غير المنهي عنه.
قال الإمام ابن عثيمين ﵀ في «شرح البلوغ»: ظاهر الحديث أن البيع لا يصح، ولكن لو أجاز المشتري ذلك، وقال: أنا راضٍ. فينبغي أن يصح؛ لأنه إنما نهي عن بيع الحاضر للبادي من أجل مصلحة المشتري، فإذا رضي بذلك؛ فلا بأس. اهـ
قال أبو عبد الله غفر الله له: القول بصحة البيع أقرب؛ لأن النهي عن البيع المذكور، إنما هو لأمر خارج عن ذات البيع نفسه، والله أعلم. (١)
مسألة [١١]: هل يجوز شراء الحضري للبدوي ؟
• ذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى المنع أيضًا، وهو قول ابن سيرين، والنخعي، والظاهرية، والبخاري، ورواية عن مالك، ورجحه الشوكاني، والصنعاني.
واستدلوا بما جاء عن أنس بن مالك ﵁ عند أبي داود (٣٤٤٠)، وأبي عوانة (٤٩٤٧) في قوله: «لا يبيع حاضر لباد»، قال: هي كلمة جامعة لا يبع له شيئًا، ولا يبتاع له شيئًا، وهو أثر صحيح.
وقالوا: لفظ (البيع) في اللغة العربية من الأضداد، فهو يطلق على البيع والشراء، ويدل على ذلك حديث: «لا يبع بعضكم على بيع بعض» (٢)، وقوله تعالى: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة:٩]، وهو يشمل البيع والشراء.
стр. 2942
• وذهب كثير من أهل العلم إلى جواز الشراء لهم؛ لأنَّ الحديث جاء في النهي عن البيع، ولأنَّ المعنى في تحريم البيع ليس موجودًا في الشراء، وهو مذهب الحنابلة، ومالك في رواية، وقال به الحسن، والحنفية.
والقول الأول أقرب؛ لما تقدم، وقد رجَّحه الإمام ابن عثيمين ﵀. (١)
مسألة [١٢]: هل يجوز للحاضر أن ينصح البادي ويشير عليه ؟
• كره الإشارة له جماعةٌ من أهل العلم، قال بذلك الليث، ورواية عن مالك، ووجهٌ للشافعية؛ لأنه إذا أشار إليه ونصحه فكأنه باع له.
• وذهب أكثر أهل العلم إلى جواز ذلك، وهو مذهب الحنابلة، والأصح عند الشافعية، وهو مذهب الظاهرية، والأوزاعي، والبخاري، وابن المنذر، وصحَّ عن طلحة بن عبيد الله ﵁ أنه أجازه، وفعله. (٢) وهذا القول هو الصواب؛ لحديث: «الدين النصيحة» (٣)، والنهي جاء عن البيع، ولم يأت عن النصيحة، والإشارة، واستدل ابن حزم عليه بأنك إذا حلفت أن لا تبيع لفلان، ثم أشرت عليه في البيع؛ فإنك لا تحنث. (٤)
стр. 2943
٧٩٤ - وَعَنْهُ ﵁، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا يَبِيعُ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ، وَلَا يَخْطُبُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ، وَلَا تَسْأَلُ المَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا لِتَكْفَأَ مَا فِي إنَائِهَا، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١)
وَلِمُسْلِمٍ: لَا يَسُمِ المُسْلِمُ عَلَى سَوْمِ المُسْلِمِ. (٢)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: معنى البيع على البيع، والسَّوم على السَّوم، وحكم ذلك .
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في «الفتح» (٢١٣٩): قَالَ الْعُلَمَاء: الْبَيْعُ عَلَى الْبَيْعِ حَرَام، وَكَذَلِكَ الشِّرَاء عَلَى الشِّرَاءِ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ لِمَنْ اِشْتَرَى سِلْعَةً فِي زَمَنِ الْخِيَارِ: اِفْسَخْ لِأَبِيعَك بِأَنْقَصَ، أَوْ يَقُولَ لِلْبَائِعِ: اِفْسَخْ لِأَشْتَرِيَ مِنْك بِأَزْيَدَ. وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ. وَأَمَّا السَّوْمُ فَصُورَته: أَنْ يَأْخُذَ شَيْئًا لِيَشْتَرِيَهُ، فَيَقُولَ لَهُ: رُدَّهُ لِأَبِيعَك خَيْرًا مِنْهُ بِثَمَنِهِ أَوْ مِثْلِهِ بِأَرْخَصَ. أَوْ يَقُولَ لِلْمَالِكِ: اِسْتَرِدَّهُ لِأَشْتَرِيَهُ مِنْك بِأَكْثَرَ. اهـ يعني بذلك قبل انعقاد البيع.
قلتُ: والتفريق بين البيع على البيع، والسوم على السوم بما ذكر هو مذهب الشافعية، والحنابلة؛ لأنهم يثبتون خيار المجلس، وأما مذهب مالك، وأبي حنيفة؛ فإنهم يفسرون البيع على البيع بنفس تفسير السوم المتقدم؛ لكونهم لا يثبتون خيار المجلس.
стр. 2944
والصحيح هو التفريق كما ذكر الحافظ. (١)
تنبيه: تحريم السوم.
قال الحافظ ﵀: وَمَحَلّه بَعْدَ اِسْتِقْرَارِ الثَّمَنِ وَرُكُونِ أَحَدِهِمَا إِلَى الْآخَرِ؛ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ صَرِيحًا فَلَا خِلَافَ فِي التَّحْرِيمِ، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرًا فَفِيهِ وَجْهَانِ لِلشَّافِعِيَّةِ، وَنَقَلَ اِبْن حَزْم اِشْتِرَاط الرُّكُونِ عَنْ مَالِكٍ، وَقَالَ: إِنَّ لَفْظَ الْحَدِيثِ لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَابُدّ مِنْ أَمْرٍ مُبَيِّنٍ لِمَوْضِعِ التَّحْرِيمِ فِي السَّوْمِ؛ لِأَنَّ السَّوْمَ فِي السِّلْعَةِ الَّتِي تُبَاعُ فِيمَنْ يَزِيدُ لَا يَحْرُمُ اِتِّفَاقًا، كَمَا نَقَلَهُ اِبْن عَبْد الْبَرّ؛ فَتَعَيَّنَ أَنَّ السَّوْمَ الْمُحَرَّم مَا وَقَعَ فِيهِ قَدْرٌ زَائِدٌ عَلَى ذَلِكَ. اهـ «الفتح» (٢١٣٩).
قال أبو عبد الله غفر الله له: أما إذا صرح البائع بالرضى؛ فقد نقل الإجماع على عدم جواز المساومة عليه، وأما إذا ظهرت علامات الرضى بدون تصريح؛ ففيه وجهان للشافعية، والحنابلة، والأصح عندهم عدم جواز ذلك، وأما إذا لم يظهر شيء من ذلك فيجوز عند الجمهور، ومنعه ابن حزم كما تقدم، والأظهر قول الجمهور، والدليل على ذلك حديث فاطمة بنت قيس أنها قالت: يا رسول الله، إن معاوية، وأبا جهم خطباني. فقال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «انكحي أسامة بن زيد»، فإذا جاز ذلك في الخطبة؛ جاز في البيع، والله أعلم.
وقد رجَّح الإمام ابن عثيمين ﵀ قول الجمهور. (٢)
стр. 2945
مسألة [٢]: إذا وقع البيع على بيع الأخ، فهل يصح البيع أم لا ؟
• الجمهور من أهل العلم على صحة البيع مع الإثم؛ لكونه نُهي عنه لما يحصل فيه من بغضاء، وشحناء، وتنازع، واختلاف.
• وذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى البطلان، وهو مذهب الحنابلة، ورواية عن مالك، والظاهرية، وقالوا: أنَّ النهي راجع إلى البيع نفسه، وما ذكروه هو العلل الناتجة عن ذلك البيع المحرم، وهذا القول رجحه الإمام ابن عثيمين ﵀، ويظهر لي أن القول الأول أرجح؛ لأن النهي ليس راجعًا إلى ذات البيع، وإنما مراعاة لحق أخيه المسلم، والله أعلم. (١)
مسألة [٣]: البيع على بيع الذمي .
• أجاز ذلك الأوزاعي، وأبو عبيد بن حربويه من الشافعية؛ للتقييد المذكور في حديث الباب بقوله: «أخيه»، وبقوله: «المسلم».
• وذهب الجمهور من أهل العلم إلى أنَّ التقييد خرج مخرج الغالب، وقالوا بعدم جواز ذلك؛ لأنه لا يجوز إيذاء الذمي، ومن الإيذاء: البيع على بيعه.
وهذا القول رجحه الإمام ابن عثيمين، وهذا القول هو الصحيح؛ إلا أن توجد مصلحة شرعية في البيع على بيعه. (٢)
стр. 2946
مسألة [٤]: حكم بيع المزايدة .
• ذهب جمهور أهل العلم إلى جواز ذلك، ومنهم من نقله إجماعًا، كابن قدامة، وابن عبد البر، وذلك لأنَّ الأصل في المعاملات هو الجواز حتى يأتي دليل التحريم، وقد استدلوا بحديث أنس ﵁، عند أبي داود (١٦٤١)، والترمذي (١٢١٨)، وأحمد (٣/ ١٠٠)، وغيرهم: أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- باع قدحًا وحلسًا فيمن يزيد. وفي إسناده: أبو بكر الحنفي، وهو مجهول الحال.
• وجاء عن إبراهيم النخعي أنه كره بيع المزايدة، واستدل له بالكراهة بحديث سفيان بن وهب عند البزار كما في «الكشف» (١٢٧٦): أن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نهى عن بيع المزايدة. ولكنه حديث ضعيف، في إسناده: ابن لهيعة، ولم يتابع عليه.
• وجاء عن الأوزاعي، وإسحاق أنهما قالا بجوازه في المغانم والمواريث، ومنعه في غيرهما، وجاء في ذلك حديثٌ أخرجه ابن الجارود (٥٧٠) بإسناد صحيح عن ابن عمر ﵄، أنه سئل عن بيع المزايدة؟ فقال: نهى رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أن يبيع أحدكم على بيع أخيه حتى يذر؛ إلا الغنائم، والمواريث.
والصحيح قول الجمهور، وأما حديثهم فقد قال ابن العربي ﵀ كما في «عارضة الأحوذي» (٥/ ٢٢٤): لا معنى لاختصاص الجواز بالغنيمة، والميراث؛ فإنَّ الباب واحد، والمعنى مشترك. اهـ
وذكر الشوكاني ﵀ في «النيل» أنَّ ذكرهما خرج مخرج الغالب؛ لأنهما الغالب
стр. 2947
على ما كانوا يعتادون البيع فيه مزايدة. (١)
مسألة [٥]: إذا اتفق أهل السوق على عدم المزايدة في السلعة القادمة من رجل يريد بيعها فيضطرونه ليبيعها بسعر منخفض ؟
قال شيخ الإسلام ﵀ كما في «الاختيارات» (ص ١٢٣): وإذا اتفق أهل السوق على أن لا يتزايدوا في السلعة، وهم محتاجون إليها؛ ليبيعها صاحبها بدون قيمتها؛ فإنَّ ذلك فيه من غش الناس ما لا يخفى، وإن كان ثَمَّ من يزيد فلا بأس. اهـ (٢)
وفي الحديث تحريم بيع الحاضر للبادي، وقد تقدم ذكر المسائل المتعلقة بذلك تحت الحديث المتقدم قبله.
وفيه: تحريم النجش، وقد تقدم بيان ذلك تحت الحديث رقم (٧٨٩).
وفيه: تحريم خطبة الرجل على خطبة أخيه، وتحريم سؤال المرأة طلاق أختها، وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله في [كتاب النكاح].
المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين
مسألة [١]: حكم التفريق بين ذوي الأرحام بالبيع .
• في هذه المسألة ثلاثة أقوال:
القول الأول: تحريم التفريق بين كل ذي رحم محرم، وهو قول أحمد، وأبي حنيفة وأصحابهما، واستدلوا بالحديثين المذكورين في الباب، وبحديث أبي موسى عند ابن ماجه (٢٢٥٠) أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «لعن الله من فرَّق بين الوالدة وولدها، وبين الأخ وأخيه»، وفي إسناده: إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع، ضعيفٌ، وشيخه طليق بن عمران مجهول الحال.
القول الثاني: يحرم التفريق بين الأصول والفروع، وهو قولُ الشافعية؛ لحديث أبي أيوب، وأبي موسى.
القول الثالث: تحريم التفريق بين الأم وولدها فقط، وهو قول مالك.
стр. 2950
قلتُ: والصواب هو القول الأول، وهو اختيار الإمام ابن عثيمين ﵀. (١)
مسألة [٢]: هل لحرمة التفريق بينهما حدٌّ معين ؟
• ذهب الحنابلة إلى أنَّ حد ذلك البلوغ، واستدلوا على ذلك بما روى سلمة بن الأكوع أنه سبى امرأة وابنتها، فجاء بهما إلى أبي بكر، فنفله أبو بكر ابنتها، فاستوهبها منه النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فأعطاه إياها، فبعث بها إلى مكة في فداء أناس من المسلمين (٢)، وهو مذهب الحنفية، وقولٌ للشافعي.
وقد جاء حديثٌ صريحٌ في ذلك عن عبادة بن الصامت، وفيه: قيل: يا رسول الله، إلى متى؟ قال: «حتى يبلغ الغلام، وتحيض الجارية»، وفي إسناده: عبد الله بن عمرو الواقفي، وهو كذاب، والحديث عند الدارقطني (٣/ ٦٨)، والحاكم (٢/ ٥٥).
• وعن أحمد رواية أنه لا يجوز التفريق بينهما مطلقًا.
• وذهب الشافعي، ومالك إلى جواز التفريق إذا استكمل سبع سنين؛ لأنه حد التفرقة في تخيير الكفالة، ولأنه يستقل فيها بنفسه في لباسه ومطعمه.
• وقال الأوزاعي: حدُّ ذلك إذا استغنى عن أمه. وقال أبو ثور: إذا لبس وحده، وتوضأ وحده، وأكل وحده.
стр. 2951
قلتُ: القول بالبلوغ أقرب من غيره، والله أعلم. (١)
مسألة [٣]: هل البيع صحيح إذا وقع على التفريق ؟
• ذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى بطلان البيع، وهو مذهب الحنابلة، وجماعة من الشافعية، وأبي يوسف، واستدلوا بحديث علي بن أبي طالب الذي في الباب؛ فإنه أمرَ بارتجاعهما، ولو لزم البيع لما أمكنه ذلك، ولأنه بيع محرم لمعنى فيه؛ ففسد، كبيع الخمر.
• وذهب جماعةٌ إلى صحة البيع مع الإثم، وهو مذهب أبي حنيفة، وجماعة من الشافعية؛ لأنَّ النهي لمعنى في غير البيع، وهو الضرر اللاحق بالتفريق.
ورجَّح الإمام ابن عثيمين في «شرح البلوغ» القول الأول، وهو الأقرب، والله أعلم.
قال ابن قدامة ﵀: ولا يصح ما قالوه؛ فإنَّ ضرر التفريق حاصل بالبيع، فكان لمعنى فيه. اهـ (٢)
مسألة [٤]: التفريق في الحيوانات بين الأم وولدها .
• الراجح عند المالكية جواز التفرقة بين الحيوان البهيمي وبين أمه، وأن التفريق الممنوع خاص بالعاقل.
стр. 2952
• ويروى عن ابن القاسم منهم: المنع من التفرقة بين الأم وبين ولدها في الحيوان أيضا، حتى يستغني عن أمه بالرعي.
وهذا الذي منع منه ابن القاسم، هو مذهب الشافعية أيضا، الذين نصوا على أن التفريق بين البهيمة وولدها حرام. وقالوا: يكره ذبح الأم التي استغنى الولد عن لبنها، ويحرم ذبحها إن لم يستغن عن لبنها، ولا يصح البيع ولا التصرف، ولو لم يكن الحيوان مأكولا.
قال أبو عبد الله غفر الله له: الأقرب قول المالكية؛ إلا أنه لا يجوز الإضرار بالبهيمة؛ فإذا كان الصغير لا يأكل العشب، ولا يزال على اللبن فقط؛ فلا يجوز تفريقه عن أمه؛ إن لم يوجد له بهيمة ترضعه، أو نحو ذلك، والله أعلم.
стр. 2953
٧٩٧ - وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: غَلَا السِّعْرُ بِالمَدِيْنَةِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ النَّاسُ: يَا رَسُولَ اللهِ غَلَا السِّعْرُ، فَسَعِّرْ لَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إنَّ اللهَ هُوَ المُسَعِّرُ، القَابِضُ، البَاسِطُ، الرَّازِقُ، وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَلقَى اللهَ تَعَالَى وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْكُمْ يَطْلُبُنِي بِمَظْلِمَةٍ فِي دَمٍ وَلَا مَالٍ». رَوَاهُ الخَمْسَةُ إلَّا النَّسَائِيّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: حكم التَّسْعير .
التَّسْعير: هو تقدير السلطان، أو نائبه سعرًا لما تكون الحاجة إليه عامة، وإلزام الناس البيع بما قدَّره.
قال ابن القيم ﵀ في «الطرق الحكمية» (ص ٢٥٥): ولا يجوز عند أحد من العلماء أن يقول لهم: لا تبيعوا إلا بكذا وكذا؛ ربحتم أو خسرتم. من غير أن ينظر إلى ما يشترون به، ولا أن يقول لهم فيما قد اشتروه: ولا تبيعوه إلا بكذا وكذا. مما هو مثل الثمن، أو أقل. اهـ
وهل يجوز التسعير بجعل شيء من الربح، كأن يكون ثمن السلعة عليه ألف ريال، فيقدِّر له البيع بألف ومائتين، لا يزيد على ذلك؟
стр. 2954
• فيه خلاف: فذهب جمهور العلماء إلى عدم الجواز في مثل هذه الصورة، بل منعوا التسعير مطلقًا، واستدلوا على ذلك بحديث الباب، مع قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٢٩]، وقالوا: إن البائع إذا أُجبر على ألا يبيع سلعته إلا بكذا؛ فإنَّ ذلك يؤدي إلى أكل ماله بالباطل، وهذا القول رجَّحه الصنعاني، والشوكاني.
• وذهب الليث، وربيعة، ويحيى بن سعيد، ومالك في رواية إلى جواز التسعير؛ لأنه إذا لم يسعر فربما يؤدي إلى الإضرار بالمشتري.
• وذهب شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم رحمة الله عليهما إلى جواز التسعير في بعض الحالات، وذلك مثل أن يكون غلاء الأسعار بسبب من التجار أنفسهم، كالاحتكار، وما أشبهه. وقالا في حديث الباب: هي قضية معينة ليست لفظًا عامًّا، وليس فيها أنَّ أحدًا امتنع من بيعٍ يجب عليه، أو عملٍ يجب عليه، وما أشبه ذلك، وقد ذكر ابن القيم صورًا أخرى لجواز التسعير في «الطرق الحكمية» (ص ٢٤٥ - ).
وهذا القول اختاره الإمام ابن عثيمين، والإمام محمد بن إبراهيم، والإمام ابن باز رحمة الله عليهم.
والخلاصة: أنَّ التسعير لا يجوز إلا في حدود ضَيِّقَة، وهي أنه إذا حصل تواطؤٌ من البائعين والسِّلع متوفرة، فتعمدوا إخفاء السِّلع وعدم بيعها إلا بأسعار مرتفعة، وكذلك إذا تلاعب بعض التجار في بعض السلع التي يؤثر احتكارها، أو
стр. 2955
رفع ثمنها على عامة المسلمين، أو ما أشبه ذلك من الصور التي يكون التسعير فيها مصلحة لعامة المسلمين دون إضرار بالتجار؛ فلحاكم المسلمين عند ذلك أن يسعر عليهم تلك السلع، ويمنعهم من الزيادة فيها.
وأما إذا ارتفعت الأسعار من غير تلاعب من الباعة والتجار؛ فلا يجوز للحاكم أن يُسعر على قول الجمهور، فإذا كان السبب في ارتفاع الأسعار كثرة الطلب، وقلة السِّلع، ولا يأتي بها الباعة أحيانًا إلا بمشقة عظيمة؛ فحينئذٍ إذا ارتفعت السلعة إلى أضعاف ثمنها فلا بأس. (١)
مسألة [٢]: هل يلزم البائع الواحد بأن لا يبيع بأقل من سعر السوق ؟
• الجمهور على عدم جواز التسعير في هذه الصورة أيضًا، بل يبيع كل إنسان بما تيسر له، وبما يرى أنَّ له فيه مصلحة وربحًا، والناس يتفاوتون في شراء السلعة وفي الإتيان بها إلى السوق.
• وذهب مالك وأصحابه إلى جواز هذا التسعير حتى لا يفسد على الناس سوقهم، واستدل مالك بما رواه في «موطئه» (٢/ ٦٥١) عن يونس بن يوسف، عن سعيد بن المسيب، أنَّ عمر بن الخطاب مرَّ بحاطب بن أبي بلتعة وهو يبيع زبيبًا له بالسوق، فقال له عمر: إما أن تزيد في السعر، وإما أن ترفع من سوقنا. وهذا إسناد صحيح.
стр. 2956
وأخرجه الشافعي كما في «الكبرى» للبيهقي (٦/ ٢٩) عن الدراوردي، عن داود بن صالح التمار، عن القاسم بن محمد، عن عمر ﵁، أنه مرَّ بحاطب بن أبي بلتعة بالسوق، وبين يديه غرارتان فيهما زبيب، فسأله عن سعرهما؟ فقال له: مدين لكل درهم. فقال له عمر: قد حُدِّثْتُ بِعِيْرٍ جاءت من الطائف تحمل زبيبًا، وهم يغترون بسعرك، فإما أن ترفع في السعر، وإما أن تدخل زبيبك البيت، فتبيعه كيف شئت. فلما رجع عمر حاسب نفسه، ثم أتى حاطبًا في داره، فقال: إنَّ الذي قلت لك ليس عزمة مني، ولا قضاء، إنما هو شيء أردت به الخير لأهل البلد، فحيث شئت فَبِعْ، وكيف شئت فبع. اهـ
وإسناده منقطع؛ لأنَّ القاسم لم يدرك عمر بن الخطاب ﵁، ولكن الأثر يصح بالطريق التي قبلها.
قلتُ: والراجح قول الجمهور؛ لحديث الباب، إلا أن يرى ولي الأمر المصلحة الشرعية في ذلك لدفع ضرر حاصل، وأما أثر عمر ﵁، ففي طريق الشافعي أنَّ ذلك ليس على طريق الإلزام. (١)
стр. 2957
٧٩٨ - وَعَنْ مَعْمَرِ بْنِ عَبْدِاللهِ ﵁، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَحْتَكِرُ إلَّا خَاطِئٌ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: معنى الاحتكار وحكمه .
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في «الفتح» (٢١٣١): الحُكرة: بضم المهملة، وسكون الكاف: حبس السلع عن البيع، هذا مقتضى اللغة.
قال: والاحتكار الشرعي: إمساك الطعام عن البيع وانتظار الغلاء مع الاستغناء عنه، وحاجة الناس إليه. اهـ
قلتُ: وقد جاءت أحاديث في تحريم الاحتكار، منها: حديث معقل بن يسار عند أحمد (٥/ ٢٧) وغيره، أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من دخل في شيء من أسعار المسلمين؛ ليغليه عليهم؛ فإنَّ حقًّا على الله ﵎ أن يقعده بعظم من النار يوم القيامة»، وهو حديث صحيح، يصححه شيخنا مقبل ﵀ في «الصحيح المسند» (١١٣١).
وجاء عن أبي هريرة ﵁، مرفوعًا بلفظ: «من احتكر حكرة يريد أن يغلي بها على المسلمين؛ فهو خاطئ» أخرجه أحمد (٢/ ٣٥١)، وفي إسناده: أبو معشر نجيح بن عبد الرحمن السِّندي، وهو ضعيف، ولكن الحديث يصح بشاهديه
стр. 2958
المتقدمين عن معمر، ومعقل ﵄.
وأخرج ابن ماجه (٢١٥٥) عن عمر بن الخطاب ﵁، قال: سمعت النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يقول: «من احتكر على المسلمين طعامهم؛ ضربه الله بالجذام والإفلاس»، وهو حديث منكر، أُنكر على الهيثم بن رافع، وفي إسناده أيضًا أبو يحيى المكي، وهو مجهول، وفي الباب أحاديث أخرى.
وأصح أحاديث الباب هو حديث معمر، وحديث معقل ﵄.
وثبت عن ابن عمر ﵄، أنه قال: الحكرة خطيئة. أخرجه ابن أبي شيبة (٦/ ١٠٣) بإسناد صحيح.
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٦/ ٣١٦): وَالِاحْتِكَارُ الْمُحَرَّمُ مَا اجْتَمَعَ فِيهِ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَشْتَرِيَ، فَلَوْ جَلَبَ شَيْئًا، أَوْ أَدْخَلَ مِنْ غَلَّتِهِ شَيْئًا، فَادَّخَرَهُ؛ لَمْ يَكُنْ مُحْتَكِرًا، رُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ، وَمَالِكٍ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: الْجَالِبُ لَيْسَ بِمُحْتَكَرِ؛ لِقَوْلِهِ «الْجَالِبُ مَرْزُوقٌ، وَالمُحْتَكِرُ مَلْعُونٌ» (١)، وَلِأَنَّ الْجَالِبَ لَا يُضَيِّقُ عَلَى أَحَدٍ، وَلَا يَضُرُّ بِهِ، بَلْ يَنْفَعُ؛ فَإِنَّ النَّاسَ إذَا عَلِمُوا عِنْدَهُ طَعَامًا مُعَدًّا لِلْبَيْعِ، كَانَ ذَلِكَ أَطْيَبُ لَقُلُوبِهِمْ مِنْ عَدَمِهِ.
قلتُ: مقصوده ﵀ بالشراء، أي: شراء سلع السوق والبلد.
стр. 2959
الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْمُشْتَرَى قُوتًا. فَأَمَّا الْإِدَامُ، وَالْحَلْوَاءُ، وَالْعَسَلُ، وَالزَّيْتُ، وَأَعْلَافُ الْبَهَائِمِ؛ فَلَيْسَ فِيهَا احْتِكَارٌ مُحَرَّمٌ. اهـ
قال أبو عبد الله غفر الله له: وهذا الذي ذكره ابن قدامة هو مذهب الجمهور، وقد استدلوا على ذلك بأنَّ سعيد بن المسيب كان يحتكر الزيت، فسئل عن ذلك؟ فقال: كان معمر يحتكر. وراوي الحديث أعلم بمعناه من غيره.
• وذهب الشوكاني ﵀ إلى عموم تحريمه في غير الطعام مما يحصل به ضرر على المسلمين.
قال ﵀ في «نيل الأوطار»: وَظَاهِرُ أَحَادِيثِ الْبَابِ أَنَّ الِاحْتِكَارَ مُحَرَّمٌ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ قُوتِ الْآدَمِيِّ وَالدَّوَابِّ وَبَيْنَ غَيْرِهِ، وَالتَّصْرِيحُ بِلَفْظِ: «الطَّعَامِ» فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ لَا يَصْلُحُ لِتَقْيِيدِ بَقِيَّةِ الرِّوَايَاتِ الْمُطْلَقَةِ، بَلْ هُوَ مِنْ التَّنْصِيصِ عَلَى فَرْدٍ مِنْ الْأَفْرَادِ الَّتِي يُطْلَقُ عَلَيْهَا الْمُطْلَقُ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ نَفْيَ الْحُكْمِ عَنْ غَيْرِ الطَّعَامِ إنَّمَا هُوَ لِمَفْهُومِ اللَّقَبِ وَهُوَ غَيْرُ مَعْمُولٍ بِهِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَمَا كَانَ كَذَلِكَ لَا يَصْلُحُ لِلتَّقْيِيدِ عَلَى مَا تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ. اهـ
ثم نقل الشوكاني عن بعض الشافعية عدم جواز الاحتكار في غير الطعام إذا حصل به إضرار على المسلمين.
قلتُ: وهو قول مالك كما في «المدونة الكبرى» (٣/ ٣١٣)، و «الأوسط» (١٠/ ١٥٩)، والرَّاجح أنَّ هذا ليس مخصوصًا بالأقوات، بل أي شيء يحتكر،
تنبيه: ادِّخار الإنسان القوت لنفسه وعياله لا يدخل في الاحتكار، بل هو جائزٌ، فقد كان النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يدَّخر لأهله قوت سنة كما في «الصحيحين». (١)
قال الشوكاني ﵀: قَالَ ابْنُ رِسْلَانَ فِي «شَرْحِ السُّنَنِ»: وَقَدْ كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَدَّخِرُ لِأَهْلِهِ قُوتَ سَنَتِهِمْ مِنْ تَمْرٍ وَغَيْرِهِ ... ، وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ مَا يَدَّخِرُهُ الْإِنْسَانُ مِنْ قُوتٍ، وَمَا يَحْتَاجُونَ إلَيْهِ مِنْ سَمْنٍ، وَعَسَلٍ، وَغَيْرِ ذَلِكَ جَائِزٌ لَا بَأْسَ بِهِ. اهـ (٢)
تنبيه: المدة التي يجوز فيها خزن السِّلع راجعة إلى وقت حاجة الناس إليها.
المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين
مسألة [١]: معنى التَّصْرية .
أصل التصرية حبس الماء، يقال: صريت الماء إذا حبسته، ومعناه: ربط أخلاف الناقة، أو الشاة، وترك حلبها حتى يجتمع لبنها، فيكثر، فيظن المشتري أن ذلك عادتها، فيزيد في ثمنها؛ لما يرى من كثرة لبنها.
وقوله في الحديث: «لَا تُصَرُّوا»، قال الحافظ: بضم أوله، وفتح ثانيه، بوزن تزكوا، وقيده بعضهم بفتح أوله، وضم ثانيه، والأول أصح؛ لأنه من (صريت اللبن في الضرع) إذا جمعته، وليس من (صررت الشيء) إذا ربطته؛ إذ لو كان منه لقيل: (مصرورة، أو مصررة)، ولم يقل: مصراة، على أنه قد سُمِع الأمران. اهـ
مسألة [٢]: حكم التصرية .
يحرم تصرية البهيمة من أجل البيع عند جميع أهل العلم، ذكر ذلك ابن دقيق العيد، والسُّبُكي، وابن الملقن؛ لما في ذلك من الغش والخديعة.
• وأما تصريتها من أجل تجميع اللبن: فمنع منه بعض الشافعية.
• وجمهور العلماء على الجواز؛ مالم يؤد إلى تعذيب البهيمة.
وهو الصواب، والله أعلم. (١)
стр. 2964
مسألة [٣]: تصرية البقر .
• عامة أهل العلم على أن تحريم التصرية لا يختص بالإبل والغنم، بل يشمل البقر، خلافًا لداود الظاهري، وإنما اقتصر عليهما؛ لغلبتهما عندهم، وذلك لأنَّ المعنى فيها واحد، بل قد يكون اللبن في البقر أكثر من غيرها، والتلبيس فيها أشد على المشتري. (١)
مسألة [٤]: إذا حصلت التصرية فما حكم البيع ؟
دلَّ حديث الباب على أنَّ البيع صحيح، والمشتري بالخيار بين إمضاء البيع وفسخه، وهذا قول عامة أهل العلم.
• وخالف أبو حنيفة، ومحمد بن الحسن، فقالا: ليس للمشتري خيار؛ لأنَّ ذلك ليس بعيب، بدليل أنها لو لم تكن مصراة، فوجدها أقل لبنًا من أمثالها لم يملك ردَّها، والتدليس بما ليس بعيب لا يثبت الخيار.
وردوا حديث الباب بحجج واهية، وزعموا أنه مخالفٌ لأصول الشريعة.
وقد ذكر حججهم الحافظ ابن حجر ﵀ في «الفتح»، وردَّ عليهم وبيَّن بطلان مذهبهم.
والصواب هو قول الجمهور، وقد أفتى به ابن مسعود كما في الباب، والحديث صريح في المسألة، فلا تعويل على قول من خالف الحديث، والله أعلم. (٢)
стр. 2965
مسألة [٥]: ماذا يرد بدل اللبن الذي احتلبه ؟
• جمهور العلماء على أنه يرد صاعًا من تمر، ويتعين عليه التمر؛ لحديث أبي هريرة، وابن مسعود اللذين في الباب.
• وذهب أبو يوسف، وابن أبي ليلى إلى أنَّ التمر لا يتعين، بل قيمته.
• وذهب مالك، وبعض الشافعية، وبعض الحنابلة إلى أنه يرد صاعًا من غالب قوت البلد، وهو قول شيخ الإسلام، وابن القيم، واستدلوا برواية: «صاعًا من طعام» وقالوا: التنصيص على التمر في الحديث بسبب أنَّ قوتهم التمر في الغالب.
واستدل بعضهم بحديث ابن عمر عند أبي داود (٣٤٤٦)، وفيه: «فإن ردَّها؛ ردَّ معها مثل، أو مثلي لبنها قمحًا»، وفي إسناده: جميع بن عمير التيمي، وقد كُذِّب.
قال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب قول الجمهور؛ لحديث أبي هريرة ﵁، وما استدلوا به لا يثبت، وقولهم: (خرج مخرج الغالب) يحتاج إلى دليل. (١)
مسألة [٦]: إذا تراضى البائع والمشتري على غير الصاع من التمر ؟
• الجمهور على الجواز.
• وخالف بعض المالكية، وابن المنذر، فأوجبوا التمر حتى مع التراضي على غيره، وعلَّل بعضهم ذلك بأنَّ المشتري لو أعطى قمحًا، أو شعيرًا كان من بيع
стр. 2966
الطعام قبل قبضه، وأثبت ابن كَجٍّ الخلاف عند الشافعية في ذلك.
والراجح قول الجمهور، والقول الثاني غير صحيح؛ لأنه ليس من باب بيع اللبن بالتمر إنما هو من باب الجزاء، فإذا تراضيا على غير التمر؛ فما المانع؟! (١)
مسألة [٧]: إذا علم أنها مصراة، واللبن مازال موجودًا، فهل يلزم البائع قبول لبنه ؟
• أما إن كان اللبن قد تغير؛ فلا يلزمه قبوله عند أكثر أهل العلم، خلافًا لبعض الحنابلة.
• وأما إن كان اللبن لم يتغير: فمذهب الحنابلة أنه يلزمه قبوله، وهو قول بعض الشافعية؛ لأنَّ المبدل منه موجود بنفسه، فما فائدة البدل؟
• وذهب جماعةٌ من العلماء إلى أنه لا يلزمه قبوله؛ لأنه ينقص بالحلب، وهو في ضرعه أحفظ له، وهو مذهب المالكية، والشافعية، وهذا القول هو الصواب.
وعندهم أيضًا أنَّ المشتري لا يلزمه رد اللبن؛ لما حدث في الضرع من زيادة لبن قبل الحلب، فيجب رد بدله صاعًا من تمر؛ إلا أنْ يتفقا على رد اللبن؛ فيجوز. (٢)
стр. 2967
مسألة [٨]: إذا لم يوجد تمر ؟
• الذين يوجبون التمر دون غيره يقولون: إذا عدم التمر؛ فعليه قيمته، ثم ذهب الحنابلة إلى أن عليه القيمة في الموضع الذي وقع فيه العقد.
• وللشافعية وجهان: أحدهما: أن القيمة تعتبر بأقرب بلاد التمر منه. والثاني: اعتباره بقيمته في نفس المدينة. (١)
مسألة [٩]: إذا علم المشتري أنها مصراة فردها قبل أن يحلبها، فهل عليه صاع تمر ؟
ظاهر حديث أبي هريرة الذي في الباب أنَّ الصاع مقابل احتلابها، وعلى هذا فإذا لم يحلبها؛ فليس عليه شيء، وقد نقل ابن قدامة عن ابن عبد البر أنه لا خلاف في ذلك، وكذلك قال السُّبُكي. (٢)
مسألة [١٠]: لو علم المشتري أنها مصراة قبل أن يشتريها، فهل له ردها ؟
• مذهب الحنابلة -وهو الأصح عند الشافعية- أنه لا يثبت له الخيار؛ لأنه قد علم بالعيب، وسياق حديث المصراة بطرقه يُشعِر أنَّ ذلك في حق من لم يعلم بأنها مصراة. وللشافعية وجهٌ في ثبوت الخيار له، والذي يظهر أنه إذا اشتراها، وهو يحتمل أنها غير مصراة؛ فله الخيار، وإن كان متيقنًا من أنها مصراة؛ فلا خيار له، والله أعلم. (٣)
стр. 2968
مسألة [١١]: لو اشترى مصراة فلم يعلم بذلك المشتري حتى صار لبنها عادة على ما صريت عليه ؟
• مذهب الحنابلة أنه ليس له الرد؛ لزوال السبب الذي يجوز معه الرد شرعًا، وهو قول جماعة من الشافعية، وقال جماعة منهم: له الرد؛ لظاهر حديث أبي هريرة، والصواب القول الأول. (١)
مسألة [١٢]: لو اطلع على عيب آخر بالمصراة بعد رضاه بها، فهل عليه صاعٌ من تمر ؟
• مذهب الشافعية أنَّ عليه صاعًا من تمر مقابل اللبن الذي كان مع البهيمة عند شرائه لها، وهو مذهب الحنابلة أيضًا؛ لما تقدم، وهو الصحيح، وللمالكية قولان في هذه المسألة. (٢)
تنبيه: لو اطَّلع على عيب بالبهيمة، ولم تكن مصراة؛ فإنْ لم يكن في ضرعها لبن حال العقد؛ فلا شيء عليه، وإن كان فيه لبن لا يخلو الضرع من مثله في العادة؛ فلا شيء فيه، وإن كان اللبن كثيرًا، ففيه خلافٌ: فمنهم من قال: يرد مثل اللبن، أو يضمنه بقيمته، وعليه أكثر الحنابلة، وجماعة من الشافعية، وهو الصحيح.
وقال بعضهم: يرد صاعًا من تمر، وهو قول بعض الحنابلة، والشافعية. (٣)
стр. 2969
مسألة [١٣]: صفة التمر .
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٦/ ٢١٨ - ٢١٩): وإذ قد ثبت هذا؛ فإنه يجب أن يكون الصاع من التمر جيدًّا غير معيب؛ لأنه واجبٌ بإطلاق الشارع، فينصرف إلى ما ذكرناه، كالصاع الواجب في الفطرة، ولا يجب أن يكون من الأجود، بل يجوز أن يكون من أدنى ما يقع عليه اسم الجيد. اهـ (١)
مسألة [١٤]: لو اشترى أكثر من مصراة، فهل عليه لكل واحدة صاع ؟
• ذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه يجب عليه لكل واحدة صاع، وهو قول أحمد، والشافعي، وأكثر المالكية؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أثبت الصاع للواحدة فقال: «من اشترى شاة مصراة .. » فذكره، وكما أنه يجب عليه أكثر من صاع؛ لو كانت متفرقة؛ فكذلك لو باعها مجموعة.
• وذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه يجب عليه صاع واحد لجميعها، وهو قول بعض الحنابلة، والمالكية، واستدلوا برواية الباب، وبرواية: «من اشترى غنمًا مصراة». (٢)
وأُجيب: بأنه أراد بيان الجنس، والقول الأول أقرب، والله أعلم. (٣)
стр. 2970
مسألة [١٥]: هل خيار المصراة على الفور، أم على التراخي ؟
• جمهور العلماء على أنَّ الخيار فيها على التراخي، فيبقى في الخيار ثلاثة أيام؛ لحديث أبي هريرة في «صحيح مسلم» وغيره: «فهوبالخيار ثلاثة أيام».
• وذهب بعض الشافعية، والحنابلة إلى أنَّ الخيار على الفور، وقالوا: المراد بالتحديد في ثلاثة أيام أنَّ هذه المدة وقتٌ لمعرفة كونهامصراة، فإذا علم وجب الرد من حين علم.
والصواب هو قول الجمهور؛ لأنَّ ظاهر الحديث المتقدم أنه مخيَّرٌ ثلاثة أيام بعد معرفته بأنها مصراة. (١)
مسألة [١٦]: من متى يبدأ توقيت الثلاثة الأيام ؟
• ذهب كثيرٌ من أهل العلم إلى أنه يبدأ من حين يعلم التصرية، وهو قول بعض الشافعية، وبعض الحنابلة، وهو قول الظاهرية، واختاره ابن المنذر؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في حديث أبي هريرة في «صحيح مسلم»: «فهو بالخيار ثلاثة أيام»، وفي رواية «الصحيحين»: «فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها».
فتبيَّن من الروايتين أنَّ هذه الثلاثة الأيام تبدأ من حين يعلم بأنها مصراة.
• وذهب بعض الشافعية، والحنابلة إلى أنَّ التوقيت يبدأ من حين العقد، وقال بعض الشافعية: من حين التفرق. والقول الأول هو الراجح، والله أعلم. (٢)
стр. 2971
مسألة [١٧]: إذا اشترى مصراة من غير بهيمة الأنعام كالأتان والفرس ؟
• للحنابلة، والشافعية وجهان في ثبوت الخيار وعدمه، والظاهر أنَّ اللبن إذا كان مقصودًا فله الخيار، وإلا فلا، وأما العوض بصاعٍ من تمر: فأكثر أهل العلم على عدم ذلك؛ لأنَّ الحديث في بهيمة الأنعام. (١)
فائدة: ابن حزم يرى في المصراة أنه يجب رد لبنها مع الصاع من التمر، وقد تفرد بذلك، وخالفه عامة أهل العلم. (٢)
فائدة أخرى: قال الإمام النووي ﵀ في «شرح مسلم» (١٠/ ١٦٧ - ١٦٨): فَإِنْ قِيلَ: كَيْف يَلْزَم المُشْتَرِي رَدّ عِوَض اللَّبَن مَعَ أَنَّ الْخَرَاج بِالضَّمَانِ، وَأَنَّ مَنْ اِشْتَرَى شَيْئًا مَعِيبًا، ثُمَّ عَلِمَ الْعَيْب فَرَدَّ بِهِ؛ لَا يَلْزَمهُ رَدّ الْغَلَّة، وَالْأَكْسَاب الْحَاصِلَة فِي يَده؟ فَالْجَوَاب: أَنَّ اللَّبَن لَيْسَ مِنْ الْغَلَّة الْحَاصِلَة فِي يَد المُشْتَرِي، بَلْ كَانَ مَوْجُودًا عِنْد الْبَائِع، وَفِي حَالَة الْعَقْد، وَوَقَعَ الْعَقْد عَلَيْهِ وَعَلَى الشَّاة جَمِيعًا، فَهُمَا مَبِيعَانِ بِثَمَنٍ وَاحِد، وَتَعَذَّرَ رَدّ اللَّبَن؛ لِاخْتِلَاطِهِ بِمَا حَدَثَ فِي مِلْك المُشْتَرِي؛ فَوَجَبَ رَدّ عِوَضه، وَاَلله أَعْلَم. اهـ (٣)
стр. 2972
٨٠١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَرَّ عَلَى صُبْرَةٍ مِنْ طَعَامٍ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا، فَنَالَتْ أَصَابِعُهُ بَلَلًا، فَقَالَ: «مَا هَذَا يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ؟» قَالَ: أَصَابَتْهُ السَّمَاءُ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «أَفَلَا جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ كَيْ يَرَاهُ النَّاسُ؟ مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: قوله «غَشَّ» .
الغِش: ضد النصح، من الغَشَش، وهو المشرب الكدر. كذا في «النهاية» (٣/ ٣٦٩)، والمقصود من الحديث أنه يحرم على البائع، أو المشتري إخفاء عيب في السلعة، أو المال، وهذا مُجمَعٌ عليه، وفي حديث حكيم بن حزام في «الصحيحين» أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «فإن صدقا وبيَّنَا بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما مُحِقَت بركة بيعهما». (٢)
стр. 2973
٨٠٢ - وَعَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ حَبَسَ العِنَبَ أَيَّامَ القِطَافِ حَتَّى يَبِيعَهُ مِمَّنْ يَتَّخِذُهُ خَمْرًا؛ فَقَدْ تَقَحَّمَ النَّارَ عَلَى بَصِيرَةٍ». رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي «الأَوْسَطِ» بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: حكم بيع العصير، والعنب، والتمر لمن يتخذه خمرًا .
• كثيرٌ من أهل العلم، أو أكثرهم على تحريم ذلك إذا تيقن أنَّ هذا المشتري سيتخذه لذلك؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة:٢].
ونصَّ الشافعي على الكراهة، ولأصحابه وجهان إذا تحقق أنه سيتخذه خمرًا، فمنهم من قال بالكراهة الشديدة، ومنهم من قال بالتحريم.
• وقال الحسن، وعطاء، والثوري: يجوز البيع؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة:٢٧٥]، ولأنه شيء مُباح، والإثم على من اتخذه في المعصية.
стр. 2974
• وذهب أحمد في رواية، وإسحاق إلى أنه يحرم أن يبيع ذلك إذا تيقن، أو غلب على ظنه، وهو اختيار شيخ الإسلام، وصاحب «الإنصاف»، والشوكاني في «السيل»، واختاره الإمام ابن عثيمين ﵀، وهو الصواب؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة:٢]. (١)
تنبيه: الحكم السابق يشمل كذلك ما قُصِدَ فيه الحرام كبيع السلاح للفتنة، وبيع الحمار الأهلي لمن يأكله، وبيع المسجل لمن يسمع به الأغاني والمعازف.
مسألة [٢]: بيع العبد المسلم لرجل كافر .
• في المسألة قولان:
القول الأول: لا يجوز، ولا يصح، وهو مذهب أحمد، ومالك في رواية، والشافعي في قولٍ؛ لأنَّ فيه إذلالًا للمسلم عند الكافر، وقد قال تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء:١٤١].
القول الثاني: يصح، ويجبر على إزالة ملكه، وهو قول أبي حنيفة، ورواية عن مالك، وقولٌ للشافعي.
قلتُ: والقول الأول هو الصواب، وهو اختيار الإمام ابن عثيمين ﵀. (٢)
стр. 2975
مسألة [٣]: إذا أسلم عبد الذمي فكيف يصنع معه ؟
قال الإمام ابن المنذر ﵀ في «الأوسط» (١٠/ ٣٧٢): أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن رقيق أهل الذمة إذا أسلموا بيعوا عليهم. كذلك فعل عمر ابن عبد العزيز، وروي ذلك عن الحسن، والنخعي، والشعبي، وبه قال الشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي. وخالف ذلك بعض أصحاب الحديث، وقال: لا يجبر الذمي على بيع عبده الذي أسلم، واحتج بحديث سلمان الفارسي. اهـ
يعني حديث سلمان الفارسي في قصة إسلامه، وفيه أنه أمره بالمكاتبة. وهذا الحديث بمعنى بيعه، ففيه أنه أمره بالمكاتبة؛ فكاتبه سيده.
والصحيح أنه يلزم الذمي ببيعه؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾.
مسألة [٤]: معاملة من يخالط ماله الحلال والحرام .
أما إذا كانت العين المتعاقد عليها محرمة بعينها، كأن تكون مسروقة، أو مغصوبة، أو ما أشبه ذلك؛ فلا يجوز أن يبيعها، أو يشتريها منه، ومثله لو كان جميع ماله محرمًا. وأما إذا كان المال مخلوطًا غير متميز: فيجوز معاملته عند عامة أهل العلم، والورع ترك معاملته إذا استطيع ذلك. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: معنى الخراج بالضمان .
الخراج: هو الكسب والربح، ومنه قوله تعالى: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾ [المؤمنون:٧٢]، والمقصود بالحديث أنَّ المنافع الناتجة من السلعة تكون لضامن السلعة، فلو أنَّ إنسانًا اشترى سيارة مثلًا، فأَجَّرها واستفاد منها، ثم وقف على عيب في السيارة كان عند البائع، فتكون المنفعة للمشتري، ولا يُطالب برد الأجرة؛ لأنَّ السيارة كانت في ضمانه بحيث لو تلفت لم يرجع على البائع بشيءٍ، ويُعَبِّر بعض الفقهاء بقولهم: الغُنْمُ لمن عليه الغرم.
وهذه المسألة لها صُور:
أولها: أن تكون الزيادة متصلة بالمبيع، كالسمن، والكِبَر، والتعلم، والحمل، فهذه الأشياء يردها بنمائها؛ لأنه يتبع في العقود، والفسوخ، وقد نُقِل على هذا الإجماع، وخالف شيخ الإسلام، وجعله رواية عن أحمد، فقال بأنَّ النماء المتصل للمشتري أيضًا، واختار ذلك الإمام العثيمين ﵀؛ لعموم الحديث: «الخراج
стр. 2978
بالضمان»، وعليه فلو فسخ؛ فيرد البائع للمشتري فارق قيمة السلعة بين يوم البيع ويوم الفسخ، وهذا القول هو الصحيح، والله أعلم.
ثانيها: أن تكون الزيادة منفصلة، ولكنها ليست من عين المبيع كالكسب، مثل الاستفادة من السيارة، أو العبد، وما أشبه ذلك.
قال ابن قدامة ﵀: فكل ذلك للمشتري في مقابلة ضمانه؛ لأنَّ العبد لو هلك هلك من مال المشتري، وهو معنى قوله ﵇: «الخراج بالضمان»، ولا نعلم في هذا خلافًا.
ثم قال: وبهذا قال أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، ولا نعلم عن غيرهم خلافهم. اهـ
قلتُ: قد خالف في المسألة عثمان البتي، وعبيد الله بن الحسن كما في «المحلى»، والصواب قول الجمهور.
ثالثها: أن تكون الزيادة منفصلة، ولكنها من عين المبيع، كالولد، والثمرة، واللبن.
• فالجمهور على أنَّ الزيادة لا ترد أيضًا، وهي للمشتري مقابل ضمانه؛ للحديث المتقدم، ووافقهم ابن حزم، ولكنه استدل على ذلك بقوله: لأنه حدث في ماله، وفي ملكه، وليس مما وقع عليه الشراء؛ فلا حق للمردود عليه فيه.
• وذهب مالك إلى قول الجمهور؛ إلا في الولد فإنه يرد مع أمه.
стр. 2979
• وقال أبو حنيفة: ليس له الرد، ويرجع على البائع بأرش العيب.
• وقال عثمان البتي، وعبيد الله بن الحسن، وزفر: يردها، ويرد الضمان المنفصل الذي هو فرعٌ منها؛ لأنَّ العقد قد تم على الحيوان، وهذا الشيء موجود فيه؛ فالظاهر أنه يرد معه، وهذا قول بعض الشافعية، والحنابلة، كما في «الإنصاف»، و «الحاوي»، و «المغني» فيما إذا كان الحمل موجودًا عند العقد.
وهذا هو الصحيح في حالة وجود الحمل تامًّا عند العقد.
وأما إن كان غير موجود فالصحيح قول الجمهور، وإن كان موجودًا، ولكنه في بداية الحمل، أو أثنائه فيرجع إلى الصورة الأولى، وبالله التوفيق. (١)
تنبيه: قاس الحنفية المغصوب على المبيع، فقالوا: للغاصب خراج المغصوب؛ لأنه ضامن له، وخالفهم الجمهور فقالوا: ليس له خراجه، بل يجب عليه رد المغصوب مع خراجه، وهو الصحيح. (٢)
стр. 2980
٨٠٤ - وَعَنْ عُرْوَةَ البَارِقِيِّ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَعْطَاهُ دِينَارًا لِيَشْتَرِيَ بِهِ أُضْحِيَّةً، أَوْ شَاةً، فَاشْتَرَى بِهِ شَاتَيْنِ، فَبَاعَ إحْدَاهُمَا بِدِينَارٍ، فَأَتَاهُ بِشَاةٍ وَدِينَارٍ فَدَعَا لَهُ بِالبَرَكَةِ فِي بَيْعِهِ، فَكَانَ لَوِ اشْتَرَى تُرَابًا لَرَبِحَ فِيهِ. رَوَاهُ الخَمْسَةُ إلَّا النَّسَائِيّ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ ضِمْنَ حَدِيثٍ، وَلَمْ يَسُقْ لَفْظَهُ. (١)
٨٠٥ - وَأَوْرَدَ التِّرْمِذِيُّ لَهُ شَاهِدًا مِنْ حَدِيثِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ. (٢)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين
مسألة [١]: حكم بيع الفضولي وشرائه .
• في هذه المسألة أقوال:
القول الأول: يصح بيعه، وشراؤه إذا أجازه المالك، وهو قول مالك، وأحمد، وإسحاق، والشافعي في القديم، وقواه النووي في «الروضة»، واستدلوا بحديث عروة الذي في الباب.
القول الثاني: لا يصح بيعه، ولاشراؤه، وهو قول الشافعي، ورواية عن أحمد،