← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 165

فتح العلام في دراسة أحاديث بلوغ المرام ط 4

محمد بن علي بن حزام البعداني

Полный текст (5 956 стр.). Показаны 2766–2805 · переход к 2771.

стр. 2766

٧٦٢ - وَعَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ ألفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إلَّا المَسْجِدَ الحَرَامَ، وَصَلَاةٌ فِي المَسْجِدِ الحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةٍ فِي مَسْجِدِي هَذَا بِمِائَةِ صَلَاةٍ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: فضيلة الصلاة في المسجد النبوي، والمسجد الحرام . فيه الحث على كثرة الصلاة في المسجد الحرام، والمسجد النبوي؛ فإنَّ أجرها مضاعف؛ فإنَّ الصلاة في المسجد النبوي تعادل ألف صلاة في غيره في الأجر، والصلاة في المسجد الحرام تعادل مائة صلاة في مسجد النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وقد جاء عن جابر مثل حديث ابن الزبير ﵄، أخرجه ابن ماجه (١/ ٤٥٠)، وصححه شيخنا ﵀ في «الصحيح المسند» (٢٢٨). مسألة [٢]: هل هذه الفضيلة تشمل صلاة النافلة ؟ ظاهر حديث الباب العموم؛ فهو يشمل الفريضة والنافلة. قال النووي ﵀ في «شرح مسلم» (١٣٩٤): واعلم أنَّ مذهبنا أنه لا يختص

стр. 2767

هذا التفضيل بالصلاة في هذين المسجدين بالفريضة، بل يعم الفرض والنفل جميعًا، وبه قال مطرف من أصحاب مالك، وقال الطحاوي: يختص بالفرض. وهذا مخالفٌ لإطلاق هذه الأحاديث الصحيحة. اهـ قلتُ: وقال بقول الطحاوي ابنُ أبي زيد القيرواني من أصحاب مالك كما في «إعلام الساجد» للزركشي (ص ١٢٤). وحجة من خصَّ الحديث بالفريضة: أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قد أخبر أنَّ صلاة النافلة في البيت أفضل من الصلاة في المسجد؛ فدل على أن التفضيل للفريضة فقط، وهذا الذي ذكره لا يعارض التفضيل المذكور. قال ابن العراقي ﵀ كما في «طرح التثريب» (٦/ ٥٢): قال والدي ﵀ في «شرح الترمذي»: تكون النوافل في المسجد مضاعفة بما ذكر من ألفٍ في المدينة، ومائة ألف في مكة، ويكون فعلها في البيت أفضل؛ لعموم قوله ﷺ في الحديث الصحيح: «أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة»، بل ورد في بعض طرقه: أنَّ النافلة في البيت أفضل من فعلها في مسجده ﷺ .اهـ وقال الحافظ ﵀ في «الفتح» (١١٩٠): ويمكن أن يقال: لا مانع من إبقاء الحديث على عمومه؛ فتكون صلاة النافلة في بيت بالمدينة، أو مكة تضاعف على صلاتها في البيت بغيرهما، وكذا في المسجدين، وإن كانت في البيوت أفضل مطلقًا. اهـ مسألة [٣]: هل هذه الفضيلة تشمل التوسعة التي حدثت بعد موت النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم -؟

стр. 2768

• ذهب العمراني ﵀ في «البيان» إلى أنَّ الفضيلة التي في المسجد الحرام المراد بها الكعبة، وما في الحجر، ثم استدل بحديث عائشة ﵂ أنها قالت: يا رسول الله، إني نذرت أن أصلي في البيت. فقال: «صلِّي في الحِجْر؛ فإنه من البيت»، قال: فلو كان المسجد وسائر بقاع الحرم يساوي الكعبة بذلك لم يكن لتخصيصها بالبيت معنى. • وذهب النووي ﵀ إلى أنَّ الفضيلة في المسجد النبوي مختصة بالمسجد الذي كان على عهد النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مستدلًّا بحديث أبي هريرة ﵁ عند البخاري (١١٩٠)، ومسلم (١٣٩٤): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه؛ إلا المسجد الحرام» يعني قوله: «مسجدي هذا». قلتُ: أما قول العمراني فضعيف جدًّا، وحديث عائشة ﵂ الذي ذكره أخرجه أبو داود (٢٠٢٨)، والترمذي (٨٧٦)، والنسائي (٢٩١١) بنحوه، وليس فيه دلالة على ما استدل به، إنما يستفاد منه: أنَّ من نذر أن يصلي في البيت أجزأه الصلاة في الحجر، وأكثر ما يستدل به هو فضيلة الصلاة في الكعبة، لا أنَّ الفضل المذكور مختص بها. وكلام النووي ﵀ غير صحيح؛ فإنَّ الإشارة بقوله: «مسجدي هذا» إنما هو للاحتراز من غيره من مساجد المدينة، والمسجد وإن زيد فيه؛ فهو ما زال يطلق عليه: مسجد النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.

стр. 2769

قلتُ: وعامة العلماء على أنَّ الفضيلة المذكورة في الحديث تشمل المسجدين مع الزيادة. قال شيخ الإسلام ﵀ في كتابه «الرد على الأخنائي» (ص ١٣٦ - ١٣٨): وقد جاءت الآثار بأنَّ حكم الزيادة في مسجده حكم المزيد، تُضَعَّف فيه الصلاة بألف صلاة، كما أنَّ المسجد الحرام حكم الزيادة فيه حكم المزيد؛ فيجوز الطواف فيه، والطواف لا يكون إلا في المسجد، لا خارجًا منه؛ ولهذا اتفق الصحابة على أنهم يصلون في الصف الأول من الزيادة التي زادها عمر، ثم عثمان، وعلى ذلك عمل المسلمين كلهم، فلولا أن حكمه حكم مسجده؛ لكانت تلك صلاة في غير مسجده، والصحابة وسائر المسلمين بعدهم لا يحافظون على العدول عن مسجده إلى غير مسجده، ويأمرون بذلك. ثم نقل عن أبي زيد عمر بن شبه بعض الآثار، منها ما أسنده عن عمر ﵁ من وجه منقطع، أنه قال: لو مُدَّ مسجد النبي ﷺ إلى ذي الحليفة؛ لكان منه. وأسند عن عمر من وجه آخر ضعيف أنه قال: لو زدنا فيه حتى بلغ الجبانة؛ كان مسجد رسول الله ﷺ ، وجاءه الله بعامر. ثم قال شيخ الإسلام ﵀: وهذا الذي جاءت به الآثار هو الذي يدل عليه كلام الأئمة المتقدمين، وعملهم؛ فإنهم قالوا: إنَّ صلاة الفرض خلف الإمام أفضل. وهذا الذي قالوه هو الذي جاءت به السنة، وكذلك كان الأمر على عهد عمر، وعثمان ﵄؛ فإنَّ كلًّا منهما زاد من قبلي المسجد، فكان مقامه في الصلوات

стр. 2770

الخمس في الزيادة، وكذلك مقام الصف الأول الذي هو أفضل ما يقام فيه بالسنة والإجماع، وإذا كان كذلك؛ فيمتنع أن تكون الصلاة في غير مسجده أفضل منها في مسجده، وأن يكون الخلفاء، والصفوف الأُوَل كان يصلون في غير مسجده، وما بلغني عن أحدٍ من السلف خلاف هذا، لكن رأيت بعض المتأخرين قد ذكر أنَّ الزيادة ليست من مسجده، وما علمت لمن ذكر ذلك سلفًا من العلماء. انتهى المراد. مسألة [٤]: هل التضعيف خاصٌّ بالمسجد الحرام، أم يشمل جميع مكة ؟ • ذهب بعض الشافعية إلى أنه يشمل جميع مكة، بل قال بعضهم: جميع الحرم. وهو قول عطاء، واختاره النووي في «مناسكه»، وقال ابن حزم: يشمل الحرم وعرفة. قلتُ: حجة من يعمم التفضيل: أنَّ المسجد الحرام قد يطلق على الحرم، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج:٢٥]، وقوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ [الإسراء:١] وقد أسري به من بيت أم هانئ. • وذهب بعض الشافعية إلى أنه خاصٌّ بالمسجد الحرام، واختاره النووي في [باب استقبال القبلة] من «شرح المهذب»، وهو أظهر؛ لأنَّ إطلاق المسجد الحرام على الحرم كاملًا خلاف المشهور؛ ولأنه قد جاءت رواية: «إلا مسجد

стр. 2771

الكعبة»، أخرجه مسلم (١٣٩٦)، والنسائي (٦٩١) من حديث ميمونة ﵂. (١) مسألة [٥]: تفضيل مكة على المدينة . قال الحافظ ﵀ في «الفتح» (١١٩٠): واستدل بهذا الحديث على تفضيل مكة على المدينة؛ لأن الأمكنه تشرف بفضل العبادة فيها على غيرها مما تكون العبادة فيه مرجوحة، وهو قول الجمهور، وحكي عن مالك، وبه قال ابن وهب، ومطرف، وابن حبيب من أصحابه. لكن المشهور عن مالك وأكثر أصحابه تفضيل المدينة. واستدلوا بقوله ﷺ : «ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة». (٢) مع قوله: «موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها». (٣) قال ابن عبدالبر: هذا استدلال بالخبر في غير ما ورد فيه، ولا يقاوم النص الوارد في فضل مكة. ثم ساق حديث أبي سلمة عن عبدالله بن عدي بن الحمراء، قال: رأيت رسول الله ﷺ واقفًا على الحزوره، فقال: «والله، إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أُخرجت منك ما خرجت» (٤)، وهو حديث

стр. 2772

صحيح أخرجه أصحاب «السنن»، وصححه الترمذي، وابن خزيمة، وابن حبان وغيرهم. قال ابن عبدالبر: هذا نصٌّ في محل الخلاف؛ فلا ينبغي العدول عنه، والله أعلم. وقد رجع عن هذا القول كثير من المصنفين من المالكية. اهـ قال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب تفضيل مكة؛ لصراحة الحديث المذكور في ذلك، والله أعلم.

стр. 2773

بَابُ الفَوَاتِ وَالإِحْصَارِ ٧٦٣ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَدْ أُحْصِرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَحَلَقَ، وَجَامَعَ نِسَاءَهُ، وَنَحَرَ هَدْيَهُ، حَتَّى اعْتَمَرَ عَامًا قَابِلًا. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: الإحصار عن الحج . قال النووي ﵀ في «المجموع» (٨/ ٣٥٤): المحرم بالحج له التحلل إذا أحصره عدوٌّ بالإجماع. اهـ ونقل الإجماع أيضًا ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٥/ ١٩٤)، ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة:١٩٦]. مسألة [٢]: الإحصار عن العمرة . • ذهب مالك إلى أنَّ المعتمر إذا مُنع عن البيت لا يتحلل؛ لأنه لا يخاف الفوات، وهو قول ابن سيرين. • وخالفهما عامَّةُ العلماء، فقالوا: له أن يتحلل؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وأصحابه عند أن أُحْصِروا في الحديبية تحللوا، وكانوا معتمرين، والآية نزلت في ذلك. والصواب قول الجمهور، والله أعلم. (٢)

стр. 2774

مسألة [٣]: هل على من أُحصر الهدي ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٥/ ١٩٥): وَعَلَى مَنْ تَحَلَّلَ بِالْإِحْصَارِ الْهَدْيُ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ: لَيْسَ عَلَيْهِ هَدْيٌ؛ لِأَنَّهُ تَحَلُّلٌ أُبِيحَ لَهُ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ، أَشْبَهَ مَنْ أَتَمَّ حَجَّهُ. وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾، قَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ التَّفْسِيرِ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي حَصْرِ الْحُدَيْبِيَةِ. انتهى المراد. قلتُ: الصواب قول الجمهور. (١) مسألة [٤]: الحصر العام، والحصر الخاص . قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٥/ ١٩٥): وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْحَصْرِ الْعَامِّ فِي حَقِّ الْحَاجِّ كُلِّهِ، وَبَيْنَ الْخَاصِّ فِي حَقِّ شَخْصٍ وَاحِدٍ، مِثْلُ أَنْ يُحْبَسَ بِغَيْرِ حَقٍّ، أَوْ أَخَذَتْهُ اللُّصُوصُ وَحْدَهُ؛ لِعُمُومِ النَّصِّ، وَوُجُودِ الْمَعْنَى فِي الْكُلِّ، فَأَمَّا مَنْ حُبِسَ بِحَقٍّ عَلَيْهِ، يُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ مِنْهُ، لَمْ يَكُنْ لَهُ التَّحَلُّلُ؛ لِأَنَّهُ لَا عُذْرَ لَهُ فِي الْحَبْسِ، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا بِهِ عَاجِزًا عَنْ أَدَائِهِ، فَحَبَسَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ؛ فَلَهُ التَّحَلُّلُ. اهـ مسألة [٥]: إذا أمكن المحصَر الذهاب من طريقٍ أخرى ؟ قال أبو محمد بن قدامة ﵀ (٥/ ١٩٦): إنْ أَمْكَنَ الْمُحْصَرَ الْوُصُولُ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى؛ لَمْ يُبَحْ لَهُ التَّحَلُّلُ، وَلَزِمَهُ سُلُوكُهَا، بَعُدَتْ أَوْ قَرُبَتْ، خَشِيَ الْفَوَاتَ أَوْ لَمْ يَخْشَهُ؛ فَإِنْ كَانَ مُحْرِمًا بِعُمْرَةٍ؛ لَمْ يَفُتْ وَإِنْ كَانَ بِحَجٍّ فَفَاتَهُ؛ تَحَلَّلَ بِعُمْرَةٍ. اهـ

стр. 2775

مسألة [٦]: هل على المحصر قضاء ؟ • في المسألة قولان: الأول: يجب عليه القضاء، وهو قول مجاهد، وعكرمة، والشعبي، وأبي حنيفة، وأحمد في رواية؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لما تحلل زمن الحديبية قضى من قابل، وسُمِّيَت عمرة القضية. الثاني: لا يجب عليه القضاء، وهو مذهب مالك، والشافعي، وأحمد في المشهور عنه، وداود؛ لأنه لم ينقل أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أمر أحدًا بالقضاء، وأمر الله بالهدي، ولم يأمر بالقضاء، ووجوب القضاء حكمٌ شرعيٌّ يحتاج إلى دليل صحيح صريح. وأما استدلالهم بفعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فإنما كان ذلك لأنه قاضى المشركين على أن يعتمروا من العام القابل، ولم ينقل أنها كانت قضاءً، ولو كانت قضاءً؛ لاعتمر جميع من صُدَّ، والذي صُدُّوا عن البيت كانوا ألفًا وأربعمائة، والذين اعتمروا مع النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كانوا نفرًا يسيرًا كما ذُكِر في السِّيَر. وهذا هو القول الصواب، والله أعلم. (١) مسألة [٧]: التحلل بعد الذبح . قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٥/ ١٩٦): وَإِذَا قَدَرَ الْمُحْصَرُ عَلَى الْهَدْيِ؛ فَلَيْسَ لَهُ الْحِلُّ قَبْلَ ذَبْحِهِ؛ فَإِنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ قَدْ سَاقَهُ؛ أَجْزَأَهُ، وَإِنْ لَمْ

стр. 2776

يَكُنْ مَعَهُ؛ لَزِمَهُ شِرَاؤُهُ إنْ أَمْكَنَهُ، وَيُجْزِئُهُ أَدْنَى الْهَدْيِ، وَهُوَ شَاةٌ، أَوْ سُبْعُ بَدَنَةٍ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾، وَلَهُ نَحْرُهُ فِي مَوْضِعِ حَصْرِهِ، مِنْ حِلٍّ أَوْ حَرَمٍ. اهـ قلتُ: ويدل على ذلك حديث المسور بن مخرمة ﵁ في قصة عمرة الحديبية، فلما حصروا، قال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لأصحابه: «قوموا فانحروا، ثم احلقوا .. »، الحديث رواه البخاري، وقد تقدم. (١) مسألة [٨]: مكان الذبح . • ذهب الجمهور إلى أنَّ للمحصر أن يذبح في مكانه الذي أُحصر فيه من حِلٍّ، أو حرم، وهو قول أحمد، ومالك، والشافعي؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وأصحابه نحروا بالحديبية قبل الحرم. • وذهب أحمد في رواية إلى أنه ليس له نحر هديه إلا بالحرم، وهو قول أبي حنيفة، وأفتى بذلك ابن مسعود ﵁ فيمن لُدِغَ. قال ابن قدامة ﵀: وَرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ، وَالشَّعْبِيِّ، وَالنَّخَعِيِّ، وَعَطَاءٍ، وَهَذَا -وَاَللهُ أَعْلَمُ- فِي مَنْ كَانَ حَصْرُهُ خَاصًّا، وَأَمَّا الْحَصْرُ الْعَامُّ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَهُ أَحَدٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُفْضِي إلَى تَعَذُّرِ الْحِلِّ؛ لِتَعَذُّرِ وُصُولِ الْهَدْيِ إلَى مَحِلِّهِ. اهـ قال أبو عبد الله غفر الله له: إذا استطاع المحصَر أن يرسل بهديه إلى الحرم فهو

стр. 2777

أفضل، وإن لم يستطع؛ ذبحه بمكانه، ولا يجب عليه إرساله إلى الحرم؛ لإطلاق الآية المتقدمة، والله أعلم. (١) مسألة [٩]: وقت نحر الهدي . قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٥/ ١٩٨): وَمَتَى كَانَ الْمُحْصَرُ مُحْرِمًا بِعُمْرَةٍ؛ فَلَهُ التَّحَلُّلُ وَنَحْرُ هَدْيِهِ وَقْتَ حَصْرِهِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَصْحَابَهُ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ حَلُّوا وَنَحَرُوا هَدَايَاهُمْ بِهَا قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ، وَإِنْ كَانَ مُفْرِدًا أَوْ قَارِنًا، فَكَذَلِكَ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ. قال أبو عبد الله غفر الله له: وهو مذهب الشافعي، وأبي يوسف، ومحمد. قال ﵀: لِأَنَّ الْحَجَّ أَحَدُ النُّسُكَيْنِ؛ فَجَازَ الْحِلُّ مِنْهُ وَنَحْرُ هَدْيِهِ وَقْتَ حَصْرِهِ كَالْعُمْرَةِ، وَلِأَنَّ الْعُمْرَةَ لَا تَفُوتُ، وَجَمِيعُ الزَّمَانِ وَقْتٌ لَهَا، فَإِذَا جَازَ الْحِلُّ مِنْهَا وَنَحْرُ هَدْيِهَا مِنْ غَيْرِ خَشْيَةِ فَوَاتِهَا؛ فَالْحَجُّ الَّذِي يُخْشَى فَوَاتُهُ أَوْلَى. قال: وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ لَا يَحِلُّ، وَلَا يَنْحَرُ هَدْيَهُ إلَى يَوْمِ النَّحْرِ؛ لِأَنَّ لِلْهَدْيِ مَحِلَّ زَمَانٍ، وَمَحِلَّ مَكَان؛ فَإِنْ عَجَزَ مَحِلُّ المَكَانِ فَسَقَطَ؛ بَقِيَ مَحِلُّ الزَّمَانِ وَاجِبًا؛ لِإِمْكَانِهِ، وَإِذَا لَمْ يَجُزْ لَهُ نَحْرُ الْهَدْيِ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ لَمْ يَجُزْ التَّحَلُّلُ؛ لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة:١٩٦].اهـ قلتُ: وهو مذهب علقمة، وأبي حنيفة، والقول الأول هو الصواب، والله

стр. 2778

أعلم؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة:١٩٦]، والمحصور محل هديه حيث أُحصر كما دلَّ عليه فعل رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وأصحابه، والله أعلم. تنبيه: قال ابن قدامة ﵀: وَإِذَا قُلْنَا بِجَوَازِ التَّحَلُّلِ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ؛ فَالْمُسْتَحَبُّ لَهُ مَعَ ذَلِكَ الْإِقَامَةُ مَعَ إحْرَامِهِ؛ رَجَاءَ زَوَالِ الْحَصْرِ، فَمَتَى زَالَ قَبْلَ تَحَلُّلِهِ؛ فَعَلَيْهِ الْمُضِيُّ لِإِتْمَامِ نُسُكِهِ، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: قَالَ كُلُّ مَنْ أَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ: إنَّ مَنْ يَئِسِ أَنْ يَصِلَ إلَى الْبَيْتِ، فَجَازَ لَهُ أَنْ يَحِلَّ؛ فَلَمْ يَفْعَلْ حَتَّى خُلِّيَ سَبِيلُهُ، أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَقْضِيَ مَنَاسِكَهُ، وَإِنْ زَالَ الْحَصْرُ بَعْدَ فَوَاتِ الْحَجِّ، تَحَلَّلَ بِعَمَلِ عُمْرَةٍ؛ فَإِنْ فَاتَ الْحَجُّ قَبْلَ زَوَالِ الْحَصْرِ؛ تَحَلَّلَ بِهَدْيٍ. انتهى المراد. مسألة [١٠]: إن أُحصِر عن البيت بعد الوقوف بعرفة ؟ قال ابن قدامة ﵀ (٥/ ١٩٩): فَإِنْ أُحْصِرَ عَنْ الْبَيْتِ بَعْدَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ؛ فَلَهُ التَّحَلُّلُ؛ لِأَنَّ الْحَصْرَ يُفِيدُهُ التَّحَلُّلُ مِنْ جَمِيعِهِ، فَأَفَادَ التَّحَلُّلَ مِنْ بَعْضِهِ. اهـ وهو مذهب الشافعية أيضًا كما في «المجموع» (٨/ ٣٠١). قلتُ: ويجوز عند أهل العلم أن يبقى على إحرامه حتى يتيسر له طواف الإفاضة، ولو بعد خروج أشهر الحج، والله أعلم. مسألة [١١]: من صُدَّ وأُحصر عن عرفة ؟ • قال أحمد، والشافعي: يفسخ نية الحج، ويجعله عمرة، ولا هدي عليه؛ لأنه يُباح له ذلك من غير حصر؛ فجاز له ذلك مع الحصر، بل هو أولى.

стр. 2779

• وذهب بعضهم إلى أنه لا يُعتبر مُحصرًا، وهو قول أبي حنيفة، ومحمد بن الحسن، ونحوه عن الزهري، وهو رواية عن أحمد؛ فإنْ فاته الحج؛ فحكمه حكم من فاته الحج بغير حصرٍ، وسيأتي حكمه. قلتُ: والقول الأول أصح؛ لما تقدم، والله أعلم. (١) مسألة [١٢]: إذا عجز المحصر عن الهدي ؟ • أوجب عليه بعض أهلُ العلم أن يصوم عشرة أيام، وهو قول أحمد، والشافعي في قولٍ؛ قياسًا على دم المتعة. • وذهب بعض أهل العلم إلى أنَّ هدي الإحصار ليس له بدل، وهو مذهب مالك، وأبي حنيفة، والشافعي في قولٍ، وابن حزم. واختار هذا الشيخ ابن عثيمين ﵀؛ لعدم وجود دليل يدل على البدل، وهو الصحيح، والله أعلم. ولم ينقل عن النبي ﷺ أنه أمر من لم يكن معه هدي أن يصوم. وهل يبقى في ذمته؟ • قال بذلك ابن حزم، والشافعي، وأبو حنيفة، واختار الشيخ ابن عثيمين أنه يسقط عنه؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يأمر أصحابه الذين لا يقدرون على الهدي أن يبقوا على إحرامهم حتى يجدوه، أو يتحللوا، ثم يهدوا حين يقدرون عليه. (٢)

стр. 2780

مسألة [١٣]: هل يلزمه الحلق، أو التقصير ؟ • ذهب أبو حنيفة، ومحمد بن الحسن، والشافعي في قول، وأحمد في رواية إلى أنه لا يلزمه ذلك؛ لأنَّ الله تعالى أمر بالهدي، ولم يأمر بغيره. • وذهب مالك، والشافعي في قول، وأحمد في رواية إلى وجوب ذلك، ورجَّح هذا القول الشيخ ابن عثيمين ﵀، وهو الصحيح؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لأصحابه: «قوموا فانحروا، ثم احلقوا» أخرجه البخاري عن المسور ﵁. (١) مسألة [١٤]: هل تشترط النية للتحلل ؟ قال النووي ﵀ كما في «المجموع» (٨/ ٣٠٤): قال المصنف والأصحاب: أما وقت التحلل فينظر إن كان واجدًا لهديٍ؛ ذبحه ونوى التحلل عند ذبحه، وهذه النية شرط باتفاق الأصحاب، ثم يحلق، وهو شرطٌ للتحلل إن قلنا: إنه نسك، وإلا فلا حاجة إليه. اهـ وهذا مذهب الحنابلة كما في «المغني» (٥/ ٢٠١) ويدل عليه قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنما الأعمال بالنيات».

стр. 2781

٧٦٤ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى ضُبَاعَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَبْدِالمُطَّلِبِ ﵂، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنِّي أُرِيدُ الحَجَّ، وَأَنَا شَاكِيَةٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «حُجِّي وَاشْتَرِطِي: أَنَّ مَحَلِّي حَيْثُ حَبَسْتنِي». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: الاشتراط عند الإحرام . فائدة الاشتراط: أنه إذا حُبِس تحلل بدون هديٍ. • ذهب جماعة من أهل العلم إلى مشروعية الاشتراط، وهو قول الأسود، وشريح، وابن المسيب، وعطاء، وعكرمة، وهو مذهب الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وصحَّ ذلك عن عائشة ﵂، (٢) ورُوي عن جماعة من الصحابة، وهم: عمر (٣)، وعثمان (٤)، وعلي (٥)، وابن مسعود (٦)، وعمار (٧) ﵃،

стр. 2782

كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (٤/ ٤٢٩)، و «الكبرى» للبيهقي (٥/ ٢٢٢). واستدلوا بحديث ضباعة بنت الزبير الذي في الباب. • وأنكر جماعة من أهل العلم الاشتراط، صحَّ ذلك عن ابن عمر ﵄، (١) وهو قول طاوس، وابن جبير، والزهري، وهو مذهب مالك، والثوري، وأبي حنيفة؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وأصحابه لم يشترطوا. وقال شيخ الإسلام ﵀: السُّنَّةُ أن يشترط إن كان يخاف الحبس، وأما إن كان لا يخاف ذلك؛ فالسُّنَّةُ أن لا يشترط. اهـ وهذا ترجيح الشيخ ابن عثيمين؛ جمعًا بين الأدلة السابقة. ونقل الحافظ عن بعض الظاهرية أنه أوجب الاشتراط. قال أبو عبد الله غفر الله له: الصحيح هو مشروعية الاشتراط، وقول شيخ الإسلام، ثم الشيخ ابن عثيمين قول حسن، والله أعلم. (٢)

стр. 2783

٧٦٥ - وَعَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ الحَجَّاجِ بْنِ عَمْرٍو الأَنْصَارِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ كُسِرَ، أَوْ عَرِجَ، فَقَدْ حَلَّ وَعَلَيْهِ الحَجُّ مِنْ قَابِلٍ». قَالَ عِكْرِمَةُ: فَسَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ وَأَبَا هُرَيْرَةَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَا: صَدَقَ. رَوَاهُ الخَمْسَةُ، وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: هل يختص الإحصار بالعدو ؟ • ذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنَّ الحصر خاصٌّ بالعدو؛ لأنَّ الآية: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة:١٩٦] نزلت في حصر الحديبية، وهو حصر عدو، وصحَّ هذا القول عن ابن عباس، وابن عمر ﵃، وهو مذهب مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق.

стр. 2784

• وذهب جماعةٌ آخرون إلى أن الحصر يكون من غير العدو، كالمرض، والخوف، وذهاب النفقة، وهو مذهب النخعي، والحنفية، وعطاء، ورواية عن أحمد، وهو ظاهر اختيار البخاري، ورجَّح هذا شيخ الإسلام؛ لعموم الآية السابقة، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ورجَّح هذا الشيخ ابن عثيمين، وهو الصواب. وقد صحَّ عن عبد الله بن مسعود أنه أفتى بذلك فيمن لُدِغَ، ويدل على ذلك أيضًا حديث الباب، والله أعلم. (١) مسألة [٢]: من فاته الوقوف بعرفة بغير إحصار . • أكثر أهل العلم يقولون: يتحلل بطواف، وسعي، وحِلَاق، صحَّ ذلك عن عمر وولده، وزيد بن ثابت ﵃ كما في «سنن البيهقي»، وهو مذهب أحمد، ومالك، والشافعي، والثوري، وأصحاب الرأي. • وقال المزني، وأحمد في رواية: يمضي بما بقي من الحج، ولا يجزئه. وقال ابن حزم: يبطل حجُّه، ولا يجعله عمرة. قلتُ: والصواب هو القول الأول؛ لأنَّ تحويل النية من الحج إلى العمرة مشروعٌ، وقد أفتى بذلك الصحابة، والله أعلم. (٢)

стр. 2785

تنبيه: عطاء، وأحمد، وأبو يوسف، قالوا: يجعلها عمرة. وهو قول عمر، وزيد بن ثابت، وقال الآخرون: يتحلل بتلك الأعمال. مسألة [٣]: هل يلزمه القضاء من قابل ؟ • ذهب كثيرٌ من أهل العلم إلى أنه يلزمه القضاء من قابل، وبذلك أفتى عمر وابنه، وزيد ابن ثابت ﵃، وهو قول مالك، والشافعي، ورواية عن أحمد. • وذهب عطاء، وأحمد في رواية، ومالك في رواية إلى أنه لا يلزمه القضاء، وذلك لعدم وجود دليل يوجب عليه ذلك. وهذا القول هو الصواب، والله أعلم. ولا يلزم من كونه يجب عليه إتمام الحج والعمرة إذا شرع فيهما أنه يجب عليه قضاؤهما إذا فاتتاه، والله أعلم. (١) مسألة [٤]: هل يلزمه الهدي ؟ • الجمهور على أنه يلزمه هدي مع الحجة القابلة، وبذلك أفتى عمر وابنه، وزيد بن ثابت ﵃. • وذهب الأوزاعي، ومحمد بن الحسن، وأبو حنيفة، وأحمد في رواية إلى أنه لا يلزمه هديٌ. وهو الصواب؛ لعدم وجود دليل يُلزمه بذلك، والله أعلم. (٢)

стр. 2786

مسألة [٥]: هل له أن يبقى على إحرامه ليحج من قابل ؟ • ذهب أحمد، ومالك إلى أنَّ له ذلك. • وذهب الأكثر إلى أنه ليس له ذلك، وهو قول الشافعي، والحنفية، وابن المنذر، ورواية عن أحمد، ورواية عن مالك؛ لأنه يفضي إلى أن يكون محرمًا بالحج في غير أشهر الحج، وفيه مشقة على نفسه بأن يبقى طوال العام مجتنبًا لمحظورات الإحرام، وهذا القول أقرب، والله أعلم. (١) والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات كان الفراغ من كتاب الحج ليلة الأربعاء الموافق ٧/محرم/١٤٢٦ هـ

стр. 2787

كِتَاُبُ الْبُيُوعِ تعريف البيع: البيع: هو مبادلة مالٍ بمال؛ تمليكًا وتملُّكًا مع وجود التراضي، واشتقاقه من الباع؛ لأنَّ كل واحد من المتبايعين يمد باعه للأخذ والعطاء، ويحتمل أن كل واحد منهما كان يبايع صاحبه، أي: يصافحه عند البيع، ولذلك سُمِّي البيع صفقة. (١) مشروعية البيع: البيع جائز بالكتاب، والسنة، والإجماع. أما من القرآن: فقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة:٢٧٥]. وقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٢٩]. وقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة:٢٨٢]. وقوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة:١٩٨]. وأما من السنة: فالأدلة عليه كثيرة متواترة: منها: حديث «البيعان بالخيار مالم يتفرقا». (٢) ومنها: حديث جابر في «البخاري» (٢٠٧٦)، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «رحم الله

стр. 2788

رجلًا سمحًا إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى»، وغيرها. قال ابن قدامة ﵀: وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَوَازِ الْبَيْعِ فِي الْجُمْلَةِ، وَالْحِكْمَةُ تَقْتَضِيهِ؛ لِأَنَّ حَاجَةَ الْإِنْسَانِ تَتَعَلَّقُ بِمَا فِي يَدِ صَاحِبِهِ، وَصَاحِبُهُ لَا يَبْذُلُهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ، فَفِي شَرْعِ الْبَيْعِ وَتَجْوِيزِهِ شَرْعُ طَرِيقٍ إلَى وُصُولِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَى غَرَضِهِ، وَدَفْعِ حَاجَتِهِ. اهـ (١) شروط البيع: للبيع شروطٌ، وهي: ١) التراضي. ٢) كون العاقد جائز التصرف. ٣) أن يكون المبيع حلالًا. ٤) أن يكون المبيع مقدورًا على تسليمه. ٥) أن يكون العقد من مالكٍ، أو ممن يقوم مقامه. ٦) أن يكون المبيع والثمن معلومين برؤيةٍ، أو وصفٍ. (٢) الشرط الأول التراضي: ودليل هذا الشرط قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٢٩]، وحديث أبي سعيد الخدري ﵁ عند ابن ماجه (٢١٨٥)، أنَّ النبي

стр. 2789

-صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «إنما البيع عن تراضٍ»، وهو حديث حسن. وتحت هذا الشرط تندرج مسائل منها: مسألة [١]: بم يحصل البيع ؟ يحصل البيع بالمبادلة مع التراضي؛ فإن صحبها الإيجاب والقبول، بأن يقول البائع: بعتك. ويقول المشتري: اشتريت. جاز البيع، وانعقد عند أهل العلم. أو بنحو العبارات السابقة عند أكثر أهل العلم؛ خلافًا لابن حزم، فقد اشترط لفظ (البيع) و (الشراء) و (التجارة). • واختلف أهل العلم فيما إذا حصلت المعاطاة والتبادل بدون تلفظٍ بالبيع والشراء، وما أشبهه، فذهب أحمد، ومالك، إلى صحة البيع بذلك وانعقاده، وقال بعض الحنفية: يصح البيع في خسائس الأشياء. • ومذهب الشافعي أن البيع لا يصح إلا بالإيجاب والقبول. والصواب ما ذهب إليه أحمد، ومالك، وهو قول بعض الشافعية، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀؛ لقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٢٩]. وقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنما البيع عن تراضٍ» (١)، والمعاطاة تدل على التراضي، والله أعلم.

стр. 2790

تنبيه: ظاهر كلام الفقهاء أنَّ الإيجاب والقبول هو التلفظ للإثبات والالتزام في البيع، وقد ردَّ هذا شيخ الإسلام، فقال ﵀ كما في «الإنصاف»: والصواب أنَّ الإيجاب والقبول اسمٌ لكل تعاقد، فكل ما انعقد به البيع من الطرفين سُمِّي إثابته إيجابًا، والتزامه قبولًا. اهـ (١) مسألة [٢]: إن تقدم القبول على الإيجاب بلفظ الماضي ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٦/ ٧): فإن تقدم القبول على الإيجاب بلفظ الماضي، فقال: ابتعت منك. فقال: بعتك. صحَّ؛ لأنَّ لفظ الإيجاب والقبول وُجِد منهما على وجهٍ تحصل منه الدلالة على تراضيهما به؛ فصحَّ، كما لو تقدم الإيجاب. اهـ قلتُ: وهو مذهب المالكية، وهو الصحيح، وبالله التوفيق. (٢) مسألة [٣]: إذا قال المشتري: بعني هذا. فقال البائع: بعتك ؟ • فيه قولان: الأول: لا يصح البيع، وهو قول أبي حنيفة، ورواية عن أحمد. الثاني: يصح البيع، وهو قول أحمد، ومالك، والشافعي، وهو الصواب؛ لوجود التراضي على ذلك. (٣)

стр. 2791

مسألة [٤]: إذا قال المشتري مستفهمًا: أتبيعني ثوبك؟ فيقول: بعتك . قال ابن قدامة ﵀: لا يصح بحالٍ، نصَّ عليه أحمد، وبه يقول أبوحنيفة، والشافعي، ولا نعلم عن غيرهم خلافهم؛ لأنَّ ذلك ليس بقبول، ولا استدعاء. اهـ (١) مسألة [٥]: إذا قال البائع: بعتك. فقال المشتري: سأشتري . قال المرداوي ﵀ في «الإنصاف» (٤/ ٢٤٩): لو قال: بعتك بكذا. فقال: أنا آخذه بذلك. لم يصح، وإن قال: أخذته منك، أو بذلك. صح. نقله مهنا. -يعني عن أحمد-.اهـ قلتُ: ذلك لأنَّ الصورة الأولى إنما هي وعدٌ أنه سيشتريه، والبيع لا يقع إلا بالتراضي والالتزام بذلك، والوعد ليس كذلك، وبالله التوفيق. (٢) مسألة [٦]: البيع بالكتابة . قال الإمام النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٩/ ١٦٧): إذا كتب إلى غائب بالبيع ونحوه، قال أصحابنا: هو مرتب على أن الطلاق هل يقع بالكتب مع النية. وفيه خلافٌ، والأصح صحته ووقوعه؛ فإن قلنا: لا يصح الطلاق؛ فهذه العقود أولى أن لا تنعقد، وإن قلنا بالصحة؛ ففي البيع ونحوه الوجهان في انعقاده بالكناية مع النية، وهذان الوجهان مشهوران، ذكرهما المصنف بدليلهما، أصحهما عند

стр. 2792

المصنف: لا يصح، والثاني وهو الأصح: أنه يصح البيع ونحوه بالمكاتبة؛ لحصول التراضي، لاسيما وقد قدمنا أن الراجح انعقاده بالمعاطاة، وقد صرح الغزالي في «الفتاوى»، والرافعي في «كتاب الطلاق» بترجيح صحة البيع ونحوه بالمكاتبة. اهـ قلتُ: والصحيح صحة البيع؛ لأنَّ العبرة بحصول التراضي، وهو مقتضى مذهب أحمد، ومالك؛ لأنَّ العبرة عندهما بحصول التراضي. (١) مسألة [٧]: إجراء عقود البيع بالآلات الحديثة . أولاً الهاتف: قال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٩/ ١٨١): لو تناديا وهما متباعدان، وتبايعا؛ صحَّ البيع بلا خلاف. اهـ قلتُ: ويشبهه التبايع بالهاتف إذا تيقن من الصوت وأُمِنَ من الخداع، والله أعلم. ثانيًا الفاكس، ووسائل التواصل الاجتماعي عبر الانترنت: قال أبو عبد الله غفر الله له: نقل الكتابة عبر الفاكس ووسائل التواصل الاجتماعي عبر الانترنت مؤتمن، ولكن يُشترط أن يتقين بها أنها أرسلت من الشخص بعينه، إما بسماع صوته، أو بذكره بعض الأمور التي لا يعلمها إلا هو، أو بإقراره بعد لقيه بذلك، والله أعلم.

стр. 2793

مسألة [٨]: إذا كان الرجل مُكرهًا على البيع بغير حق ؟ قال النووي ﵀ في «المجموع» (٩/ ١٦١): ذكرنا أنَّ المكره بغير حقٍّ لا يصح بيعه، هذا مذهبنا، وبه قال مالك، وأحمد، وقال أبو حنيفة: يصح، ويقف على إجازة المالك في حال اختياره. انتهى المراد. ودليل الجمهور قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٢٩]، والحديث: «إنما البيع عن تراض» (١)، والمكره غير راضٍ، فبيعه لا ينعقد، ولا يصح، وقول الجمهور هو الصواب. والله أعلم. مسألة [٩]: هل ينعقد بيع التلجئة ؟ بيع التلجئة: هو أن يخاف المالك أن يأكل السلطان، أو غيره ماله، فيواطئ رجلًا على أنه يظهر أنه اشتراه منه؛ ليحتمي به، ولا يريدان بيعًا حقيقيًّا. • فذهب أحمد، ومالك، وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن إلى أنَّ البيع ليس بمنعقد؛ للآية والحديث المتقدمين. • وذهب أبو حنيفة، والشافعي إلى أنه بيع صحيح؛ لأنَّ البيع تمَّ بأركانه وشروطه. والصحيح هو القول الأول؛ لأنهما لم يقصدا البيع، والرضى غير حاصل بالباطن، وإن أظهرا ذلك. (٢)

стр. 2794

مسألة [١٠]: إذا اختلف البائع والمشتري في هذا البيع المموه، فما الحكم ؟ قال أبو عبد الله غفر الله له: إن لم توجد بينة مع البائع على ذلك؛ فالأصل صحة البيع، والقاضي يحكم بالظاهر، وعلى المشتري اليمين؛ لإنكاره تلك الدعوى، وبالله التوفيق. مسألة [١١]: بيع المضطر . جاء حديث أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نهى عن بيع المضطرين. أخرجه أحمد (١/ ١١٦)، وأبو داود (٣٣٨٢)، والبيهقي (٦/ ١٧)، وغيرهم من حديث علي بن أبي طالب ﵁، وفي إسناده: صالح بن رستم الخزاز، وهو ضعيف، ورجلٌ مبهم. وله شاهد عند البيهقي (٦/ ١٨) من حديث عبدالله بن عمرو ﵄، ولكنه لا يصلح للتقوية؛ لأنَّ في إسناده: مسلم بن بشير، وهو مجهول، وهو مع ذلك موقوف، والله أعلم. قلتُ: وبيع المضطر على قسمين كما بيَّن ذلك الخطابي في «معالم السنن» (٣/ ٧٤ - ٧٥): أحدهما: أن يضطر إلى العقد من طريق الإكراه عليه؛ فهذا فاسدٌ لاينعقد. قلتُ: وهذا النوع هو الذي تقدم قريبًا (بيع المكره بغير حقٍّ). قال الخطابي ﵀: والوجه الآخر أن يضطر إلى البيع لدين يركبه، أو مؤنة ترهقه، فيبيع ما في يده بالوكس من أجل الضرورة، فهذا سبيله في حق الدين

стр. 2795

والمروءة أن لا يبايع على هذا الوجه، وأن لا يفتات عليه بمثله، ولكن يُعان ويُقرَض، ويُسْتَمْهَل إلى الميسرة حتى يكون له في ذلك بلاغ؛ فإن عقد البيع مع الضرورة على هذا الوجه؛ جاز في الحكم ولم يفسخ، وفي إسناد الحديث رجلٌ مجهول لا ندري من هو، إلا أنَّ عامة أهل العلم قد كرهوا البيع على هذا الوجه. اهـ قلتُ: وعن أحمد رواية: أنه يحرم، وهو قول الشوكاني؛ إلا إذا باعه بثمن المثل، واختار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في «الإنصاف» أنَّ البيع صحيح من غير كراهة، وهو الصحيح، والله أعلم. (١) مسألة [١٢]: هل يقع بيع الهازل ؟ • أكثر أهل العلم على عدم وقوعه؛ لأنه لا يقصد البيع، وليس براضٍ فيه، وذهب بعضهم إلى وقوعه، والصحيح عدم وقوعه، والله أعلم. (٢) الشرط الثاني: أهلية العاقد بأن يكون جائز التصرف. وتندرج تحت هذا الشرط مسائل، منها: مسألة [١٣]: بيع المجنون . قال النووي ﵀ في «المجموع» (٩/ ١٥٥): وأما المجنون فلايصح بيعه بالإجماع، وكذلك المغمى عليه. اهـ

стр. 2796

قلتُ: ويدل على ذلك قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «رُفِع القلم عن ثلاثة ... »، ومنهم: «المجنون حتى يعقل». (١) تنبيه: إذا كان الجنون متقطعًا؛ فيصح البيع من قِبَلِه حال إفاقته ولا يصح حال جنونه. مسألة [١٤]: السكران هل يقع بيعه ؟ إن كان الإسكار غيرَ طافح ولم يُزِل العقل؛ فيصح، وأما إن كان الإسكار طافحًا: فاختلف أهل العلم في بيعه وشرائه. • فمذهب الحنابلة، والمالكية وغيرهم: عدم صحة البيع، وعدم وقوعه؛ لأنه فاقد العقل، فأشبه المجنون، وهو قولُ بعض الشافعية. • ومذهب الشافعية، والحنفية صحة بيعه وانعقاده، وهو قولٌ غير مشهور عن أحمد، وذلك لأنه هو الذي تسبب بفقدان عقله؛ فيقع عقوبة له. والصواب هو القول الأول، والله أعلم. (٢) مسألة [١٥]: بيع الصبي . أما الصبي الذي ليس بمميز فلا ينعقد بيعه ولا يصح عند أهل العلم، وأما الصبي المميز فاختلف أهل العلم في انعقاد بيعه:

стр. 2797

• فذهب أحمد، وإسحاق، وأبو حنيفة، والثوري إلى أنه يصح بيعه وشراؤه بإذن وليه، وفيما أذن له فيه. • وذهب الشافعي، وأبو ثور، وأحمد في رواية إلى أنه لا يصح مطلقًا. والقول الأول أصح، والله أعلم، واشترط أصحابه أن لا يحصل في بيع الصبي غبن فاحش. تنبيه: أجاز أحمد، وإسحاق بيع وشراء الصبي للشيء اليسير، ولو بدون إذن الولي، وهو قولٌ حسن. (١)

стр. 2798

بَابُ شُرُوطِهِ وَمَا نُهِيَ عَنْهُ مِنْهُ ٧٦٦ - عَنْ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ: أَيُّ الكَسْبِ أَطْيَبُ؟ قَالَ: «عَمَلُ الرَّجُلِ بِيَدِهِ، وَكُلُّ بَيْعٍ مَبْرُورٍ» (١) رَوَاهُ البَزَّارُ وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ. (٢) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: أفضل الكسب . قال الصنعاني ﵀ في «سبل السلام» (٣/ ١٠): وَلِلْعُلَمَاءِ خِلَافٌ فِي أَفْضَلِ الْمَكَاسِبِ. قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أُصُولُ الْمَكَاسِبِ الزِّرَاعَةُ، وَالتِّجَارَةُ، وَالصَّنْعَةُ،

стр. 2799

قَالَ: وَالْأَشْبَهُ بِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ أَطْيَبَهَا التِّجَارَةُ. قَالَ: وَالْأَرْجَحُ عِنْدِي أَنَّ أَطْيَبَهَا الزِّرَاعَةُ؛ لِأَنَّهَا أَقْرَبُ إلَى التَّوَكُّلِ، وَتُعُقِّبَ بِمَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ الْمِقْدَامِ مَرْفُوعًا: «مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، وَإِنَّ نَبِيَّ الله دَاوُد كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ» (١) قَالَ النَّوَوِيُّ: وَالصَّوَابُ أَنَّ أَطْيَبَ الْمَكَاسِبِ مَا كَانَ بِعَمَلِ الْيَدِ، وَإِنْ كَانَ زِرَاعَةً؛ فَهُوَ أَطْيَبُ الْمَكَاسِبِ؛ لِمَا يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مِنْ كَوْنِهِ عَمَلَ الْيَدِ، وَلِمَا فِيهِ مِنْ التَّوَكُّلِ، وَلِمَا فِيهِ مِنْ النَّفْعِ الْعَامِّ لِلْآدَمِيِّ، وَلِلدَّوَابِّ، وَالطَّيْرِ. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: وَفَوْقَ ذَلِكَ مَا يُكْسَبُ مِنْ أَمْوَالِ الْكُفَّارِ بِالْجِهَادِ، وَهُوَ مَكْسَبُ النَّبِيِّ ﷺ ، وَهُوَ أَشْرَفُ الْمَكَاسِبِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ إعْلَاءِ كَلِمَةِ الله تَعَالَى. انْتَهَى، قِيلَ: وَهُوَ دَاخِلٌ فِي كَسْبِ الْيَدِ. اهـ (٢) قلتُ: أفضل الكسب الجهاد في سبيل الله، ثم الزراعة، والله أعلم.

стр. 2800

٧٦٧ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِاللهِ ﵄ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ عَامَ الفَتْحِ، وَهُوَ بِمَكَّةَ: «إنَّ اللهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الخَمْرِ، وَالمَيْتَةِ، وَالخِنْزِيرِ، وَالأَصْنَامِ» فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَرَأَيْت شُحُومَ المَيْتَةِ، (فَإِنَّهَا تُطْلَى) (١) بِهَا السُّفُنُ، وَتُدْهَنُ بِهَا الجُلُودُ، وَيَسْتَصْبِحُ (٢) بِهَا النَّاسُ؟ فَقَالَ: «لَا، هُوَ حَرَامٌ» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ: «قَاتَلَ اللهُ اليَهُودَ، إنَّ اللهَ تَعَالَى لَمَّا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ شُحُومَهَا جَمَلُوهُ (٣) ثُمَّ بَاعُوهُ فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (٤) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث يُستفاد من هذا الحديث: الشرط الثالث من شروط صحة البيع: أن يكون المبيع حلالًا، وفيه منفعة مباحة. ويندرج تحت ذلك مسائل كثيرة منها: مسألة [١]: بيع الخمر . كل ما أسكر، وأزال العقل؛ فهو خمر؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام» (٥)، والخمر يحرم بيعها؛ لحديث الباب.

стр. 2801

قال الحافظ ﵀ في «الفتح» (٢٢٢٣): وفيه تحريم بيع الخمر، وقد نقل ابن المنذر وغيره في ذلك الإجماع، وشذَّ من قال: يجوز بيعها، ويجوز بيع العنقود المستحيل باطنه خمرًا. اهـ مسألة [٢]: العطور الكحولية . في فتاوى اللجنة الدائمة ما نصُّه: إذا كانت نسبة الكحول بالعطور بلغت درجة الإسكار بشرب الكثير من تلك العطور، فالشرب من تلك العطور محرم، والاتجار فيها محرم، وكذا سائر أنواع الانتفاع؛ لأنها خمر، سواء كثر أم قل، وإن لم يبلغ المخلوط من العطور بالكحول درجة الإسكار بشرب الكثير منه جاز استعماله، والاتجار فيه؛ لقول النبي ﷺ : «ما أسكر كثيره فقليله حرام».اهـ اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز. وفي فتاوى العثيمين ﵀ من كتابه: لقاء الباب المفتوح (رقم:٦٠، ص ١٨): الأطياب التي يقال إن فيها كولونيا أو إن فيها كحولًا لا بد أن نفصل فيها فنقول: إذا كانت النسبة من الكحول قليلة؛ فإنها لا تضر، وليستعملها الإنسان بدون أن يكون في نفسه قلق، مثل أن تكون النسبة (٥%) أو (٢%) أو (١%)، فهذا لا يؤثر. وأما إذا كانت النسبة كبيرة بحيث تؤثر فإن الأولى ألا يستعملها الإنسان إلا

стр. 2802

لحاجة، مثل تعقيم الجروح وما أشبه ذلك، أما لغير حاجة فالأولى ألا يستعملها، ولا نقول: إنه حرام؛ وذلك لأن هذه النسبة الكبيرة أعلى ما نقول فيها إنها مسكر، والمسكر لا شك أن شربه حرام بالنص والإجماع، لكن هل الاستعمال في غير الشرب حلال؟ هذا محل نظر، والاحتياط ألا يستعمل، وإنما قلت: إنه محل نظر؛ لأن الله تعالى قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة:٩١]. فإذا نظرنا إلى عموم قوله: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ أخذنا بالعموم وقلنا: إن الخمر يجتنب على كل حال، سواءً كان شرابًا أو دهانًا أو غير ذلك، وإذا نظرنا إلى العلة: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة:٩١]، تبين أن المحظور إنما هو شربه؛ لأن مجرد الادهان به لا يؤدي إلى هذا. فالخلاصة الآن أن نقول: إذا كانت نسبة الكحول أو الكالونيا في هذا الطيب قليلة؛ فإنه لا بأس به ولا إشكال فيه ولا قلق فيه، وإن كانت كبيرة فالأولى تجنبه إلا من حاجة، والحاجة مثل أن يحتاج الإنسان إلى تعقيم جرح أو ما أشبه ذلك. اهـ قال أبو عبد الله غفر الله له: يظهر لي أن العطر المختلط بكحول نسبته قليلة جدًّا بحيث لا يسكر قليله، ولا كثيره، أنه لا بأس به؛ لأن الكحول قد تلاشى

стр. 2803

واضمحل بمخالطته للمواد الأخرى، وأنه إذا كان مخلوطًا بكمية تسكر إذا أكثر منه؛ فينظر هل هذه العطر مما يشرب، ويصلح لشربه فيحرم بيعه واستعماله، وإن كان مما لا يشرب ولا يصلح لشربه؛ فلا يدخل في التحريم؛ فإنه عند ذاك شبيه بالسموم، والمواد البترولية، والمعقمات الطبية، وهي جائزة الاستعمال عند أهل العلم، والله أعلم. مسألة [٣]: بيع الميتة . قال الحافظ ابن حجر ﵀ (٢٢٣٦): وَالْمَيْتَة -بِفَتْحِ الْمِيم- مَا زَالَتْ عَنْهُ الْحَيَاة لَا بِذَكَاةٍ شَرْعِيَّة، وَالْمِيتَة بِالْكَسْرِ الْهَيْئَة وَلَيْسَتْ مُرَادًا هُنَا، وَنَقَلَ اِبْن الْمُنْذِر وَغَيْره الْإِجْمَاع عَلَى تَحْرِيم بَيْع الْمَيْتَة، وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ السَّمَك وَالْجَرَاد. اهـ قلتُ: والدليل على تحريم بيعها هو حديث جابر الذي في الباب، والله أعلم. (١) مسألة [٤]: بيع جلود الميتة قبل الدِّباغ . • ذهب جمهور العلماء إلى تحريم ذلك؛ لحديث جابر الذي في الباب، والجلد من أجزاء الميتة. • وأباح بيعه الزهري، وأبو حنيفة، وهوظاهر اختيار البخاري، فقد بوَّب في كتاب البيوع: [باب جلود الميتة قبل أن تدبغ]. وأورد حديث ابن عباس ﵄، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مرَّ بشاةٍ ميتة، فقال: «هلا

стр. 2804

استمتعتم بإهابها؟» قالوا: إنها ميتة. قال: «إنما حرم أكلها» (١)، قال الحافظ: وكأنه أخذ جواز البيع من جواز الاستمتاع؛ لأنَّ كل ما ينتفع به يصح بيعه وما لا فلا. قلتُ: والصواب قول الجمهور، وحديث ابن عباس يُحمل على أنه بعد الدباغ ينتفع به، وقد جاءت رواية في «صحيح مسلم» في نفس الحديث: «ألا أخذتم إهابها فدبغتموه؛ فانتفعتم به»، وبعد الدباغ يصبح طاهرًا يجوز الانتفاع به؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «أيما إهاب دُبِغَ؛ فقد طَهُر» (٢)؛ فالصحيح قول الجمهور. (٣) مسألة [٥]: بيع جلود الميتة بعد الدباغ . • ذهب أكثر أهل العلم إلى جواز بيعها؛ لأنه يجوز الانتفاع بها كما تقدم في حديث ابن عباس السابق، فيجوز بيعها. • وخالف أحمد في الأشهر عنه، ومالك في رواية، فقالا بعدم الجواز. والصحيح قول الجمهور. (٤) وقد تقدمت المسألة في كتاب الطهارة في باب الآنية. مسألة [٦]: بيع صوف وشعر ووبر الميتة . • الخلاف في هذه المسألة مبني على الخلاف في طهارتها ونجاستها، وقد

стр. 2805

تقدمت المسألة في كتاب الطهارة في باب الآنية، والجمهور من أهل العلم على أنها ليست بنجسة، بل هي طاهرة، وهو الصواب، وقد تقدم ذكر الأدلة هنالك. • وذهب الشافعي إلى نجاستها، فلذلك منع بيعها. والصواب قول الجمهور. (١) مسألة [٧]: بيع عظام الميتة وقرونها . • الخلاف في هذه المسألة أيضًا مبنيٌّ على الخلاف في طهارتها ونجاستها، وقد تقدمت المسألة في كتاب الطهارة في باب الآنية. وتقدم أن جمهور العلماء يرون نجاستها، وعلى هذا يرون تحريم بيعها، وممن نص على المنع من تحريمها: مالك، والشافعي، وأحمد، وابن المنذر وممن كره بيعها عطاء بن أبي رباح، وطاوس، وعمر بن عبد العزيز. • وذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنها طاهرة، وهو قول الثوري، وأبي حنيفة، وداود، واختاره شيخ الإسلام. وقال بجواز بيعها ابن سيرين، وعروة بن الزبير، وابن جريج، والحسن البصري، وهو الذي رجَّحْنَاه، ولتراجع الأدلة من هنالك، وعلى هذا فالصواب هو جواز البيع. (٢)
следующие страницы →