← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 165

فتح العلام في دراسة أحاديث بلوغ المرام ط 4

محمد بن علي بن حزام البعداني

Полный текст (5 956 стр.). Показаны 2906–2945 · переход к 2911.

стр. 2906

مسألة [٤]: قوله: «وَلا بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَك» . جاء النهي عن ذلك أيضًا في حديث حكيم بن حزام عند أحمد (٣/ ٤٠٢)، وأبي داود (٣٥٠٣)، والنسائي (٧/ ٢٨٩) وغيرهم، فقد سأل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فقال: يأتيني الرجل يبتاع مني، وليس عندي ما أبيعه، فأبيعه، ثم أبتاعه من السوق. فقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لا تبع ما ليس عندك»، وفي إسناده: عبدالله بن عصمة، وهو مجهول الحال، ولكن الحديث يرتقي مع حديث عمرو بن شعيب الذي في الباب إلى الصحة. واستدل البخاري على المنع من ذلك بحديث النهي عن بيع الطعام قبل قبضه، فبوَّب في «صحيحه»: [باب بيع الطعام قبل أن يقبض، وبيع ما ليس عندك]، ثم أورد حديث ابن عباس، وابن عمر ﵃ في النهي عن بيع الطعام قبل قبضه. قال الحافظ ﵀ (٢١٣٥): لم يذكر في حديثي الباب بيع ما ليس عندك، وكأنه لم يثبت على شرطه، فاستنبطه من النهي عن البيع قبل القبض، ووجه الاستدلال منه بطريق الأولى. اهـ قال ابن المنذر كما في «الفتح» (٢١٣٥): وبيع ما ليس عندك يحتمل معنيين: أحدهما: أن يقول: أبيعك عبدًا، أو دارًا معينة، وهي غائبة؛ فيشبه الغرر؛ لاحتمال أن تتلف، أو لا يرضاها. ثانيهما: أن يقول: هذه الدار بكذا على أن اشتريها لك من صاحبها، أو على أن يسلمها لك صاحبها.

стр. 2907

قال الحافظ: وقصة حكيم موافقة للاحتمال الثاني. اهـ قال ابن القيم ﵀ في «تهذيب السنن» (٥/ ١٥٦ - ): وأما قوله ﷺ : «لا تبع ما ليس عندك»؛ فهو مطابقٌ لنهيه ﷺ عن بيع الغرر؛ لأنه إذا باع ما ليس عنده؛ فليس هو على ثقة من حصوله، بل قد يحصل له، وقد لا يحصل، فيكون غررًا، كبيع الآبق، والشارد، والطير في الهواء، وما تحمل ناقته، ونحوه. اهـ، ثم استدل بحديث حكيم بن حزام. قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٦/ ٢٩٦): ولا يجوز أن يبيع عينًا لا يملكها؛ ليمضي ويشتريها، ويسلمها روايةً واحدة، وهو قول الشافعي، ولا نعلم فيه مخالفًا. اهـ. ثم استدل بحديث حكيم بن حزام. مسألة [٥]: بيع الرجل ما اغتصب منه لمن يقدر على استرجاعه . قال ابن القيم ﵀ في «تهذيب السنن» (٥/ ١٥٨): فإن قيل: فأنتم تجوزون للمغصوب منه أن يبيع المغصوب لمن يقدر على انتزاعه من غاصبيه، وهو بيع ماليس عنده؟ قيل: لما كان البائع قادرًا على تسليمه بالبيع، والمشتري قادرًا على تسلمه من الغاصب؛ فكأنه قد باعه ما هو عنده، وصار كما لو باعه مالًا وهو عند المشتري وتحت يده، وليس عند البائع، والعندية هنا ليست عندية الحس والمشاهدة؛ فإنه يجوز أن يبيعه ما ليس تحت يده، ومشاهدته، وإنما هي عندية الحكم والتمكين، وهذا واضح، ولله الحمد. اهـ (١)

стр. 2908

مسألة [٦]: هل يدخل بيع السَّلم في بيع ما ليس عندك ؟ صورة السَّلَم: أن يقدم المال كاملًا في مجلس العقد مقابل سلعة موصوفة في الذمة إلى أجل معين. قال ابن القيم ﵀ في «تهذيب السنن» (٥/ ١٥٧ - ١٥٨): وقد ظنَّ طائفةٌ أنَّ السَّلم مخصوص من عموم هذا الحديث؛ فإنه بيع ما ليس عنده، وليس كما ظنُّوه؛ فإنَّ الحديث إنما تناول بيع الأعيان، وأما السَّلم فعقد على ما في الذمة، بل شرطه أن يكون في الذمة، فلو أسلم في مُعَيَّنٍ عنده؛ كان فاسدًا، وما في الذمة مضمون مستقر فيها، وبيع ما ليس عنده إنما نُهي عنه؛ لكونه غير مضمون عليه، ولا ثابت في ذمته، ولا في يده، فالمبيع لابد أن يكون ثابتًا في ذمة المشتري، أو في يده، وبيع ما ليس عنده ليس بواحد منهما؛ فالحديث باقٍ على عمومه. اهـ تنبيه: هذا الحديث: «ولا تبع ما ليس عندك» يدل على شرط من شروط البيع المتقدمة، وهو: الشرط الخامس: أنْ يكون البيع من مالكٍ، أو ممن يقوم مقامه. والذي يقوم مقامه هو الوكيل، أو الوصي إذا كان بعد الموت في الثلث، أو ناظر الوقف أو القاضي في حق المحجور عليه، أو ولي اليتيم، والسفيه، والمجنون والثلاثة الأولون مأذون لهم من قِبَل المالك، والباقون مأذون لهم من قِبَل الشرع.

стр. 2909

مسألة [٧]: البيع بشرط البيع، أو الصرف، أو الإجارة، أو المزارعة، أو نحو ذلك . كأن يقول: أبيعك سيارتي بمائة ألف على أن تبيعني بيتك بثمانين ألفًا. أو يقول: أبيعك سيارتي بمائة ألف على أن تصرف لي المائة السعودي بخمسة آلاف وخمسمائة. وصرفها في السوق بأقل من ذلك، أو يقول: أبيعك سيارتي على أن تؤجرني منزلك بثلاثة آلاف في الشهر، أو على أن تزارعني على الربع. • فجمهور العلماء يرون عدم جواز هذه الصُّوَر؛ لحديث الباب: «نهى عن بيع وسلف»، وحديث: «نهى عن بيعتين في بيعة»؛ ولأنَّ ذلك يؤدي إلى الجهالة بثمن المبيع؛ لأنه لم يبعه بذلك الثمن إلا بسبب وجود العقد الآخر، وهو قول هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية. • وذهب مالك إلى الجواز، واختاره الشيخ ابن عثيمين؛ وذلك لأنَّ الأصل في المعاملات الحِل، وقالوا: الجمع بين العقدين جائزٌ بلا شرط، فما الذي يجعله ممنوعًا مع الشرط، وفي الحديث: «والمسلمون على شروطهم؛ إلا شرطًا أحلَّ حرامًا، أو حرَّم حلالًا». قال أبو عبد الله غفر الله له: قول الجمهور أقرب؛ لأنَّ فيه شبهًا بالنهي عن سلف وبيع، ولا يظهر فرقٌ واضحٌ بينها، والله أعلم. (١)

стр. 2910

٧٨٦ - وَعَنْهُ ﵁، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ العُرْبَانِ. رَوَاهُ مَالِكٌ، قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ بِهِ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: حكم بيع العربان ومعناه . فيه ست لغات: عُرْبُون، وعَرَبون، وعُرْبان، وأَرْبُون، وأَرَبُون، وأُربان. قال ابن القاسم في «حاشيته على الروض» (٤/ ٤٠٧): سُمِّي بذلك؛ لأنَّ فيه إعرابًا بالعقد، يعني إصلاحًا، وإزالة فساد؛ لئلا يملكه غيره بشرائه. وهذا كلام ابن الأثير. وتعريف العربان: هو أن يشتري سلعة فيدفع إلى البائع بعض المال، على أنه إن أخذ السلعة احتسب به من الثمن، وإن لم يأخذها فذلك للبائع. • وقد اختلف أهل العلم في بيع العربان: فذهب جمهور العلماء إلى عدم الجواز، واستدلوا بحديث الباب، وقالوا: فيه غرر، وأكل أموال الناس بدون مقابل. • وذهب أحمد في المشهور عنه، وعليه أكثر أصحابه إلى الجواز، وهو قول مجاهد، وابن سيرين، ونافع بن عبد الحارث، وجاء عن عمر بن الخطاب ﵁

стр. 2911

إقرار ذلك البيع، ولكن في إسناده: عبد الرحمن بن فروخ، وهو مجهول. وجاء أيضًا عن ابن عمر ﵄، وفي إسناده: يحيى بن محمد بن طحلاء، وهو مجهول الحال. واستدل هؤلاء بأنَّ الأصل هو حل المعاملات، والحديث لم يصح في النهي عنه، وأما الجهالة؛ فليس فيه جهالة الميسر التي يكون الداخل فيها بين احتمال الغنم والغرم، وأما هاهنا ففيه مصلحة للبائع والمشتري، وليس فيه أخذ المال بدون مقابل؛ لأنَّ البائع قد يحصل له الضرر بسبب الانتظار، كأن ينخفض سعر السلعة، أو يفقد البائع المشترين، ويتحمل عواقبه البائع. وقد رجَّح هذا القول الإمام ابن عثيمين ﵀، وهو الصحيح فيما يظهر لي، والله أعلم. (١) تنبيه: بيع العربون لا يجوز في ثلاث حالات: الأولى: ما يشترط فيه قبض البدلين، كالأصناف الربوية. الثانية: ما يُشترط فيه قبض أحد البدلين، كبيع السلم؛ فإنه يشترط فيه تقديم جميع المال. الثالثة: أن يكون البائع مالكًا للسلعة؛ لأنه لا يجوز بيع ما لا يملك.

стр. 2912

مسألة [٢]: عقد الاستصناع . المستصنِع بالكسر هو طالب الصناعة، وهو المشتري، والمستَصنَع بالفتح هو المبيع، والبائع هو الصانع. صورته: أن يأتي الرجل إلى مصنع، أو ورشة، ويطلب من صاحبه أن يعمل معه عقد بيع على استصناع أبواب، أو غرفة نوم، أو مجلس عربي، أو تصنيع أحذية، أو تصنيع ملابس، أو غير ذلك، وتكون المواد موجودة عند البائع، فيبرمان العقد، ويدفع بعض الثمن، فما حكم هذا الأمر؟ فيه خلاف: • فالجمهور -ومنهم الشافعي، ومالك، وأحمد- على أنَّ عقد الاستصناع بالصورة المتقدمة لا يجوز، وهو قول زفر من الحنفية، واستدلوا بحديث: «لا تبع ما ليس عندك»؛ فهو بيع معدوم، وإنما رخص ذلك في السَّلَم؛ لأنَّ رأس المال كاملًا يكون متوفرًا حال العقد، بخلاف عقد الاستصناع، فلا يشترط فيه تقديم رأس المال. • والحنفية يرون جواز عقد الاستصناع، وهو قول بعض الحنابلة، وقال به مالك إذا كان حدد أجلًا، وقالوا: إنه من حاجة الناس، ولا غنى لهم عنه، وقالوا: عليه عمل المسلمين، وهو من عقود المعاوضات التي ليس فيه غرر، ولا جهالة. قال الإمام عبد الرحمن السعدي -بعد ما ذكر مذهب الجمهور-: وقيل: يصح، وهو أولى؛ لعدم الجهالة، فشرط الصحة موجودٌ، والمانع مفقودٌ، ومن قال

стр. 2913

بالتحريم؛ فعليه الدليل، وأنَّى له ذلك. اهـ وقال الإمام العثيمين ﵀ في كتاب «لقاء الباب المفتوح» (رقم ١٣١ ص ٢٦): هذا لا بأس به؛ لأنه لم يبع عليه شيئًا معينًا، إنما اتفق معه على استصناع شيء معين، فالصواب: أنه لا بأس به، وليس فيه مانع، ويكون هذا ثابتًا في ذمته، ويعمل بمقتضى العقد. اهـ قال أبو عبد الله غفر الله له: يظهر لي أن عقد الاستصناع ليس من باب: (بيع السَّلَم)؛ فإن صورته مختلفة؛ فبيع السَّلَم بيع لموصوف في الذمة غير موجود، وههنا المواد موجودة، ولكن بقي تصنيعها على الوجه المتفق عليه إلى أجل معلوم، وليس في هذا غرر ولا جهالة، فالأقرب أنه من باب: (بيع الشيء الغائب) مع خيار الرؤية، فإلحاقه بهذه الصورة أقرب، والله أعلم. تنبيه: أبو حنيفة يجعل عقد الاستصناع مُلزِمًا للصانع، وليس بملزم للمشتري، وهذا قولٌ غريب، وأبو يوسف يرى أنه ملزم للطرفين، وهذا هو الذي رجحه كثير من الحنفية، ورجحه المجمع الفقهي بشرط أن تتوفر في المستصنَع الشروط، فإذا وجد المشتري خلافًا للشروط التي اشترطها؛ فليس الشراء لازمًا له.

стр. 2914

شروط عقد الاستصناع: ١ - بيان جنس المستصنع. ... ٢ - بيان نوعه. ... ٣ - بيان قدره. ٤ - أوصافه المطلوبة. ... ٥ - تحديد الأجل. مما يجوز في عقد الاستصناع. ١ - تقديم كامل رأس المال. ... ٢ - تأخير كامل رأس المال. ٣ - تقديم جزء من المال. ... ٤ - دفعه أقساطًا. ٥ - يجوز أن يتضمن شرطًا جزائيًّا إذا اتفق عليه المتعاقدون. مثال الشرط الجزائي من قبل البائع: أن يقول للمشتري: سأصنع لك ما طلبت، ولكن إذا تراجعت عن الشراء فأطالبك بعشرة في المائة من ثمن المستصنع مثلًا. مثال الشرط الجزائي من قِبَل المشتري: أن يقول للصانع: لو تأخرت عن صناعة المطلوب، وصرت أنا عاجزًا عن شراء هذا المستصنع إلا بسعر أرفع، وأنا مستعجل؛ فيلزمك دفع الزيادة لتأخيرك لي عن ا لشراء في وقت الرخاء. والمجمع الفقهي، وهيئة كبار العلماء يجيزون هذا الشرط الجزائي. (١)

стр. 2915

٧٨٧ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: ابْتَعْتُ زَيْتًا فِي السُّوقِ، فَلَمَّا اسْتَوْجَبْتُهُ لَقِيَنِي رَجُلٌ فَأَعْطَانِي بِهِ رِبْحًا حَسَنًا، فَأَرَدْتُ أَنْ أَضْرِبَ عَلَى يَدِ الرَّجُلِ، فَأَخَذَ رَجُلٌ مِنْ خَلْفِي بِذِرَاعِي فَالتَفَتُّ فَإِذَا هُوَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فَقَالَ: لَا تَبِعْهُ حَيْثُ ابْتَعْته حَتَّى تَحُوزَهُ إلَى رَحْلِك؛ فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى أَنْ تُبَاعَ السِّلَعُ حَيْثُ تُبْتَاعُ حَتَّى يَحُوزَهَا التُّجَّارُ إلَى رِحَالِهِمْ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُودَاوُد وَاللَّفْظُ لَهُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالحَاكِمُ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث يستفاد من الحديث المتقدم: أنَّ السلعة إذا اشتريت فلا يجوز بيعها حتى يحولها، وقوله «إلَى رِحَالِهِمْ» خرج مخرج الغالب، وليس ذلك بشرط، وإنما الواجب هو قبضها، وهذا الحديث محمول على ما ينقل، وأما العقارات، وما لا ينقل، أو يشق نقله؛ فقبضه بالتخلية بينه وبين المشتري. ويستفاد من هذا الحديث: أنَّ هذا الحكم عام في الطعام وغيره من المتاع؛ لعموم قوله: «أن تُباع السِّلَع»، و (السِّلَع) جمع (سِلعة)، وهي المتاع وما يُتَّجَرُ بِهِ، وقد تقدم ذكر أقوال العلماء في هذه المسائل، وبيان الراجح منها تحت حديث رقم (٧٨٣).

стр. 2916

٧٨٨ - وَعَنْهُ ﵁، قَالَ: قُلْت يَا رَسُولَ اللهِ، إنِّي أَبِيعُ الإِبِلَ بِالبَقِيعِ فَأَبِيعُ بِالدَّنَانِيرِ وَآخُذُ الدَّرَاهِمَ، وَأَبِيعُ بِالدَّرَاهِمِ وَآخُذُ الدَّنَانِيرَ، آخُذُ هَذَا مِنْ هَذِهِ وَأُعْطِي هَذِهِ مِنْ هَذَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا بَأْسَ أَنْ تَأْخُذَهَا بِسِعْرِ يَوْمِهَا مَا لَمْ تَفْتَرِقَا وَبَيْنَكُمَا شَيْءٌ». رَوَاهُ الخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: التقاضي بدل الدراهم دنانير والعكس، أو التقاضي بعملة غير العملة التي أسلفه فيها . • ذهب أكثر أهل العلم إلى جواز ذلك، وقالوا: يكون صرفًا بعين وذمة، وصحَّ القول بالجواز عن عمر وابنه عبد الله بن عمر ﵄، أخرج أثر عمر ابن المنذر في «الأوسط» (١٠/ ١٩٢) بإسنادٍ صحيحٍ، وأثر ابن عمر مخرج في

стр. 2917

حديث الباب. • ومنع من ذلك ابن شبرمة، وأبو سلمة، وابن سيرين، وأبو عبيدة بن عبد الله ابن مسعود، وصحَّ هذا القول عن ابن عباس ﵄، وجاء عن ابن مسعود بسند منقطع؛ لأنه من طريق: ابن سيرين، قال: بلغني عن ابن مسعود، وعللَّ بعضهم ذلك بأنَّ القبض شرطٌ، وقد تخلف. واستدل الجمهور على الجواز بحديث ابن عمر الذي في الباب، وقد تقدم أنه ضعيف، وقالوا: الأصل هو جواز المعاملات؛ مالم يأت دليل على التحريم، ولا نعلم دليلًا على تحريم المصارفة بين حاضر، وذمة، وهذا القول هو الصواب، وقد رجحه الإمام ابن عثيمين ﵀ في «شرح البلوغ». وقد اختلف الجمهور: هل يجوز أن يأخذ منه أكثر من سعر يومها؟ • فذهب الحنفية، والشافعية إلى أنه يجوز له أن يأخذ أكثر من سعر يومها، واختار هذا القول الصنعاني ﵀ في «السبل»؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «فإذا اختلفت هذه الأصناف؛ فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد». • وذهب أحمد وغيره إلى أنه لا يجوز له أن يأخذ منه أكثر من سعر ذلك اليوم، واختار هذا القول ابن القيم، ومال إليه الشوكاني، ورجحه الإمام ابن عثيمين ﵀؛ لأنه إذا صارفه بأكثر من سعر السوق؛ فقد ربح فيما لم يضمن، وقد تقدم الحديث في النهي عن ذلك، وهذا القول أقرب، والله أعلم.

стр. 2918

تنبيه: لا بأس أن يأخذها منه بأقل من سعر السوق؛ لأنَّ ذلك يُعتبر إعانة من البائع، ولا بأس أيضًا أن يتسامح المشتري ويعطيه أكثر من سعر السوق على سبيل الهبة، والإحسان، لا على سبيل المعاوضة والصرافة. تنبيه: يُشترط التقابض؛ لأنَّ المصارفة يُشترط فيها ذلك كما سيأتي في أبواب الربا. (١) مسألة [٢]: إذا كان الذي في الذمة مؤجلا لم يأت وقت سداده، فهل يجوز المصارفة فيه ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٥/ ١٠٨): فَإِنْ كَانَ الْمَقْضِيُّ الَّذِي فِي الذِّمَّةِ مُؤَجَّلًا، فَقَدْ تَوَقَّفَ أَحْمَدُ فِيهِ، وَقَالَ الْقَاضِي: يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: الْمَنْعُ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَمَشْهُورُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ مَا فِي الذِّمَّةِ لَا يُسْتَحَقُّ قَبْضُهُ، فَكَانَ الْقَبْضُ نَاجِزًا فِي أَحَدِهِمَا، وَالنَّاجِزُ يَأْخُذُ قِسْطًا مِنْ الثَّمَنِ. وَالْآخِرُ الْجَوَازُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ ثَابِتٌ فِي الذِّمَّةِ بِمَنْزِلَةِ الْمَقْبُوضِ، فَكَأَنَّهُ رَضِيَ بِتَعْجِيلِ الْمُؤَجَّلِ، وَالصَّحِيحُ الْجَوَازُ إذَا قَضَاهُ بِسِعْرِ يَوْمِهَا، وَلَمْ يَجْعَلْ لِلْمَقْضِيِّ فَضْلًا لِأَجْلِ تَأْجِيلِ مَا فِي الذِّمَّةِ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَنْقُصْهُ عَنْ سِعْرِهَا شَيْئًا، فَقَدْ رَضِيَ بِتَعْجِيلِ مَا فِي الذِّمَّةِ بِغَيْرِ عِوَضٍ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَضَاهُ مِنْ جِنْسِ الدَّيْنَ. اهـ

стр. 2919

٧٨٩ - وَعَنْهُ ﵁، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ النَّجْشِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: تعريف النجش، وحكمه . قال الحافظ ابن حجر ﵀: (النَّجْش) بِفَتْحِ النُّونِ، وَسُكُون الْجِيمِ بَعْدَهَا مُعْجَمَة، وَهُوَ فِي اللُّغَةِ: تَنْفِيرُ الصَّيْد وَاسْتِثَارَتُهُ مِنْ مَكَانِهِ؛ لِيُصَادَ، يُقَالُ: نَجَشْتُ الصَّيْد أَنْجُشُهُ بِالضَّمِّ نَجْشًا. وَفِي الشَّرْعِ: الزِّيَادَة فِي ثَمَنِ السِّلْعَةِ مِمَّنْ لَا يُرِيدُ شِرَاءَهَا لِيَقَع غَيْرُهُ فِيهَا، سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ النَّاجِشَ يُثِيرُ الرَّغْبَةَ فِي السِّلْعَةِ، وَيَقَعُ ذَلِكَ بِمُوَاطَأَةِ الْبَائِعِ، فَيَشْتَرِكَانِ فِي الْإِثْمِ، وَيَقَعُ ذَلِكَ بِغَيْرِ عِلْمِ الْبَائِعِ؛ فَيَخْتَصُّ بِذَلِكَ النَّاجِشُ، وَقَدْ يَخْتَصُّ بِهِ الْبَائِعُ، كَمَنْ يُخْبِرُ بِأَنَّهُ اِشْتَرَى سِلْعَة بِأَكْثَر مِمَّا اِشْتَرَاهَا بِهِ؛ لِيَغُرّ غَيْره بِذَلِكَ. انتهى المراد. حكمه: حرامٌ بالإجماع، نقله ابن بطال كما في «الفتح» (٢١٤٢)، وابن عبد البر كما في «التمهيد» (١٢/ ٢٩٠). مسألة [٢]: ما حكم البيع إذا حصل فيه نجش ؟ • من أهل العلم من قال ببطلان البيع، وهو مذهب الظاهرية، ورواية عن مالك، ورواية عن أحمد؛ لأنَّ النهي يقتضي الفساد، وهو اختيار البخاري، وعزاه ابن المنذر إلى طائفة من أهل الحديث.

стр. 2920

• وذهب أكثر أهل العلم -كما ذكر ابن قدامة- إلى صحة البيع، وهو قول أحمد، وظاهر مذهب الحنابلة عليه، وهو قول الشافعي، وأصحاب الرأي؛ وذلك لأنَّ النهي عائدٌ إلى النجش، لا إلى أصل البيع، واختار هذا القول الإمام ابن عثيمين. وقال الحافظ ﵀: والمشهور عن المالكية في مثل ذلك ثبوت الخيار، وهو وجهٌ للشافعية. اهـ قال أبو عبد الله غفر الله له: القول الثاني هو الأقرب. ولكن إذا حصل غبن للمشتري غير يسير؛ فله الخيار، وهو قول الحنابلة، وخصَّ ذلك بعض الشافعية فيما إذا كان النجش بعلم البائع. (١) تنبيه: قال الحافظ ابن حجر ﵀ في «الفتح» (٢١٤٢): وَقَدْ اِتَّفَقَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى تَفْسِير النَّجْش فِي الشَّرْعِ بِمَا تَقَدَّمَ، وَقَيَّد اِبْن عَبْد الْبَرّ، وَابْن الْعَرَبِيِّ، وَابْن حَزْم التَّحْرِيم بِأَنْ تَكُونَ الزِّيَادَة الْمَذْكُورَة فَوْقَ ثَمَن الْمِثْل. قَالَ اِبْن الْعَرَبِيِّ: فَلَوْ أَنَّ رَجُلًا رَأَى سِلْعَةَ رَجُلٍ تُبَاعُ بِدُونِ قِيمَتِهَا، فَزَادَ فِيهَا؛ لِتَنْتَهِيَ إِلَى قِيمَتِهَا؛ لَمْ يَكُنْ نَاجِشًا عَاصِيًا، بَلْ يُؤْجَرُ عَلَى ذَلِكَ بِنِيَّتِهِ. وَقَدْ وَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ إِذْ لَمْ تَتَعَيَّنْ النَّصِيحَة فِي أَنْ يُوهِمَ أَنَّهُ يُرِيدُ الشِّرَاء وَلَيْسَ مِنْ غَرَضِهِ، بَلْ غَرَضُهُ أَنْ يَزِيدَ عَلَى

стр. 2921

مَنْ يُرِيدُ الشِّرَاء أَكْثَرَ مِمَّا يُرِيدُ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهِ، فَلِلَّذِي يُرِيدُ النَّصِيحَة مَنْدُوحَة عَنْ ذَلِكَ أَنْ يُعْلِمَ الْبَائِع بِأَنَّ قِيمَةَ سِلْعَتِك أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ هُوَ بِاخْتِيَارِهِ بَعْدَ ذَلِكَ. انتهى المراد. وقد اختار الصنعاني، والشوكاني قول الأكثر، وتابعوا الحافظَ على ما ذكر.

стр. 2922

٧٩٠ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ المُحَاقَلَةِ، وَالمُزَابَنَةِ، وَالمُخَابَرَةِ، وَعَنِ الثُّنْيَا، إلَّا أَنْ تُعْلَمَ. رَوَاهُ الخَمْسَةُ إلَّا ابْنَ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: معنى المحاقلة، وحكمها . • اختلف في تفسير المحاقلة، وهي مأخوذة من الحَقْل، وهو الزرع، والأقرب في تفسيرها أنها بيع الزرع بحبٍّ من جنسه. قال النووي ﵀ في «المجموع» (٩/ ٣٠٩): قال العلماء: المحاقلة بيع الحنطة في سنبلها بكيل معلوم من الحنطة، واتفق العلماء على بطلانها، وله علتان مع الحديث: إحداهما: أنه بيع حنطة وتبن بحنطة، وذلك ربا. والثانية: أنه بيع حنطة في سنبلها. انتهى المراد. (٢) مسألة [٢]: معنى المزابنة، وحكمها . قال الحافظ ﵀ في «الفتح» (٢١٨٣): (الْمُزَابَنَة) بِالزَّاي وَالْمُوَحَّدَة وَالنُّونِ، مُفَاعَلَة مِنْ الزَّبْنِ بِفَتْحِ الزَّايِ، وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ، وَهُوَ الدَّفْعُ الشَّدِيدُ،

стр. 2923

وَمِنْهُ سُمِّيَتْ الْحَرْبُ (الزَّبُونَ)؛ لِشِدَّةِ الدَّفْعِ فِيهَا، وَقِيلَ لِلْبَيْعِ الْمَخْصُوصِ: الْمُزَابَنَة؛ لِأَنَّ كُلّ وَاحِد مِنْ الْمُتَبَايِعَيْنِ يَدْفَعُ صَاحِبه عَنْ حَقِّهِ، أَوْ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا إِذَا وَقَفَ عَلَى مَا فِيهِ مِنْ الْغَبْنِ أَرَادَ دَفْع الْبَيْع بِفَسْخِهِ، وَأَرَادَ الْآخَر دَفْعَهُ عَنْ هَذِهِ الْإِرَادَةِ بِإِمْضَاء الْبَيْع. اهـ قلتُ: والمزابنة مفسرة بحديث ابن عمر ﵄ في «الصحيحين» (١) أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نهى عن المزابنة، وهي أن يبيع ثمر حائطه إن كان نخلًا بتمرٍ كيلًا، وإن كان كرمًا بزبيب كيلًا، وإن كان زرعًا أن يبيعه بكيل طعام، وسيأتي مزيدٌ في الكلام على ذلك في باب الربا. مسألة [٣]: معنى المخابرة، وحكمها . قال ابن الأثير في «النهاية» (مادة خبر): قيل: هي الْمُزارَعة على نَصيب مُعَيَّن كالثلث، والرُّبع وغيرهما، والْخُبْرة: النَّصيبُ. وقيل: هو من الْخَبار: الأرضِ اللَّينة. وقيل: أصل المخابرة من خَيْبر؛ لأن النبي ﷺ أقرَّها في أيدي أهلها على النِّصف من محصولها، فقيل: خابَرَهم، أي: عاملهم في خَيبر. انتهى. وسيأتي حكمها إن شاء الله في باب المساقاة والمزارعة. مسألة [٤]: قوله: وعن الثنيا إلا أن تعلم . المراد بالثنيا، أي: استثناء شيء من المبيع، وله صور: أحدها: استثناء شيء معلوم من مقدارٍ معلوم.

стр. 2924

قال النووي ﵀ في «شرح مسلم» (١٥٣٦): فلو قال: بعتك هذه الأشجار إلا هذه الشجرة، أو: هذه الشجرة إلا ربعها، أو: الصبرة إلا ثلثها، أو: بعتك بألف إلا درهمًا، وما أشبه ذلك من الثُنيا المعلومة؛ صحَّ البيع باتفاق العلماء. اهـ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٦/ ١٧٣): إذا استثنى نخلةً، أو شجرةً بعينها؛ جاز، ولا نعلم في ذلك خلافًا، وذلك لأنَّ المستثنى معلوم، ولا يؤدي إلى جهالة المستثنى منه. اهـ وقد استدلوا بحديث الباب: «وعن الثنيا إلا أن تعلم». وتمثيل النووي ﵀ بـ (الصبرة إلا ثلثها) ليس فيه اتفاق من العلماء، فقد خالف في ذلك بعض الحنابلة كما في «المغني» (٦/ ١٧٣)، والصواب جوازها، وعليه أكثر الحنابلة. ثانيها: أن يبيع مزرعته ويستثني خمس شجرات مثلا، أو يبيع قطيع الغنم ويستثني خمسًا بدون تعيين. • ذهب أكثر أهل العلم كما ذكر ابن قدامة إلى أنَّ البيع لا يصح، واستدل عليه بحديث الباب: «وعن الثنيا إلا أن تعلم»، وبحديث: «نهى عن بيع الغرر» (١)، وذلك لأنَّ الاستثناء مجهول؛ فصار المستثنى منه وهو المبيع مجهولًا. • وذهب مالك ﵀ إلى الجواز.

стр. 2925

والصواب قول الجمهور؛ لما تقدم، والله أعلم. (١) ثالثها: أن يستثني شيئًا معلومًا من شيء معلوم بالمشاهدة لا بالقدر. وذلك مثل أن يبيع ثمرة بستان، ويستثني منها صاعًا، أو آصع، أو باع صبرة طعام واستثنى منها مثل ذلك. • فذهب جماعة من أهل العلم إلى أنَّ ذلك لا يجوز، وهو قول سعيد بن المسيب، والحسن، والشافعي، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وأصحاب الرأي، وذلك لأنَّ المبيع معلوم بالمشاهدة لا بالقدر، والاستثناء يغير حكم المشاهدة؛ لأنَّه لا يدري كم يبقى في حكم المشاهدة؛ فلم يجز. • وذهب جماعة من أهل العلم إلى جواز هذا الاستثناء، وصحة البيع، وهو قول ابن سيرين، وسالم، ومالك وأحمد في رواية واستدلوا بحديث الباب: «وعن الثنيا إلا أن تعلم». وذكر النووي ﵀ في «شرح مسلم» أنَّ مالكًا قيَّد ذلك بما إذا كان الاستثناء أقل من الثلث. قال أبو عبد الله غفر الله له: الَّراجح هو الجواز؛ لأنه استثناء معلوم، وبالله التوفيق. (٢) رابعها: أن يبيع حيوانًا مأكولاً ويستثني منه رأسه، أو جلده، أو أطرافه.

стр. 2926

• ذهب الإمام أحمد ﵀ إلى صحة البيع؛ لحديث الباب: «وعن الثنيا إلا أن تعلم»، فإذا كان الاستثناء معلومًا؛ فالمستثنى منه معلوم. • وقال مالك: يصح الاستثناء في السفر دون الحضر؛ لأنَّ المسافر لا ينتفع بذلك. • وقال الشافعية، والحنفية: لا يجوز؛ لأنه لا يجوز إفراده بالعقد؛ فلا يجوز استثناؤه، كالحمل. والقول الأول هو الصواب، وقد رجَّحه الإمام ابن عثيمين، وأما قولهم: (لا يجوز إفراده بالبيع) فليس بمُسَلَّم، ثم هو استبقاء وليس ببيع. (١) خامسها: بيع الحيوان واستثناء الحمل. • ذهب كثيرٌ من أهل العلم إلى منع ذلك، وهو قول مالك، والشافعي، والثوري، وأحمد، وأبي حنيفة وغيرهم؛ لأنه مجهول لا يصح إفراده بالبيع؛ فلا يصح استثناؤه. • وذهب أحمد في رواية إلى صحته، وهو قول النخعي، والحسن، وإسحاق، وأبي ثور. ورجَّح هذا القول الإمام ابن عثيمين؛ لأنَّ الاستثناء ليس ببيع، بل هو استبقاء، وهو الصواب، والله أعلم. (٢) سادسها: بيع الحيوان واستثناء شحمه.

стр. 2927

قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٦/ ١٧٥): فإن استثنى شحم الحيوان؛ لم يصح، نصَّ عليه أحمد، قال أبو بكر: لا يختلفون عن أبي عبد الله أنه لا يجوز، وذلك لأنَّ النبي ﷺ نهى عن الثُنيا إلا أن تُعلم. اهـ. وهذا عليه عامة أهل العلم. (١) مسألة [٥]: إذا امتنع المشتري من الذبح وقد استثنى البائع شيئًا من الحيوان ؟ إذا اشترط عليه الذبح فيلزم المشتري بذبحها؛ فالمسلمون على شروطهم وإن لم يشترط عليه ذلك فيقوم العضو الذي استثناه ويُلزم البائع بأخذ قيمته من النقود. (٢) تنبيه: لو كان في الجزء المستثنَى عيبٌ؛ فللمشتري أن يرد الحيوان بذلك؛ لأنَّ العيب يؤثر في سعر الحيوان كاملًا، وبهذا أفتى الشيخ ابن عثيمين ﵀. (٣) مسألة [٦]: هل يجوز بيع الأمة، واستثناء ما في بطنها ؟ اختلف أهل العلم في بيع الأمة والناقة، ويستثنى ما في بطنها. فقالت طائفة: البيع جائز، والشرط لازم. كذلك قال النخعي، والحسن، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وابن المنذر. وأخرج ابن المنذر عن ابن عمر ﵄ بإسنادٍ صحيحٍ أنه أعتق غلامًا له وامرأته، واستثنى ما في بطنها.

стр. 2928

وقالت طائفة: إذا فعل ذلك فسد البيع. كذلك قال سفيان الثوري، ومالك، والشافعي، وأصحاب الرأي. قال أبو عبد الله غفر الله له: الاستثناء معلوم، ولا جهالة فيه؛ فلا وجه للمنع من ذلك، والصحيح هو مشروعية ذلك. (١) مسألة [٧]: ما حكم بيع السلعة بدينار إلا درهم ؟ قال ابن المنذر ﵀ في «الأوسط» (١٠/ ٣٣٤): أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن للرجل أن يبيع السلعة بدينار إلا قيراط، أو بدينار ودرهم. واختلفوا فيمن باع سلعته بدينار إلا درهم ... . • ثم نقل المنع من ذلك عن النخعي، وعطاء، وابن سيرين، وابن أبي ليلى، والأوزاعي والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق، وقالوا: هذا يؤدي إلى الجهالة. • وذهب جماعة من أهل العلم إلى الجواز إذا كان ثمن الصرف بين الدراهم والدنانير معلومة، وهو قول الثوري، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وعبد الله بن الحسن، وبعض الشافعية، والحنابلة. وهذا القول أقرب، واختاره الإمام العثيمين، والله أعلم. (٢) تنبيه: حديث جابر ﵁ الذي في الباب يدل على شرط من شروط صحة البيع المتقدمة، وهو: أن يكون المبيع معلومًا برؤيةٍ، أو وصفٍ.

стр. 2929

٧٩١ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ المُحَاقَلَةِ، وَالمُخَاضَرَةِ، وَالمُلَامَسَةِ، وَالمُنَابَذَةِ، وَالمُزَابَنَةِ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: معنى المخاضرة وحكمها . المخاضرة: هي بيع الثمر، والحب قبل بدو صلاحه، وسيأتي الكلام على حكم ذلك إن شاء الله تعالى في باب الرخصة في العرايا، وبيع الأصول والثمار. مسألة [٢]: معنى الملامسة . قال الحافظ ابن حجر ﵀ في «الفتح» (٢١٤٦): وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي تَفْسِير الْمُلَامَسَة عَلَى ثَلَاثِ صُوَرٍ، وَهِيَ أَوْجُهٌ لِلشَّافِعِيَّةِ: أَصَحُّهَا: أَنْ يَأْتِيَ بِثَوْبٍ مَطْوِيٍّ، أَوْ فِي ظُلْمَةٍ، فَيَلْمِسَهُ الْمُسْتَام، فَيَقُولَ لَهُ صَاحِب الثَّوْبِ: بِعْتُكَهُ بِكَذَا، بِشَرْطِ أَنْ يَقُومَ لَمْسك مَقَام نَظَرك، وَلَا خِيَارَ لَك إِذَا رَأَيْته، وَهَذَا هُوَ مُوَافِقٌ لِلتَّفْسِيرَيْنِ اللَّذَيْنِ فِي الْحَدِيثِ. -يعني حديث أبي هريرة، وأبي سعيد في «الصحيحين» -. الثَّانِي: أَنْ يَجْعَلَا نَفْسَ اللَّمْسِ بَيْعًا بِغَيْرِ صِيغَةٍ زَائِدَةٍ. الثَّالِثُ: أَنْ يَجْعَلَا اللَّمْسَ شَرْطًا فِي قَطْعِ خِيَارِ الْمَجْلِس وَغَيْره. وَالْبَيْعُ عَلَى التَّأْوِيلَاتِ كُلِّهَا بَاطِل. اهـ

стр. 2930

قلتُ: والتفسير الأول هو الأصح، وعليه أكثر أهل العلم، وهو من بيوع الجاهلية، فنهى عنه الشرع. (١) مسألة [٣]: معنى المنابذة . قال الحافظ ﵀ في «الفتح» (٢١٤٦): وَأَمَّا الْمُنَابَذَةُ فَاخْتَلَفُوا فِيهَا أَيْضًا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالِ، وَهِيَ أَوْجُهٌ لِلشَّافِعِيَّةِ: أَصَحّهَا: أَنْ يَجْعَلَا نَفْسَ النَّبْذِ بَيْعًا كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمُلَامَسَةِ وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِلتَّفْسِيرِ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ. وَالثَّانِي: أَنْ يَجْعَلَا النَّبْذَ بَيْعًا بِغَيْرِ صِيغَة. وَالثَّالِث: أَنْ يَجْعَلَا النَّبْذَ قَاطِعًا لِلْخِيَارِ. وَاخْتَلَفُوا فِي تَفْسِير النَّبْذ، فَقِيلَ: هُوَ طَرْح الثَّوْب كَمَا وَقَعَ تَفْسِيرُهُ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ، وَقِيلَ: هُوَ نَبْذ الْحَصَاة، وَالصَّحِيح أَنَّهُ غَيْرُهُ. اهـ قلتُ: والأكثر على تفسير المنابذة بالقول الأول، وانظر المصادر السابقة. مسألة [٤]: بيع الشيء الغائب . • فيه أقوال: القول الأول: لا يجوز ذلك، والبيع باطل، وهو قول الشافعي في الجديد، والحكم، وحماد؛ لأنه إذا نُهِي عن الملامسة، فيستفاد منه النهي عن بيع الغائب.

стр. 2931

القول الثاني: يصح البيع، وله خيار الرؤية، وافق الوصف، أم لم يوافق، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، والثوري، والأوزاعي. القول الثالث: يصح البيع، ويجوز إذا وصفه له وصفًا صحيحًا، فإذا وافق الوصف؛ فلا خيار له، وإن لم يوافق؛ فهو بالخيار، وهو قول الجمهور، ومنهم: مالك، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وابن المنذر، وأبو عبيد، والشافعي في القديم. قلتُ: وهذا القول هو الصواب، ويمكن أن يُستَدلَّ له بالسَّلم؛ فإنَّ السلم يجوز مع كونه مؤخَّرًا إذا كان موصوفًا، فهذا من باب أولى، والله أعلم. (١) مسألة [٥]: بيع الأعمى وشراؤه . قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٦/ ٣٠٢): فَأَمَّا بَيْعُ الْأَعْمَى وَشِرَاؤُهُ: فَإِنْ أَمْكَنَهُ مَعْرِفَةُ الْمَبِيعِ بِالذَّوْقِ إنْ كَانَ مَطْعُومًا، أَوْ بِالشَّمِّ إنْ كَانَ مَشْمُومًا؛ صَحَّ بَيْعُهُ وَشِرَاؤُهُ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ؛ جَازَ بَيْعُهُ كَالْبَصِيرِ، وَلَهُ خِيَارُ الْخَلْفِ فِي الصِّفَةِ. وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَأَثْبَتَ أَبُو حَنِيفَةَ لَهُ الْخِيَارَ إلَى مَعْرِفَتِهِ بِالْمَبِيعِ، إمَّا بِحِسِّهِ، أَوْ ذَوْقِهِ، أَوْ وَصْفِهِ. وَقَالَ عُبَيْدُ الله بْنُ الْحَسَنِ: شِرَاؤُهُ جَائِزٌ، وَإِذَا أَمَرَ إنْسَانًا بِالنَّظَرِ إلَيْهِ؛ لَزِمَهُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَجُوزُ إلَّا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَجُوزُ فِيهِ بَيْعُ الْمَجْهُولِ، أَوْ يَكُونُ قَدْ رَآهُ بَصِيرًا، ثُمَّ اشْتَرَاهُ قَبْلَ مُضِيِّ زَمَنٍ يَتَغَيَّرُ الْمَبِيعُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ مَجْهُولُ

стр. 2932

الصِّفَةِ عِنْدَ الْعَاقِدِ، فَلَمْ يَصِحَّ كَبَيْعِ الْبَيْضِ فِي الدَّجَاجِ، وَالنَّوَى فِي التَّمْرِ. قال: وَلَنَا أَنَّهُ يُمْكِنُ الِاطِّلَاعُ عَلَى الْمَقْصُودِ وَمَعْرِفَتُهُ، فَأَشْبَهَ بَيْعَ الْبَصِيرِ، وَلِأَنَّ إشَارَةَ الْأَخْرَسِ تَقُومُ مَقَامَ نُطْقِهِ، فَكَذَلِكَ شَمُّ الْأَعْمَى وَذَوْقُهُ، وَأَمَّا الْبَيْضُ وَالنَّوَى فَلَا يُمْكِنُ الِاطِّلَاعُ عَلَيْهِ، وَلَا وَصْفُهُ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا. اهـ قلتُ: الصواب مذهب مالك، وأحمد ومن معهما، والله أعلم. (١) تنبيه: حديث الباب يدل على شرطٍ من شروطِ صحة البيع المتقدمة في أوائل الكتاب، وهو: أن يكون المبيع معلومًا بوصفٍ، أو رؤية.

стр. 2933

٧٩٢ - وَعَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا تَلَقَّوا الرُّكْبَانَ، وَلَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ». قُلْت لِابْنِ عَبَّاسٍ: مَا قَوْلُهُ وَلَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ؟ قَالَ: لَا يَكُونُ لَهُ سِمْسَارًا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. (١) ٧٩٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا تَلَقَّوا الجَلَبَ، فَمَنْ تُلُقِّيَ فَاشْتُرِيَ مِنْهُ، فَإِذَا أَتَى سَيِّدُهُ السُّوقَ فَهُوَ بِالخِيَارِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (٢) المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين مسألة [١]: تلَقِّي الجَالب للسلعة في الطريق . • دلَّ حديثُ الباب على عدم جواز ذلك، وهو قول الجمهور. قال ابن قدامة ﵀: وكرهه أكثر أهل العلم، منهم: عمر بن عبد العزيز، ومالك، والليث، والأوزاعي، والشافعي، وإسحاق، وحُكي عن أبي حنيفة أنه لم ير بذلك بأسًا، وسنة رسول الله ﷺ أحقُّ أن تتبع. اهـ قال الحافظ في «الفتح»: قلت: الذي في كتب الحنفية: يكره التلقي في حالتين: أن يضر بأهل البلد، وأن يلتبس السعر على الواردين. اهـ قلتُ: الحديث صريح في عدم الجواز، وقد ذكروا أنَّ العلة في ذلك أنه يحصل غبن للقادمين؛ لأنهم لا يعرفون أسعار السوق الذي سيأتونه، والغالب أنَّ الذين

стр. 2934

يتلقونهم يريدون أن يشتروا منهم بدون ثمن المثل. وقالوا أيضًا: يؤدي إلى التضييق على أهل السوق؛ لأنَّ القادم من بعيد جاء لينفق سلعته؛ فإنه يرضى باليسير، بخلاف الذي يتلقاهم فإنه سيرفع الثمن. واختار ابن حزم أنَّ العلة تعبدية، والظاهر أنَّ العلة هو ما تقدم ذكره؛ لأنه جاء في حديث أبي هريرة ﵁ في الباب: «فإذا أتى سيده السوق فهو بالخيار»، ففيه إشارة إلى ذلك، والله أعلم. (١) مسألة [٢]: ما هو الحدُّ الذي لا يجوز لهم فيه التلقي ؟ • أكثر أهل العلم على أنه لا يجوز التلقي حتى يصلوا إلى السوق الذي تباع السلعة فيه، وهو قول مالك، وأحمد، وإسحاق، والليث، وابن المنذر، وغيرهم، وهو ظاهر اختيار البخاري، واستَدَل له بحديث ابن عمر ﵄ قال: كانوا يبتاعون الطعام في أعلى السوق، فيبيعونه مكانه، فنهاهم النبي ﷺ أن يبيعوه في مكانه حتى ينقلوه. وفي رواية في الحديث: كنا نتلقى الركبان، فنشتري منهم الطعام. • وحدَّ الشافعية النهي عن التلقي حتى يدخل البلد؛ لأنهم إذا قدموا البلد أمكنهم معرفة السعر وطلب الحظ لأنفسهم؛ فإن لم يفعلوا ذلك فهو من تقصيرهم. قال أبو عبد الله: الصواب قول الجمهور، والله أعلم. (٢)

стр. 2935

مسألة [٣]: حكم البيع إذا حصل . • ذهب أكثر أهل العلم إلى أن البيع صحيح، والبائع بالخيار عند قدومه السوق، وذلك لحديث أبي هريرة الذي في الباب؛ فإنه أثبت البيع، وجعل له الخيار. • وذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى البطلان، وهو قول البخاري، وبعض المالكية، وبعض الحنابلة، وهو رواية عن أحمد؛ لأنَّ صاحبه عاصٍ، وهو خداع لا يجوز. قال الحافظ ابن حجر ﵀ (٢١٦٢): جَزَمَ الْمُصَنِّفُ بِأَنَّ الْبَيْعَ مَرْدُود؛ بِنَاءً عَلَى أَنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي الْفَسَادَ، لَكِنْ مَحَلُّ ذَلِكَ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ فِيمَا يَرْجِعُ إِلَى ذَات الْمَنْهِيّ عَنْهُ، لَا مَا إِذَا كَانَ يَرْجِعُ إِلَى أَمْرٍ خَارِجٍ عَنْهُ، فَيَصِحُّ الْبَيْعُ وَيَثْبُتُ الْخِيَار بِشَرْطِهِ الْآتِي ذِكْرُهُ، وَأَمَّا كَوْنُ صَاحِبه عَاصِيًا آثِمًا، وَالِاسْتِدْلَالُ عَلَيْهِ بِكَوْنِهِ خِدَاعًا؛ فَصَحِيح، وَلَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْبَيْع مَرْدُودًا؛ لِأَنَّ النَّهْيَ لَا يَرْجِعُ إِلَى نَفْسِ الْعَقْدِ وَلَا يُخِلُّ بِشَيْءٍ مِنْ أَرْكَانِهِ وَشَرَائِطِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ لِدَفْعِ الْإِضْرَارِ بِالرُّكْبَانِ. اهـ قلتُ: وقوله في الحديث: «فمن تلقى الجلب فاشتراه فإذا أتى سيده السوق؛ فهو بالخيار» يدل على صحة البيع؛ لأنه أثبت للبائع الخيار، ولو كان البيع غير صحيح لما احتاج إلى ذلك.

стр. 2936

فالصواب هو قول الجمهور، وهو ترجيح الشيخ ابن عثيمين ﵀. (١) مسألة [٤]: إذا خرج لغير قصد التلقي، فوجد جالبًا للسلعة، فهل يجوز له شراؤها منه ؟ • وجهٌ للحنابلة، ووجهٌ للشافعية بالمنع من ذلك؛ لأنه يدخل في التلقي، ويصدق عليه أنه تلقاهم، ولأنَّ المعنى واحد سواء قصد، أم لم يقصد، وهو قول ابن حزمٍ. • وذهب الليث، وهو وجهٌ للحنابلة، والشافعية، وابن المنذر إلى أنه يجوز، ولا يحرم عليهم؛ لأنه لم يقصد التلقي، فلم يتناوله النهي. والقول الأول هو الصواب، وبالله التوفيق. (٢) مسألة [٥]: هل له الخيار إذا قدم السوق في حالة الغبن، أم مطلقًا ؟ • فيه وجهان للشافعية والحنابلة، والصحيح أنَّ له الخيار مطلقًا؛ لأنَّ حديث أبي هريرة ﵁ في الباب مطلق، والبقاء على ظاهره أسلم، والله أعلم. (٣) مسألة [٦]: هل لأحد الركبان أن يشتري من صاحبه قبل بلوغ السوق ؟ صورتها: أن يأتي جماعةٌ من الرُّكبان حتى إذا قاربوا المدينة، أو كانوا في نصف الطريق؛ بدا لأحدهم أن يرجع ويبيع بضاعته من رفقائه.

стр. 2937

قال أبو عبد الله غفر الله له: لا نعلم دليلًا يمنع من ذلك، والحديث الوارد جاء في النهي عن التلقي، وهذا لا يعتبر تلقيًا؛ وعليه: فالظاهر هو جواز ذلك، وبالله التوفيق. مسألة [٧]: هل يجوز أن يخرج الرجل من الحضر إلى أهل الحوائط في أماكنهم ؟ • جاء عن مالك رواية في كراهة ذلك، وعامة أهل العلم على الجواز؛ لأنَّ ذلك ليس فيه تلقي. قال ابن عبد البر ﵀: لا أعلم خلافًا في جواز خروج الناس إلى البلدان في الأمتعة والسلع، ولا فرق بين القريب والبعيد من ذلك في النظر، وإنما التلقي تلقي من خرج بسلعة يريد بها السوق، وأما من قصدته إلى موضعه؛ فلم تتلقه. اهـ «التمهيد» (١٢/ ٢٦٩) ط/ مرتبة. مسألة [٨]: هل يجوز تلقي الركبان ليبيعهم شيئًا ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٦/ ٣١٤ - ٣١٥): فَإِنْ تَلَقَّى الرُّكْبَانَ، فَبَاعَهُمْ شَيْئًا؛ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الشِّرَاءِ مِنْهُمْ، وَلَهُمْ الْخِيَارُ إذَا غَبَنَهُمْ غَبْنَا يَخْرُجُ عَنْ الْعَادَةِ، وَهَذَا أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ. وَقَالُوا فِي الْآخَرِ: النَّهْيُ عَنْ الشِّرَاءِ دُونَ الْبَيْعِ، فَلَا يَدْخُلُ الْبَيْعُ فِيهِ. وَهَذَا مُقْتَضَى قَوْلِ أَصْحَابِ مَالِكٍ؛ لِأَنَّهُمْ عَلَّلُوا ذَلِكَ: بِأَنَّ فِيهِ إِضْرَارًا بِأَهْلِ السُّوقِ، وَلَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ فِي الْبَيْعِ لَهُمْ. قال ابن قدامة: وَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : «لَا تَلَقَّوْا الرُّكْبَانَ»، وَالْبَائِعُ دَاخِلٌ فِي

стр. 2938

هَذَا، وَلِأَنَّ النَّهْيَ عَنْهُ لِمَا فِيهِ مِنْ خَدِيعَتِهِمْ وَغَبَنِهِمْ، وَهَذَا فِي الْبَيْعِ كَهُوَ فِي الشِّرَاءِ، وَالْحَدِيثُ قَدْ جَاءَ مُطْلَقًا، وَلَوْ كَانَ مُخْتَصًّا بِالشِّرَاءِ لَأُلْحِقَ بِهِ مَا فِي مَعْنَاهُ، وَهَذَا فِي مَعْنَاهُ. اهـ مسألة [٩]: حكم بيع الحاضر للبادي . جاء النهي عن ذلك عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كما في حديث ابن عباس ﵄ في الباب، وجاء عن أبي هريرة ﵁ في «الصحيحين» (١) أيضًا، وجاء عن أنس، وجابر ﵄ في «صحيح مسلم» (١٥٢٢، ١٥٢٣)، وفي حديث أنس زيادة: «وإن كان أخاه لأبيه وأمه»، وأصل حديث أنس في «البخاري» (٢١٦١)، بدون الزيادة، وجاء عن غيرهم. • وقد أخذ جمهور العلماء بتحريم هذا البيع؛ للأحاديث المذكورة، وثبت عن جمع من الصحابة النهي عن ذلك، منهم: أنس بن مالك، وابن عمر، وأبو هريرة ﵃، كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (٦/ ٢٤٠)، و «الأوسط» لابن المنذر (١٠/ ١٠٣). • وذهب مجاهد، وأبو حنيفة، وأحمد في رواية إلى الجواز، وتمسكوا بعموم قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «الدين النصيحة» (٢)، وزعموا أنه ناسخ لحديث النهي. وأجاب الجمهور عن ذلك بحمل حديث النصيحة على عمومه؛ إلا في بيع

стр. 2939

الحاضر للبادي، فهو خاصٌّ، فيقضي على العام، والنسخ لا يثبت بالاحتمال. وجمع البخاري بينها بتخصيص النهي بمن يبيع له بالأجرة كالسمسار، وأما من يبيعه بغير أجرة؛ فيجوز، وهذا القول تفرد به البخاري فيما نعلم، وليس بصحيح؛ لأنَّ أحاديث النهي ليس في واحد منها تعرض لذكر الأجرة. والصواب في هذه المسألة هو قول الجمهور، والله أعلم. (١) تنبيه: أكثر أهل العلم يُلحِقون بالبادي في الحكم من شابهه، بأن يكون غريبًا من بلدة أخرى، أو يسكن شعبًا، أو واديًا بعيدًا عن أسواق المسلمين. (٢) تنبيه آخر: ليس المقصود بأنَّ من جهل الأسعار والمعاملات فلا يجوز البيع له، فقد سُئلت اللجنة الدائمة عن شخص أراد أن يبيع ذهبًا وهو لا يعرف السعر، فهل يجوز لقريبه أن يبيع له أم أنه يدخل في النهي. فأجابت اللجنة بأنَّ هذا ليس من بيع الحاضر للبادي، بل هو من باب الإحسان، والرفق، والنصيحة، ولا ينبغي أن يظن ظانٌّ أن معنى الحديث (لا يبع عالم لجاهل)، وإلا لفسدت مصالح الناس. اهـ فائدة: وضع الحنابلة، والشافعية شروطًا في النهي المتقدم، وهي: ١) أن يكون الحضري قصد البدوي ليتولى له البيع، فلو عرض البدوي ذلك على الحاضر؛ فلا يمنع.

стр. 2940

٢) أن يكون البادي جاهلًا بالسعر، فلو كان عالمًا بالأسعار؛ فلا يمنع.٣) أن يكون البادي قد جلب السلعة للبيع لا لأمر آخر، فإذا جلبها لأمر آخر ثم بدا له البيع؛ فيجوز للحاضر أن يبيع له، ولا يحرم ذلك. ٤) أن يكون البادي يريد بيعها بسعرها في يومها وينصرف، وأما إذا كان سيبقى أيامًا؛ فيجوز البيع له. قال الشوكاني ﵀: و لا يخفى أن تخصيص العموم بمثل هذه الأمور من التخصيص بمجرد الاستنباط. وقال أيضًا: ولكنه لا يطمئن الخاطر إلى التخصيص به مطلقًا؛ فالبقاء على ظواهر النصوص هو الأولى، فيكون بيع الحاضر للبادي محرما على العموم. اهـ قلتُ: ليس على هذه الشروط دليل، ولا تجد بدويًّا إلا وقد خرم شيئًا منها، والقول بعدم اشتراط ذلك قول بعض الحنابلة كما في «الإنصاف»، وهو اختيار الإمام ابن عثيمين ﵀ كما في «شرح البلوغ». (١) مسألة [١٠]: هل يصح البيع إذا وقع ؟ • مذهب الحنابلة عدم صحة البيع؛ لأنه منهي عنه، والنهي يقتضي الفساد، وهو ظاهر قول مالك. • وعن أحمد رواية بصحة البيع، وهو مذهب الشافعي؛ لكون النهي لمعنى في

стр. 2941

غير المنهي عنه. قال الإمام ابن عثيمين ﵀ في «شرح البلوغ»: ظاهر الحديث أن البيع لا يصح، ولكن لو أجاز المشتري ذلك، وقال: أنا راضٍ. فينبغي أن يصح؛ لأنه إنما نهي عن بيع الحاضر للبادي من أجل مصلحة المشتري، فإذا رضي بذلك؛ فلا بأس. اهـ قال أبو عبد الله غفر الله له: القول بصحة البيع أقرب؛ لأن النهي عن البيع المذكور، إنما هو لأمر خارج عن ذات البيع نفسه، والله أعلم. (١) مسألة [١١]: هل يجوز شراء الحضري للبدوي ؟ • ذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى المنع أيضًا، وهو قول ابن سيرين، والنخعي، والظاهرية، والبخاري، ورواية عن مالك، ورجحه الشوكاني، والصنعاني. واستدلوا بما جاء عن أنس بن مالك ﵁ عند أبي داود (٣٤٤٠)، وأبي عوانة (٤٩٤٧) في قوله: «لا يبيع حاضر لباد»، قال: هي كلمة جامعة لا يبع له شيئًا، ولا يبتاع له شيئًا، وهو أثر صحيح. وقالوا: لفظ (البيع) في اللغة العربية من الأضداد، فهو يطلق على البيع والشراء، ويدل على ذلك حديث: «لا يبع بعضكم على بيع بعض» (٢)، وقوله تعالى: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة:٩]، وهو يشمل البيع والشراء.

стр. 2942

• وذهب كثير من أهل العلم إلى جواز الشراء لهم؛ لأنَّ الحديث جاء في النهي عن البيع، ولأنَّ المعنى في تحريم البيع ليس موجودًا في الشراء، وهو مذهب الحنابلة، ومالك في رواية، وقال به الحسن، والحنفية. والقول الأول أقرب؛ لما تقدم، وقد رجَّحه الإمام ابن عثيمين ﵀. (١) مسألة [١٢]: هل يجوز للحاضر أن ينصح البادي ويشير عليه ؟ • كره الإشارة له جماعةٌ من أهل العلم، قال بذلك الليث، ورواية عن مالك، ووجهٌ للشافعية؛ لأنه إذا أشار إليه ونصحه فكأنه باع له. • وذهب أكثر أهل العلم إلى جواز ذلك، وهو مذهب الحنابلة، والأصح عند الشافعية، وهو مذهب الظاهرية، والأوزاعي، والبخاري، وابن المنذر، وصحَّ عن طلحة بن عبيد الله ﵁ أنه أجازه، وفعله. (٢) وهذا القول هو الصواب؛ لحديث: «الدين النصيحة» (٣)، والنهي جاء عن البيع، ولم يأت عن النصيحة، والإشارة، واستدل ابن حزم عليه بأنك إذا حلفت أن لا تبيع لفلان، ثم أشرت عليه في البيع؛ فإنك لا تحنث. (٤)

стр. 2943

٧٩٤ - وَعَنْهُ ﵁، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا يَبِيعُ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ، وَلَا يَخْطُبُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ، وَلَا تَسْأَلُ المَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا لِتَكْفَأَ مَا فِي إنَائِهَا، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١) وَلِمُسْلِمٍ: لَا يَسُمِ المُسْلِمُ عَلَى سَوْمِ المُسْلِمِ. (٢) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: معنى البيع على البيع، والسَّوم على السَّوم، وحكم ذلك . قال الحافظ ابن حجر ﵀ في «الفتح» (٢١٣٩): قَالَ الْعُلَمَاء: الْبَيْعُ عَلَى الْبَيْعِ حَرَام، وَكَذَلِكَ الشِّرَاء عَلَى الشِّرَاءِ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ لِمَنْ اِشْتَرَى سِلْعَةً فِي زَمَنِ الْخِيَارِ: اِفْسَخْ لِأَبِيعَك بِأَنْقَصَ، أَوْ يَقُولَ لِلْبَائِعِ: اِفْسَخْ لِأَشْتَرِيَ مِنْك بِأَزْيَدَ. وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ. وَأَمَّا السَّوْمُ فَصُورَته: أَنْ يَأْخُذَ شَيْئًا لِيَشْتَرِيَهُ، فَيَقُولَ لَهُ: رُدَّهُ لِأَبِيعَك خَيْرًا مِنْهُ بِثَمَنِهِ أَوْ مِثْلِهِ بِأَرْخَصَ. أَوْ يَقُولَ لِلْمَالِكِ: اِسْتَرِدَّهُ لِأَشْتَرِيَهُ مِنْك بِأَكْثَرَ. اهـ يعني بذلك قبل انعقاد البيع. قلتُ: والتفريق بين البيع على البيع، والسوم على السوم بما ذكر هو مذهب الشافعية، والحنابلة؛ لأنهم يثبتون خيار المجلس، وأما مذهب مالك، وأبي حنيفة؛ فإنهم يفسرون البيع على البيع بنفس تفسير السوم المتقدم؛ لكونهم لا يثبتون خيار المجلس.

стр. 2944

والصحيح هو التفريق كما ذكر الحافظ. (١) تنبيه: تحريم السوم. قال الحافظ ﵀: وَمَحَلّه بَعْدَ اِسْتِقْرَارِ الثَّمَنِ وَرُكُونِ أَحَدِهِمَا إِلَى الْآخَرِ؛ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ صَرِيحًا فَلَا خِلَافَ فِي التَّحْرِيمِ، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرًا فَفِيهِ وَجْهَانِ لِلشَّافِعِيَّةِ، وَنَقَلَ اِبْن حَزْم اِشْتِرَاط الرُّكُونِ عَنْ مَالِكٍ، وَقَالَ: إِنَّ لَفْظَ الْحَدِيثِ لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَابُدّ مِنْ أَمْرٍ مُبَيِّنٍ لِمَوْضِعِ التَّحْرِيمِ فِي السَّوْمِ؛ لِأَنَّ السَّوْمَ فِي السِّلْعَةِ الَّتِي تُبَاعُ فِيمَنْ يَزِيدُ لَا يَحْرُمُ اِتِّفَاقًا، كَمَا نَقَلَهُ اِبْن عَبْد الْبَرّ؛ فَتَعَيَّنَ أَنَّ السَّوْمَ الْمُحَرَّم مَا وَقَعَ فِيهِ قَدْرٌ زَائِدٌ عَلَى ذَلِكَ. اهـ «الفتح» (٢١٣٩). قال أبو عبد الله غفر الله له: أما إذا صرح البائع بالرضى؛ فقد نقل الإجماع على عدم جواز المساومة عليه، وأما إذا ظهرت علامات الرضى بدون تصريح؛ ففيه وجهان للشافعية، والحنابلة، والأصح عندهم عدم جواز ذلك، وأما إذا لم يظهر شيء من ذلك فيجوز عند الجمهور، ومنعه ابن حزم كما تقدم، والأظهر قول الجمهور، والدليل على ذلك حديث فاطمة بنت قيس أنها قالت: يا رسول الله، إن معاوية، وأبا جهم خطباني. فقال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «انكحي أسامة بن زيد»، فإذا جاز ذلك في الخطبة؛ جاز في البيع، والله أعلم. وقد رجَّح الإمام ابن عثيمين ﵀ قول الجمهور. (٢)

стр. 2945

مسألة [٢]: إذا وقع البيع على بيع الأخ، فهل يصح البيع أم لا ؟ • الجمهور من أهل العلم على صحة البيع مع الإثم؛ لكونه نُهي عنه لما يحصل فيه من بغضاء، وشحناء، وتنازع، واختلاف. • وذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى البطلان، وهو مذهب الحنابلة، ورواية عن مالك، والظاهرية، وقالوا: أنَّ النهي راجع إلى البيع نفسه، وما ذكروه هو العلل الناتجة عن ذلك البيع المحرم، وهذا القول رجحه الإمام ابن عثيمين ﵀، ويظهر لي أن القول الأول أرجح؛ لأن النهي ليس راجعًا إلى ذات البيع، وإنما مراعاة لحق أخيه المسلم، والله أعلم. (١) مسألة [٣]: البيع على بيع الذمي . • أجاز ذلك الأوزاعي، وأبو عبيد بن حربويه من الشافعية؛ للتقييد المذكور في حديث الباب بقوله: «أخيه»، وبقوله: «المسلم». • وذهب الجمهور من أهل العلم إلى أنَّ التقييد خرج مخرج الغالب، وقالوا بعدم جواز ذلك؛ لأنه لا يجوز إيذاء الذمي، ومن الإيذاء: البيع على بيعه. وهذا القول رجحه الإمام ابن عثيمين، وهذا القول هو الصحيح؛ إلا أن توجد مصلحة شرعية في البيع على بيعه. (٢)
следующие страницы →