فَصْل فِي ذِكْرِ بَعْضِ المَسَائِلِ المُلْحَقَة
مسألة [١]: بيع البغال، والحمير .
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٦/ ٣٦٠): لا خلاف في إباحة بيعها. اهـ يعني البغال والحمير.
قلتُ: وفي حديث أُبي بن كعب في «صحيح مسلم» (٦٦٣) أنَّ رجلًا كان بعيدًا من المسجد، فقال له رجلٌ: لو اشتريت حمارًا تركبه في الظلماء، والرمضاء ... ، الحديث. فهذا يدل على أن بيع الحمير كان معلومًا موجودًا في عصر الصحابة ومن بعدهم.
ويستدل على جواز بيعها أيضًا بقوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٨]، فقد امتن الله علينا بمنفعة هذه الحيوانات وما كان فيه منفعة، فيجوز بيعه وشراؤه؛ إلا ما استثناه الدليل.
وقال الإمام ابن عثيمين ﵀ في «الشرح الممتع» (٨/ ١٢٩ - ١٣٠): المسلمون مجمعون على بيع الحمير من عهد الرسول ﷺ إلى يومنا هذا.
قال: فإن قال قائل: يشكل على ذلك قول الرسول ﷺ : «إنَّ الله إذا حرَّم شيئًا حرم ثمنه»، والبغل حرام، والحمار حرام، يعني أكلها.
стр. 2837
قال: نقول: حرم ثمنه، أي: ثمن ذلك المحرم، ولهذا لو اشترى شخصٌ بغلًا ليأكله؛ فهو حرام عليه، فلا يجوز أن يأخذ على شيء محرم عوضًا، وهو يشتريه لا لأكله، ولكن لركوبه، وركوبه والانتفاع به حلال، فلا يعارض الحديث. اهـ
قلتُ: ويمكن أن يقال: عموم الحديث مخصوص بالبغال والحمير؛ لما تقدم، والله أعلم.
مسألة [٢]: بيع القرد .
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٦/ ٣٦١): قَالَ أَحْمَدُ: أَكْرَهُ بَيْعَ الْقِرْدِ. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى بَيْعِهِ لِلْإِطَافَةِ بِهِ، وَاللَّعِبِ، فَأَمَّا بَيْعُهُ لِمَنْ يَنْتَفِعُ بِهِ، كَحِفْظِ الْمَتَاعِ، وَالدُّكَّانِ وَنَحْوِهِ، فَيَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ كَالصَّقْرِ وَالْبَازِي. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. وَقِيَاسُ قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ، وَابْنِ أَبِي مُوسَى الْمَنْعُ مِنْ بَيْعِهِ مُطْلَقًا. اهـ
وقد أفتى الإمام ابن باز ﵀، والإمام الفوزان حفظه الله بعدم جواز بيعه كما في «فتاوى اللجنة» (١٣/ ٣٨)؛ لما في ذلك من إضاعة المال.
مسألة [٣]: بيع الطيور .
الطيور قسمان:
القسم الأول: ما يُنتفع بلونه كالطاوس وبعض الطيور الملونة، أو صوته كالببغاء، والعندليب وغيره، فهذه يجوز بيعها وشراؤها؛ لأنَّ النظر إليها وسماع أصواتها أمرٌ مُباح، ولم يأت في الشرع ما يفيد حرمة بيعها، وشرائها، وحبسها، بل جاء ما يفيد الجواز، ودليل الجواز حديث أنس في «الصحيحين» (١) أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-
стр. 2838
قال: «يا أبا عُمير، ما فعل النُّغَير؟»، والنغير طائر صغير كان يلعب به، وهذا يدل على أن حبس الطير ليلعب به الطفل ليس به بأس.
• وفي بيعها وشرائها خلاف: فالجمهور على جواز بيعها وشرائها، واللهو معها، وسماع أصواتها الرَّنَّانة المباحة.
• وابن حزم، وجماعة على كراهة بيعها وشرائها، بل ابن حزم على المنع، وقالوا أعني غير ابن حزم: لأن سماع أصواتها والتمتع بها ليس فيه للمرء حاجة، بل هو من البطر، والأشر، ورقيق العيش، وهو سَفَهٌ، واستنبط المنع من كلام ابن حزم في «المحلى»، فقد قال: ولا يجوز بيع الحيوان إلا لمنفعة، إما للأكل، وإما للركوب، وإما لصيد، وإما لدواء؛ فإن كان لا منفعة فيه لشيء من ذلك؛ لم يحل بيعه، ولا ملكه؛ لأنه إضاعة مال من المبتاع، وأكل مال بالباطل من البائع.
قلتُ: القول بالجواز هو الصواب، ولكن ينبغي أن لا تصرف الأموال الكثيرة الطائلة لذلك؛ فإنه يدخل في إضاعة المال.
القسم الثاني: ما ليس فيه نفعٌ، كالحدأة، والغراب، وغير ذلك من الطيور، ففيه خلاف:
• فالجمهور على عدم الجواز، وقال إمام الحرمين: إن كان في بعض أجنحتها فائدة؛ جاء فيه الوجه السابق في بيع السباع لأجل نفع جلودها. (١)
стр. 2839
مسألة [٤]: بيع الحشرات .
أما ما لا نفع فيه كالخنافس، والعقارب، والحيَّات، والديدان، وما أشبه ذلك؛ فلا يجوز بيعها؛ لأنه لا ينتفع بها، ولأنَّ فيه إضاعة للمال، وبعضها مأمور بقتله فلا يجوز بيعها.
وأما ما فيه نفع مثل الديدان لصيد السمك، والعلق، قال النووي: وهو هذا الدود الأسود والأحمر الذي يخرج من الماء، وعادته أن يُلقَى على العضو الذي ظهر فيه غلبة الدم فيمص دمه. انتهى.
فالديدان للسمك جوَّز الحنابلة بيعها، والعلق جوزها الحنابلة، وهو الأصح عند الشافعية. (١)
مسألة [٥]: بيع دودة القز .
• الجمهور على الجواز؛ لأنه مما ينتفع به، وهوحيوان طاهر.
• وذهب أبو حنيفة إلى المنع؛ إلا إذا بيعت مع القز وهو الحرير؛ فيجوز؛ لأنه لا ينتفع بعينه؛ فهو كالحشرات.
والصحيح قول الجمهور؛ لأنه ينتفع به باعتبار نتاجه.
قال ابن حزم ﵀: لا نعلم له حجة أصلًا، ولا أحدًا سبقه إلى المنع. اهـ (٢)
стр. 2840
مسألة [٦]: بيع النحل .
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٦/ ٣٦٢): وَيَجُوزُ بَيْعُ النَّحْلِ إِذَا شَاهَدَهَا مَحْبُوسَةً بِحَيْث لَا يُمْكِنُهَا أَنْ تَمْتَنِعَ، وَقَالَ أَبُو حَنِيْفَةَ: لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا مُنْفَرِدَةً لِمَا ذُكِرَ فِي دُودِ الْقَزِّ. وَلَنَا أَنَّهُ حَيَوَانٌ طَاهِرٌ يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ فِيْهِ مَنَافِعُ لِلنَّاسِ؛ فَجَازَ بَيْعُهُ كَبَهِيْمَةِ الْأَنْعَامِ. اهـ
قال ابن حزم ﵀ في «المحلى» (١٥٤٦) بعد أن ذكر قول أبي حنيفة: وما نعلم له حجة أصلًا ولا أحدًا سبقه إلى المنع من بيع النحل، ودود القز. اهـ
تنبيه: يجوز شراء النحل في أجباحها إذا عُلِمت كميتُها بدخولها وخروجها، أو بفتح تلك الأجباح والنظر إليها من أهل الخبرة وإلا فلا يجوز؛ لحصول الغرر. (١)
مسألة [٧]: حكم بيع الدم .
أخرج البخاري (٢٢٣٨) من حديث أبي جحيفة ﵁، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نهى عن ثمن الدم.
وقد أجمع أهل العلم على تحريم بيع الدم وثمنه، قاله ابن المنذر كما في «المغني» (٦/ ٣٥٨)، والحافظ في «الفتح» (٢٢٣٨).
وأكله محرَّمٌ بالإجماع؛ للآية ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة:٣].
стр. 2841
مسألة [٨]: نقل الدم من جسد إلى آخر .
نقل الدم من جسد إلى آخر يدخل في ا لتحريم، فلا يجوز أكل الدم سواء عن طريق الفم، أو الشرايين، أو المغذيات؛ إلا في حالة الضرورة فيجوز سحب الدم من شخص لآخر إذا اضطر الإنسان إلى سحب الدم لنفسه إذا أُعطي له مجَّانًا، وما لا يعطى إلا بمال؛ فلا بأس للمحتاج أن يدفع مالًا مقابل هذا الدم، ويكون الإثم على بائع الدم.
والدليل على التحريم حديث ابن عباس ﵄: «إن الله إذا حرم على قوم أكل شيء حرَّم عليهم ثمنه» أخرجه أبو داود (٣٤٨٨)، عن ابن عباس ﵄ بإسناد صحيح، وهذه فتوى اللجنة الدائمة. (١)
مسألة [٩]: حكم بيع المسك .
المسك هو عبارة عن دم متجمِّع في سُرَّة الغزال إثر الجري الشديد، يربط فترة حتى ينفصل من جسد الغزال، ومنه يُصنع المسك.
قال النووي ﵀ في شرح حديث: «مثل الجليس الصالح كحامل المسك» برقم (٢٦٢٨): وفيه طهارة المسك، واستحبابه، وجواز بيعه، وقد أجمع العلماء على جميع ذلك، ولم يخالف فيه من يُعتد به، ونقل عن الشيعة نجاسته، والشيعة لا يُعتَدُّ بهم في الإجماع. اهـ
وانظر بقية كلامه فإنه مفيد.
стр. 2842
مسألة [١٠]: شراء المجلات والصحف التي فيها صور .
هي على قسمين:
١) مجلات ماجنة، والصور فيها عمدة؛ لأجل الإغراء والفتنة.
٢) مجلات أخبار يومية، ومقالات سياسية.
فالنوع الأول لا يجوز بيعه، ولا شراؤه، وهو حرام ظاهر.
والنوع الثاني قال فيه ابن باز، وابن عثيمين رحمهما الله تعالى: لا بأس بشراء هذه المجلات والصحف، والصور ليست مقصودة في الشراء.
قلتُ: ويجب عليه طمس الصور كما هو معلوم.
стр. 2843
٧٧٥ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: جَاءَتْنِي بَرِيرَةُ فَقَالَتْ: كَاتَبْت أَهْلِي عَلَى تِسْعِ أَوَاقٍ، فِي كُلِّ عَامٍ أُوقِيَّةٌ، فَأَعِينِينِي. فَقُلْت: إنْ أَحَبَّ أَهْلُكِ أَنْ أَعُدَّهَا لَهُمْ وَيَكُونُ وَلَاؤُكِ لِي فَعَلْتُ، فَذَهَبَتْ بَرِيرَةُ إلَى أَهْلِهَا، فَقَالَتْ لَهُمْ: فَأَبَوْا عَلَيْهَا، فَجَاءَتْ مِنْ عِنْدِهِمْ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ جَالِسٌ، فَقَالَتْ: إنِّي قَدْ عَرَضْتُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَأَبَوْا إلَّا أَنْ يَكُونَ الوَلَاءُ لَهُمْ، فَسَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَأَخْبَرَتْ عَائِشَةُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: «خُذِيهَا وَاشْتَرِطِي لَهُمُ الوَلَاءَ، فَإِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» فَفَعَلَتْ عَائِشَةُ ﵂، ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي النَّاسِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، فَمَا بَالُ رِجَالٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللهِ تَعَالَى؟ مَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ، قَضَاءُ اللهِ أَحَقُّ، وَشَرْطُ اللهِ أَوْثَقُ، وَإِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ، وَعِنْدَ مُسْلِمٍ قَالَ: «اشْتَرِيهَا وَأَعْتِقِيهَا وَاشْتَرِطِي لَهُمُ الوَلَاءَ». (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: قوله: «واشترطي لهم الولاء» .
استشكل كثير من أهل العلم صدور الإذن منه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في البيع على شرط فاسد، فمنهم من أنكر الشرط في الحديث، كيحيى بن أكثم، وأشار إلى ذلك الشافعي في «الأم»، وليس كذلك، فقد روى ذلك جماعة منهم هشام بن عروة، والحديث متفق على صحته.
стр. 2844
ومنهم من قال: «اشترطي لهم الولاء» بمعنى: (عليهم الولاء) واللام بمعنى (على) كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء:٧].
وهذا قال به المزني، والشافعي، والخطابي، وضعَّف ذلك ابن خزيمة، والنووي، وابن دقيق العيد؛ لأنهم أبوا أن يجعلوا لها الولاء، فكيف يأمرها أن تشترط عليهم شيئًا قد اشترطوا خلافه؛ ففي ذلك تكرار لا فائدة فيه.
ومنهم من قال: الأمر في قوله: «اشترطي» للإباحة؛ لينبه على أنه لا ينفعهم، فوجوده وعدمه سواء، وكأنه يقول: (اشترطي، أو لا تشترطي، فذلك لا يفيدهم)، ويقوي ذلك رواية في «البخاري»: «اشتريها ودعيهم يشترطوا ما شاءوا». (١)
وقيل: كان النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أعلم الناس بأنَّ الولاء باطل، فلما فعلوا ذلك أطلق الأمر مريدًا به التهديد، والزجر، والتوبيخ، والمقصود به الإهانة وعدم المبالاة بالاشتراط، وأن وجوده كعدمه.
وقال النووي ﵀: أقوى الأجوبة أنَّ هذا الحكم خاصٌّ بعائشة في هذه القضية، وأنَّ سببه المبالغة في الرجوع عن هذا الشرط؛ لمخالفته حكم الشرع. اهـ
وهذا القول اختاره الشيخ ابن عثيمين في «شرح البلوغ» (٣/ ٥٠٦)، قال: ونُجيب على قولهم: (إنَّ الرسول ﵊ لا يأذن بشيء مخالفٍ للشرع) نجيب عنه بأنَّ رسول الله ﷺ لم يأذن بذلك لينفذه، ولو أذن ونفذ لكان
стр. 2845
محل إشكال، لكنه أذن بذلك ليبطله بعد شرطه، وإبطال الشيء بعد شرطه أشد وقعًا وأبين في الإفساد والإبطال. اهـ وهناك أقوال أخرى.
قال أبو عبد الله غفر الله له: أقرب هذه الأقوال -والله أعلم- هو القول الأخير، ثم القول بأنه للإباحة؛ لينبه على أنه لا ينفعهم. (١)
مسألة [٢]: بيع المكاتب .
• في المسألة ثلاثة أقوال:
الأول: جواز بيعه، وهو قول عطاء، والنخعي، والليث، وأحمد، وابن المنذر، وهو القول القديم للشافعي.
واستدلوا بأنَّ عائشة ﵂ اشترت بريرة، وهي مكاتَبَة بأمر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، قال ابن المنذر: ففي ذلك أبين البيان أن بيعه جائز، ولا أعلم خبرًا يعارضه، ولا أعلم في شيء من الأخبار دليلًا على عجزها.
الثاني: منع بيعه، وهو قول مالك، والشافعي، وأصحاب الرأي، ورواية عن أحمد؛ لأنه عقد يمنع استحقاق كسبه، فمنع بيعه، وتأولوا حديث بريرة بأنها عجزت، وكان بيعها فسخًا لكتابتها.
الثالث: يجوز البيع برضى المكاتَب، ولا يجوز إذا لم يرض، وهو قول الزهري، وأبي الزناد، وحُكِي عن أبي يوسف؛ لأنَّ بريرة إنما بيعت برضاها، وهذا
стр. 2846
القول هو اختيار البخاري، فقد بوَّب في «صحيحه» [باب بيع المكاتب إذا رضي]. وهو قول ربيعة، واختاره ابن عبد البر.
تنبيه: الذين يقولون بجواز بيع المكاتب يقولون بعدم فسخ الكتابة بالبيع، ولا يجوز إبطالها بالإجماع، نقله ابن المنذر، وابن قدامة، ويبقى على كتابته إذا شاء عند المشتري كما كان عند البائع؛ فإن عجز فهو عبد للمشتري، وإن أدَّى؛ عتق وولاؤه له، وإن لم يعلم المشتري كونه مكاتَبَا؛ فله الفسخ. (١)
стр. 2847
مَسَائِلُ مُلْحَقَة مُتَعَلّقَةٌ بِالشُّرُوطِ فِي البَيْعِ
مسألة [١]: الشروط في البيع .
قال الإمام ابن عثيمين ﵀ في «الشرح الممتع» (٨/ ٢٣٤): الشروط في البيع هو إلزام أحد المتعاقدين الآخر ما لا يلزمه بمقتضى العقد، وكذلك في غيره.
قال: وأما ما يلزمه بمقتضى العقد؛ فإنه إن شرط فهو من باب التوكيد.
قال: والفرق بين الشروط في البيع، وشروط البيع -وهي المتقدمة في أوائل الكتاب- من وجوه: الأول: أنَّ شروط البيع من وضع الشارع، والشروط في البيع من وضع أحد المتعاقدين. الثاني: شروط البيع يتوقف عليها صحة البيع، والشروط في البيع يتوقف عليها لزوم البيع؛ فهو صحيح، لكن ليس بلازم؛ لأنَّ من له الشرط إذا لم يوف له به؛ فله الخيار. الثالث: أنَّ شروط البيع لا يمكن إسقاطها، والشروط في البيع يمكن إسقاطها ممن له الشرط. الرابع: أنَّ شروط البيع كلها صحيحة معتبرة؛ لأنها من وضع الشرع، والشروط في البيع منها ما هو صحيح معتبر، ومنها ما ليس بصحيح ولا معتبر. انتهى.
مسألة [٢]: الوقت الذي تعتبر فيه الشروط في البيع .
ذكر أهل العلم أنَّ الشرط المقارن للعقد يلحقه، وكذلك الشرط الذي يكون بعد العقد في مدة خيار المجلس، أو خيار الشرط على الأصح عند الشافعية، والحنابلة.
стр. 2848
وأما الشرط الذي يكون قبل العقد فألغاه الجمهور من الحنابلة، والشافعية.
قال الإمام ابن عثيمين ﵀: والصحيح أنه يعتبر؛ لما يلي: أولًا: لعموم الحديث «المسلمون على شروطهم» (١)، والرجل لم يدخل في العقد إلا على شرطه السابق. ثانيًا: أنهم جوزوا في النكاح تقدم الشرط على العقد، فيقال: أي فرق بين هذا وهذا، وإذا كان النكاح يجوز فيه تقدم الشرط على العقد؛ فالبيع مثله، ولا فرق. اهـ (٢)
مسألة [٣]: أقسام الشروط في البيع .
القسم الأول: أن يشترط ما هو من مقتضى العقد بأن باعه بشرط خيار المجلس، أو تسليم المبيع، أو الرد بالعيب، أو الرجوع بالعهدة، أو انتفاع المشتري به، فهذا شَرْطُه توكيد وبيان لمقتضاه. وهذا القسم صحيحٌ وجائز بالاتفاق.
القسم الثاني: أن يشترط مالا يقتضيه إطلاق العقد، لكن فيه مصلحة للعاقد، كخيار الثلاث، والأجل، والرهن، والضمين، والشهادة ونحوها، وكشرط كون العبد المبيع خيَّاطًا، أو كاتبًا ونحوه؛ فلا يبطل العقد أيضًا بلا خلاف.
فهذه الشروط هي في مصلحة العقد، والحكم في حال عدم الوفاء: أنَّ
стр. 2849
المشتري بالخيار: إما بالفسخ، أو المطالبة بأرش النقص. (١)
القسم الثالث: ما سوى القسمين السابقين، وتحته المسائل الآتية.
مسألة [٤]: اشتراط البائع نفعًا معلومًا من المبيع .
هذه المسألة تقدم ذكرها وتحريرها تحت الحديث رقم (٧٧٠).
مسألة [٥]: أن يشترط المشتري على البائع نفعًا معلومًا يعمله في السلعة قبل قبضها .
وذلك كأن يشترط عليه الحصاد إذا اشترى منه زرعًا، أو يشترط عليه التكسير إذا كان حطبًا، وما أشبه ذلك.
• فالمشهور عند الحنابلة صحة الشرط الواحد، ولا مزيد عليه، فلو اشترط مع تكسير الحطب حمله إلى البيت؛ فلا يجوز عندهم؛ لحديث: «لا شرطان في بيع». (٢)
• والحنفية، والشافعية لا يجيزون ذلك، ولو كان شرطًا واحدًا؛ لحديث: «نهى عن بيع وشرط». (٣)
• وذهب بعض أهل العلم إلى الجواز مطلقًا، وإن شرط أكثر من شرطين، وهو رواية عن أحمد، واختاره شيخ الإسلام، وابن القيم، ثم الشيخ ابن عثيمين، وهو
стр. 2850
الصواب؛ لحديث جابر الذي تقدم في الكتاب (١)؛ فإنه إذا جاز للبائع؛ جاز أيضًا للمشتري، والنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يقول: «المسلمون على شروطهم إلا شرطًا أحلَّ حرامًا، أو حرَّم حلالًا» (٢)، والله عزوجل يقول: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ﴾ [الإسراء:٣٤]، وقال: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة:١]، فلا فرق بين الشرط والشرطين، فإذا كان شرطًا فاسدًا فيمنع الشرط والشرطان، وإذا كان صحيحًا؛ فيجوز الواحد والعشرة.
وأما حديث: «نهى عن بيع وشرط»؛ فهو حديث ضعيفٌ، منكرٌ بهذا اللفظ، والمعروف فيه بلفظ: «لا شرطان في بيع»، وهذا الحديث اختلف أهل العلم في معناه كما سيأتي بيان ذلك إن شاء الله في موضعه (٣)، والله أعلم. (٤)
مسألة [٦]: إذا شرط البائع على المشتري أن لا يهبه، أو يبيعه، يعني المبيع ؟
• جمهور العلماء على بطلان هذه الشروط، وأكثرهم يقول ببطلان البيع أيضًا، وبعضهم يرى صحة البيع، والشرط لاغٍ، وهو قول الحسن، والنخعي، وابن أبي ليلى، وأبي ثور، وأحمد في رواية، وابن المنذر. واحتجوا بحديث عائشة الذي في الباب: «ما كان من شرط ليس في كتاب الله؛ فهو باطل ... ».
• وذهب ابن سيرين، وابن شبرمة، وحماد بن أبي سليمان إلى أنَّ الشرط والبيع
стр. 2851
صحيحان.
• وذهب شيخ الإسلام، وابن القيم -واختاره الشيخ ابن عثيمين- إلى أنَّ ذلك جائز، وصحيح إذا كان للبائع غرضٌ صحيح.
مثال الذي له غرض صحيح:
أن يبيع مملوكًا له غاليًا عنده على شخص يثق به، ويعلم أنه لا يزداد عند هذا المشتري إلا خيرًا، فقال: أبيع عليك غلامي هذا وإن كان عندي غاليًا، لكن أنا أعلم أنه سيستفيد عندك أكثر مما لو كان عندي، ولذلك اشترط عليك أن لا تبيعه. وكذلك لو قال: بشرط ألا تبيعه على فلان الذي يشتري العبيد ويؤذيهم، وما أشبه ذلك. (١)
مسألة [٧]: إذا باع العبد بشرط أن يعتقه ؟
• ذهب أبو حنيفة، وأحمد في رواية إلى أنَّ الشرط فاسد؛ لأنه شرط ينافي مقتضى العقد، فأشبه ما إذا شرط أن لا يبيعه؛ لأنه شَرَطَ عليه إزالة ملكه عنه، فأشبه ما لو شرط أن يبيعه، وقال به بعض الشافعية.
• وذهب الجمهور، ومنهم مالك، والشافعي، وأحمد -وهو الأشهر في مذهبه- أنَّ الشرط يصح، وتساهلوا في هذا الشرط؛ لأن الشارع حثَّ على
стр. 2852
العتق، واستدلوا أيضًا بقصة بريرة مع أنه ليس فيها اشتراط العتق، وإنما اشترطوا الولاء، قالوا: واشتراط الولاء متضمن اشتراط العتق. (١)
مسألة [٨]: إذا لم يف المشتري بعتقه ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٦/ ٣٢٤): فَإِنْ أَعْتَقَهُ الْمُشْتَرِي؛ فَقَدْ وَفَّى بِمَا شَرَطَ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يُعْتِقْهُ فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يُجْبَرُ؛ لِأَنَّ شَرْطَ الْعِتْقِ إذَا صَحَّ تَعَلَّقَ بِعَيْنِهِ، فَيُجْبَرُ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ نَذَرَ عِتْقَهُ. وَالثَّانِي: لَا يُجْبَرُ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ لَا يُوجِبُ فِعْلَ الْمَشْرُوطِ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ شَرَطَ الرَّهْنَ، وَالضَّمِينَ، فَعَلَى هَذَا يَثْبُتُ لِلْبَائِعِ خِيَارُ الْفَسْخِ، لِأَنَّهُ لَمْ يُسَلِّمْ لَهُ مَا شَرَطَهُ لَهُ، أَشْبَهَ مَا لَوْ شَرَطَ عَلَيْهِ رَهْنًا. اهـ
قال أبو عبد الله غفر الله له: الذي يظهر لي -والله أعلم- هو صحة الوجه الثاني، وبالله التوفيق. (٢)
مسألة [٩]: إذا باع البائع بشرط أن يعامله المشتري بعقد آخر من بيعٍ، أو سلفٍ، أو إجارة ؟
سيأتي الكلام على هذه المسألة إن شاء الله عند حديث: «نهى عن سلف وبيع» برقم (٧٨٥).
стр. 2853
مسألة [١٠]: إذا قال البائع: أبيعك هذه السلعة على أنك إذا أردت أن تبيعها تبيعها مني بالثمن الذي ستبيعها به ؟
• أكثر الحنابلة على بطلان هذا البيع، وهو مذهب الشافعية؛ لأنه ينافي مقتضى العقد، وهو مذهب مالك. وأخرج ابن المنذر (١٠/ ٣٢٦) بإسناد صحيح عن عائشة وابن عمر ﵃، أنهما كرها أن تشترى الأمة على أن لا تباع، ولا توهب.
• وذهب أحمد في رواية، وبعض الحنابلة واختاره شيخ الإسلام وابن القيم إلى جواز ذلك، واستدلوا بأثر ابن مسعود أنه اشترى من امرأته زينب الثقفية جارية، وشرطت عليه: (إن بعتها فهي لها بالثمن الذي تبيعها به) فذكر ذلك لعمر، فقال: لا تقربها ولأحد فيها شرط.
قلتُ: هذا القول هو الراجح؛ لأنه شرط فيه غرض صحيح، وأثر ابن مسعود، وعمر ﵄، أخرجه مالك في «الموطأ» (٢/ ٦١٦)، وابن أبي شيبة (٦/ ٤٩١)، من طريق: عبيدالله بن عبدالله بن عتبة، أنَّ ابن مسعود ... ، فذكر القصة، وهو لم يدرك عمر بن الخطاب ﵁، ولكن يحتمل أنه أخبره بها عبدالله بن مسعود.
قال ابن عبد البر ﵀: ظاهر قول عمر لابن مسعود (لا تقربها) يدل على أنه أمضى شراءه لها، ونهاه عن مسيسها، هذا هو الأظهر فيه، ويحتمل ظاهره أيضًا في قوله: (لا تقربها)، أي، تنحَّ عنها، وافسخ البيع فيها؛ فهو بيع فاسد. اهـ (١)
стр. 2854
مسألة [١١]: هل يجوز البيع إذا عُلِّقَ بشرط مستقبل ؟
كأن يقول: أبيعك كذا على أن يرضى أخي. أو: بعتك كذا على أن تجيئني بكذا.
• فأكثر أهل العلم على منع البيع المعلق بشرطٍ في المستقبل، ويقولون ببطلانه؛ لأنَّ من شرط البيع أن يكون منجزًا.
• وعن أحمد جواز ذلك، واختاره شيخ الإسلام، وابن القيم.
قال الإمام ابن عثيمين ﵀: والصحيح أنَّ البيع المعلق جائز، وأنه لا بأس أن يقول: بعتك إن جئتني بكذا، لكن بشرط أن يحدد أجلًا أعلى. اهـ
وأقول: الراجح الجواز؛ لعدم وجود المانع، بشرط أن يحددوا فترة سؤال الأخ، ومعرفة رضاه، والله أعلم. (١)
مسألة [١٢]: إذا قال البائع: أبيعك السلعة الفلانية على أن تأتيني بالثمن إلى خمسة أيام، وإلا فلا بيع بيننا ؟
• مذهب الشافعية البطلان؛ لأنه في معنى تعليق البيع؛ فلا يصح، وهو قول زفر.
• وقال مالك، وأبو ثور، وأبو حنيفة: إن كان الوقت إلى ثلاثة أيام؛ صحَّ البيع وإلا فلا.
стр. 2855
• وحكى ابن المنذر عن الثوري، وأحمد، وإسحاق، ومحمد بن الحسن أنه يصح البيع والشرط. وهذا القول هو الراجح، وهو ظاهر اختيار الشيخ ابن عثيمين ﵀؛ لأنَّ التعليق في هذه المسألة تعليقٌ للفسخ، وليس تعليقًا للعقد؛ فجاز التعليق؛ لأنَّ الفسخ أوسع من العقد، فلهذا جاز تعليقه، بخلاف العقد. (١)
مسألة [١٣]: إذا قال البائع للمشتري: بعتك كذا على أن تبرئني من العيوب المجهولة ؟
• الجمهور على أنه لا يصح الشرط، ولا يبرأ من العيوب، وهو الأشهر في مذهب الحنابلة، وهو قول للشافعي، وقال به شريح، وطاوس، وابن سيرين، وإبراهيم، والحكم، وحماد، وعطاء، والحسن، وإسحاق وغيرهم، وهو مذهب الظاهرية.
• وعن أحمد رواية أنه يبرأ، وهو مذهب مالك، وقول للشافعي، وعزاه ابن المنذر لأبي ثور، وأصحاب الرأي، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وكذلك ابن القيم ﵀، وصحَّ عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه باع عبدًا بالبراءة، وأقرَّه عثمان على البيع، ولكنه فسخ عليه البيع؛ لأنه طلب من عبد الله أن يحلف أنه كان لا يعلم بوجود العيب، فأبى أن يحلف. أخرجه مالك (٢/ ٦١٣) بإسناد صحيح.
стр. 2856
قلتُ: وهذا القول هو الصواب، وهو ترجيح الشيخ ابن عثيمين ﵀.
تنبيه: هذه المسألة مفروضة فيما إذا لم يعلم البائع بالعيب، وأما إذا علم بعيبٍ؛ فالواجب بيانه، وللمشتري الفسخ، والله أعلم. (١)
مسألة [١٤]: إن باع أرضًا، أو دارًا على أنه عشرة أذرُع، فبان أحد عشر ذراعًا، أو تسعة أذرع ؟
• إذا تراضيا في الزيادة على أن يتركها البائع مجانًا، أو يشتريها المشتري بالثمن؛ صحَّ البيع على الصحيح من قولي أهل العلم، ولا إشكال، وكذلك في النقص إذا تراضيا بأن يأخذ المشتري الأرض، أو الدار ناقصة، ويترك الثمن للبائع، أو يرد البائع قيمة الناقص؛ صح البيع، ولا إشكال أيضًا.
• أما إذا اختلفا: فللبائع الفسخ في مسألة الزيادة دون النقص، وللمشتري الفسخ في النقص دون الزيادة، وهذا هو الراجح في هذه المسألة، وفيها خلاف. (٢)
تنبيه: إذا كان المبيع طعامًا، فباعه صبرة على أنها خمسون كيلو، فبانت أنها أربعون، أو بانت أنها ستون، فلا إشكال هاهنا؛ لأنها إن كانت زائدة أخذت الزيادة، ولا ضرر على المشتري، وإن كانت ناقصة؛ وفَّاه البائع من جنس ذلك
стр. 2857
الطعام، وإلا كان المشتري بالخيار بين أن يأخذها ويعطيه البائع قيمة النقص، أو يترك السلعة كاملة، والله أعلم. (١)
فائدة على حديث الباب: قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في «القواعد النورانية» (ص/٢٢٩): «كتاب الله أحق وشرط الله أوثق»، أي: كتاب الله أحق من هذا الشرط، وشرط الله أوثق منه، وهذا إنما يكون إذا خالف ذلك الشرط كتاب الله وشرطه، بأن يكون المشروط مما حرمه الله تعالى، وأما إذا كان المشروط مما لم يحرمه الله؛ فلم يخالف كتاب الله وشرطه، حتى يقال: كتاب الله أحق وشرط الله أوثق؛ فيكون المعنى: من اشترط أمرًا ليس في حكم الله ولا في كتابه بواسطة وبغير واسطة؛ فهو باطل؛ لأنه لا بد أن يكون المشروط مما يباح فعله بدون الشرط، حتى يصح اشتراطه ويجب بالشرط، ولما لم يكن في كتاب الله أنَّ الولاء لغير المعتق أبدًا؛ كان هذا المشروط، وهو ثبوت الولاء لغير المعتق، شرطًا ليس في كتاب الله، فانظر إلى المشروط إن كان أصلًا أو حكمًا؛ فإنْ كان الله قد أباحه؛ جاز اشتراطه ووجب، وإن كان الله لم يبحه؛ لم يجز اشتراطه، فمضمون الحديث أن المشروط إذا لم يكن من الأفعال المباحة، أو يقال: ليس في كتاب الله، أي: ليس في كتاب الله إباحته. اهـ بتصرف يسير.
قال الإمام ابن عثيمين ﵀ في «شرح البلوغ» (٣/ ٥١٠): قال أهل العلم: المراد بذلك: ليس في كتاب الله حِلُّها، واستدلوا لذلك بقوله ﷺ : «المسلمون
стр. 2858
على شروطهم إلا شرطًا أحلَّ حرامًا، أو حرَّم حلالًا» (١)، وبقوله ﷺ : «إن أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج». (٢)
قال: وهذا يدل على أنَّ ما اشترطه الإنسان ثابتٌ؛ إلا إذا خالف شرط الله بأنْ أحلَّ حرامًا، أو حرَّم حلالًا، وقوله ﵊: «في كتاب الله» المراد به القرآن، وحكم ما جاء في السنة كحكم ما جاء في القرآن، قال ﵊: «ألا وإني أوتيت القرآن ومثله معه» (٣)، فما جاء في السنة فهو في كتاب الله. انتهى بتصرف يسير.
стр. 2859
٧٧٦ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: نَهَى عُمَرُ عَنْ بَيْعِ أُمَّهَاتِ الأَوْلَادِ فَقَالَ: لَا تُبَاعُ، وَلَا تُوهَبُ، وَلَا تُورَثُ، يَسْتَمْتِعُ بِهَا مَا بَدَا لَهُ، فَإِذَا مَاتَ فَهِيَ حُرَّةٌ. رَوَاهُ مَالِكٌ وَالبَيْهَقِيُّ وَقَالَ: رَفَعَهُ بَعْضُ الرُّوَاةِ فَوَهِمَ. (١)
٧٧٧ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: كُنَّا نَبِيعُ سَرَارِيَنَا أُمَّهَاتِ الأَوْلَادِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ حَيٌّ، لَا يَرَى (٢) بِذَلِكَ بَأْسًا. رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارَقُطْنِيّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. (٣)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين
مسألة [١]: حكم بيع أمهات الأولاد .
• ذهب أكثر أهل العلم إلى تحريم بيع أمهات الأولاد، وصحَّ المنع من ذلك
стр. 2860
عن عمر، وعثمان، وجاء عن عائشة ﵃.
واستدلوا على ذلك بحديث عمر الذي في الباب، وقد جاء مرفوعًا، ولا يصح، واستدلوا بحديث ابن عباس مرفوعًا: «أيما أمة ولدت من سيدها؛ فهي حرَّةٌ عن دبر منه»، أخرجه أحمد (١/ ٣٠٣)، وابن ماجه (٢٥١٥)، والدارقطني (٤/ ١٣١) وغيرهم، وفي إسناده: الحسين بن عبد الله الهاشمي، شديد الضعف.
واستدلوا بحديث أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال في سريته أم إبراهيم: «أعتقها ولدها» أخرجه ابن ماجه (٢٥١٦)، والدارقطني (٤/ ١٣١ - ١٣٢)، والحاكم (٢/ ١٩)، وهو حديث ضعيفٌ أيضًا، في إسناده أيضًا الحسين بن عبد الله، وهو شديد الضعف، وفي بعض طرقه أيضًا: أبو بكر بن أبي سبرة مُتَّهَمٌ بالوضع، وأُعِلَّ بالوقف على عمر. كما في «الكبرى» للبيهقي (١٠/ ٣٤٦ - ٣٤٧)، وَقَدِ ادُّعِي الإجماع على عدم جواز بيع أمهات الأولاد، ولا يصح الإجماع، والخلاف مشهور.
• فقد ذهب قتادة، وداود، والمزني، والظاهرية إلى الجواز، وصحَّ جواز ذلك عن علي بن أبي طالب، وابن عباس، وابن الزبير ﵃.
واستدل القائلون بالجواز بحديث جابر الذي في الباب، وبحديث أبي سعيد عند أحمد (١١١٦٤) بلفظ: «كنا نبيع أمهات الأولاد على عهد رسول الله ﷺ »، وفي إسناده: زيد بن الحواري العمي، وهو ضعيف، ولكنه صحيح بشاهده الذي قبله عن جابر ﵁.
وقد أجاب الجمهور عن حديث جابر بالنسخ، ومنهم من قال: ليس فيه أنَّ
стр. 2861
النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- اطلع على ذلك.
قال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب -والله أعلم- هو جواز بيعها؛ لصحة حديث جابر، وليس لمن منع من ذلك حديث صحيح صريح.
وقد استدل الجمهور أيضًا بحديث أبي سعيد الخدري في «الصحيحين» (١): أنهم أصابوا سبيًا، فرغبوا في بيعها، وأصابتهم العزوبة، فسألوا رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عن العزل.
فقالوا: يستنبط من الحديث أنها إذا حملت وصارت أم ولد؛ فلا يجوز له بيعها، ولذلك تحرَّج الصحابة من ذلك، وسألوا النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عن العزل.
وهذا ليس بصريح في التحريم، بل غاية ما يستفاد منه أنَّ الصحابة تحرَّجوا من حملها؛ لأنه لا يريد بيعها وهي حامل منه، وربما أيضًا سيتأخر حتى تضع ويكبر ولدها، ثم يبيعها، وفي التأخر مشقة عليه، ولو سُلِّمَ للجمهور استنباطهم؛ لكان يدل على أنهم كانوا يكرهون بيعها، فلا يدل على أنهم كانوا يرون تحريم ذلك.
تنبيه: جواز بيع أمهات الأولاد مقيد بما إذا لم يفرق بينها وبين ولدها كما سيأتي تقرير ذلك تحت حديث أبي أيوب ﵁، برقم (٧٩٥). (٢)
стр. 2862
٧٧٨ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِاللهِ ﵄ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ فَضْلِ المَاءِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ: وَعَنْ بَيْعِ ضِرَابِ الجَمَلِ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: بيع المياه .
المياه على أقسام:
القسم الأول: الماء الْمُحاز في قربة، أو خزَّان، فهذا قد تملكه الإنسان، ويجوز له البيع عند عامة أهل العلم؛ لأنه قد تعب في حرزه، وأدخله في ملكه.
واستدلوا عليه بما أخرجه البخاري (١٤٧١)، من حديث الزبير بن العوام ﵁، مرفوعًا: «لأن يأخذ أحدكم حبله، فيأتي بحزمة من حطب، فيبيعها، فيكف بها وجهه؛ خير له من أن يسأل الناس»، فأجاز بيع الحطب عند أن حازه، والمسلمون شركاء في الماء، والكلأ، والنار. ومثله حديث علي في «الصحيحين» (٢) أنه جمع إذخرًا ليبيعه من الصَّواغين؛ فيستعين به في وليمة عرسه.
وقد قال ابن قدامة ﵀: إن جوازه بلا خلاف.
وقد بيَّن الإمام ابن عثيمين في «شرح البلوغ» (٣/ ٥٢٨) أن عموم الحديث مخصوص بالقياس السابق. (٣)
стр. 2863
القسم الثاني: الأودية الكبيرة، والأنهار العظيمة، مثل نهر النيل، ودجلة، والفرات مثلًا، فهذه لا يجوز قط امتلاكها، ولا بيع الماء منها؛ لأنَّ الناس شركاء فيها.
قال ابن القيم ﵀ في «الزاد» (٥/ ٧٩٩) في القسمين الأولين: وليس هذا محل النهي بالضرورة يعني القسم الأول ولا محل النهي أيضًا بيع مياه الأنهار الكبار المشتركة بين الناس؛ فإنَّ هذا لا يمكن منعها والحجر عليها. اهـ
القسم الثالث: الأنهار الصغيرة، والعيون النابعة من المرتفعات، والمياه المنتقعة من الأمطار إذا اجتمعت في أرضٍ مباحة، فهذه المياه يشترك فيها الناس، ولا يجوز بيعها؛ فالأحق بها الأول، يسقي زرعه إلى الكعبين، ثم يرسل الماء إلى جاره، ودليله حديث الزبير: «اسق يا زبير، ثم أرسل الماء إلى جارك»، ودليل بلوغ الماء إلى الكعبين: «اسق حتى يرجع الماء إلى الجدر» (١)، وقد قاسوه ببلوغ الكعبين.
القسم الرابع: الآبار، والعيون النابعة من أرضٍ مملوكة.
أما البئر، وأرض العين؛ فهي مملوكة لمالك الأرض، واختلفوا في الماء الذي فيها هل يكون مملوكًا أم لا؟
• فعن أحمد رواية -وهو الأصح في مذهب الشافعية- أنَّ الماء أيضًا مملوك له، وهو قول مالك.
стр. 2864
• والرواية الأخرى عن أحمد وهو ظاهر مذهب الحنابلة، وقول بعض الشافعية أنَّ الماء ليس بمملوك، ولا يجوز بيعه، وهذا ترجيح الشيخ ابن عثيمين ﵀ في «شرح البلوغ»؛ لأنَّ جريان الماء ليس من فعل صاحب الأرض، بل من فضل الله ، وهذا القول هو الصواب، إلا أن صاحب البئر الذي تعب في إصلاحه، وإعداده له أن يأخذ مقابل ذلك، لاسيما إن كان النزع بآلات حديثة مكلفة، والله أعلم.
ويقول أهل العلم: هو أحق بهذا الماء، فيأخذ قدر كفايته، ولا يمنع الفضل منه، وهل يلزم الاستئذان منه؟ فيه خلاف.
ورجَّح الشيخ ابن عثيمين ﵀ عدم وجوب الاستئذان، وقال: نقول للداخل لا يلزمك أن تستأذن إلا إذا كنت تخشى الفتنة؛ فإن خشي الفتنة من صاحب الأرض، فنقول: لا تدخل حتى تستأذن. اهـ من «شرح البلوغ» (٣/ ٥٢٨).
ورجَّح ابن القيم، والصنعاني أيضًا عدم وجوب الاستئذان؛ إلا أن يكون في بنيان. (١)
قال أبو عبد الله غفر الله له: وعُلِم مما سبق أنَّ العين هذه، أوهذه البئر إذا كانت لا تكفي لحاجة الإنسان اليومية؛ فيجوز لصاحبها أن يمنع من أتى ليأخذ من الماء؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إنما نهى عن بيع فضل الماء، وأين الفضل في هذه
стр. 2865
الصورة؟.
وكذلك إذا كان البئر داخل حوش الرجل، وفي دخول الناس تكشف على أهله؛ فله أن يمنع الناس من الدخول إلا في أوقات معلومة.
وهل له أن يمنع من احتاجه للشرب؟
لا يجوز له أن يمنعهم البتة؛ لأنَّ حاجة الآدمي مقدمة على حاجة الزرع والحيوان.
مسألة [٢]: هل له أن يكري حصته من بئر مشترك ؟
قال ابن قدامة ﵀ (٦/ ١٤٦): قَالَ الْأَثْرَمُ: سَمِعْت أَبَا عَبْدِ الله يُسْأَلُ عَنْ قَوْمٍ بَيْنَهُمْ نَهْرٌ تَشْرَبُ مِنْهُ أَرْضُوهُمْ، لِهَذَا يَوْمٌ، وَلِهَذَا يَوْمَانِ، يَتَّفِقُونَ عَلَيْهِ بِالْحِصَصِ، فَجَاءَ يَوْمِي وَلَا أَحْتَاجُ إلَيْهِ، أَكْرِيهِ بِدَرَاهِمَ؟ قَالَ: مَا أَدْرِي، أَمَّا النَّبِيُّ ﷺ فَنَهَى عَنْ بَيْعِ الْمَاءِ. قِيلَ: إنَّهُ لَيْسَ يَبِيعُهُ، إنَّمَا يُكْرِيهِ. قَالَ: إنَّمَا احْتَالُوا بِهَذَا لِيُحَسِّنُوهُ، فَأَيُّ شَيْءٍ هَذَا إلَّا الْبَيْعَ. اهـ
مسألة [٣]: ما يجمعه في سَدٍّ من الأمطار .
قال ابن قدامة ﵀ (٦/ ١٤٨): فَأَمَّا الْمَصَانِعُ الْمُتَّخَذَةُ لِمِيَاهِ الْأَمْطَارِ تُجْمَعُ فِيهَا، وَنَحْوُهَا مِنْ الْبِرَكِ وَغَيْرِهَا؛ فَالْأَوْلَى أَنَّهُ يَمْلِكُ مَاءَهَا، وَيَصِحُّ بَيْعُهُ إذَا كَانَ مَعْلُومًا؛ لِأَنَّهُ مُبَاحٌ حَصَّلَهُ بِشَيْءٍ مُعَدٍّ لَهُ، فَمَلَكَهُ، كَالصَّيْدِ يَحْصُلُ فِي شَبَكَتِهِ، وَالسَّمَكِ فِي بِرْكَةٍ مُعَدَّةٍ لَهُ، وَلَا يَجُوزُ أَخْذُ شَيْءٍ مِنْهُ إلَّا بِإِذْنِ مَالِكِهِ. اهـ
стр. 2866
قال ابن القيم ﵀ في «زاد المعاد» (٥/ ٨٠٦ - ٨٠٧): في هذا نظر مذهبًا ودليلًا؛ فإن أحمد قال: إنما نهى عن بيع فضل ماء البئر، والعيون فى قراره، ومعلومٌ أن ماءَ البئر لا يُفارقها، فهو كالبِركة التى اتخذت مقرًّا كالبئر سواء، ولا فرقَ بينهما، وقد تقدم مِن نصوص أحمد ما يدل على المنع مِن بيع هذا، وأما الدليل فما تقدم من النُّصوص التى سقناها، وقوله في الحديث الذى رواه البخاري في وعيد الثلاثة، «والرَّجُلُ عَلَى فَضْلٍ مَاءٍ يَمْنَعُهُ ابْنَ السَّبِيلِ». (١)
ولم يُفرق بين أن يكونَ ذلك الفضلُ في أرضه المختصة به، أو في الأرض المباحة، وقوله: «النَّاسُ شُركَاءُ فى ثَلَاثٍ» (٢)، ولم يشترط في هذه الشركة كون مقره مشتركًا، وقوله وقد سئل: ما الشيء الذي لا يَحِلُّ منعه؟ فقال: «الماء» (٣)، ولم يشترط كون مقره مباحًا، فهذا مقتضى الدليل في هذه المسألة أثرًا ونظرًا. اهـ
مسألة [٤]: بيع البئر والعين .
إذا كانت في أرض مملوكة؛ فيجوز له بيعها، ومشتريها أحق بمائها؛ لحديث عثمان بن عفان في «البخاري» أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «من يشتري بئر رومة، وله الجنة؟» (٤)، فاشتراها عثمان، وكانت ليهودي، وسبلها للمسلمين، وجعل دلوه
стр. 2867
من دلاء المسلمين.
قال شيخ الإسلام ﵀: ما علمت فيه تنازعًا إذا كانت الأرض مملوكة. اهـ (١)
تنبيه: قوله في الحديث: «وعن بيع ضراب الجمل» يأتي الكلام عليه في الحديث الذي بعده إن شاء الله تعالى.
والصنعاني، والشوكاني، وذلك لعموم الحديث الذي في الباب، والله أعلم. (١)
مسألة [٢]: إذا أهدى صاحب الأنثى لصاحب الفحل بغير شرط ؟
• أباح ذلك جماعةٌ من أهل العلم كالشافعي، وأحمد؛ لحديث أنس بن مالك ﵁ عند الترمذي (١٢٧٤): أنَّ رجلًا من كلاب سأل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عن عسب الفحل؟ فنهاه، فقال: يا رسول الله، إنَّا نطرق الفحل، فنكرم. فرخَّص له في الكرامة. وإسناده صحيح.
• وجاء عن أحمد رواية بالمنع، وحملها ابن قدامة على الورع، والصحيح هو الجواز؛ لصحة الحديث المتقدم. (٢)
مسألة [٣]: عسْب النخل .
في «فتاوى اللجنة الدائمة» (١٣/ ٣٥): لا مانع من بيع عذق لقاح النخل، وهو ما يسمى (طلع الفحال)؛ لأنه ثمر مقصود ينتفع به، وقد قال تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة:٢٧٥]، والنهي إنما ورد عن بيع ماء فحل الحيوان، وهو ما يسمى عسْب الفحل. اهـ
قلتُ: وقد أشار إلى جوازه الحافظ ابن حجر، والشوكاني. (٣)
تنبيه: إذا اضطر إنسان إلى شراء عسب الفحل فيكون الإثم على البائع، والله أعلم.
النَّاقَةِ، وَالْمَنْع فِي هَذِهِ الصُّوُرَة لِلْجَهَالَةِ أَوْلَى.
قال: وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة، وَأَبُو عُبَيْد، وَأَحْمَد، وَإِسْحَاق، وَابْن حَبِيب الْمَالِكِيّ، وَأَكْثَر أَهْل اللُّغَةِ، وَبِهِ جَزَمَ التِّرْمِذِيّ: هُوَ بَيْعُ وَلَد نِتَاج الدَّابَّةِ، وَالْمَنْعُ فِي هَذَا مِنْ جِهَة أَنَّهُ بَيْعٌ مَعْدُومٌ، وَمَجْهُولٌ، وَغَيْرُ مَقْدُورٍ عَلَى تَسْلِيمِهِ؛ فَيَدْخُلُ فِي بُيُوع الْغَرَر، وَلِذَلِكَ صَدَّرَ الْبُخَارِيّ بِذِكْر الْغَرَر فِي التَّرْجَمَةِ، فَقَالَ: [بَابُ بَيْعِ الْغَرَرَ وَحَبَلِ الْحَبَلَةِ].
قال: لَكِنَّهُ أَشَارَ إِلَى التَّفْسِيرِ الْأَوَّلِ بِإِيرَادِ الْحَدِيثِ فِي كِتَاب السَّلَم أَيْضًا، وَرَجَّحَ الْأَوَّل؛ لِكَوْنِهِ مُوَافِقًا لِلْحَدِيثِ، وَإِنْ كَانَ كَلَام أَهْلِ اللُّغَةِ مُوَافِقًا لِلثَّانِي. اهـ
قلتُ: وعلى كل تقدير: فبيع حَبل الحبلة مُحرَّمٌ على التفسيرين، والله أعلم. (١)
تنبيه: يستفاد من هذا الحديث شرطان من شروط صحة البيع المتقدمة في أوائل الكتاب، وهما:
الشرط الرابع: أن يكون المبيع مقدورًا على تسليمه.
الشرط السادس: أن يكون المبيع معلومًا بوصف، أو رؤية.
стр. 2872
٧٨١ - وَعَنْهُ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الوَلَاءِ، وَعَنْ هِبَتِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: معنى الولاء، وحكم بيعه، وهبته .
الوَلاء -بالفتح والمد- هو حق ميراث المعتِق من المعتَق بسبب العتق.
وأما حكم بيعه وهبته: فهو محرم؛ لحديث الباب، وعلى ذلك عامة أهل العلم، ووجد خلافٌ يسير في زمن الصحابة، والتابعين بعد موت النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.
قال الحافظ ابن حجر ﵀: والحديث الصحيح مقدم على جميع ذلك، فلعله لم يبلغ هؤلاء، أو بلغهم وتأولوه، وانعقد الإجماع على خلاف قولهم. اهـ «الفتح» (٦٧٥٦).
стр. 2873
٧٨٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الحَصَاةِ، وَعَنْ بَيْعِ الغَرَرِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: معنى بيع الحصاة .
• اختلف في تفسيره:
فقيل: هو أن يقول: بعتك من هذه الأثواب ما وقعت عليه هذه الحصاة.
وقيل: أن يقول: أبيعك من الأرض قدر ما انتهت إليه رمية الحصا.
وقيل: أن يقبض على كفٍّ من حصا، ويقول: لي بعدد ما خرج في القبضة من الشيء المبيع. أو يبيع سلعة، ثم يقبض الحصا، ويقول: لي بكل حصاة درهم.
وقيل: أن يمسك أحدهما حصاة بيده، فإذا رمى بها وجب البيع.
مسألة [٢]: ضابط بيع الغرر .
الغرر لغة: هو الخَطر.
وأصل الغرر النقصان، من قول العرب: (غارت الناقة) إذا نقص لبنها، وغارت البئر إذا قلَّ ماؤها.
الغرر اصطلاحًا: ما كان مستور العاقبة، أو ما لا يعلم عاقبته.
стр. 2874
قال ابن القيم ﵀: الغرر ما تردد بين الوجود والعدم، فنهي عن بيعه؛ لأنه من جنس القمار -الميسر- ويكون قمارًا إذا كان أحد المتعاوضين يحصل له مال، والآخر قد يحصل له وقد لا يحصل. اهـ (١)
قال الصنعاني ﵀ في «سبل السلام» (٣/ ٢٨ - ٢٩): وَمَعْنَاهُ الْخِدَاعُ الَّذِي هُوَ مَظِنَّةُ أَنْ لَا رِضَى بِهِ عِنْدَ تَحَقُّقِهِ؛ فَيَكُونُ مِنْ أَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ، وَيَتَحَقَّقُ فِي صُوَرٍ: إمَّا بِعَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى تَسْلِيمِهِ، كَبَيْعِ الْعَبْدِ الْآبِقِ، وَالْفَرَسِ النَّافِرِ، أَوْ بِكَوْنِهِ مَعْدُومًا أَوْ مَجْهُولًا، أَوْ لَا يَتِمُّ مِلْكُ الْبَائِعِ لَهُ، كَالسَّمَكِ فِي الْمَاءِ الْكَثِيرِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الصُّوَرِ. اهـ
مسألة [٣]: ما يتسامح فيه من الغرر .
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في «الفتح» (٢١٤٣): قَالَ النَّوَوِيّ: النَّهْيُ عَنْ بَيْع الْغَرَر أَصْلٌ مِنْ أُصُول الْبَيْع، فَيَدْخُل تَحْتَهُ مَسَائِل كَثِيرَة جِدًّا، وَيُسْتَثْنَى مِنْ بَيْع الْغَرَر أَمْرَانِ: أَحَدهمَا: مَا يَدْخُلُ فِي الْمَبِيعِ تَبَعًا، فَلَوْ أُفْرِدَ؛ لَمْ يَصِحَّ بَيْعه. وَالثَّانِي: مَا يُتَسَامَحُ بِمِثْلِهِ، إِمَّا لِحَقَارَتِهِ، أَوْ لِلْمَشَقَّةِ فِي تَمْيِيزِهِ وَتَعْيِينِهِ، فَمِنْ الْأَوَّلِ: بَيْعُ أَسَاسِ الدَّارِ، وَالدَّابَّةِ الَّتِي فِي ضَرْعِهَا اللَّبَنُ، وَالْحَامِلِ، وَمِنْ الثَّانِي: الْجُبَّة الْمَحْشُوَّة، وَالشُّرْب مِنْ السِّقَاءِ، قَالَ: وَمَا اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ مَبْنِيٌّ عَلَى اِخْتِلَافِهِمْ فِي كَوْنِهِ حَقِيرًا أَوْ يَشُقُّ تَمْيِيزُهُ أَوْ تَعْيِينُهُ؛ فَيَكُونُ الْغَرَر فِيهِ كَالْمَعْدُومِ، فَيَصِحُّ الْبَيْعُ وَبِالْعَكْسِ. انتهى المراد. (٢)
стр. 2875
مسألة [٤]: حكم بيع الغرر .
عامة أهل العلم على تحريمه؛ لحديث الباب، ولقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة:١٨٨]، وقد روى الطبري عن ابن سيرين أنه قال: لا أعلم ببيع الغرر بأسًا. قال الحافظ: إسناده صحيح، وقد حمله بعض أهل العلم على أنه أراد بعض الصور المختلف فيها، ولم يرد العموم، والله أعلم. (١)
تنبيه: يستفاد من هذا الحديث شرط من شروط صحة البيع المتقدمة في أوائل الكتاب، وهو: (أن يكون المبيع معلومًا برؤيةٍ، أو صفة).
مسألة [٥]: حكم لعب ما يسمَّى باليانصيب .
صورتها: أن يشارك كل فرد بشراء كرت، ثم تدخل هذه الكروت في مكان واحدٍ، وتحصل بعد ذلك القرعة، ومن فاز يحصل على الجائزة، وهذا النوع من البيع لا يجوز؛ لأنَّ فيه احتمال الغنم، والغرم. (٢)
مسألة [٦]: الجوائز التي توضع مع السلع .
لها صورتان:
الأولى: إذا كان الداخل في هذا البيع بين احتمال الغنم والغرم، فلا تجوز هذه الصورة؛ لوجود الغرر.
مثال هذه الصورة: كأن يُباع شيء بزيادة على سعره المعتاد، ثم يحصل على