← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 165

فتح العلام في دراسة أحاديث بلوغ المرام ط 4

محمد بن علي بن حزام البعداني

Полный текст (5 956 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

مسألة [٤]: مَسُّ فرج الغير . • ذهب الشافعية، والحنابلة إلى أنه ينقض الوضوء؛ لأنه إذا انتقض بِمَسِّ ذَكَرِ نَفْسِهِ، فَبِمَسِّ ذكر غيرهِ أولى، وقد جاء في بعض ألفاظ حديث بسرة: «من مسَّ الذكر؛ فليتوضأ». قلتُ: هذه الرواية عند النسائي (١/ ٢١٦)، وهي ضعيفة؛ فإنَّ فيها مروان بن الحكم، وهو مطعون في عدالته، ومع ذلك فإن الحديث من جميع طرقه بلفظ: «من مسَّ ذكرَهُ». • وقد ذهب مالك، وداود، وابن حزم، وابن عبد البر إلى عدم الانتقاض؛ لأنَّ الأدلة جاءت بالتنصيص على ذكر المرء نفسه؛ ولأنَّ الأصل هو الطهارة، ولا يرتفع هذا الأصل إلا بدليل صحيح غير محتمل للتأويل، وقولهم: (إنه أدعى للشهوة)، فيقال: إنه أدعى إلى الشهوة للملموس لا إلى اللَّامس، فَلِمَ أوجبتم الوضوء على اللَّامس؟ (١) مسألة [٥]: مسُّ المرأة لفرجها . • ذهب الشافعي، وأحمد في رواية إلى أنه ينقض الوضوء. • بينما ذهب أبو حنيفة، ومالك، ورواية عن أحمد إلى أنه لا ينقض الوضوء؛ لأنَّ الأدلة جاءت بقوله: «ذكره»، وبقوله: «فرجه».

стр. 317

وأُجِيبَ عن ذلك: بأنه قد ثبت عند ابن الجارود (١٩) بإسناد حسنٍ عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «أيما رجل مسَّ فرجَهُ فليتوضأ، وأيما امرأةٍ مسَّتْ فرجها فلتتوضأ» (١). وتقدم أننا نرى أن الوضوء على الاستحباب، لا على الوجوب؛ فيستحب للمرأة أيضًا أن تتوضأ إذا مست فرجها. (٢)

стр. 318

بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَةِ مسألة [١]: مَسُّ الدُّبُرِ . • ذهب الشافعي وأصحابه، ورواية عن أحمد، وهو قول عطاء، والزهري إلى أنه ينقض الوضوء؛ لأنَّ الدُّبر يطلق عليه فَرْج. • بينما ذهب مالك، وقتادة، والثوري، وأحمد في رواية إلى أنه لا ينقض الوضوء. ورجَّح هذا القول ابن حزم، وابن عبد البر، وهو الراجح؛ لعدم وجود دليل على ذلك. وأما رواية: «فرجه» فتبينها الروايات الأخرى: «ذكره»، على أن بعضهم قد أنكر إطلاق الفرج على الدبر. (١) مسألة [٢]: مسُّ الرُّفْغَين، والأُنْثَيَين . الرُّفْغُ: هو المفصل الذي بين الرِّجْلِ، والبطن، جوار الخصية. • وقد ذهب عامة أهل العلم إلى أنَّ مسَّ الرفغين، والأنثيين لا ينقض الوضوء؛ إلا الزهري، وعروة، فقد ذهبا إلى أنه ينقض الوضوء، وليس لهما دليل على ما ذهبا إليه، والراجح قول الجمهور. (٢)

стр. 319

مسألة [٣]: مسُّ فرج البهيمة . • قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١/ ٢٤٦): ولا ينتقض الوضوء بمس فرج البهيمة. وقال الليث بن سعد: عليه الوضوء. وقال عطاء: من مسَّ قُنْب حمارٍ، عليه الوضوء، ومن مس ثيل جمل لا وضوء عليه، وما قلناه هو قول جمهور العلماء، وهو أولى؛ لأنَّ هذا ليس بمنصوصٍ على النقض به، ولا هو في معنى المنصوص عليه، فلا وجه للقول به. انتهى. (١)

стр. 320

٧٠ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَصَابَهُ قَيْءٌ أَوْ رُعَافٌ، أَوْ قَلْسٌ (١)، أَوْ مَذْيٌ (فَلْيَنْصَرِفْ) فَلْيَتَوَضَّأْ، ثُمَّ لِيَبْنِ عَلَى صَلَاتِهِ، وَهُوَ فِي ذَلِكَ لَا يَتَكَلَّمُ».أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَضَعَّفَهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ. (٢) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: هل القيء ناقضٌ ؟ • ذهب عطاء، والزهري، والأوزاعي، وأبو حنيفة، وأحمد في رواية إلى أنه ناقض من نواقض الوضوء، وصحَّ ذلك عن ابن عمر كما في «الأوسط» (١/ ١٨٤)، واستدلوا بحديث أبي الدراداء، وهو في «الصحيح المسند»، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قاءَ، فأفْطَرَ، قال معدان بن أبي طلحة -الراوي عن أبي الدراداء-: فلقيت ثوبان، فسألته، فقال: صدق، وأنا صببت له وضوءه. أخرجه أبو داود (٢٣٨١)، والترمذي (٨٧)، وإسناده صحيح، وقد روي

стр. 321

بلفظ: «قاء، فتوضأ»، وهي رواية شاذة، واستدلوا أيضًا بحديث الباب، وهو ضعيفٌ. • وذهب مالك، والشافعي، وأصحابهما، وأبو ثور، ورواية عن أحمد، إلى أنه لا ينتقض الوضوء بذلك، ورجَّح ذلك ابن حزم، وابن تيمية، والألباني، والوادعي، وابن عثيمين، وهو الراجح؛ لعدم وجود دليل صحيح يدل على أنَّ القيء ناقضٌ للوضوء، والأصل الطهارة، ولا ترتفع إلا بدليل صحيح. وأما استدلالهم بحديث ثوبان؛ فإن رواية: «فتوضأ» شاذَّةٌ. وأما قوله في آخره: «صببتُ له وضوءه»، فليس فيه أنه توضأ؛ لأنه تقيأ، وكذا ليس فيه أنه كان على طهارة، ولو صحَّ أنه توضأ عقب قيئه؛ لكان مجرد فعل، والفعل لا يستفاد منه أكثر من الاستحباب. (١) مسألة [٢]: القَلَس . القَلَس: بفتح اللام، وسكونها، هو ما خرج من الجوف ملء الفم، أو دونه. • ذهب عطاء، وقتادة، والنخعي، والشعبي، والحكم، وحماد، وإسحاق، إلى أنه ناقضٌ للوضوء، واستدل لهم بحديث الباب، وهو ضعيفٌ. • وذهب الحسن، والزهري، ومالك، والشافعي، وأبو ثور، واختاره ابن حزم، وشيخ الإسلام، إلى أنَّ القلس لا ينقض الوضوء؛ لعدم وجود دليل صحيح يدل على ذلك، والأصل الطهارة، ولا ترتفع إلا بدليل صحيح. (٢)

стр. 322

مسألة [٣]: الرُّعاف . • ذهب عطاء، والنخعي، وقتادة، والثوري، وأحمد إلى أنه ينقض الوضوء، وصحَّ عن ابن عمر أنه كان إذا رَعَفَ ذهب فتوضأ، ثم رجع، فبنى ما مضى، ولم يتكلم، كما في «الأوسط» (١/ ١٦٩). واستُدِلَ لهم بحديث الباب، وهو ضعيفٌ. • وذهب طاوس، وسالم، ومكحول، وربيعة، ومالك، والشافعي، وأبو ثور -ورجحه ابن المنذر وهو الصحيح- إلى أنَّ الرُّعاف لا ينقض الوضوء؛ لعدم وجود دليل صحيح على ذلك. وقد قاسه بعضهم بدم الاستحاضة وهذا قياس غير صحيح لوجود الفارق. • وقد ذهب بعضهم إلى التفريق بين قليله، وكثيره. وهذا أيضًا غير صحيح، ولا دليل على هذا التفصيل. (١)

стр. 323

٧١ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﵄، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ : أَتَوَضَّأُ مِنْ لُحُومِ الغَنَمِ؟ قَالَ: «إنْ شِئْت» قَالَ: أَتَوَضَّأُ مِنْ لُحُومِ الإِبِلِ؟ قَالَ: «نَعَمْ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: أكل لحوم الإبل، هل ينقض الوضوء ؟ دلَّ حديثُ الباب على أنَّ أكل لحوم الإبل يعتبر ناقضًا من نواقض الوضوء، وقد جاء هذا الحديث أيضًا عن البراء بن عازب ﵄، أخرجه أحمد (٤/ ٢٨٨)، وأبو داود (١٨٤)، وغيرهما، وصححه شيخنا الوادعي ﵀ في «الصحيح المسند». • وذهب إلى ذلك أحمد، وإسحاق، وغيرهما من أهل العلم. • وذهب مالك، والشافعي، والثوري، وأبو حنيفة، وغيرهم إلى أنه لا يُعَدُّ ناقضًا من نواقض الوضوء، وهذا قول جمهور الفقهاء، واحتج هؤلاء بحديث جابر: كان آخر الأمرين ترك الوضوء مما مست النار. وأُجِيبَ عن هذا الدليل: بأنه قد أُعِلَّ كما في «أحاديث معلة ظاهرها الصحة» رقم (٧٤)، وعلى القول بصحته، فقد قال النووي ﵀ في «شرح مسلم»: ولكن هذا الحديث عام، وحديث الوضوء من لحوم الإبل خاصٌّ، والخاص مقدم

стр. 324

على العام. قلتُ: وكذلك فإنَّ حديث الأمر بالوضوء من أكل لحوم الإبل، جاء بعد نسخ الأمر بالوضوء مما مست النار، ويدل على ذلك حديث الباب؛ فإنَّ قوله في لحوم الغنم: «إن شئت» يدلُّ على تأخر هذا الحديث، وأنَّ هذا السؤال وقع بعد نسخ الأمر بالوضوء مما مست النار، وكذلك فإنَّ الأمر بالوضوء من لحوم الإبل ليس لكونه مما مسته النار، ولكن العلة تعبدية مَحْضَةٌ، والله أعلم. ولذلك فالقول الأول هو الراجح وقد رجَّحه جمعٌ كبير من العلماء، والمحدثين، قال الخطابي: ذهب إلى هذا عامة أصحاب الحديث. وقال ابن خزيمة: لم نرَ خلافًا بين علماء الحديث. وقال الشافعي: إن صحَّ الحديث في لحوم الإبل قلتُ به. قال البيهقي ﵀: قد صحَّ فيه حديثان. وقال النووي ﵀ في «المجموع»: القول القديم أنه ينقض، وهو الأقوى من حيث الدليل، وهو الذي اعتقدُ رجحانه. وقد رجَّحَ هذا القول البيهقي، والنووي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، والشوكاني، والألباني، وابن باز، والوادعي، والشيخ ابن عثيمين، وغيرهم من أهل العلم، رحمة الله عليهم أجمعين. (١)

стр. 325

مسألة [٢]: أكل بقية أجزاء الإبل مما عدا اللحم، كالكبد، والكرش، والسَّنام، والأمعاء، والمرق . • ذهب جمهور أهل العلم، وهو المشهور في مذهب الحنابلة إلى أنها لا تنقض الوضوء؛ لأنَّ النصَّ جاء في اللحم، كما في حديث جابر بن سمرة، والبراء بن عازب، وهذا القول رجَّحه الشيخ محمد بن إبراهيم، والشيخ ابن باز رحمة الله عليهما. • وذهب بعض الحنابلة إلى أنه ينقض الوضوء؛ لأنها في معنى اللحم، ورجَّح هذا القول الشيخ عبد الرحمن السعدي، والشيخ ابن عثيمين، وقالوا: وكما أن قوله تعالى: ﴿أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ [الأنعام:١٤٥] يشمل الأمور المذكورة، فكذلك ههنا. والراجح -والله أعلم- هو القول الأول؛ لأنَّ النص جاء باللحم، والعلة تعبديةٌ مَحْضَةٌ، ولا يحكم على شيء بأنه ناقضٌ إلا بدليل صحيح. وأما استدلالهم بقوله تعالى: ﴿أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾، فإنما دلَّ على تحريم بقية أجزائه قرائنُ، وأدلة أخرى كقوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾. وكقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «من لعب بِالنَّرْدِشِير، فكأنما صبغ يده في لحم خنزير ودمه». (١) وكقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «يوشك أن ينزل عيسى بن مريم، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير» (٢)، والله أعلم. (٣)

стр. 326

مسألة [٣]: ألبان الإبل . • ذهب جمهور أهل العلم، وهو قول أحمد في رواية إلى أنه لا ينقض الوضوء؛ لعدم وجود دليل صحيح على ذلك، ويؤيد عدم النقض حديث أنس في قصة العُرَنِيِّين، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أمرهم أن يشربوا من أبوال الإبل، وألبانها، ولم يأمرهم بالوضوء منها. • بينما ذهب أحمد في رواية إلى أنها تنقض الوضوء؛ لحديث أُسيد بن حضير، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «تَوَضَّؤُوا من لحوم الإبل، وألبانها» أخرجه أحمد (٤/ ٣٥٢). ولكن هذا الحديث ضعيفٌ؛ فإنَّ عبد الرحمن بن أبي ليلى يرويه عن أسيد، ولم يسمع منه، وفي إسناده: حجَّاج بن أرطاة، وهو ضعيفٌ، وقد اختلف عليه في ذكر الألبان، ومع ذلك فهذه الطريق غير محفوظة، والرَّاجح أن ابن أبي ليلى إنما يرويه عن البراء بن عازب، كما ذكر ذلك الترمذي كما في «العلل الكبير» (١/ ١٥٢ - ١٥٣)، وأبو حاتم كما في «العلل» لولده (٣٨). فالراجح هو القول الأول، وهو ترجيح الشيخ ابن باز، والشيخ ابن عثيمين، رحمهما الله. (١)

стр. 327

٧٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَنْ غَسَّلَ مَيْتًا فَلْيَغْتَسِلْ، وَمَنْ حَمَلَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، (١)، وَقَالَ أَحْمَدُ: لَا يَصِحُّ فِي هَذَا البَابِ شَيْءٌ. المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: هل على من غسَّل الميت الغسل، أو الوضوء ؟ • قال ابن المنذر ﵀ في كتابه «الإشراف» كما في «شرح المهذب» (٥/ ١٨٦): قال ابن عمر، وابن عباس (٢)، والحسن البصري، والنخعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي: لا غسل عليه. • وعن علي، وأبي هريرة (٣)، وابن المسيب، وابن سيرين، والزهري: يغتسل. • وعن النخعي، وأحمد، وإسحاق: يتوضأ. قال ابن المنذر ﵀: لا شيء عليه، ليس فيه حديث يثبت. اهـ قلتُ: وما اختاره ابن المنذر قال به ابن المبارك، من أنه ليس عليه وضوء،

стр. 328

ولا غسل، كما في «سنن الترمذي» (٩٩٣). وقال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١/ ٢٥٦): وهذا قول أكثر الفقهاء -يعني أنه لا وضوء عليه- وهو الصحيح إن شاء الله؛ لأنَّ الوجوب من الشرع، ولم يرد في هذا نصٌّ، ولا هو في معنى المنصوص، فبقي على الأصل، ولأنه غسل آدمي، فأشبه غسل الحي. اهـ وهذا القول هو الراجح، أعني أنه: ليس عليه غسل، ولا وضوء. مسألة [٢]: هل على من حمل ميتًا أن يتوضأ ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١/ ٢٧٩)، بعد أن ذكر حديث أبي هريرة الذي في الباب: ولا نعلم أحدًا قال به في الوضوء من حمله. وقال الصنعاني ﵀ في «سبل السلام» (١/ ١٤٤): ولا أعلم قائلًا يقول بأنه يجب الوضوء من حملِ الميت، ولا يندب. اهـ قلتُ: الحديث ضعيف؛ فلا يجب، ولا يستحب. وقد خالف ابن حزم ﵀ فقال بوجوب الوضوء من حمله كما في «المحلى» (١٦٧).

стр. 329

٧٣ - وَعَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ أَبِي بَكْر، أَنَّ فِي الكِتَابِ الَّذِي كَتَبَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: «أَنْ لَا يَمَسَّ القُرْآنَ إلَّا طَاهِرٌ». رَوَاهُ مَالِكٌ مُرْسَلًا، وَوَصَلَهُ النَّسَائِيّ وَابْنُ حِبَّانَ، وَهُوَ مَعْلُولٌ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: مسُّ المصحف على غير طهارة . • ذهب جمهور أهل العلم، ومنهم: الشافعي، وأحمد، ومالك، وأصحاب الرأي إلى عدم جواز مس المصحف على غير طهارة، وهو قول الحسن، وعطاء، وطاوس، والشعبي، والقاسم بن محمد، وقد صحَّ التحرز عن مسه على غير

стр. 330

طهارة عن ابن عمر، كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (٢/ ٣٦١)، و «الأوسط» لابن المنذر (٢/ ١٠١)، وسعد بن أبي وقاص، كما في «الأوسط» لابن المنذر (١/ ١٩٤)، وسلمان الفارسي، كما في «سنن الدارقطني» (١/ ١٢٣). وقد استدل الجمهور بقوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة:٧٩]، وبحديث الباب: «لا يمس القرآن إلا طاهر». قال ابن قدامة ﵀: ولا نعلم لهم مخالفًا، إلا داود؛ فإنه أباح مسه، واحتج بأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كتب في كتابه آية إلى قيصر، وأباح الحكم، وحماد مسَّه بظاهر الكف؛ لأن آلة المس باطن الكف، فينصرف إليه النهي دون غيره. اهـ وقد أجيب عن أدلة الجمهور: بأنَّ الآية المراد بها الملائكة، كما يدل عليه سياق الآية. وأما الحديث، فقال الشوكاني ﵀ في «النيل» (١/ ٣٢٠): وَلَكِنَّ الطَّاهِرَ يُطْلَقُ بِالِاشْتِرَاكِ عَلَى الْمُؤْمِنِ، وَالطَّاهِرِ مِنْ الْحَدَثِ الْأَكْبَرِ وَالْأَصْغَرِ، وَمَنْ لَيْسَ عَلَى بَدَنِهِ نَجَاسَةٌ، فَمَنْ أَجَازَ حَمَلَ الْمُشْتَرَكَ عَلَى جَمِيعِ مَعَانِيهِ حَمَلَهُ عَلَيْهَا هُنَا، وَالْمَسْأَلَةُ مُدَوَّنَةٌ فِي الْأُصُولِ، وَفِيهَا مَذَاهِبُ، وَاَلَّذِي يَتَرَجَّحُ أَنَّ الْمُشْتَرَكَ مُجْمَلٌ فِيهَا فَلَا يُعْمَلُ بِهِ حَتَّى يُبَيَّنَ. ثم استدل بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إن المسلم لا ينجس» على أنَّ المراد بالحديث: لا يمس القرآن إلا طاهر، يعني إلا مؤمن، ورجَّح هذا الإمام الألباني، والإمام الوادعي، رحمة الله عليهما.

стр. 331

قال أبو عبد الله غفر الله لهُ: أما قول ابن قدامة ﵀ (لا نعلم مخالفًا إلا داود)، فليس المخالف داود فقط، بل قد خالف أبو رزين، ومحمد بن سيرين كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (٢/ ٣٦١)، فأجازا مسه على غير طهارة. وأما الحديث: «لا يمس القرآن إلا طاهر» يظهر أنَّ المراد بالطَّاهر، أي: السالم من الحدثين: الأصغر والأكبر، والقرينة على ذلك قوله في الحديث في رواية عبد الرزاق كما تقدم: «إلا على طهر»، وهذا ظاهرٌ في أنَّ المقصود على طهارة من الحدثين. وفي رواية ابن المنذر في «الأوسط» (٢/ ١٠٣): «إلا على طهور». وكذلك قوله في حديث حكيم بن حزام: «لا تمس القرآن». وكذلك في مرسل ابن حزم عند الدارقطني كما تقدم: «لا تمس القرآن ... »، والمخاطب في هذين الحديثين مؤمنان، فظهر أن المقصود بقوله: «إلا على طهر»، أو «إلا طاهر»، أي: طاهرٌ من الحدثين. قلتُ: لكن يمكن أن يقال: إن الأمر بالطهارة للاستحباب؛ لحديث: «إنما أمرت بالوضوء إذا قمت للصلاة». والقول الأول هو ترجيح شيخ الإسلام ابن تيمية، ثم الإمام ابن باز، والإمام ابن عثيمين، كما في «الشرح الممتع» (١/ ٢٦٥)، والشيخ صالح الفوزان، وآخرين. (١)

стр. 332

مسألة [٢]: هل يجوز حمل المصحف بعلاقته للمحدث ؟ • ذهب الحسن، وعطاء، وطاوس، والشعبي، والقاسم، وأبو وائل، والحكم، وحماد، وأحمد، وأبو حنيفة إلى جواز ذلك؛ لأنَّه لم يمسَّ المصحف. • وذهب الأوزاعي، ومالك، والشافعي إلى عدم الجواز. والراجح القول الأول، والله أعلم. (١) مسألة [٣]: كتب التفسير، والفقه . قال أبو محمد بن قدامة ﵀: وَيَجُوزُ مَسُّ كُتُبِ التَّفْسِيرِ، وَالْفِقْهِ، وَغَيْرِهَا، وَالرَّسَائِلِ، وَإِنْ كَانَ فِيهَا آيَاتٌ مِنْ الْقُرْآنِ، بِدَلِيلِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَتَبَ إلَى قَيْصَرَ كِتَابًا فِيهِ آيَةٌ؛ وَلِأَنَّهَا لَا يَقَعُ عَلَيْهَا اسْمُ مُصْحَفٍ، وَلَا تَثْبُتُ لَهَا حُرْمَتُهُ. انتهى. (٢) مسألة [٤]: عادم الماء . قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١/ ٢٠٤): وَإِنْ احْتَاجَ الْمُحْدِثُ إلَى مَسِّ الْمُصْحَفِ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ، تَيَمَّمَ، وَجَازَ مَسُّهُ، وَلَوْ غَسَلَ الْمُحْدِثُ بَعْضَ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ، لَمْ يَجُزْ لَهُ مَسُّهُ بِهِ قَبْلَ إتْمَامِ وُضُوئِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ مُتَطَهِّرًا إلَّا بِغَسْلِ الْجَمِيعِ. انتهى.

стр. 333

٧٤ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَذْكُرُ اللهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَعَلَّقَهُ البُخَارِيُّ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث قال النووي ﵀ في «شرح مسلم» (٣٧٣): هَذَا الْحَدِيث أَصْل فِي جَوَاز ذِكْر الله تَعَالَى بِالتَّسْبِيحِ، وَالتَّهْلِيل، وَالتَّكْبِير، وَالتَّحْمِيد، وَشَبَههَا مِنْ الْأَذْكَار يعني بغير طهارة وَهَذَا جَائِز بِإِجْمَاعِ المُسْلِمِينَ. وقال النووي ﵀ في شرح حديث ابن عمر (٣٧٠): أَنَّ رَجُلًا مَرَّ وَرَسُولُ الله ﷺ يَبُولُ، فَسَلَّمَ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ. قَالَ أَصْحَابنَا: وَيُكْرَه أَنْ يُسَلِّم عَلَى الْمُشْتَغِل بِقَضَاءِ حَاجَة الْبَوْل وَالْغَائِط؛ فَإِنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ، كُرِهَ لَهُ رَدّ السَّلَام، قَالُوا: وَيُكْرَه لِلْقَاعِدِ عَلَى قَضَاء الْحَاجَة أَنْ يَذْكُر الله تَعَالَى بِشَيْءٍ مِنْ الْأَذْكَار. قَالُوا: فَلَا يُسَبِّح، وَلَا يُهَلِّل، وَلَا يَرُدّ السَّلَام، وَلَا يُشَمِّت الْعَاطِس، وَلَا يَحْمَد الله تَعَالَى إِذَا عَطَسَ، وَلَا يَقُول مِثْل مَا يَقُول الْمُؤَذِّن. قَالُوا: وَكَذَلِكَ لَا يَأْتِي بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأَذْكَار فِي حَال الْجِمَاع، وَإِذَا عَطَسَ فِي هَذِهِ الْأَحْوَال يَحْمَد الله تَعَالَى فِي نَفْسه، وَلَا يُحَرِّك بِهِ لِسَانه، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ كَرَاهَة الذِّكْر فِي حَال الْبَوْل، وَالْجِمَاع هُوَ كَرَاهَة تَنْزِيه، لَا تَحْرِيم، فَلَا إِثْم عَلَى فَاعِله. انتهى المراد. وقوله: (يَحْمَد الله تَعَالَى فِي نَفْسه، وَلَا يُحَرِّك بِهِ لِسَانه)، ليس بصحيح، بل يحمد الله بعد أن يتم حاجته، ويتطهر، كما فعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- حين رد السلام بعد تيممه كما في «الصحيحين»، ولا تصح الحمدلة دون تحريك اللسان.

стр. 334

٧٥ - وَعَنْ أَنَسِ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ احْتَجَمَ وَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ. أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَلَيَّنَهُ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: خروج الدم من الإنسان بالحجامة، أو الجروح . • قال أبو بكر بن المنذر في «الأوسط» (١/ ١٧٧): حكم الحجامة كحكم الرُّعاف، والدم الخارج من غير مواضع الحدث، والوضوء منه غير واجب في مذهب مالك، وأهل المدينة، والشافعي، وأصحابه، وأبي ثور، وغيره، لا ينقض ذلك عندهم طهارةً ولا يوجب وضوءًا، غير أن المحتجم يؤمر بأن يغسل أثر محاجمه، ثم يصلي ... . • ثم قال: وفيه قول ثاني، وهو: أنْ لا وضوء عليه، ولا غسل أثر المحاجم. روي هذا القول عن الحسن، ومكحول. • ثم قال: وفيه قول ثالث، وهو: أنْ يتوضأ ويغسل أثر المحاجم. روي هذا القول عن ابن عمر (٢)، وعطاء، والحسن، وقتادة، وهو قول أحمد بن حنبل. قلتُ: والراجح هو قول الجمهور: أنه لا وضوء عليه.

стр. 335

وأما غسل أثر المحاجم، فالراجح أنه لا يجب غسله؛ لأنه ليس بنجس على الصحيح، كما هو قول الحسن، ومكحول -والله أعلم- وذلك لأنَّ الطهارة لا ترتفع عن الشخص إلا بدليل، ولا نعلم دليلًا صحيحًا على نقض الطهارة من دماء الحجامة، أو الجروح. وأما حديث أبي هريرة ﵁ عند الدارقطني (١/ ١٥٧) مرفوعًا: «ليس في القطرة، ولا في القطرتين من الدم وضوء؛ إلا أن يكون دمًا سائلًا»، ففي إسناده: محمد بن الفضل بن عطيه، وهو متروك، بل قد كُذِّب.

стр. 336

٧٦ - وَعَنْ مُعَاوِيَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «العَيْنُ وِكَاءُ السَّهِ (١)، فَإِذَا نَامَتِ العَيْنَانِ اسْتَطْلَقَ الوِكَاءُ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالطَّبَرَانِيُّ، وَزَادَ: «وَمَنْ نَامَ فَلْيَتَوَضَّأْ» (٢)، وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ فِي هَذَا الحَدِيثِ عِنْدَ أَبِي دَاوُد مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ (٣) دُونَ قَوْلِهِ: «اسْتَطْلَقَ الوِكَاءُ». وَفِي كِلَا الإِسْنَادَيْنِ ضَعْف. الحكم المستفاد من الحديث يستفاد من الحديثين أنَّ النوم ناقض من نواقض الوضوء؛ لأنه شبه الدبر -وهو السَّه- بالسِّقاء، والعينين بالوكاء، وهو الخيط الذي يُرْبَطُ به، فإذا نامت العينان ذهب مربط الدبر. والحديثان ضعيفان، وقد تقدم حكم المسألة في أول الباب.

стр. 337

٧٧ - وَلِأَبِي دَاوُد أَيْضًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ مَرْفُوعًا: «إنَّمَا الوُضُوءُ عَلَى مَنْ نَامَ مُضْطَجِعًا». وَفِي إسْنَادِهِ ضَعْفٌ أَيْضًا. (١) الحكم المستفاد من الحديث يدل هذا الحديث على أنَّ النوم لا ينقض الوضوء؛ إلا إذا كان مضطجعًا، وقد قال به بعضهم، وقد تقدم الخلاف في المسألة في أول الباب.

стр. 338

٧٨ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «يَأْتِي أَحَدَكُمُ الشَّيْطَانُ فِي صَلَاتِهِ، فَيَنْفُخُ فِي مَقْعَدَتِهِ فَيُخَيَّلُ إلَيْهِ أَنَّهُ أَحْدَثَ، وَلَمْ يُحْدِثْ، فَإِذَا وَجَدَ ذَلِكَ فَلَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا». أَخْرَجَهُ البَزَّارُ. (١) ٧٩ - وَأَصْلُهُ فِي «الصَّحِيحَيْنِ» مِنْ حَدِيثِ عَبْدِاللهِ بْنِ زَيْدٍ. (٢) ٨٠ - وَلِمُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، نَحْوُهُ. (٣) ٨١ - وَلِلْحَاكِمِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا: «إذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الشَّيْطَانُ، فَقَالَ: إنَّكَ أَحْدَثْت فَلْيَقُلْ: كَذَبْت». وَأَخْرَجَهُ (٤) ابْنُ حِبَّانَ بِلَفْظِ: «فَلْيَقُلْ فِي نَفْسِهِ». (٥) فائدة الأحاديث المتقدمة يستفاد من هذه الأحاديث القاعدة الفقهية العظيمة: (اليقين لا يزول بالشك)، وقد أشرنا إلى ذلك في شرح حديث أبي هريرة ﵁ المتقدم برقم (٦٧)، ويستفاد من هذه الأحاديث الحذر من الانقياد لوساوس الشيطان الذي يريد أن يعبث بعبادة الإنسان، ويصده عن دين الله، وكم من إنسان انقاد للوسواس؛ فأتعبه ذلك حتى يحدث في دين الله، أو يترك العبادة، والعياذ بالله.

стр. 339

فَصْلٌ فِي بَعْضِ مَا ذُكِرَ مِنْ نَوَاقِضِ الوُضُوءِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ الحَافِظُ ﵀ أولا: أكل ما مسته النار . جاء في «صحيح مسلم» (٣٥١ - ٣٥٣)، من حديث أبي هريرة، وعائشة، وزيد ابن ثابت، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «توضؤوا مما مست النار» وجاء في «الصحيحين» عن ابن عباس، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أكل كتف شاة، ثم صلَّى، ولم يتوضأ. وبنحوه من حديث ميمونة، ومن حديث عمرو بن أمية الضمري ﵃. قال أبو بكر بن المنذر ﵀ في «الأوسط» (١/ ٢١٣): اختلف أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ومن بعدهم في الوضوء مما مست النار، فممن روي عنه أنه توضأ، أو أمر بالوضوء منه: (عبدالله بن عمر، وأبو طلحة عم أنس، وأنس بن مالك، وأبو موسى الأشعري، وعائشة، وزيد بن ثابت، وأبو هريرة) (١)، ورُوي هذا القول عن عمر بن عبد العزيز، وأبي مجلز، وأبي قلابة، ويحيى بن يعمر، والحسن البصري، وأبي ميسرة، والزهري، ومن حجة بعض من قال هذا القول ... ، ثم ذكر حديث أبي هريرة المتقدم. قال: وأسقطت طائفة الوضوء مما مست النار، فممن كان لا يرى الوضوء

стр. 340

مما مست النار: (أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي ابن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وأبو الدرداء، وابن عباس، وعامر بن ربيعة، وأبو أمامة الباهلي، وأُبي بن كعب) (١)، وهذا قول مالك بن أنس فيمن تبعه من أهل المدينة، وسفيان الثوري فيمن وافقه من أهل العراق، وبه قال الأوزاعي وأصحابه، وكذلك قال الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبوثور، وأصحاب الرأي، ولا أعلم اليوم بين أهل العلم اختلافًا في ترك الوضوء مما مست النار؛ إلا الوضوء من لحوم الإبل خاصَّة. وقال النووي ﵀ في «شرح مسلم» (٤/ ٢٨٤) بعد أن ذكر الخلاف المتقدم: ثم إنَّ هذا الخلاف الذي حكيناه كان في الصدر الأول، ثم أجمع العلماء بعد ذلك على أنه لا يجب الوضوء بأكل ما مسته النار. وقال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١/ ٢٥٥): ولا نعلم اليوم فيه خلافًا. واستدل هؤلاء بحديث ابن عباس، وميمونة، وعمرو بن أمية، وغيرهم، وكذلك بحديث البراء أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- سئل عن الوضوء من لحوم الغنم، فقال: «لا توضؤوا منها»، وقد تقدم. قال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٢/ ٥٨): وروى البيهقي عن الإمام الحافظ عثمان بن سعيد الدارمي، شيخ مسلم، قال: اختلف في الأول والآخر من هذه الأحاديث، فلم نقف على الناسخ منها ببيان يحكم به، فأخذنا بإجماع الخلفاء

стр. 341

الراشدين، والأعلام من الصحابة ﵃ في الرخصة في ترك الوضوء مع أحاديث الرخصة. اهـ وقال ابن المنذر ﵀ في «الأوسط» (١/ ٢٢٥): وقال بعضهم: والدليل على أنَّ الرخصة هي الناسخة اتفاق الخلفاء الراشدين المهديين، أبو بكر الصديق، وعمر ابن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، صلوات الله عليهم، في ترك الوضوء، وقد ثبت أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي» اهـ. (١) ثانيًا: الرِّدَّة عن الإسلام . • ذهب الإمام أحمد إلى أنَّ الردة عن الإسلام من نواقض الوضوء؛ لقوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر:٦٥]، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [المائدة:٥]، وهو مذهب الأوزاعي، وأبي ثور. • بينما ذهب مالك، والشافعي، وأصحاب الرأي إلى أنها لا تنقض الوضوء، قال النووي: وبه قال جمهور العلماء، واستدل هؤلاء بأنَّ الأصل الطهارة، ولا يحكم بنقضها إلا بدليل. قال ابن حزم ﵀ في «المحلَّى» (١٦٩): فَإِنَّهُ لَمْ يَأْتِ قُرْآنٌ، وَلَا سُنَّةٌ صَحِيحَةٌ، وَلَا سَقِيمَةٌ، وَلَا إجْمَاعٌ، وَلَا قِيَاسٌ بِأَنَّ الرِّدَّةَ حَدَثٌ يَنْقُضُ الطَّهَارَةَ، وَهُمْ يُجْمِعُونَ مَعَنَا عَلَى أَنَّ الرِّدَّةَ لَا تَنْقُضُ غُسْلَ الْجَنَابَةِ، وَلَا غُسْلَ الْحَيْضِ، وَلَا

стр. 342

أَحْبَاسَهُ السَّالِفَةَ، وَلَا عِتْقَهُ السَّالِفَ، وَلَا حُرْمَةَ الرَّجُلِ، فَمِنْ أَيْنَ وَقَعَ لَهُمْ أَنَّهَا تَنْقُضُ الْوُضُوءَ وَهُمْ أَصْحَابُ قِيَاسٍ، فَهَلَاّ قَاسُوا الْوُضُوءَ عَلَى الْغُسْلِ في ذَلِكَ، فَكَانَ يَكُونُ أَصَحَّ قِيَاسٍ لَوْ كَانَ شَيْءٌ مِنْ الْقِيَاسِ صَحِيحًا. فَإِنْ ذَكَرُوا قَوْلَ الله تَعَالَى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر:٦٥]، قُلْنَا: هَذَا عَلَى مَنْ مَاتَ كَافِرًا لَا عَلَى مَنْ رَاجَعَ الإِسْلَامَ، يُبَيِّنُ ذَلِكَ قَوْلُ الله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ [البقرة:٢١٧].انتهى المراد. وجوابه عن الآية المذكورة هو جواب الجمهور كما في «شرح المهذب» (٢/ ٦١ - ٦٢). قال أبو عبد الله غفر الله لهُ: سيأتي في [باب الغسل] أنه يجب على الكافر إذا أسلم أن يغتسل؛ فعليه: فالردة تنقض الوضوء، والله أعلم، وهو ترجيح الإمام ابن باز ﵀ كما في «دروس مهمة»، والإمام ابن عثيمين ﵀ كما في «الشرح الممتع» (١/ ٢٥٥). (١) ثالثًا: رطوبة فرج المرأة . • قال الإمام ابن عثيمين ﵀ في «الشرح الممتع» (١/ ٣٩٢): وهل ينقض الوضوء؟ أما ما خرج من مسلك البول، فهو ينقض الوضوء؛ لأنَّ الظاهر أنه من

стр. 343

المثاني، وأما ما خرج من مسلك الذكر، فالجمهور أنه ينقض الوضوء، وقال ابن حزم: لا ينقض الوضوء، وقال بأنه ليس بولًا، ولا منيًّا، ومن قال بالنقض، فعليه الدليل، بل هو كالخارج من بقية البدن من الفضلات الأخرى. ثم جَنَحَ الشيخ ﵀ إلى ترجيح قول الجمهور، فقال: ونقض الوضوء أسهل من القول بنجاسة الرطوبة؛ فإنْ كانت مستمرة فحكمها حكم سلس البول، أي أن المرأة تتطهر للصلاة المفروضة بعد دخول وقتها، وتتحفظ ما استطاعت، وتصلي، ولا يضرها ما خرج، وإن كانت تنقطع في وقت معين قبل خروج وقت الصلاة فيجب عليها أن تنتظر حتى يأتي الوقت الذي تنقطع فيه. اهـ وقال الإمام ابن باز ﵀ كما في «مجموع فتاواه» (١٠/ ١٣٠): إذا كانت الرطوبة مستمرة في غالب الأوقات؛ فعلى كل واحدة ممن تجد هذه الرطوبة الوضوء لكل صلاة إذا دخل الوقت كالمستحاضة، وكصاحب السلس في البول، أما إذا كانت الرطوبة تعرض في بعض الأحيان -وليست مستمرة- فإن حكمها حكم البول: متى وجدت انتقضت الطهارة ولو في الصلاة، وفق الله الجميع لما يرضيه. وقال ﵀ (١٠/ ١٣١): كل ما يخرج من الفرجين من السوائل فهو ينقض الوضوء بحق الرجل والمرأة. ثم استدل بقول النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لا تقبل صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ» متفق عليه.

стр. 344

بَابُ آدَابِ قَضَاءِ الحَاجَةِ قال الصنعاني ﵀: في «سبل السلام» (١/ ١٥٢): الحاجة كناية عن خروج البول، والغائط، وهو مأخوذٌ من قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إذَا قَعَدَ أَحَدُكُمْ لِحَاجَتِهِ»، وَيُعَبِّرُ عَنْهُ الْفُقَهَاءُ بـ: [باب الِاسْتِطَابَةِ]؛ لحديث: «وَلَا يَسْتَطِبْ بِيَمِينِهِ»، والمحَدِّثُون بـ: [باب التَّخَلِّي]، مأخوذٌ من قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إذا دخل أحدكم الخلاء»، وَالتَّبَرُّزُ مِنْ قَوْلِهِ: «الْبَرَازُ فِي الموَارِدِ»، فَالْكُلُّ مِنْ الْعِبَارَاتِ صَحِيحٌ. انتهى.

стр. 345

٨٢ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إذَا دَخَلَ الخَلَاءَ وَضَعَ خَاتَمَهُ. أَخْرَجَهُ الأَرْبَعَةُ، وَهُوَ مَعْلُولٌ. (١) الحكم المستفاد من الحديث إدخال ما فيه ذكر لله إلى الخلاء: استحب أهل العلم تنحية ما فيه ذكر الله عند دخول الخلاء، واستدلوا بحديث الباب، وهو ضعيفٌ كما تقدم، ولكن يُغني عنه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج:٣٢]. قال الشوكاني ﵀: والحديث يدل على تنزيه ما فيه ذكر الله تعالى عن إدخاله الحشوش، والقرآن بالأَوْلَى، حتى قال بعضهم: يحرم إدخال المصحف الخلاء لغير ضرورة. اهـ وقولنا باستحباب تنحية ما فيه ذكر الله، لا ينافي الترخيص باستصحابه إذا كان مكفوتًا، أو احتاج إلى إدخاله. وقد رخَّصَ بذلك سعيد بن المسيب، والحسن، ومحمد بن سيرين، وعكرمة، وأحمد، وإسحاق. (٢)

стр. 346

٨٣ - وَعَنْهُ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إذَا دَخَلَ الخَلَاءَ قَالَ: «اللهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك مِنَ الخُبُثِ وَالخَبَائِثِ». أَخْرَجَهُ السَّبْعَةُ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث «الخُبُث، والخبائث»، بضم الموحدة في «الخُبُث»، جمع خبيث، والخبائث جمع خبيثة، قال الخطابي، وابن حبان، وغيرهما: يريد ذكران الشياطين، وإناثهم. ورُوِيَ بإسكان الموحدة «الخُبْث»، فمعناه كما قال ابن الأعرابي ﵀: المكروه: فإن كان من الكلام؛ فهو الشتم، وإن كان من الملل؛ فهو الكفر، وإن كان من الطعام؛ فهو الحرام، وإن كان من الشراب؛ فهو الضار. اهـ وعلى هذا فالمراد بـ «الخبائث» المعاصي، أو مطلق الأفعال المذمومة؛ ليحصل التناسب. قال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٢/ ٧٥): وهذا الذكر مجمع على استحبابه، وسواء فيه البناء والصحراء. اهـ وقال الحافظ ﵀ في «الفتح» (١٤٢): ومتى يقول ذلك؟ فمن يكره ذكر الله في تلك الحالة يفصل: أما في الأمكنة المعدة لذلك فيقوله قبيل دخولها، وأما في

стр. 347

غيرها فيقوله في أول الشروع، كتشمير ثيابه مثلًا، وهذا مذهب الجمهور، وقالوا فيمن نسي: يستعيذ بقلبه لا بلسانه. ومن يجيز مطلقًا كما نقل عن مالك لا يحتاج إلى تفصيل. اهـ قلتُ: قول الجمهور هو الصواب إلا فيمن نسي؛ فإنه لا يستعيذ بقلبه، ولا بلسانه؛ لأنَّ الاستعاذة ذكر، ولا يحصل بالقلب فقط. تنبيه: زيادة «بسم الله» قبل قوله: «أعوذ بك من الخبث والخبائث»، جاءت عند سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة (١/ ١)، وفي إسناده: أبو معشر نجيح بن عبد الرحمن، وهو ضعيفٌ. ورواها المعمري كما في «الفتح» (١٤٢)، من طريق: عبد العزيز بن المختار عن عبدالعزيز بن صهيب، عن أنس ﵁. قال الإمام الألباني ﵀: وهي عندي شاذة لمخالفتها لكل طرق الحديث عن عبدالعزيز بن صهيب، عن أنس في «الصحيحين»، وغيرهما ممن سبقت الإشارة إليهم. اهـ. (١)

стр. 348

٨٤ - وَعَنْ أَنَسٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدْخُلُ الخَلَاءَ، فَأَحْمِلُ أَنَا وَغُلَامٌ نَحْوِي إدَاوَةً مِنْ مَاءٍ وَعَنَزَةً، فَيَسْتَنْجِي بِالمَاءِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١) الحكم المستفاد من الحديث بَوَّبَ البخاري ﵀ في «صحيحه» على هذا الحديث: [باب الاستنجاء بالماء]. قال الحافظ ابن حجر ﵀: أَرَادَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة الرَّدّ عَلَى مَنْ كَرِهَهُ، وَعَلَى مَنْ نَفَى وُقُوعه مِنْ النَّبِيّ ﷺ ، وَقَدْ رَوَى اِبْن أَبِي شَيْبَة بِأَسَانِيد صَحِيحَة عَنْ حُذَيْفَة ابْن الْيَمَان، وابْن عُمَر، وابْن الزُّبَيْر إِنْكَارَه. قَالَ ﵀: وَنَقَلَ اِبْن التِّين عَنْ مَالِك أَنَّهُ أَنْكَرَ أَنْ يَكُون النَّبِيّ ﷺ اِسْتَنْجَى بِالْمَاءِ، وَعَنْ اِبْن حَبِيب مِنْ الْمَالِكِيَّة أَنَّهُ مَنَعَ الِاسْتِنْجَاء بِالْمَاءِ؛ لِأَنَّهُ مَطْعُوم. اهـ • وأنكره عطاء، وابن المسيب. قلتُ: الآثار الواردة عن الصحابة أسانيدها صحيحة في «المصنف» (١/ ١٥٤ - ١٥٥)، كما قال الحافظ؛ إلا أنه ليس في أثر ابن عمر ﵄ الإنكار، وحديث الباب يرد هذا القول، وكذلك ثبت عن عائشة ﵂ في «سنن الترمذي» (١٩) أنها قالت للنساء: مُرن أزواجكن أن يستطيبوا بالماء؛ فإني استحييهم، وإن رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يفعله. • ولذلك فقد ذهب أكثر العلماء، وجمهورهم إلى جواز الاستنجاء بالماء،

стр. 349

ويؤيده الحديث في قصة أهل قباء أنها نزلت فيهم هذه الآية: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ [التوبة:١٠٨]، وكان ذلك بسبب استنجائهم بالماء، وسيأتي تخريج الحديث إن شاء الله تعالى. قال الصنعاني ﵀: والأحاديث قد أثبتت ذلك، فلا حاجة لإنكار ذلك. (١)

стр. 350

٨٥ - وَعَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ : «خُذِ الإِدَاوَةَ»، فَانْطَلَقَ حَتَّى تَوَارَى عَنِّي، فَقَضَى حَاجَتَهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: الابتعاد عن الناس عند قضاء الحاجة . يستحب لمن ذهب إلى قضاء حاجته أن يبتعد عن أعين الناس؛ لهذا الحديث المذكور، وكذلك ثبت عند أبي داود (١)، عن المغيرة بن شعبة ﵁، قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إذا ذهب المذهب أبعد. وثبت عند أحمد (٣/ ٤٤٣)، من حديث عبد الرحمن بن أبي قُرَاد، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان إذا أتى حاجته أبعد. وثبت عند أبي يعلى (٥٦٢٦)، من حديث ابن عمر، قال: كان النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يذهب لحاجته إلى المغمس، قال نافع: المغمس على نحو ميلين من مكة. وهذه الثلاثة الأحاديث ذكرها شيخنا الوادعي ﵀ في «الجامع الصحيح» (١/ ٤٩٤)، وهذا الحكم، وهذا الأدب متفقٌ على استحبابه، كما ذكر ذلك النووي في «شرح المهذب» (٢/ ٧٧). هذا وليُعْلَم أنَّ البول، الأمر فيه أسهل، وأخف، فقد ثبت في «الصحيحين» أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بال قائمًا، وحذيفة قائمٌ عند عَقِبه. قال الصنعاني ﵀ في «سبل السلام» (١/ ٥٧)، عند شرح حديث الأعرابي في بوله في المسجد: وفي الحديث فوائد ... ، ومنها: أن الإبعاد عند قضاء الحاجة إنما هو لمن يريد الغائط، لا البول؛ فإنه كان عُرِفَ عند العرب عدم ذلك، وأقرَّهُ الشارع، وقد بال -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وجعَلَ رجلًا عند عقبه يستره. اهـ

стр. 351

٨٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ «اتَّقُوا اللَّاعنَيْنِ: الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ النَّاسِ، أَوْ فِي ظِلِّهِمْ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (١) ٨٧ - وَزَادَ أَبُو دَاوُد، عَنْ مُعَاذٍ: «وَالمَوَارِدُ». (٢) ٨٨ - وَلِأَحْمَدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَوْ نَقْعَ مَاءٍ». وَفِيهِمَا ضَعْفٌ. (٣) ٨٩ - وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ النَّهْيَ عَنْ تَحْتَ الأَشْجَارِ المُثْمِرَةِ، وَضِفَّةِ النَّهْرِ الجَارِي مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ. (٤) المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث مسألة [١]: بعض الأماكن التي لا يجوز التخلي فيها . • قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١/ ٢٢٤): ولا يجوز أن يبول في طريق الناس، ولا مورد ماء، ولا ظل ينتفع به الناس. ثم استدل بحديث معاذ، وحديث أبي هريرة. ثم قال: ولا يبول تحت شجرة مثمرة في حال كون الثمرة عليها؛ لئلا تسقط

стр. 352

عليه الثمرة، فتنجس به، فأما في غير حال الثمرة، فلا بأس؛ فإنَّ النبي ﷺ كان أحب ما استتر لحاجته هدف، أو حائش نخل. اهـ • وقد ذهب الشافعية إلى الكراهة فقط، كما في «شرح المهذب» (٢/ ٨٦ - ٨٧)، والصحيح ما تقدم من أنه لا يجوز. قال الإمام ابن عثيمين ﵀ في «الشرح الممتع» (١/ ١٠٢): والعلة أنَّ البول في الطريق أذِيَّة للمَارَّة، وإيذاء المؤمنين محرم، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب:٥٨]. • وقد رجَّح النووي التحريم في «شرح المهذب» (٢/ ٨٧)، فقال: وظاهر كلام المصنف والأصحاب أنَّ فعل هذه الملاعن، أو بعضها مكروه كراهة تنزية لا تحريم، وينبغى أن يكون محرمًا لهذه الأحاديث، ولما فيه من إيذاء المسلمين، وفى كلام الخطابي وغيره إشارة إلى تحريمه. اهـ وقال الشوكاني ﵀ في «النيل» (٩٢): قَوْلُهُ: «أَوْ فِي ظِلِّهِمْ»، المُرَادُ بِالظِّلِّ هُنَا عَلَى مَا قَالَهُ الْخَطَّابِيّ، وَغَيْره: مُسْتَظَلُّ النَّاسِ الَّذِي يَتَّخِذُونَهُ مَقِيلًا، وَمَنْزِلًا يَنْزِلُونَهُ، وَيَقْعُدُونَ فِيهِ، وَلَيْسَ كُلُّ ظِلٍّ يَحْرُمُ قَضَاءُ الْحَاجَةِ فِيهِ، فَقَدْ قَضَى النَّبِيُّ ﷺ حَاجَتَهُ فِي حَايِشِ النَّخْلِ كَمَا سَلَف، وَلَهُ ظِلٌّ بِلَا شَكٍّ، وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيم التَّخَلِّي فِي طُرُق النَّاس وَظِلِّهِمْ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ أَذِيَّةِ المُسْلِمِينَ بِتَنْجِيسِ مَنْ يَمُرّ بِهِ، وَنَتِنِهِ، وَاسْتِقْذَارِهِ. اهـ

стр. 353

٩٠ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إذَا تَغَوَّطَ الرَّجُلَانِ فَلْيَتَوَارَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ صَاحِبِهِ وَلَا يَتَحَدَّثَا؛ فَإِنَّ اللهَ يَمْقُتُ عَلَى ذَلِكَ». رَوَاهُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ السَّكَنِ، وَابْنُ القَطَّانِ، [وَهُوَ مَعْلُولٌ] (١). (٢) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: الكلام أثناء قضاء الحاجة . • ذهب الشافعية، والحنابلة إلى كراهة ذلك، واستدلوا بحديث أبي سعيد الذي تقدم، وقد تقدم بيان ضعفه. والكراهة حكم شرعي يحتاج إلى دليل، ولذلك قال الإمام ابن عثيمين ﵀ في «الشرح الممتع» (١/ ٩٥): والرَّاجح أنه لا ينبغي أن يتكلم حال قضائه لحاجته؛ إلا لحاجة، كما قال الفقهاء ﵏، كأن يرشد أحدًا، أو كلمه أحد

стр. 354

لابد أن يرد عليه، أو كان له حاجة في شخص، وخاف أن ينصرف، أو طلب ماء، فلا بأس. اهـ مسألة [٢]: ذكر الله أثناء قضاء الحاجة . • ذهب جمهور أهل العلم إلى كراهة الذكر أثناء قضاء الحاجة؛ لحديث ابن عمر ﵄ في «مسلم» (٣٧٠): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مرَّ عليه رجلٌ، وهو يبول، فسلَّم عليه، فلم يرد النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. وأخرج أحمد (٤/ ٣٤٥)، وأبو داود (١٧)، وغيرهما من حديث المهاجر بن قنفذ ﵁، قال: أتيت النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وهو يبول، فسلمت عليه، فلم يرد عليَّ حتى توضأ، ثم اعتذر إلي، فقال: إني كرهت أن أذكر الله تعالى إلا على طهر. قال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٢/ ٨٩): ثم هذه الكراهة التي ذكرها المصنف، والأصحاب، كراهة تنزيه، لا تحريم، بالاتفاق، وحكى ابن المنذر الكراهة عن ابن عباس (١)، وعطاء، وعكرمة، وعن النخعي، وابن سيرين قالا: لا بأس به. قال ابن المنذر ﵀: و تَرْكُ الذِّكر أحَبُّ إليَّ ولا أُؤثم من ذكر، والله أعلم. اهـ (٢)

стр. 355

٩١ - وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا يُمسِكنَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ، وَهُوَ يَبُولُ، وَلَا يَتَمَسَّحُ مِنَ الخَلَاءِ بِيَمِينِهِ، وَلَا يَتَنَفَّسُ فِي الإِنَاءِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: حكم مس الذكر باليمين . • دلَّ حديث أبي قتادة المذكور على تحريم ذلك؛ لأنَّ ذلك هو الأصل في النهي، وهذا مذهب أهل الظاهر. • بينما ذهب الجمهور إلى أنَّ النهي للتنزيه. والراجح ما ذهب إليه أهل الظاهر، وهو ترجيح الصنعاني ﵀؛ لعدم وجود دليل، أو صارف يصرف النهي إلى الكراهة، والله أعلم. (٢) مسألة [٢]: هل تختص الحرمة أثناء البول فقط ؟ قال الحافظ ابن حجر ﵀ في «الفتح» حديث (١٥٤)، مُعَلِّقًا على قول البُخَارِي: قَوْله: [بَاب لَا يُمْسِك ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ إِذَا بَالَ]. قَالَ: أَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة إِلَى أَنَّ النَّهْي الْمُطْلَق عَنْ مَسّ الذَّكَر بِالْيَمِينِ كَمَا فِي الْبَاب قَبْله، مَحْمُول عَلَى الْمُقَيَّد بِحَالَةِ الْبَوْل، فَيَكُون مَا عَدَاهُ مُبَاحًا، وَقَالَ
следующие страницы →