بن المسيب في رواية إلى أنه يعتبر متمتعًا، وإن رجع إلى بلده، واختاره ابن المنذر، وابن حزم، ورواه يزيد الفقير عن ابن عباس ﵄، كما في مصنف ابن أبي شيبة، ولكنه من طريق عبد الكريم بن أبي المخارق، وهو متروك، وهذا القول هو الصواب؛ لأنَّ الله أطلق ذلك بقوله: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾، ولم يشترط عدم السفر بينهما، ولم ينه النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- الصحابة عن السفر بعد أن أحلوا من العمرة.
فالصحيح عدم اشتراط هذا الشرط المذكور، والأفضل والسنة هو عدم الفصل بين العمرة والحج بسفرٍ كما فعل الصحابة في حجة الوداع، والله أعلم. (١)
الشرط الرابع: أن يحل من إحرامه بالعمرة قبل إحرامه بالحج؛ فإن أدخل الحج على العمرة لم يلزمه دمُ التمتع؛ لأنه أصبح قارنًا. (٢)
ويدل على هذا الشرط حديث عائشة ﵂ أنها حاضت، فأمرها النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أن تدخل الحج على العمرة، قالت: ولم يكن في ذلك هدي، ولا صوم، ولا صدقة. متفق عليه. (٣)
الشرط الخامس: أن لا يكون من حاضري المسجد الحرام.
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٥/ ٣٥٥): لاخلاف بين أهل العلم في أنَّ
стр. 2646
دم المتعة لا يجب على حاضر المسجد الحرام. اهـ
قلتُ: خالف طاوس، فقال: إن تمتعوا فعليهم مثل ما على الناس. أخرجه ابن أبي شيبة (١٥٩٤١)، وإسناده حسن.
والصحيح مذهب الجمهور، ودليله قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:١٩٦]. (١)
مسألة [١٥٢]: إذا أحرم بالعمرة في غير أشهر الحج، وحلَّ منها في أشهر الحج .
• في هذه المسألة أقوال:
الأول: لا يكون متمتعًا، وهو قول قتادة، وأحمد، وإسحاق، والشافعي، وابن حزم، وعزاه النووي للجمهور؛ لأنَّ الإحرام بالعمرة ركنٌ، وقد وقع في غير أشهر الحج.
الثاني: عمرته في الشهر الذي يطوف فيه ويحل، ويكون متمتعًا، وهو قول الحسن، والحكم، وابن شبرمة، والثوري، والشافعي في أحد قوليه، وعطاء، ومالك.
الثالث: إن طاف أربعة أشواط في أشهر الحج؛ فيكون متمتعًا، وإلا فلا، وهو قول أبي حنيفة.
قلتُ: والصواب هو القول الأول -والله أعلم-؛ لأنه قد أدى بعض العمرة في غير أشهر الحج. (٢)
стр. 2647
مسألة [١٥٣]: من هم حاضروا المسجد الحرام ؟
• في المسألة أقوال:
الاول: هم أهل مكة، ومن بينه وبينها مسافة لا تقصر فيها الصلاة، وهو قول عطاء، وأحمد، والشافعي.
الثاني: هم أهل مكة، وذي طوى، وهو قول مالك.
الثالث: هم أهل مكة فقط، وهو قول الثوري، وداود، ونافع، والأعرج.
الرابع: هم أهل الحرم، وهو قول مجاهد، وطاوس، واختاره ابن حزم، ورُوي عن ابن عباس، وفي إسناده رجلٌ مبهم. ورجحه الإمام العثيمين كما في «تفسيره»، والإمام ابن باز رحمة الله عليهما.
الخامس: هم من كان دون المواقيت، وهو قول مكحول، وأصحاب الرأي.
قلتُ: أقرب الأقوال هو القول الأول، وهو ترجيح الإمام السعدي ﵀ في «تفسيره»؛ لقوله تعالى: ﴿حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، فقوله: ﴿حَاضِرِي﴾ يشمل من كان فيه، أو مقاربًا له بمسافة لا تقصر فيها الصلاة، والله أعلم. (١)
فائدة: قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٥/ ٣٥٧): فإذا دخل الآفاقي مكة متمتعًا، ناويًا للإقامة بها بعد تمتعه؛ فعليه دمُ المتعة، قال ابن المنذر: أجمع على هذا كل من نحفظ عنه من أهل العلم. اهـ
стр. 2648
مسألة [١٥٤]: هل للمكي أن يتمتع ؟
• أكثر أهل العلم يرون مشروعية التمتع للمكي، ويقولون في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾: إنَّ الإشارة بـ ﴿ذَلِكَ﴾ إلى وجوب الدم، لا إلى التمتع.
• وذهب جماعةٌ من الفقهاء إلى أنَّ المكي ليس له المتعة، وهو قول عروة، وطاوس، والزهري، وميمون بن مهران، والحنفية؛ بناءً على اختيارهم بأنه لا يعتمر، وحملوا الإشارة بقوله ﴿ذَلِكَ﴾ إلى التمتع.
والصواب قول الجمهور، والله أعلم. (١)
مسألة [١٥٥]: وقت وجوب الدم .
• في المسألة أقوال:
الأول: بعد رمي الجمرة، وهو قول مالك وأصحابه؛ لأنه هو الوقت الذي ذبح فيه رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.
الثاني: عند الإحرام بالحج، وهو قول الشافعي، وأحمد، وأبي حنيفة، وداود، وابن حزم؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة:١٩٦].
الثالث: إذا وقف بعرفة، وهو قول عطاء، ورواية عن أحمد، وعن مالك، واختاره بعض الحنابلة.
стр. 2649
الرابع: يجب الدم بطلوع الفجر من يوم النحر، وهو رواية عن أحمد أخذ بها جماعة من أصحابه؛ وذلك لأن الهدي من جنس ما يقع به التحلل؛ فكان وقت وجوبه بعد وقت الوقوف كالطواف، والرمي، والحلق، واستدلوا بالآية المتقدمة ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ وقالوا: المقصود أفعال الحج، وأكثر أفعال الحج يوم النحر.
الخامس: أنَّ الدم يجب بالإحرام للعمرة، وهو رواية عن أحمد مشهورة؛ لحديث ابن عباس في «صحيح مسلم» (١٢٤١): «دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة».
قال أبو عبد الله غفر الله له: أقرب الأقوال -والله أعلم- هو القول الخامس؛ إلا أنَّ وجوب الدم مقيد في الآية بالأمن ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾، والمقصود: الأمن من العدو، والمرض؛ فيتمكن من أداء مناسكه.
وعليه: فالذي يظهر -والله أعلم- أنَّ الوجوب له تعلق بالذمة منذ إحرامه بالعمرة، ولكن لا يتم الوجوب إلا بالدخول في وقت الذبح كما هو قول مالك، وبالله التوفيق. (١)
مسألة [١٥٦]: وقت جواز الذبح .
• ذهب أكثر أهل العلم إلى أنه لا يذبح قبل يوم النحر، وهو مذهب مالك، وأبي حنيفة، وأحمد؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وأصحابه لم يذبحوا إلا في ذلك اليوم،
стр. 2650
وقاسوه أيضًا على الأضاحي، وقال الله : ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة:١٩٦]، ومعلومٌ أنَّ محله يوم النحر بمنى، ولا يجوز الحلق، أو الذبح قبل ذلك.
• وذهب الشافعي وأصحابه إلى أنه يجوز ذبحه من حين إحرامه بالحج؛ للآية المتقدمة: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾، واختلف الشافعية في جواز الذبح بعد التحلل من العمرة وقبل الإحرام بالحج، والأصح عندهم جوازه.
قلتُ: وقول الجمهور هو الصواب، والله أعلم. (١)
مسألة [١٥٧]: مِمَّاذا يكون الهدي ؟
قال النووي ﵀ في «المجموع» (٨/ ٣٥٦): قال العلماء: والهدي ما يُهدى إلى الحرم من حيوان وغيره، والمراد هاهنا: ما يجزئ في الأضحية من الإبل، والبقر، والغنم خاصَّة. اهـ
قلتُ: وهو مذهب الجمهور؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾، وهو قول ابن عباس ﵄ كما في «صحيح البخاري» (١٦٨٨)، وثبت عن عائشة، وابن عمر ﵃ القول بأنَّ ما استيسر من الهدي لا يكون إلا من الإبل، والبقر (٢)، وهو قول القاسم بن محمد، ومالك.
стр. 2651
قال إسماعيل القاضي في «الأحكام» كما في «الفتح» (١٦٨٨): ويرد هذا قوله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة:٩٥]، وأجمع المسلمون أنَّ في الظبي شاة، فوقع عليه اسم الهدي.
قال الحافظ ﵀: قد احتج بذلك ابن عباس، فأخرج الطبري (١) بإسناد صحيح إلى عبدالله بن عبيد بن عمير، قال: قال ابن عباس: الهدي شاة. فقيل له في ذلك، فقال: أنا أقرأ عليكم من كتاب الله، ما تقوون به، ما في الظبي؟ قالوا: شاة. قال: فإن الله تعالى يقول: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾. اهـ
والصواب هو قول الجمهور، والله أعلم. (٢)
مسألة [١٥٨]: على كم يجزئ الهدي ؟
أما الشاة فتجزئ عن واحد فقط.
قال الحافظ ﵀ في «الفتح» (١٦٨٨): وأجمعوا على أنَّ الشاة لا يصح الاشتراك فيها. اهـ
وأما الإبل، والبقر، فذهب أكثر العلماء إلى جواز الاشتراك فيها، سواء كان الهدي تطوعًا، أو واجبًا، وسواء كانوا كلهم متقربين بذلك، أو كان بعضهم يريد التقرب، وبعضهم يريد اللحم.
стр. 2652
وعن أبي حنيفة: يُشترط في الاشتراك أن يكونوا كلهم متقربين بالهدي، وعن زفر مثله بزيادة أن تكون أسبابهم واحدة، وعن داود، وبعض المالكية: يجوز في هدي التطوع دون الواجب، وعن مالك: لا يجوز مطلقًا.
قلتُ: والصواب هو قول الجمهور؛ لحديث جابر في «صحيح مسلم» (١٣١٨): خرجنا مع رسول الله ﷺ مهلين بالحج، فأمرنا أن نشترك في الإبل والبقر كل سبعة منا في بدنة. (١)
قال الحافظ ﵀ في «الفتح» (١٦٨٨): واتفق من قال بالاشتراك على أنه لا يكون في أكثر من سبعة إلا إحدى الروايتين عن سعيد بن المسيب، فقال: تجزئ عن عشرة. وبه قال إسحاق بن راهويه، وابن خزيمة من الشافعية. اهـ
مسألة [١٥٩]: إشعار الهدي .
الإشعار: هو الإعلام، والمقصود به هاهنا أن يكشط جلد البدنة حتى يسيل دمٌ، ثم يسلته؛ فيكون ذلك علامة على كونه هديًا.
والإشعار يكون في الإبل، والبقر، ولا تُشعر الغنم؛ لأنها ضعيفة لا تتحمل، ولأنَّ الشعر يغطي مكان الإشعار، وقد قال بجواز الإشعار جمهور السلف والخلف؛ لحديث ابن عباس ﵄ في «صحيح مسلم» (١٢٤٣): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- صلَّى الظهر بذي الحليفة، ثم دعا بناقته، فأشعرها في صحفة سنامها الأيمن، وسلت الدم، وقلَّدها نعلين، ثم ركب راحلته، فلما استوت به على البيداء
стр. 2653
أهلَّ بالحج.
وفي «البخاري» (١٦٩٤)، عن المسور بن مخرمة، ومروان بن الحكم قالا: خرج رسول الله ﷺ زمن الحديبية من المدينة مع بضع عشرة مائة من أصحابه، حتى إذا كان بذي الحليفة قلَّد النبي ﷺ الهدي، وأشعره، وأحرم بالعمرة.
وأنكر النخعي، وأبو حنيفة الإشعار، وقال أبو حنيفة: بدعة؛ لأنَّ فيه مُثلةً، وتعذيبًا للحيوان. وقد أنكر عليهم أهل العلم في ذلك؛ لصحة الأحاديث الواردة في ذلك. (١)
فائدة: قال الإمام الترمذي ﵀ في «السنن» عقب الحديث (٩٠٦): والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم، يرون الإشعار، وهو قول الثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق. سمعت يوسف بن عيسى يقول: سمعت وكيعًا يقول حين روى هذا الحديث، فقال: لا تنظروا إلى قول أهل الرأي في هذا؛ فإن الإشعار سنة، وقولهم بدعة.
وسمعت أبا السائب يقول: كنا عند وكيع، فقال لرجل عنده ممن ينظر في الرأي: أشعر رسول الله ﷺ ، ويقول أبو حنيفة هو مثلة؟ قال الرجل: فإنه قد روي عن إبراهيم النخعي أنه قال: الإشعار مثلة.
قال: فرأيت وكيعا غضب غضبًا شديدًا، وقال: أقول لك قال رسول الله ﷺ . وتقول: قال إبراهيم. ما أحقك بأن تحبس، ثم لا تخرج حتى تنزع عن
стр. 2654
قولك هذا. اهـ
مسألة [١٦٠]: موضع الإشعار .
تقدم في حديث ابن عباس أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أشعرها في صفحة سنامها الأيمن، وقد أخذ بذلك الشافعي، وأحمد، وداود، وصاحبا أبي حنيفة، وصحَّ عن ابن عمر أنه كان يتحرى الأيسر؛ فإنْ صعب عليه ففي الأيمن (١)، وأخذ بذلك مالك، وأحمد في رواية.
فقد أخرج البيهقي في «الكبرى» (٥/ ٢٣٢) بإسناد صحيح عن ابن وهب أخبرني مالك بن أنس وعبد الله بن عمر عن نافع: أن عبد الله بن عمر كان يُشعِر بدنه من الشق الأيسر إلا أن تكون صعابا مقرنة، فإذا لم يستطع أن يدخل بينهما أشعر من الشق الأيمن، وإذا أراد أن يشعرها وجهها إلى القبلة، وإذا أشعرها قال: باسم الله والله أكبر. وأنه كان يشعرها بيده وينحرها بيده قيامًا. وهذا إسناد صحيح.
والأفضل هو القول الأول؛ لصحة حديث ابن عباس ﵄، والله أعلم. (٢)
تنبيه: قال الحافظ ابن حجر ﵀ في «الفتح» (١٦٩٩): اتفق من قال بالإشعار بإلحاق البقر في ذلك بالإبل، إلا سعيد بن جبير، واتفقوا على أنَّ الغنم لا تُشعر؛ لضعفها، ولكون صوفها وشعرها يستر موضع الإشعار. اهـ
стр. 2655
مسألة [١٦١]: تقليد الهدي .
هو أن يعلق على عنق الهدي نعلًا، أو شيئًا آخر؛ ليتميز أنه هدي.
• وبالتقليد قال جمهور العلماء من السلف والخلف؛ لحديث ابن عباس، والمسور ﵃، وقد تقدما.
وفي «الصحيحين» (١) عن عائشة قالت: فتلت قلائد بدن رسول الله ﷺ بيدي، ثم أشعرها، وقلَّدها، ثم بعث بها إلى البيت، وأقام بالمدينة، فما حرم عليه شيء كان له حلالًا.
• وذهب مالك، وأبو حنيفة إلى عدم استحباب تقليد الغنم، ويرد ذلك حديث عائشة ﵂ في «الصحيحين» (٢) أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بعث إلى البيت غنمًا وقلَّدها. (٣)
مسألة [١٦٢]: من أرسل هديًا، فهل يصبح مُحْرِمًا ؟
• جاء عن بعض الصحابة والتابعين أنه يصير مُحْرِمًا، صحَّ ذلك عن ابن عباس، وابن عمر ﵃ (٤)، وبه قال النخعي، وعطاء، وابن سيرين وآخرون.
• وذهب عامة أهل العلم إلى أنه لا يصير مُحْرِمًا، ففي «الصحيحين» (٥) عن
стр. 2656
عمرة بنت عبدالرحمن أنَّ زياد بن أبي سفيان كتب إلى عائشة: أنَّ عبدالله بن عباس قال: من أهدى هديًا؛ حرم عليه ما يحرم على الحاج، حتى ينحر هديه. قالت عمرة: قالت عائشة: ليس كما يقول ابن عباس، أنا فتلت قلائد هدي رسول الله ﷺ بيدي، ثم قلدها رسول الله ﷺ بيده، ثم بعث بها مع أبي، فلم يحرم على رسول الله ﷺ شيء أحله الله له حتى نحر الهدي. وفي رواية: ويصبح رسول الله ﷺ فينا حلالًا يأتي ما يأتي الحلال من أهله. (١)
وهو قول جماعة من الصحابة، كابن مسعود، وأنس، وابن الزبير (٢)، واستقر الأمر على هذا القول، والله أعلم. (٣)
مسألة [١٦٣]: هل يصير الرجل محرمًا إذا أراد النسك بتقليد الهدي ؟
• ذهب إلى ذلك جماعة من أهل العلم، حكاه ابن المنذر عن الثوري، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي. قال: وقال الجمهور: لا يصير بتقليد الهدي محرمًا، ولا يجب عليه شيء.
قلتُ: وقول الجمهور هو الصواب؛ لحديث: «إنما الأعمال بالنيات»، وفي حديث المسور المتقدم في «البخاري» أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قلَّد، وأشعر، ثم أحرم بالعمرة. ففيه التفريق بين الإحرام والتقليد، والله أعلم. (٤)
стр. 2657
مسألة [١٦٤]: هل له أن يركب الهدي ؟
نقل الجواز مطلقًا عن عروة بن الزبير، وأحمد، وإسحاق، وأهل الظاهر، وجزم به النووي في «الروضة»؛ لحديث أبي هريرة، وأنس ﵄ في «الصحيحين» (١) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى رَجُلًا يَسُوقُ بَدَنَةً، فَقَالَ: «ارْكَبْهَا». فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّهَا بَدَنَةٌ. فَقَالَ: «ارْكَبْهَا، وَيْلَك». فِي الثَّانِيَةِ أَوْ فِي الثَّالِثَةِ.
ونقل ابن عبد البر كراهة الركوب لغير حاجة عن أكثر الفقهاء، ومنهم: الشافعي، ومالك، وأبو حنيفة، ويدل على ذلك حديث جابر ﵁ في «صحيح مسلم» (١٣٢٤): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- سُئل عن ركوب الهدي؟ فقال: «اركبها بالمعروف إذا أُلجِئت إليها، حتى تجد ظهرًا».
• وعن أبي حنيفة المنع مطلقًا، وعن مالك الجواز في الضرورة، وعن بعض أهل الظاهر الوجوب.
قلتُ: الظاهر من الأحاديث المتقدمة هو الجواز بغير كراهة إذا كان محتاجًا، ويكره إذا لم يكن محتاجًا، والله أعلم. (٢)
مسألة [١٦٥]: المتمتع إذا لم يجد هديًا، فكيف يصنع ؟
قال رب العزة جل وعلا: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة:١٩٦].
стр. 2658
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٥/ ٣٦٠): لَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا فِي أَنَّ المُتَمَتِّعَ إذَا لَمْ يَجِدْ الْهَدْيَ يَنْتَقِلُ إلَى صِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إذَا رَجَعَ ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾، وَتُعْتَبَرُ الْقُدْرَةُ فِي مَوْضِعِهِ، فَمَتَى عَدِمَهُ فِي مَوْضِعِهِ؛ جَازَ لَهُ الِانْتِقَالُ إلَى الصِّيَامِ، وَإِنْ كَانَ قَادِرًا عَلَيْهِ فِي بَلَدِهِ؛ لِأَنَّ وُجُوبَهُ مُوَقَّتٌ، وَمَا كَانَ وُجُوبُهُ مُوَقَّتًا اُعْتُبِرَتْ الْقُدْرَةُ عَلَيْهِ فِي مَوْضِعِهِ. اهـ
مسألة [١٦٦]: هل يُشترط في الهدي أن يجمع بين الحل والحرم ؟
• أكثر أهل العلم لا يشترطون ذلك، وهو مذهب أحمد، والشافعي، وأبي حنيفة وأصحابهم، وجاء عن عبد الله بن عباس ﵄. (١)
• وصحَّ عن ابن عمر ﵄ أنه كان لا يرى الهدي إلا ما عرَّف، وهو قول سعيد ابن جبير، ومالك.
والصواب القول الأول، ولا نعلم دليلًا على اشتراط ذلك. (٢)
تنبيه: حلق النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بعد أن نحر، ولم يذكر هذا في حديث جابر، وقد صحَّ ذلك عن أنس ﵁ كما في «صحيح مسلم» (١٣٠٥): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نحر، ثم أتى منزله بمنى، ثم دعا الحلاق فقال له: «خُذْ»، وأشار إلى جانبه الأيمن، ثم الأيسر، ثم جعل يعطيه الناس.