← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 165

فتح العلام في دراسة أحاديث بلوغ المرام ط 4

محمد بن علي بن حزام البعداني

Полный текст (5 956 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

الأول: أن راوي الحديث نفسه -أعني: عليًّا ﵁ - قد مسح على نعليه بعد أن بال، ثمّ صلّى إمامًا، وهو أدرى بمعنى كلامه، وأعلم بحديثه ﵇، فروى الطحاوي (١/ ٥٨) من طريقين عن شعبة عن سلمة بن كُهَيْل عن أبي ظَبْيَانَ: أنه رأى عليًّا بال قائمًا، ثمَّ دعا بماء فتوضأ، ومسح على نعليه، ثم دخل المسجد، فخلع نعليه ثمّ صلّى. وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين. قال: وأخرجه البيهقي (١/ ٢٨٧) من طريق سفيان، عن سلمة بن كهيل، به، نحوه، وفيه أنه صلى الظهر. ثم أخرجه البيهقي من طريق الأعمش، عن أبي ظبيان، عن علي .... فذكره مطولًا. قال: الثاني: أنه ثبت المسح على النعلين مرفوعًا في غير ما حديث. قال أبو عبد الله غفر الله لهُ: يشير الإمام الألباني ﵀ إلى حديث المغيرة بن شعبة الذي تقدم في مسألة الجوارب، وتقدم أنه معل، وكذا حديث أوس بن أبي أوس الثقفي، أخرجه أبو داود (١٦٠)، وفي إسناده: عطاء العامري، وهو مجهول، وأشار إلى حديث ابن عباس ﵄ عند البيهقي (١/ ٢٨٦)، وهو معل كما في «نصب الراية» (١/ ١٨٨)؛ فقد رواه البيهقي (١/ ٢٨٦) من طريق رواد بن الجراح، عن الثوري، بإسناده عن ابن عباس بلفظ: «توضأ مرة مرة، ومسح على نعليه» وخالفه الثقات من أصحاب الثوري؛ فرووه عن سفيان الثوري بلفظ: «توضأ مرة مرة» بدون الزيادة؛ فالزيادة شاذة، والله أعلم. وكذا حديث ابن عمر ﵄ المتقدم، وهو معل أيضًا كما تقدم.

стр. 282

قال ﵀: الثالث: أننا لا نعلم وضوءًا تصح به النافلة دون الفريضة؛ فتأمل.! الثاني: معنى (مسح على نعليه)، أي: غسل رجليه في النعل، وهذا تأويل البيهقي. الثالث: أنه مسح على النعلين مع الجوربين، فكان مسحه على الجوارب فرضًا، وعلى النعلين نفلًا، وهذا تأويل الطحاوي. الرابع: أنَّ المسح المقصود به الغسل الخفيف، وهو الرش، وقد جاء في حديث علي ﵁ ما يدل على ذلك، ففي «سنن النسائي» (١/ ٨٥) بإسناد صحيح أنَّ عليًّا ﵁ أخذ كفًّا من ماء، فمسح به وجهه، وذراعيه، ورجليه. وفي «مسند أحمد» (٦٢٥) بإسناد حسن: ثم أخذ بكفيه من الماء، فصكَّ بها على قدميه، وفيهما النعل، ثم قلبها بها، ثم على الرجل الأخرى مثل ذلك. وهذا التوجيه أشار إليه ابن القيم ﵀ في «تهذيب السنن» (١/ ٩٦)، وشيخ الإسلام كما في «الاختيارات» (ص ١٤)، وهو من أقوى التوجيهات، والصحيح قول الجمهور، والله أعلم. تنبيه: النعل ما كان تحت الكعبين، وما كان فوقهما يسمى خُفًّا، والنعل الذي يمسح عليه قيده شيخ الإسلام ﵀ بما إذا كان ثابتًا في القدم، ويشق نزعه إلا بيد أو رجل. «الاختيارات الفقهية» (ص ١٣). (١)

стр. 283

٦٠ - وَعَنْ عُمَرَ، -مَوْقُوفًا- وَعَنْ أَنَسٍ -مَرْفُوعًا-: «إذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ وَلَبِسَ خُفَّيْهِ فَلْيَمْسَحْ عَلَيْهِمَا وَلْيُصَلِّ فِيهِمَا، وَلَا يَخْلَعْهُمَا إنْ شَاءَ إلَّا مِنَ جَنَابَةٍ». أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَالحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث تقدمت مباحث هذا الحديث تحت الأحاديث المتقدمة، وقوله: «وَلَا يَخْلَعْهُمَا إنْ شَاءَ» مقيد بأحاديث التوقيت كما تقدم. ٦١ - وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهُ رَخَّصَ لِلْمُسَافِرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ، وَلِلْمُقِيمِ يَوْمًا وَلَيْلَةً، إذَا تَطَهَّرَ فَلَبِسَ خُفَّيْهِ: أَنْ يَمْسَحَ عَلَيْهِمَا. أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ. (٢) ٦٢ - وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ عِمَارَةَ ﵁، أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَمْسَحُ عَلَى الخُفَّيْنِ؟ قَالَ: «نَعَمْ» قَالَ: يَوْمًا؟ قَالَ: «نَعَمْ» قَالَ: وَيَوْمَيْنِ؟ قَالَ: «نَعَمْ» قَالَ: وَثَلَاثَةً؟ قَالَ: «نَعَمْ، وَمَا شِئْت». أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد، وَقَالَ: لَيْسَ بِالقَوِيِّ. (٣) تقدمت مباحث هذين الحديثين تحت الأحاديث المتقدمة.

стр. 284

بَابُ نَوَاقِضِ الوُضُوءِ ٦٣ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَى عَهْدِهِ يَنْتَظِرُونَ العِشَاءَ حَتَّى تَخْفِقَ (١) رُءُوسُهُمْ، ثُمَّ يُصَلُّونَ وَلَا يَتَوَضَّئُونَ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد، وَصَحَّحَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ (٢)، وَأَصْلُهُ فِي مُسْلِمٍ. (٣) النواقض: جمع ناقض، والنقض في الأجسام: إبطال تركيبها، وفي المعاني: إخراجها عن إفادة ما هو المطلوب منها. فنواقض الوضوء: هي عللٌ تؤثر في إخراج الوضوء عمَّا هو المطلوب منه. (٤) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: هل النوم ناقضٌ من نواقض الوضوء ؟ • اختلف الناس في هذه المسألة على ثمانية مذاهب ذكرها النووي ﵀ في «شرح مسلم» رقم (٣٧٦): الأَوَّل: أَنَّ النَّوْم لَا يَنْقُض الْوُضُوء عَلَى أَيّ حَال كَانَ، وَهَذَا مَحْكِيّ عَنْ أَبَى مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، وَسَعِيد بْن الْمُسَيِّب، وَأَبِي مِجْلَز، وَحُمَيْد الْأَعْرَج، وَشُعْبَة.

стр. 285

قلتُ: وأثر أبي موسى ثابتٌ عنه كما في «الأوسط» لابن المنذر (١/ ١٥٤)، وابن أبي شيبة (١/ ١٣٣)، وإسناد ابن المنذر صحيح، وإسناد ابن أبي شيبة ضعيف، واستدلوا برواية مسلم التي في الباب: ينامون، ثم يصلون، ولا يتوضؤون. الثَّانِي: أَنَّ النَّوْم يَنْقُض الْوُضُوء بِكُلِّ حَال، وَهُوَ مَذْهَب الْحَسَن الْبَصْرِيّ، وَالْمُزَنِيّ، وَأَبِي عُبَيْد الْقَاسِم بْن سَلَّام، وَإِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ، وَهُوَ قَوْل غَرِيب لِلشَّافِعِيِّ. قال ابن المنذر ﵀: وَبِهِ أَقُول. قَالَ: وَرُوِيَ مَعْنَاهُ عَنْ اِبْن عَبَّاس، وَأَنَس، وَأَبِي هُرَيْرَة ﵃. قلتُ: أثر ابن عباس ﵁، إسناده ضعيف كما في الأوسط (١/ ١٤٤)، في إسناده يزيد بن أبي زياد الهاشمي، وهو ضعيف، وأثر أبي هريرة ﵁، لفظه: «من استحق نومًا فقد وجب عليه الوضوء»، وإسناده صحيح. أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ١٣٣)، والبيهقي (١/ ١٩) إلا أنه بين مراده من طريق أخرى كما في سنن البيهقي (١/ ١٢٢) أن استحقاق النوم بالاضطجاع. وإسناده صحيح، وإثر أنس ﵁، أخرجه ابن المنذر (١/ ١٤٥) بإسناد صحيح. واستدل أهل هذا القول بحديث صفوان بن عسال الذي تقدم في [باب المسح على الخفين]، وفيه: «إلا من غائط، وبول، ونوم»، فذكر في هذا الحديث الأحداث التي يُنْزَع منها

стр. 286

الخف، وهي: الجنابة، والأحداث التي لا يُنْزَع منها الخف، وهي: الغائط، والبول، والنوم، فأشعر ذلك بأنه من نواقض الوضوء؛ لاسيما بعد جعله مقترنًا بالبول، والغائط، الَّذَيْنِ هما ناقضان بالإجماع، واستدل ابن المنذر على هذا القول أيضًا بحديث: «إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ، فَلْيَغْسِلْ يَدَهُ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهَا فِي وَضُوئِهِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ»، واستدل بالقياس على الإغماء، والجنون. الثَّالِث: أَنَّ كَثِير النَّوْم يَنْقُض بِكُلِّ حَال، وَقَلِيله لَا يَنْقُض بِحَالٍ، وَهَذَا مَذْهَب الزُّهْرِيّ، وَرَبِيعَة، وَالْأَوْزَاعِيّ، وَمَالِك، وَأَحْمَد فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ. وهؤلاء أرادوا الجمع بين الأحاديث السابقة. الرَّابِع: أَنَّهُ إِذَا نَامَ عَلَى هَيْئَة مِنْ هَيْئَات الْمُصَلِّينَ كَالرَّاكِعِ وَالسَّاجِد وَالْقَائِم وَالْقَاعِد لَا يُنْتَقَض وُضُوءُهُ سَوَاء كَانَ فِي الصَّلَاة أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَإِنْ نَامَ مُضْطَجِعًا أَوْ مُسْتَلْقِيًا عَلَى قَفَاهُ اِنْتَقَضَ. وَهَذَا مَذْهَب أَبِي حَنِيفَة، وَدَاوُد وَهُوَ قَوْل لِلشَّافِعِيِّ غَرِيب. ويُسْتَدَلُّ لهؤلاء بحديث: «إِنَّمَا الوُضُوءُ عَلَى مَنْ نَامَ مُضْطَجِعًا»، ولكنه حديث ضعيفٌ، وسيأتي إن شاء الله، ونبين هنالك سبب ضعفه. الْخَامِس: أَنَّهُ لَا يَنْقُض إِلَّا نَوْم الرَّاكِع وَالسَّاجِد، رُوِيَ هَذَا عَنْ أَحْمَد بْن حَنْبَل -رحمه الله تعالى-. السَّادِس: أَنَّهُ لَا يَنْقُض إِلَّا نَوْم السَّاجِد، وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ أَحْمَد أيضًا. السَّابِع: أَنَّهُ لَا يَنْقُض النَّوْم فِي الصَّلَاة بِكُلِّ حَال، وَيَنْقُض خَارِج الصَّلَاة، وَهُوَ قَوْل ضَعِيف لِلشَّافِعِيِّ -رحمه الله تعالى-.

стр. 287

الثَّامِن: أَنَّهُ إِذَا نَامَ جَالِسًا مُمَكِّنًا مَقْعَدَته مِنْ الْأَرْض لم يُنْتَقَض، وَإِلَّا اُنْتُقِضَ سَوَاء قَلَّ أَوْ كَثُرَ، سَوَاء كَانَ فِي الصَّلَاة أَوْ خَارِجهَا، وَهَذَا مَذْهَب الشَّافِعِيّ، وَعِنْده أَنَّ النَّوْم لَيْسَ حَدَثًا فِي نَفْسه وَإِنَّمَا هُوَ دَلِيل عَلَى خُرُوج الرِّيح، فَإِذَا نَامَ غَيْر مُمَكِّن الْمَقْعَدَة غَلَبَ عَلَى الظَّنّ خُرُوج الرِّيح فَجَعَلَ الشَّرْع هَذَا الْغَالِب كَالْمُحَقَّقِ، وَأَمَّا إِذَا كَانَ مُمَكِّنًا فَلَا يَغْلِب عَلَى الظَّنّ الْخُرُوج وَالْأَصْل بَقَاء الطَّهَارَة. قال أبو عبد الله غفر الله لهُ: جاء في «الصحيحين» عن عائشة ﵂، أنها قالت للنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: يا رسول الله، أتنام قبل أن توتر؟ قال: «يَا عَائِشَةُ، إِنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَان، وَلَا يَنَامُ قَلْبِي»، فدلَّ هذا الحديث على أنَّ النوم ليس حدثًا بذاته (١)، ولكنه مظنةٌ للحدث. ولمَّا كان النوم مَظَنَّةً للحدث أوجب الشارع فيه الوضوء كما في حديث صفوان بن عسال، وهو الذي كان مفهومًا عند عائشة؛ ولذلك سألت النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-؛ ولذلك فإنَّ النوم يعتبر ناقضًا للوضوء، كما ذهب إليه أهل القول الثاني. وهذا ترجيح ابن حزم في «المحلَّى» (١٥٨)، والإمام الألباني في «تمام المنة» (ص ١٠٠ - ١٠١). وهو الراجح فيما يظهر لي، والله أعلم. وأما حديث أنس الذي في الباب؛ فإنه قد جاء بألفاظ، بلفظ: «تخفق

стр. 288

رؤوسهم»، وبلفظ: «ينامون، ثم يصلون، ولا يتوضؤون». أخرجه أحمد في «مسائل أبي داود» (ص ٤٣٩)، حدثنا ابن المثنى، ثنا عبد الأعلى، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس، قال: كان أصحاب النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يضعون جنوبهم، فينامون، فمنهم من يتوضأ، ومنهم من لا يتوضأ. وهذا اللفظ إسناده صحيح على شرط الشيخين. فتبين من هذه الروايات أنَّ بعضهم نام، وبعضهم نعس، فالذي نام توضأ، والذي لم ينم لم يتوضأ، وذلك لأن قوله (تخفق) معناه: تحرك الرأس عند النعاس كما في «المختار»، وغيره. وأما من قيد النوم الناقض بما إذا لم يكن متمكنًا من مقعدته، أو كونه راكعًا، أو ساجدًا؛ لأنه في حالة التمكن من مقعدته، أو لم يكن راكعًا، أو ساجدًا، فالمظنة عدم الحدث، ولا يخرج عن يقين طهارته بشك. فيجاب عليهم: بأنَّ المظنة المذكورة قد عارضتها مظنة الحدث من النائم، والشارع اعتبر المظنة الثانية، فأوجب الوضوء من النوم كما في حديث صفوان، وعمم الحكم بين القاعد، والراكع، والساجد، وغيرهم، ولم يخصَّ أحدًا عن الآخر، وألغى المظنة التي ذكروها، فوجب إعمال ما أعمله الشارع، وإلغاء ما ألغاه. (١)

стр. 289

فائدة: قال الإمام الألباني ﵀ في «تمام المنة» (ص ١٠١): قال الخطابي في «غريب الحديث» (ق ٣٢/ ٢): وحقيقة النوم هو الغشية الثقيلة التي تهجم على القلب، فتقطعه عن معرفة الأحوال الظاهرة، والناعس هو الذي رَهَقَهُ ثِقَلٌ، فقطعه عن معرفة الأحوال الباطنة، وبمعرفة هذه الحقيقة من الفرق بين النوم، والنعاس تزول إشكالات كثيرة، ويتأكد القول بأن النوم ناقض مطلقًا. مسألة [٢]: الجنون والإغماء . قال النووي ﵀ في «شرح مسلم» (٣٧٦): وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ زَوَال الْعَقْل بِالْجُنُونِ، وَالْإِغْمَاء، وَالسُّكْر بِالْخَمْرِ، أَوْ النَّبِيذ، أَوْ الْبَنْج، أَوْ الدَّوَاء، يَنْقُضُ الْوُضُوء، سَوَاء قَلَّ أَوْ كَثُرَ، سَوَاء كَانَ مُمَكِّن الْمَقْعَدَة، أَوْ غَيْر مُمَكِّنهَا. وقال ابن المنذر ﵀ في «الأوسط» (١/ ١٥٥): وأجمعوا على إيجاب الطهارة على من زال عقله بجنون، أو إغماء. اهـ قال أبو عبد الله غفر الله لهُ: وذلك لأنَّ زوال العقل بالأمور المذكورة أشد من زواله بالنوم، وقد ثبت في «الصحيحين» أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يغمى عليه في مرض موته، ثم يغتسل. والغسل على سبيل الاستحباب لا الوجوب كما سيأتي بيانه في [باب الغسل] إن شاء الله تعالى، والواجب هو الوضوء.

стр. 290

٦٤ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: جَاءَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ إلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنِّي امْرَأَةٌ أُسْتَحَاضُ فَلَا أَطْهُرُ، أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ؟ قَالَ: «لَا إنَّمَا ذَلِكِ عِرْقٌ، وَلَيْسَ بِحَيْضٍ: فَإِذَا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُك فَدَعِي الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْك الدَّمَ ثُمَّ صَلِّي». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١) وَلِلْبُخَارِيِّ: «ثُمَّ تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ» وَأَشَارَ مُسْلِمٌ إلَى أَنَّهُ حَذَفَهَا عَمْدًا. (٢)

стр. 291

المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: حكم الوضوء للمستحاضة . • ذهب جمهور أهل العلم إلى وجوب الوضوء على المستحاضة لكل صلاة، واستدلوا بحديث عائشة ﵂ الذي في هذا الباب بالزيادة التي عند البخاري.

стр. 292

واستدلوا بحديث عدي بن ثابت، عن أبيه، عن جده عند أبي داود (٢٩٧)، وفيه الأمر بالوضوء لكل صلاة. ولكنه حديثٌ شديدُ الضعف؛ في إسناده: عثمان بن عمير، أبو اليقظان، شديد الضعف، وشريك القاضي، وهو ضعيف. وجاء عن جابر عند الطبراني في «الأوسط»، وفي إسناده: أبو يوسف صاحب أبي حنيفة، وهو ضعيفٌ، بل أشد، وابن عقيل، والرَّاجح ضعفه. وجاء عن سودة عند الطبراني في «الأوسط»، وفي إسناده: جعفر، رجلٌ لا يعرف، وشيخ الطبراني مورع بن عبد الله لم توجد له ترجمة. (١) وبهذا القول يفتي الإمام ابن باز، والإمام العثيمين رحمة الله عليهما، وللعثيمين قول آخر باستحباب الوضوء، لا وجوبه كما في الشرح الممتع. • وذهب عكرمة، وربيعة، ومالك، وابن المنذر إلى أن عليها الغسل عند انقضاء حيضها، وليس عليها للاستحاضة وضوء؛ لأن ظاهر حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة في قصة فاطمة بنت أبي حبيش الغسل فقط؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال لها: «فاغتسلي، وصلي»، ولم يذكر الوضوءَ لكل صلاة، والأحاديث التي فيها الأمر بالوضوء لكل صلاة ضعيفة، لا يثبت منها شيءٌ. وقال بهذا القول شيخ الإسلام كما في «الاختيارات» (ص ١٥)، والشوكاني.

стр. 293

قال أبو عبد الله غفر الله لهُ: هذا القول أصح، والعمل بالقول الأول أحوط، وبالله التوفيق. تنبيه: معنى (تتوضأ لكل صلاة)، أي: أنها لا تتوضأ للصلاة المؤقتة إلا بعد دخول وقتها، أما إذا كانت الصلاة غير مؤقتة؛ فإنها تتوضأ عند إرادة فعلها. (١) مسألة [٢]: خروج دم الحيض، والنفاس . أجمع العلماء على أن خروج دم الحيض والنفاس يعتبر ناقِضًا للوضوء، بل من موجبات الغسل. ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٢٢]، وحديث الباب: «وإذا ذهب قدرها -يعني الحيضة- فاغسلي عنك الدم، وصلِّي». (٢) مسألة [٣]: صاحب سلس البول . الخلاف فيه كالخلاف في المستحاضة. والراجح في هذه المسألة: أنه يتوضأ لكل صلاة؛ لأنَّ خروج البول ناقض للوضوء، وإنما عفي عنه للحاجة، وهذا ترجيح الإمام ابن باز، والإمام العثيمين.

стр. 294

وقد جاء عن زيد بن ثابت ﵁ بإسناد صحيح عند عبد الرزاق (١/ ١٥١)، والبيهقي (١/ ٣٥٧): أنه أصيب بسلس البول؛ فكان يتوضأ ثم يصلي، وهو يخرج منه. وقال بذلك أيضًا يحيى بن أبي كثير، والأوزاعي كما في «الأوسط». (١) قلتُ: ومثل ذلك من عنده سلس في خروج الريح. وأفتى بذلك الإمام العثيمين ﵀ كما في «مجموع فتاواه» (١١/ ١٩٧)، والإمام ابن باز ﵀ كما في «مجموع فتاواه» (١٠/ ١٢٠ - ). (٢)

стр. 295

٦٥ - وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: كُنْت رَجُلًا مَذَّاءً فَأَمَرْت المِقْدَادَ (١) أَنْ يَسْأَلَ النَّبِيَّ ﷺ ، فَسَأَلَهُ: فَقَالَ: «فِيهِ الوُضُوءُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. (٢) المذي: بفتح الميم، وإسكان الذال، وبفتح الميم مع كسر الذال، وتشديد الياء، وبكسر الذال مع تخفيف الياء، والأُولَيان مشهورتان، أولاهما أفصح، وأشهر. والمذي: ماءٌ، رقيقٌ، أبيض، لزجٌ، يخرج عند الشهوة، بلا تدفق، ولا يعقبه فتورٌ. المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: المذي ناقضٌ من نواقض الوضوء . دلَّ حديث علي المذكور في الباب أنَّ المذي يعتبر ناقضًا من نواقض الوضوء. قال ابن المنذر ﵀ في «الأوسط» (١/ ١٣٤): وقد روينا عن (عمر بن الخطاب، وعن عبدالله بن عباس، وعن عبد الله بن عمر) (٣)، وجماعة من التابعين، أنهم أوجبوا الوضوء من المذي، وبه قال مالك بن أنس، وأهل المدينة، والأوزاعي، وأهل الشام، وسفيان الثوري، وأهل العراق، وكذلك قال الشافعي،

стр. 296

وأصحابه، ولستُ أعلم في وجوب الوضوء منه اختلافًا بين أهل العلم. انتهى. وقال ابن عبد البر ﵀ في «الاستذكار» (٣/ ٢١ - ٢٢): وكلهم يوجب الوضوء منه، وهي سنة مجمعٌ عليها، لا خلاف -والحمد لله- فيها. اهـ فائدة: قال الحافظ ﵀ في «الفتح»: وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ ﷺ : «تَوَضَّأْ» عَلَى أَنَّ الْغُسْلَ لَا يَجِبُ بِخُرُوج الْمَذْي، وَصَرَّحَ بِذَلِكَ فِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ، وَهُوَ إِجْمَاع، وَعَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِالْوُضُوءِ مِنْهُ كَالْأَمْرِ بِالْوُضُوءِ مِنْ الْبَوْلِ كَمَا تَقَدَّمَ اِسْتِدْلَال الْمُصَنِّفِ بِهِ فِي [بَاب مَنْ لَمْ يَرَ الْوُضُوء إِلَّا مِنْ الْمَخْرَجَيْنِ]، وَحَكَى الطَّحَاوِيّ عَنْ قَوْمٍ أَنَّهُمْ قَالُوا بِوُجُوبِ الْوُضُوءِ بِمُجَرَّدِ خُرُوجِهِ، ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِمْ بِمَا رَوَاهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي لَيْلَى، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: سُئِلَ النَّبِيّ ﷺ عَنْ الْمَذْيِ، فَقَالَ: «فِيهِ الْوُضُوء وَفِي الْمَنِيِّ الْغُسْل» (١)، فَعُرِفَ بِهَذَا أَنَّ حُكْمَ الْمَذْيِ حُكْمُ الْبَوْل، وَغَيْره مِنْ نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ، لَا أَنَّهُ يُوجِبُ الْوُضُوءَ بِمُجَرَّدِهِ. انتهى. مسألة [٢]: هل يجب غسل الذكر والأُنثَيين مع الوضوء ؟ جاءت رواية في «الصحيحين» في حديث علي أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «توضأ، واغسل ذكرك»، وجاء في «سنن أبي داود» (٢١١) من حديث عبد الله بن سعد الأنصاري، وهو في «الصحيح المسند»، أنه سأل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عن المذي، فقال: «تغسل من ذلك فرجك، وأُنْثَيَيْكَ، وتوضأُ وضوءك للصلاة». • فمن هذه الأحاديث ذهب الأوزاعي، وبعض الحنفية، وبعض المالكية،

стр. 297

وبعض الحنابلة إلى وجوب غسل الذكر، والأُنثيين على الممذي. • وذهب أكثر أهل العلم، وجمهورهم إلى أنه لا يجب أكثر من الاستنجاء، والوضوء؛ لأنه قد جاء في رواية الإسماعيلي في حديث علي، فقال: «توضأ، واغسله»، فأعاد الضمير على المذي، وهو محتمل. واستدلوا بحديث سهل بن حنيف عند أبي داود (٢١٠) وغيره، وإسناده حسنٌ، قال: كنت ألقى من المذي شِدَّةً، وعناءً، فكنت أكثر منه الاغتسال، فذكرت ذلك لرسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فقال: «إنما يجزئك من ذلك الوضوءُ»، فدَلَّ هذا الحديث على أنَّ الواجب منه هو الوضوء فقط، والمقام مقام تعليم، واستفتاء، ولا يؤخر البيان عن وقت الحاجة، فلو كان يجب عليه غسل ذكره، وأُنْثَيَيْهِ لبين ذلك النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وهذا القول هو الراجح، وهو ترجيح ابن حزم، والحافظ ابن حجر، والشوكاني، وغيرهم، والله أعلم. (١) مسألة [٣]: نجاسة المذي . أَمْرُ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بغسل الذَّكَرِ منه، وبنضح الثوب منه كما تقدم يدل على نجاسته، وقد نُقِلَ على ذلك الإجماع، نقله النووي في «شرح المهذب» (٢/ ٥٥٢)، والشوكاني في «النيل» (١/ ٩٥). والواقع أنه قد خالف بعض الحنابلة فقالوا بطهارته، ونقل روايةً عن أحمد كما في «فتح الباري» لابن رجب (٢٦٩)، والصحيح أنه نجس، والله أعلم.

стр. 298

فَصْلٌ فِي ذِكْرِ بَعْضِ المَسَائِلِ المُلْحَقَةِ مسألة [١]: المذي إذا أصاب الثوب . جاء في حديث سهل بن حنيف المتقدم، فقلت: يا رسول الله، فكيف بما يصيب ثوبي منه؟ قال: «يكفيك أن تأخذَ كفًّا من ماء، فتنضح به ثوبك حيث ترى أنه قد أصاب منه». قال الترمذي ﵀ في «سننه» (١١٥) عَقِبَ هذا الحديث: واختلف أهل العلم في المذي يصيب الثوب، فقال بعضهم: لا يجزئ إلا الغسل، وهو قول الشافعي، وإسحاق، وقال بعضهم: يجزئه النضح، قال أحمد: أرجو أن يجزئه النضح. اهـ وقول الشافعي هو قول الجمهور كما في «شرح المهذب» (٢/ ٥٥٢). قلتُ: والراجح قول أحمد؛ لدلالة الحديث عليه، قال الشوكاني في «النيل» رقم (٣٨): ولم يعارض رواية النضح المذكورة في الباب معارضٌ، فالاكتفاء به صحيح مُجْزٍ. (١) مسألة [٢]: الودي . قال ابن المنذر ﵀ في «الأوسط» (١/ ١٣٦): وأما الودي، فهو شيء يخرج من الذكر على أثر البول، والوضوء يجب بخروج البول، وليس يوجب بخروجه شيئًا إلا الوضوء الذي وجب بخروج البول. انتهى. وقال الشيرازي ﵀ في «المهذب»: وأما الودي فنجسٌ؛ لأنه خارج من سبيل الحدث، ولأنه يخرج مع البول، فكان حُكْمُهُ حكمه. اهـ

стр. 299

وقال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٢/ ٥٥٢): أجمعت الأمة على نجاسة المذي، والودي. انتهى. ٦٦ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَبَّلَ بَعْضَ نِسَائِهِ، ثُمَّ خَرَجَ إلَى الصَّلَاةِ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ. أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَضَعَّفَهُ البُخَارِيُّ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: تقبيل المرأة ولمسها . • ذكر النووي ﵀ في «شرح المهذب» في هذه المسألة أقوالًا: القول الأول: ينتقض الوضوء بلمس المرأة، سواء كان بشهوة، أو بغير شهوة، قال النووي: هذا مذهبنا، وبهذا قال عمر بن الخطاب (٢)، وعبد الله بن مسعود،

стр. 300

وعبد الله بن عمر (١)، وزيد بن أسلم، ومكحول، والشعبي، والنخعي، وعطاء بن السائب، والزهرى، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وربيعة، وسعيد بن عبد العزيز، ورواية عن الأوزاعي. واستدل هؤلاء بقوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء:٤٣] الآية، وقول الثلاثة الصحابة صحيحٌ عنهم. القول الثاني: لا ينتقض الوضوء باللمس مطلقا، وهو مروى عن ابن عباس وهو صحيح عنه، وعطاء، وطاوس، ومسروق، والحسن، وسفيان الثوري. واستدل هؤلاء بحديث الباب، وهو ضعيفٌ كما تقدم، واستدلوا بحديث عائشة ﵂ في «صحيح مسلم» (٤٨٦): أنها افتقدت النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بالليل، فتحسست، فوقعت يدها على بطن قدميه. وحديثها في «الصحيحين» (٢): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يصلي وهي مضطجعة في قبلته، فإذا سجد غمز رجلها، فقبضتها .... الحديثَ. وأجاب هؤلاء عن الآية: بأنَّ المراد بقوله: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ هو الجماع، وقالوا بهذا، وإن كانت الملامسة في اللغة تطلق على أعم من ذلك؛ لوجود قرائن

стр. 301

تدل على ذلك، وهذه القرائن هي الأحاديث التي تقدم ذكرها، وقد فسَّر الملامسة في الآية بأنها الجماع حبرُ الأمة، وترجمان القرآن: عبدُ الله بن عباس ﵄. القول الثالث: إن لمس، أو قبَّل بشهوة انتقض، وإلا فلا، وهو مَرْوِيٌّ عن الحكم، وحماد، ومالك، والليث، وإسحاق، ورواية عن الثوري، وأحمد. وهؤلاء جمعوا بين الأدلة المتقدمة بهذا. القول الرابع: إن لمس عمدًا انتقض، وإلا فلا، وهو قول داود الظاهري. القول الخامس: إن لمس من تحل له، لم ينتقض، وإن لمس من لا تحل له انتقض، ذكره ابن المنذر، عن عطاء، وأنكر صحته عنه النووي. هذه أشهر الأقوال في المسألة. والقول الثاني هو الراجح، وهو رواية عن أحمد، وهو ترجيح ابن جرير، وابن المنذر، وابن كثير، والشوكاني، والصنعاني، والألباني، وابن عثيمين، والوادعي، وغيرهم، رحمة الله عليهم أجمعين. وفي الآية ما يدل على أنه أراد بالملامسة الجماع. قال الإمام ابن عثيمين ﵀: وبيانه أنَّ الله تعالى قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة:٦]، فهذه طهارة بالماء، أصلية، صغرى.

стр. 302

ثم قال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾، فهذه طهارة بالماء أصلية كبرى. ثم قال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾، فقوله: ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾ هذا البدل، وقوله: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ هذا بيان سبب الصغرى. وقوله: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾، هذا بيان سبب الكبرى، ولو حملناه على المس الذي هو الجس باليد؛ لكانت الآية الكريمة ذكر الله فيها سببين للطهارة الصغرى، وسكت عن سبب الطهارة الكبرى، مع أنه قال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾، وهذا خلاف البلاغة القرآنية. وعليه فتكون الآية دالة على أن المراد بقوله: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾، أي: جامعتم؛ ليكون الله ذكر السببين الموجبين للطهارة: السبب الأكبر، والسبب الأصغر، والطهارتين الصغرى في الأعضاء الأربعة، والكبرى في جميع البدن، والبدل الذي هو طهارة التيمم في عضوين فقط؛ لأنه يتساوى فيها الطهارة الكبرى، والصغرى. فالراجح أنَّ مسَّ المرأة لا ينقض الوضوء إلا إذا خرج منه شيء. انتهى. وقد سبق إلى هذا الاستنباط من الآية ابن المنذر في «الأوسط» (١/ ١٢٨). (١)

стр. 303

فائدة: قال ابن المنذر ﵀ في «الأوسط» (١/ ١٣٠): وقد أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن لا وضوء على الرجل إذا قبَّل أمَّهُ، أو ابنته، أو أخته، إكرامًا لهن، وبرًّا عند قدومٍ من سفرٍ، أو مسَّ بعض بدنه بعض بدنها عند مناولة شيء إنْ ناولها، إلا ما ذُكِرَ من أحد قولي الشافعي، ولستُ أدري أيثبت ذلك عن الشافعي، أم لا؟. انتهى. بتصرف.

стр. 304

٦٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ فِي بَطْنِهِ شَيْئًا، فَأَشْكَلَ عَلَيْهِ: أَخَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ، أَمْ لَا؟ فَلَا يَخْرُجَنَّ مِنَ المَسْجِدِ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: اليقين لا يزول بالشك . قال النووي ﵀ في «شرح مسلم» (٤/ ٢٨٩): وَهَذَا الْحَدِيث أَصْل مِنْ أُصُول الْإِسْلَام، وَقَاعِدَة عَظِيمَة مِنْ قَوَاعِد الْفِقْه، وَهِيَ أَنَّ الْأَشْيَاء يُحْكَم بِبَقَائِهَا عَلَى أُصُولهَا حَتَّى يُتَيَقَّن خِلَاف ذَلِكَ، وَلَا يَضُرّ الشَّكّ الطَّارِئ عَلَيْهَا. فَمِنْ ذَلِكَ: مَسْأَلَة الْبَاب الَّتِي وَرَدَ فِيهَا الْحَدِيث، وَهِيَ أَنَّ مَنْ تَيَقَّنَ الطَّهَارَة وَشَكَّ فِي الْحَدَث، حُكِمَ بِبَقَائِهِ عَلَى الطَّهَارَة، وَلَا فَرْق بَيْن حُصُول هَذَا الشَّكّ فِي نَفْس الصَّلَاة، وَحُصُوله خَارِج الصَّلَاة، هَذَا مَذْهَبنَا، وَمَذْهَب جَمَاهِير الْعُلَمَاء مِنْ السَّلَف وَالْخَلَف. وَحُكِيَ عَنْ مَالِك -رحمه الله تعالى- رِوَايَتَانِ، إِحْدَاهُمَا: أَنَّهُ يَلْزَمهُ الْوُضُوء إِنْ كَانَ شَكُّهُ خَارِج الصَّلَاة، وَلَا يَلْزَمُهُ إِنْ كَانَ فِي الصَّلَاة، وَالثَّانِيَة: يَلْزَمُهُ بِكُلِّ حَالٍ. وَحُكِيَتْ الرِّوَايَة الْأُولَى عَنْ الْحَسَن الْبَصْرِيّ، وَهُوَ وَجْه شَاذٌّ مَحْكِيٌّ عَنْ بَعْض أَصْحَابنَا، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ. انتهى.

стр. 305

وقال ﵀ (٤/ ٢٩٠): وأما إذا تيقن الحدث، وشك في الطهارة؛ فإنه يلزمه الوضوء بإجماع المسلمين. اهـ مسألة [٢]: الرِّيح من نواقض الوضوء، وكذا البول، والغائط . دلَّ حديث الباب على انتقاض الوضوء بالفساء، والضراط، ويلتحق به البول، والغائط؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ»، متفقٌ عليه (١) عن أبي هريرة ﵁. وقد سئل أبو هريرة ﵁ كما في «البخاري» (١٣٥) عن الحدث، فقال: فساءٌ، أو ضراطٌ. قال أهل العلم: المراد بالحدث الخارج من أحد السبيلين، وإنما فسَّرَهُ أبو هريرة بأخص من ذلك، تنبيهًا بالأخف على الأغلظ، ولأنهما قد تقعان في الصلاة أكثر من غيرهما. (٢) قلتُ: ويدل على أنَّ الغائط، والبول من النواقض الآية: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾، وحديث صفوان في المسح: «ولكن من غائط، وبول، ونوم». قال ابن المنذر ﵀ في «الأوسط» (١/ ١٣٧): وأجمع أهل العلم على أن خروج الريح من الدبر حدثٌ ينقض الوضوء. وقال أيضًا كما في «المغني»: (١/ ٢٣٠): أجمع أهل العلم على أنَّ خروج الغائط من الدبر، وخروج البول من ذَكَرِ الرَّجُلِ، وَقُبُلِ المرأةِ، وخروج المذي،

стр. 306

وخروج الريح من الدبر أحداث ينقض كل واحد منها الطهارة، ويوجب الوضوء. اهـ. (١) مسألة [٣]: وجود البلة في رأس الذكر عقب الاستنجاء والوضوء . أخرج عبد الرزاق في «المصنف» (١/ ١٥١) عن الثوري، عن الأعمش، عن سعيد بن جبير وغيره، عن ابن عباس قال: شكا إليه رجل فقال: إني أكون في الصلاة فيخيل إلي أن بذكري بللا. قال: قاتل الله الشيطان إنه يمس ذكر الإنسان في صلاته ليريه أنه قد أحدث، فإذا توضأت فانضح فرجك بالماء، فإن وجدت قلت: هو من الماء. ففعل الرجل ذلك فذهب. وهذا إسنادٌ صحيحٌ، رجاله ثقات. وأخرج أيضًا (١/ ١٥٣) عن الثوري، عن الحسن بن عبيد الله النخعي، عن أبي الضحى قال: رأيت ابن عمر توضأ، ثم نضح حتى رأيت البلل من خلفه في ثيابه. وعن ابن عيينة، عن الحسن بن عبيد الله قال: سمعت مسلم بن صبيح يقول: رأيت ابن عمر توضأ، ثم أخذ غرفة من ماء فصبها بين إزاره وبطنه على فرجه. إسناده صحيح، رجاله ثقات. وعن معمر، عن أيوب، عن حميد بن هلال، أن حذيفة بن اليمان قال: إذا توضأت، ثم خرج مني شيء بعد ذلك، فإني لا أعده بهذه -أو قال: مثل هذه- ووضع ريقه على إصبعه.

стр. 307

وهذا إسنادٌ رجاله ثقات؛ إلا أنه لا يعلم لحميد بن هلال سماع من حذيفة ﵁، ولكنه يتقوى بالإسناد التالي. وعن ابن التيمي، عن أبيه، أن حذيفة بن اليمان، وزيد بن ثابت، والحسن، وعطاء، كانوا لا يرون بأسا بالبلل يجده الرجل في الصلاة ما لم يقطر. وهذا إسنادٌ رجاله ثقات، وسليمان التيمي لا يعلم له سماع من حذيفة، والأثر ثابت عن حذيفة ﵁ بالطريقين. قال أبو عبد الله غفر الله لهُ: فعلى المسلم أن يعمل بما جاء عن هؤلاء الصحابة رضوان الله عليهم لإذهاب الوسواس عن نفسه، وبالله التوفيق.

стр. 308

بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَةِ مسألة [١]: خروج البول، والغائط من غير مخرجيهما . • ذهب جمهور أهل العلم إلى أن البول، والغائط ينقضان الوضوء، وإن خرجا من غير مخرجهما، سواء كان السبيلان منسدين، أو مفتوحين، من فوق المعدة، أو من تحتها، واستدلوا بعموم الأدلة المتقدمة. • وذهب الشافعية إلى أنه إن كان يخرج من تحت المعدة، فهو ناقضٌ، وإن كان من مخرجٍ فوق المعدة فلا ينقض، ولا دليل على هذا التفصيل، والراجح قول الجمهور، وهو ترجيح الشوكاني في «السيل» (١/ ٩٢). (١) مسألة [٢]: خروج النادر من السبيلين . قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١/ ٢٣٠): الضّرْبُ الثَّانِي: نَادِرٌ كَالدَّمِ، وَالدُّودِ، وَالْحَصَا، وَالشَّعْرِ، فَيَنْقُضُ الْوُضُوءَ أَيْضًا، وَبِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَكَانَ عَطَاءٌ، وَالْحَسَنُ، وَأَبُو مِجْلَزٍ، وَالْحَكَمُ، وَحَمَّادٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَابْنُ المُبَارَكِ يَرَوْنَ الْوُضُوءَ مِنْ الدُّودِ يَخْرُجُ مِنْ الدُّبُرِ، وَلَمْ يُوجِبْ مَالِكٌ الْوُضُوءَ مِنْ هَذَا الضَّرْبِ؛ لِأَنَّهُ نَادِرٌ، أَشْبَهَ الْخَارِجَ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلِ، وَلَنَا أَنَّهُ خَارِجٌ مِنْ السَّبِيلِ أَشْبَهَ الْمَذْيَ؛ وَلِأَنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ بِلَّةٍ تَتَعَلَّقُ بِهِ، فَيَنْتَقِضُ الْوُضُوءُ بِهَا. انتهى. والراجح قول الجمهور من أنه ينقض الطهارة، وهو ترجيح الإمام ابن عثيمين

стр. 309

-﵀ كما في «الشرح الممتع» (١/ ٢٢٠ - ٢٢١). وانظر: «شرح المهذب» (١/ ٦ - ٧)، وقد قال بقول مالك: النخعي، وقتادة، وحماد. قال ابن المنذر ﵀ في «الأوسط» (١/ ١٩٣): وهذا قول يحتمل النظر، والأكثر من أهل العلم على القول الأول، ولولا أنَّ الدودة لا تخرج إلا بِنَدْوَةٍ من غائطٍ، وكذا الحصى لا يكاد يخرج إلا بِنَدْوَةٍ من بول؛ لكان أصح القولين في النظر قول من لا يرى وضوءًا، فأي ذلك خرج ومعه نَدْوَةٌ من غائط أو بول، ففيه الوضوء. اهـ قلتُ: ما قاله ابن المنذر هو المعتمد، وهو راجع إلى قول الجمهور؛ إلا أنه إذا فرض خروج شيء جافٍ، فلا يوجد دليل على انتقاض وضوئه، والله أعلم. مسألة [٣]: خروج الرِّيح من ذَكَرِ الرَّجُلِ، أو فَرْجِ المرأَةِ . • ذهب أحمد، والشافعي، ومالك، ومحمد بن الحسن إلى أنه ينقض الوضوء. • وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا ينقض الوضوء، ورجَّحه ابن حزم في «المحلَّى» (١٦٠)، وأفتى به الشيخ ابن باز، واللجنة الدائمة، والشيخ ابن عثيمين، ومال إليه الشيخ مقبل الوادعي رحمة الله عليهم. قال أبو عبد الله غفر الله لهُ: أما خروجه من الرَّجُل؛ فالظَّاهر عدم حصوله، ولا يُعْلَم وجوده، وقد أنكره ابن عقيل الحنبلي، وأما المرأة؛ فهو موجود عند بعض النساء، ولكنه ليس بحدث طبيعي، فالظَّاهر أنه لا ينقض، والأصل الطهارة، ولا يحكم بنقضها إلا بدليل صحيح، والله أعلم. (١)

стр. 310

٦٨ - وَعَنْ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ مَسَسْتُ ذَكَرِي، أَوْ قَالَ: الرَّجُلُ يَمَسُّ ذَكَرَهُ فِي الصَّلَاةِ، أَعَلَيْهِ وُضُوءٌ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَا، إنَّمَا هُوَ بَضْعَةٌ مِنْك». أَخْرَجَهُ الخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. (١) وَقَالَ ابْنُ المَدِينِيِّ: هُوَ أَحْسَنُ مِنْ حَدِيثِ بُسْرَةَ. ٦٩ - وَعَنْ بُسْرَةَ بِنْتِ صَفْوَانَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ». أَخْرَجَهُ الخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ. (٢) وَقَالَ البُخَارِيُّ: هُوَ أَصَحُّ شَيْءٍ فِي هَذَا البَابِ. المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين مسألة [١]: مَسُّ الذَّكرِ، هل يُعَدُّ ناقضًا من نواقض الوضوء ؟ • في المسألة أقوال: القول الأول: انتقاض الوضوء بمس الذكر، وهو مَرْوِيٌّ عن عمر بن

стр. 311

الخطاب، وسعد بن أبي وقاص (١)، وابن عمر، وابن عباس، وأبي هريرة، وعائشة (٢)، وهو قول سعيد بن المسيب، وعطاء، وعروة، والزهري، ومالك، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، الشافعي، وأبي ثور، والمزني، واستدلوا بحديث بسرة بنت صفوان، وشواهده. وجاء في حديث أبي هريرة ﵁ عند أحمد وغيره، عن النبي ﷺ ، قال: «من أفضى بيده إلى ذكره، ليس دونه ستر، فقد وجب عليه الوضوء». القول الثاني: عدم انتقاض الوضوء بمس الذكر، وهو قول علي، وابن مسعود، وحذيفة، وعمار (٣)، وحكاه ابن المنذر أيضًا عن ابن عباس، وعمران بن

стр. 312

حصين، وأبي الدرداء (١)، وربيعة، وهو مذهب الثوري، وأبي حنيفة، وأصحابه، وابن سحنون، وابن المنذر، واستدلوا بحديث طلق بن علي. القول الثالث: استحباب الوضوء، وهي رواية عن أحمد، واختاره ابن خزيمة، فقال في صحيحه: باب استحباب الوضوء من مس الذكر. ثم ذكر حديث بسرة ﵂، ثم قال: سمعت يونس بن عبد الأعلى الصدفي يقول: أخبرنا ابن وهب، عن مالك قال: أرى الوضوء من مس الذكر استحبابا ولا أوجبه. وثنا علي بن سعيد النسوي، قال: سألت أحمد بن حنبل عن الوضوء من مس الذكر، فقال: أستحبه ولا أوجبه. وسمعت محمد بن يحيى يقول: نرى الوضوء من مس الذكر استحبابا لا إيجابا؛ بحديث عبد الله بن بدر، عن قيس بن طلق، عن أبيه عن النبي ﷺ . قال ابن خزيمة: وكان الشافعي ﵀ يوجب الوضوء من مس الذكر اتباعا بخبر بسرة بنت صفوان لا قياسا، وبقول الشافعي أقول؛ لأن عروة قد سمع خبر بسرة منها لا كما توهم بعض علمائنا أن الخبر واه لطعنه في مروان. قلتُ: جزم أولا ابن خزيمة بالاستحباب، ثم رجع إلى الوجوب. وقد رجح الاستحباب شيخ الإسلام، وابن عثيمين، وهؤلاء جمعوا بين الدليلين بذلك. القول الرابع: ينتقض الوضوء إذا مسَّ بشهوة، وهي رواية عن أحمد، ورواية

стр. 313

عن مالك، ورجحه الإمام الألباني في «تمام المنة»، وعزاه إلى شيخ الإسلام ابن تيمية، ورجحه البسام. فأما أصحاب القول الأول، فقد أخذوا بحديث بسرة وشواهده، ولم يأخذوا بحديث طلق، فمنهم من ضعفه، ومنهم من سلك مسلك النَّسْخ، ومنهم من سلك مسلك الترجيح. وأما أصحاب القول الثاني، فقد أخذوا بحديث طلق، وأهملوا حديث بسرة وشواهده، فمنهم من ضعفه، ومنهم من رجح حديث طلق، ومن المعلوم في أصول الفقه أنَّ الجمع بين الأحاديث هو فرعُ تصحيحها، وهو مقدم على الترجيح، والنسخ، وقد علمنا صحة حديث بسرة، وحديث طلق، فوجب الجمع بينهما، وهو مسلك أصحاب القول الثالث، والقول الرابع، والقول الثالث أقوى؛ لعدم وجود دليل يقيد المسَّ بالشهوة، والله أعلم. وأما حديث أبي هريرة ﵁ الذي فيه: «فقد وجب عليه الوضوء». فقد أخرجه الشافعي كما في المسند (١/ ١٢)، وأحمد (٢/ ٣٣٣)، والبزار (٢/ ٤٤٣)، والطحاوي (١/ ٧٤)، وابن المنذر (١/ ٢٠٨)، والطبراني في الأوسط (٨/ ٣٤٨)، والبغوي (١/ ٧٤)، والبيهقي (١/ ١٣٣)، من طرق عن يزيد بن عبد الملك النوفلي، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة ﵁ به. وبعضهم ذكره بلفظ الأمر: «فليتوضأ». قال ابن المنذر: وكان أحمد يقول: قد أدخلوا بين يزيد بن عبد الملك وبين

стр. 314

المقبري فيه رجلا يقال له أبو موسى الخياط، وذكر أحمد يزيد فقال: يروي أحاديث مناكير. وهذا إسناد شديد الضعف؛ فيزيد بن عبد الملك النوفلي ضعفه عامة الحفاظ، وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث، منكر الحديث جدا. وقال البخارى: أحاديثه شبه لا شئ. وضعفه جدا. وقال النسائي: متروك الحديث. وقال فى موضع آخر: ليس بثقة. وأبو موسى الخياط، هو عيسى بن أبي عيسى، وهو متروك. وقد أخرج الحديث الطبراني في «الأوسط» (١٨٥٠)، و «الصغير» (١١٠) من طريق عبد الملك بن يزيد، ونافع بن أبي نعيم القاري، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة به. فقرن بعبد الملك بن يزيد، نافع بن أبي نعيم، وحديثه يحتمل التحسين. ويظهر أن اللفظ المذكور، إنما هو ليزيد بن عبد الملك النوفلي؛ فقد أخرج الحديث الحاكم (١/ ١٣٨) من طريق نافع بن أبي نعيم غير مقرون بلفظ: «من مس فرجه فليتوضأ». وأخرج الحديث ابن حبان (١١١٨) من طريقهما مقرونين عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة بلفظ: «إذا أفضى أحدكم بيده إلى فرجه، وليس بينهما

стр. 315

ستر ولا حجاب، فليتوضأ». (١) مسألة [٢]: الانتقاض بالمس بباطن الكف، أم بظاهره ؟ • ذهب مالك، والليث، والشافعي، وإسحاق إلى أنه لا ينقض مَسُّهُ إلا بباطن كفه؛ لأنَّ ظاهر الكف ليس بآلة لِلْمَسِّ، فأشبه ما لو مَسَّه بفخذه. • وذهب أحمد، والأوزاعي، وعطاء، ورجحه ابن حزم، إلى أنه لا فرق بين ظاهر الكف، وباطنه، واستدل أحمد بحديث أبي هريرة: «إذا أفضى أحدكم بيده إلى فرجه ليس بينهما سترة، فليتوضأ» أخرجه ابن حبان (١١١٨) وغيره، وهو حديث حسنٌ، وظاهر الكف من اليد. (٢) مسألة [٣]: هل ينتقض الوضوء إذا مَسَّهُ بذراعه ؟ • ذهب الجمهور إلى أنه لا ينتقض الوضوء؛ لأنَّ الذراع ليست بآلة لِلْمَسِّ، ولأنَّ الحكم المعلق على مطلق اليد في الشرع لا يتجاوز الكوع، بدليل قطع يد السارق، وغسل اليد من النوم، والمسح في التيمم. • وذهب أحمد، والأوزاعي في رواية عنهما إلى أنه ينتقض الوضوء. وصححه ابن قدامة. (٣)

стр. 316

مسألة [٤]: مَسُّ فرج الغير . • ذهب الشافعية، والحنابلة إلى أنه ينقض الوضوء؛ لأنه إذا انتقض بِمَسِّ ذَكَرِ نَفْسِهِ، فَبِمَسِّ ذكر غيرهِ أولى، وقد جاء في بعض ألفاظ حديث بسرة: «من مسَّ الذكر؛ فليتوضأ». قلتُ: هذه الرواية عند النسائي (١/ ٢١٦)، وهي ضعيفة؛ فإنَّ فيها مروان بن الحكم، وهو مطعون في عدالته، ومع ذلك فإن الحديث من جميع طرقه بلفظ: «من مسَّ ذكرَهُ». • وقد ذهب مالك، وداود، وابن حزم، وابن عبد البر إلى عدم الانتقاض؛ لأنَّ الأدلة جاءت بالتنصيص على ذكر المرء نفسه؛ ولأنَّ الأصل هو الطهارة، ولا يرتفع هذا الأصل إلا بدليل صحيح غير محتمل للتأويل، وقولهم: (إنه أدعى للشهوة)، فيقال: إنه أدعى إلى الشهوة للملموس لا إلى اللَّامس، فَلِمَ أوجبتم الوضوء على اللَّامس؟ (١) مسألة [٥]: مسُّ المرأة لفرجها . • ذهب الشافعي، وأحمد في رواية إلى أنه ينقض الوضوء. • بينما ذهب أبو حنيفة، ومالك، ورواية عن أحمد إلى أنه لا ينقض الوضوء؛ لأنَّ الأدلة جاءت بقوله: «ذكره»، وبقوله: «فرجه».

стр. 317

وأُجِيبَ عن ذلك: بأنه قد ثبت عند ابن الجارود (١٩) بإسناد حسنٍ عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «أيما رجل مسَّ فرجَهُ فليتوضأ، وأيما امرأةٍ مسَّتْ فرجها فلتتوضأ» (١). وتقدم أننا نرى أن الوضوء على الاستحباب، لا على الوجوب؛ فيستحب للمرأة أيضًا أن تتوضأ إذا مست فرجها. (٢)

стр. 318

بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَةِ مسألة [١]: مَسُّ الدُّبُرِ . • ذهب الشافعي وأصحابه، ورواية عن أحمد، وهو قول عطاء، والزهري إلى أنه ينقض الوضوء؛ لأنَّ الدُّبر يطلق عليه فَرْج. • بينما ذهب مالك، وقتادة، والثوري، وأحمد في رواية إلى أنه لا ينقض الوضوء. ورجَّح هذا القول ابن حزم، وابن عبد البر، وهو الراجح؛ لعدم وجود دليل على ذلك. وأما رواية: «فرجه» فتبينها الروايات الأخرى: «ذكره»، على أن بعضهم قد أنكر إطلاق الفرج على الدبر. (١) مسألة [٢]: مسُّ الرُّفْغَين، والأُنْثَيَين . الرُّفْغُ: هو المفصل الذي بين الرِّجْلِ، والبطن، جوار الخصية. • وقد ذهب عامة أهل العلم إلى أنَّ مسَّ الرفغين، والأنثيين لا ينقض الوضوء؛ إلا الزهري، وعروة، فقد ذهبا إلى أنه ينقض الوضوء، وليس لهما دليل على ما ذهبا إليه، والراجح قول الجمهور. (٢)

стр. 319

مسألة [٣]: مسُّ فرج البهيمة . • قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١/ ٢٤٦): ولا ينتقض الوضوء بمس فرج البهيمة. وقال الليث بن سعد: عليه الوضوء. وقال عطاء: من مسَّ قُنْب حمارٍ، عليه الوضوء، ومن مس ثيل جمل لا وضوء عليه، وما قلناه هو قول جمهور العلماء، وهو أولى؛ لأنَّ هذا ليس بمنصوصٍ على النقض به، ولا هو في معنى المنصوص عليه، فلا وجه للقول به. انتهى. (١)

стр. 320

٧٠ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَصَابَهُ قَيْءٌ أَوْ رُعَافٌ، أَوْ قَلْسٌ (١)، أَوْ مَذْيٌ (فَلْيَنْصَرِفْ) فَلْيَتَوَضَّأْ، ثُمَّ لِيَبْنِ عَلَى صَلَاتِهِ، وَهُوَ فِي ذَلِكَ لَا يَتَكَلَّمُ».أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَضَعَّفَهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ. (٢) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: هل القيء ناقضٌ ؟ • ذهب عطاء، والزهري، والأوزاعي، وأبو حنيفة، وأحمد في رواية إلى أنه ناقض من نواقض الوضوء، وصحَّ ذلك عن ابن عمر كما في «الأوسط» (١/ ١٨٤)، واستدلوا بحديث أبي الدراداء، وهو في «الصحيح المسند»، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قاءَ، فأفْطَرَ، قال معدان بن أبي طلحة -الراوي عن أبي الدراداء-: فلقيت ثوبان، فسألته، فقال: صدق، وأنا صببت له وضوءه. أخرجه أبو داود (٢٣٨١)، والترمذي (٨٧)، وإسناده صحيح، وقد روي
следующие страницы →