قال: «اللهم ارحم المحلقين»، قالوا: يا رسول الله، والمقصرين، كرر ذلك ثلاثًا، ثم قال: «والمقصرين».
ويجزئ الحلق، أو التقصير عند عامة أهل العلم؛ إلا ما رُوي عن الحسن من وجوب الحلق في الحجة الأولى.
والصحيح قول الجمهور. (١)
مسألة [٢٠٠]: هل يجب الحلق على من لبَّدَ رأسه ؟
• ذهب جماعة من أهل العلم إلى وجوب الحلق على من لبَّد، وصحَّ عن عمر وابنه الأمر بذلك (٢)، وهو قول النخعي، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وابن المنذر؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لبَّد وحلق. (٣)
• وذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنه مخيَّرٌ، وهو قول الشافعي، والأصح عند أصحابه، وهو قول أصحاب الرأي، وصححه ابن قدامة، وصحَّ عن ابن عباس ﵄ أنه لا يلزمه الحلق إلا إذا نواه. (٤)
قلتُ: الصواب أنه مخير، والأفضل هو الحلق، ولا نعلم دليلًا صحيحًا في إلزامه بالحلق، والله أعلم. (٥)
стр. 2697
مسألة [٢٠١]: ماذا يصنع الأصلع الذي لا شعر له ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٥/ ٣٠٦ - ٣٠٧): وَالْأَصْلَعُ الَّذِي لَا شَعْرَ عَلَى رَأْسِهِ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُمِرَّ الْمُوسَى عَلَى رَأْسِهِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَبِهِ قَالَ مَسْرُوقٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالنَّخَعِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، عَلَى أَنَّ الْأَصْلَعَ يُمِرُّ الْمُوسَى عَلَى رَأْسِهِ. وَلَيْسَ ذَلِكَ وَاجِبًا. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجِبُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» (١)، والواجب إزالة الشعر وَإِمْرَارُ الْمُوسَى عَلَى رَأْسِهِ، فَإِذَا سَقَطَ أَحَدُهُمَا لِتَعَذُّرِهِ، وَجَبَ الْآخَرُ.
قال ابن قدامة: وَلَنَا أَنَّ الْحَلْقَ مَحَلُّهُ الشَّعْرُ، فَسَقَطَ بِعَدَمِهِ، كَمَا يَسْقُطُ وُجُوبُ غَسْلِ الْعُضْوِ فِي الْوُضُوءِ بِفَقْدِهِ. اهـ
قلتُ: أثر ابن عمر ﵄ في إسناده: عبدالله بن عمر العمري، كما في «سنن الدارقطني» (٢/ ٢٥٦)، و «سنن البيهقي» (٥/ ١٠٣)، وهو ضعيفٌ، وجاء من طريق الدراوردي، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر. ورواية الدراوردي عن عبيد الله ضعيفة مضطربة؛ فقد اختلطت عليه أحاديث عبيد الله الثقة المصغر الاسم، بأحاديث عبد الله، والأثر معروف برواية عبد الله، وهو ضعيف، وأما الإجماع فلا يصح؛ فقد خالف أبو بكر بن داود، فقال: لا يستحب إمرار الموسى. (٢)
стр. 2698
مسألة [٢٠٢]: ما هو الحلق والتقصير المجزئ ؟
• في هذه المسألة أقوال:
الأول: أنه يلزم أن يأخذ من جميع شعره، وهو قول مالك، وأحمد.
الثاني: يجزئ البعض، وهو قول أحمد في رواية.
الثالث: يجزئه ولو ثلاث شعرات، وهي أقل ما يجزئ، وهو مذهب الشافعي، وأبي ثور.
الرابع: أقل ما يجزئ ربع الرأس، وهو قول أبي حنيفة، وعن أبي يوسف: نصفه.
الخامس: أقل ما يجزئ ما يقع عليه اسم الحلق، أو التقصير، وهو قول ابن المنذر، وهو الصحيح في المسألة، والله أعلم. (١)
مسألة [٢٠٣]: تأخير الحلق، أو التقصير عن يوم النحر .
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٥/ ٣٠٦): وَيَجُوزُ تَأْخِيرُ الْحَلْقِ وَالتَّقْصِيرِ إلَى آخِرِ النَّحْرِ؛ لِأَنَّهُ إذَا جَازَ تَأْخِيرُ النَّحْرِ الْمُقَدَّمِ عَلَيْهِ؛ فَتَأْخِيرُهُ أَوْلَى؛ فَإِنْ أَخَّرَهُ عَنْ ذَلِكَ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا: لَا دَمَ عَلَيْهِ. وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَيُشْبِهُ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ الله تَعَالَى بَيَّنَ أَوَّلَ وَقْتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة:١٩٦]، وَلَمْ يُبَيِّن آخِرَهُ، فَمَتَى أَتَى بِهِ أَجْزَأَهُ، كَطَوَافِ الزِّيَارَةِ وَالسَّعْيِ. الثانية: وَعَنْ أَحْمَدَ: عَلَيْهِ دَمٌ بِتَأْخِيرِهِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ
стр. 2699
نُسُكٌ أَخَّرَهُ عَنْ مَحِلِّهِ، وَمَنْ تَرَكَ نُسُكًا فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَلَا فَرْقَ فِي التَّأْخِيرِ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ، وَالْعَامِدِ وَالسَّاهِي.
وَقَالَ مَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: مَنْ تَرَكَهُ حَتَّى حَلَّ فَعَلَيْهِ دَمٌ؛ لِأَنَّهُ نُسُكٌ، فَيَأْتِي بِهِ فِي إحْرَامِ الْحَجِّ كَسَائِرِ مَنَاسِكِهِ، وَلَنَا مَا تَقَدَّمَ. اهـ (١)
مسألة [٢٠٤]: هل تحلق المرأة، أو تقصر ؟
روى أبو داود عن ابن عباس ﵄ بإسناد حسنٍ أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «ليس على النساء حلق، إنما على النساء التقصير». (٢)
قال ابن قدامة ﵀: لَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ عَلَى هَذَا أَهْلُ الْعِلْمِ. وَكَانَ أَحْمَدُ يَقُولُ: تُقَصِّرُ مِنْ كُلِّ قَرْنٍ قَدْرَ الْأُنْمُلَةِ. وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ (٣)، وَالشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي ثَوْرٍ. وَفِي رِوَايَةٍ عَن أَحْمَدَ: تَجْمَعُ شَعْرَهَا إلَى مُقَدَّمِ رَأْسِهَا، ثُمَّ تَأْخُذُ مِنْ أَطْرَافِ شَعْرِهَا قَدْرَ أُنْمُلَةٍ. اهـ
وقال قتادة: تأخذ الثلث، أو الربع، وقال مالك: تأخذ من جميع قرونها أقل جزء، ولا يجزئ من بعض القرون. (٤)
стр. 2700
مسألة [٢٠٥]: قوله في حديث جابر: ثم ركب رسول الله ﷺ فأفاض إلى البيت .
هذا الطواف هو طواف الإفاضة، وسُمِّي بذلك؛ لأنه يأتي به عند إفاضته من منى إلى مكة، ويسمَّى طواف الزيارة؛ وسُمِّي بذلك لأنه يأتي من منى فيزور البيت، ولا يقيم بمكة، بل يرجع إلى منى.
قال النووي ﵀: ويسمَّى طواف الفرض والركن، وسماه بعض أصحابنا طواف الصدر، وأنكره الجمهور، وقالوا: إنما طواف الصدر طواف الوداع، والله أعلم. اهـ (١)
مسألة [٢٠٦]: حكم طواف الإفاضة .
قال النووي ﵀ في «شرح مسلم» (٨/ ١٩٢): وهو ركنٌ من أركان الحج بإجماع المسلمين. اهـ
ونقل الإجماع أيضًا ابن عبد البر، وابن قدامة كما في «المغني» (٥/ ٣١١).
ودليل الرُّكنية قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج:٢٩]، وأجمعوا على أنَّ المراد بهذا الأمر هو طواف الإفاضة، وحديث عائشة ﵂ في «الصحيحين» (٢) أن صفية ﵂ حاضت بعدما أفاضت، فَحُدِّث النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنها حاضت، فقال: «أحابستنا هي»، قالوا: إنها قد أفاضت، قال: «فلا بأس، فلتنفر معكم».
فدل على أنَّ هذا الطواف لابد منه، وأنه حابس لمن لم يأت به، بينما رُخِّص للحائض ترك طواف الوداع؛ لكونه ليس بركن، والله أعلم. (٣)
مسألة [٢٠٧]: وقت طواف الإفاضة .
أما وقت الفضيلة: فهو يوم النحر بعد الرمي، والنحر، والحلق؛ لحديث جابر الذي في الكتاب.
وأما وقت الإجزاء: فقال النووي ﵀: مذهبنا أنَّ أول وقت طواف الإفاضة من نصف ليلة النحر، وآخره آخر عمر الإنسان، وإن بقي خمسين سنة وأكثر، ولا دم عليه في تأخيره، وبه قال أحمد، وقال أبو حنيفة: أوله طلوع الفجر يوم النحر، وآخره اليوم الثاني من أيام التشريق؛ فإنْ أخَّرَه عنه لزم دمٌ، ودليلنا قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾، وهذا قد طاف. اهـ
ونقل ابن قدامة في «المغني» أنَّ أبا حنيفة حدد آخر وقته بأيام النحر؛ فإنْ فعل بعد ذلك أجزأه وعليه دمٌ.
قال ابن قدامة ﵀: والصحيح أنَّ آخر وقته غير محدود؛ فإنه متى أُتي به صحَّ بغير خلاف، وإنما الخلاف في وجوب الدم. اهـ المراد
قلتُ: قد خالف ابن حزم فقال: من أخر طواف الإفاضة حتى خرجت أشهر الحج؛ فحجُّه باطلٌ؛ لقوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة:١٩٧].اهـ
وجزم الشيخ ابن عثيمين ﵀ أنه لا يجوز تأخيره لغير عذر حتى يخرج شهر
стр. 2701
ذي الحجة، ولكن مع ذلك؛ فإنه لا يفتي بالبطلان، وهو الأقرب، والله أعلم. (١)
مسألة [٢٠٨]: من رجع إلى بلده ولم يطف طواف الإفاضة .
• ذهب جمهور أهل العلم إلى أنه يجتنب ما يجتنبه المحرم بعد التحلل الأول، ثم يرجع إلى مكة مُحرِمًا، ويطوف بالبيت، وهو مذهب عطاء، والثوري، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وأصحاب الرأي، وابن المنذر، وأوجب عليه أبو حنيفة، ومالك في المشهور عنه دمًا.
• وقال الحسن: يحج من العام المقبل. وحُكِي نحو ذلك عن عطاء قولًا ثانيًا.
• وذهب ابن حزمٍ إلى أن حجه يبطل، وإن كانت حجة الإسلام؛ وجب عليه أن يحج من قابل إن استطاع. (٢)
مسألة [٢٠٩]: من رجع إلى بلده، ولم يطف طواف الإفاضة، وحصل منه الجماع لامرأته ؟
من رجع إلى بلده بدون أن يطوف طواف الإفاضة؛ فعليه أن يرجع لأدائه قبل أن يجامع امرأته، سواءٌ تركه جهلًا، أو نسيانًا، أو عمدًا؛ لأنه لم يتم حجُّه بعدُ، ولا يحل للحاج الجماع إلا بعد التحلل الثاني الحاصل بطواف الإفاضة، ويجب عليه الرجوع لأداء طواف الإفاضة متى قدر على ذلك، ولو حصل منه الجماع؛ فعليه دم يذبحه في مكة، ويوزعه على فقرائها.
стр. 2702
تنبيه: من ترك السعي بين الصفا والمروة، فعليه من الحكم ما ذكرناه فيمن ترك طواف الإفاضة أيضًا.
تنبيه آخر: من صار عاجزًا عن الرجوع؛ لأداء طواف الإفاضة، أو السعي بين الصفا والمروة، عجزًا بدنيًا، أو مات قبل أن يتمكن من أدائه؛ فينوبه شخص آخر، ويؤدي عنه ما بقي عليه من حجه؛ فدين الله أحق أن يقضى، وكما يجوز النيابة؛ لأداء الحج كاملًا؛ فيجوز أن تحصل النيابة لما بقي من أركان الحج، وبالله التوفيق.
مسألة [٢١٠]: إذا حاضت المرأة قبل طواف الإفاضة، ولم تنتظرها رفقتها، وخشيت هي ووليها على أنفسهما ؟
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٢٦/ ٢٣٤ - ): وغاية ما في الطهارة أنها شرط في الطواف، ومعلوم أن كونها شرطا في الصلاة أوكد منها في الطواف، ومعلوم أن الطهارة كالسِّتَارة، واجتناب النجاسة، بل الستارة في الطواف أوكد من الطهارة؛ لأن ستر العورة يجب في الطواف وخارج الطواف، ولأن ذلك من أفعال المشركين التي نهى الله ورسوله ﷺ عنها نهيا عاما؛ ولأن المستحاضة ومن به سلس البول ونحوهما يطوف ويصلي باتفاق المسلمين، والحدث في حقهم من جنس الحدث في حق غيرهم لم يفرق بينهما إلا العذر.
وإذا كان كذلك وشروط الصلاة تسقط بالعجز فسقوط شروط الطواف بالعجز أولى وأحرى، والمصلي يصلي عريانا، ومع الحدث والنجاسة في صورة
стр. 2703
المستحاضة وغيرها، ويصلي مع الجنابة مع التيمم وبدون التيمم عند الأكثرين إذا عجز عن الماء والتراب.
ثم قال: وأما الحج فالتقدير أنه لا يمكنها أن تحج إلا على هذا الوجه، وإذا لم يمكنها ذلك كان هذا غاية المقدور كما لو لم يمكنه أن يطوف إلا راكبا أو حامل النجاسة.
فإن قيل: هنا سؤالان:
أحدهما: أنه هلا جعلت الحائض كالمعضوب فإن كانت ترجو أن تحج ويمكنها الطواف وإلا استنابت؟
والثاني: أنه إذا لم يسوغ لها الشارع الصلاة زمن الحيض كما يسوغها للجنب بالتيمم وللمستحاضة علم أن الحيض لا تصح معه العبادة بحال.
فيقال: أما الأول فلأن المعضوب هو الذي يعجز عن الوصول إلى مكة؛ فأما من أمكنه الوصول إلى مكة وعجز عن بعض الواجبات فليس بمعضوب كما لو أمكنه الوصول وعجز عن اجتناب النجاسة مثل المستحاضة ومن به سلس البول ونحوهما؛ فإن عليه الحج بالإجماع ويسقط عنه ما يعجز عنه من الطهارة، وكذلك من لم يمكنه الطواف إلا راكبا أو محمولا أو من لم يمكنه رمي الجمار ونحو ذلك؛ فإنه يستنيب فيه ويحج ببدنه.
ثم قال: ويقال: هذا نوع من أنواع الطهارة فسقط بالعجز كغيره من أنواع الطهارة؛ فإنها لو كانت مستحاضة، ولم يمكنها أن تطوف إلا مع الحدث الدائم
стр. 2704
طافت باتفاق العلماء. وفي وجوب الوضوء عليها خلاف مشهور بين العلماء، وفي هذا صلاة مع الحدث ومع حمل النجاسة وكذلك لو عجز الجنب أو المحدث عن الماء والتراب صلى وطاف في أظهر قولي العلماء.
قال: ويقال: شرط من شرائط الطواف؛ فسقط بالعجز كغيره من الشرائط؛ فإنه لو لم يمكنه أن يطوف إلا عريانا؛ لكان طوافه عريانا أهون من صلاته عريانا، وهذا واجب بالاتفاق؛ فالطواف مع العري إذا لم يمكن إلا ذلك أولى وأحرى.
وإنما قلَّ تكلم العلماء في ذلك لأن هذا نادر؛ فلا يكاد بمكة يعجز عن سترة يطوف بها لكن لو قدر أنه سلب ثيابه، والقافلة خارجون لا يمكنه أن يتخلف عنهم كان الواجب عليه فعل ما يقدر عليه من الطواف مع العري كما تطوف المستحاضة، ومن به سلس البول مع أن النهي عن الطواف عريانا أظهر وأشهر في الكتاب والسنة من طواف الحائض.
وهذا الذي ذكرته هو مقتضى الأصول المنصوصة العامة المتناولة لهذه الصورة لفظا ومعنى، ومقتضى الاعتبار والقياس على الأصول التي تشابهها، والمعارض لها إنما لم يجد للعلماء المتبوعين كلاما في هذه الحادثة المعينة كما لم يجد لهم كلاما فيما إذا لم يمكنه الطواف إلا عريانا، وذلك لأن الصور التي لم تقع في أزمنتهم لا يجب أن تخطر بقلوبهم؛ ليجب أن يتكلموا فيها. ووقوع هذا وهذا في أزمنتهم إما معدوم وإما نادر جدا، وكلامهم في هذا الباب مطلق عام وذلك يفيد العموم لو لم تختص الصورة المعينة بمعان توجب الفرق والاختصاص
стр. 2705
وهذه الصورة قد لا يستحضرها المتكلم باللفظ العام من الأئمة؛ لعدم وجودها في زمنهم والمقلدون لهم ذكروا ما وجدوه من كلامهم.
ولهذا أوجب مالك وغيره على مكاريها أن يحتبس لأجلها إذا كانت الطرقات آمنة ولا ضرر عليه في التخلف معها، وكانوا في زمن الصحابة، وغيرهم يحتبس الأمير لأجل الحيض والمتأخرون من أصحاب مالك أسقطوا عن المكاري الوداع وأسقط المبيت عن أهل السقاية والرعاية لعجزهم.
وعجزهم يوجب الاحتباس معها في هذه الأزمان، ولا ريب أن من قال: الطهارة واجبة في الطواف وليست شرطا؛ فإن يلزمه أن يقول: إن الطهارة في مثل هذه الصورة ليست واجبة لعدم القدرة عليها؛ فإنه يقول: إذا طاف محدثا وأبعد عن مكة لم يجب عليه العود للمشقة. فكيف يجب على هذه ما لا يمكنها إلا بمشقة أعظم من ذلك لكن هناك من يقول عليه دم، وهنا يتوجه أن لا يجب عليها دم لأن الواجب إذا تركه من غير تفريط؛ فلا دم عليه بخلاف ما إذا تركه ناسيا أو جاهلا، وقد يقال عليها دم؛ لندور هذه الصورة، ونظير ذلك: أن يمنعه عدو عن رمي الجمرة؛ فلا يقدر على ذلك حتى يعود إلى مكة أو يمنعه العدو عن الوقوف بعرفة إلى الليل أو يمنعه العدو عن طواف الوداع بحيث لا يمكنه المقام حتى يودع.
وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه أسقط عن الحائض طواف الوداع، ومن قال: إن الطهارة فرض في الطواف وشرط فيه؛ فليس كونها شرطًا فيه أعظم
стр. 2706
من كونها شرطًا في الصلاة. ومعلوم أن شروط الصلاة تسقط بالعجز فسقوط شروط الطواف بالعجز أولى وأحرى.
هذا هو الذي توجه عندي في هذه المسألة، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ولولا ضرورة الناس واحتياجهم إليها علما وعملا؛ لما تجشمت الكلام حيث لم أجد فيها كلاما لغيري؛ فإن الاجتهاد عند الضرورة مما أمرنا الله به؛ فإن يكن ما قلته صوابا؛ فهو حكم الله ورسوله والحمد لله. وإن يكن ما قلته خطأ؛ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله بريئان من الخطأ، وإن كان المخطئ معفوا عنه. والله أعلم. والحمد لله وحده وصلى الله على محمد وآله وسلم تسليما. انتهى كلامه ﵀ مع اختصار يسير.
ولابن القيم ﵀ بحثٌ يقرر فيه ما قرره شيخه ﵀، مع زيادة بيان في كتابه المفيد «أعلام الموقعين» (٣/ ٢٠ - ).
قال أبو عبد الله غفر الله له: في هذه الأزمنة تيسرت الناقلات الحديثة، مع إمكان تغيير مواعيد النقل، والرحلات؛ فلم يبق في ذلك ضرر على المرأة؛ لإمكان أن يتخلف عليها محرمها فحسب، وعليه فالواجب على محرمها أن يتخلف معها حتى تطهر؛ إلا أن يعجزا عن ذلك؛ كأن تكون نفساء، ويطول عليهما، ولا قدرة لهما على البقاء؛ ففي هذه الحال لا بأس عليها إن شاء الله أن تطوف على حالها، وبالله التوفيق.
стр. 2707
مسألة [٢١١]: ما حكم استخدام المرأة لموانع الحيض حتى تعتمر أو تحج ؟
قال أبو عبد الله غفر الله له: هذه الموانع لا تخلو من أضرار كما قرره الأطباء الحذاق الموثوقون؛ وعليه فلا تخلو من كراهة، ولكن إن كانت المرأة تصاب بأضرار واضحة بمجرد شربها لجرعة واحدة؛ فلا يجوز لها شربها، وإن كانت الأضرار خفيفة، أو لا يحصل للمرأة أضرار واضحة بجرعة واحدة؛ فيرجى أن لا إثم عليها في ذلك، وبالله التوفيق.
مسألة [٢١٢]: هل يرمل ويضطبع في طواف الإفاضة ؟
• ذكر أهل العلم أنَّ الحاجَّ لا يرمل، ولا يضطبع في هذا الطواف؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يرد عنه ذلك في طواف الإفاضة، واستثنى الشافعية ما إذا كان لم يرمل، أو يضطبع في طواف القدوم، أو لم يسع عقب طواف القدوم؛ فإنهم يقولون بالرمل والاضطباع في هذا الطواف، والصحيح عدم ذلك، وسيأتي حديث ابن عباس ﵄: لم يرمل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في السبع الذي أفاض (١). (٢)
مسألة [٢١٣]: هل تشترط النية في طواف الإفاضة ؟
• ذهب أكثر العلماء إلى اشتراط النية؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنما الأعمال بالنيات»، وهو مذهب أحمد، وإسحاق، وابن القاسم، وابن المنذر وغيرهم.
• وذهب الشافعي وأصحابه إلى أنه لا يُشترط له النية؛ فإن طاف بنية الوداع،
стр. 2708
أو القدوم، أو التطوع؛ فإنه يقع عن طواف الإفاضة، وعزا ابن قدامة القول بعدم الاشتراط إلى الثوري، وأصحاب الرأي، مع الشافعي.
قلتُ: والصواب هو قول الجمهور، وهو اشتراط النية، ولكن لا يشترط أن يكون ذاكرًا لها، بل يكفي أن يكون مستصحبًا لها. (١)
مسألة [٢١٤]: كم يلزم الحاج سعي وطواف ؟
أما المفرِد: فلا يلزمه إلا طواف واحد، وسعي واحد، ولا يلزمه أكثر من ذلك بالإجماع؛ فإنْ كان قد سعى بعد طواف القدوم؛ فلا يسعى بعد طواف الإفاضة، وإن كان لم يسع بعد طواف القدوم؛ وجب عليه أن يسعى بعد طواف الإفاضة.
• وأما القارن: فاختلف أهل العلم فيه على قولين:
الأول: يلزمه طواف واحد، وسعي واحد، وليس عليه أكثر من ذلك، وهو قولُ أكثر أهل العلم، وممن قال بذلك: ابن سيرين، والحسن، وسعيد بن جبير، وعطاء، ومجاهد، وسالم، والزهري، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وداود وأصحابهم، وصحَّ عن ابن عمر، وابن عباس ﵃.
واستدلوا بحديث عائشة ﵂ في «صحيح مسلم» (١٢١١)(١٣٢): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال لها: «يسعك طوافك لحجك وعمرتك»، وفي رواية: «قد حللت من حجك وعمرتك جميعًا»، أخرجه مسلم (١٢١٣) من حديث جابر ﵁.
واستدلوا بحديث جابر بن عبد الله ﵄ في «صحيح مسلم» (١٢١٥): لَمْ
стр. 2709
يَطُفْ النَّبِيُّ ﷺ ، وَلَا أَصْحَابُهُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ إِلَّا طَوَافًا وَاحِدًا.
وحديث عائشة ﵂ في «الصحيحين» (١) أنها قالت: وَأَمَّا الَّذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فَإِنَّمَا طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا لَهُما.
الثاني: يلزمه طوافان وسعيان، وهو قول جماعة من أهل العلم، وهو قول جابر بن زيد، وشُريح، والشعبي، والنخعي، وحماد، والحكم، وأبي حنيفة، والثوري، والحسن بن حي، والأوزاعي، ورواية عن أحمد، وذلك لأنهما نسكان، فكان لهما طوافان كما لو كانا مُفْرَدَين.
واستدل لهم بحديث رواه الدارقطني (٢/ ٢٦٣)، عن علي ﵁ مرفوعًا أنه جمع بين حج وعمرة، فطاف طوافين، وسعى سعيين.
قال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول هو الصواب؛ للأدلة المتقدمة، وحديثهم ضعيفٌ جدًّا، فيه: الحسن بن عمارة متروك، وله طريق أخرى فيها: عيسى بن عبدالله، قال الدارقطني: يقال له: مبارك، وهو متروك الحديث. وقياسهم مخالفٌ للأدلة، فلا تعويل عليه، والله أعلم. (٢)
• وأما المتمتع: فاختلف أهل العلم فيه على قولين:
الأول: عليه طوافان، وسعيان، وهو قول جمهور أهل العلم، ومنهم: مالك، والشافعي، وأحمد، والثوري، وأبو ثور، وجماعة آخرون.
стр. 2710
واستدلوا بحديث عائشة ﵂ في «الصحيحين» (١)، قالت: فأما الذي حلوا، فطافوا طوافًا آخر بعد أن رجعوا من منى لحجِّهم. ولأنهما نسكان منفصلان: عمرة منفصلة، وحج منفصل؛ فوجب لكل منهما سعي وطواف.
الثاني: أنَّ على المتمتع سعيًا واحدًا، وهو سعي العمرة، فيكفيه عن سعي الحج، وهو قول عطاء، وطاوس، ورواية عن أحمد اختارها شيخ الإسلام؛ لحديث جابر المتقدم قريبًا: «لم يطف النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافًا واحدًا».
قال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول هو الصواب؛ لما تقدم، وهو ترجيح الشيخ ابن باز، والشيخ ابن عثيمين، والشيخ مقبل رحمة الله عليهم، وأما حديث جابر الذي استدلوا به فهو في حق من ساق الهدي؛ جمعًا بينه وبين حديث عائشة، والله أعلم. (٢)
مسألة [٢١٥]: أعمال يوم النحر، وتقديم بعضها على بعض .
أعمال يوم النحر هي: الرمي، ثم الذبح، ثم الحلق أو التقصير، ثم الطواف، ثم السعي للمتمتع، وللقارن والمفرد إذا لم يسعيا بعد طواف القدوم.
والسُّنَّةُ هو الترتيب بينها كما ذكرتُ عند جميع أهل العلم.
• واختلف أهل العلم في تقديم بعضها على بعض:
стр. 2711
فأما الأربعة -ما دون السَّعي- فلا بأس على من أخلَّ بترتيبها ناسيًا، أو جاهلًا عند أكثر أهل العلم، وهو مذهب الحسن، وطاوس، ومجاهد، وابن جبير، وعطاء، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وداود وغيرهم.
وقال أبو حنيفة: إن قَدَّمَ الحلق على الذبح أو الرمي فعليه دم، وإن كان قارنًا فعليه دمان. وقال مالك: إن قَدَّم طواف الإفاضة على الرمي؛ فلا يجزئه. ورُوي عنه: يجزئه، وعليه دمٌ.
قلتُ: والصحيح هو قول الجمهور؛ لحديث عبد الله بن عمرو ﵄: أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وقف بمنى للناس يسألونه، فقال قائلٌ: يا رسول الله، لم أشعر، فحلقت قبل أن أذبح؟ فقال: «اذبح، ولا حرج»، وقال آخر: ذبحت قبل أن أرمي؟ فقال: «ارم، ولا حرج»، فما سُئل عن شيء قُدِّم ولا أُخِّر إلا قال: «افعل، ولا حرج» متفق عليه. (١)
وفي رواية لمسلم: فما سمعته يُسأل يومئذ عن أمرٍ مما يَنسى المرء ويجهل من تقديم بعض الأمور على بعض وأشباهها، إلا قال: «افعلوا، ولا حرج».
وفي حديث ابن عباس ﵄ عندهما، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قيل له في الذبح، والحلق، والتقديم، والتأخير، فقال: «لا حرج». (٢)
• وأما تقديم بعضها على بعض متعمدًا عالمًا بمخالفة السنة ففيه قولان:
стр. 2712
الأول: عليه دمٌ، وهو قول سعيد بن جبير، وجابر بن زيد، وقتادة، والنخعي، وهو رواية عن أحمد، وقال به مالك في تقديم الحلق على الرمي، وفي تقديم الطواف على الرمي في رواية.
الثاني: ليس عليه دمٌ، وهو قول عطاء، وإسحاق، والشافعي، ورواية عن أحمد، وحمل ابن قدامة هذا الخلاف على الجواز لا على الإجزاء، فقال: ولا نعلم خلافًا بينهم في أنَّ مخالفة الترتيب لا تخرج هذه الأفعال عن الإجزاء.
وقد نصر ابن دقيق العيد الرواية الأولى عن أحمد بعدم الجواز من المتعمد العالم بالسنة؛ معتمدًا على قوله في الحديث: «لم أشعر»، فقال: يختص الحكم بهذه الحالة، وهو الذي لا يشعر لجهله، أو نسيانه، وأما غيره؛ فيجب عليه الترتيب كما فعل رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-؛ لقوله: «خذوا عني مناسككم».
قلتُ: بل الصواب -والله أعلم- هو القول الثاني، وهو قول الجمهور؛ لأنَّ الترتيب لو كان واجبًا لم يسقط بالسهو، أو الجهل، والوقت مازال باقيًا، ولو كان واجبًا؛ لَأَمَرَه رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بإعادة ما قدمه قبل وقته، وأيضًا قول الراوي: فما سُئل عن شيء قدم ولا أخر ... ، الحديث، يُوحي بالإباحة، وعدم وجوب الترتيب.
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: قوله: «افعل، ولا حرج» يُشعِر بعدم وجوب الترتيب. اهـ
قلتُ: وأيضًا بعض الأحاديث ليس فيها ذكر النسيان، كحديث ابن عباس
стр. 2713
المتقدم، وحديث أسامة بن شريك عند أبي داود (٢٠١٥)، وغيره؛ قال: خرجت مع النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- حاجا فكان الناس يأتونه، فمن قال: يا رسول الله، سعيت قبل أن أطوف أو قدمت شيئا أو أخرت شيئا فكان يقول: «لا حرج لا حرج، إلا على رجل اقترض عرض رجل مسلم وهو ظالم، فذلك الذي حرج وهلك»؛ فالصواب هو قول الجمهور، والله أعلم. (١)
• وأما تقديم السعي على الطواف:
فالجمهور يرون عدم الإجزاء، وذهب إلى الإجزاء: عطاء، وأحمد في رواية؛ لحديث أسامة بن شريك المتقدم، وفيه: قال: يا رسول الله، سعيت قبل أن أطوف؟ فقال: «لا حرج» أخرجه أبو داود بإسناد صحيح، وقد تقدم، وقال الجمهور: المقصود به: سعيت بعد طواف القدوم قبل أن أطوف للإفاضة.
وهذا التأويل خلاف ظاهر الحديث، ورجَّح الإمام ابن عثيمين الإجزاء، وهذا هو الأقرب؛ إن صح الحديث، والله أعلم، وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك تحت المسألة رقم (٧٤). (٢)
مسألة [٢١٦]: متى يحصل التحلل من الحج ؟
• للحج تحللان، فالتحلل الأول اختلف أهل العلم بمَ يحصل:
فذهب أحمد، والشافعي إلى أنه يحصل بعد الرمي والحلق، وهو قول الحنفية،
стр. 2714
ولكن الأصل عندهم هو الحلق، وهو الذي يحصل به التحلل.
واستدلوا بحديث عائشة ﵂ عند أبي داود وغيره أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «إذا رميتم، وحلقتم؛ فقد حل لكم الطيب، وكل شيء إلا النساء». (١)
وهذا الحديث في إسناده: حجاج بن أرطاة، وهو مدلس وفيه ضعفٌ، وقد خلَّط في الإسناد والمتن، فرواه في الإسناد على وجهين، وفي المتن على ثلاثة أوجه، فتارة كما تقدم، وتارة يقول: «إذا رميتم» فَحَسْب، وتارة يزيد: «وذبحتم».
قال البيهقي ﵀ (٥/ ١٣٦): وهذا من تخليطات الحجاج بن أرطاة، وإنما الحديث عن عمرة، عن عائشة كما رواه سائر الناس عن عائشة ﵂.اهـ
يعني بلفظ: كنتُ أُطيب رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لإحرامه قبل أن يحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت.
• وذهب مالك، وعطاء، وأبو ثور، وأحمد في رواية وصححه ابن قدامة إلى أنَّ التحلل يحصل برمي جمرة العقبة.
واستدلوا بحديث عائشة ﵂ المتقدم على رواية: «إذا رميتم فقد حلَّ لكم ... » بدون زيادة: «الحلق»، وبحديث أم سلمة في «مسند أحمد» (٦/ ٢٩٥،٣٠٣): أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال يوم النحر: «إنَّ هذا يوم رخص لكم فيه إذا أنتم رميتم أن تحلوا ... » الحديث، وفي إسناده: أبو عبيدة بن عبد الله بن زمعة، وهو مستور الحال، وتابعه عند أحمد رجلٌ مجهولٌ يقال له: خالد مولى
стр. 2715
الزبير بن نوفل.
وجاء هذا القول عن ثلاثة من الصحابة، عن عائشة، وابن الزبير ﵃، كما في «ابن أبي شيبة» (٤/ ٣٢٠ - ٣٢١)، وهو صحيح عنهما، وجاء عن ابن عباس ﵄ عند ابن ماجه (٣٠٤١)، وغيره، وفي إسناده انقطاع؛ فإنَّه من طريق الحسن العرني، عنه، ولم يسمع منه، وقد رُوي حديث ابن عباس مرفوعًا، والمحفوظ وقفه.
وجاء في «سنن النسائي» (٥/ ١٣٧) بإسنادٍ صحيحٍ عن عائشة ﵂ قالت: طيبتُ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لإحرامه قبل أن يُحرم، ولحله بعد رمي جمرة العقبة قبل أن يطوف بالبيت.
قال أبو عبد الله غفر الله له: أحاديث القول الثاني أقوى وأكثر؛ فهو أقرب، وقد رجَّح ذلك الإمام الألباني ﵀، ولكن الأحوط العمل على القول الأول؛ فالأحاديث كلها لم تسلم من الكلام، والحديث الأخير لعائشة ليس بصريح.
ويحصل التحلل الثاني عند أهل العلم بالطواف بالبيت طواف الإفاضة بعد أن يرمي ويحلق، ولا خلاف في ذلك. (١)
مسألة [٢١٧]: إذا لم يرتب بين الأعمال السابقة فبماذا يحصل التحلل ؟
أما من قال: يحصل التحلل الأول بالرمي والحلق، كالشافعي وأصحابه، وأحمد في رواية، فيقولون: يحصل التحلل باثنين من ثلاثة، وهي: الرمي، والحلق، والطواف، ويحصل التحلل الأخير بالعمل الثالث، وأما الحنفية فلا يحصل
стр. 2716
التحلل عندهم إلا بالحلق.
وعن أحمد وجماعة من أصحابه: أنَّ التحلل الأول يحصل بواحد من اثنين، وهما الرمي والطواف، وبالثاني يحصل التحلل الثاني، والله أعلم.
قال الإمام العثيمين ﵀ كما في «مجموع فتاواه» (٢٣/ ١٧٢): وأما العبارة المشهورة عند الفقهاء (أنه يحل التحلل الأول بفعل اثنين من ثلاثة)، وهن: الرمي، والحلق، والطواف؛ فلا أعلم في هذا سنة، لكن فيه القياس والنظر؛ لأنَّ الطواف له تأثير في التحلل الثاني، فإذا كان له تأثير في التحلل الثاني؛ صار له تأثير في التحلل الأول. انتهى المراد. (١)
مسألة [٢١٨]: ماذا يحل له في التحلل الأول ؟
• ذهب أكثر أهل العلم إلى أنَّ المحرم بعد التحلل الأول يحل له كل شيء إلا النساء، وصحَّ هذا القول عن عائشة، وابن الزبير.
وهو مذهب أحمد، والشافعي، وأبي ثور، وأصحاب الرأي، وقال به علقمة، وسالم، وطاوس، والنخعي؛ للأحاديث المتقدمة.
وأما تحريم النساء؛ فلقوله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة:١٩٧]، وهو ما زال في الحج حتى يتحلل التحلل الثاني.
وعن أحمد رواية في تحريم الوطء فقط.
стр. 2717
• وذهب عمر وابنه (١)، وعروة إلى أنه يحل له ما عدا النساء والطِّيب، وهو مذهب مالك، وزاد: والصيد.
والأثر صحيح عن عمر، وقد بلغ عائشة قول عمر، فردت ذلك بقولها: طيبت رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لحله قبل أن يطوف بالبيت.
والصحيح هو القول الأول، والله أعلم. (٢)
مسألة [٢١٩]: المبيت بمنى أيام التشريق .
السُّنَّةُ لمن أفاض يوم النحر أن يرجع إلى منى؛ لما روى ابن عمر ﵄، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أفاض يوم النحر، فصلَّى الظهر بمنى. متفق عليه. (٣)
• واختلف أهل العلم في حكم المبيت بمنى ليالي أيام التشريق:
فذهب أكثر أهل العلم إلى وجوب المبيت بها، وهو قول عروة، والنخعي، ومجاهد، وعطاء، ومالك، والشافعي، وأحمد في رواية.
واستدلوا بحديث ابن عمر ﵄ في «الصحيحين» (٤) أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أذن للعباس بن عبد المطلب أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته، وبحديث
стр. 2718
عاصم بن عدي: أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- رخص للرعاة أن يتركوا المبيت بمنى. (١) فدل على أنَّ غيرهم لا يجوز لهم ترك ذلك؛ لأنَّ ضدَّ الرخصة العزيمة.
وصحَّ عن عمر أنه قال كما في «الموطأ» (١/ ٤٠٦)، و «ابن أبي شيبة» (١٤٦٠٣): لا يبيتن أحدٌ من الحاج ليالي منى من وراء العقبة.
• وذهب بعض أهل العلم إلى عدم الوجوب، وهو قول الحسن، ورواية عن أحمد، وصحَّ عن ابن عباس ﵄، كما في «مصنف ابن أبي شيبة» أنه قال: إذا رميت الجمار؛ فبت حيث شئت. واختار هذا القول ابن حزم.
وحجتهم: أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- رخَّص لبعض المعذورين بترك المبيت؛ فدلَّ على عدم الوجوب.
قلتُ: والصواب هو القول الأول، وترخيصه للمعذورين يدل على أن غيرهم لا رخصة لهم في تركه، والله أعلم. (٢)
مسألة [٢٢٠]: ماذا على من ترك المبيت ؟
• في المسألة قولان:
الأول: أساء ولا شيء عليه وعليه الاستغفار، وهو مذهب أحمد، وأصحاب الرأي.
стр. 2719
الثاني: عليه شيء، واختلفوا في ذلك، فمنهم من قال: يُطعم شيئًا، وهو قول عطاء، والثوري، والنخعي، ورواية عن أحمد، ومنهم من قال: عليه دم، وهو قول النخعي، ومالك، ومنهم من قال: إن ترك الثلاثة الأيام؛ فعليه دم، وإن ترك أقل من الثلاثة؛ فعليه الإطعام. وهو قول الشافعي، ورواية عن أحمد.
والقول الأول أقرب، وهو ترجيح ابن حزم، والله أعلم. (١)
مسألة [٢٢١]: من أراد أن يبيت ليلتين، ثم يَنفر .
ذكر أهل العلم أنه يُشرع لمن أراد أن يتعجل أن يقتصر على مبيت ليلتين؛ لقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ [البقرة:٢٠٣].
واشترط جمهور العلماء لمن أراد التَّعجُّلَ أن يخرج من منى قبل أن تغيب الشمس من اليوم الثاني، قالوا: فإذا غربت وهو بمنى؛ لزمه مبيت الليلة الثالثة، وهو قول مالك، وأحمد، والشافعي، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ قالوا: واليوم اسم للنهار دون الليل.
وصحَّ هذا القول عن عمر ﵁ كما في «سنن البيهقي» (٥/ ١٥٢)، وعن ابنه كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (الباب/ ١٩ من كتاب المناسك)، وكما في «سنن البيهقي»، وقال به من التابعين: أبو الشعثاء، وعطاء، وطاوس، وأبان بن عثمان، والنخعي، واختاره إسحاق، وابن المنذر.
стр. 2720
وقال أبو حنيفة: له التعجيل؛ مالم يطلع فجر اليوم الثالث، ولم يشترط ابن حزم شيئًا، بل أباح له النفر مطلقًا، والصواب قول الجمهور، والله أعلم.
وأكثر أهل العلم على أنَّ أهل مكة يجوز لهم التعجيل أيضًا؛ لعموم الآية، خلافًا لما رُوي عن عمر (١)، ومالك من المنع من ذلك. (٢)
تنبيه: لا يلزم في المبيت أن يمكث بمنى جميع الليل من غروب الشمس إلى طلوع الفجر، بل لو مكث معظم الليل؛ أجزأه، والله أعلم. (٣)
مسألة [٢٢٢]: رمي الجمرات الثلاث في أيام التشريق .
جاء في «صحيح البخاري» (١٧٥٢)، عن ابن عمر ﵄ صفة رمي الجمار في أيام التشريق: أَنَّهُ كَانَ يَرْمِي الْجمْرَةَ الدُّنْيَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ عَلَى إِثْرِ كُلِّ حَصَاةٍ، ثُمَّ يَتَقَدَّمُ حَتَّى يُسْهِلَ، فَيَقُومَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، فَيَقُومُ طَوِيلًا وَيَدْعُو وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ، ثُمَّ يَرْمِي الْوُسْطَى، ثُمَّ يَأْخُذُ ذَاتَ الشِّمَالِ، فَيُسْهِلُ، وَيَقُومُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، فَيَقُومُ طَوِيلًا وَيَدْعُو وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ، وَيَقُومُ طَوِيلًا، ثُمَّ يَرْمِي جَمْرَةَ ذَاتِ الْعَقَبَةِ مِنْ بَطْنِ الْوَادِي وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا، ثُمَّ يَنْصَرِفُ، فَيَقُولُ: هَكَذَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَفْعَلُهُ.
والمقصود بالجمرة الدنيا: هي الجمرة التي تلي مسجد الخيف، وهي أبعدها من مكة.
ومعنى: (يسهل)، أي: يقصد السَّهل من الأرض، وهو المكان المصطحب
стр. 2721
الذي لا ارتفاع فيه.
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في «الفتح» (١٧٥٢): قَالَ اِبْن قُدَامَةَ: لَا نَعْلَم لِمَا تَضَمَّنَهُ حَدِيث اِبْن عُمَر هَذَا مُخَالِفًا إِلَّا مَا رُوِيَ عَنْ مَالِك مِنْ تَرْك رَفْع الْيَدَيْنِ عِنْد الدُّعَاء بَعْد رَمْي الْجمَار، فَقَالَ اِبْن الْمُنْذِر: لَا أَعْلَم أَحَدًا أَنْكَرَ رَفْع الْيَدَيْنِ فِي الدُّعَاء عِنْد الْجمْرَة إِلَّا مَا حَكَاهُ اِبْن الْقَاسِم عَنْ مَالِك. اهـ.
قلتُ: ومالك ﵀ محجوج بحديث الباب، وكأنه لم يبلغه، والله أعلم.
ومجموع الحصيات: إحدى وعشرون حصاة في كل يوم؛ لحديث ابن عمر ﵄ السابق، ففي بعض الروايات في «البخاري» ذكر (سبع حصيات) في كل جمرة، ومجموع الأيام الثلاثة: ثلاث وستون حصاة. وإذا أضفنا إليها جمرة العقبة أصبحت: سبعين حصاة. (١)
مسألة [٢٢٣]: حكم رمي الجمار .
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في «الفتح» (١٧٤٦): وقد اختلف فيه، فالجمهور على أنه واجب يجبر تركه بدم، وعند المالكية سنة مؤكدة. اهـ
قلتُ: ويدل على قول الجمهور حديث ابن عباس ﵄، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «بمثل هؤلاء فارموا» أخرجه أحمد، وقد تقدم، فهذا أمرٌ بالرمي، وبين رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بفعله أنَّ الرمي في يوم النحر، وفي أيام التشريق، والله أعلم.
стр. 2722
مسألة [٢٢٤]: حكم التكبير عند رمي الجمار، والدعاء بعد ذلك، والقيام، ورفع اليدين .
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٥/ ٣٣٠): وَإِنْ تَرَكَ الْوُقُوفَ عِنْدَهَا وَالدُّعَاءَ؛ تَرَكَ السُّنَّةَ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَبِذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا، إلَّا الثَّوْرِيَّ قَالَ: يُطْعِمُ شَيْئًا، وَإِنْ أَرَاقَ دَمًا أَحَبُّ إلَيَّ. انتهى المراد.
وقال الحافظ ﵀ في «الفتح» (١٧٥٣): وقد أجمعوا على أنَّ من ترك التكبير عند رمي الجمار لا يلزمه شيء، إلا الثوري، فقال: يطعم، وإن جبره بدمٍ أحب إليَّ. اهـ
قلتُ: والصواب قول الجمهور؛ لأنها أعمال مستحبة، ولا نعلم دليلًا على إيجابها، والله أعلم. (١)
مسألة [٢٢٥]: حكم الترتيب بين الجمرات الثلاث .
• ذهب أكثر أهل العلم إلى وجوب الترتيب بين الجمرات، فيبدأ بالدنيا، ثم الوسطى، ثم جمرة العقبة، وهو مذهب أحمد، ومالك، والشافعي، قالوا: فإن نكس فبدأ بالعقبة الوسطى، ثم الدنيا؛ أجزأته الدنيا، ويعيد الوسطى بعدها، ثم العقبة، وإن بدأ بالوسطى، ثم الدنيا، ثم العقبة؛ أجزأته الدنيا، ثم يرمي الوسطى، ثم العقبة، وإن بدأ بالعقبة، ثم الأولى، ثم الوسطى؛ أعاد العقبة فقط، وَحُجَّتُهم: أنَّ هذا هو فعل رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وهو بيان لهذه الشعيرة، وهو القائل: «من عمل
стр. 2723
عملًا ليس عليه أمرنا؛ فهو رد».
• وذهب الحسن، وعطاء، وأبو حنيفة إلى عدم وجوب الترتيب، ويجزئه الرمي عندهم إذا نكس وبدأ بالعقبة، ثم الوسطى، ثم الدنيا.
والصواب قول الجمهور، والله أعلم. (١)
مسألة [٢٢٦]: وقت رمي الجمار في أيام التشريق .
• أكثر أهل العلم على أنَّ الرمي وقته من بعد الزوال، وإن رمى قبل الزوال يعيد، وهو مذهب أحمد، ومالك، والثوري، والشافعي، وقال به الحسن، وعطاء.
• وقال إسحاق، وأصحاب الرأي: وقته من بعد الزوال، ولكن لا بأس في اليوم الأخير أن يرمي قبل الزوال، ولا ينفر إلا بعد الزوال، وهذا رواية عن أحمد، وقال به عكرمة.
• وقال عطاء، وطاوس: يجوز قبل الزوال مطلقًا، وهو رواية عن أبي حنيفة، وهي خلاف المشهور عنه.
قلتُ: رمى رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بعد الزوال كما في «صحيح مسلم» (١٢٩٩)، عن جابر قال: رمى رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يوم النحر ضحى، وأما بعد ذلك فإذا زالت الشمس. وفي «البخاري» (١٧٤٦)، عن ابن عمر ﵄ أنه قال: كنا نتحين، فإذا
стр. 2724
زالت الشمس رمينا. والأصل في العبادات التوقيف؛ فالأظهر هو القول الأول، والله أعلم. (١)
مسألة [٢٢٧]: إذا أخر رمي يومٍ إلى ما بعده .
قال أبو محمد بن قدامة ﵀ في «المغني» (٥/ ٣٣٣): إذَا أَخَّرَ رَمْيَ يَوْمٍ إلَى مَا بَعْدَهُ، أَوْ أَخَّرَ الرَّمْيَ كُلَّهُ إلَى آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ؛ تَرَكَ السُّنَّةَ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، إلَّا أَنَّهُ يُقَدِّمُ بِالنِّيَّةِ رَمْيَ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ الثَّانِي، ثُمَّ الثَّالِثِ. وَبِذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ تَرَكَ حَصَاةً، أَوْ حَصَاتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا إلَى الْغَدِ؛ رَمَاهَا، وَعَلَيْهِ لِكُلِّ حَصَاةٍ نِصْفُ صَاعٍ، وَإِنْ تَرَكَ أَرْبَعًا؛ رَمَاهَا، وَعَلَيْهِ دَمٌ. وَلَنَا: أَنَّ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ وَقْتٌ لِلرَّمْيِ ... اهـ
قلتُ: وللجمهور في أنَّ ذلك وقتٌ للرمي حديث عاصم بن عدي أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- رخَّص للرعاء أن يجمعوا رمي يومين في يوم واحد (٢)، ولكن مع كونه يجزئ؛ ففي النفس شيء من الجواز، وقد منع المالكية، والحنفية منه، ويرونه غير جائز، وهو اختيار الشيخ ابن عثيمين. (٣)
مسألة [٢٢٨]: إذا أخَّر الرمي حتى خرجت أيام التشريق ؟
قال عبد العزيز الكناني ﵀ في «هداية السالك» (٤/ ١٣٤٦): واتفق الأربعة
стр. 2725
على أنَّ بغروب الشمس من آخر أيام التشريق يفوت كل الرمي، فلا يفعل بعد ذلك أداءً، ولا قضاءً؛ لأنه تابع للوقوف، فكما أنَّ للوقوف وقتًا يفوت بفواته كذلك الرمي. اهـ
قال القرطبي ﵀ في «تفسيره» (٣/ ٧): ولا سبيل عند الجميع إلى رمي ما فاته من الجمار في أيام التشريق حتى غابت الشمس من آخرها، وذلك اليوم الرابع من يوم النحر، وهو الثالث من أيام التشريق، ولكن يجزئه الدم، أو الإطعام على ما ذكرنا. اهـ
قلتُ: أما الدم والإطعام فلا نعلم عليه دليلًا، ولكن يستغفر الله إن ترك ذلك عامدًا لغير عذر، ومن كان معذورًا، أو ناسيًا، أو جاهلًا؛ فلا شيء عليه، والله أعلم.
مسألة [٢٢٩]: هل يرمي عن المريض والعاجز ؟
قال النووي ﵀ في «المجموع» (٨/ ٢٨٣): أجمعوا على الرمي عن الصبي الذي لا يقدر على الرمي؛ لِصِغَرِه، وأما العاجز عن الرمي لمرض، وهو بالغٌ، فمذهبنا أنه يُرمى عنه كالصبي، وبه قال الحسن، ومالك، وأحمد، وإسحاق، وقال النخعي: يوضع الحصى في كفه، ثم يؤخذ، ويُرمى في المرمى. اهـ
قلتُ: من لم يقدر على الرمي لمرضه وعجزه؛ جاز الرمي عنه، وبذلك يُفتي الشيخ ابن باز، والشيخ ابن عثيمين رحمة الله عليهما، ولكن ننبه على أنَّ بعض الناس يتساهل، فربما رمى عن امرأته، وهي قادرة؛ خوفًا عليها من الازدحام،
стр. 2726
فهذا لا يجزئ، وعليه أن يتحرى وقتًا لا يكون فيه ازدحام، فيذهب بامرأته لترمي بنفسها.
مسألة [٢٣٠]: من تعجل في اليوم الثاني، فهل يرمي عن اليوم الثالث ؟
قال القرطبي ﵀ في «تفسيره» (٣/ ٨ - ٩): قال علماؤنا: ويسقط رمي الجمرة الثالثة عمن تعجل. قال ابن أبي زمنين: يرميها يوم النفر حين يريد التعجيل. قال ابن المنذر: ويسقط رمي اليوم الثالث.
قلتُ: الصواب أنه يسقط عنه مبيت الليلة الثالثة، ورمي اليوم الثالث، وهو قول عامة أهل العلم، ويظهر ذلك من قولهم: إذا غابت عليه الشمس وهو في منى؛ وجب عليه مبيت الليلة الثالثة، والرمي من الغد، وقد تقدم ذكر ذلك.
مسألة [٢٣١]: هل ثبت أن الجمار، ما قبل منها رفعه الله ؟
جاء من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، قال: قلنا: يا رسول الله، هذه الجمار التي ترمي كل سنة، فنحسب أنها تنقص، فقال: «ما تقبل منها رفع، ولولا ذلك رأيتموها مثل الجبال» أخرجه الطبراني في «الأوسط» (١٧٥٠)، والدارقطني (٢/ ٣٠٠)، والحاكم (١/ ٤٧٦)، والبيهقي (٥/ ١٢٨) من طريق يزيد بن سنان، عن زيد بن أبي أنيسة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، عن أبيه به.
قال ابن عبد الهادي ﵀ في «التنقيح» (٣/ ٥٣٨): وهو حديثٌ لا يثبت، فإنَّ أبا فروة يزيد بن سنان ضعَّفه الإمام أحمد، والدَّارَقُطْنِيُّ، وغيرهما، وتركه النَّسائيُّ
стр. 2727
وغيره، وذكره الحاكم في كتاب الضُّعفاء أيضًا، وقال البيهقيُّ: يزيد بن سنان ليس بالقويِّ في الحديث، وروي من وجهٍ آخر ضعيف عن ابن عمر مرفوعًا. اهـ
وأخرج مسدد في مسنده كما في «المطالب العالية» (١٢٥٧)، والبيهقي في «الكبرى» (٥/ ١٢٨)، وابن عبد البر في «الاستذكار» (١٣/ ٢٢٥) من طريق سفيان الثوري، عن سليمان بن أبي المغيرة العبسي، عن ابن أبي نعم، عن أبي سعيد، قال: حصى الجمار ما يقبل منه رفع، وما رد ترك، ولولا ذلك كان أطول من ثبير.
قلتُ: هذا إسنادٌ حسنٌ؛ سليمان، وعبد الرحمن بن أبي نعم، كلاهما حسن الحديث، وأخرج البيهقي (٥/ ١٢٨) من طريق سفيان الثوري، عن ابن خثيم، عن أبي الطفيل، عن ابن عباس، قال: وكل به ملك: ما تقبل منه رفع، وما لم يتقبل ترك. وهذا إسنادٌ حسنٌ أيضًا؛ عبد الله بن عثمان بن خثيم حسن الحديث.
وأخرجه ابن أبي شيبة (٤/ ٣٢) عن ابن عيينة، عن فطر، عن أبي الطفيل، قال: قلت لابن عباس رميت الجمار في الجاهلية والإسلام، فقال: ما تقبل منه رفع، ولولا ذلك كان أعظم من ثبير.
إسناده حسن أيضًا؛ فطر بن خليفة حسن الحديث، وأخرجه ابن عبد البر في «الاستذكار» (١٣/ ٢٢٥) من طريق سفيان، عن فطر به.
стр. 2728
٧٢٦ - وَعَنْ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إذَا فَرَغَ مِنْ تَلْبِيَتِهِ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ سَأَلَ اللهَ رِضْوَانَهُ وَالجَنَّةَ وَاسْتَعَاذَ بِرَحْمَتِهِ مِنَ النَّارِ. رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ. (١)
الحكم المستفاد من الحديث
استحبَّ بعض الفقهاء الدعاء المذكور عقب التلبية، ولكن الحديث ضعيفٌ، وعلى هذا فلا يستحب تعيين الدعاء المذكور، ولا يتحرى الدعاء به عقب التلبية، والله أعلم.
стр. 2729
٧٢٧ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «نَحَرْت هَاهُنَا، وَمِنًى كُلُّهَا مَنْحَرٌ، فَانْحَرُوا فِي رِحَالِكُمْ، وَوَقَفْتُ هَاهُنَا وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ، وَوَقَفْت هَاهُنَا وَجَمْعٌ كُلُّهَا مَوْقِفٌ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: موضع النحر والذبح في الحج والعمرة .
قال ابن عبد البر -رحمه الله تعالى-: في «التمهيد» (٩/ ١٠٣ - ١٠٤) ط/مرتبة: المنحر في الحج بمنى إجماع من العلماء، وأما العمرة فلا طريق لمنى فيها، فمن أراد أن ينحر في عمرته وساق هديًا يتطوع به؛ نحره بمكة حيث شاء منها، وهذا إجماع أيضًا لا خلاف فيه يغني عن الإسناد والاستشهاد، فمن فعل ذلك فقد أصاب السنة، ومن لم يفعل ونحر في غيرهما فقد اختلف العلماء في ذلك: فذهب مالك إلى أن المنحر لا يجوز في الحج إلا بمنى، ولا في العمرة إلا بمكة، ومن نحر في غيرهما لم يجزه، ومن نحر في الحج أو في العمرة في أحد الموضعين أجزأه؛ لأن رسول الله ﷺ جعلهما موضعًا للنحر، وخصهما بذلك.
وقال الشافعي، وأبو حنيفة: إن نحر في غير منى ومكة من الحرم أجزأه. قالوا: وإنما لمكة ومنى اختصاص الفضيلة، والمعنى في ذلك الحرم؛ لأن مكة ومنى حرم، وقد أجمعوا أن من نحر في غير الحرم لم يجزه.
قلتُ: وما ذهب إليه الشافعي وأبو حنيفة هو مذهب أحمد أيضًا، وهو الصحيح.
стр. 2730
• وقد ذهب ابن حزم في «المحلى» (٧/ ١٥٦) إلى ما ذهب إليه مالك.
والإجماع الأخير الذي ذكره ابن عبد البر لا يصح، فقد قال ابن حزم ﵀: فإنَّ قومًا قالوا: يجزئ في كل بلد؛ لأنَّ الله تعالى لم يحد موضعَ أدائه؛ فهو جائزٌ في كل موضع. وقال أيضًا: وعن مجاهد: انحر حيث شئت. اهـ (١)
٧٢٨ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا جَاءَ إلَى مَكَّةَ دَخَلَهَا مِنْ أَعْلَاهَا وَخَرَجَ مِنْ أَسْفَلِهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (٢)
الحكم المستفاد من الحديث
فيه استحباب الدخول إلى مكة من الثَّنية العُليا، وهي (كَداء) بفتح الكاف والمد، وهي التي يقال لها (الحجون).
واستحباب الخروج من الثنية السُّفلى وهي (كُدا) بضم الكاف والقصر، وحديث عائشة جاء عن ابن عمر ﵄ أيضًا في «الصحيحين» (٣) بمعناه.
стр. 2731
٧٢٩ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، أَنَّهُ كَانَ لَا يَقْدَمُ مَكَّةَ إلَّا بَاتَ بِذِي طُوًى حَتَّى يُصْبِحَ وَيَغْتَسِلَ، وَيَذْكُرُ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: حكم الاغتسال عند دخول مكة .
الغسل عند دخول مكة مُستحبٌّ.
ونقل ابن المنذر الإجماع على استحبابه كما في «الفتح» (١٥٧٣).
ويستحَبُّ أيضًا أن يدخل مكة نهارًا، وهو أكثر فعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وقد ورد عنه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنه دخل مكة ليلًا في عمرة الجعرانة.
стр. 2732
٧٣٠ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّهُ كَانَ يُقَبِّلُ الحَجَرَ الأَسْوَدَ وَيَسْجُدُ عَلَيْهِ. رَوَاهُ الحَاكِمُ مَرْفُوعًا، وَالبَيْهَقِيُّ مَوْقُوفًا. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: حكم السجود على الحجر الأسود .
• استحبَّ جماعةٌ من الفقهاء السجود على الحجر، بمعنى أن يجعل جبهته عليه بعد تقبيله، وهو مذهب الشافعي وأصحابه، ونقله الأثرم عن أحمد، وعليه أكثر الحنفية، بل هو قول الجمهور.
стр. 2733
• وذهب مالك، وبعض الحنفية إلى كراهة السجود عليه، بل قال مالك: إنه بدعة.
قلتُ: الذي يظهر لي أنه لا يصل إلى حدّ البدعة؛ لأنَّ ابن عباس ﵄ قد فعله، ولكن لا يسجد عليه؛ لعدم صحة الحديث المرفوع في ذلك، والله أعلم. (١)
стр. 2734
٧٣١ - وَعَنْهُ ﵁، قَالَ: أَمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ : أَنْ يَرْمُلُوا ثَلَاثَةَ أَشْوَاطٍ وَيَمْشُوا أَرْبَعًا، مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١)
٧٣٢ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، أَنَّهُ كَانَ إذَا طَافَ بِالبَيْتِ الطَّوَافَ الأَوَّلَ خَبَّ ثَلَاثًا، وَمَشَى أَرْبَعًا وَفِي رِوَايَةٍ: رَأَيْت رَسُولَ اللهِ ﷺ إذَا طَافَ فِي الحَجِّ أَوِ العُمْرَةِ أَوَّلُ مَا يَقْدَمُ فَإِنَّهُ يَسْعَى ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ بِالبَيْتِ وَيَمْشِي أَرْبَعَةً. (٢) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (٣)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين
في الحديثين دلالة على استحباب الرَّمَل في الثلاثة الأشواط الأولى من طواف القدوم، والمشي في بقية الأشواط.
وانظر ما تقدم في حديث جابر الطويل رقم المسألة [٢٨].
стр. 2735
٧٣٣ - وَعَنْهُ ﵁ قَالَ: لَمْ أَرَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَسْتَلِمُ مِنَ البَيْتِ غَيْرَ الرُّكْنَيْنِ اليَمَانِيَّيْنِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (١)
٧٣٤ - وَعَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ قَبَّلَ الحَجَرَ وَقَالَ: إنِّي أَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (٢)
٧٣٥ - وَعَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ ﵁ قَالَ: رَأَيْت رَسُولَ اللهِ ﷺ يَطُوفُ بِالبَيْتِ وَيَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ مَعَهُ، وَيُقَبِّلُ المِحْجَنَ. رَوَاهُ مُسْلِمٍ. (٣)
المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث
يستفاد من هذه الأحاديث: استحباب استلام الركنين اليمانيين، وتقبيل الحجر الأسود؛ فإن لم يتمكن من الاستلام بيده، فيستلم بعصا إن كان معه عصا؛ فإن لم يكن معه عصا اكتفى بالإشارة إلى الحجر الأسود، ولا يشير إلى الركن اليماني الذي ليس فيه الحجر الأسود.
وانظر ما تقدم في حديث جابر الطويل.