وَإِنْ أَتْلَفَهَا، أَوْ تَلِفَتْ بِتَفْرِيطِهِ، أَوْ خَافَ عَطَبَهَا، فَلَمْ يَنْحَرْهَا حَتَّى هَلَكَتْ، فَعَلَيْهِ ضَمَانُهَا بِمَا يُوصِلُهُ إلَى فُقَرَاءِ الْحَرَمِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ إيصَالُ الضَّمَانِ إلَيْهِمْ، بِخِلَافِ الْعَاطِبِ.
وَإِنْ أَطْعَمَ مِنْهَا فَقِيرًا، أَوْ أَمَرَهُ بِالْأَكْلِ مِنْهَا، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَوْصَلَهُ إلَى الْمُسْتَحِقِّ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَطْعَمَ فَقِيرًا بَعْدَ بُلُوغِهِ مَحِلَّهُ. اهـ
قال الإمام أبو الحسين العِمراني ﵀ في «البيان» (٤/ ٤١٩ - ): وإن أتلف المهدي الهديَ؛ لزمه ضمانه؛ لأنه أتلف مال المساكين، ويضمنه بأكثر الأمرين: من قيمته، أو هديٍ مثله.
وقال مالك، وأبو حنيفة: يجب عليه قيمته يوم التلف.
دليلنا: أنه لزمه الإراقة، والتفرقة، وقد فوت الجميع؛ فلزمه ضمانهما، كما لو أتلف شيئين. فإن كانت القيمة مثل ثمن مثله اشترى بها هديًا مثله. وإن كان الثمن أقلَّ من قيمة هدي مثله؛ لزمه أن يشتري مثله. وإن كانت أكثر؛ فإن أمكنه أن يشتري بها هديين مثله؛ اشترى بها هديين، وإن لم يمكنه؛ اشترى هديًا مثله.
ثم قال: وإن أتلفه أجنبي؛ وجبت عليه القيمة يوم التلف، لا غير، والفرق بينه وبين المهدي: أن المهدي وجبت عليه الإراقة، وهذا لم تجب عليه الإراقة. اهـ
قلتُ: ما قرره العمراني ﵀ من قول الشافعية أقرب، والله أعلم. (١)
الْأَمْلَاكِ إذَا زَالَتْ. وَقِيَاسُهُمْ يَنْتَقِضُ بِالْمُدَبَّرَةِ يَجُوزُ بَيْعُهَا، وَقَدْ دَلَّ عَلَى جَوَازِ بَيْعِ الْمُدَبَّرِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَاعَ مُدَبَّرًا (١). أَمَّا إبْدَالُهَا بِمِثْلِهَا أَوْ دُونِهَا، فَلَمْ يَجُزْ؛ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ فِي ذَلِكَ. اهـ
قلتُ: ويدل على جواز إبدال النذر بخير منه من جنسه حديث جابر بن عبد الله عند أبي داود (٣٣٠٥)، وأحمد (١٤٩١٩) أن رجلا قام يوم الفتح، فقال: يا رسول الله، إني نذرت لله إن فتح الله عليك مكة، أن أصلي في بيت المقدس ركعتين، قال: «صل هاهنا»، ثم أعاد عليه، فقال: «صل هاهنا»، ثم أعاد عليه، فقال: «شأنك إذن».
مسألة [١٧٥]: إذا ولدت الهدية؛ فما حكم ولدها ؟
قال الإمام ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٥/ ٤٤١): إذَا وَلَدَتْ الْهَدِيَّةُ فَوَلَدُهَا بِمَنْزِلَتِهَا إنْ أَمْكَنَ سَوْقُهُ وَإِلَّا حَمَلَهُ عَلَى ظَهْرِهَا، وَسَقَاهُ مِنْ لَبَنِهَا، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ سَوْقُهُ وَلَا حَمْلُهُ، صَنَعَ بِهِ مَا يَصْنَعُ بِالْهَدْيِ إذَا عَطِبَ، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ مَا عَيَّنَهُ ابْتِدَاءً وَبَيْنَ مَا عَيَّنَهُ بَدَلًا عَنْ الْوَاجِبِ فِي ذِمَّتِهِ.
وَقَالَ الْقَاضِي -فِي الْمُعَيَّنِ بَدَلًا عَنْ الْوَاجِبِ-: يَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَتْبَعَهَا وَلَدُهَا؛ لِأَنَّ مَا فِي الذِّمَّةِ وَاحِدٌ، فَلَا يَلْزَمُهُ اثْنَانِ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَتْبَعُ أُمَّهُ فِي الْوُجُوبِ؛ لِأَنَّهُ وَلَدُ هَدْيٍ وَاجِبٍ، فَكَانَ وَاجِبًا، كَالْمُعَيَّنِ ابْتِدَاءً. اهـ. (٢)
стр. 2670
مسألة [١٧٦]: حكم شرب لبن الهدي ؟
قال الإمام ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٥/ ٤٤٢): وَلِلْمُهْدِي شُرْبُ لَبَنِ الْهَدْيِ؛ لِأَنَّ بَقَاءَهُ فِي الضَّرْعِ يَضُرُّ بِهِ، فَإِذَا كَانَ ذَا وَلَدٍ، لَمْ يَشْرَبْ إلَّا مَا فَضَلَ عَنْ وَلَدِهِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ خَبَرِ عَلِيٍّ ﵁ (١).
فَإِنْ شَرِبَ مَا يَضُرُّ بِالْأُمِّ، أَوْ مَا لَا يَفْضُلُ عَنْ الْوَلَدِ، ضَمِنَهُ؛ لِأَنَّهُ تَعَدَّى بِأَخْذِهِ.
وَإِنْ كَانَ صُوفُهَا يَضُرُّ بِهَا بَقَاؤُهُ، جَزَّهُ وَتَصَدَّقَ بِهِ عَلَى الْفُقَرَاءِ. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّبَنِ، أَنَّ الصُّوفَ كَانَ مَوْجُودًا حَالَ إيجَابِهَا، فَكَانَ وَاجِبًا مَعَهَا، وَاللَّبَنَ مُتَجَدِّدٌ فِيهَا شَيْئًا فَشَيْئًا، فَهُوَ كَنَفْعِهَا وَرُكُوبِهَا. اهـ
وقال أبو حنيفة: ليس له شرب لبنها، وإنما ينضح ضرعها بالماء حتى يجف لبنها.
قلتُ: والصحيح قول الجمهور، وهو جواز شرب ما زاد على حاجة ولدها، والدليل قوله تعالى: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾. (٢)
فَتَذْبَحُوا جَذَعًا مِنْ الضَّأْنِ» (١). رَوَاهُنَّ ابْنُ مَاجَهْ. وَرَوَى حَدِيثَ جَابِرٍ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد. وَهَذَا حُجَّةٌ عَلَى عَطَاءٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ. وَحَدِيثُ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ نِيَارٍ، حِينَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ عِنْدِي عَنَاقًا جَذَعًا، هِيَ خَيْرٌ مِنْ شَاتَيْ لَحْمٍ. فَقَالَ: «تُجْزِئُكَ، وَلَا تُجْزِئُ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَك». أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ. وَفِي لَفْظٍ: إنَّ عِنْدِي دَاجِنًا جَذَعَةً مِنْ الْمَعْزِ. (٢)
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْهَرَوِيُّ: قَالَ إبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ: إنَّمَا يُجْزِئُ الْجَذَعُ مِنْ الضَّأْنِ فِي الْأَضَاحِيِّ؛ لِأَنَّهُ يَنْزُو فَيُلَقِّحُ، فَإِذَا كَانَ مِنْ الْمَعْزِ لَمْ يُلَقِّحْ حَتَّى يَصِيرَ ثَنِيًّا.
تنبيه: لا يجزئ في الهدي من العيوب ما لا يجزئ في الأضاحي، وقد بينا ذلك بفضل الله في كتاب الأضاحي.
مسألة [١٩٣]: وقت صيام الثلاثة الأيام .
• أما وقت الجواز ففيه أقوال:
الأول: إذا أحرم بالعمرة، وهو قول أبي حنيفة، وأحمد في رواية، وهو الصحيح عند الحنابلة؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة» أخرجه مسلم (١٢٤١)، من حديث ابن عباس ﵂، مع قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة:١٩٦].
الثاني: إذا أحلَّ من العمرة، وهو قول أحمد في رواية.
стр. 2689
الثالث: بعد الإحرام بالحج، وهو قول مالك، والشافعي، وإسحاق، وابن المنذر؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾.
الرابع: العشر الأول من ذي الحجة، وهو قول عكرمة، وطاوس، وعطاء، والثوري، والأوزاعي.
الخامس: يجوز له الصوم في جميع أشهر الحج، نقل عن مجاهد، وهو خلاف المشهور عنه.
قال ابن حزم ﵀ في «المحلى» (٧/ ١٤٢): وقد أجاز قومٌ أن يصوم الثلاثة الأيام قبل أن يحرم بالحج، وهذا خطأ؛ لأنه خلاف أمر الله تعالى بأن يصومها في الحج، وما لم يحرم المرء فليس هو في الحج؛ فليس هو في وقت صيام الثلاثة الأيام، وأيضا فإنه لا يجب عليه الهدي المذكور، ولا الصيام المذكور إلا بتمتعه بالعمرة إلى الحج بنص كلام الله تعالى، وهو ما لم يحرم بالحج؛ فليس هو بعد ممن تمتع بالعمرة إلى الحج ولا يُجزئ أداء فرض إلا في وقته الذي أوجبه الله تعالى فيه. اهـ
قال أبو عبد الله غفر الله له: قول ابن حزم فيه قوة في ترجيح القول الثالث، ولكن يشكل عليه أنَّ بعض الصحابة أفتوا بالصوم قبل يوم الإحرام بالحج يوم التروية، ففي «مصنف ابن أبي شيبة» (٤/ ٣) بإسناد حسن، عن ابن عمر ﵄، قال: قبل يوم التروية بيوم، ويوم التروية، ويوم عرفة.
стр. 2690
وفي «صحيح البخاري» (١٩٩٩)، عن ابن عمر، وعائشة ﵃، قالا: الصيام لمن تمتع بالعمرة إلى الحج إلى يوم عرفة، فمن لم يجد هديًا، ولم يصم؛ صام أيام منى.
وعليه: فالذي يظهر لي -والله أعلم- أنَّ القول الأول أرجح؛ لأن عمرة التمتع دخلت في الحج كما في الحديث، ولأنَّ هذا هو ظاهر قول الصحابة كما تقدم، وأما كون الهدي يجب عليه يوم النحر، والصوم بدل منه؛ فقد تقدم أنَّ الهدي له تعلق بالذمة من حين يحرم بالعمرة، وتقديم الواجب بعد وجود سببه قد جاز في مواضع منها: تقديم كفارة الحنث قبل الحنث باليمين، ومنها: تعجيل الزكاة قبل تمام الحول.
ثم وجدت كلامًا لشيخ الإسلام ﵀ يوافق ما ذكرته، فقد قال في «شرح العمدة» (٢/ ٣٣٩ - ): وأما وجه المشهور -يعني عن أحمد- فإنه إذا أحرم بالعمرة فقد انعقد سبب الوجوب في حقه، ودخل في التمتع؛ بدليل أنه لو ساق الهدي معه لمنعه الهدي من الإحلال؛ فإن قيل: فقد قال الله تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة:١٩٦]، وهذا يقتضي وقوع الصيام بعد الإحرام بالحج؛ لأنه إنما يكون متمتعًا بالعمرة إلى الحج إذا أحرم به؛ ولأنه قال: ﴿فِي الْحَجِّ﴾، فإذا صام قبله لم يجز. قلنا: هو ينوي التمتع ويعتمده من حين يحرم بالعمرة، ويسمى متمتعًا من حينئذٍ.
ثم قال ﵀: فإذا أحرم بالعمرة إلى الحج؛ فهو حاج، فإذا صامها حينئذٍ فقد صامها في حجه؛ لأنَّ العمرة هي الحج الأصغر، وعمرة التمتع جزء من الحج
стр. 2691
بعض له؛ لأنَّ النبي ﷺ قال: «دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة»، وشبك بين أصابعه، والمتمتع حاج من حين يحرم بالعمرة؛ إلا أنَّ إحرامه يتخلله حل، بخلاف من أفرد العمرة. اهـ (١)
وأما وقت الاختيار:
• فاختار جماعةٌ من أهل العلم أن تكون ثلاثة آخرها يوم عرفة، فيصوم السابع، والثامن، والتاسع، وهو قول طاوس، وعطاء، والشعبي، ومجاهد، والحسن، والنخعي، وسعيد بن جبير، وعلقمة، وأحمد في رواية، وأصحاب الرأي، وبعض الشافعية، ورواية عن مالك، ومن اشترط من هؤلاء أن تكون الثلاثة بعد الإحرام بالحج، قال: يقدم الإحرام قبل صومها.
• واختار آخرون أن تكون ثلاثة آخرها يوم التروية، فيصوم السادس، والسابع، والثامن، وهو قول الشافعي وجماعةٍ من أصحابه، ورواية عن أحمد، ورواية عن مالك، واختاره الشيخ ابن باز، ومن اشترط منهم أن يكون الصيام بعد الإحرام، قال: يُقَدِّم الإحرام قبل صومها.
قال الإمام ابن عثيمين ﵀: والذي يظهر لي من حديث ابن عمر، وعائشة ﵃ أنَّ الصحابة كانوا يصومونها أيام التشريق؛ لقول عائشة، وابن عمر ﵃: لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدي. (٢) فظاهر هذا النص أنَّ
стр. 2692
الصحابة كانوا يصومونها في أيام التشريق، وصومها في أيام التشريق صوم لها في أيام الحج؛ لأنَّ أيام التشريق أيامٌ للحج، ففيها رمي الجمرات في الحادي عشر، والثاني عشر، وكذلك الثالث عشر، فلو ذهب ذاهبٌ إلى أنَّ الأفضل أن تُصام الأيام الثلاثة في أيام التشريق؛ لكان أقرب إلى الصواب. اهـ (١)
مسألة [١٩٤]: وقت صيام السبعة الأيام .
وقت الاختيار إذا رجع إلى أهله؛ لحديث ابن عمر ﵄ في «الصحيحين» (٢)، وفيه: «وسبعة إذا رجع إلى أهله».
• واختلفوا في وقت الجواز:
فمنهم من قال: يبدأ وقتها من حين ينتهي من أعمال الحج وينفر من منى، وهو قول أحمد، وأبي حنيفة، ومالك، وقول للشافعي؛ لقوله تعالى: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة:١٩٦]، وقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في الحديث: «وسبعة إذا رجع إلى أهله»، قالوا: فذكر الرجوع تنبيه على أن الابتداء من حين ينتهي من أعمال الحج، وليس ذلك شرطًا؛ فإنَّ من الناس من يقيم بمكة بعد الحج، ومنهم من لا يرجع إلى أهله، وهكذا، فالتقييد بالرجوع إلى الأهل في الحديث خرج مخرج الغالب.
ومنهم من قال: يصومها في الطريق، وهو قول عطاء، ومجاهد، وإسحاق، ومقصودهم أنه يبدأ الوقت من خروجه من مكة إلى بلده، وهو ظاهر اختيار ابن
стр. 2693
حزم. وقال الشافعي -وهو الأصح عند الشافعية-: يصومها إذا رجع إلى أهله؛ لحديث ابن عمر المتقدم. وهو اختيار ابن المنذر.
قلتُ: والأول هو أقرب الأقوال، وهو ظاهر اختيار الإمام ابن عثيمين؛ فإنه قال في «الشرح الممتع»: ولكن مع ذلك قال العلماء: لو صامها بعد فراغ أعمال الحج كلها فلا بأس؛ لأنه جاز له الرجوع؛ فجاز له صومها. اهـ (١)
مسألة [١٩٥]: هل يُشترط في صيام الثلاثة والسبعة التتابع ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٥/ ٣٦٣): وَلَا يَجِبُ التَّتَابُعُ، وَذَلِكَ لَا يَقْتَضِي جَمْعًا وَلَا تَفْرِيقًا، وَهَذَا قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وَإِسْحَاقَ وَغَيْرِهِمَا، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا. اهـ
قلتُ: وما قرره ابن قدامة هو الصواب، ولكن قد وجد خلاف شاذٌّ كما ذكر ذلك النووي في «شرح المهذب» (٧/ ١٨٩).
تنبيه: قال الإمام ابن عثيمين -رحمه الله تعالى- في «الشرح الممتع» (٧/ ٢٠٨): يجوز أن يصوم الأيام الثلاثة متتابعة ومتفرقة؛ مالم يكن تتابعها من ضرورة صومها في الحج، وذلك إذا صامها في أيام التشريق، فهنا لا بد أن تكون متتابعة. اهـ
مسألة [١٩٦]: إذا لم يصم الثلاثة الأيام قبل يوم النحر .
• في المسألة خلافٌ بين أهل العلم على أقوال:
стр. 2694
القول الأول: يجب عليه الهدي، ولا يصومها في أيام التشريق ولا بعدها، ويبقى الهدي في ذمته، وهو قول سعيد بن جبير، وطاوس، ومجاهد، وجاء عن عمر ﵁ بإسناد ضعيف؛ فيه حجاج بن أرطاة، وهو مدلس فيه ضعف، وجاء عن ابن عباس ﵄ بإسناد صحيح؛ فقد أخرجه ابن أبي شيبة، عن ابن علية، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄.
القول الثاني: يصوم أيام التشريق، وهو قول ابن عمر، وعائشة ﵃، وقال به عروة، والزهري، ومالك، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، والشافعي في القديم، وهو اختيار البخاري؛ لحديث ابن عمر، وعائشة ﵃ في «البخاري» (١٩٩٨)، أنهما قالا: لم يرخص في أيام التشريق أن يُصَمْن إلا لمن لم يجد الهدي.
القول الثالث: لا يصوم أيام منى، ويصوم عشرة أيام بعد ذلك، وهو قول الحسن، وعطاء، والشافعي، وأحمد في رواية.
قلتُ: والصواب من هذه الأقوال هو القول الثاني، وتقدم تحقيق المسألة في كتاب الصيام. (١)
قلتُ: وأما إذا أخر الصوم متعمدًا بغير عذر حتى فاتته أيام منى أيضًا، فمن أوجب عليه الهدي في المسألة السابقة يوجبه عليه هنا، والجمهور على أنه أساء، ويصوم عشرة أيام بعد ذلك، وألزمه كثير منهم بدم.
• وذهب ابن حزمٍ إلى أنه لا يجوز صيامها بعد خروج وقتها؛ لأنَّ الله تعالى
стр. 2695
قال: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة:١٩٦]، وعنده ينتهي الحج بطواف الإفاضة، فلا يجوز صومها عنده، لا في أيام التشريق، ولا بعدها، ويبقى عليه صيام السبعة الأيام. وقوله قويٌّ؛ إلا أنه يجوز صومها في أيام التشريق كما تقدم التنبيه على ذلك، والله أعلم. (١)
مسألة [١٩٧]: من ابتدأ في الصيام ثم قدر على الهدي .
• ذهب كثيرٌ من أهل العلم، أو أكثرهم إلى أنه لا يلزمه أن يرجع إلى الهدي إلا أن يشاء، وهو قول الحسن، وقتادة، ومالك، والشافعي، وأحمد، وداود؛ لأنه قد فعل ما أمره الله به. وقال المزني من الشافعية: يلزمه الهدي. ومنهم من قال: إن قدر على الهدي قبل إكمال الثلاثة؛ لزمه الهدي، وإن كان بعد إكمالها لم يلزمه. وهو قول ابن أبي نجيح، وحماد، والثوري، وأبي حنيفة.
والأقرب من هذه الأقوال هو القول الأول، والله أعلم. (٢)
مسألة [١٩٨]: حكم الحلق، أو التقصير .
تقدم الكلام على هذه المسألة تحت المسألة رقم [٧٩].
مسألة [١٩٩]: أيهما أفضل الحلق، أو التقصير ؟
ذكر أهل العلم أنَّ الحلق أفضل؛ لما ثبت في «الصحيحين» (٣) أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-
стр. 2696
قال: «اللهم ارحم المحلقين»، قالوا: يا رسول الله، والمقصرين، كرر ذلك ثلاثًا، ثم قال: «والمقصرين».
ويجزئ الحلق، أو التقصير عند عامة أهل العلم؛ إلا ما رُوي عن الحسن من وجوب الحلق في الحجة الأولى.
والصحيح قول الجمهور. (١)
مسألة [٢٠٠]: هل يجب الحلق على من لبَّدَ رأسه ؟
• ذهب جماعة من أهل العلم إلى وجوب الحلق على من لبَّد، وصحَّ عن عمر وابنه الأمر بذلك (٢)، وهو قول النخعي، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وابن المنذر؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لبَّد وحلق. (٣)
• وذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنه مخيَّرٌ، وهو قول الشافعي، والأصح عند أصحابه، وهو قول أصحاب الرأي، وصححه ابن قدامة، وصحَّ عن ابن عباس ﵄ أنه لا يلزمه الحلق إلا إذا نواه. (٤)
قلتُ: الصواب أنه مخير، والأفضل هو الحلق، ولا نعلم دليلًا صحيحًا في إلزامه بالحلق، والله أعلم. (٥)
стр. 2697
مسألة [٢٠١]: ماذا يصنع الأصلع الذي لا شعر له ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٥/ ٣٠٦ - ٣٠٧): وَالْأَصْلَعُ الَّذِي لَا شَعْرَ عَلَى رَأْسِهِ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُمِرَّ الْمُوسَى عَلَى رَأْسِهِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَبِهِ قَالَ مَسْرُوقٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالنَّخَعِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، عَلَى أَنَّ الْأَصْلَعَ يُمِرُّ الْمُوسَى عَلَى رَأْسِهِ. وَلَيْسَ ذَلِكَ وَاجِبًا. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجِبُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» (١)، والواجب إزالة الشعر وَإِمْرَارُ الْمُوسَى عَلَى رَأْسِهِ، فَإِذَا سَقَطَ أَحَدُهُمَا لِتَعَذُّرِهِ، وَجَبَ الْآخَرُ.
قال ابن قدامة: وَلَنَا أَنَّ الْحَلْقَ مَحَلُّهُ الشَّعْرُ، فَسَقَطَ بِعَدَمِهِ، كَمَا يَسْقُطُ وُجُوبُ غَسْلِ الْعُضْوِ فِي الْوُضُوءِ بِفَقْدِهِ. اهـ
قلتُ: أثر ابن عمر ﵄ في إسناده: عبدالله بن عمر العمري، كما في «سنن الدارقطني» (٢/ ٢٥٦)، و «سنن البيهقي» (٥/ ١٠٣)، وهو ضعيفٌ، وجاء من طريق الدراوردي، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر. ورواية الدراوردي عن عبيد الله ضعيفة مضطربة؛ فقد اختلطت عليه أحاديث عبيد الله الثقة المصغر الاسم، بأحاديث عبد الله، والأثر معروف برواية عبد الله، وهو ضعيف، وأما الإجماع فلا يصح؛ فقد خالف أبو بكر بن داود، فقال: لا يستحب إمرار الموسى. (٢)
стр. 2698
مسألة [٢٠٢]: ما هو الحلق والتقصير المجزئ ؟
• في هذه المسألة أقوال:
الأول: أنه يلزم أن يأخذ من جميع شعره، وهو قول مالك، وأحمد.
الثاني: يجزئ البعض، وهو قول أحمد في رواية.
الثالث: يجزئه ولو ثلاث شعرات، وهي أقل ما يجزئ، وهو مذهب الشافعي، وأبي ثور.
الرابع: أقل ما يجزئ ربع الرأس، وهو قول أبي حنيفة، وعن أبي يوسف: نصفه.
الخامس: أقل ما يجزئ ما يقع عليه اسم الحلق، أو التقصير، وهو قول ابن المنذر، وهو الصحيح في المسألة، والله أعلم. (١)
مسألة [٢٠٣]: تأخير الحلق، أو التقصير عن يوم النحر .
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٥/ ٣٠٦): وَيَجُوزُ تَأْخِيرُ الْحَلْقِ وَالتَّقْصِيرِ إلَى آخِرِ النَّحْرِ؛ لِأَنَّهُ إذَا جَازَ تَأْخِيرُ النَّحْرِ الْمُقَدَّمِ عَلَيْهِ؛ فَتَأْخِيرُهُ أَوْلَى؛ فَإِنْ أَخَّرَهُ عَنْ ذَلِكَ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا: لَا دَمَ عَلَيْهِ. وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَيُشْبِهُ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ الله تَعَالَى بَيَّنَ أَوَّلَ وَقْتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة:١٩٦]، وَلَمْ يُبَيِّن آخِرَهُ، فَمَتَى أَتَى بِهِ أَجْزَأَهُ، كَطَوَافِ الزِّيَارَةِ وَالسَّعْيِ. الثانية: وَعَنْ أَحْمَدَ: عَلَيْهِ دَمٌ بِتَأْخِيرِهِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ
стр. 2699
نُسُكٌ أَخَّرَهُ عَنْ مَحِلِّهِ، وَمَنْ تَرَكَ نُسُكًا فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَلَا فَرْقَ فِي التَّأْخِيرِ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ، وَالْعَامِدِ وَالسَّاهِي.
وَقَالَ مَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: مَنْ تَرَكَهُ حَتَّى حَلَّ فَعَلَيْهِ دَمٌ؛ لِأَنَّهُ نُسُكٌ، فَيَأْتِي بِهِ فِي إحْرَامِ الْحَجِّ كَسَائِرِ مَنَاسِكِهِ، وَلَنَا مَا تَقَدَّمَ. اهـ (١)
مسألة [٢٠٤]: هل تحلق المرأة، أو تقصر ؟
روى أبو داود عن ابن عباس ﵄ بإسناد حسنٍ أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «ليس على النساء حلق، إنما على النساء التقصير». (٢)
قال ابن قدامة ﵀: لَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ عَلَى هَذَا أَهْلُ الْعِلْمِ. وَكَانَ أَحْمَدُ يَقُولُ: تُقَصِّرُ مِنْ كُلِّ قَرْنٍ قَدْرَ الْأُنْمُلَةِ. وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ (٣)، وَالشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي ثَوْرٍ. وَفِي رِوَايَةٍ عَن أَحْمَدَ: تَجْمَعُ شَعْرَهَا إلَى مُقَدَّمِ رَأْسِهَا، ثُمَّ تَأْخُذُ مِنْ أَطْرَافِ شَعْرِهَا قَدْرَ أُنْمُلَةٍ. اهـ
وقال قتادة: تأخذ الثلث، أو الربع، وقال مالك: تأخذ من جميع قرونها أقل جزء، ولا يجزئ من بعض القرون. (٤)
стр. 2700
مسألة [٢٠٥]: قوله في حديث جابر: ثم ركب رسول الله ﷺ فأفاض إلى البيت .
هذا الطواف هو طواف الإفاضة، وسُمِّي بذلك؛ لأنه يأتي به عند إفاضته من منى إلى مكة، ويسمَّى طواف الزيارة؛ وسُمِّي بذلك لأنه يأتي من منى فيزور البيت، ولا يقيم بمكة، بل يرجع إلى منى.
قال النووي ﵀: ويسمَّى طواف الفرض والركن، وسماه بعض أصحابنا طواف الصدر، وأنكره الجمهور، وقالوا: إنما طواف الصدر طواف الوداع، والله أعلم. اهـ (١)
مسألة [٢٠٦]: حكم طواف الإفاضة .
قال النووي ﵀ في «شرح مسلم» (٨/ ١٩٢): وهو ركنٌ من أركان الحج بإجماع المسلمين. اهـ
ونقل الإجماع أيضًا ابن عبد البر، وابن قدامة كما في «المغني» (٥/ ٣١١).
ودليل الرُّكنية قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج:٢٩]، وأجمعوا على أنَّ المراد بهذا الأمر هو طواف الإفاضة، وحديث عائشة ﵂ في «الصحيحين» (٢) أن صفية ﵂ حاضت بعدما أفاضت، فَحُدِّث النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنها حاضت، فقال: «أحابستنا هي»، قالوا: إنها قد أفاضت، قال: «فلا بأس، فلتنفر معكم».
فدل على أنَّ هذا الطواف لابد منه، وأنه حابس لمن لم يأت به، بينما رُخِّص للحائض ترك طواف الوداع؛ لكونه ليس بركن، والله أعلم. (٣)
مسألة [٢٠٧]: وقت طواف الإفاضة .
أما وقت الفضيلة: فهو يوم النحر بعد الرمي، والنحر، والحلق؛ لحديث جابر الذي في الكتاب.
وأما وقت الإجزاء: فقال النووي ﵀: مذهبنا أنَّ أول وقت طواف الإفاضة من نصف ليلة النحر، وآخره آخر عمر الإنسان، وإن بقي خمسين سنة وأكثر، ولا دم عليه في تأخيره، وبه قال أحمد، وقال أبو حنيفة: أوله طلوع الفجر يوم النحر، وآخره اليوم الثاني من أيام التشريق؛ فإنْ أخَّرَه عنه لزم دمٌ، ودليلنا قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾، وهذا قد طاف. اهـ
ونقل ابن قدامة في «المغني» أنَّ أبا حنيفة حدد آخر وقته بأيام النحر؛ فإنْ فعل بعد ذلك أجزأه وعليه دمٌ.
قال ابن قدامة ﵀: والصحيح أنَّ آخر وقته غير محدود؛ فإنه متى أُتي به صحَّ بغير خلاف، وإنما الخلاف في وجوب الدم. اهـ المراد
قلتُ: قد خالف ابن حزم فقال: من أخر طواف الإفاضة حتى خرجت أشهر الحج؛ فحجُّه باطلٌ؛ لقوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة:١٩٧].اهـ
وجزم الشيخ ابن عثيمين ﵀ أنه لا يجوز تأخيره لغير عذر حتى يخرج شهر