المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: معنى الخراج بالضمان .
الخراج: هو الكسب والربح، ومنه قوله تعالى: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾ [المؤمنون:٧٢]، والمقصود بالحديث أنَّ المنافع الناتجة من السلعة تكون لضامن السلعة، فلو أنَّ إنسانًا اشترى سيارة مثلًا، فأَجَّرها واستفاد منها، ثم وقف على عيب في السيارة كان عند البائع، فتكون المنفعة للمشتري، ولا يُطالب برد الأجرة؛ لأنَّ السيارة كانت في ضمانه بحيث لو تلفت لم يرجع على البائع بشيءٍ، ويُعَبِّر بعض الفقهاء بقولهم: الغُنْمُ لمن عليه الغرم.
وهذه المسألة لها صُور:
أولها: أن تكون الزيادة متصلة بالمبيع، كالسمن، والكِبَر، والتعلم، والحمل، فهذه الأشياء يردها بنمائها؛ لأنه يتبع في العقود، والفسوخ، وقد نُقِل على هذا الإجماع، وخالف شيخ الإسلام، وجعله رواية عن أحمد، فقال بأنَّ النماء المتصل للمشتري أيضًا، واختار ذلك الإمام العثيمين ﵀؛ لعموم الحديث: «الخراج
стр. 2978
بالضمان»، وعليه فلو فسخ؛ فيرد البائع للمشتري فارق قيمة السلعة بين يوم البيع ويوم الفسخ، وهذا القول هو الصحيح، والله أعلم.
ثانيها: أن تكون الزيادة منفصلة، ولكنها ليست من عين المبيع كالكسب، مثل الاستفادة من السيارة، أو العبد، وما أشبه ذلك.
قال ابن قدامة ﵀: فكل ذلك للمشتري في مقابلة ضمانه؛ لأنَّ العبد لو هلك هلك من مال المشتري، وهو معنى قوله ﵇: «الخراج بالضمان»، ولا نعلم في هذا خلافًا.
ثم قال: وبهذا قال أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، ولا نعلم عن غيرهم خلافهم. اهـ
قلتُ: قد خالف في المسألة عثمان البتي، وعبيد الله بن الحسن كما في «المحلى»، والصواب قول الجمهور.
ثالثها: أن تكون الزيادة منفصلة، ولكنها من عين المبيع، كالولد، والثمرة، واللبن.
• فالجمهور على أنَّ الزيادة لا ترد أيضًا، وهي للمشتري مقابل ضمانه؛ للحديث المتقدم، ووافقهم ابن حزم، ولكنه استدل على ذلك بقوله: لأنه حدث في ماله، وفي ملكه، وليس مما وقع عليه الشراء؛ فلا حق للمردود عليه فيه.
• وذهب مالك إلى قول الجمهور؛ إلا في الولد فإنه يرد مع أمه.
стр. 2979
• وقال أبو حنيفة: ليس له الرد، ويرجع على البائع بأرش العيب.
• وقال عثمان البتي، وعبيد الله بن الحسن، وزفر: يردها، ويرد الضمان المنفصل الذي هو فرعٌ منها؛ لأنَّ العقد قد تم على الحيوان، وهذا الشيء موجود فيه؛ فالظاهر أنه يرد معه، وهذا قول بعض الشافعية، والحنابلة، كما في «الإنصاف»، و «الحاوي»، و «المغني» فيما إذا كان الحمل موجودًا عند العقد.
وهذا هو الصحيح في حالة وجود الحمل تامًّا عند العقد.
وأما إن كان غير موجود فالصحيح قول الجمهور، وإن كان موجودًا، ولكنه في بداية الحمل، أو أثنائه فيرجع إلى الصورة الأولى، وبالله التوفيق. (١)
تنبيه: قاس الحنفية المغصوب على المبيع، فقالوا: للغاصب خراج المغصوب؛ لأنه ضامن له، وخالفهم الجمهور فقالوا: ليس له خراجه، بل يجب عليه رد المغصوب مع خراجه، وهو الصحيح. (٢)
стр. 2980
٨٠٤ - وَعَنْ عُرْوَةَ البَارِقِيِّ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَعْطَاهُ دِينَارًا لِيَشْتَرِيَ بِهِ أُضْحِيَّةً، أَوْ شَاةً، فَاشْتَرَى بِهِ شَاتَيْنِ، فَبَاعَ إحْدَاهُمَا بِدِينَارٍ، فَأَتَاهُ بِشَاةٍ وَدِينَارٍ فَدَعَا لَهُ بِالبَرَكَةِ فِي بَيْعِهِ، فَكَانَ لَوِ اشْتَرَى تُرَابًا لَرَبِحَ فِيهِ. رَوَاهُ الخَمْسَةُ إلَّا النَّسَائِيّ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ ضِمْنَ حَدِيثٍ، وَلَمْ يَسُقْ لَفْظَهُ. (١)
٨٠٥ - وَأَوْرَدَ التِّرْمِذِيُّ لَهُ شَاهِدًا مِنْ حَدِيثِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ. (٢)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين
مسألة [١]: حكم بيع الفضولي وشرائه .
• في هذه المسألة أقوال:
القول الأول: يصح بيعه، وشراؤه إذا أجازه المالك، وهو قول مالك، وأحمد، وإسحاق، والشافعي في القديم، وقواه النووي في «الروضة»، واستدلوا بحديث عروة الذي في الباب.
القول الثاني: لا يصح بيعه، ولاشراؤه، وهو قول الشافعي، ورواية عن أحمد،
стр. 2981
وأبي ثور، واختاره ابن المنذر؛ للحديث المتقدم «لا تبع ما ليس عندك». (١)
القول الثالث: قال مالك في رواية: يجوز الشراء، ولا يجوز البيع. وكأنه أراد الجمع بين الحديثين.
القول الرابع: أجاز أبو حنيفة البيع، ومنع الشراء.
قال أبو عبد الله غفر الله له: الصحيح هو القول الأول؛ لحديث عروة ﵁، وبالله التوفيق. (٢)
مسألة [٢]: لو باع سلعة وصاحبها حاضر ساكت ؟
• جمهور العلماء على عدم الجواز، وعدم الصحة، ولا ينسبون إلى سكوته الإقرار؛ لاحتمال أن يسكت بسبب آخر، فإذا أجاز البيع بعد ذلك؛ دخل في المسألة السابقة، وإن عُلِم بالقرائن أن سكوته عن رضى؛ جاز.
• وقال ابن أبي ليلى: سكوته إقرار، والصواب قول الجمهور. (٣)
مسألة [٣]: إذا وكل رجلين فباع كل واحد منهما لآخر ؟
• فيه قولان:
الأول: البيع للأول منهما، وهو قول شريح، وابن سيرين، والشافعي، وأحمد،
стр. 2982
وابن المنذر.
الثاني: البيع لمن بدأ بالقبض، وهو قول ربيعة ومالك.
قلتُ: والصحيح هو القول الأول؛ لأنَّ الوكيل الثاني زالت وكالته بانتقال ملك الموكل عن السلعة؛ فصار بائعًا ملك غيره بغير إذنه، فلم يصح. (١)
تنبيه: حديث عروة ﵁ يدل على شرط من شروط صحة البيع، وهو: (أن يكون العقد من المالك، أو من يقوم مقامه).
стр. 2983
٨٠٦ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ شِرَاءِ مَا فِي بُطُونِ الأَنْعَامِ حَتَّى تَضَعَ، وَعَنْ بَيْعِ مَا فِي ضُرُوعِهَا، وَعَنْ شِرَاءِ العَبْدِ وَهُوَ آبِقٌ، وَعَنْ شِرَاءِ المَغَانِمِ حَتَّى تُقْسَمَ، وَعَنْ شِرَاءِ الصَّدَقَاتِ حَتَّى تُقْبَضَ، وَعَنْ ضَرْبَةِ الغَائِصِ. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالبَزَّارُ وَالدَّارَقُطْنِيّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: بيع الحمل وهو في بطن أمه .
لا يجوز بيع الحمل عند أهل العلم؛ لأنه مجهول، ويدخل في النهي عن بيع الغرر، وقد نقل غير واحد الإجماع على عدم جوازه.
مسألة [٢]: بيع اللبن في الضرع .
• ذهب الجمهور إلى المنع من ذلك؛ لأنه مجهول القدر والصفة، وقد أفتى بالمنع ابن عباس ﵄، وهو صحيح ثابتٌ عنه كما في «مصنف ابن أبي شيبة (٦/ ٥٣٣)، وهو قول أحمد، والشافعي، وإسحاق.
• وحُكي عن مالك أنه يجوز شراؤه أيامًا معلومة؛ إذا عرفا حلابها؛ لسقي الصبي، كلبن الظئر، ورجحه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
• وأجازه الحسن، وسعيد بن جبير، ومحمد بن مسلمة.
стр. 2984
قال الإمام ابن القيم ﵀ كما في «زاد المعاد» (٥/ ٨٢٣ - ٨٢٤): واختار شيخُنا جوازه، وحكاه قولًا لبعض أهل العلم، وله فيها مصنف مفرد، قال: إذا استأجر غنمًا، أو بقرًا، أو نوقًا أيامَ اللبن بأجرة مسماة، وعلفُها على المالِك، أو بأجرة مسماة مع علفها على أن يأخذ اللبن؛ جاز ذلك في أظهر قولي العلماء كما في الظئر.
قال: وهذا يشبه البيع، ويشبه الإجارة؛ ولهذا يذكره بعض الفقهاء في البيع، وبعضهم في الإجارة، لكن إذا كان اللبن يحصل بعلف المستأجر، وقيامه على الغنم؛ فإنه يشبه استئجار الشجر، وإن كان المالك هو الذي يعلفها، وإنما يأخذ المشتري لبنًا مقدرًا، فهذا بيعٌ محضٌ، وإن كان يأخذ اللبن مطلقًا، فهو بيعٌ أيضًا؛ فإن صاحب اللبن يُوفيه اللبن بخلاف الظئر، فإنما هي تسقي الطفل، وليس هذا داخلًا فيما نهى عنه ﷺ مِن بيع الغَرَرِ؛ لأن الغرر تردُّدٌ بين الوجود والعدم، فنهى عن بيعه؛ لأنه مِن جنس القمار الذي هو الميسر، والله حرم ذلك لما فيه مِن أكل المال بالباطل، وذلك مِن الظلم الذي حرمه اللهُ تعالى، وهذا إنما يكون قمارًا إذا كان أحدُ المتعاوضين يحصلُ له مال، والآخر قد يحصُل له وقد لا يحصل، فهذا الذي لا يجوزُ كما في بيع العبد الآبق، والبعير الشارد، وبيع حَبَلِ الحَبَلَةِ؛ فإن البائع يأخذُ مال المشتري، والمشتري قد يحصل لَهُ شَيء، وقد لا يَحصُل، ولا يعرف قدر الحاصل، فأما إذا كان شيئًا معروفًا بالعادة كمنافع الأعيان بالإِجارة مثل منفعة الأرض والدابة، ومثلِ لبن الظئر المعتاد، ولبنِ البهائم المعتاد، ومثلِ الثمر والزرع المعتاد، فهذا كُلُّهُ من باب واحد وهو جائز. ثم إن حصل على الوجه
стр. 2985
المعتاد، وإلا حطَّ عن المستأجر بقدر ما فات مِن المنفعة المقصودة، وهو مثلُ وضع الجائحة في البيع، ومثلُ ما إذا تلف بعضُ المبيع قبل التمكن مِن القبض في سائر البيوع. اهـ
قلتُ: وهذا الذي اختاره شيخ الإسلام، وتلميذه ابن القيم هو الصحيح، والله أعلم، وأما في غير صورة الاستئجار فالراجح قول الجمهور، وبالله التوفيق. (١)
مسألة [٣]: إذا باع مما في ضرع البقرة صاعًا معلومًا ؟
• الجمهور على المنع؛ لجهالة الصفة، ولاحتمال عدم القدرة على التسليم، وأجازه طاوس، والشوكاني، وهو الصحيح؛ لعدم وجود الجهالة في هذه الصورة، وصفة اللبن معروفة بالعادة، وإن خالف وصفه المعتاد؛ فله الفسخ، وبالله التوفيق. (٢)
مسألة [٤]: حكم بيع لبن الآدميات .
• مذهب الشافعي هو الجواز، وهو قول جماعة من الحنابلة، وصححه ابن قدامة؛ لأنه لبنٌ طاهرٌ منتفع به، ولأنه يجوز أخذ العوض عنه في إجارة الظئر، وهو قول ابن حزم.
• وذهب مالك، و أبو حنيفة، وجماعة من الحنابلة إلى تحريم بيعه؛ لأنه جزء
стр. 2986
من آدمي، فأشبه سائر أجزائه.
وأُجيب عن ذلك: بأنه يجوز بيع العبد والأمة، وإنما حرم بيع الحر؛ لأنه ليس بمملوك، وحرم بيع العضو المقطوع؛ لأنه لا نفع فيه، قاله ابن قدامة.
قال ابن حزم ﵀: لا خلاف في أنَّ للمرأة أن تحلب لبنها في إناء، وتعطيه لمن يسقيه صبيًّا، وهذا تمليك منها له، وكل ما صح ملكه وانتقال الأملاك فيه حلَّ بيعه؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة:٢٧٥]، إلا ما جاء فيه نصٌّ بخلاف هذا. اهـ
قلتُ: القول الأول هو الصواب. (١)
تنبيه: قال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٩/ ٣٢٦): أجمع المسلمون على جواز بيع حيوانٍ في ضرعه لبن، وإن كان اللبن مجهولًا؛ لأنه تابع للحيوان، ودليله من السنة حديث المصراة. اهـ
مسألة [٥]: بيع العبد الآبق .
• اختلف أهل العلم في بيع العبد الآبق، والحيوان الشارد، وما أشبه ذلك على أقوال:
الأول: لا يصح البيع مطلقًا، وهو قول مالك، وأحمد، والشافعي، وأبي ثور، والجمهور، واختاره ابن المنذر، سواء علم مكانه أو جهله؛ لأنه غير مقدور على
стр. 2987
تسليمه؛ فهو بيع غرر.
الثاني: يجوز بيعه مطلقًا؛ علم مكانه أم لم يعلم، وهو قول عثمان البتي، والظاهرية؛ لأنه ملكه، سواء كان موجودًا أو غائبًا.
الثالث: يجوز بيعه إذا علما مكانه، وهو قول ابن سيرين، وشريح، والشعبي، وقال به بعض الشافعية.
قال أبو عبد الله غفر الله له: قول الجمهور هو الصواب، وقد يعلمان مكانه ثم يهرب من ذلك المكان، فأما إن كانا قد علما مكانه، وعند المشتري القدرة على إمساكه فيجوز البيع؛ لانتفاء العلة المحرِّمة، وقد جاء عن ابن عمر بإسناد صحيح: أنه اشترى بعيرًا وهو شاردٌ. أخرجه ابن أبي شيبة (٦/ ١٣٤)، وابن المنذر (١٠/ ٤١)، وهو محمول على أنه علم مكانه وعنده القدرة على إمساكه، والله أعلم. (١)
مسألة [٦]: بيع المغانم قبل قسمتها .
حديث الباب ضعيف، ولكن ثبت من حديث ابن عباس عند النسائي (٧/ ٣٠١): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نهى عن بيع المغانم حتى تقسم، وهو في «الصحيح المسند» لشيخنا ﵀ برقم (٦٤٨).
وقد أخذ بذلك الجمهور، فقالوا بعدم الجواز؛ للحديث المذكور، ولأنه باع
стр. 2988
شيئًا مجهول القدر والصفة؛ فيدخل في بيع الغرر.
ونقل ابن حزمٍ عن المالكية أنهم أجازوا ذلك، والصحيح قول الجمهور. (١)
مسألة [٧]: بيع الصدقات قبل قبضها .
• الجمهور على المنع؛ لأنه يبيع ما لا يملك، ومالا يعلم صفته وقدره، ونقل ابن حزم عن الحنفية أنهم أجازوا ذلك، ولم يذكر حجتهم في ذلك. (٢)
قال ابن القيم ﵀ في «زاد المعاد» (٥/ ٨٣٠): وإذا كان النبي ﷺ نهى عن بيع الطعام قبل قبضه مع انتقاله إلى المشتري، وثبوت ملكه عليه، وتعيينه له، وانقطاع تعلق غيره به؛ فالمغانم والصدقات قبل قبضها أولى بالنهي. اهـ
قلتُ: الصحيح هو المنع؛ لأنَّ الصدقة لا تملك إلا بالقبض؛ ولأنه بيع مجهول، وبالله التوفيق.
مسألة [٨]: ضربة الغائص .
صورتها: دخول الغواص إلى باطن البحر، وأخذ شيء مما تيسر له بعد البحث، وتسليمه للمشتري بعد أن اتفقا مُسبقًا قبل الغوص على شراء ما يخرج مع الغواص، ودفع الثمن.
وحكمه: لا يجوز هذا البيع؛ لوجود الغرر؛ ولأنه بيع مالا يملك، ولم
стр. 2989
يذكروا خلافًا لأحد، و هو داخل في بيع الغرر.
تنبيه: حديث أبي سعيد الذي في الباب يدل على شرطين من شروط صحة البيع:
أحدهما: أن يكون المبيع مقدورًا على تسليمه.
الثاني: أن يكون المبيع معلومًا بوصف، أو رؤية.
وحديث أبي سعيد وإن كان ضعيفًا فقد تقدم في المسألة ما يشهد لمعناه، وبالله التوفيق.
стр. 2990
٨٠٧ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا تَشْتَرُوا السَّمَكَ فِي المَاءِ؛ فَإِنَّهُ غَرَرٌ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَشَارَ إلَى أَنَّ الصَّوَابَ وَقْفُهُ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: بيع السمك في الماء .
أما إن كان السمك غير مملوك كسمك البحار، والأنهار؛ فلا يجوز بيعه وهو في الماء؛ لأنه بيع مجهول لا يملك، ولا خلاف في عدم جواز ذلك.
وأما إن كان السمك مملوكًا في ماء يمكن مشاهدة السمك من خلاله، ولا مشقة في إخراجه، فيجوز هذا البيع عند أهل العلم؛ لانتفاء العلة المانعة من ذلك.
• وأما إن كان السمك المذكور في إخراجه مشقة: فالجمهور على المنع؛ للجهالة بوقت تسليم المبيع، ويجوز للبائع والمشتري أن يتفقا على وقتٍ للتسليم، كيوم ويومين مثلًا؛ فإنِ استطاع البائع أن يعطيه في خلال تلك الفترة، وإلا أعاد الثمن، والله أعلم.
стр. 2991
• ونقل عن عمر بن عبد العزيز، وابن أبي ليلى الجواز، ولعلهما أرادا ما كان محصورا في بركة أو حوض، ويمكن استخراجه بدون مشقة. (١)
مسألة [٢]: بيع الطير في الهواء .
أما بيع الطائر قبل اصطياده فلا يجوز بلا خلاف؛ لأنه يبيع مالا يملك، ولا يقدر على تسليمه، وأما إن كان الطير ملكًا له، ولكن طار عليه؛ فحكمه حكم العبد الآبق، والحيوان الشارد، وقد تقدم.
وأما إن كان الطير ملكًا له، ويطير في الهواء، ويعتاد الرجوع إلى البائع؛ فأجاز بعض الشافعية، والحنابلة بيعه، والأكثر على عدم الجواز؛ لاحتمال عدم رجوعه.
قلتُ: والأظهر صحة البيع إذا كان المشتري قد رأى هذا الطير؛ فإن لم يرجع الطائر في ذلك اليوم؛ رجع على البائع بالثمن، والله أعلم. (٢)
стр. 2992
٨٠٨ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ تُبَاعَ ثَمَرَةٌ حَتَّى تَطْعَمَ، وَلَا يُبَاعَ صُوفٌ عَلَى ظَهْرٍ، وَلَا لَبَنٌ فِي ضَرْعٍ. رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الأَوْسَطِ وَالدَّارَقُطْنِيّ. (١)
وَأَخْرَجَهُ أَبُودَاوُد فِي المَرَاسِيلِ لِعِكْرِمَةَ، وَهُوَ الرَّاجِحُ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ بِإِسْنَادٍ قَوِيٍّ، وَرَجَّحَهُ البَيْهَقِيُّ.
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: بيع الصوف على ظهر الحيوان .
• ذهب أكثر أهل العلم إلى عدم جوازه، وهو مذهب الحنابلة، والشافعية،
стр. 2993
وإسحاق، وأبي ثور، وابن المنذر، وصحَّ عن ابن عباس، واستدلوا بحديث الباب، وبأنَّ ذلك يؤدي إلى الغرر؛ لأنَّ ملك المشتري يختلط مع الصوف النابت بعد الشراء، وهو من ملك البائع. وعلَّل الشافعية المنع بنجاسته إذا قطع، وهو غير صحيح.
• وذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى جواز البيع بشرط الجزِّ في الحال، وهو رواية عن أحمد، وقال به سعيد بن جبير، وربيعة، ومالك، والليث، وأبو يوسف، وهو وجهٌ ضعيفٌ للشافعية، واختاره شيخ الإسلام، وابن القيم، ثم الإمام ابن عثيمين، وهو الصواب؛ لأنَّ حديث الباب لا يصح مرفوعًا، ولانتفاء اختلاط الأملاك إذا قطع بالحال، وإن حصل شيء من ذلك؛ فهو يسير يغتفر.
وينبغي أن لا يكون في ذلك إيذاء للحيوان، كأن يكون الجو شديد البرد فيجتز الصوف من أسفله، فيؤذيه، والله أعلم. (١)
стр. 2994
بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَة
مسألة [١]: بيع الصوف من الحيوان المذبوح .
نقل النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٩/ ٣٢٧) اتفاق الشافعية على الجواز، وينبغي أن لا يكون في ذلك خلاف عند جميع من تقدم؛ لأنَّ علة المنع منتفية على قولهم جميعًا.
مسألة [٢]: حكم بيع المغيَّبات في الأرض كالجزر، والبصل، والثوم .
• الجمهور على عدم جواز بيع المغيبات في الأرض حتى تُقلع ويشاهدها المشتري؛ لوجود الجهالة، واختاره ابن المنذر.
• ومالك، والأوزاعي، وإسحاق، وأحمد في رواية، وهو اختيار شيخ الإسلام، وابن القيم، والسعدي، وابن عثيمين، وجماعةٍ على جواز بيعها لأمور:
١) أنَّ أهل الخبرة يعرفون هذه الثمار التي تحت الأرض جيدًّا، ويستدلون بظاهر الثمرة على باطنها.
٢) إن حصل غرر يسير؛ فهو مغتفر، وكذلك ما لا يحترز منه فهو متسامح فيه.
٣) أنَّ فيه مشقة على أهل الأموال الكبيرة، ويسبب تحكم المشترين بهم؛ لأنهم بعد جنيها قد لا يجدون هذه الآلات الحديثة لحفظ الثمار مما يؤدي إلى
стр. 2995
تحكم المشترين بهم، وإن قالوا: ليبع التاجر قليلًا قليلًا، ففيه مشقة على المشتري التاجر، والبائع التاجر.
قال الشوكاني ﵀ -معلِّقًا على قول صاحب «متن الأزهار» (وكامنٌ يدلُّ فرعُه عليه)، وكان يعدد البيوع الجائزة-: إن كانت هذه الدلالة بحيث تتميز عند البائع والمشتري، ويعرفان كيفيته، وكميته؛ كان ذلك خارجًا عن بيع الغرر المنهي عنه، وإن كانت هذه الدلالة قاصرة؛ فلا يحل حتى يخرج ذلك الكامن من الأرض، ويحصل الاطلاع عليه، ومعرفته بالكُنه، ومن جوَّز ذلك مُسْتَدِلًّا بما جرت عليه عادة الناس فلم يُصِبْ؛ فإنَّ مثل ذلك لا يصلح لتخصيص الأدلة. اهـ (١)
مسألة [٣]: البيع بسعر السوق .
• فيه خلاف بين أهل العلم: فالجمهور على عدم صحة البيع؛ لأجل الجهالة. قال ابن حزم ﵀: لا يصح البيع وكله باطل؛ لأنه بيع غرر، وأكل مالٍ بالباطل؛ لأنه لم يصح فيه التراضي، ولا يكون التراضي إلا بمعلوم المقدار، وقد يرضى لأنه يظن أنه يبلغ ثمنًا مَا، فإذا بلغ أكثر لم يرض المشتري، وإن بلغ أقل لم يرض البائع. اهـ
• ووجهٌ عند الشافعية حكاه الرافعي، ووصفه النووي بأنه وجهٌ شاذٌّ ضعيفٌ، وهو اختيار شيخ الإسلام، وابن القيم على صحة البيع.
стр. 2996
قال شيخ الإسلام ﵀: وهو أحد القولين في مذهب أحمد وغيره، وقد نصَّ أحمد على هذه المسألة ونحوها. اهـ
وقال ابن القيم ﵀ في «بدائع الفوائد» (٤/ ٥٠ - ٥١): إذا قال: (بعتك هذه السلعة) ولم يُسَمِّ الثَّمَنَ، أجاب أبو الخطاب: لا يصح البيع، وإذا قبض السلعة فهي مضمونة عليه. وجواب شيخنا ابن تيمية صحة البيع بدون تسمية الثمن، فانصرافه إلى ثمن المثل كالنكاح، والإجارة كما في دخول الحمام، ودفع الثوب إلى القصار، والغسال، واللحم إلى الطباخ، ونظائره؛ فالمعاوضة بثمن المثل ثابتة بالنص والإجماع في النكاح، وبالنص في إجارة المرضع في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق:٦]، وعمل الناس قديمًا وحديثًا عليه في كثير من عقود الإجارة، وكذلك البيع بما ينقطع به السعر وهو بيع بثمن المثل، وقد نص أحمد على جوازه، وعمل الأمة عليه.
قال: والمحرِّمُون له لا يكادون يخلصون منه؛ فإن الرجل يعامل اللَّحام، والخباز، والبقال، ويأخذ كل يوم ما يحتاج إليه من أحدهم من غير تقدير ثمن المثل الذي ينقطع به، وكذلك جرايات الفقهاء وغيرها، فحاجة الناس إلى هذه المسألة تجري مجرى الضرورة، وما كان هكذا لا يجيء الشرع بالمنع منه البتة، كيف وقد جاء جوازه في العقد الذي الوفاء بموجبه أوكد من غيره من العقود. اهـ
قلتُ: وما رجحه شيخ الإسلام، وابن القيم هو الصحيح، ويشترط أن تكون الأسعار منضبطة، لا مختلفة حتى لا يحصل الغرر، وبالله التوفيق.
стр. 2997
٨٠٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ المَضَامِينِ وَالمَلَاقِيحِ. رَوَاهُ البَزَّارُ، وَفِي إسْنَادِهِ ضَعْفٌ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: معنى الحديث .
قال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٩/ ٣٢٥): الملاقيح بيع ما في بطون الحوامل من الأجنة، والمضامين ما في أصلاب الفحول من الماء، هكذا فسَّره أصحابنا، وجماهير العلماء وأهل اللغة، وممن قاله من أهل اللغة أبو عبيده، وأبو عبيد، والأزهري، والهروي، والجوهري، وخلائق لا يحصون. قال مالك بن أنس وصاحبا «المحمل» و «المحكم»: المضامين ما في بطون الإناث. وهذا ضعيفٌ؛ لأنه يكون مكررًا مع الملاقيح. انتهى.
وقد تقدم الكلام على مسألة بيع ما في بطون الحوامل من الأنعام تحت الحديث رقم (٨٠٦)، وتقدم النهي عن بيع عسْب الفحل تحت الحديث رقم (٧٧٩). (٢)
стр. 2998
ذِكْرُ بَعْضِ المَسَائِلِ المُلْحَقَةِ
مسألة [١]: شرط كون الأجل معلومًا .
تقدم من شروط صحة البيع أن يكون الثمن معلومًا، والأجل معلومًا.
قال النووي ﵀: اتفقوا على أنه لا يجوز البيع بثمن إلى أجل مجهول. اهـ
وابن عبد البر يقول في مسألة حَبَل الحبلة: ولا خلاف بين العلماء أنَّ البيع إلى مثل هذا الأجل المجهول لا يجوز، وكفى بالإجماع علمًا.
والدليل على شرطية ذلك: حديث النهي عن البيع إلى حبل الحبلة، وحديث السَّلم، وفيه: «إلى أجلٍ معلوم». (١)
مسألة [٢]: حكم البيع إلى وقت الحصاد، أو العطاء .
• في المسألة قولان:
الأول: هو المنع، وعدم الجواز.
وهو قول عطاء، والحكم، وابن سيرين، وسعيد بن جبير، والشافعي، وأحمد في رواية، والحنفية، واختاره ابن المنذر؛ لوجود الجهالة في الأجل، فقد يتأخر الحصاد والعطاء، وهذا القول صح عن ابن عباس ﵄ أخرجه ابن أبي شيبة (٦/ ٩٦)، وابن المنذر (١٠/ ٨٢)، والبيهقي (٦/ ٢٥).
стр. 2999
الثاني: الجواز والصحة.
وهو قول مالك، وأبي ثور، وأحمد في رواية، وجاء عن ابن عمر ﵄ عند ابن أبي شيبة (٦/ ٦٩)، ولكن في إسناده: الحجاج بن أرطاة، وهو مدلس فيه ضعفٌ.
وله طريق أخرى عند ابن المنذر (١٠/ ٢٨١)، وفيها شريك القاضي، وفيه ضعف، ويحيى الحماني، وقد اتهم، وله عنده طريق أخرى: أنه كان يبتاع إلى ميسرة. أخرجه ابن المنذر من طريق الوليد بن مسلم، عن ابن جريج، عن عمرو ابن دينار، عن ابن عمر، وفيه مدلسان، لم يصرحا بالسماع.
وقال هؤلاء: إنَّ الأجل تعلَّق بوقت من الزمن يعرف في العادة، ولا يحصل فيه التفاوت بالشيء الكثير.
قلتُ: وهذا القول هو الصواب، والله أعلم. (١)
مسألة [٣]: يشترط في الثمن أن يكون معلوم القدر .
ذكر أهل العلم أنه لا يجوز البيع بثمن مجهول المقدار، أو الصفة، فلا يجوز أن يقول: بعتك هذه السلعة بنقود، أو بما شئت، أو بما في مخباك. لأنه يكون من بيع الغرر، ويؤدي إلى التنازع والاختلاف.
تنبيه: إذا لم يبين صفة النقود؛ فتكون بالعملة المتعامل بها؛ فإنْ كان البيع في مكان يتعاملون بعملات مختلفة، ويحصل الالتباس؛ فلا يصح.
стр. 3000
٨١٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ أَقَالَ مُسْلِمًا بَيْعَتَهُ أَقَالَ اللهُ عَثْرَتَهُ». (١) رَوَاهُ أَبُودَاوُد، وَابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالحَاكِمُ. (٢)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: معنى الإقالة .
قال ابن الأثير في «النهاية» (٤/ ١٣٤): أي: وافقه على نقض البيع وأجابه إليه، يقال: أقاله يقيله إقالةً، وتقايلا إذا فسخا البيع، وعاد المبيع إلى مالكه، والثمن إلى المشتري إذا كان قد ندم أحدهما أو كلاهما، وتكون الإقالة في البيعة والعهد. اهـ
стр. 3001
والإقالة مُرَغَّبٌ فيها ومن فضائل الأعمال؛ لحديث أبي هريرة ﵁ الذي في الباب.
مسألة [٢]: هل الإقالة فسخٌ، أو بيعٌ ؟
• في هذه المسألة قولان:
الأول: أنها فسخٌ، وليست ببيع، وهو قول الشافعي، ورواية عن أحمد، وبعض أصحابه، ومحمد بن الحسن، والظاهرية، واستدلوا على ذلك بأنَّ الإقالة معناها الدفع والإزالة، يُقال: أقالَك الله عثرتك، أي: أزالها، ورجَّحه ابن المنذر، وقال: وفي إجماعهم أنَّ رسول الله ﷺ نهى عن بيع الطعام قبل قبضه، مع إجماعهم على أن له أن يقيل المُسْلِمَ جميع الْمُسْلَمِ فيه دليل على أنَّ الإقالة ليست بيعًا؛ ولأنها تجوز في المُسْلَمِ فيه قبل قبضه، فلم تكن بيعًا كالإسقاط.
الثاني: أنها بيعٌ، وهو مذهب مالك، وأحمد في رواية، وأبي يوسف؛ لأنَّ المبيع عاد إلى البائع على الجهة التي خرج عليه منه؛ فكان بيعًا كالأول، ولأبي حنيفة تفصيل ليس عليه دليل، وهو أنها فسخٌ في حق العاقدين، بيعٌ في حق غيرهما، ورجَّح ابن حزم قول مالك.
قال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول هو الصواب، وهو ترجيح الإمام ابن عثيمين ﵀، ويبنى على هذه المسألة خلافات كثيرة ذكرها ابن رجب في «القواعد» ونقلها عنه صاحب «الإنصاف». (١)
стр. 3002
مسألة [٣]: هل يُشترط في الإقالة أن تكون بنفس الثمن ؟
• مذهب الشافعي، والأشهر في مذهب أحمد أنه يُشترط أن تكون بنفس الثمن. وثبت عن ابن عباس ﵄، بإسناد صحيح عند ابن المنذر (١٠/ ٣٨٠) أنه كره أن يبتاع البيع، ثم يرده، ويرد معه درهم، وقال: هذا مما قال الله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾، وعند ابن أبي شيبة (٦/ ١٠٨)، قال: ذلك الباطل. وكره أخذ الزيادة الشعبي، والأسود، والنخعي.
• وذهب أحمد في رواية -وهو قول بعض أصحابه- والأوزاعي إلى أنه يجوز بأكثر من الثمن، أو أقل، وهو قول جابر بن زيد، وسعيد بن المسيب، وشريح، وابن سيرين، والحسن، والزهري، ورجَّح هذا الإمام ابن عثيمين، وهو مقتضى قول من قال: إنَّ الإقالة بيع. وأخرج ابن أبي شيبة، هذا القول عن ابن عمر ﵄، وفي إسناده يزيد بن إبراهيم الخوزي، وهو متروك.
قلتُ: وهذا هو الراجح، ولكن يظهر في هذه الصورة أن الإقالة تُعَدُّ بيعًا، وحكمها حكم البيوع، والله أعلم.
ثم وقفت على قول ابن عبد البر في «الاستذكار» (٢١/ ١٠)، حيث قال: لا خلاف بين العلماء أنَّ الإقالة إذا كان فيها نُقصان، أو زيادة، أو تأخير أنها بيع. اهـ (١)
стр. 3003
فتح العلام
في دراسة أحاديث بلوغ المرام
حديثيا وفقهيا مع ذكر بعض المسائل الملحقة
تأليف
أبي عبدالله محمد بن علي بن حزام الفضلي البعداني
في دار الحديث بدماج
الجزء السادس
تابع كتاب البيوع
الخِيَار - الرِّبا - الرُّخْصَةُ فِي العَرَايَا وَبَيْعِ الأُصُولِ وَالثِّمَارِ - السَّلَمُ وَالقَرْضُ وَالرَّهْنُ - التَّفْلِيْسُ وَالحَجْر - الصُّلحُ - الحَوَالَةُ وَالضَّمَانُ - الشَّرِكَةُ وَالوَكَالَةُ الإِقْرَارُ - العَارِيَةُ - الغَصْبُ - الشُّفْعَةُ - القِرَاضُ
ثم ذكر الحافظ ﵀ حُجج المالكية، والحنفية في ردهم للحديث، وردَّ عليها، وبيَّن ضعفها، فراجع ذلك؛ فإنه مفيد.
قلتُ: وقد ذهب جماهير العلماء إلى إثبات خيار المجلس؛ لحديث ابن عمر ﵄ الذي في الباب، وبمعناه حديث حكيم بن حزام ﵁، في «الصحيحين» (١) أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «البيعان بالخيار مالم يتفرقا؛ فإن صدقا وبيَّنَا بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما؛ مُحِقت بركة بيعهما».
مسألة [٢]: ضابط التفرق .
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في «الفتح» (٢١١٠): وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْمُرَاد أَنْ يَتَفَرَّقَا بِالْأَبْدَانِ: هَلْ لِلتَّفَرُّقِ الْمَذْكُور حَدٌّ يُنْتَهَى إِلَيْهِ؟ وَالْمَشْهُور الرَّاجِحُ مِنْ مَذْهَب الْعُلَمَاء فِي ذَلِكَ أَنَّهُ مَوْكُولٌ إِلَى الْعُرْف، فَكُلُّ مَا عُدَّ فِي الْعُرْفِ تَفَرُّقًا حُكِمَ بِهِ، وَمَا لَا فَلَا، وَاَللهُ أَعْلَمُ. اهـ
مسألة [٣]: قوله: «أَوْ يُخَيِّرُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ» .
بوَّبَ على هذا الحديث البخاري في «صحيحه» في [كتاب البيوع/باب: (٤٥)]، فقال: [باب إذا خيَّرَ أحدهما صاحبه بعد البيع فقد وجب البيع].
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في شرح حديث الباب (٢١١٢): وَقَوْلُهُ «وَإِنْ تَفَرَّقَا بَعْدَ أَنْ تَبَايَعَا وَلَمْ يَتْرُكْ أَحَدٌ مِنْهُمَا الْبَيْعَ» أَيْ: لَمْ يَفْسَخْهُ؛ فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ. أَيْ
٨١٢ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «البَائِعُ وَالمُبْتَاعُ بِالخِيَارِ حَتَّى يَتَفَرَّقَا، إلَّا أَنْ تَكُونَ صَفْقَةَ خِيَارٍ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُفَارِقَهُ خَشْيَةَ أَنْ يَسْتَقِيلَهُ». رَوَاهُ الخَمْسَةُ إلَّا ابْنَ مَاجَهْ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ الجَارُودِ وَفِي رِوَايَةٍ: «حَتَّى يَتَفَرَّقَا عَنْ مَكَانِهِمَا». (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: المراد بالتفرق المذكور تفرق الأبدان .
هذا الحديث يرد على من قال: المراد بالتفرق في حديث ابن عمر السابق تفرق الأقوال لا الأبدان.
ومرادهم بذلك: الإيجاب والقبول من البائع والمشتري.
قال الترمذي ﵀ عقب هذا الحديث: ولو كانت الفرقة بالكلام، ولم يكن له الخيار بعد البيع؛ لم يكن لهذا الحديث معنى حيث قال ﷺ : «ولا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقيله».اهـ
مسألة [٢]: حكم التفرق من أجل ألا يفسخ الآخر البيع .
• دلَّ حديث عمرو بن شعيب الذي تقدم على عدم جواز ذلك، وهو قول أحمد
стр. 3008
في رواية، وهو الصحيح من مذهب الحنابلة، ورجَّح ذلك الإمام ابن عثيمين، وهو ظاهر اختيار الإمام الألباني ﵀ كما في «الإرواء» (١٣١٢).
• وذهب الجمهور إلى جواز ذلك؛ لأنَّ ذلك صحَّ عن ابن عمر كما في «الصحيحين»، وادَّعى ابن عبد البر أن إجماع المسلمين على ذلك، فقال: وأما قوله في حديث عمرو بن شعيب: «ولا يحل له أن يفارقه ... » فلفظٌ منكر؛ لإجماع علماء المسلمين أنه جائز له أن يفارقه ليتم بيعه، وله أن لا يقيله إلا أن يشاء. اهـ
قلتُ: إن قصد مجرد المفارقة بدون خشية الفسخ؛ فلا إشكال، وإن قصد الآخر؛ فالخلاف موجود كما تقدم، وحمل صاحب «شرح سنن النسائي» النهي الذي في حديث عمرو بن شعيب على ما إذا علم أحدهما ضررًا على الآخر، فأراد التفرق حتى لا يستطيع أن يفسخ، وهو محملٌ جيدٌ؛ إن صحَّ الحديث، وبالله التوفيق. (١)
стр. 3009
بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَة
مسألة [١]: العقود التي يدخلها الخيار .
العقود أقسام:
القسم الأول: ما تكون لازمة من الطرفين، ويُقصد بها العوض، كالبيع، والإجارة، والصرف، والسلم، فيدخل فيها خيار المجلس، وخيار الشرط.
القسم الثاني: ما تكون لازمة من الطرفين، ولا يُقصد بها العوض، كالنكاح، والخلع، فلا يثبت فيها خيار.
القسم الثالث: أن يكون لازمًا من طرف واحد، كالرهن لازمٌ في حق الرَّاهن، جائز في حق المرتهن. قال ابن قدامة: فلا يثبت فيه خيار؛ لأنَّ المرتهن يستغني بالجواز في حقه عن ثبوت خيار آخر، والراهن يستغني بثبوت الخيار له إلى أن يقبض (١)، وكذلك الضامن والكفيل لا خيار لهما؛ لأنهما دخلا متطوعين راضيين بالغبن، وكذلك المكاتب. اهـ
القسم الرابع: عقدٌ جائزٌ من الطرفين، كالشركة، والمضاربة، والوكالة، والوديعة، فهذه لا يثبت فيها خيار؛ استغناء بجوازها، والتمكن من فسخها بأصل وضعها. (٢)
стр. 3010
مسألة [٢]: خيار الشرط .
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٦/ ٣٠): ولا خلاف بين أهل العلم في ثبوت الرد بهذين الأمرين -يعني خيار الشرط وخيار العيب- وقد قال النبي ﷺ : «المؤمنون على شروطهم» (١). ا هـ
قلتُ: قد خالف ابن حزمٍ فأبطل البيع إذا كان فيه خيار شرط، ونقل عن ابن شبرمة، والثوري أنهما قالا: لا يجوز البيع إذا شرط فيه الخيار للبائع، أو لهما، وأجازاه للمشتري.
والصواب قول الجمهور؛ لأنه شرطٌ لا يخالف ما شرعه الله، وليس فيه محظورٌ شرعي. (٢)
مسألة [٣]: وقت ذكر شرط الخيار .
• تقدمت الإشارة إلى الخلاف في ذلك عند حديث عائشة ﵂ «ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل».
قال الإمام ابن عثيمين ﵀ في «الشرح الممتع» (٨/ ٢٧٩): والصحيح أنه يصح قبل العقد، ومع العقد، وبعد العقد، لكن في زمن الخيار، إما خيار الشرط، وإما خيار المجلس، لكن كيف في خيار الشرط؟ الجواب: أن يدخل شرط على
стр. 3011
آخر، مثل أن يقول: اشتريت منك هذا البيت ولي الخيار ثلاثة أيام. فلما صار اليوم الثالث قال: أريد أن أمدد الخيار إلى ستة أيام. فله ذلك؛ لأنَّ العقد لم يلزم الآن، فلا يلزم إلا بعد انتهاء مدة الخيار. اهـ
مسألة [٤]: هل لخيار الشرط مدة معلومة ؟
• في هذه المسألة أقوال:
القول الأول: يجوز الخيار، قَلَّتِ المدة أو كَثُرت، ما دامت المدة معلومة، وهو قول الحسن ابن صالح، والعنبري، وابن أبي ليلى، وإسحاق، وأحمد، وأبي ثور؛ لعموم الحديث: «المسلمون على شروطهم». (١)
القول الثاني: تحديد ذلك بثلاثة أيام، وهو قول أبي حنيفة، والشافعي، والليث وغيرهم.
واستدلوا على ذلك بأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- جعل الخيار لحبان بن منقذ ثلاثة أيام، وجعله في المصراة ثلاثة أيام.
القول الثالث: قول مالك، وكثير من أصحابه بِأنَّ الخيار يختلف باختلاف المبيع، فقال في الثوب: يومين فأقل، وفي الجارية: جمعة فأقل، وفي الدابة: يوم فأقل، وفي الدار: شهر فأقل، وأما ما بَعُدَ من أَجَلِ الخيار فلا خير فيه؛ لأنه غرر.
قلتُ: والصواب هو القول الأول، وأما التحديد بثلاثة أيام في مسألة المصراة؛ فلا يلزم منه أنه لا يجوز أكثر من ذلك، وكذلك في حديث حبان بن منقذ، على أن
стр. 3012
التحديد بثلاثة أيام في حديثه فيه كلام، وهذا القول هو الذي رجَّحه الإمام ابن عثيمين ﵀، ثم قال: ولكن لو قيل: إنه إذا شرط الخيار في شيء يفسد قبل تمام المدة لا يصح؛ لكان له وجه. اهـ (١)
مسألة [٥]: ابتداء مدة الخيار .
• للحنابلة، والشافعية وجهان في ذلك، فمنهم من قال: يبدأ توقيت المدة من حين العقد. ومنهم من قال: من حين التفرق. وحجَّةُ الأولين: أنَّ المدة تبدأ من حين ذكر الشرط وحجَّةُ الآخرين أنَّ قبل التفرق فيه خيار المجلس فيُستغنَى به.
وأُجيب: بأن ذلك لا يمنع أن يتداخل الخياران فيما قبل التفرق، ومال الإمام ابن عثيمين إلى الوجه الأول، ثم قال: لو شرط الخيار بعد العقد بساعة، وهما في مكان البيع، فهل تبتدئ المدة من العقد، أو من حين الشرط؟ نقول: من حين الشرط، لكن المؤلف قال: من العقد. لأنه يرى أن خيار الشرط إنما يكون في صلب العقد، ولهذا قال: ابتداؤها من العقد. اهـ (٢)
مسألة [٦]: إذا شرط الخيار لأجنبي ؟
• مذهب الجمهور صحة الشرط، وهو قول أحمد، ومالك، وأبي حنيفة، وقولٌ للشافعي، ومنع ذلك الشافعي في قولٍ له، وبعض الحنابلة؛ لأنَّ الخيار شُرِع
стр. 3013
لتحصيل الحظ لكل واحد من المتعاقدين بنظره.
والصحيح قول الجمهور، وما ذكروه لا يمنع أن يوكل غيره في حظِّه من الخيار، والله أعلم. (١)
مسألة [٧]: إذا شرطا الخيار إلى الليل أو إلى غد فمتى تنتهي المدة ؟
• مذهب أحمد، والشافعي، وأصحابهما أنَّ المدة تنتهي بابتداء الليل، أو بدخول الغد؛ لأنَّ (إلى) موضوعها انتهاء الغاية، وهذا هو الأصل فيها.
• ومذهب أبي حنيفة، ووجهٌ للحنابلة أنَّ الليل والغد يدخل في مدة الخيار؛ لأنَّ (إلى) تُستعمل بمعنى (مع) كقوله تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة:٦]، وقوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء:٢]، والخيار ثابتٌ بيقينٍ فلا يُزال بالشك.
قال الإمام ابن عثيمين ﵀ في «الشرح الممتع» (٨/ ٢٨٥): وقال بعض العلماء: يرجع في ذلك إلى العُرف، فإذا قال: إلى الغد. فيمكن أن يُحمل على ابتداء السوق، وابتداء السوق في الغالب لا يكون من أذان الفجر، بل من ارتفاع الشمس، وخروج الناس إلى الأسواق. وهذا هو الصحيح، فإذا كان عرف التجار أنهم إذا قالوا: إلى الغد. أي: إلى افتتاح السوق؛ فالأمد إلى افتتاح السوق، فإذا لم يكن هناك عُرف، أو كان العرف غير مُطَّرد؛ فنرجع إلى اللغة، واللغة أنَّ الغد
стр. 3014
يبتدئ من طلوع الفجر، أو إلى الليل إلى غروب الشمس؛ فإن قدر أن هناك عرفًا يجتمع التجار فيه بعد العشاء، ويرون أنَّ الآجال المؤجلة في الليل، أي: جلسة ما بعد العشاء؛ فإنه يتقيد به، وهذه قاعدة ينبغي أن نعرفها: (أنَّ المرجع فيما يتداوله الناس من الكلام والأفعال إلى العرف). ا هـ (١)
مسألة [٨]: إذا شرط الخيار أبدًا، أو إلى مدة مجهولة ؟
• مذهب الثوري، والشافعي، وأحمد -وهو الصحيح في مذهبه- أنه لا يصح؛ لأنها مدة ملحقة بالعقد، فلا تجوز مع الجهالة كالأجل، ولأنَّ ذلك ينافي مقتضى العقد؛ فإنَّ الخيار أبدًا يقتضي المنع من التصرف أبدًا.
• وعن أحمد رواية: أنه يصح، وهما على خيارهما أبدًا، وهو قول ابن شبرمة. وقال مالك: يصح، وتضرب لهما مدة يختبر المبيع في مثلها في العادة؛ لأنَّ ذلك مقدر في العادة، فإذا أطلقا حُمل عليه.
• وقال أبو حنيفة: إن أسقطا الشرط قبل مضي الثلاث، أو حذفا الزائد عليها وبيَّنَا مدته صحَّ؛ لأنهما حذفا المفسد قبل اتصاله بالعقد؛ فوجب أن يصح كما لو لم يشترطاه.
• وقال ابن أبي ليلى، والأوزاعي: الشرط باطل، والبيع جائز.
قال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب القول الأول، والله أعلم. (٢)
стр. 3015
مسألة [٩]: إذا شرط الخيار إلى الحصاد، أو العطاء ؟
تقدمت المسألة فيما إذا باع إلى الحصاد، أو العطاء تحت حديث (٨٠٩)، وتقدم أنَّ الصواب هو صحة البيع، والأمر هاهنا كذلك، وهو مقتضى قول من تقدم ذكرهم هنالك، ورجح ذلك الإمام ابن عثيمين ﵀ في «الشرح الممتع» (٨/ ٢٧٩). (١)
مسألة [١٠]: هل يُشترط لمن له الخيار إذا فسخ أن يُعلِم صاحبه ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٦/ ٤٥): وَيَجُوزُ لِمَنْ لَهُ الْخِيَارُ الْفَسْخُ مِنْ غَيْرِ حُضُورِ صَاحِبِهِ وَلَا رِضَاهُ، وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَزُفَرُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَيْسَ لَهُ الْفَسْخُ إلَّا بِحَضْرَةِ صَاحِبِهِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَعَاقِدَيْنِ، فَلَمْ يَمْلِكْ أَحَدُهُمَا فَسْخَهُ بِغَيْرِ حُضُورِ صَاحِبِهِ، كَالْوَدِيعَةِ.
قال: وَلَنَا أَنَّهُ رَفْعُ عَقْدٍ لَا يَفْتَقِرُ إلَى رِضَى صَاحِبِهِ، فَلَمْ يَفْتَقِرْ إلَى حُضُورِهِ، كَالطَّلَاقِ. وَمَا قَالُوهُ يَنْتَقِضُ بِالطَّلَاقِ، والْوَدِيعَةُ لَا حَقَّ لِلْمُودِعِ فِيهَا، وَيَصِحُّ فَسْخُهَا مَعَ غَيْبَتِهِ. اهـ
قال أبو عبد الله غفر الله له: الصحيح أنه لا يشترط علمه، وهو ا ختيار الإمام العثيمين ﵀.
وفي القاعدة الفقهية: من لا يُشترط رضاه لا يُشترط علمه. (٢)