النَّاقَةِ، وَالْمَنْع فِي هَذِهِ الصُّوُرَة لِلْجَهَالَةِ أَوْلَى.
قال: وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة، وَأَبُو عُبَيْد، وَأَحْمَد، وَإِسْحَاق، وَابْن حَبِيب الْمَالِكِيّ، وَأَكْثَر أَهْل اللُّغَةِ، وَبِهِ جَزَمَ التِّرْمِذِيّ: هُوَ بَيْعُ وَلَد نِتَاج الدَّابَّةِ، وَالْمَنْعُ فِي هَذَا مِنْ جِهَة أَنَّهُ بَيْعٌ مَعْدُومٌ، وَمَجْهُولٌ، وَغَيْرُ مَقْدُورٍ عَلَى تَسْلِيمِهِ؛ فَيَدْخُلُ فِي بُيُوع الْغَرَر، وَلِذَلِكَ صَدَّرَ الْبُخَارِيّ بِذِكْر الْغَرَر فِي التَّرْجَمَةِ، فَقَالَ: [بَابُ بَيْعِ الْغَرَرَ وَحَبَلِ الْحَبَلَةِ].
قال: لَكِنَّهُ أَشَارَ إِلَى التَّفْسِيرِ الْأَوَّلِ بِإِيرَادِ الْحَدِيثِ فِي كِتَاب السَّلَم أَيْضًا، وَرَجَّحَ الْأَوَّل؛ لِكَوْنِهِ مُوَافِقًا لِلْحَدِيثِ، وَإِنْ كَانَ كَلَام أَهْلِ اللُّغَةِ مُوَافِقًا لِلثَّانِي. اهـ
قلتُ: وعلى كل تقدير: فبيع حَبل الحبلة مُحرَّمٌ على التفسيرين، والله أعلم. (١)
تنبيه: يستفاد من هذا الحديث شرطان من شروط صحة البيع المتقدمة في أوائل الكتاب، وهما:
الشرط الرابع: أن يكون المبيع مقدورًا على تسليمه.
الشرط السادس: أن يكون المبيع معلومًا بوصف، أو رؤية.
стр. 2872
٧٨١ - وَعَنْهُ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الوَلَاءِ، وَعَنْ هِبَتِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: معنى الولاء، وحكم بيعه، وهبته .
الوَلاء -بالفتح والمد- هو حق ميراث المعتِق من المعتَق بسبب العتق.
وأما حكم بيعه وهبته: فهو محرم؛ لحديث الباب، وعلى ذلك عامة أهل العلم، ووجد خلافٌ يسير في زمن الصحابة، والتابعين بعد موت النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.
قال الحافظ ابن حجر ﵀: والحديث الصحيح مقدم على جميع ذلك، فلعله لم يبلغ هؤلاء، أو بلغهم وتأولوه، وانعقد الإجماع على خلاف قولهم. اهـ «الفتح» (٦٧٥٦).
стр. 2873
٧٨٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الحَصَاةِ، وَعَنْ بَيْعِ الغَرَرِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: معنى بيع الحصاة .
• اختلف في تفسيره:
فقيل: هو أن يقول: بعتك من هذه الأثواب ما وقعت عليه هذه الحصاة.
وقيل: أن يقول: أبيعك من الأرض قدر ما انتهت إليه رمية الحصا.
وقيل: أن يقبض على كفٍّ من حصا، ويقول: لي بعدد ما خرج في القبضة من الشيء المبيع. أو يبيع سلعة، ثم يقبض الحصا، ويقول: لي بكل حصاة درهم.
وقيل: أن يمسك أحدهما حصاة بيده، فإذا رمى بها وجب البيع.
مسألة [٢]: ضابط بيع الغرر .
الغرر لغة: هو الخَطر.
وأصل الغرر النقصان، من قول العرب: (غارت الناقة) إذا نقص لبنها، وغارت البئر إذا قلَّ ماؤها.
الغرر اصطلاحًا: ما كان مستور العاقبة، أو ما لا يعلم عاقبته.
стр. 2874
قال ابن القيم ﵀: الغرر ما تردد بين الوجود والعدم، فنهي عن بيعه؛ لأنه من جنس القمار -الميسر- ويكون قمارًا إذا كان أحد المتعاوضين يحصل له مال، والآخر قد يحصل له وقد لا يحصل. اهـ (١)
قال الصنعاني ﵀ في «سبل السلام» (٣/ ٢٨ - ٢٩): وَمَعْنَاهُ الْخِدَاعُ الَّذِي هُوَ مَظِنَّةُ أَنْ لَا رِضَى بِهِ عِنْدَ تَحَقُّقِهِ؛ فَيَكُونُ مِنْ أَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ، وَيَتَحَقَّقُ فِي صُوَرٍ: إمَّا بِعَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى تَسْلِيمِهِ، كَبَيْعِ الْعَبْدِ الْآبِقِ، وَالْفَرَسِ النَّافِرِ، أَوْ بِكَوْنِهِ مَعْدُومًا أَوْ مَجْهُولًا، أَوْ لَا يَتِمُّ مِلْكُ الْبَائِعِ لَهُ، كَالسَّمَكِ فِي الْمَاءِ الْكَثِيرِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الصُّوَرِ. اهـ
مسألة [٣]: ما يتسامح فيه من الغرر .
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في «الفتح» (٢١٤٣): قَالَ النَّوَوِيّ: النَّهْيُ عَنْ بَيْع الْغَرَر أَصْلٌ مِنْ أُصُول الْبَيْع، فَيَدْخُل تَحْتَهُ مَسَائِل كَثِيرَة جِدًّا، وَيُسْتَثْنَى مِنْ بَيْع الْغَرَر أَمْرَانِ: أَحَدهمَا: مَا يَدْخُلُ فِي الْمَبِيعِ تَبَعًا، فَلَوْ أُفْرِدَ؛ لَمْ يَصِحَّ بَيْعه. وَالثَّانِي: مَا يُتَسَامَحُ بِمِثْلِهِ، إِمَّا لِحَقَارَتِهِ، أَوْ لِلْمَشَقَّةِ فِي تَمْيِيزِهِ وَتَعْيِينِهِ، فَمِنْ الْأَوَّلِ: بَيْعُ أَسَاسِ الدَّارِ، وَالدَّابَّةِ الَّتِي فِي ضَرْعِهَا اللَّبَنُ، وَالْحَامِلِ، وَمِنْ الثَّانِي: الْجُبَّة الْمَحْشُوَّة، وَالشُّرْب مِنْ السِّقَاءِ، قَالَ: وَمَا اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ مَبْنِيٌّ عَلَى اِخْتِلَافِهِمْ فِي كَوْنِهِ حَقِيرًا أَوْ يَشُقُّ تَمْيِيزُهُ أَوْ تَعْيِينُهُ؛ فَيَكُونُ الْغَرَر فِيهِ كَالْمَعْدُومِ، فَيَصِحُّ الْبَيْعُ وَبِالْعَكْسِ. انتهى المراد. (٢)
стр. 2875
مسألة [٤]: حكم بيع الغرر .
عامة أهل العلم على تحريمه؛ لحديث الباب، ولقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة:١٨٨]، وقد روى الطبري عن ابن سيرين أنه قال: لا أعلم ببيع الغرر بأسًا. قال الحافظ: إسناده صحيح، وقد حمله بعض أهل العلم على أنه أراد بعض الصور المختلف فيها، ولم يرد العموم، والله أعلم. (١)
تنبيه: يستفاد من هذا الحديث شرط من شروط صحة البيع المتقدمة في أوائل الكتاب، وهو: (أن يكون المبيع معلومًا برؤيةٍ، أو صفة).
مسألة [٥]: حكم لعب ما يسمَّى باليانصيب .
صورتها: أن يشارك كل فرد بشراء كرت، ثم تدخل هذه الكروت في مكان واحدٍ، وتحصل بعد ذلك القرعة، ومن فاز يحصل على الجائزة، وهذا النوع من البيع لا يجوز؛ لأنَّ فيه احتمال الغنم، والغرم. (٢)
مسألة [٦]: الجوائز التي توضع مع السلع .
لها صورتان:
الأولى: إذا كان الداخل في هذا البيع بين احتمال الغنم والغرم، فلا تجوز هذه الصورة؛ لوجود الغرر.
مثال هذه الصورة: كأن يُباع شيء بزيادة على سعره المعتاد، ثم يحصل على
стр. 2876
كرت به يحصل على الجائزة، وقد تكون الجائزة حقيرة جدًّا، وقد تكون ثمينة.
الثانية: إذا كان الداخل فيها بين احتمال الغنم والسلامة؛ فهذه الصورة يجوز فيها البيع والشراء.
مثال هذه الصورة: كأن يُباع الشيء بسعر يومه المعتاد، ثم تحصل هذه الكروت والجوائز عليها، فهذا لا بأس به؛ لأنَّ المشتري يشتري ما يحتاجه بنفس ثمنه، والبائع ينفق بضاعته بهذه الجوائز.
مسألة [٧]: هل يجوز للشركات استعمال التحفيزات ؟
• بعض علماء عصرنا يحرمون هذا الشيء، كالشيخ ابن باز، والشيخ الفوزان، وقالوا: إنَّ هذا يؤدي إلى تنافسٍ غير مشروع، فمن الشركات من لا تستطيع فعل هذه التحفيزات، ومنها من تستطيع وضع الجوائز الثمينة جدًّا، فيحدث الإجحاف الشديد ببضائع الشركة الأولى.
• والشيخ ابن عثيمين ﵀ له فتوى في منعه، وله فتوى أخرى يُفَصِّل فيها بين ما كان الداخل فيها بين احتمال الغنم والغرم؛ فلا يجوز، وما كان الداخل فيها بين احتمال الغنم والسلامة؛ فيجوز.
قال ﵀: وإذا قال قائل: هذه المعاملة تضر بالبائعين الآخرين؛ لأنَّ هذا البائع إذا جعل جوائز للمشترين، وكان سعره كسعر السوق اتجه جميع الناس إليه، وكسدت السلع عند التجار الآخرين، فنقول: هذا يرجع إلى الدولة؛ فيجب على الدولة أن تتدخل إذا رأت أنَّ هذا الأمر يوجب اضطراب السوق؛ فإنها تمنعه، أو
стр. 2877
إذا رأت أن المصلحة في منعه، فيجب على ولي الأمر أن يمنعه منه.
قلتُ: وما ذكره الإمام العثيمين ﵀ هو الأقرب عندي، والله أعلم. (١)
مسألة [٨]: شركة التأمين التجارية .
هذه الشركات أول ما ظهرت من قِبَلِ أعداء الإسلام، ثم انتشرت بين المسلمين بسبب تقليد أعداء الإسلام، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وصورة نظام هذه الشركات أنها تتعامل مع التُّجار، وأصحاب رؤوس الأموال بأن تؤمن لهم الأموال والأنفس في الحل والترحال، على أن تأخذ من التجار أقساطًا ثابتة شهريًّا، أو سنويًّا؛ فإن حصلت خسائر في الأموال والأنفس بسبب الغرق، والحوادث، والحروب؛ فإنَّ هذه الشركات تقوم بتعويض كل الخسائر، وإن لم يحصل شيء؛ فإنَّ هذه الشركات تربح أموالًا طائلة، وهو الغالب.
وهذه الشركات تجارية محضة، بدليل أنها تنزع يدها تمامًا ممن تتعامل معهم عند حصول الحروب الشديدة، والحوادث العظيمة؛ لأنَّ ذلك يؤدي إلى إفلاسها، وقد يودع أصحابها في السجون. وعامة العلماء في عصرنا هذا، ومنهم الإمام ابن باز، والإمام العثيمين، والإمام الوادعي وغيرهم، يحرمون هذه الشركات والتعامل معها لأمور عديدة، منها:
стр. 2878
١) يعتبر ذلك من العقود المشتملة على الغرر الفاحش إما من قبل المؤمَّن أو من قبل الشركة.
٢) فيه ضرب من ضروب المقامرة والميسر؛ لما فيه من المخاطرة في معاوضات مالية، ومن الغرم بلا جناية، و لا تسبب، ومن الغنم بلا مقابل، أو مقابل غير مكافئ، فإذا استحكمت فيه الجهالة؛ كان قمارًا، ويدخل في عموم النهي عن الميسر.
٣) تشتمل هذه المعاملات على ربا الفضل، وربا النسيئة؛ فإنَّ الشركة إذا دفعت للمستأمن، أو لورثته، أو للمستفيد أكثر مما دفعه من النقود لها؛ فهو ربا الفضل، والمؤمِّن يدفع ذلك للمستأمن بعد مدة العقد؛ فيكون ربا نسأ، وإذا دفعت الشركة للمستأمن مثل ما دفعه لها يكون ربا نسأ فقط، وكلاهما محرم بالنص والإجماع.
٤) فيه الرهان المحرم، وصورته: أنَّ المتعامل معهم وضع رهانًا، وهو هذه الأقساط الثابتة، والشركة وضعت رهانًا وهو استعدادها لدفع المال؛ لتعويض الخسائر، فأيهما ظفر أخذ رهان الآخر، والرهان لا يجوز إلا في خُفٍّ، أو نصل، أو حافر كما في الحديث. (١)
٥) فيه أخذ أموال الناس بلا مقابل، والله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة:١٨٨].
стр. 2879
٦) فيه إلزام بما لا يلزم شرعًا؛ فإنَّ المؤمِّن لم يحدث منه الخطر، ولم يتسبب في حدوثه. (١)
مسألة [٩]: شركة التأمين التعاونية .
الهدف من إنشاء هذه الشركات تفتيت المخاطر، وتقليل الخسائر، وهذه الشركات ليست تجارية ألبتة؛ فإنَّ المتعاملين معها يدفعون أقساطًا غير ثابتة، وإذا كانت الشركة قد جمعت مبلغًا كبيرًا من المال، ولا توجد حوادث على الساحة؛ فإنها تطلب من المتعاونين التوقف عن الدفع حتى ينفذ ما بالخزانة السابقة، ثم إنَّ هذه الشركات قائمة على التبرع لا على الإلزام.
وتتمثل هذه الشركات بالنقابات المنتشرة على الساحة بمختلف أنواعها؛ إلا أن تكون تجارية، وأقرب مثال على هذه النقابات الجائزة فِرَز الباصات، والسيارات الناقلة من مكان إلى آخر، أو بلد إلى بلد.
والذين حرَّموا التعامل مع الشركات التجارية التأمينية أباحوا التعامل مع هذه الشركات؛ لانتفاء العلة التي عليها مدار الحكم.
إيراد: يقولون: إنَّ العائد على المساهم في هذه الشركات مجهولٌ؛ فهو غرر.
الجواب: الزيادة والنقصان في العائد على المساهم مغتَفَرة، وهذا الأمر حصل برضى الجميع، وهو أمرٌ تبرعي لا إلزامي، فهذه الشركات جائزة؛ فهي في عقود
стр. 2880
التبرع التي يكون الغرض منها التعاون لا التجارة، ولكن لا تُقَرُّ بعض النقابات على فعلها من إيداع الأموال في البنوك الربوية، وكذلك إلزام المساهمين معها بدفع الأقساط الثابتة.
وهذه الشركات إذا انتهى عملها في مجالها؛ فإنها ترد للمساهمين معها أقساطهم، كلٌّ بحسب مساهمته؛ فعلى هذا أين العلة التي حرمت من أجلها الشركات التجارية؟ (١)
مسألة [١٠]: جمعية الموظفين .
صورتها: يساهم جماعةٌ من الناس بدفع أقساط ثابتة، على أنَّ هذه الأموال على رأس فترة معينة تكون لأحد أفراد الجماعة، ثم الذي يليه بالدور، حتى تمر على آخر فرد منهم، وسمِّيت بـ (جمعية الموظفين) مع أنها قد تكون بين أشخاص غير موظفين؛ بناءً على الغالب في التعامل بها؛ حيث إن غالب من يشترك فيها هم من الموظفين الذين يستلمون رواتب في نهاية كل شهر، وفيها خلاف:
• الشيخ الفوزان على عدم الجواز، وقال: هو قرضٌ جرَّ منفعة، فهو يقرضه بشرط أن يقرضه، وقال: فيه مخاطرة، فربما بعضهم يُعزَل عن وظيفته، أو يموت؛ فلا يستطيع الوفاء، فتضيع حقوق الآخرين.
• الشيخ ابن باز، والشيخ ابن عثيمين، والشيخ الألباني، والشيخ مقبل ﵏ على الجواز، وهو الراجح إن شاء الله؛ لأنَّ هذا من باب الإقراض واشتراط
стр. 2881
القضاء؛ ولأن هذه المعاملة لا تنقص المقترض شيئًا من ماله؛ ولأن فيها تعاونًا على البر والتقوى وسدًّا لحاجة الناس وإعانة لهم على البعد عن المعاملات المحرمة.
والجواب عن أدلة من منع:
أنَّ قوله: (يقرضه بشرط أن يقرضه) ليس بمسلم، بل هو يقرضه بشرط أن يقضيه، وهذا لا محظور فيه، وكذلك من يأخذها في المرة الثانية يعتبر مقترضًا ممن يأخذها بعده ومستوفيًا لقرضه من الشخص الذي أخذها قبله، وهكذا من بعده؛ عدا آخرهم فهو إنما يستوفي ما أقرضه لجميع المشاركين في الجمعية.
وقوله: (قرض جرَّمنفعة)، فقد قال ابن القيم ﵀ كما في «تهذيب السنن» (٥/ ١٥٣): والمنفعة التي تجر إلى الربا في القرض هي التي تخص المقرض، كسكنى دار المقترض، وركوب دوابه، واستعماله، وقبول هديته؛ فإنه لا مصلحة له في ذلك، بخلاف هذه المسائل -يعني مسألة السفتجة، وسيأتي ذكرها إن شاء الله فيما بعد تحت حديث (٨٤٨)؛ فإن المنفعة مشتركة بينهما، وهما متعاونان عليها، فهي من جنس التعاون والمشاركة. اهـ
وعلى هذا فيقال: (كل قرض جرَّ منفعةً، زائدة، متمحضة، مشروطة للمقرض على المقترض، أو في حكم المشروطة؛ فإنَّ هذه المنفعة ربا).
وقوله: (فيه مخاطرة)، فيجاب عنه بأنَّ الاحتمال المذكور وارد على جميع
стр. 2882
العقود، ولكن في حالة الموت يُقضى المقرضون من تركته، وبالله التوفيق. (١)
تنبيه: المسألة في (جمعية الموظفين) مفروضة فيما إذا لم يحصل شروط، وأما إذا حصلت شروط؛ فحكمها ينبني على تلك الشروط، وهناك شرطان ينتشر ذكرها في هذه الجمعيات:
الأول: أن يشترط على جميع الراغبين في المشاركة الاستمرار فيها حتى تستكمل دورة كاملة.
وحقيقة هذه الصورة: (اشتراط الإقراض من طرف آخر)؛ لئلا ينقص المقدار الذي يستقرضه كل واحد منهم؛ فكأن كل واحد من المشتركين يقول: (لن أقرض زيدًا وخالدًا إلا بشرط أن يقرضني بكر وعمرو)، وهذه الصورة جوَّزها الإمام العثيمين ﵀؛ لأنَّ المنفعة التي تجعل القرض ربا هي ما كانت متمحضة ومشروطة للمقرض على المقترض، أو في حكم المشروطة، كما تقدم في كلام ابن القيم ﵀، ولا يشترط أن تتمحض المنفعة للمقترض، بل لو انتفع المقرض من ذلك منفعة مساوية، أو أدنى من منفعة المقترض؛ فإنَّ ذلك جائز كما في مسألة (السفتجة).
الثاني: أن يشترط على جميع الراغبين الاستمرار في دورة ثانية، وثالثة.
وهذه الصورة لا تجوز؛ لأنَّ الإنسان يقع في مسألة (أقرضك بشرط أن تقرضني)؛ فهي منفعة متمحضة للمقرض جرَّها القرض؛ فهي ربا. (٢)
стр. 2883
٧٨٣ - وَعَنْهُ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنِ اشْتَرَى طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَكْتَالَهُ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: حكم بيع الشيء قبل قبضه .
أما في الطعام: فعامة أهل العلم على عدم جواز بيعه قبل أن يقبضه ممن اشتراه. ونقل الخلاف عن عثمان البتي، وعدَّه أهل العلم شذوذًا منه؛ لصحة الأحاديث وصراحتها في تحريم ذلك، وذكر ابن حزم عن عطاء أنه خالف في ذلك أيضًا، وهو ثابت عنه كما في مصنف ابن أبي شيبة (٦/ ٣٦٧).
• وأما في غير الطعام: فاختلف أهل العلم في ذلك على أقوال:
القول الأول: عدم الجواز في كل شيء، وهو قول ابن عباس ﵄ كما في «الصحيحين»، وذكروه عن جابر بن عبد الله، وهو مذهب الشافعي، والثوري، ومحمد بن الحسن، وأحمد في رواية، واختاره ابن حزم، ثم شيخ الإسلام، وتلميذه ابن القيم رحمة الله عليهم أجمعين.
واستدلوا بحديث زيد بن ثابت ﵁: أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نهى أن تُباع السلع حيث تبتاع، حتى يحوزها التجار إلى رحالهم. (٢)
وبحديث حكيم بن حزام ﵁ عند أحمد (٣/ ٤٠٢) وغيره: «إذا اشتريت شيئًا
стр. 2884
فلا تبعه حتى تقبضه»، وفي إسناده: عبدالله بن عصمة، وهو مجهول الحال، ولكن الحديث صحيح بشواهده التي قبله.
واستدلوا بحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نهى عن ربح مالم يضمن. وإسناده حسن. (١)
القول الثاني: لا يجوز بيع مالم يقبض إذا كان مكيلًا، أو موزونًا، وأما ما عدا ذلك فيجوز بيعه قبل أن يقبض، وهذا قول سعيد بن المسيب، والحكم، وإبراهيم، وحماد، والأوزاعي، وأحمد، وهو الأشهر عند أصحابه، وإسحاق.
واستدلوا على ذلك بأنَّ الحديث جاء في الطعام، وهو مكيل، فألحقوا بذلك المكيل كله، والموزون.
وجاء حديث: «من اشترى طعامًا بكيل، أو وزن؛ فلا يبعه حتى يقبضه» أخرجه أحمد (٢/ ١١١)، من حديث ابن عمر ﵄، وفي إسناده: ابن لهيعة، وله طريق أخرى فيها: المنذر بن عبيد، وهو مجهول الحال، أخرجها أبو داود (٣٤٩٥) وغيره، والمحفوظ في الحديث في «الصحيحين» بدون زيادة: «بكيل، أو وزن»، ولو صحت الزيادة لم يكن فيها دليل على التخصيص.
القول الثالث: لا يجوز بيع مالم يقبض؛ إلا العقار، وهو مذهب أبي حنيفة، وأبي يوسف.
القول الرابع: لا يجوز بيع المأكول، والمشروب قبل قبضه، وما سواه جائز،
стр. 2885
وهو مذهب مالك، وأبي ثور، وأحمد في رواية، وابن المنذر؛ لأنَّ الحديث فيه التنصيص على الطعام.
قال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول هو الصواب؛ لأنَّ العلة واحدة في الطعام وفي غيره، سواء كانت العلة ما ذكره ابن عباس حين سئل عن سبب ذلك؟ فقال: ألا تراهم يتبايعون بالذهب، والطعام مرجأ.
أو ما قاله بعض أهل العلم: من أنَّ العلة هي عدم القدرة على تسليم المشتري السلعة التي يبيعها، فقد يحصل من البائع الرجوع والتحيل على فسخ البيع، وتحصل الخلافات، والقول الأول رجحه الشيخ ابن عثيمين ﵀. (١)
مسألة [٢]: التصرف فيه قبل القبض بغير البيع .
إن كان التصرف فيما فيه معاوضة، كالإجارة، أو السَّلَم، وما أشبه ذلك؛ فلا يجوز عند أكثر أهل العلم؛ لأنَّ ذلك شبيه بالبيع، بل ذلك من أنواع البيوع.
وأمَّا إذا كان التصرف فيما ليس فيه عوض، كالهبة، والوقف، وما أشبههما؛ فالصحيح جواز ذلك، وعليه جماعة من الشافعية، والحنابلة، ويدل عليه حديث ابن عمر ﵄ في «البخاري» (٢٦١٠): أنه كان على بكرٍ صعبٍ لعمر، فكان يتقدم النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وعمر يرده، ويقول: يا عبد الله، لا يتقدم النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أحدٌ. فقال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «بعنيه يا عمر»، فقال: هو لك يا رسول الله. فاشتراه النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ثم قال:
стр. 2886
«هو لك يا عبد الله، فاصنع به ما شئت». (١)
مسألة [٣]: العتق قبل القبض .
• عامة أهل العلم على جواز ذلك؛ لأنه إذا جاز في الهبة كما تقدم؛ فمن باب أولى في العتق، وقد نقل ابن المنذر الاتفاق على الجواز، وقال شيخ الإسلام: يجوز إجماعًا.
والواقع أنه قد خالف بعض الشافعية، ذكر ذلك النووي في «المجموع»، والصحيح هو الجواز. (٢)
مسألة [٤]: بماذا يحصل القبض ؟
• قال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٩/ ٢٨٣): ذكرنا أن مذهبنا أن القبض في العقار ونحوه بالتخلية، وفي المنقول بالنقل، وفي المتناول باليد بالتناول، وبه قال أحمد، وقال مالك، وأبو حنيفة: القبض في جميع الأشياء بالتخلية؛ قياسًا على العقار.
قال: دليلنا حديث زيد بن ثابت أنَّ رسول الله ﷺ نهى أن تُباع السلع حيث تبتاع، حتى يحوزها التجار إلى رحالهم (٣)، ولأنَّ القبض ورد به الشرع مطلقًا؛
стр. 2887
فحصل على العرف، والعرف فيما ينقل بالنقل، وفيما لا ينقل بالتخلية.
قال: فإن قيل: فحوزه إلى الرحال ليس بشرط بالإجماع. قلنا: دَلَّ الحديث على أصل النقل، وأما التخصيص بالرحال فخرج على الغالب، ودل الإجماع أنه ليس بشرط في أصل النقل، والجواب عن القياس على العقار: أنه لا يمكن فيه إلا التخلية، ولأنها قبض له في العرف، بخلاف المنقول، والله سبحانه أعلم.
واحتج البيهقي للمذهب بحديث ابن عمر قال: «كُنَّا في زمان رسول الله ﷺ نبتاع الطعام، فيبعث علينا من يأمرنا بانتقاله من المكان الذي ابتعناه إلى مكان سواه قبل أن نبيعه» رواه مسلم (١)، وفي رواية: «كنا نشتري الطعام من الركبان جزافًا، فنهانا رسول الله ﷺ أن نبيعه حتى ننقله من مكانه» رواه البخاري ومسلم (٢)، وفي رواية عنه قال: رأيت الناس في عهد رسول الله ﷺ إذا ابتاعوا الطعام جزافًا يُضربون في أن يبيعوه مكانهم حتى يؤوه إلى رحالهم. رواه البخاري ومسلم. (٣) انتهى كلام النووي ﵀.
• وقال الحنابلة في المكيل، والموزون: قبضه بكيله، ووزنه، وكذلك المذروع بذرعه.
• ومذهب الشافعية أنه لابد فيه من الوزن، أو الكيل، أو الذرع، ثم تحويله
стр. 2888
كما ذكر ذلك النووي ﵀ في «المجموع» (٩/ ٢٧٦)، ورجَّح هذا الشيخ ابن عثيمين ﵀ في «الشرح الممتع» (٨/ ٣٨١)؛ لحديث زيد بن ثابت المتقدم، وهو الصواب، والله أعلم. (١)
مسألة [٥]: إذا تلفت السلعة بعد التفرق قبل القبض بدون تدخل آدمي ؟
قال الحافظ ابن حجر في «الفتح» (٢١٣٨): وَقَالَ اِبْن حَبِيب: اِخْتَلَفَ اَلْعُلَمَاء فِيمَنْ بَاعَ عَبْدًا وَاحْتَبَسَهُ بِالثَّمَنِ، فَهَلَكَ فِي يَدَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ اَلْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ، فَقَالَ سَعِيد بْن اَلْمُسَيِّب، وَرَبِيعَة: هُوَ عَلَى اَلْبَائِعِ.
وَقَالَ سُلَيْمَان بْن يَسَار: هُوَ عَلَى اَلْمُشْتَرِي. وَرَجَعَ إِلَيْهِ مَالِك بَعْدَ أَنْ كَانَ أَخَذَ بِالْأَوَّلِ، وَتَابَعَهُ أَحْمَد، وَإِسْحَاق، وَأَبُو ثَوْر.
وَقَالَ بِالْأَوَّلِ اَلْحَنَفِيَّة وَالشَّافِعِيَّة، وَالْأَصْل فِي ذَلِكَ اِشْتِرَاط اَلْقَبْضِ فِي صِحَّةِ اَلْبَيْعِ، فَمَنْ اِشْتَرَطَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ؛ جَعَلَهُ مِنْ ضَمَانِ اَلْبَائِعِ، وَمَنْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ؛ جَعَلَهُ مِنْ ضَمَانِ اَلْمُشْتَرِي. اهـ.
قال أبو عبد الله غفر الله له: كثير من الفقهاء يبنون هذه المسألة على مسألة اشتراط القبض في صحة البيع، فما قالوا فيه: لا يجوز بيعه قبل قبضه. فيقولون فيه: ضمانه على البائع، وما أجازوا فيه بيعه قبل قبضه، فيقولون فيه: ضمانه على المشتري.
стр. 2889
والذي يظهر لي -والله أعلم- أنَّ هذه المسألة تنبني على (استقرار الملك)، وإن لم يقبضه، فإذا حصل عقد البيع وتفرقا على ذلك؛ فتصبح من ضمان المشتري، والله أعلم.
وهذا هو ظاهر اختيار البخاري، فقد قال في كتاب البيوع [باب ٥٧]: باب إذا اشترى متاعًا، أو دابة، فوضعه عند البائع، أو مات قبل أن يقبض، وقال ابن عمر ﵄: ما أدركت الصفقة حيًّا مجموعًا فهو من المبتاع.
وهذا الأثر وصله الطحاوي، والدارقطني بإسناد صحيح كما في «الفتح».
وعلى هذا: فلو منع البائع المشتري من أخذ السلعة حتى يأتي بالثمن؛ فضمانها على البائع؛ لأنَّ ملك المشتري لم يستقر.
وقد أخرج عبد الرزاق (٨/ ٤٦) بإسناد صحيح عن طاوس، قال: إنْ قال البائع: لا أعطيكه حتى تنقدني الثمن. فهلك، فهو من ضمان البائع، وإلا فهو من ضمان المشتري. انتهى بمعناه، وبنحوه قال ابن سيرين، والنخعي، والثوري. (١)
مسألة [٦]: إن تلفت السلعة بفعل المشتري، أو بفعل أجنبي ؟
أما إن تلفت بفعل المشتري؛ فيستقر الثمن عليه، ويكون كالقبض؛ لأنه تصرف فيه، وأما إن تلفت بفعل أجنبي؛ فلا يبطل العقد، ولكن يثبت للمشتري الخيار بين الفسخ والرجوع بالثمن؛ لأنَّ التلف حصل في يد البائع، وبين البقاء
стр. 2890
على العقد، ومطالبة المتلف بالمثل إن كان مثليًّا، أو بالقيمة، هذا مذهب الحنابلة، والشافعية، وقال ابن قدامة: لا أعلم فيه مخالفًا. اهـ (١)
مسألة [٧]: لو أتلفه البائع ؟
• ذهب الحنابلة إلى أنَّ المشتري له الخيار كما لو أتلفه الأجنبي.
• ومذهب الشافعي أنَّ العقد ينفسخ، ويرجع المشتري بالثمن لاغير؛ لأنه تلف يضمنه.
قال أبو عبد الله غفر الله له: أما إذا كان بعد التفرق -والمسألة هذه والتي قبلها مفروضة في ذلك- فالراجح هو قول الحنابلة.
وقد رجَّح ذلك الشيخ ابن عثيمين ﵀؛ لأنها قد أصبحت ملكًا للمشتري؛ فهو بالخيار، والله أعلم.
وأما إن كان ذلك قبل التفرق: فالعمل على قول الشافعية. (٢)
مسألة [٨]: أجرة الكيل، ونقل البضاعة .
الأصل أنَّ أجرة الكيل على البائع، وأجرة النقل على المشتري إلا أن يتراضيا على خلاف ذلك، وهذا قول فقهاء الأمصار. (٣)
стр. 2891
مسألة [٩]: إذا اشترى طعامًا كيلًا، ثم باعه، فهل يلزمه أن يكيله مرة أخرى ؟
أخرج أحمد في «مسنده» (١/ ٦٢، ٧٥)، وعلَّقه البخاري في «صحيحه» [باب ٥١] من البيوع، عن عثمان بن عفان ﵁، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال له: «إذا بعت؛ فَكِلْ، وإذا ابتعت؛ فاكْتَلْ»، وأخرجه أيضًا ابن ماجه (٢٢٣٠)، والدارقطني (٣/ ٨)، والبيهقي (٥/ ٣١٥)، وهو حديث حسن.
وأخرج ابن ماجه (٢٢٢٨)، والبيهقي (٥/ ٣١٦)، من حديث جابر بن عبد الله، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نهى عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان: صاع البائع، وصاع المشتري. وفي إسناده: ابن أبي ليلى، وفيه ضعف، وجاء عن أبي هريرة ﵁ أخرجه البيهقي (٥/ ٣١٦)، والبزار كما في «كشف الأستار» (١٢٦٥)، وفي إسناده: مسلم بن أبي مسلم الجرمي، له ترجمة في «اللسان» وفيه ضعف، ثم رأيت الخطيب قد وثقه في «تاريخ بغداد» (١٣/ ١٠٠)، وذكره ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (٨/ ١٨٨)، وقال: روى عنه المنذر بن شاذان، وقال: إنه قتل مائة ألف من الروم.
قال الإمام الشوكاني ﵀ في «النيل» (٢١٩٤): وَاسْتُدِلَّ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ عَلَى أَنَّ مَنْ اشْتَرَى شَيْئًا مُكَايَلَةً وَقَبَضَهُ، ثُمَّ بَاعَهُ إلَى غَيْرِهِ؛ لَمْ يَجُزْ تَسْلِيمُهُ بِالْكَيْلِ الْأَوَّلِ حَتَّى يَكِيلَهُ عَلَى مَنْ اشْتَرَاهُ ثَانِيًا، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ كَمَا حَكَاهُ فِي «الْفَتْحِ» عَنْهُمْ قَالَ: وَقَالَ عَطَاءُ: يَجُوزُ بَيْعُهُ بِالْكَيْلِ الْأَوَّلِ مُطْلَقًا. وَقِيلَ: إنْ بَاعَهُ
стр. 2892
بِنَقْدٍ؛ جَازَ بِالْكَيْلِ الْأَوَّلِ، وَإِنْ بَاعَهُ بِنَسِيئَةٍ؛ لَمْ يَجُزْ بِالْأَوَّلِ، وَالظَّاهِرُ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْجُمْهُورُ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ بَيْعٍ وَبَيْعٍ؛ لِلْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْبَابِ الَّتِي تُفِيدُ بِمَجْمُوعِهَا ثُبُوتَ الْحُجَّةِ، وَهَذَا إنَّمَا هُوَ إذَا كَانَ الشِّرَاءُ مُكَايَلَةً، وَأَمَّا إذَا كَانَ جِزَافًا، فَلَا يُعْتَبَرُ الْكَيْلُ الْمَذْكُورُ عِنْدَ أَنْ يَبِيعَهُ الْمُشْتَرِي. اهـ (١)
قلتُ: وما ذهب إليه الجمهور هو الصواب؛ لأنه قد ينقص كيله بسبب تأخره؛ فإنه إذا تأخر يبس، وقلَّ كيله، وقد ينقص بسرقة، أو تمول، فإن أمن من ذلك كله، فالذي يظهر، أنه لا يلزم، وإنما يكون على سبيل الاستحباب، والله أعلم.
مسألة [١٠]: حكم شراء الطعام جزافًا، وهل يجوز بيعه قبل قبضه إذا كان جزافًا ؟
• ذهب جمهور العلماء إلى جواز بيع الطعام جزافًا، سواء علم البائع مقداره، أم لم يعلم؛ لحديث ابن عمر ﵄ في «الصحيحين» (٢) أنهم كانوا يتبايعون الطعام جزافًا، ومنع مالك ذلك إذا كان البائع يعلم مقداره.
والصواب قول الجمهور؛ لعموم الحديث.
وأما بيعه قبل قبضه؛ فقد أجازه مالك، وإسحاق، والأوزاعي، وأحمد في رواية، واستدلوا بحديث ابن عمر ﵄: «من اشترى طعامًا بكيل، أو وزنٍ؛ فلا يبعه حتى يقبضه»، وهذه الزيادة فيها ضعفٌ كما تقدم بيان ذلك في المسألة
стр. 2893
الأولى، وحديث ابن عمر في «الصحيحين» (١) أنهم كانوا يؤمرون بتحويله قبل بيعه، وتقدم ذكر ألفاظ الحديث قريبًا، فهذا مقدم على زيادة في إسنادها ضعف، وبذلك أخذ جمهور العلماء، فقالوا بعدم الجواز، وهو الصحيح، والله أعلم. (٢)
مسألة [١١]: هل يجوز بيع مالم يقبضه مما يملكه بغير الشراء، وحكم بيع صكاك الأرزاق ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٦/ ١٩٢): وَأَمَّا مَا مُلِكَ بِإِرْثٍ، أَوْ وَصِيَّةٍ، أَوْ غَنِيمَةٍ، وَتَعَيَّنَ مِلْكُهُ فِيهِ؛ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ بِالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَضْمُونٍ بِعَقْدِ مُعَاوَضَةٍ، فَهُوَ كَالمَبِيعِ المَقْبُوضِ، وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَلَا أَعْلَمُ عَنْ غَيْرِهِمْ خِلَافَهُمْ. اهـ
وقال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٦/ ١٩١): وَكُلُّ عِوَضٍ مُلِكَ بِعَقْدٍ يَنْفَسِخُ بِهَلَاكِهِ قَبْلَ الْقَبْضِ؛ لَمْ يَجُزْ التَّصَرُّفُ فِيهِ قَبْلَ قَبْضِهِ، كَاَلَّذِي ذَكَرْنَا، وَالْأُجْرَةُ، وَبَدَلُ الصُّلْحِ، إذَا كَانَا مِنْ الْمَكِيلِ، أَوْ الْمَوْزُونِ، أَوْ الْمَعْدُودِ، وَمَا لَا يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ بِهَلَاكِهِ؛ جَازَ التَّصَرُّفُ فِيهِ قَبْلَ قَبْضِهِ، كَعِوَضِ الْخُلْعِ، وَالْعِتْقِ عَلَى مَالٍ، وَبَدَلِ الصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ، وَأَرْشِ الْجِنَايَةِ، وَقِيمَةِ الْمُتْلَفِ؛ لِأَنَّ الْمُطْلِقَ لِلتَّصَرُّفِ الْمِلْكُ، وَقَدْ وُجِدَ، لَكِنَّ مَا يُتَوَهَّمُ فِيهِ غَرَرُ الِانْفِسَاخِ بِهَلَاكِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ؛ لَمْ يَجُزْ بِنَاءُ عَقْدٍ آخَرَ عَلَيْهِ؛ تَحَرُّزًا مِنْ الْغَرَرِ، وَمَا لَا يُتَوَهَّمُ فِيهِ ذَلِكَ الْغَرَرُ،
стр. 2894
انْتَفَى الْمَانِعُ؛ فَجَازَ الْعَقْدُ عَلَيْهِ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ.
ثم نقل عن الشافعي الخلاف في المهر، وعوض الخلع. انتهى بتصرف يسير.
مسألة [١٢]: حكم بيع صكاك الأرزاق قبل قبض الرزق ؟
• الأرزاق العينية التي يقسمها السلطان بصكاك يجوز بيعها قبل قبضها، على الأشهر في مذهب الحنابلة، وهو الأصح عند الشافعية، وقد أسند البيهقي (٥/ ٣١٤) عن ابن عمر، وزيد بن ثابت القول بذلك، وهو صحيح عنهما؛ وذلك لأنه لم يشترها، وإنما هي رزق؛ فأشبه المواريث، والهدايا، والحديث ورد بنهي بيع الشيء المشترى قبل قبضه، وأما غير المشترى؛ فلا دليل نعلمه يدل على المنع من ذلك.
• ومنع بعض الفقهاء من ذلك، وهو قول مالك، وأبي ثور، وابن المنذر، والحنفية، وابن المنذر.
والحجة في ذلك: أنه غرر.
وجاء عن أبي هريرة ﵁ في «صحيح مسلم» (١٥٢٨): أنه نهى عن بيع الصِّكَاك، وجاء عن عمر بسند منقطع عند البيهقي (٥/ ٣١٤)، وقال البيهقي، والنووي: هو محمول على النهي عن بيع تلك الأوراق التي اشتراها من رجل آخر حتى يقبضها.
وهذا هو الأقرب، والله أعلم. (١)
стр. 2895
مسألة [١٣]: هل يجوز بيع السلعة قبل أن يقبضها إذا كان سيبيعها للبائع ؟
• أجاز ذلك شيخ الإسلام ﵀، وذلك لانتفاء العلة، وهي: وجود الخلاف، والنزاع، وعامة أهل العلم على عدم جواز ذلك؛ لعموم النهي عن بيع الشيء قبل قبضه، وهو ترجيح الشيخ ابن عثيمين ﵀. (١)
فائدة: ما يحتاج إلى القبض حتى يُباع لا يجوز الشَرِكَةُ فيه حتى يقبض؛ لأنَّ الشركة بيع بعض المبيع بقسطه من الثمن، ولا يجوز فيه التولية، وهي بيعه بنفس الثمن؛ حتى يقبضه أيضًا.
وهذا قول الجمهور، وهو الصحيح، خلافًا لمالك ﵀. (٢)
стр. 2896
٧٨٤ - وَعَنْهُ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ. (١)
وَلِأَبِي دَاوُد: مَنْ بَاعَ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ فَلَهُ أَوْكَسُهُمَا أَوِ الرِّبَا. (٢)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: معنى بيعتين في بيعة .
قيل: هو أن يقول البائع: هي نسيئة بكذا، ونقدًا بكذا. وقد فسَّرها بذلك أكثر العلماء، ومنهم أحمد، ومالك، والشافعي، والثوري، وأبو حنيفة، والأوزاعي، والنسائي، وابن حبان، وآخرون.
ولكن قيَّد كثير منهم التحريم بما إذا أخذ السلعة المشتري دون أن يحدد إحدى البيعتين، ونصُّوا على أنه إذا أخذ السلعة بالنقد، أو النسيئة؛ فلا يدخل في معنى الحديث.
стр. 2897
وقيل: هو أن يقول: أبيعك هذا الكتاب بألف على أن تبيعني هذا المسجل بثمانمائة، وقد فسَّره بذلك جماعةٌ من أهل العلم، منهم الشافعي، وأحمد، وهو أحد التفسيرين عند الحنفية.
وقيل: هو أن يقول الرجل لآخر: هذه عشرة آلاف في مائة قدح من البر سَلَمًا إلى ستة أشهر، فيأتي موعد التسليم وما قد وفَّر المسْلَم المائة القدح، فيقول للمسْلِم: ما قد وفَّرت مطلوبك، ولكن بعني مائة قدح بمائة وعشرين قدح إلى شهر. وهذا التفسير ذكره الخطابي، ولا شك في تحريمه؛ لأنه ربا واضح.
وقيل: المراد بذلك هو بيع العينة، وصورته بأن يقول للتاجر: بعني هذه السلعة بخمسة آلاف دينًا إلى شهر. ثم يقبضها، ثم يقول للبائع: تشتريها مني بأربعة آلاف نقدًا. فيرضى البائع، ويكون قد استفاد ألف ريال وسلعته باقية. وهذا اختيار شيخ الإسلام، وابن القيم، ورجحه الشيخ ابن عثيمين ﵏.
قال أبو عبد الله غفر الله له: كل هذه الأقوال محتملة، وأقربها القول الرابع، ثم الأول، ثم الثاني، والله أعلم. (١)
مسألة [٢]: البيع إلى أجل بزيادة .
• ذهب أكثر أهل العلم إلى جواز ذلك، وهو مذهب أحمد، ومالك، والشافعي، وأبي حنيفة، والثوري، والأوزاعي، والترمذي وغيرهم.
стр. 2898
واستدلوا بما يلي:
١) قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة:٢٧٥]، فالأصل هو الحل، ولا يُعلم دليل يحرم ذلك.
٢) قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٢٩].
٣) أجاز أهل العلم السَّلم، وفيه أنَّ الثمن يكون غالبًا أقل مقابل التقديم برضى الطرفين، فلا مانع من عكس ذلك.
٤) الزيادة مقابل الأجل؛ لأنَّ البائع إذا تركها وباعها نقدًا سيستفيد من المال بتنمية تجارته.
٥) كما أنه يجوز للبائع أن يبيع السلعة بأكثر من سعر السوق برضى المشتري بدون أجل؛ فمن باب أولى جواز ذلك مقابل التأجيل.
• وذهب بعض أهل العلم إلى المنع من ذلك، وقد حكاه الشوكاني عن زين العابدين علي بن الحسين، والناصر، والمنصور بالله، والهادوية، وقال به من المعاصرين الإمام الألباني، والإمام الوادعي رحمة الله عليهم. واستدلوا على ذلك بحديث الباب: «نهى عن بيعتين في بيعة»، وقالوا: هو في معنى الربا.
والجواب عن الحديث: أنه كما تقدم ليس فيه تعرض لهذه المسألة؛ لأنَّ الذين فسروا (البيعتين في بيعة) بالنقد أو النسيئة، جعلوا التحريم في حالة عدم تعيين المشتري لأحد البيعين؛ فتحصل الجهالة، وممن نص على ذلك الترمذي، والطبري، وأبو عبيد، وابن عبد البر، والنووي، وابن قدامة، والبغوي، وابن رشد، وآخرون.
стр. 2899
وأما قولهم: (إنه في معنى الربا) فالعبرة في العقود بالألفاظ مع النيات، والمقصود هنا هو بيع مع الأجل، وليس المقصود أنه يستدين منه مالًا ويرد إليه أكثر. وقد ذكروا تعليلات أخرى للمنع لا تفيد التحريم، وإنما تفيد أنَّ الأفضل أن يتعاون المسلمون باليسر، والإحسان.
وقد عزا الإمام الألباني ﵀ في «صحيحته» هذا القول لابن سيرين، وسماك، وطاوس، والثوري، والأوزاعي، وابن حبان، والنسائي وغيرهم، ولكن بمراجعة أقوال هؤلاء الأئمة من مصادرها يتبين أن مقصودهم: أن يأخذ المشتري السلعة بدون تحديد إحدى البيعتين؛ فتكون بيعتان في بيعة، وأما إذا أخذ السلعة بالنقد أو بالنسيئة، فإنما هي بيعة واحدة، وقد نصَّ على ذلك طاوس، والثوري، والأوزاعي، وأخذ الأئمة المتأخرون أقوال المتقدمين، وبينوا أن مقصودهم إنما هو إذا لم يختر أحدى البيعتين.
وقد أورد الشيخ الألباني ﵀ إيرادًا، فقال: ليس في ذلك جهالة؛ لأنَّ المشتري إما أن ينقده الثمن فيكون قد أخذه بالنقد، وإما أن يأخذه ويسكت، وينصرف؛ فيكون قد أخذه نسيئة، فأين الجهالة؟
والجواب: أنَّ النقد قد يسلمه في مجلس العقد، أو قد يعطيه بعد المفارقة، ويسمى (دينًا حالًّا)، فما زالت الجهالة موجودة.
وقال الإمام الألباني ﵀: قد بيَّن النبي ﷺ في النهي عن بيعتين في بيعة أنَّ العلة هي الربا، كما في رواية أبي داود المذكورة في الباب، وجاء عن ابن مسعود
стр. 2900
أنه قال: صفقتان في صفقة ربا. (١) لم يذكر أنَّ العلة هي الجهالة.
والجواب عن ذلك: أنَّ صورة الربا على التفسير الثالث والرابع واضحة، وأما على التفسير الأول ففيه إشكال، والجواب على ذلك أنَّ لفظ أبي داود غير محفوظ، وعلى القول بصحته؛ فإنَّ كثيرًا من العلماء كانوا يطلقون الربا على كل بيع محرم كما ذكر ذلك ابن نصر المروزي في «السنة»، ونصَّ على ذلك الحافظ ابن حجر في شرح حديث (٢٠٨٣)، وغيره من أهل العلم، ومنه حديث ابن عباس عند النسائي مرفوعًا: «السلف إلى حبل الحبلة ربا».
قلتُ: فقول الجمهور هو الصواب، وهو ترجيح الإمام ابن باز، والإمام ابن عثيمين، والفوزان رحمة الله عليهم. (٢)
لَهُ، وَذَلِكَ رِبًا مُحَرَّمٌ؛ فَفَسَدَ كَمَا لَوْ صَرَّحَ بِهِ. اهـ
وقد نقل ابن المنذر الإجماع على تحريم ذلك كما في «تهذيب السنن» (٥/ ١٥٠).
قلتُ: البيع بشرط السلف: أن يقول له: أبيعك بيتي على أن تسلفني مائة ألف إلى خمسة أشهر مقابل وسقين من الزبيب.
والبيع بشرط القرض: أن يقول له: أبيعك سيارتي على أن تقرضني مائة ألف، ويحصل أيضًا الشرط من قِبَل المشتري.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٢٩/ ٦٢): فنهى ﷺ عن أن يجمع بين سلف وبيع. فإذا جمع بين سلف وإجارة؛ فهو جمع بين سلف وبيع أو مثله. وكل تبرع يجمعه إلى البيع والإجارة مثل: الهبة والعارية والعرية والمحاباة في المساقاة والمزارعة وغير ذلك: هي مثل القرض. فجماع معنى الحديث: أن لا يجمع بين معاوضة وتبرع؛ لأن ذلك التبرع إنما كان لأجل المعاوضة؛ لا تبرعا مطلقا، فيصير جزءا من العوض فإذا اتفقا على أنه ليس بعوض جمعا بين أمرين متنافيين؛ فإن من أقرض رجلا ألف درهم وباعه سلعة تساوي خمسمائة بألف: لم يرض بالإقراض إلا بالثمن الزائد للسلعة والمشتري لم يرض ببذل ذلك الثمن الزائد إلا لأجل الألف التي اقترضها، فلا هذا باع بيعا بألف ولا هذا أقرض قرضا محضا بل الحقيقة: أنه أعطاه الألف والسلعة بألفين. اهـ (١)
стр. 2903
مسألة [٢]: قوله: «وَلا شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ» .
• اختلف أهل العلم في بيان معنى: «وَلَا شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ»، فقال جماعة من أهل العلم: هو أن يقول: أبيعك هذه السلعة إن شئت نقدًا فبكذا، وإن شئت نسيئة فبكذا.
• وقال بعضهم: يحمل ذلك على الشروط المحرمة، أو الفاسدة.
• وقال جماعة من العلماء: لا يصح للبائع أن يشترط على المشتري أكثر من شرط ينتفع به في المبيع، وهذا عليه أكثر الحنابلة، وهو مذهب أحمد، وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك تحت حديث عائشة ﵂: «ما كان من شرط ليس في كتاب الله؛ فهو باطل».
• واختار شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم أنَّ المقصود بذلك بيع العينة، بأن يقول: خذ هذه السلعة بعشرة نقدًا، وآخذها منك بعشرين نسيئة، والعكس بأن يقول: اشتري منك هذه السلعة بعشرين نسيئة، وأبيعكها بعشرة نقدًا.
قال ابن القيم ﵀ في «تهذيب السنن» (٥/ ١٤٨) -بعد أن بين صورة العينة وأنَّ ذلك هو البيعتين في بيعة-: وهذا هو بعينه الشرطان في بيع؛ فإنَّ الشرط يُطلق على العقد نفسه؛ لأنهما تشارطا على الوفاء به، فهو مشروط، والشرط يطلق على المشروط كثيرًا، كالضرب يطلق على المضروب، والحلق يطلق على المحلوق، والنسخ على المنسوخ، فالشرطان كالصفقتين سواء، فشرطان في بيع كصفقتين في صفقة. اهـ المراد وانظر بقية كلامه فإنه نفيس.
стр. 2904
قلتُ: الأظهر أنَّ قوله: «وَلَا شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ» هو كقوله: «نهى عن بيعتين في بيعة»، وقد تقدم الكلام على بيعتين في بيعة، وأما حمل ذلك على الشرطين الفاسدين، أو المحرمين فهو محمل فاسد؛ لأنَّ الفاسد المحرم لا يجوز، وإن كان شرطًا، وأما حمله على عدم اشتراط أكثر من منفعة؛ فأي فرقٍ بين منفعة، ومنفعتين، وثلاث، والنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يقول: «المسلمون على شروطهم؛ إلا شرطًا أحلَّ حرامًا، أو حرَّم حلالًا» (١). (٢)
مسألة [٣]: «وَلا رِبْحُ مَا لَمْ يَضْمَنْ» .
ذكروا لذلك صورًا:
منها: أن يبيع المشتري السلعة قبل أن يقبضها من البائع، فهي لا تزال في ضمان البائع، وذلك فيما إذا منع البائع المشتري من قبضها.
وأما إذا لم يمنعه؛ فلا تكون من ضمان البائع، بل من ضمان المشتري، ولكن لا يجوز له بيعها؛ لحديث: «نهى أن تُباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم». (٣)
ومنها: أن يبيع السلعة التي اشتراها من شخص قبل أن يتفرقا من البيع الأول.
стр. 2905
ومنها: أن يبيع المغصوب؛ فهو ليس من ضمانه ضمان الملك وإن كان من ضمانه ضمان غصب.
ومنها: أن يبيع القرض الذي في ذمة فلان لرجل آخر؛ لأنه ليس في ضمانه. وممن منع من ذلك الشعبي، والثوري، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي، وابن المنذر. وعلل بعضهم المنع بأنه من الغرر؛ فقد لا يقدر عليه، وهذا القول هو الصحيح، والتعليل بأنه لم يدخل في ضمانه أقوى.
وأجاز ذلك عطاء، والنخعي، وابن سيرين، والحسن، وأيوب، والبتي. (١)
تنبيه: إذا كان الدين دراهم؛ فلا يجوز شراؤه بدنانير في قولهم جميعًا؛ لأنه يشترط فيه التقابض. (٢)
قال ابن القيم ﵀ في «تهذيب السنن» (٥/ ١٥٣ - ): والنهي عن ربح مالم يضمن قد أشكل على بعض الفقهاء علته، وهو من محاسن الشريعة؛ فإنه لم يتم عليه استيلاء، ولم تنقطع علق البائع عنه؛ فهو يطمع في الفسخ والامتناع من الإقباض إذا رأى المشتري قد ربح فيه، وإن أقبضه إياه، فإنما يقبضه على إغماض وتأسف على فوت الربح، فنفسه متعلقة به لم ينقطع طمعها منه، وهذا معلوم بالمشاهدة، فمن كمال الشريعة ومحاسنها النهي عن الربح فيه حتى يستقر عليه، ويكون من ضمانه، فييأس البائع من الفسخ، وتنقطع علقه عنه. انتهى المراد.
стр. 2906
مسألة [٤]: قوله: «وَلا بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَك» .
جاء النهي عن ذلك أيضًا في حديث حكيم بن حزام عند أحمد (٣/ ٤٠٢)، وأبي داود (٣٥٠٣)، والنسائي (٧/ ٢٨٩) وغيرهم، فقد سأل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فقال: يأتيني الرجل يبتاع مني، وليس عندي ما أبيعه، فأبيعه، ثم أبتاعه من السوق. فقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لا تبع ما ليس عندك»، وفي إسناده: عبدالله بن عصمة، وهو مجهول الحال، ولكن الحديث يرتقي مع حديث عمرو بن شعيب الذي في الباب إلى الصحة.
واستدل البخاري على المنع من ذلك بحديث النهي عن بيع الطعام قبل قبضه، فبوَّب في «صحيحه»: [باب بيع الطعام قبل أن يقبض، وبيع ما ليس عندك]، ثم أورد حديث ابن عباس، وابن عمر ﵃ في النهي عن بيع الطعام قبل قبضه.
قال الحافظ ﵀ (٢١٣٥): لم يذكر في حديثي الباب بيع ما ليس عندك، وكأنه لم يثبت على شرطه، فاستنبطه من النهي عن البيع قبل القبض، ووجه الاستدلال منه بطريق الأولى. اهـ
قال ابن المنذر كما في «الفتح» (٢١٣٥): وبيع ما ليس عندك يحتمل معنيين: أحدهما: أن يقول: أبيعك عبدًا، أو دارًا معينة، وهي غائبة؛ فيشبه الغرر؛ لاحتمال أن تتلف، أو لا يرضاها. ثانيهما: أن يقول: هذه الدار بكذا على أن اشتريها لك من صاحبها، أو على أن يسلمها لك صاحبها.
стр. 2907
قال الحافظ: وقصة حكيم موافقة للاحتمال الثاني. اهـ
قال ابن القيم ﵀ في «تهذيب السنن» (٥/ ١٥٦ - ): وأما قوله ﷺ : «لا تبع ما ليس عندك»؛ فهو مطابقٌ لنهيه ﷺ عن بيع الغرر؛ لأنه إذا باع ما ليس عنده؛ فليس هو على ثقة من حصوله، بل قد يحصل له، وقد لا يحصل، فيكون غررًا، كبيع الآبق، والشارد، والطير في الهواء، وما تحمل ناقته، ونحوه. اهـ، ثم استدل بحديث حكيم بن حزام.
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٦/ ٢٩٦): ولا يجوز أن يبيع عينًا لا يملكها؛ ليمضي ويشتريها، ويسلمها روايةً واحدة، وهو قول الشافعي، ولا نعلم فيه مخالفًا. اهـ. ثم استدل بحديث حكيم بن حزام.
مسألة [٥]: بيع الرجل ما اغتصب منه لمن يقدر على استرجاعه .
قال ابن القيم ﵀ في «تهذيب السنن» (٥/ ١٥٨): فإن قيل: فأنتم تجوزون للمغصوب منه أن يبيع المغصوب لمن يقدر على انتزاعه من غاصبيه، وهو بيع ماليس عنده؟ قيل: لما كان البائع قادرًا على تسليمه بالبيع، والمشتري قادرًا على تسلمه من الغاصب؛ فكأنه قد باعه ما هو عنده، وصار كما لو باعه مالًا وهو عند المشتري وتحت يده، وليس عند البائع، والعندية هنا ليست عندية الحس والمشاهدة؛ فإنه يجوز أن يبيعه ما ليس تحت يده، ومشاهدته، وإنما هي عندية الحكم والتمكين، وهذا واضح، ولله الحمد. اهـ (١)
стр. 2908
مسألة [٦]: هل يدخل بيع السَّلم في بيع ما ليس عندك ؟
صورة السَّلَم: أن يقدم المال كاملًا في مجلس العقد مقابل سلعة موصوفة في الذمة إلى أجل معين.
قال ابن القيم ﵀ في «تهذيب السنن» (٥/ ١٥٧ - ١٥٨): وقد ظنَّ طائفةٌ أنَّ السَّلم مخصوص من عموم هذا الحديث؛ فإنه بيع ما ليس عنده، وليس كما ظنُّوه؛ فإنَّ الحديث إنما تناول بيع الأعيان، وأما السَّلم فعقد على ما في الذمة، بل شرطه أن يكون في الذمة، فلو أسلم في مُعَيَّنٍ عنده؛ كان فاسدًا، وما في الذمة مضمون مستقر فيها، وبيع ما ليس عنده إنما نُهي عنه؛ لكونه غير مضمون عليه، ولا ثابت في ذمته، ولا في يده، فالمبيع لابد أن يكون ثابتًا في ذمة المشتري، أو في يده، وبيع ما ليس عنده ليس بواحد منهما؛ فالحديث باقٍ على عمومه. اهـ
تنبيه: هذا الحديث: «ولا تبع ما ليس عندك» يدل على شرط من شروط البيع المتقدمة، وهو:
الشرط الخامس: أنْ يكون البيع من مالكٍ، أو ممن يقوم مقامه.
والذي يقوم مقامه هو الوكيل، أو الوصي إذا كان بعد الموت في الثلث، أو ناظر الوقف أو القاضي في حق المحجور عليه، أو ولي اليتيم، والسفيه، والمجنون والثلاثة الأولون مأذون لهم من قِبَل المالك، والباقون مأذون لهم من قِبَل الشرع.
стр. 2909
مسألة [٧]: البيع بشرط البيع، أو الصرف، أو الإجارة، أو المزارعة، أو نحو ذلك .
كأن يقول: أبيعك سيارتي بمائة ألف على أن تبيعني بيتك بثمانين ألفًا. أو يقول: أبيعك سيارتي بمائة ألف على أن تصرف لي المائة السعودي بخمسة آلاف وخمسمائة. وصرفها في السوق بأقل من ذلك، أو يقول: أبيعك سيارتي على أن تؤجرني منزلك بثلاثة آلاف في الشهر، أو على أن تزارعني على الربع.
• فجمهور العلماء يرون عدم جواز هذه الصُّوَر؛ لحديث الباب: «نهى عن بيع وسلف»، وحديث: «نهى عن بيعتين في بيعة»؛ ولأنَّ ذلك يؤدي إلى الجهالة بثمن المبيع؛ لأنه لم يبعه بذلك الثمن إلا بسبب وجود العقد الآخر، وهو قول هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية.
• وذهب مالك إلى الجواز، واختاره الشيخ ابن عثيمين؛ وذلك لأنَّ الأصل في المعاملات الحِل، وقالوا: الجمع بين العقدين جائزٌ بلا شرط، فما الذي يجعله ممنوعًا مع الشرط، وفي الحديث: «والمسلمون على شروطهم؛ إلا شرطًا أحلَّ حرامًا، أو حرَّم حلالًا».
قال أبو عبد الله غفر الله له: قول الجمهور أقرب؛ لأنَّ فيه شبهًا بالنهي عن سلف وبيع، ولا يظهر فرقٌ واضحٌ بينها، والله أعلم. (١)
стр. 2910
٧٨٦ - وَعَنْهُ ﵁، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ العُرْبَانِ. رَوَاهُ مَالِكٌ، قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ بِهِ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: حكم بيع العربان ومعناه .
فيه ست لغات: عُرْبُون، وعَرَبون، وعُرْبان، وأَرْبُون، وأَرَبُون، وأُربان.
قال ابن القاسم في «حاشيته على الروض» (٤/ ٤٠٧): سُمِّي بذلك؛ لأنَّ فيه إعرابًا بالعقد، يعني إصلاحًا، وإزالة فساد؛ لئلا يملكه غيره بشرائه. وهذا كلام ابن الأثير.
وتعريف العربان: هو أن يشتري سلعة فيدفع إلى البائع بعض المال، على أنه إن أخذ السلعة احتسب به من الثمن، وإن لم يأخذها فذلك للبائع.
• وقد اختلف أهل العلم في بيع العربان: فذهب جمهور العلماء إلى عدم الجواز، واستدلوا بحديث الباب، وقالوا: فيه غرر، وأكل أموال الناس بدون مقابل.
• وذهب أحمد في المشهور عنه، وعليه أكثر أصحابه إلى الجواز، وهو قول مجاهد، وابن سيرين، ونافع بن عبد الحارث، وجاء عن عمر بن الخطاب ﵁