← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 165

فتح العلام في دراسة أحاديث بلوغ المرام ط 4

محمد بن علي بن حزام البعداني

Полный текст (5 956 стр.). Показаны 3011–3050 · переход к 3016.

стр. 3011

آخر، مثل أن يقول: اشتريت منك هذا البيت ولي الخيار ثلاثة أيام. فلما صار اليوم الثالث قال: أريد أن أمدد الخيار إلى ستة أيام. فله ذلك؛ لأنَّ العقد لم يلزم الآن، فلا يلزم إلا بعد انتهاء مدة الخيار. اهـ مسألة [٤]: هل لخيار الشرط مدة معلومة ؟ • في هذه المسألة أقوال: القول الأول: يجوز الخيار، قَلَّتِ المدة أو كَثُرت، ما دامت المدة معلومة، وهو قول الحسن ابن صالح، والعنبري، وابن أبي ليلى، وإسحاق، وأحمد، وأبي ثور؛ لعموم الحديث: «المسلمون على شروطهم». (١) القول الثاني: تحديد ذلك بثلاثة أيام، وهو قول أبي حنيفة، والشافعي، والليث وغيرهم. واستدلوا على ذلك بأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- جعل الخيار لحبان بن منقذ ثلاثة أيام، وجعله في المصراة ثلاثة أيام. القول الثالث: قول مالك، وكثير من أصحابه بِأنَّ الخيار يختلف باختلاف المبيع، فقال في الثوب: يومين فأقل، وفي الجارية: جمعة فأقل، وفي الدابة: يوم فأقل، وفي الدار: شهر فأقل، وأما ما بَعُدَ من أَجَلِ الخيار فلا خير فيه؛ لأنه غرر. قلتُ: والصواب هو القول الأول، وأما التحديد بثلاثة أيام في مسألة المصراة؛ فلا يلزم منه أنه لا يجوز أكثر من ذلك، وكذلك في حديث حبان بن منقذ، على أن

стр. 3012

التحديد بثلاثة أيام في حديثه فيه كلام، وهذا القول هو الذي رجَّحه الإمام ابن عثيمين ﵀، ثم قال: ولكن لو قيل: إنه إذا شرط الخيار في شيء يفسد قبل تمام المدة لا يصح؛ لكان له وجه. اهـ (١) مسألة [٥]: ابتداء مدة الخيار . • للحنابلة، والشافعية وجهان في ذلك، فمنهم من قال: يبدأ توقيت المدة من حين العقد. ومنهم من قال: من حين التفرق. وحجَّةُ الأولين: أنَّ المدة تبدأ من حين ذكر الشرط وحجَّةُ الآخرين أنَّ قبل التفرق فيه خيار المجلس فيُستغنَى به. وأُجيب: بأن ذلك لا يمنع أن يتداخل الخياران فيما قبل التفرق، ومال الإمام ابن عثيمين إلى الوجه الأول، ثم قال: لو شرط الخيار بعد العقد بساعة، وهما في مكان البيع، فهل تبتدئ المدة من العقد، أو من حين الشرط؟ نقول: من حين الشرط، لكن المؤلف قال: من العقد. لأنه يرى أن خيار الشرط إنما يكون في صلب العقد، ولهذا قال: ابتداؤها من العقد. اهـ (٢) مسألة [٦]: إذا شرط الخيار لأجنبي ؟ • مذهب الجمهور صحة الشرط، وهو قول أحمد، ومالك، وأبي حنيفة، وقولٌ للشافعي، ومنع ذلك الشافعي في قولٍ له، وبعض الحنابلة؛ لأنَّ الخيار شُرِع

стр. 3013

لتحصيل الحظ لكل واحد من المتعاقدين بنظره. والصحيح قول الجمهور، وما ذكروه لا يمنع أن يوكل غيره في حظِّه من الخيار، والله أعلم. (١) مسألة [٧]: إذا شرطا الخيار إلى الليل أو إلى غد فمتى تنتهي المدة ؟ • مذهب أحمد، والشافعي، وأصحابهما أنَّ المدة تنتهي بابتداء الليل، أو بدخول الغد؛ لأنَّ (إلى) موضوعها انتهاء الغاية، وهذا هو الأصل فيها. • ومذهب أبي حنيفة، ووجهٌ للحنابلة أنَّ الليل والغد يدخل في مدة الخيار؛ لأنَّ (إلى) تُستعمل بمعنى (مع) كقوله تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة:٦]، وقوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء:٢]، والخيار ثابتٌ بيقينٍ فلا يُزال بالشك. قال الإمام ابن عثيمين ﵀ في «الشرح الممتع» (٨/ ٢٨٥): وقال بعض العلماء: يرجع في ذلك إلى العُرف، فإذا قال: إلى الغد. فيمكن أن يُحمل على ابتداء السوق، وابتداء السوق في الغالب لا يكون من أذان الفجر، بل من ارتفاع الشمس، وخروج الناس إلى الأسواق. وهذا هو الصحيح، فإذا كان عرف التجار أنهم إذا قالوا: إلى الغد. أي: إلى افتتاح السوق؛ فالأمد إلى افتتاح السوق، فإذا لم يكن هناك عُرف، أو كان العرف غير مُطَّرد؛ فنرجع إلى اللغة، واللغة أنَّ الغد

стр. 3014

يبتدئ من طلوع الفجر، أو إلى الليل إلى غروب الشمس؛ فإن قدر أن هناك عرفًا يجتمع التجار فيه بعد العشاء، ويرون أنَّ الآجال المؤجلة في الليل، أي: جلسة ما بعد العشاء؛ فإنه يتقيد به، وهذه قاعدة ينبغي أن نعرفها: (أنَّ المرجع فيما يتداوله الناس من الكلام والأفعال إلى العرف). ا هـ (١) مسألة [٨]: إذا شرط الخيار أبدًا، أو إلى مدة مجهولة ؟ • مذهب الثوري، والشافعي، وأحمد -وهو الصحيح في مذهبه- أنه لا يصح؛ لأنها مدة ملحقة بالعقد، فلا تجوز مع الجهالة كالأجل، ولأنَّ ذلك ينافي مقتضى العقد؛ فإنَّ الخيار أبدًا يقتضي المنع من التصرف أبدًا. • وعن أحمد رواية: أنه يصح، وهما على خيارهما أبدًا، وهو قول ابن شبرمة. وقال مالك: يصح، وتضرب لهما مدة يختبر المبيع في مثلها في العادة؛ لأنَّ ذلك مقدر في العادة، فإذا أطلقا حُمل عليه. • وقال أبو حنيفة: إن أسقطا الشرط قبل مضي الثلاث، أو حذفا الزائد عليها وبيَّنَا مدته صحَّ؛ لأنهما حذفا المفسد قبل اتصاله بالعقد؛ فوجب أن يصح كما لو لم يشترطاه. • وقال ابن أبي ليلى، والأوزاعي: الشرط باطل، والبيع جائز. قال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب القول الأول، والله أعلم. (٢)

стр. 3015

مسألة [٩]: إذا شرط الخيار إلى الحصاد، أو العطاء ؟ تقدمت المسألة فيما إذا باع إلى الحصاد، أو العطاء تحت حديث (٨٠٩)، وتقدم أنَّ الصواب هو صحة البيع، والأمر هاهنا كذلك، وهو مقتضى قول من تقدم ذكرهم هنالك، ورجح ذلك الإمام ابن عثيمين ﵀ في «الشرح الممتع» (٨/ ٢٧٩). (١) مسألة [١٠]: هل يُشترط لمن له الخيار إذا فسخ أن يُعلِم صاحبه ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٦/ ٤٥): وَيَجُوزُ لِمَنْ لَهُ الْخِيَارُ الْفَسْخُ مِنْ غَيْرِ حُضُورِ صَاحِبِهِ وَلَا رِضَاهُ، وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَزُفَرُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَيْسَ لَهُ الْفَسْخُ إلَّا بِحَضْرَةِ صَاحِبِهِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَعَاقِدَيْنِ، فَلَمْ يَمْلِكْ أَحَدُهُمَا فَسْخَهُ بِغَيْرِ حُضُورِ صَاحِبِهِ، كَالْوَدِيعَةِ. قال: وَلَنَا أَنَّهُ رَفْعُ عَقْدٍ لَا يَفْتَقِرُ إلَى رِضَى صَاحِبِهِ، فَلَمْ يَفْتَقِرْ إلَى حُضُورِهِ، كَالطَّلَاقِ. وَمَا قَالُوهُ يَنْتَقِضُ بِالطَّلَاقِ، والْوَدِيعَةُ لَا حَقَّ لِلْمُودِعِ فِيهَا، وَيَصِحُّ فَسْخُهَا مَعَ غَيْبَتِهِ. اهـ قال أبو عبد الله غفر الله له: الصحيح أنه لا يشترط علمه، وهو ا ختيار الإمام العثيمين ﵀. وفي القاعدة الفقهية: من لا يُشترط رضاه لا يُشترط علمه. (٢)

стр. 3016

مسألة [١١]: ضمان المبيع في مدة الخيار . قال الإمام ابن المنذر ﵀ في «الأوسط» (١٠/ ٢٣٢): اختلف أهل العلم في السلعة تتلف في يد المشتري قبل مضي وقت الخيار. فقالت طائفة: إذا كان الخيار للبائع، أو لهما، فهلكت السلعة عند البائع؛ فإنها تتلف من مال البائع، وينتقض البيع. وإن قبضها المشتري، وتلفت في يده؛ فإنها تتلف من ماله، وعليه الثمن، وإن أعتق المشتري عتق، وإن أعتق البائع لم يعتق. هذا قول سفيان الثوري، وأصحاب الرأي. وقالت طائفة: إن تلفت عند البائع انتقض البيع لأيهما كان الخيار، وإن تلفت عند المشتري فعليه القيمة؛ لأيهما كان الخيار. هذا قول الشافعي. وقالت طائفة: إذا كان الخيار للبائع، وتلفت عند المشتري، وهو أمين في ذلك فلا شيء عليه، وإن كان الخيار للمشتري؛ فهلكت عنده؛ فهو عليه بثمنه الذي اشتراه به. وهذا قول ابن أبي ليلى. قال أبو عبد الله غفر الله له: أما إن تلف المبيع قبل القبض فقد تقدم الخلاف في ذلك تحت حديث رقم (٧٨٣)، ورجحنا أن البائع إذا أمسك السلعة بالثمن، ومنعها من المشتري فهي على البائع، وإن وضعها المشتري عند البائع وديعة، ولم يمنع منها؛ فهي على المشتري. وأما إن تلف المبيع بعد قبضه؛ فهو من ضمان المشتري بلا إشكال، وهو قول مالك، والثوري، وأحمد، والحنفية. (١)

стр. 3017

مسألة [١٢]: ما يحصل من غلات المبيع ونمائه في مدة الخيار . تقدم الخلاف في هذه المسألة عند حديث: «الخراج بالضمان» برقم (٨٠٣) فراجعه. (١) مسألة [١٣]: تصرف أحد المتبايعين بالمبيع ببيعه، أو وقفه، أو هبته . لهذه المسألة حالات: الحالة الأولى: أن يكون الخيار للمتبايعين كليهما. • فمذهب الحنابلة أنه لا يجوز لكل واحد منهما أن يتصرف بذلك؛ لأنَّ البائع يتصرف في غير ملكه، والمشتري يسقط حق البائع من الخيار، واسترجاع المبيع. • وأجاز الشافعي للبائع أن يتصرف فيه؛ لأنه إن كان قد خرج من ملكه فهو يملك فسخه، وأما المشتري ففيه وجهان عند الشافعية، وكذا الحنابلة. والصواب في هذه المسألة أنه: لا يجوز للمشتري التصرف فيه، بخلاف البائع إذا قصد الفسخ، وهو ظاهر اختيار الإمام ابن عثيمين. الحالة الثانية: أن يكون الخيار للمشتري فقط. • فأكثر أهل العلم على أن له أن يتصرف فيه بما تقدم، ويكون تصرفه ذلك قاطعًا للخيار؛ لأنَّه لم يبعه، أو يهبه، أو يوقفه إلا وقد رضي تملكه.

стр. 3018

• وذهب بعض الحنابلة إلى أنه ليس له أن يتصرف فيه بما تقدم حتى يمضي البيع، ويفسخ الخيار. والقول الأول أصح؛ لأنه ملك للمشتري، وليس للبائع فيه تعلق. وفي هذه الحالة لا يجوز للبائع التصرف فيه بلا إشكال؛ لأنه ليس ملكًا له، وليس له فيه تعلق. تنبيه: استخدام المشتري للمبيع لا يبطل خياره على الأصح من قولي أهل العلم إذا كان الاستخدام للتجربة، وهو اختيار الإمام ابن عثيمين ﵀. الحالة الثالثة: أن يكون الخيار للبائع فقط. • ففيه من حيث الجواز الخلاف المتقدم في الحالة الأولى، وأما قطع الخيار فالصحيح أنَّ تصرف البائع فيه يكون فسخًا للبيع، وفسخًا للخيار، وهو قول الشافعية، وبعض الحنابلة، وأكثر الحنابلة على عدم ذلك؛ لأنه تصرفٌ فيما لا يملك. وأُجيب: بأنَّ تصرفه ذلك فسخٌ بالفعل، وإن لم يفسخ بالقول، والقول بأنه يعتبر فسخًا أقرب؛ مالم يصرح البائع بأنه تصرف فيه ولم يقصد الفسخ، ففي هذه الحالة البيع باطلٌ؛ لأنه قد باع ملك غيره. والمشتري في هذه الحالة لا يجوز له التصرف فيه بما تقدم كالحالة الأولى. (١)

стр. 3019

مسألة [١٤]: تصرف البائع والمشتري بالعتق . • أما إذا كان الخيار لكل واحد منهما: فالبائع ينفذ عتقه عند مالك، والشافعي، وأبي حنيفة، ويكون عتقه فسخًا للبيع، ومنع من ذلك الحنابلة؛ لأن تصرفه بالعتق وافق ما لا يملك؛ فيكون قد أعتق ملك غيره، ولا يصح. قلتُ: والصحيح أنه يصح عتقه إذا نوى بذلك الفسخ. • وأما المشتري: فأكثر أهل العلم وعامتهم على أنه ينفذ؛ لأنَّ للعتق نفوذًا قويًّا، والشارع يتشوف إلى العتق، ولذلك فإن من أعتق نصيبه من عبدٍ؛ فإنَّ العبد يعتق كاملًا، ويلزم المعتِق بدفع القيمة لشريكه. • واختلفوا في خيار البائع حينئذٍ، فبعضهم قال: يبطل خياره. وبعضهم قال: لا يبطل خياره، وله مطالبة المشتري بالقيمة يوم العتق. والصحيح في هذه المسألة -والله أعلم- أنه لا يجوز للمشتري العتق، وهو مقتضى قول بعض الحنابلة، والشافعية. قال الإمام ابن عثيمين ﵀: ولكن الصحيح أنه يحرم ولا يصح، ولا يستثنى العتق؛ فالعتق كغيره من التصرفات، أما كونه يحرم فلأنه اعتداء على حق صاحبه، وقد قال النبي ﷺ : «إنَّ دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم عليكم حرام» متفق عليه عن أبي بكرة ﵁، وهذا من الاعتداء على الأموال، وأما كونه لا يصح فلقول النبي ﷺ : «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا؛ فهو رد»، وليس أمر الله ورسوله على

стр. 3020

العدوان على الناس، بل العكس، وعلى هذا فلا يصح. انتهى المراد. وأما إذا كان الخيار للمشتري فقط: فيصح عتقه، وينفذ، ولا نعلم فيه خلافًا، وأما إذا كان الخيار للبائع فقط: فحكمه كحكم الحالة الأولى، والله أعلم. (١) مسألة [١٥]: وطء الجارية في مدة الخيار . في هذه المسألة حالات: الحالة الأولى: أن يكون الخيار لكل واحد منهما. فالمشتري لا يجوز له الوطء. قال ابن قدامة ﵀: وَلَا يَجُوزُ لِلْمُشْتَرِي وَطْءُ الْجَارِيَةِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ إذَا كَانَ الْخِيَارُ لَهُمَا أَوْ لِلْبَائِعِ وَحْدَهُ؛ لِأَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهَا حَقُّ الْبَائِعِ، فَلَمْ يُبَحْ لَهُ وَطْؤُهَا كَالْمَرْهُونَةِ، وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا؛ فَإِنْ وَطِئَهَا فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْحَدَّ يُدْرَأُ بِشُبْهَةِ الْمِلْكِ فَبِحَقِيقَتِهِ أَوْلَى، وَلَا مَهْرَ لَهَا؛ لِأَنَّهَا مَمْلُوكَتُهُ، وَإِنْ عَلِقَتْ مِنْهُ، فَالْوَلَدُ حُرٌّ يَلْحَقُهُ نَسَبُهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَمَتِهِ، وَلَا يَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ، وَتَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ، وَإِنْ فَسَخَ الْبَائِعُ الْبَيْعَ رَجَعَ بِقِيمَتِهَا؛ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ الْفَسْخُ فِيهَا، وَلَا يَرْجِعُ بِقِيمَةِ وَلَدِهَا؛ لِأَنَّهُ حَدَثَ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي. اهـ وأما البائع: فأكثر أهل العلم على أنه لا يحل له وطؤها قبل فسخ البيع. وأجازه بعض الشافعية بحجة أنَّ البيع ينفسخ بوطئه.

стр. 3021

قال ابن قدامة ﵀: وَلَنَا أَنَّ الْمِلْكَ انْتَقَلَ عَنْهُ، فَلَمْ يَحِلَّ لَهُ وَطْؤُهَا؛ لِقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون: ٦ - ٧ /المعارج:٣٠ - ٣١]، وَلِأَنَّ ابْتِدَاءَ الْوَطْءِ يَقَعُ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ؛ فَيَكُونُ حَرَامًا، وَلَوْ انْفَسَخَ الْبَيْعُ قَبْلَ وَطْئِهِ؛ لَمْ تَحِلَّ لَهُ حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا، وَلَا يَلْزَمُهُ حَدٌّ. وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: إنْ عَلِمَ التَّحْرِيمَ، وَأَنَّ مِلْكَهُ قَدْ زَالَ، وَلَا يَنْفَسِخُ بِالْوَطْءِ؛ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ. وَذَكَرَ أَنَّ أَحْمَدَ نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ وَطْأَهُ لَمْ يُصَادِفْ مِلْكًا وَلَا شُبْهَةَ مِلْكٍ. قال ابن قدامة ﵀: وَلَنَا أَنَّ مِلْكَهُ يَحْصُلُ بِابْتِدَاءِ وَطْئِهِ، فَيَحْصُلُ تَمَامُ الْوَطْءِ فِي مِلْكِهِ، مَعَ اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي كَوْنِ الْمِلْكِ لَهُ، وَحِلَّ الْوَطْءُ لَهُ، وَلَا يَجِبُ الْحَدُّ مَعَ وَاحِدَةٍ مِنْ هَذِهِ الشُّبُهَاتِ، فَكَيْفَ إذَا اجْتَمَعَتْ، مَعَ أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَحْصُلَ الْفَسْخُ بِالْمُلَامَسَةِ قَبْلَ الْوَطْءِ، فَيَكُونُ الْمِلْكُ قَدْ رَجَعَ إلَيْهِ قَبْلَ وَطْئِهِ، وَلِهَذَا قَالَ أَحْمَدُ فِي الْمُشْتَرِي: إنَّهَا قَدْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ حِينَ وَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا فِيمَا إذَا مَشَطَهَا، أَوْ خَضَّبَهَا، أَوْ حَفَّهَا، فَبِوَضْعِ يَدِهِ عَلَيْهَا لِلْجِمَاعِ وَلَمْسِ فَرْجِهَا بِفَرْجِهِ أَوْلَى. فَعَلَى هَذَا يَكُونُ وَلَدُهُ مِنْهَا حُرًّا، وَنَسَبُهُ لَاحِقٌ بِهِ، وَلَا يَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ، وَلَا مَهْرَ عَلَيْهِ، وَتَصِيرُ الْأَمَةُ أُمَّ وَلَدِهِ. وَقَالَ أَصْحَابُنَا: إنْ عَلِمَ التَّحْرِيمَ فَوَلَدُهُ رَقِيقٌ، وَلَا يَلْحَقُهُ نَسَبُهُ؛ فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ لَحِقَهُ النَّسَبُ، وَوَلَدُهُ حُرٌّ، وَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ يَوْمَ الْوِلَادَةِ، وَعَلَيْهِ الْمَهْرُ، وَلَا تَصِيرُ الْأَمَةُ أُمَّ وَلَدِهِ؛ لِأَنَّهُ وَطِئَهَا فِي غَيْرِ مِلْكِهِ. اهـ قلتُ: وما رجحه ابن قدامة ﵀ هو الصحيح في هذه المسألة؛ إلا قوله المتقدم:

стр. 3022

(ولو انفسخ البيع قبل وطئه لم تحل له حتى يستبرئها) ففيه نظر، والظاهر أنه لا يلزمه في الصورة المذكورة الاستبراء؛ لأنها لم توطأ من أحد غيره، وبالله التوفيق. الحالة الثانية: أن يكون الخيار للمشتري فقط. فيجوز له وطؤها عند الأكثر، ويكون وطؤه لها قاطعًا لخياره، وأما البائع فلا يجوز له ذلك بلا إشكال. الحالة الثالثة: أن يكون الخيار للبائع فقط. فحكم هذه الحالة كحكم الحالة الأولى، والله أعلم. (١) مسألة [١٦]: إذا قال لعبده: إذا بعتك فأنت حر ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٦/ ٢٧): إذَا قَالَ لِعَبْدِهِ: إذَا بِعْتُك فَأَنْتَ حُرٌّ. ثُمَّ بَاعَهُ؛ صَارَ حُرًّا، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ. وَسَوَاءٌ شَرَطَا الْخِيَارَ أَوْ لَمْ يَشْرِطَاهُ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالثَّوْرِيُّ: لَا يَعْتِقُ؛ لِأَنَّهُ إذَا تَمَّ بَيْعُهُ زَالَ مِلْكُهُ عَنْهُ، فَلَمْ يَنْفُذْ إعْتَاقُهُ لَهُ. قال ابن قدامة: وَلَنَا أَنَّ زَمَنَ انْتِقَالِ الْمِلْكِ زَمَنُ الْحُرِّيَّةِ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ سَبَبٌ لِنَقْلِ الْمِلْكِ، وَشَرْطٌ لِلْحُرِّيَّةِ. فَيَجِبُ تَغْلِيبُ الْحُرِّيَّةِ، كَمَا لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ: إذَا مِتُّ فَأَنْتَ حُرٌّ، وَلِأَنَّهُ عَلَّقَ حُرِّيَّتَهُ عَلَى فِعْلِهِ لِلْبَيْعِ. وَالصَّادِرُ مِنْهُ فِي الْبَيْعِ إنَّمَا هُوَ الْإِيجَابُ، فَمَتَى قَالَ لِلْمُشْتَرِي: بِعْتُك. فَقَدْ وُجِدَ شَرْطُ الْحُرِّيَّةِ، فَيَعْتِقُ قَبْلَ قَبُولِ الْمُشْتَرِي. اهـ

стр. 3023

قال أبو عبد الله غفر الله له: ويمكن أن يقال أيضًا: إنَّ البيع إذا وجب فإنَّ خيار المجلس ما زال باقيًا؛ فيكون العتق متصلًا بالبيع مباشرة؛ فيكون ذلك فسخًا بالفعل من البائع، والله أعلم. مسألة [١٧]: إخفاء العيب في السلعة . إخفاء العيب في السلعة وبيعها بدون بيان العيب لا يجوز، وقد تقدم بيان ذلك عند حديث أبي هريرة ﵁: «من غشَّ فليس مني» برقم (٨٠١). (١) مسألة [١٨]: حكم البيع إذا بيَّن العيب . ذكر أهل العلم أنَّ البيع يصح، ويجوز لحديث حكيم بن حزام في «الصحيحين»: «فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما» (٢)، وحديث أبي هريرة ﵁ في «الصحيحين» أيضًا: «إذا زنت أمة أحدكم؛ فليجلدها الحد، ولا يثرب عليها» ثم قال في الثالثة، أو الرابعة: «فليبعها ولو بحبل من شعر» (٣). (٤) مسألة [١٩]: إذا أخفى العيب وباعه، فهل يصح البيع ؟ • أكثر أهل العلم على أنَّ البيع يصح مع الإثم، وذهب الظاهرية، وبعض الحنابلة إلى البطلان؛ لأنه بيع محرَّم.

стр. 3024

والصحيح قول الجمهور؛ لحديث حكيم بن حزام المتقدم: «وإن كذبا وكتما مُحِقت بركة بيعهما»، ولحديث المصراة الذي تقدم في الباب السابق. (١) مسألة [٢٠]: ضابط العيب الذي تُرد به السلعة . هو كل ما يوجد في المبيع مما ينقص العين، أو القيمة نقصًا يفوت به غرضًا صحيحًا، ويقتضي العرف سلامة المبيع عنها غالبًا. (٢) مسألة [٢١]: إذا وجد في السلعة عيبًا، فهل له رد السلعة ؟ • عامة أهل العلم على أنَّ للمشتري أن يرد السلعة، وله أن يمسكها، وهو بالخيار بين الأمرين، واختلفوا هل له أيضًا أن يرجع على البائع بأرش العيب فقط، أم لا؟ • فذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنه ليس له ذلك؛ إلا أن يرضى البائع، وهو قول أبي حنيفة، والشافعي، وأحمد في رواية، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وذلك حذرًا من أن يلزم البائع مالم يرض به؛ فإنه لم يرض بإخراج ملكه إلا بهذا العوض، فإلزامه بالأرش إلزام له بشيء لم يلتزمه. • وذهب كثير من أهل العلم إلى أنَّ للمشتري أيضًا أن يأخذ أرش العيب، ويمسك السلعة، وإن لم يرض البائع، وهو مذهب الحنابلة، والرواية الأشهر عن أحمد، وقال به الحسن، ومالك، وإسحاق، وذلك لأنه فات على المشتري جزءٌ

стр. 3025

من المبيع، فكانت له المطالبة بعوضه كما لو اشترى عشرة أقفزة، فبانت تسعة، أو كما لو أتلفه بعد البيع، وهذا القول هو ظاهر اختيار الإمام ابن عثيمين ﵀. قال أبو عبد الله غفر الله له: وهذا القول هو الذي يظهر لي، وأما ما ذكروه من أنَّ البائع إنما التزم إخراجها من ملكه بالسعر المعلوم بينهما فهذا يمكن في حق ما لو كان البائع لا يعلم بالعيب، وأما كونه يعلم بالعيب ويكتمه فهذا من الغش والخداع، ولا يعان عليه، وبالله التوفيق. (١) مسألة [٢٢]: معنى أرش العيب . معنى أرش العيب أن يُقَوَّم المبيع صحيحًا، ثم يُقَوَّم معيبًا، فيؤخذ قسط ما بينهما من الثمن، فنسبته إلى الثمن نسبة النقصان بالعيب من القيمة. مثاله: أن يقوم المعيب صحيحًا بعشرة، ومعيبًا بتسعة، والثمن خمسة عشر، فقد نقصه العيب عشر قيمته، فيرجع على البائع بعشر الثمن، وهو درهم ونصف. (٢) مسألة [٢٣]: إذا تعذر الرد فما الحكم ؟ • إذا تعذر الرد بأنْ علم بالعيب بعد استهلاك السلعة، أو هبتها، أو عتقها إن كان من الرقيق، أو ما أشبه ذلك: فجمهور العلماء على أنَّ له أرش العيب،

стр. 3026

ويتعين ذلك إن لم يسقط المشتري حقَّه؛ لعدم إمكان الرد، وهو اختيار شيخ الإسلام ومن كان على مذهبه في المسألة السابقة، وهو قول ابن حزم أيضًا. • وقال بعض الحنابلة: له أن يفسخ ويرجع على البائع بالقيمة. ومذهب الظاهرية عدا ابن حزم عدم الرد، وأنَّ البائع لا يُرجع عليه بشيء. والراجح هو القول الأول، وهو ظاهر اختيار الإمام ابن عثيمين. (١) تنبيه: قد يتعذر أخذ الأرش، وذلك فيما إذا كان المبيع من الربويات بيع بجنسه، كبيع ذهبٍ بذهب، أو فضةٍ بفضة؛ فإنه إذا أخذ الأرش وقع في ربا الفضل، فيتعين الرد، أو الإمضاء. (٢) مسألة [٢٤]: إذا كان الحلي الذي اشتراه قد تلف عليه، فلم يستطع رده ؟ ذكر جماعة من أهل العلم أنَّ له أن يفسخ البيع، ويأخذ الثمن من البائع، ثم يقوَّم الحلي معيبًا، ويعيد إلى البائع من الثمن النسبة في قيمته معيبًا. (٣) مسألة [٢٥]: إذا باع المعيب، فهل له أخذ الأرش من البائع الأول ؟ • في هذه المسألة أقوال: القول الأول: ليس له أخذ الأرش؛ لأنَّ بيعه له يدل على رضاه بإمساكه، وهذا قول الجمهور، ومنهم: الشافعي، وأبو حنيفة، وجماعة من الحنابلة.

стр. 3027

القول الثاني: له أن يرجع على البائع بأرش العيب، وإن باع المعيب، وهو قول جماعة من الحنابلة، والصحيح من قول مالك، وقال ابن قدامة: هو قياس المذهب. القول الثالث: إن باعه مع علمه بالعيب؛ فلا أرش عليه، وإن لم يعلم العيب إلا بعد البيع؛ فله الأرش، وهو قول بعض الحنابلة، وأحمد في رواية. قال أبو عبد الله غفر الله له: الخلاف في هذه المسألة مبنيٌّ على الخلاف في المسألة السابقة في أرش العيب، هل هو حقٌّ للمشتري، أم ذلك بالتراضي؟ وتقدم أنَّ الراجح أنه حق للمشتري؛ وعليه فهذا الحق لا يزول بالبيع، فالراجح هو القول الثاني، والله أعلم. (١) مسألة [٢٦]: هل تصرف المشتري بالمعيب ببيع، أو استهلاكٍ يقطع خياره ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٦/ ٢٤٨ - ٢٤٩): فَإِنْ اسْتَغَلَّ الْمَبِيعَ، أَوْ عَرَضَهُ عَلَى الْبَيْعِ، أَوْ تَصَرَّفَ فِيهِ تَصَرُّفًا دَالًّا عَلَى الرِّضَى بِهِ، قَبْلَ عِلْمِهِ بِالْعَيْبِ، لَمْ يَسْقُطْ خِيَارُهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَى بِهِ مَعِيبًا. وَإِنْ فَعَلَهُ بَعْدَ عِلْمِهِ بِعَيْبِهِ، بَطَلَ خِيَارُهُ فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَكَانَ الْحَسَنُ، وَشُرَيْحٌ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْي يَقُولُونَ: إذَا اشْتَرَى سِلْعَةً، فَعَرَضَهَا عَلَى الْبَيْعِ؛ لَزِمَتْهُ. وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ. وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ

стр. 3028

خِلَافًا. اهـ قلتُ: وما يتعلق بأرش العيب؛ فإنه يستحقه على الصحيح، وقد تقدم ذكر الخلاف في ذلك، وقد خصَّ ابن حزم انقطاع الخيار بخروج السلعة من الملك؛ فقال: إن باع المعيب فرد عليه؛ لم يكن له أن يرده، لكن يرجع بقيمة العيب فقط؛ لأنه قد خرج من ملكه، فانقطع خياره، فلا يرجع إليه إلا ببرهان. «المحلى» (١٥٧٤). قلتُ: والصواب قول الجمهور، والله أعلم. (١) مسألة [٢٧]: إذا اشترى شخص عبدًا أو أمةً، ثم عتق العبد أو مات، ثم علم المشتري فيه عيبًا بعد ذلك ؟ • قال الإمام ابن المنذر ﵀ في «الأوسط» (١٠/ ٢٥٤): قال الأكثر من أهل العلم: يرجع بنقصان العيب الذي كان عند البائع. هكذا قال مالك، والشافعي، وأحمد، وأبو ثور. وروي هذا القول عن الشعبي، والزهري. • وقالت طائفة: إذا أعتقه فقد وجب عليه. روي هذا القول عن شريح، والحسن. • وقال أصحاب الرأي: إذا دبرها، أو أعتقها البتة، أو ولدت منه، ثم وجد عيبًا كان له أن يرجع بفضل ما بينهما، وإن باعها، أو وهبها وقبضها الموهوب له، لم

стр. 3029

وجد عيبًا لم يكن له أن يرجع له. قال أبو بكر: وبقول مالك والشافعي -يرحمهما الله- أقول. اهـ قال أبو عبد الله غفر الله له: وأنا أيضًا بقولهما أقول، والله أعلم. مسألة [٢٨]: رد المعيب هل يفتقر إلى رضى البائع، أو حضوره ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٦/ ٢٤١ - ٢٤٢): وَلَا يَفْتَقِرُ الرَّدُّ بِالْعَيْبِ إلَى رِضَى الْبَائِعِ، وَلَا حُضُورِهِ، وَلَا حُكْمِ حَاكِمٍ، قَبْلَ الْقَبْضِ وَلَا بَعْدَهُ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ كَانَ قَبْلَ الْقَبْضِ؛ افْتَقَرَ إلَى حُضُورِ صَاحِبِهِ دُونَ رِضَاهُ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ؛ افْتَقَرَ إلَى رِضَى صَاحِبِهِ، أَوْ حُكْمِ حَاكِمٍ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ قَدْ تَمَّ عَلَى الثَّمَنِ، فَلَا يَزُولُ إلَّا بِرِضَاهُ. وَلَنَا أَنَّهُ رَفْعُ عَقْدٍ مُسْتَحِقٍّ لَهُ؛ فَلَمْ يَفْتَقِرْ إلَى رِضَى صَاحِبِهِ، وَلَا حُضُورِهِ كَالطَّلَاقِ، وَلِأَنَّهُ مُسْتَحِقُّ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ، فَلَا يَفْتَقِرُ إلَى رِضَى صَاحِبِهِ، كَقَبْلِ الْقَبْضِ. اهـ قلتُ: الصواب قول الحنابلة، والشافعي، وهو مقتضى قول الجمهور. (١) مسألة [٢٩]: هل خيار العيب على الفور، أم على التراخي ؟ • في المسألة قولان: الأول: أنَّ خيار العيب على التراخي، وهو مذهب أحمد، ومالك، وأبي حنيفة، وعزاه شيخ الإسلام للجمهور كما في «مجموع الفتاوى»، وذلك لأنَّ الخيار حقٌّ

стр. 3030

له، فلا يسقط بالتأخير؛ إلا إن ظهر ما يدل على رضاه به. وهذا القول رجَّحه الشوكاني في «السيل»، وهو ظاهر اختيار الإمام ابن عثيمين. الثاني: أنَّ خيار العيب على الفور، وهو مذهب الشافعي، وبعض الحنابلة، وعزاه السُّبُكي إلى الجمهور، ومال إليه شيخ الإسلام، وعلل ذلك بتضرر البائع بالتأخير. (١) مسألة [٣٠]: إن كان المبيع جارية، فعلم بالعيب بعد وطئها ؟ لها حالتان: الحالة الأولى: أن تكون الجارية ثيِّبًا. • ففيها خلاف على أقوال: ١) منهم من قال: يردها وليس عليه شيء، وهو قول مالك، والشافعي، وأبي ثور، وأحمد، وعثمان البتي وغيرهم؛ لأنَّ ما فعله المشتري بها لا ينقص عينها، ولا قيمتها، ولا يتضمن الرضى بالعيب. ٢) وقال جماعةٌ من أهل العلم: ليس له ردها، وهو قول الزهري، والثوري، وأبي حنيفة، وإسحاق، وأحمد في رواية، واختاره شيخ الإسلام كما في «الإنصاف»، ويأخذ أرش العيب.

стр. 3031

٣) يردها، ويرد معها أرشًا، قال شُريح، والنخعي: نصف عشر ثمنها. وقال الشعبي: حكومة. وقال ابن المسيب: عشرة دنانير. وقال ابن أبي ليلى: مهر مثلها. وحُكي رواية عن أحمد. قال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول هو الصواب، وإن أصلح بينهم بشيء كما قال الشعبي؛ فلا بأس. (١) الحالة الثانية: أن تكون الجارية بكرًا. • ففيه خلافٌ أيضًا على أقوال: ١) ليس له الرد، ويأخذ أرش العيب، وهو قول ابن سيرين، والزهري، والثوري، والشافعي، وأبي حنيفة، وأحمد في رواية، وإسحاق؛ لأنَّ الوطء ينقص عينها وقيمتها. ٢) يردها إن شاء، ويرد معها شيئًا، قال شريح، والنخعي: عشر ثمنها. وقال سعيد بن المسيب: عشرة دنانير. وقال مالك، وأبو ثور، وبعض الحنابلة: يرد ما نقص قيمتها الوطء، فإذا كانت قيمتها بكرًا عشرة، وثيبًا ثمانية؛ ردَّ بدينارين. ٣) يردها وليس عليه شيء، قاله ابن حزم. قال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب ما ذهب إليه مالك ومن معه والله أعلم. (٢)

стр. 3032

مسألة [٣١]: إذا حصل في المبيع عيبٌ آخر عند المشتري، فهل له رده بالعيب الأول ؟ • في المسألة ثلاثة أقوال: الأول: ليس له الرد، وله أرش العيب القديم، وهو قول الثوري، والشافعي، وأصحاب الرأي، وابن شبرمة، وأحمد في رواية، وحُكي عن ابن سيرين، والزهري، والشعبي؛ لأنَّ الرد ثبت لإزالة الضرر، وفي الرد على البائع إضرار به، ولا يزال الضرر بالضرر. الثاني: له الرد، ويرد أرش العيب الحادث عنده، وهذا قول مالك، وإسحاق، وأحمد في رواية، والنخعي، وحماد. الثالث: بالغ ابن حزم فقال: يرده وليس عليه شيء في العيب الحادث عنده. وعزا ابن المنذر هذا القول لعثمان البتي، والحكم. قلتُ: والصحيح قول مالك، وإسحاق؛ لأنَّ حقه في الرد قد ثبت بالعيب الأول، ولا دليل على زوال حقه بحصول عيب آخر عنده، وإنما يلزمه أرش العيب الحادث، والله أعلم. تنبيه: هذا المسألة مفروضة فيما إذا حصل العيب الآخر من غير قصد، فأما إن حصل قصدًا؛ فليس له شيء. (١)

стр. 3033

مسألة [٣٢]: إذا علم المشتري بالعيب قبل أن يشتريه فهل له الخيار ؟ قال السُّبُكي في «تكملة المجموع» (١٢/ ١٢١): قال ابن حزم في كتاب «مراتب الإجماع»: واتفقوا على أنه إذا بَيَّن له البائع بعيب فيه، وحدَّ مقداره ووقفه عليه إن كان في جسم المبيع، فرضي بذلك المشتري أنه قد لزمه، ولا رد له بذلك العيب. اهـ مسألة [٣٣]: لو حصل عيبٌ آخر عند المشتري في حلي الذهب والفضة . • مذهب الحنابلة والأصح عند الشافعية أنَّ للمشتري ردَّه مع أرش العيب الجديد، ويأخذ ثمنه. وقال القاضي أبو يعلى الحنبلي: لا يجوز له رده؛ لإفضائه إلى التفاضل. قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٦/ ٢٤٦ - ٢٤٧): ولا يصح -يعني قول القاضي- لأنَّ الرد فسخٌ للعقد، ورفعٌ له، فلا تبقى المعاوضة، وإنما يدفع الأرش عوضًا عن العيب الحادث عنده بمنزلة ما لو جنى عليه في ملك صاحبه من غير البيع. اهـ قلتُ: والصواب هو القول الأول، والله أعلم. مسألة [٣٤]: إذا حصل في المبيع العيب بعد قبض المشتري لذلك المبيع . • في هذه الصورة يكون المبيع من ضمان المشتري، وليس له الرد بذلك، ولا خيار له، وهو قول أحمد، والشافعي، وأبي حنيفة، وقال مالك: عهدة الرقيق

стр. 3034

ثلاثة أيام، فما أصابه فيها فهو من ضمان البائع؛ إلا في الجنون، والجذام، والبرص، فالعهدة فيه إلى سنة؛ فإن ظهر إلى سنة ثبت له الخيار. وقد أخرج أبو داود من حديث عقبة بن عامر مرفوعًا: «عهدة الرقيق ثلاثة أيام» (١)، وهو حديث ضعيفٌ؛ لأنه من طريق الحسن عن عقبة بن عامر، ولم يسمع منه؛ فهو منقطع. وعلى هذا: فالصواب قول الجمهور في الرقيق وغيره. (٢) مسألة [٣٥]: إذا تَعَيَّبَ في يد البائع بعد العقد ؟ هذه المسألة مبنية على المسألة المتقدمة: هل الضمان قبل القبض على المشتري، أم على البائع؟ وقد تقدمت هذه المسألة تحت حديث (٧٨٣). والراجح في هذه المسألة أنه من ضمان المشتري إن كان قد تمكن من القبض، ولم يمنعه منه البائع، وعلى هذا فإن حصل له العيب بعد تمكنه من القبض فلا خيار له، وإلا فله الخيار. وأما إن كان البائع منع المشتري من السلعة بالثمن، أو بالخيار، ثم تعيَّبت في يده؛ فهي من ضمانه، والله أعلم. (٣)

стр. 3035

مسألة [٣٦]: المبيع الذي يطلع على عيبه بكسره . ومثاله: البطيخ، والبيض، وجوز الهند. • فأكثر أهل العلم على أنَّ للمشتري أن يرده إذا رأى العيب بعد الكسر؛ لأنه دفع الثمن مقابل سلعة صحيحة، فوجدها معيبة؛ فكان له الرد، وإن لم يعلم البائع بالعيب. • وذهب مالك، وأحمد في رواية إلى أن البائع لا يرجع عليه بشيء؛ لأنه لم يعلم بالعيب. قلتُ: والصواب القول الأول، وعدم علم البائع يرفع عنه الإثم، ولا يبيح له المال بغير حق. (١) مسألة [٣٧]: المبيع الذي يطلع على عيبه بكسره قسمان . القسم الأول: مالا قيمة له مكسورًا، كبيض الدجاج، والبطيخ التالف، فيرجع بالثمن كله؛ لأنَّ هذا تبين به فساد العقد من أصله، ولا يصح ما لا نفع فيه كالحشرات، والميتات، وليس عليه أن يرد المبيع إلى البائع؛ لأنه لا فائدة فيه. القسم الثاني: أن يكون مما لمعيبه قيمة، كبيض النعام، وجوزالهند، فهذا القسم على نوعين: أحدهما: أن يكسر كسرًا لا يستطاع معرفة العيب إلا به، فمذهب الشافعي،

стр. 3036

وبعض الحنابلة أنَّ له رده، وليس عليه شيء، وله أن يمسكه ويأخذ أرش العيب. وقال بعض الحنابلة: إذا ردَّه يرد معه أرش الكسر، والقول الأول هو الصحيح؛ لأنَّ ذلك حصل بطريق استعلام العيب، والبائع سلَّطه على ذلك حيث إنه يعلم أنه لا تعرف صحته من فساده بغير ذلك. ثانيهما: إن زاد في الكسر على القدر الذي لا بد منه، فمنهم من قال: ليس له إلا أرش العيب، وليس له الرد، وهو قول أبي حنيفة، والشافعي، ورواية عن أحمد، ومنهم من قال: هو مخير بين أن يمسكه ويأخذ أرش العيب، أو يرده ويرد أرش الكسر، ويأخذ الثمن، وهذا قول بعض الحنابلة، ورواية عن أحمد، وبعض الشافعية، وهو الراجح -والله أعلم-؛ لأن حقه قد ثبت بالرد، فما هو الدليل على إزالة هذا الحق، والله أعلم. (١) مسألة [٣٨]: إذا باع المشتري بعض المعيب، ثم ظهر على عيب ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٦/ ٢٤٤): إذَا بَاعَ الْمُشْتَرِي بَعْضَ الْمَبِيعِ، ثُمَّ ظَهَرَ عَلَى عَيْبٍ، فَلَهُ الْأَرْشُ؛ لِمَا بَقِيَ فِي يَدِهِ مِنْ الْمَبِيعِ، وَفِي الْأَرْشِ لِمَا بَاعَهُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْخِلَافِ فِيمَا إذَا بَاعَ الْجَمِيعَ، وَإِنْ أَرَادَ رَدَّ الْبَاقِي بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ، فَاَلَّذِي ذَكَرَهُ الْخِرَقِيِّ هَاهُنَا أَنَّ لَهُ ذَلِكَ. وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ إنْ كَانَ الْمَبِيعُ عَيْنًا وَاحِدَةً، أَوْ عَيْنَيْنِ يَنْقُصُهُمَا التَّفْرِيقُ، كَمِصْرَاعَيْ بَابٍ، وَزَوْجَيْ خُفٍّ، أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الرَّدَّ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الضَّرَرِ عَلَى الْبَائِعِ بِنَقْصِ الْقِيمَةِ، أَوْ ضَرَرِ

стр. 3037

الشَّرِكَةِ، وَامْتِنَاعِ الِانْتِفَاعِ بِهَا عَلَى الْكَمَالِ، كَإِبَاحَةِ الْوَطْءِ وَالِاسْتِخْدَامِ. وَبِهَذا قَالَ شُرَيْحٌ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. اهـ مسألة [٣٩]: إذا اشترى عينين فوجد إحداهما معيبة ؟ إن كان مما لا يجوز التفريق بينهما كالولد مع أمه؛ فليس له إلا ردهما جميعًا، أو إمساكهما جميعًا، ولهما إذا تراضيا أيضًا أن يمسكهما مع دفع البائع للمشتري أرش العيب. وإن كان مما يجوز التفريق بينهما، ولكن إذا ردَّ أحدهما سبَّبَ ضررًا على البائع، فأكثر أهل العلم على أنَّه ليس له إلا ردهما جميعًا، أو إمساكهما جميعًا، وله أرش العيب. • وإن كان مما لا ينقصهما التفريق ففيه قولان: الأول: ليس له إلا إمساكهما جميعًا، أو ردهما جميعًا، وهو قول الشافعي، ورواية عن أحمد، وقال به أبو حنيفة فيما قبل القبض؛ لأنَّ الرد للمعيب فقط تبعيض للصفقة من المشتري، فلم يكن له ذلك كما لو كانا مما ينقصه التفريق. الثاني: له رد المعيب وإمساك الصحيح، وهو قول أحمد في رواية، والحارث العكلي، والأوزاعي، وإسحاق، وهو قول أبي حنيفة فيما بعد القبض؛ لأنه يرد المعيب على وجه لا ضرر فيه على البائع. قال أبو عبد الله غفر الله له: القول الثاني هو الصحيح بالشرط المذكور، وهو:

стр. 3038

عدم إدخال الضرر على البائع بذلك، وبالله التوفيق. (١) مسألة [٤٠]: إذا اشترى اثنان شيئًا فوجداه معيبًا، أو اشترطا الخيار فرضي أحدهما دون الآخر ؟ • في هذه المسألة قولان: الأول: لمن لم يرض الفسخ، وهو قول ابن أبي ليلى، والشافعي، وأبي يوسف، ومحمد، ورواية عن أحمد، ومالك؛ لأنَّه ردَّ جميع ما ملكه بالعقد، فيجوز كما لو انفرد بشرائه. الثاني: ليس له الفسخ، وهو قول أبي حنيفة، وأبي ثور، وأحمد في رواية، ومالك في رواية؛ لأنَّ المبيع خرج عن ملكه دفعة واحدة غير متشقص؛ فإن رده مشتركًا رده ناقصًا، فأشبه ما لو تعيب عنده. وأُجيب: بأن الشركة إنما حصلت بإيجاب البائع؛ لأنه باع كلَّ واحد منهما نصفها، فخرجت عن ملك البائع متشقصة، بخلاف العيب الحادث. قال أبو عبد الله غفر الله له: إنْ لم يرض البائع في رجوع سلعته متشقصة فلا يلزم بذلك إلا إن عُلِمَ أنه عند أن جعل لهما الخيار قصد جعل الخيار لكل واحد منهما ولو في حصته فحسب، فعند ذلك يلزم البائع ما تقدم، والله أعلم. (٢)

стр. 3039

مسألة [٤١]: إذا ورث اثنان عن أبيهما خيار العيب ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٦/ ٢٤٦): وَإِذَا وَرِثَ اثْنَانِ عَنْ أَبِيهِمَا خِيَارَ عَيْبٍ، فَرَضِيَ أَحَدُهُمَا؛ سَقَطَ حَقُّ الْآخَرِ مِنْ الرَّدِّ؛ لِأَنَّهُ لَوْ رَدَّ وَحْدَهُ، تَشَقَّصَتْ السِّلْعَةُ عَلَى الْبَائِعِ، فَتَضَرَّرَ بِذَلِكَ، وَإِنَّمَا أَخْرَجَهَا عَنْ مِلْكِهِ إلَى وَاحِدٍ غَيْرَ مُشَقَّصَةٍ، فَلَا يَجُوزُ رَدُّ بَعْضِهَا إلَيْهِ مُشَقَّصًا، بِخِلَافِ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا؛ فَإِنَّ عَقْدَ الْوَاحِدِ مَعَ الِاثْنَيْنِ عَقْدَانِ، فَكَأَنَّهُ بَاعَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفَهَا مُنْفَرِدًا، فَرَدَّ عَلَيْهِ أَحَدُهُمَا جَمِيعَ مَا بَاعَهُ إيَّاهُ، وَهَاهُنَا بِخِلَافِهِ. اهـ (١) مسألة [٤٢]: هل يورث الخيار ؟ • تقدم في كلام ابن قدامة ﵀ أنَّ خيار العيب يورث، وهذا قول جمهور العلماء. • وفي خيار المجلس، وخيار الشرط وجهان في مذهب أحمد. ومذهب المالكية، والشافعية أنه يورث، وهو ترجيح الإمام ابن عثيمين ﵀؛ لأنَّ ذلك من الحقوق المتعلقة بالأموال، فإذا ورثوا الأموال ورثوا الحقوق المتعلقة بها. • وذهب الثوري، وأحمد في رواية، وأصحاب الرأي، وابن حزم إلى عدم وراثة الخيار مطلقًا، والصحيح قول الجمهور. (٢)

стр. 3040

٨١٣ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: ذَكَرَ رَجُلٌ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ يُخْدَعُ فِي البُيُوعِ فَقَالَ: «إذَا بَايَعْتَ فَقُلْ لَا خِلَابَةَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث قوله: (رَجُلٌ) قيل: هو حبان بن منقذ، وقيل: والده منقذ بن عمرو، وكلٌّ جاء تسميته في بعض طرق الحديث كما ذكر ذلك الحافظ في «الفتح» (٢١١٧). قلتُ: والأول هو الأشهر عند المحدثين والفقهاء. مسألة [١]: خيار الغبن . الغبن: هو الخداع مع الغلبة، فيخدع البائع المشتري ويغلبه بسعر السلعة، وقد يكون من جهة المشتري، ومثل له جماعةٌ من أهل العلم بتلقي الركبان. قال الحافظ ابن حجر ﵀ في شرح حديث الباب (٢١١٧): واستُدِلَّ بهذا الحديث لأحمد، وأحد قولي مالك أنه يرد بالغبن الفاحش لمن لم يعرف قيمة السلعة، وتُعُقِّب بأنه ﷺ إنما جعل الخيار لضعف عقله، ولو كان الغبن يُملك به الفسخ؛ لما احتاج إلى شرط الخيار. اهـ قال أبو عبد الله غفر الله له: الحديث -كما أشار الحافظ- ليس ظاهرًا في إثبات خيار الغبن؛ لأنه لو كان له خيارٌ في الغبن لما احتاج أن يشترط ذلك.

стр. 3041

ولكن يستدل للخيار بالغبن الفاحش بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنَّ دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم عليكم حرام» (١)، وبقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٢٩]. وقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنما البيع عن تراضٍ» (٢)، والرجل إذا كان ضعيفًا في البيع والشراء؛ فإنه ربما يغبن غبنًا فاحشًا لا يرضاه إذا علم الغبن، ومعرفة كون الغبن فاحشًا يُعرف بالعُرف، والله أعلم. (٣) مسألة [٢]: خيار التدليس . التدليس يحصل بكتم العيب وإخفائه، فيلحق بخيار العيب، ويحصل بإظهار السلعة بصفةٍ، وهي أقل من تلك الصفة، ويثبت الخيار بالتدليس على نوعيه، ويدل على خيار التدليس حديث المصراة. (٤)

стр. 3042

باب الرِّبَا الرِّبا: مقصور، وألفه بدل من (واو)، من: ربا يربو. قال الحافظ ﵀: وحُكي مدُّه، وهو شاذٌّ، ووقع في خط المصاحف بالواو، وأصل الربا: الزيادة، إما في نفس الشيء، كقوله تعالى: ﴿اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [الحج:٥/فصلت: ٣٩]، وإما في مقابله، كـ (درهم بدرهمين). «الفتح» (٢٠٨٣). وأما تعريفه الشرعي: فيعرف بذكر أنواعه كما سيأتي إن شاء الله تعالى.

стр. 3043

٨١٤ - عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : آكِلَ الرِّبَا، وَمُوكِلَهُ، وَكَاتِبَهُ، وَشَاهِدَيْهِ وَقَالَ: «هُمْ سَوَاءٌ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (١) ٨١٥ - وَلِلْبُخَارِيِّ نَحْوُهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي جُحَيْفَةَ. (٢) ٨١٦ - وَعَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الرِّبَا ثَلَاثَةٌ وَسَبْعُونَ بَابًا أَيْسَرُهَا مِثْلُ أَنْ يَنْكِحَ الرَّجُلُ أُمَّهُ، وَإِنَّ أَرْبَى الرِّبَا عِرْضُ الرَّجُلِ المُسْلِمِ». رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مُخْتَصَرًا، وَالحَاكِمُ بِتَمَامِهِ وَصَحَّحَهُ. (٣) المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث مسألة [١]: حرمة الربا . الربا كبيرة من كبائر الذنوب، قال الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:١٣٠]، وقال

стр. 3044

تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٧٨ - ٢٧٩]،وقال تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة:٢٧٥]. ومن السنة أحاديث الباب، وكذلك حديث أبي هريرة ﵁ في «الصحيحين»: «اجتنبوا السبع الموبقات» وذكر منها: «أكل الربا» (١)، وحديث سمرة بن جندب في «البخاري» (٧٠٤٧): أن آكل الربا يسبح في نهر من دمٍ، ويُلقم الحجارة، وهو قطعة من حديث طويل، والأحاديث في هذا الباب كثيرة. وأجمع المسلمون على تحريم الربا في الجملة. (٢) مسألة [٢]: هل يحرم التعامل بالربا مع الحربي وفي دار الحرب ؟ قال الإمام النووي ﵀ في «المجموع» (٩/ ٣٩١ - ٣٩٢): يستوي في تحريم الربا الرجل والمرأة، والعبد والمكاتب بالإجماع، ولا فرق في تحريمه بين دار الإسلام ودار الحرب، فما كان حرامًا في دار الإسلام كان حرامًا في دار الحرب، سواء جرى بين مسلمين، أو مسلم وحربي، سواء دخلها المسلم بأمان أم بغيره، هذا مذهبنا، وبه قال مالك، وأحمد، وأبو يوسف، والجمهور، وقال أبو حنيفة: لا يحرم الربا في دارالحرب بين المسلم وأهل الحرب، ولا بين مسلمين لم يهاجرا منها، وإذا باع مسلم لحربي في دار الحرب درهمًا بدرهمين، أو أسلم رجلان فيها ولم يهاجرا، فتبايعا درهمًا بدرهمين؛ جاز، واحتج له بما رُوي عن مكحول عن

стр. 3045

النبي ﷺ قال: «لا ربا بين مسلم وحربي في دار الحرب»، ولأن أموال أهل الحرب مباحة بغير عقد؛ فالعقد الفاسد أولى. قال النووي: واحتج أصحابنا بعموم القرآن والسنة في تحريم الربا من غير فرق، ولأن ما كان ربا في دار الإسلام؛ كان ربا محرمًا في دار الحرب، كما لو تبايعه مسلمان مهاجران، وكما لو تبايعه مسلم وحربي في دار الإسلام، ولأن ما حرم في دار الإسلام؛ حرم هناك، كالخمر وسائر المعاصي، ولأنه عقد على ما لا يجوز في دار الإسلام، فلم يصح كالنكاح الفاسد هناك. والجواب عن حديث مكحول أنه مرسل ضعيف، فلا حجة فيه، ولو صح؛ لتأولنا على أن معناه: (لا يباح الربا في دار الحرب)؛ جمعًا بين الأدلة، وأما قولهم: (إن أموال الحربي مباحة بلا عقد)، فلا نسلم هذه الدعوى إن دخلها المسلم بأمان؛ فإن دخلها بغير أمان فالعلة منتقضة كما إذا دخل الحربي دار الإسلام فبايعه المسلم فيها درهمًا بدرهمين، وأنه لا يلزم من كون أموالهم تُباح بالاغتنام استباحتها بالعقد الفاسد، ولهذا تُباح أبضاع نسائهم بالسبي دون العقد الفاسد. اهـ قلتُ: حديثهم قال فيه الزيلعي في «نصب الراية» (٤/ ٤٤): غريب، وأسند البيهقي في كتاب «السِّيَر» عن الشافعي قال: قال أبو يوسف: إنما قال أبو حنيفة هذا؛ لأنَّ بعض المشيخة حدثه عن مكحول، عن رسول الله ﷺ فذكره، قال الشافعي: وهذا ليس بثابتٍ، ولا حجة فيه. اهـ قلتُ: فإسناده ضعيفٌ مع إرساله. (١)

стр. 3046

٨١٧ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، وَلَا تَبِيعُوا الوَرِقَ بِالوَرِقِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ وَلَا تُشِفُّوا (١) بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ وَلَا تَبِيعُوا مِنْهَا غَائِبًا بِنَاجِزٍ».مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (٢) ٨١٨ - وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالفِضَّةُ بِالفِضَّةِ، وَالبُرُّ بِالبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالمِلْحُ بِالمِلْحِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَدًا بِيَدٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (٣) ٨١٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَزْنًا بِوَزْنٍ مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَالفِضَّةُ بِالفِضَّةِ وَزْنًا بِوَزْنٍ مِثْلًا بِمِثْلٍ، فَمَنْ زَادَ أَوِ اسْتَزَادَ فَهُوَ رِبَا». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (٤) المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث مسألة [١]: الأصناف التي يجري فيها الربا . ذُكِر في الأحاديث المتقدمة ستة أصناف، وهي: الذهب، والفضة، والبر، والشعير، والتمر، والملح.

стр. 3047

وقد أجمع العلماء على أنَّ هذه الستة الأصناف يجري فيها الربا، واختلفوا فيما عداها: • فذهب طائفة من أهل العلم إلى أن التحريم يقتصر على الستة المذكورة، قال بذلك عثمان البتي، والظاهرية، وهو قول ابن عقيل الحنبلي، وحكي عن قتادة، وطاوس ورجحه الصنعاني، وهو ظاهر ترجيح الشوكاني في «السيل»، واستدلوا بأنَّ النص جاء في هذه الأصناف، والعلة ليست منصوصة حتى يُقاس عليها غيرها، وهذا القول هو ترجيح الإمام الوادعي ﵀. • وذهب عامة العلماء من السلف، والخلف إلى عدم الاقتصار على الأصناف الستة، بل ألحقوا بها غيرها، واختلفوا في ذلك: أما بالنسبة للأصناف الأربعة -عدا الذهب والفضة- فاختلفوا في العلة، وإلحاق غيرها بها على أقوال: القول الأول: يجري الربا في كل مكيل، سواء كان مطعومًا، أم لم يكن مطعومًا، فيدخل في ذلك الحبوب، والسكر، والأدهان، والجص، والأسمنت، والأشنان، وغيرها. وهذا قول النخعي، والزهري، والثوري، وإسحاق، وأحمد في رواية، وهو المشهور عند الحنابلة، وهومذهب الحنفية، واستدلوا بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في الأحاديث: «إلا كيلًا بكيل».

стр. 3048

القول الثاني: يجري الربا في كل مطعوم، سواء كان مكيلًا، أوموزونًا، أو معدودًا، فيجري الربا في بيع برتقالة ببرتقالتين، أو كوب من العصير بكوبين، أو بيع لحم بلحم، وهذا قول الشافعي، وهو المشهور عند أصحابه، وعزاه النووي إلى أحمد، وابن المنذر. واستدلوا لهذا القول بحديث معمر بن عبد الله في «صحيح مسلم» (١٥٩٢)، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «الطعام بالطعام مثلًا بمثل» قال: وكان طعامنا يومئذ الشعير. والطعام يطلق على المأكول والمشروب. واشترطوا في هذا المطعوم أن يكون مطعومًا في الغالب بخلاف الحشائش، والشجر، والتراب الذي يؤكل لحاجة. القول الثالث: يجري الربا في كل قوتٍ مُدَّخر، فلا يدخل في ذلك الفواكه؛ لأنها ليست بقوت، ولا اللحم؛ لأنه لا يدخر، وهو قول مالك، واختاره ابن القيم، فأما الملح فهو عندهم يُصْلِحُ القوتَ، فجرى مجرى القوت، وقد أوردوا عليهم الزعفران، والقرفة؛ فإنها تصلح القوت؛ ولم يجروا فيها الربا. القول الرابع: يجري الربا في كل مطعوم يُكال، أو يُوزن، وهو قول سعيد بن المسيب، والشافعي في القديم، وأحمد في رواية، وابن المنذر، واختاره ابن قدامة، وصاحب «الشرح الكبير»، وشيخ الإسلام، ورجحه الإمام ابن باز، وابن عثيمين، واللجنة الدائمة، وفيها: الفوزان، وعبد العزيز آل الشيخ؛ جمعًا بين أدلة القول الأول، والثاني.

стр. 3049

القول الخامس: ما وجبت فيه الزكاة يجري فيه الربا، وهو قول ربيعة بن أبي عبد الرحمن، وهذا القول ضعيفٌ؛ لأنَّ الملح يجري فيه الربا، ولا تجب فيه الزكاة. قال الصنعاني ﵀ في «السبل» (٥/ ١١٣): ولكن لَمَّا لم يجدوا علة منصوصة اختلفوا فيها اختلافًا كثيرًا يقوي للناظر العارف أنَّ الحق ما ذهبت إليه الظاهرية. اهـ وقال الشوكاني ﵀: ولا يخفاك أن ذكره ﷺ للكيل والوزن في الأحاديث لبيان ما يتحصل به التساوي في الأجناس المنصوص عليها، فكيف كان هذا الذكر سببًا لإلحاق سائر الأجناس المتفقة في الكيل والوزن بهذه الأجناس الثابتة في الأحاديث، وأي تعدية حصلت بمثل ذكر ذلك؟ وأي مناط استفيد منها؟ مع العلم أن الغرض بذكرها هو تحقيق التساوي كما قال: «مثلا بمثل، سواء بسواء».اهـ قلتُ: حديث معمر بن عبد الله: «الطعام بالطعام، مثلًا بمثل، سواء بسواء»، لم يقل بعمومه أحدٌ فيما نعلم، وعلى هذا فيحمل الطعام في ذلك على ما جاء منصوصًا عليها بالأحاديث الأخرى، مع ما ماثلها في كونه مطعومًا، ومكيلًا، أو موزونًا. قال أبو عبد الله غفر الله له: ليس هناك نصٌّ صريحٌ على العلة، ولكن أقوى ما

стр. 3050

ذكر من العلل المتقدمة هو ما ذكره أصحاب القول الرابع، ولا شك أن النظير يلتحق بنظيره، والتفريق بين النظير ونظيره مخالفة للشرع. وكما أن عامة العلماء في زماننا قد ألحقوا الأموال الورقية بالذهب والفضة في الأحكام الشرعية؛ فكذلك يلتحق بالمكيلات الأربعة المتبقية ما كان مثيلها، والله أعلم. قال ابن المنذر ﵀ في «الأوسط» (١٠/ ٢٠٠): وأجمع عوام أهل العلم من أهل الحجاز، والعراق، والشام، ومصر، والمغرب أن حكم كل ما يكال ويوزن مما يؤكل ويشرب حكم ما نهى عنه رسول الله ﷺ من البر، والشعير، والتمر، والملح، وذلك مثل الزبيب، والأرز، والجلجلان، والحمص، والعدس، والجلبان، والباقلاء، واللوبيا، والسلت، والذرة، والعسل، والسمن، والسكر، وما أشبه ذلك من المأكول، والمشروب المكيل والموزون، وأن كل ما بيع بصفة لا يباع إلا مثلا بمثل، يدًا بيد؛ فمن زاد، أو استزاد فقد أربى، والبيع فيه غير جائز. وقد بلغني عن قتادة أنه شذ عن الجماعة فقال: كل ما خلا الستة الأشياء مما يكال، أو يوزن؛ فلا بأس به اثنين بواحد من صنف واحد يدًا بيد، وإذا كان نسيئة فهو مكروه. قال: وبالقول الأول أقول؛ وذلك لما أجمع عليه عوام أهل العلم في قديم الدهر، وحديثه، ولا نعلم أحدًا خالف ما ذكرناه، ولا بلغنا ذلك عن أحد غير
следующие страницы →