← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 165

فتح العلام في دراسة أحاديث بلوغ المرام ط 4

محمد بن علي بن حزام البعداني

Полный текст (5 956 стр.). Показаны 2801–2840 · переход к 2806.

стр. 2801

قال الحافظ ﵀ في «الفتح» (٢٢٢٣): وفيه تحريم بيع الخمر، وقد نقل ابن المنذر وغيره في ذلك الإجماع، وشذَّ من قال: يجوز بيعها، ويجوز بيع العنقود المستحيل باطنه خمرًا. اهـ مسألة [٢]: العطور الكحولية . في فتاوى اللجنة الدائمة ما نصُّه: إذا كانت نسبة الكحول بالعطور بلغت درجة الإسكار بشرب الكثير من تلك العطور، فالشرب من تلك العطور محرم، والاتجار فيها محرم، وكذا سائر أنواع الانتفاع؛ لأنها خمر، سواء كثر أم قل، وإن لم يبلغ المخلوط من العطور بالكحول درجة الإسكار بشرب الكثير منه جاز استعماله، والاتجار فيه؛ لقول النبي ﷺ : «ما أسكر كثيره فقليله حرام».اهـ اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز. وفي فتاوى العثيمين ﵀ من كتابه: لقاء الباب المفتوح (رقم:٦٠، ص ١٨): الأطياب التي يقال إن فيها كولونيا أو إن فيها كحولًا لا بد أن نفصل فيها فنقول: إذا كانت النسبة من الكحول قليلة؛ فإنها لا تضر، وليستعملها الإنسان بدون أن يكون في نفسه قلق، مثل أن تكون النسبة (٥%) أو (٢%) أو (١%)، فهذا لا يؤثر. وأما إذا كانت النسبة كبيرة بحيث تؤثر فإن الأولى ألا يستعملها الإنسان إلا

стр. 2802

لحاجة، مثل تعقيم الجروح وما أشبه ذلك، أما لغير حاجة فالأولى ألا يستعملها، ولا نقول: إنه حرام؛ وذلك لأن هذه النسبة الكبيرة أعلى ما نقول فيها إنها مسكر، والمسكر لا شك أن شربه حرام بالنص والإجماع، لكن هل الاستعمال في غير الشرب حلال؟ هذا محل نظر، والاحتياط ألا يستعمل، وإنما قلت: إنه محل نظر؛ لأن الله تعالى قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة:٩١]. فإذا نظرنا إلى عموم قوله: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ أخذنا بالعموم وقلنا: إن الخمر يجتنب على كل حال، سواءً كان شرابًا أو دهانًا أو غير ذلك، وإذا نظرنا إلى العلة: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة:٩١]، تبين أن المحظور إنما هو شربه؛ لأن مجرد الادهان به لا يؤدي إلى هذا. فالخلاصة الآن أن نقول: إذا كانت نسبة الكحول أو الكالونيا في هذا الطيب قليلة؛ فإنه لا بأس به ولا إشكال فيه ولا قلق فيه، وإن كانت كبيرة فالأولى تجنبه إلا من حاجة، والحاجة مثل أن يحتاج الإنسان إلى تعقيم جرح أو ما أشبه ذلك. اهـ قال أبو عبد الله غفر الله له: يظهر لي أن العطر المختلط بكحول نسبته قليلة جدًّا بحيث لا يسكر قليله، ولا كثيره، أنه لا بأس به؛ لأن الكحول قد تلاشى

стр. 2803

واضمحل بمخالطته للمواد الأخرى، وأنه إذا كان مخلوطًا بكمية تسكر إذا أكثر منه؛ فينظر هل هذه العطر مما يشرب، ويصلح لشربه فيحرم بيعه واستعماله، وإن كان مما لا يشرب ولا يصلح لشربه؛ فلا يدخل في التحريم؛ فإنه عند ذاك شبيه بالسموم، والمواد البترولية، والمعقمات الطبية، وهي جائزة الاستعمال عند أهل العلم، والله أعلم. مسألة [٣]: بيع الميتة . قال الحافظ ابن حجر ﵀ (٢٢٣٦): وَالْمَيْتَة -بِفَتْحِ الْمِيم- مَا زَالَتْ عَنْهُ الْحَيَاة لَا بِذَكَاةٍ شَرْعِيَّة، وَالْمِيتَة بِالْكَسْرِ الْهَيْئَة وَلَيْسَتْ مُرَادًا هُنَا، وَنَقَلَ اِبْن الْمُنْذِر وَغَيْره الْإِجْمَاع عَلَى تَحْرِيم بَيْع الْمَيْتَة، وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ السَّمَك وَالْجَرَاد. اهـ قلتُ: والدليل على تحريم بيعها هو حديث جابر الذي في الباب، والله أعلم. (١) مسألة [٤]: بيع جلود الميتة قبل الدِّباغ . • ذهب جمهور العلماء إلى تحريم ذلك؛ لحديث جابر الذي في الباب، والجلد من أجزاء الميتة. • وأباح بيعه الزهري، وأبو حنيفة، وهوظاهر اختيار البخاري، فقد بوَّب في كتاب البيوع: [باب جلود الميتة قبل أن تدبغ]. وأورد حديث ابن عباس ﵄، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مرَّ بشاةٍ ميتة، فقال: «هلا

стр. 2804

استمتعتم بإهابها؟» قالوا: إنها ميتة. قال: «إنما حرم أكلها» (١)، قال الحافظ: وكأنه أخذ جواز البيع من جواز الاستمتاع؛ لأنَّ كل ما ينتفع به يصح بيعه وما لا فلا. قلتُ: والصواب قول الجمهور، وحديث ابن عباس يُحمل على أنه بعد الدباغ ينتفع به، وقد جاءت رواية في «صحيح مسلم» في نفس الحديث: «ألا أخذتم إهابها فدبغتموه؛ فانتفعتم به»، وبعد الدباغ يصبح طاهرًا يجوز الانتفاع به؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «أيما إهاب دُبِغَ؛ فقد طَهُر» (٢)؛ فالصحيح قول الجمهور. (٣) مسألة [٥]: بيع جلود الميتة بعد الدباغ . • ذهب أكثر أهل العلم إلى جواز بيعها؛ لأنه يجوز الانتفاع بها كما تقدم في حديث ابن عباس السابق، فيجوز بيعها. • وخالف أحمد في الأشهر عنه، ومالك في رواية، فقالا بعدم الجواز. والصحيح قول الجمهور. (٤) وقد تقدمت المسألة في كتاب الطهارة في باب الآنية. مسألة [٦]: بيع صوف وشعر ووبر الميتة . • الخلاف في هذه المسألة مبني على الخلاف في طهارتها ونجاستها، وقد

стр. 2805

تقدمت المسألة في كتاب الطهارة في باب الآنية، والجمهور من أهل العلم على أنها ليست بنجسة، بل هي طاهرة، وهو الصواب، وقد تقدم ذكر الأدلة هنالك. • وذهب الشافعي إلى نجاستها، فلذلك منع بيعها. والصواب قول الجمهور. (١) مسألة [٧]: بيع عظام الميتة وقرونها . • الخلاف في هذه المسألة أيضًا مبنيٌّ على الخلاف في طهارتها ونجاستها، وقد تقدمت المسألة في كتاب الطهارة في باب الآنية. وتقدم أن جمهور العلماء يرون نجاستها، وعلى هذا يرون تحريم بيعها، وممن نص على المنع من تحريمها: مالك، والشافعي، وأحمد، وابن المنذر وممن كره بيعها عطاء بن أبي رباح، وطاوس، وعمر بن عبد العزيز. • وذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنها طاهرة، وهو قول الثوري، وأبي حنيفة، وداود، واختاره شيخ الإسلام. وقال بجواز بيعها ابن سيرين، وعروة بن الزبير، وابن جريج، والحسن البصري، وهو الذي رجَّحْنَاه، ولتراجع الأدلة من هنالك، وعلى هذا فالصواب هو جواز البيع. (٢)

стр. 2806

مسألة [٨]: بيع الخنزير . نقل جماعةٌ من أهل العلم الإجماع على تحريم بيع الخنزير، كابن المنذر، وابن قدامة، والنووي، ودليل تحريم ذلك حديث جابر الذي في الباب. (١) مسألة [٩]: استعمال شعر الخنزير . • ذهب الجمهور إلى عدم جواز استعماله؛ لأنه نجس عندهم، ولأنه يَحْرُمُ بيعه فلا ينتفع به. • وأجاز استعماله أبو حنيفة، وبعض المالكية، وحكى ابن المنذر عن الأوزاعي، وأبي يوسف، وبعض المالكية الترخيص في اليسير. قلتُ: الأقرب هو جواز استعماله؛ لأنَّ الشعر ليس بنجس في نفسه، وأما بيعه؛ فلا يجوز؛ لحرمة بيع الخنزير، والأحوط عدم استعماله، واستعمال غيره؛ خروجًا من الخلاف، والله أعلم. (٢) مسألة [١٠]: قتل الخنزير . في «الصحيحين» عن أبي هريرة ﵁، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «والذي نفسي بيده، ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكمًا مقسطًا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية». (٣)

стр. 2807

قال الحافظ ابن حجر ﵀ (٢٢٢٢): قَالَ اِبْنُ التِّينِ: شَذَّ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ، فَقَالَ: لَا يُقْتَلُ الْخِنْزِيرُ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ ضَرَاوَةٌ. قَالَ: وَالْجُمْهُورُ عَلَى جَوَازِ قَتْلِهِ مُطْلَقًا. وَالْخِنْزِيرُ بِوَزْنِ غِرْبِيبٍ وَنُونُهُ أَصْلِيَّةٌ، وَقِيلَ: زَائِدَةٌ، وَهُوَ مُخْتَارُ الْجَوْهَرِيِّ. اهـ مسألة [١١]: بيع الأصنام . الصنم: هو كل ما يُعبد من دون الله مما له صورة، سواء كان من حديد، أو خشب، أو غير ذلك، هذا هو المشهور. والوثن: كل ماله جثة، ويُعبد من دون الله؛ فهو أعم من الصنم، ولا يجوز بيعها عند جميع أهل العلم؛ لحديث جابر الذي في الباب. (١) مسألة [١٢]: هل يجوز بيع الصنم للانتفاع بأكساره ؟ • إذا كان قد كُسِّر؛ فإنه يجوز عند أهل العلم؛ لانه لا يُعَدُّ صنمًا، وإن كان مازال صنمًا كهيئته، فقد قال الحافظ ابن حجر ﵀: يجوز عند العلماء من الشافعية وغيرهم، والأكثر على المنع؛ حملًا للنهي على ظاهره. اهـ المراد «الفتح» (٢٢٣٦). قال الإمام ابن عثيمين ﵀ في «شرح البلوغ» (٣/ ٤٧٣): ظاهر الحديث أنَّ ذلك حرامٌ، ويُحتمل أنه ليس بحرام؛ لأنه ليس المقصود من الشراء شيئًا محرمًا، إنما المقصود شيء مباح، ومثل ذلك لو اشتراها ليتلفها؛ فإنَّ هذا لا بأس به

стр. 2808

بشرط أن يعلن ذلك حتى لا يظن أحدٌ أنه اشتراها من أجل الانتفاع بها على وجهٍ محرم. اهـ وقال ﵀ في «شرح البلوغ» (٣/ ٤٦٣): فلا يجوز أن تشتريه أبدًا يعني الصنم اللهم إلا إذا لم تتوصل إلى إتلافه إلا بذلك؛ فهذا جائز، لكنه بيع صوري؛ لأنه لا ثمن له شرعًا. اهـ قال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب قول الجمهور؛ لأنه ما زال صنمًا، فيشمله حديث جابر المتقدم، ولكن من كانت نيته أكسار الصنم أو إتلافه؛ فله وجه في الجواز، والله أعلم. مسألة [١٣]: الانتفاع بشحوم الميتة . • أكثر أهل العلم على عدم جواز الانتفاع بشحوم الميتة، وقالوا: قوله «لا، هو حرام»،أي: لا يجوز الانتفاع بها. • وذهب الشافعي وجماعةٌ من الحنابلة إلى جواز الانتفاع بها؛ لأنَّ الضمير المتقدم عائد على البيع لا على الانتفاع، وسياق الحديث يقتضي ذلك، وقد أقرَّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فعلهم، وأنكر البيع، ولا نعلم دليلًا يحرم الانتفاع بها. فالصواب هو جواز الانتفاع بها، وهو اختيار شيخ الإسلام ﵀، ورجَّحه الشيخ ابن عثيمين ﵀. (١)

стр. 2809

مسألة [١٤]: السرجين، والعذرة هل يجوز بيعها أم لا ؟ تقدم في كتاب الطهارة بيان حكم أرواث الحيوانات، والبيع مبني على طهارتها، ونجاستها، فمن قال: إنها نجسة؛ لم يُجَوِّز بيعها، ومن قال: ليست بنجسة؛ فإنه يبيح بيعها؛ لأنَّ النجس لا يجوز بيعه قياسًا على الميتة، والله أعلم. (١) فائدة: يجوز الانتفاع بعذرة الإنسان، وبوله في تسميد الأرض إذا كان لا يؤثر على الثمرة، ويجوز بيع الأسمدة الكيماوية التي من مكوناتها العذرة؛ لأنها قد استحالت.

стр. 2810

٧٦٨ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إذَا اخْتَلَفَ المُتَبَايِعَانِ وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا بَيِّنَةٌ فَالقَوْلُ مَا يَقُولُ رَبُّ السِّلْعَةِ أَوْ يَتَتَارَكَانِ». رَوَاهُ الخَمْسَةُ وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ. (١)

стр. 2811

فائدة على هذا الحديث: قال ابن عبد البر ﵀ في «التمهيد» (١٢/ ٢٣١) ط/مرتبة: وهذا الحديث عند جماعة العلماء أصل تلقوه بالقبول، وبنوا عليه كثيرًا من فروعه، واشتهر عندهم بالحجاز والعراق شهرة يُستغنى بها عن الإسناد كما اشتهر عندهم قوله ﵇: «لا وصية لوارث» (١)، ومثل هذا من الآثار التي قد اشتهرت عند جماعة العلماء استفاضة يكاد يُستغنى فيها عن الإسناد؛ لأن استفاضتها وشهرتها عندهم أقوى من الإسناد. اهـ قال الإمام ابن عثيمين ﵀ في «شرح البلوغ» (٣/ ٤٧٧): ولو نظرنا إلى عموم هذا الحديث؛ لقلنا كل اختلافين يقع بين المتبايعين فالقول قول البائع؛ فإنْ لم يحلف ترادا البيع، أي: فَسَخَاه، ولكن هذا الحديث ليس على هذا الإطلاق باتفاق العلماء؛ فإنَّ العلماء لم يتفقوا على أنَّ القول قول البائع في كل صورة، بل اتفقوا على أنه ليس القول قول البائع في كل صورة، وأنَّ من الصور ما لايمكن فيه قبول قول البائع بالاتفاق، ومن الصور ما القول فيها قول المشتري بالاتفاق؛ فصار هذا الحديث ليس على إطلاقه، وإنما يرجع فيه إلى الحديث الأصل في باب

стр. 2812

الدعاوى، وهو: «البينة على المدعي، واليمين على من أنكر» (١)، ثم إذا كان كل منهما مُدَّعيًا ومًدَّعًا عليه؛ فإننا نجري ما قاله الفقهاء في أن يحلف كل واحدٍ منهما على نفي دعوى صاحبه وإثبات دعواه، وإذا وقع التحالف؛ فلكل واحد منهما الفسخ. اهـ المراد. المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: إذا اختلف البائع والمشتري في ثمن السلعة ؟ هذه المسألة لها حالان: الحال الأولى: أن تكون السلعة باقية لم تستهلك، أو تتلف. • فذهب الأكثر إلى أنهما يتحالفان ويترادان، فإن لم يحلف أحدهما قضي عليه، وهو قول شريح، وابن سيرين، وحماد، وهو مذهب أحمد، والشافعي، وإسحاق، والثوري، وأبي حنيفة، ومالك في رواية. ويجوز على هذا القول فسخ البيع بدون أيمان؛ إذا رضيا بذلك. وصورة ذلك: أن يقول البائع: والله ما بعت السلعة إلا بكذا. ويقول المشتري: والله ما اشتريتها إلا بكذا. فإنْ تحالفا؛ فعلى المشتري أن يرد السلعة؛ لأنَّ كليهما مُدَّعٍ ومُدَّعَى عليه. • وذهب أبو ثور، وزُفر، ومالك في رواية إلى أنَّ القول قول المشتري مع يمينه؛ لأنَّ البائع يدَّعي مبلغًا زائدًا ينكره المشتري، والقول قول المنكر.

стр. 2813

• وذهب ابن مسعود (١)، والشعبي، وأحمد في رواية إلى أنَّ القول قول البائع بدون يمين، أو يترادان البيع؛ وذلك لظاهر حديث ابن مسعود الذي في الباب. قال الشيخ ابن عثيمين ﵀ في «الشرح الممتع»: وهذا القول أقوى؛ لظاهر الحديث. اهـ، وعزاه لشيخ الإسلام في موطن آخر من شرحه. اهـ • وفي المسألة قول ثالث: وهو أنه إن كان قبل القبض؛ تحالفا، وإن كان بعده فالقول قول المشتري، وهو قول مالك، وأحمد في رواية عنهما. والصحيح عندي القول الأول، وحديث ابن مسعود مقيد، ومبين بحديث الدعاوى. الحال الثانية: أن تكون السلعة قد تلفت، ففيه أقوال: • القول الأول: القول قول المشتري مع يمينه، وهو قول شريح، والنخعي، والثوري، والأوزاعي، وأبي حنيفة، ورواية عن أحمد، وقال به الليث، ومالك؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في الحديث: «والسلعة قائمة»؛ فمفهومه أنه لا يشرع التحالف عند تلفها، ولأنهما اتفقا على نقل السلعة إلى المشتري، واستحقاق بعض الثمن، واختلفوا في الثمن الزائد، البائع يدعيها، والمشتري ينكرها، والقول قول المنكر. • القول الثاني: أنهما يتحالفان، ويترادَّان، وهو مذهب الشافعي، ومحمد بن الحسن، وأشهب المالكي، وهو رواية عن مالك، وهو الأشهر عن أحمد، وهو

стр. 2814

ظاهر اختيار شيخ الإسلام، قالوا: ويرد المشتري القيمة. وحجَّة أصحاب هذا القول: أنَّ البائع لم يقر بخروج السلعة عن ملكه إلا بصفة لا يصدقه عليها المشتري، وكذلك المشتري لم يقر بخروج السلعة إلى ملكه إلا بصفة لا يصدقه عليها البائع، والأصل أنَّ السلعة للبائع؛ فلا تخرج عن ملكه إلا بيقينٍ من إقرارً، أو بينة، وإقراره منوط بصفةٍ لا سبيل إلى دفعها؛ لعدم بينة المشتري بدعواه؛ فحصل أنَّ كل واحدٍ منهما مُدَّعٍ، ومُدَّعىً عليه. وقالوا أيضًا: إذا كان التراد قد وجب بالتحالف والسلعة حاضرة؛ فيجب أيضًا بعد هلاكها؛ لأنَّ القيمة تقوم مقامها كسائر ما يفوت في البيوع. ورجَّح الشيخ ابن عثيمين القول الثاني. وهو الراجح فيما يظهر لي، والله أعلم. (١) تنبيه: إذا كانت السلعة تالفة وقومت على المشتري؛ فيلزمه القيمة عند من قال بذلك، وأكثرهم أطلق ذلك، سواء كانت القيمة أكثر مما ادَّعاه البائع، أو أقل مما ادَّعاه المشتري. وقال بعض أهل العلم: تُقَوَّم عليه، ولا يُعطى أكثر مما ادَّعاه البائع، ولا أقل مما أقر به المشتري، وهذا اختيار جماعة من أهل العلم منهم شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، واختاره الشيخ ابن عثيمين ﵀. (٢)

стр. 2815

مسألة [٢]: صفة التحالف . قال ابن عبد البر ﵀ في «التمهيد» (١٢/ ٢٣٤) -نقلًا عن القائلين بالتحالف-: وبُدئ البائع باليمين، ثم قيل للمشتري: إما أن تأخذ بما حلف عليه البائع، وإما أن تحلف على دعواك وتبرأ؛ فإن حلفا جميعًا؛ رُدَّ البيع، وإن نكلا جميعًا؛ رُدَّ البيع، وإن حلف أحدهما ونكل الآخر؛ كان البيع لمن حلف. انتهى المراد. قلتُ: ولا يشترط تقدم البائع باليمين كما أشار إلى ذلك الإمام العثيمين ﵀ في «الشرح الممتع» (٨/ ٣٤٧)، وهو قول جماعة من الشافعية. (١) مسألة [٣]: إن قال البائع: بعتك العبد بألف. فقال المشتري: بل هو والعبد الآخر بألف ؟ • مذهب الحنابلة، وأبي حنيفة أنَّ القول قول البائع مع يمينه؛ لأنَّ البائع ينكر بيع العبد الزائد؛ فكان القول قوله؛ لأنَّ الأصل بقاء السلعة في ملكه. • وقال الشافعي: يتحالفان؛ لأنهما اختلفا في أحد عوضي العقد، وهذا اختيار جماعة من الحنابلة. قلتُ: الذي يظهر لي أنَّ قول الشافعي أرجح؛ إلا أن تظهر قرائن تقوي أحد الجانبين؛ فيكون القول قوله مع اليمين، والله أعلم. (٢)

стр. 2816

مسألة [٤]: إذا اختلفا في صفة السلعة بعد تلفها ؟ قال الإمام ابن عثيمين ﵀ في «الشرح الممتع» (٨/ ٣٥١): مثاله: أن يقول البائع: إنَّ العبد الذي هلك كان كاتبًا، وقال المشتري: كان غير كاتب. فهنا إذا رجعنا إلى القيمة فبينهما فرق عظيم؛ فالكاتب أغلى؛ فالقول قول المشتري، وذلك بناءً على القاعدة: (أنَّ كل غارم القول قوله)؛ لأنَّ ما زاد على غرمه؛ دعوى، فيحتاج إلى بينة، فتُقَدَّر قيمته غير كاتب، والعلة: أنه غارم، والغارم لا يُلزَم بأكثر مما ادَّعَى، أو مما أقر به؛ لأنَّ الأكثر مما أقرَّ به دعوى تحتاج إلى بينة. اهـ (١) مسألة [٥]: إذا اختلفا في قدر السلعة بعد تلفها ؟ قال الإمام ابن عثيمين ﵀ في «الشرح الممتع» (٨/ ٣٥١): مثل ذلك إذا اختلفا في قدرها بأن قال البائع: إني قد بعت عليك شاتين. وقال المشتري: بل واحدة. وقد تلفت الشاتان؛ فالقول قول المشتري؛ بناءً على القاعدة؛ لأنَّ البائع يدَّعي الآن أنَّ المبيع اثنتان، والمشتري لم يقر باثنتين، بل أقر بواحدة وأنكر الثانية، والبينة على المدَّعي، واليمين على من أنكر. اهـ مسألة [٦]: أن يختلفا في الأجل، أو في شرط الخيار، أو ما أشبهه . مثاله: أن يقول البائع: بعتك السلعة بألفٍ على أن تعطيني المبلغ في الحال. ويقول المشتري: ما اشتريت السلعة بألف إلا لأجل التأجيل إلى شهر.

стр. 2817

أو يختلفان في خيار الشرط، فينفيه البائع، ويثبته المشتري. • فذهب الشافعي، ومالك، وأحمد في رواية إلى أنهما يتحالفان، ويترادان؛ لأنهما اختلفا في صفة العقد، فكل واحد منهما مُدَّعٍ ومُدَّعىً عليه. • وذهب أحمد في رواية، وأبو حنيفة، والثوري إلى أنَّ القول قول من ينفي ذلك مع يمينه؛ لأنَّ الأصل عدم ذلك، ولأنه مُنْكِرٌ لشيء زائدٍ ادُّعِي عليه، والقول قول المنكر مع يمينه. وهو ظاهر اختيار الشيخ ابن عثيمين ﵀. قال أبو عبد الله غفر الله له: الذي يظهر لي أنَّ القول الأول أقرب؛ لأنَّ كُلًّا منهما مُدَّعٍ ومُدَّعًى عليه كما تقدم، والله أعلم. (١) مسألة [٧]: أن يختلفا في عين السلعة . • ذكر ابن قدامة ﵀ أنَّ كل واحد منهما يحلف على ما أنكره، ولم يثبت بيع واحد منهما، وهو قول جماعةٍ من الحنابلة. • والمنصوص عن أحمد، وعليه جماعةٌ من الحنابلة أنَّ القول قول البائع. وهو اختيار الشيخ ابن عثيمين ﵀. وهو الصحيح؛ لحديث ابن مسعود ﵁ الذي في الباب. (٢)

стр. 2818

مسألة [٨]: إذا اختلفا في شيء يفسد العقد ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٦/ ٢٨٥): وَإِنْ اخْتَلَفَا فِيمَا يُفْسِدُ الْعَقْدَ، أَوْ شَرْطٍ فَاسِدٍ، فَقَالَ: بِعْتُك بِخَمْرٍ، أَوْ خِيَارٍ مَجْهُولٍ. فَقَالَ: بَلْ بِعْتنِي بِنَقْدٍ مَعْلُومٍ، أَوْ خِيَارِ ثَلَاثٍ. فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يَدَّعِي الصِّحَّةَ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ ظُهُورَ تَعَاطِي الْمُسْلِمِ الصَّحِيحَ أَكْثَرُ مِنْ تَعَاطِيه لِلْفَاسِدِ. وَإِنْ قَالَ: بِعْتُك مُكْرَهًا. فَأَنْكَرَهُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْإِكْرَاهِ، وَصِحَّةُ الْبَيْعِ. وَإِنْ قَالَ: بِعْتُك وَأَنَا صَبِيٌّ. فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي. نَصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وَإِسْحَاقَ؛ لِأَنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى الْعَقْدِ، وَاخْتَلَفَا فِيمَا يُفْسِدُهُ؛ فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ مَنْ يَدَّعِي الصِّحَّةَ. قال: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقْبَلَ قَوْلُ مَنْ يَدَّعِي الصِّغَرَ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ، وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَيُفَارِقُ مَا لاإذَا اخْتَلَفَا فِي شَرْطٍ فَاسِدٍ، أَوْ إكْرَاهٍ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدِهِمَا: أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ. وَهَا هُنَا الْأَصْلُ بَقَاؤُهُ. وَالثَّانِي: أَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ الْمُكَلَّفِ أَنَّهُ لَا يَتَعَاطَى إلَّا الصَّحِيحَ. وَهَا هُنَا مَا ثَبَتَ أَنَّهُ كَانَ مُكَلَّفًا. اهـ قال أبو عبد الله غفر الله له: مذهب أحمد، وإسحاق، وهو قول بعض الشافعية أيضًا، هو الراجح؛ لما تقدم ذكره، والله أعلم. (١) مسألة [٩]: إذا اختلف البائع والمشتري في ثبوت خيار الشرط وليس هنالك بينة ؟ • قال بعض أهل العلم: أن القول قول من ينفي خيار الشرط مع يمينه؛ وهو قول الثوري، وأحمد، وإسحاق.

стр. 2819

• وقال أبو حنيفة: إذا ادعى البائع الخيار، ونفاه المشتري، فالقول قول البائع. • وقال الشافعي: يتحالفان، ويكون الحكم فيهما كاختلافهم في الثمن. قال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول أقرب -والله أعلم-؛ لأن الأصل في البيوع عدم وقوع خيار الشرط فيها؛ فمن ادعاه فعليه البينة؛ وإلا فالقول قول الآخر مع يمينه، والله أعلم. (١) مسألة [١٠]: إذا اختلفا عند من حدث العيب في السلعة ؟ هذه المسألة لها ثلاثة أحوال: ١) أن تدل قرينة على أنَّ العيب حدث عند الأول، كأن تكون في الأمة المشتراة أصبعًا سادسة؛ فلا إشكال في ذلك، والقول قول المشتري بدون يمين. ٢) أن تدل قرينة على أنَّ العيب حدث عند الثاني المشتري كأن يكون في الشاة المشتراة جرحٌ جديد يَبْعُد أن يكون حصل عند البائع؛ فلا إشكال في ذلك أيضًا؛ فالقول قول البائع بدون يمين. ٣) إن لم تدل قرينة على أحدهما؛ فلا يُدرى أحدث العيب عند المشتري، أم أنه كان عيبًا قديمًا حصل عند البائع، فما الحكم في ذلك؟ فيه خلاف: • فالجمهور على أنَّ القول قول البائع؛ لأنَّ الأصل انتقال السلعة إلى المشتري من غير وجود عيب؛ فكون المشتري يدَّعي أنَّ البائع أعطاه السلعة معيبة؛ فهذه دعوى على خلاف الأصل، وممن قال بذلك الشافعي، وأبو ثور، وإسحاق،

стр. 2820

وابن المنذر. • وذهب الحنابلة إلى أنَّ القول قول المشتري مع يمينه. • وعن أحمد: أن البائع يحلف أن العيب لم يكن حادثًا عنده، ويأخذ المشتري السلعة، وليس له حق. وقد رجَّح الشيخ ابن عثيمين ﵀ قول الجمهور. (١) قال الشيخ ابن عثيمين ﵀ في «شرحه» (٨/ ٣٢٦): ولكن يجب أن نعلم أنَّ كل من قلنا: (القول قوله)؛ فإنه لابد من اليمين، وهذه قاعدة عامة؛ لقول النبي ﷺ : «اليمين على المدَّعى عليه»، وفي لفظ: «على من أنكر». (٢) فائدة: قال الإمام ابن عثيمين ﵀ في «شرح البلوغ» (٣/ ٤٧٩): والضابط أنَّ كل من ادَّعى خلاف الأصل؛ فهو مُدَّعِي يحتاج إلى بينة، وكل من تمسك بالأصل؛ فهو مُنْكِر، وعليه اليمين. اهـ تنبيه: يستفاد من هذا الحديث شرط من شروط صحة البيع المتقدمة في أوائل الكتاب، وهو: (رضا الطرفين بالبيع والشراء).

стр. 2821

٧٦٩ - وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الكَلْبِ، وَمَهْرِ البَغِيِّ (١)، وَحُلْوَانِ الكَاهِنِ (٢). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (٣) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: حكم بيع الكلب . • ذهب أكثر أهل العلم إلى تحريم بيع الكلب، وبطلان البيع، وهو قول الحسن، وربيعة، وحماد، والشافعي، وأحمد، والأوزاعي، والظاهرية وغيرهم. واستدلوا على ذلك بحديث أبي مسعود ﵁ الذي في الباب، وجاء عن عبدالله بن عمرو ﵄، أخرجه الحاكم (٢/ ٣٣)، وهو في «الصحيح المسند» (٨١١)، وعند أبي داود (٣٤٨٢) من حديث ابن عباس، وهو أيضًا في «الصحيح المسند» (٦١٢): «نهى النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عن ثمن الكلب، وإن جاء صاحبه، فاملأ كفه ترابًا». وإسناده صحيح. وثبت عن أبي هريرة ﵁ كما في «الأوسط» لابن المنذر، أنه كان يكره مهر البغي، وثمن الكلب، وقال: هو من السحت. • وذهب أبو حنيفة إلى جواز بيعه، وهو قول مالك في رواية؛ لوجود الانتفاع منه. • وذهب جابر بن عبد الله ﵁، وعطاء، والنخعي إلى جواز بيع كلب الصيد

стр. 2822

دون غيره؛ لما رواه النسائي من حديث جابر بن عبد الله، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نهى عن ثمن الكلب والسِّنَّور إلا كلب صيد. وهذا الحديث قال النسائي عقبه: منكر. وقد ضعَّف هذه الزيادة جماعةٌ من العلماء والحُفَّاظ، منهم: النسائي، والترمذي، والداقطني، والبيهقي. وبيان ذلك: أنها جاءت من طريق حماد بن سلمة، عن أبي الزبير، عن جابر، فذكره. أخرجه النسائي، ثم قال: حديث منكر. وأعله الدارقطني بالوقف في «سننه»، وأشار إلى ذلك البيهقي، فقد رواه عبد الواحد، وسويد بن عمرو كما في «سنن البيهقي»، وأبو نعيم كما في «شرح المعاني» كلهم عن حماد، عن أبي الزبير، عن جابر موقوفًا، ورواه عبيد الله بن موسى، عن حماد وشك في رفعه ورواه الهيثم بن جميل، عن حماد، ورفعه؛ فالرَّاجح وقفه. وجاءت الزيادة من طريق: الحسن بن أبي جعفر الجُفْرِي، عن أبي الزبير، عن جابر عند الدارقطني، والحسن الجفري قال فيه البخاري: منكر الحديث. وقال ابن معين: ليس بشيء. وجاءت هذه الزيادة من حديث أبي هريرة، وفي أحد أسانيده: أبو المهزم، وهو متروك، وفي الآخر: المثنى بن الصباح، وهو شديد الضعف، وفي الآخر: محمد بن مصعب القرقساني وهو ضعيف، والوليد بن عبيد الله بن أبي رباح، وثقه ابن معين كما في «الجرح والتعديل»، وضعفه الدارقطني عقب الحديث من

стр. 2823

«سننه»، وله طريق أخرى عند البيهقي، وفي إسناده: مؤمل بن إسماعيل، وهو ضعيف، وقد خُولِف، فقد رواه النضر بن شميل بدون الاستثناء، وبدون ذكر «الهر». والخلاصة مما تقدم أنَّ زيادة: «إلا كلب صيد» لا تصح، ولا تثبت. (١) وبناء على ضعف الزيادة؛ فالصحيح هو قول الجمهور، والله أعلم. (٢) مسألة [٢]: هل على متلف الكلب القيمة ؟ • ذهب الجمهور إلى أنه لا يضمن بالقيمة؛ لأنَّ ما لا ثمن له فلاقيمة له، والثمن: هو العوض عن العين الفائتة، والقيمة: هي العوض عن العين المتلفة، وفي حديث ابن عباس ﵄ المتقدم: «فإن جاء صاحبه؛ فاملأ كفه ترابًا». • وذهب عطاء، ومالك إلى أنَّ عليه الغرم؛ لأنَّ ما أُبيح اقتناؤه يحرم قتله. وقال ابن حزم: يضمنها بمثلها، أو بما يتراضيان عليه. قال الإمام ابن عثيمين ﵀ في «شرح البلوغ» (٣/ ٤٨١ - ٤٨٢): وهذا القول هو الراجح أنه لا قيمة له، وأنَّ إتلافه هدر؛ فإنْ قال صاحب الكلب: كلبي غالٍ عندي، ولا أفكه إلا برقبة هذا الرجل. فنقول: مثل هذه الحال يُعطى إن وُجِد كلبًا مثل كلبه، وإلا فيُعطى ما يهوِّن غضبه؛ دفعًا للشر والفتنة. اهـ

стр. 2824

وقال ﵀ (٣/ ٤٨٣): وإذا أتلف قلنا: إنه لا قيمة له شرعًا، ولكنه يعزر بسبب تعديه على ما يختص به هذا الرجل. اهـ قلتُ: وما قاله الشيخ ابن عثيمين ﵀ هو الصواب عندي، والله أعلم. (١) مسألة [٣]: قتل الْمُعَلَّم وما يُباح إمساكه . قال ابن قدامة ﵀ (٦/ ٣٥٥): أَمَّا قَتْلُ المُعَلَّمِ فَحَرَامٌ، وَفَاعِلُهُ مُسِيءٌ ظَالِمٌ، وَكَذَلِكَ كُلُّ كَلْبٍ مُبَاحٍ إمْسَاكُهُ؛ لِأَنَّهُ مَحَلٌّ مُنْتَفَعٌ بِهِ يُبَاحُ اقْتِنَاؤُهُ فَحُرِّمَ إتْلَافُهُ كَالشَّاةِ، وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا. اهـ قلتُ: وفي حديث جابر في «صحيح مسلم» (١٥٧٢) قال: ثم نهى رسول الله ﷺ عن قتلها، وقال: «عليكم بالأسود البهيم، ذي النقطتين؛ فإنه شيطان». وعليه: فمن كان له كلب مما يباح اقتناؤه، ولا حاجة فيه؛ فلا يجوز له اقتناؤه بدون حاجة، فيعطي شخصًا آخر ينتفع به، إما إعارة، أو هدية، وبالله التوفيق. مسألة [٤]: إجارة الكلب . • ذهب أحمد وأصحابه إلى تحريم إجارته؛ لأنه محرم بيعه؛ فحرمت إجارته، وهو الأصح عند الشافعية، وقال بعض الشافعية بالجواز؛ لأنه ينتفع به، وهو مقتضى قول الحنفية، والمالكية؛ لأنهم يرون جواز بيعه فإجارته من باب أولى، والصواب القول الأول، والله أعلم. (٢)

стр. 2825

مسألة [٥]: إهداء الكلب والوصية به . قال ابن قدامة ﵀ (٦/ ٣٥٥): وَتَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِالْكَلْبِ الَّذِي يُبَاحُ اقْتِنَاؤُهُ؛ لِأَنَّهَا نَقْلٌ لِلْيَدِ فِيهِ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ، وَتَصِحُّ هِبَتُهُ؛ لِذَلِكَ، وَقَالَ الْقَاضِي: لَا تَصِحُّ؛ لِأَنَّهَا تَمْلِيكٌ فِي الْحَيَاةِ أَشْبَهَتْ الْبَيْعَ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَيُفَارِقُ الْبَيْعَ؛ لِأَنَّهُ يُؤْخَذُ عِوَضُهُ، وَهُوَ مُحَرَّمٌ، وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ كَهَذَيْنِ. اهـ قلتُ: والصحيح هو الجواز، والله أعلم. (١) مسألة [٦]: مبادلة كلب بكلب، أو بغيره . قال أبو عبد الله غفر الله له: تقدم أنَّ الكلب لا ثمن له، وعليه: فإذا بودل بمثله؛ جاز، وإن بودل بما له ثمن؛ لم يجز؛ لأنه يصير بيعًا. مسألة [٧]: اقتناء الكلب . قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٦/ ٣٥٦): وَلَا يَجُوزُ اقْتِنَاءُ الْكَلْبِ؛ إلَّا كَلْبَ الصَّيْدِ، أَوْ كَلْبَ مَاشِيَةٍ، أَوْ حَرْثٍ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ اتَّخَذَ كَلْبًا إلَّا كَلْبَ صَيْدٍ، أَوْ مَاشِيَةٍ، أَوْ زَرْعٍ؛ نَقَصَ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ» (٢)، وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْت النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ اقْتَنَى كَلْبًا إلَّا كَلْبَ صَيْدٍ، أَوْ مَاشِيَةٍ؛ فَإِنَّهُ يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ»، قَالَ سَالِمٌ: وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَقُولُ: أَوْ كَلْبَ حَرْثٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٣)، وَإِنْ اقْتَنَاهُ لِحِفْظِ الْبُيُوتِ، لَمْ يَجُزْ؛

стр. 2826

لِلْخَبَرِ، وَيَحْتَمِلُ الْإِبَاحَةَ، وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الثَّلَاثَةِ، فَيُقَاسُ عَلَيْهَا وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ قِيَاسَ غَيْرِ الثَّلَاثَةِ عَلَيْهَا يُبِيحُ مَا يَتَنَاوَلُ الْخَبَرُ تَحْرِيمَهُ. اهـ قلتُ: وما صححه ابن قدامة هو الأقرب، والله أعلم. مسألة [٨]: بيع الحيوانات المفترسة . • مذهب الشافعية، والحنابلة جواز بيع ما ينتفع به منها، ويمكن تعليمه والاصطياد به، كالصقر، والفهد. • وقال بعض الحنابلة، وهما أبو بكر بن عبد العزيز، وابن أبي موسى: لا يجوز بيع الفهد، والصقر؛ لأنها نجسة، فلم يَجُزْ بيعها. قال ابن قدامة ﵀: فإن كان الفهد، والصقر ونحوهما مما ليس بمُعَلَّم، ولا يقبل التعليم؛ لم يجز بيعه؛ لعدم النفع به. اهـ قلتُ: ويلتحق بالمنع الحيوانات التي لا تقبل التعليم كالأسد، والذئب، والنمر، والدب، وما أشبهها؛ لأنه لا ينتفع بها، وفي شرائها إسراف، وإضاعة للمال، والجمهور على عدم جواز بيعها؛ لأنه لا منفعة فيها، وشراؤها إضاعة للمال، وللشافعية وجهٌ مضعف بجواز بيعها؛ لإمكان الانتفاع بجلودها بالدباغ، وبذلك أفتى الإمام ابن باز ﵀، والإمام الفوزان كما في «فتاوى اللجنة»

стр. 2827

(١٣/ ٤٠ - ٤١)، وبالله التوفيق. (١) مسألة [٩]: بيع الحيوانات المحنطة . لا يجوز بيعها، ولا شراؤها؛ لأنها ذريعة إلى الشرك، وانتشار الصور، وقد أفتى علماء عصرنا بحرمة بيعها، وشرائها، منهم: الإمام ابن باز ﵀، واللجنة الدائمة، وشيخنا مقبل الوادعي ﵀.اهـ (٢)

стр. 2828

٧٧٠ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِاللهِ ﵄ أَنَّهُ كَانَ عَلَى جَمَلٍ لَهُ أَعْيَا، فَأَرَادَ أَنْ يُسَيِّبَهُ، قَالَ: فَلَحِقَنِي النَّبِيُّ ﷺ فَدَعَا لِي، وَضَرَبَهُ، فَسَارَ سَيْرًا لَمْ يَسِرْ مِثْلَهُ، فَقَالَ: «بِعْنِيهِ بِأُوقِيَّةٍ» قُلْت: لَا، ثُمَّ قَالَ: «بِعْنِيهِ» فَبِعْته بِأُوقِيَّةٍ، وَاشْتَرَطْتُ حُمْلَانَهُ إلَى أَهْلِي، فَلَمَّا بَلَغْت أَتَيْته بِالجَمَلِ، فَنَقَدَنِي ثَمَنَهُ، ثُمَّ رَجَعْت فَأَرْسَلَ فِي أَثَرِي، فَقَالَ: «أَتُرَانِي مَاكَسْتُكَ (١) لِآخُذَ جَمَلَك؟ خُذْ جَمَلَك وَدَرَاهِمَك، فَهُوَ لَك». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَهَذَا السِّيَاقُ لِمُسْلِمٍ. (٢) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: بيع الدابة، واستثناء الركوب عليها . قال الشوكاني ﵀ في «نيل الأوطار» (٣/ ٥٧٠): وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الْبَيْعِ مَعَ اسْتِثْنَاءِ الرُّكُوبِ، وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ، وَجَوَّزَهُ مَالِكٌ إذَا كَانَتْ مَسَافَةُ السَّفَرِ قَرِيبَةً، وَحَدَّهَا بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَآخَرُونَ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ، سَوَاءٌ قَلَّتْ الْمَسَافَةُ أَوْ كَثُرَتْ، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ النَّهْيِ عَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ (٣)، وَحَدِيثِ النَّهْيِ عَنْ الثُّنْيَا (٤)، وَأَجَابُوا عَنْ حَدِيثِ الْبَابِ بِأَنَّهُ قِصَّةُ عَيْنٍ تَدْخُلُهَا الِاحْتِمَالَاتُ، وَيُجَابُ بِأَنَّ حَدِيثَ النَّهْيِ عَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ الْمَقَالِ هُوَ أَعَمُّ مِنْ حَدِيثِ الْبَابِ مُطْلَقًا، فَيُبْنَى الْعَامُّ عَلَى الْخَاصِّ. وَأَمَّا حَدِيثُ النَّهْيِ عَنْ

стр. 2829

الثُّنْيَا فَقَدْ تَقَدَّمَ تَقْيِيدُهُ بِقَوْلِهِ: إلَّا أَنْ يُعْلَمَ. اهـ قلتُ: فالراجح هو جواز ذلك، وقد رجَّح ذلك الصنعاني أيضًا في «سبل السلام»، وهو مذهب أحمد، والأوزاعي، وإسحاق، وأبي ثور، وابن المنذر. ولكن يشترط أن يكون للاستثناء مدة معلومة، ويلتحق بذلك من باع دارًا واستثنى سكناها شهرًا مثلًا، أو عبدًا، ويستثني خدمته عامًا، وما أشبه ذلك. (١) فائدة: إطلاق استثناء الخدمة بدون تحديد مدة معلومة لا يجوز، وقال ابن قدامة ﵀ (٦/ ١٦٧): وهذا لا خلاف في بطلانه. مسألة [٢]: إذا أراد المشتري أن يبيع العين المستثنى منفعتها . قال ابن قدامة ﵀: وَإِنْ بَاعَ الْمُشْتَرِي الْعَيْنَ الْمُسْتَثْنَاةَ مَنْفَعَتُهَا؛ صَحَّ الْبَيْعُ، وَتَكُونُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي الثَّانِي مُسْتَثْنَاةً أَيْضًا؛ فَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِذَلِكَ فَلَا خِيَارَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى بَصِيرَةٍ، فَلَمْ يَثْبُتْ لَهُ خِيَارٌ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى مَعِيبًا يَعْلَمُ عَيْبَهُ؛ فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ، فَلَهُ خِيَارُ الْفَسْخِ؛ لِأَنَّهُ عَيْبٌ، فَهُوَ كَمَا لَوْ اشْتَرَى أَمَةً مُزَوَّجَةً، أَوْ دَارًا مُؤَجَّرَةً. وَإِنْ أَتْلَفَ الْمُشْتَرِي الْعَيْنَ، فَعَلَيْهِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ؛ لِتَفْوِيتِ الْمَنْفَعَةِ الْمُسْتَحَقَّةِ لِغَيْرِهِ، وَثَمَنُ الْمَبِيعِ، وَإِنْ تَلِفَتْ الْعَيْنُ بِتَفْرِيطِهِ؛ فَهُوَ كَتَلَفِهَا بِفِعْلِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، وَقَالَ: يَرْجِعُ الْبَائِعُ عَلَى الْمُبْتَاعِ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ ... . قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٦/ ١٦٨ - ١٦٩): فَأَمَّا إنْ تَلِفَتْ بِغَيْرِ فِعْلِهِ، وَلَا بِتَفْرِيطِهِ، لَمْ يَضْمَنْ. اهـ

стр. 2830

٧٧١ - وَعَنْهُ ﵁ قَالَ: أَعْتَقَ رَجُلٌ مِنَّا عَبْدًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ، فَدَعَا بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فَبَاعَهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: بيع المدبر . • في هذه المسألة ثلاثة أقوال: الأول: جواز بيعه مطلقًا، وهوقول عمر بن عبد العزيز، وطاوس، ومجاهد، وهو مذهب الشافعي، وأحمد في رواية، وعزاه الحافظ لأهل الحديث، وقال به بعض المالكية، وصحَّ عن عائشة ﵂ أنها باعت جارية لها قد دبَّرتها بسبب أنها سحرتها. أخرجه الشافعي في «المسند» (٢/ ٦٧)، وأحمد (٦/ ٤٠)، والبيهقي (٨/ ١٣٧)، وصححه الألباني ﵀ في «الإرواء» (١٧٥٧). وقد استدل القائلون بالجواز بحديث جابر الذي في الباب، وقالوا: هو عتق بصفة، ثبت بقول المعتق؛ فلم يمنع البيع كما لو قال: إن دخلت الدار؛ فأنت حرٌّ. فله بيعه قبل دخول الدار. قال الحافظ ﵀: وَلِأَنَّ مَنْ أَوْصَى بِعِتْقِ شَخْص جَازَ لَهُ بَيْعه بِاتِّفَاقٍ، فَيَلْحَق بِهِ جَوَاز بَيْع الْمُدَبَّر؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْوَصِيَّة. اهـ

стр. 2831

قال أحمد: هم يقولون: من قال: غلامي حرٌّ رأس الشهر. فله بيعه قبل رأس الشهر، وإن قال: غدًا. فله بيعه اليوم، وإن قال: إذا مت. قال: لا يبيعه؛ فالموت أكثر من الأجل، ليس هذا قياسًا. الثاني: المنع من بيعه مطلقًا، وهو قول سعيد بن المسيب، والشعبي، والنخعي، وابن سيرين، والزهري، والثوري، والأوزاعي، ومالك، وأصحاب الرأي؛ لحديث ابن عمر ﵄: «لا يُباع المدبر ولا يوهب» أخرجه الدارقطني. (١) قلتُ: وهو لا يثبت مرفوعًا، بل حكم عليه الإمام الألباني بالوضع في «الضعيفة» (١٦٤)، والحفاظ يرجحون وقفه على ابن عمر، وقد صحَّ موقوفًا. (٢) الثالث: يجوز بيعه للحاجة كالدين وما أشبهه، وهو قول الليث، وإسحاق، وأحمد في رواية، وأجازه مالك في دين يستغرق رقبة العبد، وقال هؤلاء: حديث جابر محمول على ما إذا احتاج كما هو حال الرجل المذكور في الحديث، فقد أعتقه وكان عليه دين، ولم يكن له مال غيره. قال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول هو الصواب -والله أعلم- ولا نعلم دليلًا يمنع بيعه، ولكن إذا لم يكن محتاجًا؛ فالأفضل له أن لا يبيعه. (٣)

стр. 2832

٧٧٢ - وَعَنْ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ فَأْرَةً وَقَعَتْ فِي سَمْنٍ، فَمَاتَتْ فِيهِ، فَسُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْهَا فَقَالَ: «ألقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا وَكُلُوهُ» رَوَاهُ البُخَارِيُّ (١) وَزَادَ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ: فِي سَمْنٍ جَامِدٍ. (٢) ٧٧٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إذَا وَقَعَتِ الفَأْرَةُ فِي السَّمْنِ، فَإِنْ كَانَ جَامِدًا فَأَلقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا، وَإِنْ كَانَ مَائِعًا فَلَا تَقْرَبُوهُ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُودَاوُد، وَقَدْ حَكَمَ عَلَيْهِ البُخَارِيُّ، وَأَبُوحَاتِمٍ بِالوَهْمِ. (٣) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: هل يجوز بيع الزيت المتنجس ؟ • أكثر العلماء على أنَّ الزيت المتنجس لا يمكن فصل النجاسة منه؛ فلا يجوِّزون بيعه، كشحم الميتة وهو مذهب الحنابلة، والأصح عند الشافعية، وقال به مالك، وجماهير العلماء. واستدلوا بحديث أبي هريرة ﵁ الذي في الباب.

стр. 2833

• وقال أبو حنيفة وأصحابه، والليث: يجوز بيعها؛ لأنه يمكن فصل النجاسة عنها بغسلها، وهو قول بعض الشافعية، وأحمد في رواية. قال أبو عبد الله غفر الله له: تقدم في [كتاب الطهارة] أننا رجحنا أنَّ المائع المتنجس يُطَهَّر بزيادة المائع من جنسه، وقد يطهر أيضًا بغليانه، أو تعريضه للشمس والهواء. وعليه: فيجوز بيعه، والله أعلم. (١) تنبيه: تقدم الكلام على نجاسة الزيت بحلول النجاسة فيه في كتاب الطهارة، ورجَّحنا أنَّ الزيت ينجس إذا تغيرت أوصافه.

стр. 2834

٧٧٤ - وَعَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ قَالَ: سَأَلْتُ جَابِرًا ﵁ عَنْ ثَمَنِ السِّنَّوْرِ وَالكَلْبِ فَقَالَ: زَجَرَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَالنَّسَائِيُّ وَزَادَ: إلَّا كَلْبَ صَيْدٍ. (١)

стр. 2835

المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: حكم بيع الهر . • في المسألة قولان: الأول: جواز بيعه، وهو قول الحسن، وابن سيرين، والحكم، وحماد، والثوري، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي، وغيرهم؛ لأنها تنفع، ولا حرمة في اقتنائها. وقد ثبت عن ابن عباس ﵄ كما في الأوسط: أنه كان لا يرى بذلك بأسًا. الثاني: تحريم البيع، وهو قول طاوس، ومجاهد، وجابر بن زيد، وأحمد في رواية، والظاهرية، واختاره الشوكاني، والصنعاني؛ للأحاديث الناهية عن ذلك. قال أبو عبد الله غفر الله له: الحديث مُعَلٌّ من جميع طرقه؛ فالأظهر هو الجواز، والله أعلم، وإذا كان الهر متوحشًا ولا ينفع صاحبه؛ فلا يجوز بيعه كالسباع. (١)

стр. 2836

فَصْل فِي ذِكْرِ بَعْضِ المَسَائِلِ المُلْحَقَة مسألة [١]: بيع البغال، والحمير . قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٦/ ٣٦٠): لا خلاف في إباحة بيعها. اهـ يعني البغال والحمير. قلتُ: وفي حديث أُبي بن كعب في «صحيح مسلم» (٦٦٣) أنَّ رجلًا كان بعيدًا من المسجد، فقال له رجلٌ: لو اشتريت حمارًا تركبه في الظلماء، والرمضاء ... ، الحديث. فهذا يدل على أن بيع الحمير كان معلومًا موجودًا في عصر الصحابة ومن بعدهم. ويستدل على جواز بيعها أيضًا بقوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٨]، فقد امتن الله علينا بمنفعة هذه الحيوانات وما كان فيه منفعة، فيجوز بيعه وشراؤه؛ إلا ما استثناه الدليل. وقال الإمام ابن عثيمين ﵀ في «الشرح الممتع» (٨/ ١٢٩ - ١٣٠): المسلمون مجمعون على بيع الحمير من عهد الرسول ﷺ إلى يومنا هذا. قال: فإن قال قائل: يشكل على ذلك قول الرسول ﷺ : «إنَّ الله إذا حرَّم شيئًا حرم ثمنه»، والبغل حرام، والحمار حرام، يعني أكلها.

стр. 2837

قال: نقول: حرم ثمنه، أي: ثمن ذلك المحرم، ولهذا لو اشترى شخصٌ بغلًا ليأكله؛ فهو حرام عليه، فلا يجوز أن يأخذ على شيء محرم عوضًا، وهو يشتريه لا لأكله، ولكن لركوبه، وركوبه والانتفاع به حلال، فلا يعارض الحديث. اهـ قلتُ: ويمكن أن يقال: عموم الحديث مخصوص بالبغال والحمير؛ لما تقدم، والله أعلم. مسألة [٢]: بيع القرد . قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٦/ ٣٦١): قَالَ أَحْمَدُ: أَكْرَهُ بَيْعَ الْقِرْدِ. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى بَيْعِهِ لِلْإِطَافَةِ بِهِ، وَاللَّعِبِ، فَأَمَّا بَيْعُهُ لِمَنْ يَنْتَفِعُ بِهِ، كَحِفْظِ الْمَتَاعِ، وَالدُّكَّانِ وَنَحْوِهِ، فَيَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ كَالصَّقْرِ وَالْبَازِي. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. وَقِيَاسُ قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ، وَابْنِ أَبِي مُوسَى الْمَنْعُ مِنْ بَيْعِهِ مُطْلَقًا. اهـ وقد أفتى الإمام ابن باز ﵀، والإمام الفوزان حفظه الله بعدم جواز بيعه كما في «فتاوى اللجنة» (١٣/ ٣٨)؛ لما في ذلك من إضاعة المال. مسألة [٣]: بيع الطيور . الطيور قسمان: القسم الأول: ما يُنتفع بلونه كالطاوس وبعض الطيور الملونة، أو صوته كالببغاء، والعندليب وغيره، فهذه يجوز بيعها وشراؤها؛ لأنَّ النظر إليها وسماع أصواتها أمرٌ مُباح، ولم يأت في الشرع ما يفيد حرمة بيعها، وشرائها، وحبسها، بل جاء ما يفيد الجواز، ودليل الجواز حديث أنس في «الصحيحين» (١) أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-

стр. 2838

قال: «يا أبا عُمير، ما فعل النُّغَير؟»، والنغير طائر صغير كان يلعب به، وهذا يدل على أن حبس الطير ليلعب به الطفل ليس به بأس. • وفي بيعها وشرائها خلاف: فالجمهور على جواز بيعها وشرائها، واللهو معها، وسماع أصواتها الرَّنَّانة المباحة. • وابن حزم، وجماعة على كراهة بيعها وشرائها، بل ابن حزم على المنع، وقالوا أعني غير ابن حزم: لأن سماع أصواتها والتمتع بها ليس فيه للمرء حاجة، بل هو من البطر، والأشر، ورقيق العيش، وهو سَفَهٌ، واستنبط المنع من كلام ابن حزم في «المحلى»، فقد قال: ولا يجوز بيع الحيوان إلا لمنفعة، إما للأكل، وإما للركوب، وإما لصيد، وإما لدواء؛ فإن كان لا منفعة فيه لشيء من ذلك؛ لم يحل بيعه، ولا ملكه؛ لأنه إضاعة مال من المبتاع، وأكل مال بالباطل من البائع. قلتُ: القول بالجواز هو الصواب، ولكن ينبغي أن لا تصرف الأموال الكثيرة الطائلة لذلك؛ فإنه يدخل في إضاعة المال. القسم الثاني: ما ليس فيه نفعٌ، كالحدأة، والغراب، وغير ذلك من الطيور، ففيه خلاف: • فالجمهور على عدم الجواز، وقال إمام الحرمين: إن كان في بعض أجنحتها فائدة؛ جاء فيه الوجه السابق في بيع السباع لأجل نفع جلودها. (١)

стр. 2839

مسألة [٤]: بيع الحشرات . أما ما لا نفع فيه كالخنافس، والعقارب، والحيَّات، والديدان، وما أشبه ذلك؛ فلا يجوز بيعها؛ لأنه لا ينتفع بها، ولأنَّ فيه إضاعة للمال، وبعضها مأمور بقتله فلا يجوز بيعها. وأما ما فيه نفع مثل الديدان لصيد السمك، والعلق، قال النووي: وهو هذا الدود الأسود والأحمر الذي يخرج من الماء، وعادته أن يُلقَى على العضو الذي ظهر فيه غلبة الدم فيمص دمه. انتهى. فالديدان للسمك جوَّز الحنابلة بيعها، والعلق جوزها الحنابلة، وهو الأصح عند الشافعية. (١) مسألة [٥]: بيع دودة القز . • الجمهور على الجواز؛ لأنه مما ينتفع به، وهوحيوان طاهر. • وذهب أبو حنيفة إلى المنع؛ إلا إذا بيعت مع القز وهو الحرير؛ فيجوز؛ لأنه لا ينتفع بعينه؛ فهو كالحشرات. والصحيح قول الجمهور؛ لأنه ينتفع به باعتبار نتاجه. قال ابن حزم ﵀: لا نعلم له حجة أصلًا، ولا أحدًا سبقه إلى المنع. اهـ (٢)

стр. 2840

مسألة [٦]: بيع النحل . قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٦/ ٣٦٢): وَيَجُوزُ بَيْعُ النَّحْلِ إِذَا شَاهَدَهَا مَحْبُوسَةً بِحَيْث لَا يُمْكِنُهَا أَنْ تَمْتَنِعَ، وَقَالَ أَبُو حَنِيْفَةَ: لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا مُنْفَرِدَةً لِمَا ذُكِرَ فِي دُودِ الْقَزِّ. وَلَنَا أَنَّهُ حَيَوَانٌ طَاهِرٌ يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ فِيْهِ مَنَافِعُ لِلنَّاسِ؛ فَجَازَ بَيْعُهُ كَبَهِيْمَةِ الْأَنْعَامِ. اهـ قال ابن حزم ﵀ في «المحلى» (١٥٤٦) بعد أن ذكر قول أبي حنيفة: وما نعلم له حجة أصلًا ولا أحدًا سبقه إلى المنع من بيع النحل، ودود القز. اهـ تنبيه: يجوز شراء النحل في أجباحها إذا عُلِمت كميتُها بدخولها وخروجها، أو بفتح تلك الأجباح والنظر إليها من أهل الخبرة وإلا فلا يجوز؛ لحصول الغرر. (١) مسألة [٧]: حكم بيع الدم . أخرج البخاري (٢٢٣٨) من حديث أبي جحيفة ﵁، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نهى عن ثمن الدم. وقد أجمع أهل العلم على تحريم بيع الدم وثمنه، قاله ابن المنذر كما في «المغني» (٦/ ٣٥٨)، والحافظ في «الفتح» (٢٢٣٨). وأكله محرَّمٌ بالإجماع؛ للآية ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة:٣].
следующие страницы →