وقد أجمع العلماء على أنَّ هذه الستة الأصناف يجري فيها الربا، واختلفوا فيما عداها:
• فذهب طائفة من أهل العلم إلى أن التحريم يقتصر على الستة المذكورة، قال بذلك عثمان البتي، والظاهرية، وهو قول ابن عقيل الحنبلي، وحكي عن قتادة، وطاوس ورجحه الصنعاني، وهو ظاهر ترجيح الشوكاني في «السيل»، واستدلوا بأنَّ النص جاء في هذه الأصناف، والعلة ليست منصوصة حتى يُقاس عليها غيرها، وهذا القول هو ترجيح الإمام الوادعي ﵀.
• وذهب عامة العلماء من السلف، والخلف إلى عدم الاقتصار على الأصناف الستة، بل ألحقوا بها غيرها، واختلفوا في ذلك:
أما بالنسبة للأصناف الأربعة -عدا الذهب والفضة- فاختلفوا في العلة، وإلحاق غيرها بها على أقوال:
القول الأول: يجري الربا في كل مكيل، سواء كان مطعومًا، أم لم يكن مطعومًا، فيدخل في ذلك الحبوب، والسكر، والأدهان، والجص، والأسمنت، والأشنان، وغيرها.
وهذا قول النخعي، والزهري، والثوري، وإسحاق، وأحمد في رواية، وهو المشهور عند الحنابلة، وهومذهب الحنفية، واستدلوا بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في الأحاديث: «إلا كيلًا بكيل».
стр. 3048
القول الثاني: يجري الربا في كل مطعوم، سواء كان مكيلًا، أوموزونًا، أو معدودًا، فيجري الربا في بيع برتقالة ببرتقالتين، أو كوب من العصير بكوبين، أو بيع لحم بلحم، وهذا قول الشافعي، وهو المشهور عند أصحابه، وعزاه النووي إلى أحمد، وابن المنذر.
واستدلوا لهذا القول بحديث معمر بن عبد الله في «صحيح مسلم» (١٥٩٢)، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «الطعام بالطعام مثلًا بمثل» قال: وكان طعامنا يومئذ الشعير. والطعام يطلق على المأكول والمشروب.
واشترطوا في هذا المطعوم أن يكون مطعومًا في الغالب بخلاف الحشائش، والشجر، والتراب الذي يؤكل لحاجة.
القول الثالث: يجري الربا في كل قوتٍ مُدَّخر، فلا يدخل في ذلك الفواكه؛ لأنها ليست بقوت، ولا اللحم؛ لأنه لا يدخر، وهو قول مالك، واختاره ابن القيم، فأما الملح فهو عندهم يُصْلِحُ القوتَ، فجرى مجرى القوت، وقد أوردوا عليهم الزعفران، والقرفة؛ فإنها تصلح القوت؛ ولم يجروا فيها الربا.
القول الرابع: يجري الربا في كل مطعوم يُكال، أو يُوزن، وهو قول سعيد بن المسيب، والشافعي في القديم، وأحمد في رواية، وابن المنذر، واختاره ابن قدامة، وصاحب «الشرح الكبير»، وشيخ الإسلام، ورجحه الإمام ابن باز، وابن عثيمين، واللجنة الدائمة، وفيها: الفوزان، وعبد العزيز آل الشيخ؛ جمعًا بين أدلة القول الأول، والثاني.
стр. 3049
القول الخامس: ما وجبت فيه الزكاة يجري فيه الربا، وهو قول ربيعة بن أبي عبد الرحمن، وهذا القول ضعيفٌ؛ لأنَّ الملح يجري فيه الربا، ولا تجب فيه الزكاة.
قال الصنعاني ﵀ في «السبل» (٥/ ١١٣): ولكن لَمَّا لم يجدوا علة منصوصة اختلفوا فيها اختلافًا كثيرًا يقوي للناظر العارف أنَّ الحق ما ذهبت إليه الظاهرية. اهـ
وقال الشوكاني ﵀: ولا يخفاك أن ذكره ﷺ للكيل والوزن في الأحاديث لبيان ما يتحصل به التساوي في الأجناس المنصوص عليها، فكيف كان هذا الذكر سببًا لإلحاق سائر الأجناس المتفقة في الكيل والوزن بهذه الأجناس الثابتة في الأحاديث، وأي تعدية حصلت بمثل ذكر ذلك؟ وأي مناط استفيد منها؟ مع العلم أن الغرض بذكرها هو تحقيق التساوي كما قال: «مثلا بمثل، سواء بسواء».اهـ
قلتُ: حديث معمر بن عبد الله: «الطعام بالطعام، مثلًا بمثل، سواء بسواء»، لم يقل بعمومه أحدٌ فيما نعلم، وعلى هذا فيحمل الطعام في ذلك على ما جاء منصوصًا عليها بالأحاديث الأخرى، مع ما ماثلها في كونه مطعومًا، ومكيلًا، أو موزونًا.
قال أبو عبد الله غفر الله له: ليس هناك نصٌّ صريحٌ على العلة، ولكن أقوى ما
стр. 3050
ذكر من العلل المتقدمة هو ما ذكره أصحاب القول الرابع، ولا شك أن النظير يلتحق بنظيره، والتفريق بين النظير ونظيره مخالفة للشرع.
وكما أن عامة العلماء في زماننا قد ألحقوا الأموال الورقية بالذهب والفضة في الأحكام الشرعية؛ فكذلك يلتحق بالمكيلات الأربعة المتبقية ما كان مثيلها، والله أعلم.
قال ابن المنذر ﵀ في «الأوسط» (١٠/ ٢٠٠): وأجمع عوام أهل العلم من أهل الحجاز، والعراق، والشام، ومصر، والمغرب أن حكم كل ما يكال ويوزن مما يؤكل ويشرب حكم ما نهى عنه رسول الله ﷺ من البر، والشعير، والتمر، والملح، وذلك مثل الزبيب، والأرز، والجلجلان، والحمص، والعدس، والجلبان، والباقلاء، واللوبيا، والسلت، والذرة، والعسل، والسمن، والسكر، وما أشبه ذلك من المأكول، والمشروب المكيل والموزون، وأن كل ما بيع بصفة لا يباع إلا مثلا بمثل، يدًا بيد؛ فمن زاد، أو استزاد فقد أربى، والبيع فيه غير جائز.
وقد بلغني عن قتادة أنه شذ عن الجماعة فقال: كل ما خلا الستة الأشياء مما يكال، أو يوزن؛ فلا بأس به اثنين بواحد من صنف واحد يدًا بيد، وإذا كان نسيئة فهو مكروه.
قال: وبالقول الأول أقول؛ وذلك لما أجمع عليه عوام أهل العلم في قديم الدهر، وحديثه، ولا نعلم أحدًا خالف ما ذكرناه، ولا بلغنا ذلك عن أحد غير
стр. 3051
قتادة، وبعض من أدكنا من أهل زماننا. (١)
وأما بالنسبة للذهب والفضة: فاختلفوا في علتها وفي إلحاق غيرها بها.
قال ابن القيم ﵀ في «أعلام الموقعين» (٢/ ١٣٧): قَالَتْ طَائِفَةٌ: الْعِلَّةُ فِيهِمَا كَوْنُهُمَا مَوْزُونَيْنِ، وَهَذَا مَذْهَبُ أَحْمَدَ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ، وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَطَائِفَةٌ قَالَتْ: الْعِلَّةُ فِيهِمَا الثَّمَنِيَّةُ، وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَمَالِكٍ، وَأَحْمَدَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ، بَلْ الصَّوَابُ؛ فَإِنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى جَوَازِ إسْلَامِهِمَا فِي الْمَوْزُونَاتِ مِنْ النُّحَاسِ، وَالْحَدِيدِ وَغَيْرِهِمَا؛ فَلَوْ كَانَ النُّحَاسُ وَالْحَدِيدُ رِبَوِيَّيْنِ؛ لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُمَا إلَى أَجَلٍ بِدَرَاهِمَ نَقْدًا؛ فَإِنَّ مَا يَجْرِي فِيهِ الرِّبَا إذَا اخْتَلَفَ جِنْسُهُ جَازَ التَّفَاضُلُ فِيهِ دُونَ النَّسَاءِ، وَالْعِلَّةُ إذَا انْتَقَضَتْ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ مُؤَثِّرٍ دَلَّ عَلَى بُطْلَانِهَا. اهـ
وقال بالقول الأول النخعي، والزهري، وإسحاق، وللمالكية والشافعية وجهٌ أن العلة غلبة الثمنية، وما صوبه ابن القيم ﵀ سبقه إلى ترجيحه شيخ الإسلام كما في «مجموع الفتاوى» (٢٩/ ٤٧٠ - ٤٧٢).
حيث قال ﵀: وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْعِلَّةَ فِي ذَلِكَ هُوَ الثمنية لَا الْوَزْنُ، كَمَا قَالَهُ
стр. 3052
جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ، وَلَا يَحْرُمُ التَّفَاضُلُ فِي سَائِرِ الْمَوْزُونَاتِ كَالرَّصَاصِ، وَالْحَدِيدِ، وَالْحَرِيرِ، وَالْقُطْنِ، وَالْكَتَّانِ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ اتِّفَاقُ الْعُلَمَاءِ عَلَى جَوَازِ إسْلَامِ النَّقْدَيْنِ فِي الْمَوْزُونَاتِ، وَهَذَا بَيْعُ مَوْزُونٍ بِمَوْزُونٍ إلَى أَجَلٍ، فَلَوْ كَانَتْ الْعِلَّةُ الْوَزْنَ؛ لَمْ يَجُزْ هَذَا.
ثم قال: وَالتَّعْلِيلُ بالثمنية تَعْلِيلٌ بِوَصْفٍ مُنَاسِبٍ؛ فَإِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْأَثْمَانِ أَنْ تَكُونَ مِعْيَارًا لِلْأَمْوَالِ يَتَوَسَّلُ بِهَا إلَى مَعْرِفَةِ مَقَادِيرِ الْأَمْوَالِ، وَلَا يَقْصِدُ الِانْتِفَاعَ بِعَيْنِهَا، فَمَتَى بِيعَ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ إلَى أَجَلٍ؛ قُصِدَ بِهَا التِّجَارَةُ الَّتِي تُنَاقِضُ مَقْصُودَ الثمنية، وَاشْتِرَاطُ الْحُلُولِ وَالتَّقَابُضِ فِيهَا هُوَ تَكْمِيلٌ لِمَقْصُودِهَا مِنْ التَّوَسُّلِ بِهَا إلَى تَحْصِيلِ الْمَطَالِبِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يَحْصُلُ بِقَبْضِهَا لَا بِثُبُوتِهَا فِي الذِّمَّةِ؛ مَعَ أَنَّهَا ثَمَنٌ مِنْ طَرَفَيْنِ، فَنَهَى الشَّارِعُ أَنْ يُبَاعَ ثَمَنٌ بِثَمَنٍ إلَى أَجَلٍ. اهـ
قال أبو عبد الله غفر الله له: الإلزام الذي ذكره ابن القيم ﵀ تبعًا لشيخه وارد على من جعل العلة الوزن ورودًا لا محيص عنه، وهذا يدل على بطلان التعليل بالوزنية.
قال الإمام ابن عثيمين ﵀ في «الشرح الممتع» (٨/ ٣٩٠): وأقرب شيء أن يقال: إنَّ العلة في الذهب والفضة كونهما ذهبًا وفضة، سواء كانا نقدين، أو غير نقدين، والدليل على أنَّ الربا يجري في الذهب والفضة، وإن كانا غير نقدين حديث القلادة الذي رواه فضالة بن عبيد أنه اشترى قلادة من ذهب فيها ذهب وخرز باثني عشر دينارًا، ففصلها فوجد فيها أكثر من اثني عشر دينارًا، فنهى النبي
стр. 3053
- ﷺ أن تُباع حتى تُفصل. (١)
ومعلوم أنَّ القلادة خرجت عن كونها نقدًا، وعلى هذا فيجري الربا في الذهب والفضة مطلقًا، سواء كانتا نقدًا، أم تبرًا، أم حليًّا على أي حال كانت، ولا يجري الربا في الحديد، والرصاص، والصفر، والماس وغيرها من أنواع المعادن. اهـ
قال أبو عبد الله غفر الله له: مذهب الشافعية أن العلة هي (جنس الثمنية)، ومذهب المالكية أن العلة هي (غلبة الثمنية)، وقال بعض الحنابلة: إن العلة هي (الثمنية)، ويظهر لي أن تعبير الشافعية أدق؛ فإنه يدل على أن الربا يجري بالذهب، والفضة من حيث هو ذهب وفضة، ولو لم تكن نقدًا، وعليه فلا يشكل على ذلك حديث فضالة بن عبيد ﵁، وينبني عليه أيضًا وجوب الزكاة في الأوراق النقدية، وجريان الربا فيها؛ فإنه مضمونة ومغطاةٌ بالذهب والفضة. (٢)
مسألة [٢]: أقسام الربا .
الربا قسمان:
أحدهما: ربا الفضل.
وهو الزيادة في أحد شيئين أوجب الشرع التماثل فيهما، كبيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح
стр. 3054
بالملح، وعلى هذا تدل أحاديث الباب المتقدمة كلها.
وقد أجمع أهل العلم على تحريمه، وقد كان فيه خلافٌ من بعض الصحابة كابن عباس، وابن عمر، وقد صحَّ عنهما الرجوع عنه كما في «صحيح مسلم» (١٥٩٤)، وقد كان ابن عباس استند في إباحته إلى حديث أسامة بن زيد أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «إنما الربا في النسيئة». (١)
وقد اختلف أهل العلم في توجيه هذا الحديث، فمنهم من قال: إنه منسوخٌ. ومنهم من رجح الأحاديث الأخرى. وأفضل ما قيل في ذلك جوابان:
١) أنَّ معنى قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنما الربا في النسيئة»، أي: الربا الأغلظ والأشد، فالمراد حصر كمال الربا في النسيئة لا أصل الربا، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال:٢] إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال:٤]. وهذا القول اختاره ابن القيم ﵀.
٢) أنَّ الحديث محمولٌ على ما إذا اختلفت الأجناس، فيجوز التفاضل، ويحرم النَّسَاء.
وهذا الجواب ذكره الشافعي، وذكره البخاري عن شيخه سليمان بن حرب، ورجَّحه الطبري، وابن عبد البر، والبيهقي، وابن قدامة، وغيرهم، وهناك أقوال أخرى. (٢)
стр. 3055
ثانيهما: ربا النسيئة، وهو على نوعين:
• الأول: التأخير فيما أوجب الشارع فيه التقابض.
ويدل عليه حديث عبادة بن الصامت المذكور في الباب: «فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد».
وقوله في حديث عمر في «الصحيحين»: «إلا هاء وهاء» (١)، وقوله في حديث أبي سعيد في الباب: «ولا تبيعوا منها غائبًا بناجز».
وربا النسيئة بهذا المعنى يحصل في بيع الشيء بجنسه، أو في بيع الشيء بجنس آخر يماثله في العلة؛ فلا يجوز بيع الذهب بالذهب إلى أجل، ولا يجوز بيع الذهب بالفضة إلى أجل، وكذلك لا يجوز بيع البر بالبر إلى أجل، ولا يجوز بيع البر بالشعير إلى أجل، وهذا النوع لا يجوز بغير خلاف، قاله ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٦/ ٦٢).
• النوع الثاني: ربا الدين، وهو ربا الجاهلية، وله صورتان:
الأولى: أن يكون لإنسان على آخر دين إلى آخر الشهر، فيأتي آخر الشهر ومقداره ألف فيقول: إما أن تقضيني الألف، أو نؤخره إلى نصف شهر، وتعطيني ألفًا ومائتين؛ فهذا هو ربا الجاهلية بقولهم: (إما أن تقضي، وإما أن ترابي)، ولا يُشترط أن يكون الطلب من صاحب المال، بل يقعان في الربا ولو كان
стр. 3056
الطالب لذلك هو المدين، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران:١٣٠].
وهذا الربا يحصل في غير الأصناف المنصوص عليها.
الثانية: القرض بفائدة مشروطة عند العقد، كأن يقول له: أعطيك ألفًا إلى شهر، على أن تُعيد لي ألفًا ومائة، أو على أن تسكنني في بيتك، أو على أن تعطيني سيارتك للانتفاع بها. وما أشبه ذلك. (١)
فائدة: ابن القيم ﵀ يسمي ربا النسيئة: ربا جلي. وربا الفضل: ربا خفي.
قال ﵀ في «أعلام الموقعين» (٢/ ١٣٥ - ١٣٦): فَالْجَلِيُّ حُرِّمَ لِمَا فِيهِ مِنْ الضَّرَرِ الْعَظِيمِ، وَالْخَفِيُّ حُرِّمَ؛ لِأَنَّهُ ذَرِيعَةٌ إلَى الْجَلِيِّ؛ فَتَحْرِيمُ الْأَوَّلِ قَصْدًا، وَتَحْرِيمُ الثَّانِي وَسِيلَةً.
ثم ذكر الربا الجلي بصورته في الجاهلية، ثم قال: وَأَمَّا رِبَا الْفَضْلِ فَتَحْرِيمُهُ مِنْ بَابِ سَدِّ الذَّرَائِعِ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : «لَا تَبِيعُوا الدِّرْهَمَ بِالدِّرْهَمَيْنِ؛ فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ الرِّمَّا» (٢)،
وَالرِّمَّا هُوَ الرِّبَا،
مسألة [٣]: وهل يجوز بيع البر أو الشعير بالذهب أو الفضة إلى أجل ؟
• ذكر أهل العلم أنَّ هذا جائز، وَنُقِل في ذلك الإجماع، والواقع وجود خلاف أشار إليه ابن حزم في «مراتب الإجماع»، والسُّبُكي في «تكملة المجموع».
والصحيح هو الجواز؛ لحديث عائشة ﵂ في «الصحيحين» أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- اشترى من يهودي طعامًا، ورهنه درعًا من حديد. (١)
وحديث ابن عباس ﵄، قال: قدم النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- المدينة وهم يُسلِفون في الثمار السنة والسنتين، فقال: «من أسلف في شيء؛ فليُسلف في شيء معلومٍ إلى أجل معلوم». (٢)
وقد أجمعوا على جواز السَّلَم بأن يقدم الدنانير، أو الدراهم في مجلس العقد على أن يعطيه شعيرًا، أو بُرًّا بكيل معلوم إلى أجل معلوم. (٣)
مسألة [٤]: هل يجري الربا في الفلوس ؟
الفلوس: جمع فَلْس، وهي عملة من النحاس، أو الحديد، كان يضربها الملوك، والسلاطين، يُشترى بها الأشياء الحقيرة.
• وقد اختلف أهل العلم هل يجري فيها الربا، أم لا؟
стр. 3059
أولا: هل يجري فيها ربا الفضل؟
• وجهٌ عند الحنابلة، ووجهٌ عند الشافعية مرجوح، حكاه الخراسانيون، وهو قول غير مشهور عن مالك، قالوا: يجري الربا فيها، أي: ربا الفضل، فعند هؤلاء لا يجوز بيع فلس بفلسين، ولو كان يدًا بيد.
• المشهور عند الشافعية، وعند المالكية، وهو وجهٌ للحنابلة أنه لا يجري فيها الربا، ولو كانت نافقة أي: التي يتعامل بها الناس في السوق، وعكسها الكاسدة وهي التي لا يتعامل بها؛ لِقِدَمِها لعدم النص والإجماع؛ ولأنهم عللوا الربا في النقدين بغلبة الثمنية، بينما أهل القول الأول عللوا ذلك بمطلق الثمنية.
والقول الأول هو الصواب، وهو جريان الربا فيها، وهو ظاهر اختيار شيخ الإسلام، وابن القيم؛ لأنهم عللوا الربا في النقدين بالثمنية، والله أعلم.
تنبيه: الذين يقولون بجريان ربا الفضل فيها يقولون أيضًا بجريان ربا النسيئة فيها.
ثانيًا: ما حكم بيع الفلوس بأحد النقدين نسيئة؟
• فيه قولان:
١) مذهب مالك، والمشهور عن أحمد، وإحدى الروايتين عن أبي حنيفة: المنع.
٢) مذهب الشافعي، وأبي حنيفة في الرواية الأخرى، وهي رواية عن أحمد نقلها واختارها جماعة من الحنابلة، منهم ابن عقيل: الجواز.
стр. 3060
قال شيخ الإسلام ﵀: والأظهر المنع من ذلك؛ فإن الفلوس النافقة يغلب عليها حكم الأثمان، وتجعل معيار أموال الناس. اهـ
قلتُ: والذين جوَّزوا النسيئة والفضل لعدم النص والإجماع قالوا: لا دليل على التفصيل بين ربا الفضل وربا النسيئة. والذين منعوا ربا النسيئة وأجازوا ربا الفضل قالوا: إنَّ ربا النسيئة شديد، والشبهة فيه كبيرة.
قال أبو عبد الله غفر الله له: الصحيح جريان الربا فيها؛ لأنه أثمان، فأخذت حكمها، والله أعلم، وهذه هي فتوى الإمام محمد بن إبراهيم آل الشيخ، وعبدالرزاق عفيفي، وابن غديان، وابن منيع ﵏. (١)
مسألة [٥]: هل يجري الربا في الأوراق النقدية، والعملة المعدنية ؟
• أكثر علمائنا وأئمتنا في عصرنا، ومنهم الإمام ابن باز ﵀، والإمام الوادعي ﵀ على أنَّ الربا يجري فيها بنوعيه، وهو مقتضى قول مالك، والشافعي، وأحمد في رواية؛ لتعليلهم الذهب والفضة بعلة الثمنية، وهو مقتضى اختيار شيخ الإسلام، وابن القيم في ذلك، واختاره الإمام ابن عثيمين في الجملة، وهو الصواب، والله أعلم.
وهذه المسألة تخالف مسألة (الفلوس) بأنَّ الفلوس كانوا لا يتعاملون بها إلا
стр. 3061
بالمحقرات، بخلاف هذه الأوراق، فبعضها قد يكون أغلى من أربعة جرامات من الذهب، مع أنَّ الراجح في مسألة الفلوس أيضًا أنه يجري فيها الربا بنوعيه، والله أعلم.
تنبيه: العلماء الذين اختاروا جريان الربا في الأوراق المالية جعلوها نقدًا قائمًا بنفسه كالذهب والفضة؛ ولذلك فالعملات الورقية أجناس تتعدد بتعدد جهات إصدارها. (١)
مسألة [٦]: بماذا يعتبر التساوي في الأصناف الربوية ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٦/ ٦٩): لَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي وُجُوبِ الْمُمَاثَلَةِ فِي بَيْعِ الْأَمْوَالِ الَّتِي يَحْرُمُ التَّفَاضُلُ فِيهَا، وَأَنَّ الْمُسَاوَاةَ الْمَرْعِيَّةَ هِيَ الْمُسَاوَاةُ فِي الْمَكِيلِ كَيْلًا، وَفِي الْمَوْزُونِ وَزْنًا، وَمَتَى تَحَقَّقَتْ هَذِهِ الْمُسَاوَاةُ، لَمْ يَضُرَّ اخْتِلَافُهُمَا فِيمَا سِوَاهَا. وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ؛ لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ، وَإِنْ تَسَاوَيَا فِي غَيْرِهَا، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَجُمْهُورِ أَهْلِ الْعِلْمِ، لَا نَعْلَمُ أَحَدًا خَالَفَهُمْ إلَّا مَالِكًا قَالَ: يَجُوزُ بَيْعُ الْمَوْزُونَاتِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ جُزَافًا. وَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى ﷺ : «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَزْنًا بِوَزْنٍ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ وَزْنًا بِوَزْنٍ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ كَيْلًا بِكَيْلٍ، وَالشَّعِيرِ بِالشَّعِيرِ كَيْلًا بِكَيْلٍ» رَوَاهُ الْأَثْرَمُ فِي حَدِيثِ عُبَادَةَ (٢)، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَلَفْظُهُ: «الْبُرُّ بِالْبُرِّ مُدْيٌ بِمُدْيٍ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ مُدْيٌ
стр. 3062
بِمُدْيٍ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ مُدْيٌ بِمُدْيٍ، فَمَنْ زَادَ أَوْ ازْدَادَ؛ فَقَدْ أَرْبَى»، (١)
فَأَمَرَ بِالْمُسَاوَاةِ فِي الْمَوْزُونَاتِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْوَزْنِ، كَمَا أَمَرَ بِالْمُسَاوَاةِ فِي الْمَكِيلَاتِ فِي الْكَيْلِ، وَمَا عَدَا الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ مِنْ الْمَوْزُونَاتِ مَقِيسٌ عَلَيْهِمَا وَمُشَبَّهٌ بِهِمَا، وَلِأَنَّهُ جِنْسٌ يَجْرِي فِيهِ الرِّبَا؛ فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ جُزَافًا كَالْمَكِيلِ، وَلِأَنَّهُ مَوْزُونٌ مِنْ أَمْوَالِ الرِّبَا، فَأَشْبَهَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ، وَلِأَنَّ حَقِيقَةَ الْفَضْلِ مُبْطِلَةٌ لِلْبَيْعِ، وَلَا نَعْلَمُ عَدَمَ ذَلِكَ إلَّا بِالْوَزْنِ، فَوَجَبَ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمَكِيلِ وَالْأَثْمَانِ. اهـ (٢)
قال أبو عبد الله غفر الله له: المعروف عن مالك أنه لا يجيز بيع الذهب بالذهب، أو الفضة بالفضة؛ إلا مثلًا بمثل، وكذلك لا يجيز بيع الذهب بالفضة جزافًا؛ لوجود الغرر.
والذي نقله ابن عبدالبر عنه كما في «الاستذكار» (٢٠/ ٤٢) أنه أجاز بيع الطعام المختلف الأجناس جزافًا إذا كان يدًا بيد.
وقال السُّبُكي ﵀ في «تكملة المجموع» (١٠/ ٢٣٣): ونقل القاضي أبو الطيب، والمحاملي وغيرهما عن مالك أنه أجاز ذلك في البادية والسفر، في المكيل دون الموزون؛ لأنَّ البادية يتعذر فيها وجود المكيال، وأجاب القاضي بمنع ذلك؛
стр. 3063
لأنَّ الكيل يمكن بالإناء، والقصعة، والدلو، وحفر حفيرة يكيل فيها، وغير ذلك، واتفق أكثر العلماء على خلاف هذا، وأنه لا يجوز البيع في ذلك جزافًا، ولا بالحرز والتخمين والتحري، بل لابد من العلم. اهـ
قلتُ: فتبين أنَّ مذهب مالك إنما هو جواز التحري في السفر والبادية، في المكيلات دون الموزونات، فتنبه!.
مسألة [٧]: هل يجوز بيع البر بالبر وزنًا؟ وكذلك الشعير والتمر، والملح إذا بيع كل واحد منهم بجنسه ؟
• أكثر أهل العلم على أنه لا يجوز بيع شيء مما ذُكِر بجنسه إلا كيلًا، ونقل جواز ذلك عن قليل من الحنابلة، والشافعية، واختاره شيخ الإسلام كما في «الإنصاف».
وقال كما في «الاختيارات»: وما لا يختلف فيه الكيل والوزن مثل الأدهان يجوز بيع بعضه ببعض كيلًا، ووزنًا، وعن أحمد ما يدل عليه.
وقال الإمام ابن عثيمين ﵀: واختار شيخ الإسلام أنه إذا كان الكيل والوزن يتساويان فلا بأس أن يُباع المكيل بجنسه كيلًا، أو وزنًا؛ لأنَّ النبي ﷺ قال: «مثلًا بمثل»، والمثلية هنا متحققة، وأما ما يختلف بالكيل والوزن فلابد أن يُباع المكيل كيلًا، والموزون يباع وزنًا. اهـ
قال أبو عبد الله غفر الله له: ما اختاره شيخ الإسلام هو الصواب؛ لأنَّ العبرة هو
стр. 3064
التماثل، فإذا كان بيع أحدهما بالآخر لا يختلف مقداره إذا كيل، أو وُزِن؛ فلا يوجد فرق عند ذلك بين بيعه كيلًا، أو وزنًا، واستثنى بعض أهل العلم من الملح ما كان قِطَعًا كبيرة؛ فإنها تُباع وزنًا؛ لتعذر الكيل فيها، والله أعلم. (١)
تنبيه: ما كان من المكيلات، ولم يُسْتَطَع بيعه كيلًا؛ لتجافيه في المكيال، أو التصاق بعضه ببعض؛ جاز بيعه وزنًا، كالتمر المتلاصق المنزوع النوى وغير المنزوع النوى إذا كان في تمييزه مشقة، وبهذا أفتى الإمام محمد بن إبراهيم آل الشيخ، والإمام العثيمين رحمة الله عليهما. (٢)
مسألة [٨]: هل يجوز بيع الذهب بالذهب كيلا، أو الفضة بالفضة كيلا ؟
قال السبكي ﵀ في «تكملة المجموع» (١٠/ ٢٢٩): فأما ما أصله الوزن فلا يجوز بيعه كيلًا بكيل، نقل الشيخ أبو حامد الإجماع فيه. اهـ
ونقل الوزير وغيره الاتفاق على ذلك أيضًا كما في «حاشية ابن القاسم على الروض المربع» (٤/ ٤٩٦).
قال أبو عبد الله غفر الله له: هذا الإجماع محمول على الذهب والفضة، وأما الموزونات الأخرى فتقدم أنَّ الجمهور على أنَّ العلة في التحريم هي الثمنية لا
стр. 3065
الوزنية؛ وعليه فيكون الاتفاق المذكور عند من جعل العلة الوزنية لا مطلقًا، والله أعلم.
مسألة [٩]: هل يدخل الربا فيما كان جنسه مكيلا، أو موزونًا إذا كان قليلا لا يتأتى فيه الكيل والوزن ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٦/ ٥٨ - ٥٩): وَقَوْلُهُ: مَا كِيلَ، أَوْ وُزِنَ. أَيْ: مَا كَانَ جِنْسُهُ مَكِيلًا، أَوْ مَوْزُونًا، وَإِنْ لَمْ يَتَأَتَّ فِيهِ كَيْلٌ، وَلَا وَزْنٌ، إمَّا لِقِلَّتِهِ كَالْحَبَّةِ وَالْحَبَّتَيْنِ، وَالْحَفْنَةِ وَالْحَفْنَتَيْنِ، وَمَا دُونَ الْأُرْزَةِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، أَوْ لِكَثْرَتِهِ كَالزُّبْرَةِ الْعَظِيمَةِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ، إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَيَحْرُمُ التَّفَاضُلُ فِيهِ. وَبِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ. وَرَخَّصَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي بَيْعِ الْحَفْنَةِ بِالْحَفْنَتَيْنِ، وَالْحَبَّةِ بِالْحَبَّتَيْنِ، وَسَائِرِ الْمَكِيلِ الَّذِي لَا يَتَأَتَّى كَيْلُهُ، وَوَافَقَ فِي الْمَوْزُونِ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ الْعِلَّةَ الْكَيْلُ، وَلَمْ يُوجَدْ فِي الْيَسِيرِ. وَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : «التَّمْرُ بِالتَّمْرِ مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ مِثْلًا بِمِثْلٍ، مَنْ زَادَ أَوْ ازْدَادَ فَقَدْ أَرْبَى» (١)، وَلِأَنَّ مَا جَرَى الرِّبَا فِي كَثِيرِهِ جَرَى فِي قَلِيلِهِ، كَالْمَوْزُونِ. اهـ
مسألة [١٠]: معرفة المكيل والموزون .
أما الذهب والفضة فهي موزونة، والأصناف الأربعة الباقية مكيلة.
قال ابن القاسم في «حاشيته» على «الروض المربع» (٤/ ٥١٥): وقال الوزير وغيره: اتفقوا على أنَّ المكيلات المنصوص عليها، وهي: البر، والشعير، والتمر،
стр. 3066
والملح مكيلة أبدًا، لا يجوز بيع بعضها ببعض إلا كيلًا، والموزونات المنصوص عليها أبدًا موزونة. اهـ
• واختلفوا في غير الأصناف الستة:
فمذهب الجمهور أن المرجع فيها إلى عرف العادة بالحجاز، وما لا عرف له بالحجاز ففيه وجهان: أحدهما: يرد إلى أقرب الأشياء إليها بالحجاز. والثاني: يعتبر عرفه بموضعه. واستدلوا بحديث ابن عمر ﵄ عند أبي داود (٣٣٤٠): «الوزن وزن أهل مكة، والمكيال مكيال أهل المدينة»، وإسناده صحيح، ومذهب أبي حنيفة الاعتبار في كل بلد بعادته
وقول الجمهور أقرب، والله أعلم. (١)
مسألة [١١]: هل شراء الأسهم التجارية يدخل في الربا ؟
في «فتاوى اللجنة الدائمة» (١٣/ ٣٢١): إذا كانت الأسهم لا تمثل نقودًا تمثيلًا كليًّا، أو غالبًا، وإنما تمثل أرضًا، أو سيارات، أو عمارات ونحو ذلك، وهي معلومة للبائع والمشتري؛ جاز بيعها وشراؤها بثمنٍ حال، أو مؤجل على دفعة، أو دفعات؛ لعموم أدلة جواز البيع والشراء.
والذي أفتى بذلك هم: الإمام ابن باز، والشيخ عبدالله بن قعود، والشيخ عبدالرزاق عفيفي رحمة الله عليهم.
стр. 3067
٨٢٠ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ،
٨٢١ - وَأَبِي هُرَيْرَةَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ اسْتَعْمَلَ رَجُلًا عَلَى خَيْبَرَ، فَجَاءَهُ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا؟» فَقَالَ: لَا وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، إنَّا لَنَأْخُذُ الصَّاعَ مِنْ هَذَا (بِالصَّاعَيْنِ، وَالصَّاعَيْنِ بِالثَّلَاثَةِ) (١)، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا تَفْعَلْ، بِعِ الجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ، ثُمَّ ابْتَعْ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا». وَقَالَ فِي المِيزَانِ مِثْلَ ذَلِكَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلِمُسْلِمٍ: «وَكَذَلِكَ المِيزَانُ». (٢)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين
قوله: «الجنيب» هو نوعٌ طَيِّبٌ، وجيد من أنواع التمر.
قوله: «الجمع» هو نوع مخلوطٌ من التمر، وفيه الرديء.
مسألة [١]: هل جنس التمر والبر وغيرهما يشمل أنواعها ؟
دلَّ حديث الباب على أنَّ التمر ولو اختلفت أنواعه فكله جنسٌ يجري فيه الربا.
قال ابن قدامة ﵀: الْجِنْسُ: هُوَ الشَّامِلُ لِأَشْيَاءَ مُخْتَلِفَةٍ بِأَنْوَاعِهَا. وَالنَّوْعُ: الشَّامِلُ لِأَشْيَاءَ مُخْتَلِفَةٍ بِأَشْخَاصِهَا، وَقَدْ يَكُونُ النَّوْعُ جِنْسًا بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا تَحْتَهُ، نَوْعًا بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا فَوْقَهُ.
стр. 3068
قلتُ: مثاله مسمى (الإنسان) يعتبر جنسًا لنوعي الذكر والأنثى، ويعتبر نوعًا لجنس الحيوان.
ثم قال: فَكُلُّ نَوْعَيْنِ اجْتَمَعَا فِي اسْمٍ خَاصٍّ فَهُمَا جِنْسٌ، كَأَنْوَاعِ التَّمْرِ، وَأَنْوَاعِ الْحِنْطَةِ، فَالتُّمُورُ كُلُّهَا جِنْسٌ وَاحِدٌ؛ لِأَنَّ الِاسْمَ الْخَاصَّ يَجْمَعُهَا، وَهُوَ التَّمْرُ، وَإِنْ كَثُرَتْ أَنْوَاعُهُ، كَالْبَرْنِيِّ، وَالْمَعْقِلِيِّ، وَالْإِبْرَاهِيمِيّ، والخاستوي، وَغَيْرِهَا، وَكُلُّ شَيْئَيْنِ اتَّفَقَا فِي الْجِنْسِ؛ ثَبَتَ فِيهِمَا حُكْمُ الشَّرْعِ بِتَحْرِيمِ التَّفَاضُلِ، وَإِنْ اخْتَلَفَتْ الْأَنْوَاعُ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «التَّمْرُ بِالتَّمْرِ مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ مِثْلًا بِمِثْلٍ» الْحَدِيثُ بِتَمَامِهِ، فَاعْتَبَرَ الْمُسَاوَاةَ فِي جِنْسِ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ، وَالْبُرِّ بِالْبُرِّ. ثُمَّ قَالَ: «فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ؛ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ»، وَفِي لَفْظٍ: «فَإِذَا اخْتَلَفَ الْجِنْسَانِ؛ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ»، وَفِي لَفْظٍ: «إلَّا مَا اخْتَلَفَتْ أَلْوَانُهُ»، وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلِمْنَاهُ فِي وُجُوبِ الْمُسَاوَاةِ فِي التَّمْرِ بِالتَّمْرِ، وَسَائِرِ مَا ذُكِرَ فِي الْخَبَرِ، مَعَ اتِّفَاقِ الْأَنْوَاعِ، وَاخْتِلَافِهَا. اهـ «المغني» (٦/ ٧٦ - ٧٧).
مسألة [٢]: قوله في الحديث: وقال في الميزان مثل ذلك .
استدل بهذا الحديث من قال: إنَّ علة تحريم الذهب والفضة هو الوزن، وقالوا: معنى الحديث: (وقال في الموزون مثل ذلك)؛ إذ أنَّ الميزان نفسه لا يجري فيه الربا ولا يتعلق به الحكم.
стр. 3069
وقد ذكر النووي عن ذلك ثلاثة أجوبة:
أحدها: جواب البيهقي أنَّ قوله: «وَكَذَلِكَ المِيزَانُ» موقوف على أبي سعيد.
الثاني: جواب القاضي أبي الطيب وآخرين أنَّ ظاهر الحديث غير مراد؛ فإنَّ الميزان نفسه لا ربا فيه، وأضمرتم فيه الموزون، ودعوى العموم في المضمرات لا يصح.
الثالث: أن يحمل الموزون على الذهب، والفضة؛ جمعًا بين الأدلة.
قلتُ: وهذا الأخير هو أقوى الأجوبة، وارتضاه السبكي في «تكملة المجموع» فقال: المراد بذلك استواء الوزن في الأشياء التي بُيِّنَ الربا فيها في أحاديث أُخَر. اهـ
وهو جواب ابن حزم أيضًا حيث قال: طلبنا فوجدنا حديث عبادة بن الصامت، وحديث أبي بكرة، وحديث أبي هريرة قد بين فيها مراده ﵇ بقوله هاهنا: «إنه لا يحل الذهب بالذهب إلا وزنًا بوزن، ولا الفضة بالفضة إلا وزنًا بوزن» (١)، فقطعنا أنَّ هذا هو مراد رسول الله ﷺ بقوله: «وكذلك الميزان».اهـ (٢)
стр. 3070
٨٢٢ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِاللهِ ﵄، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الصُّبْرَةِ مِنَ التَّمْرِ لَا يُعْلَمُ مَكِيلُهَا بِالكَيْلِ المُسَمَّى مِنَ التَّمْرِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: بيع الصنف الربوي بجنسه جزافًا .
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٦/ ٧٠): وَلَوْ بَاعَ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ جُزَافًا، أَوْ كَانَ جُزَافًا مِنْ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ؛ لَمْ يَجُزْ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ إذَا كَانَا مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ؛ وَذَلِكَ لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ الله ﷺ عَنْ بَيْعِ الصُّبْرَةِ مِنْ التَّمْرِ لَا يُعْلَمُ مَكِيلُهَا، بِالْكَيْلِ الْمُسَمَّى مِنْ التَّمْرِ. وَفِي قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَزْنًا بِوَزْنٍ» إلَى تَمَامِ الْحَدِيثِ، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ إلَّا كَذَلِكَ، وَلِأَنَّ التَّمَاثُلَ شَرْطٌ، وَالْجَهْلُ بِهِ يُبْطِلُ الْبَيْعَ، كَحَقِيقَةِ التَّفَاضُلِ. اهـ
قلتُ: وقد استنبط أهل العلم من هذا الحديث وغيره قاعدةً وهي: (الجهل بالتساوي في الربويات كالعلم بالتفاضل).
مسألة [٢]: إذا اختلفت الأصناف فهل يجوز بيعها جزافًا ؟
• أكثر أهل العلم على جواز ذلك؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «فإذا اختلفت هذه الأصناف؛ فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد».
стр. 3071
• ومنع من ذلك بعض الحنابلة فقالوا: لا يُباع المكيل بالمكيل جزافًا، ولا الموزون بالموزون جزافًا؛ لحديث: «نهى عن بيع الطعام بالطعام مجازفة»، ولأنه بيع مكيل بمكيل أشبه الجنس الواحد.
• وذهب مالك إلى منع بيع الدنانير بالدراهم مجازفة، وأجازه في التبر والحلي. قال ابن عبد البر ﵀: أجاز أكثر العلماء بيع الذهب بالورق جزافًا، عينًا كان ذلك أو تبرًا، دراهم كانت أو دنانير، والمصُوغ وغيره في ذلك سواء؛ لأنَّ التفاضل بينهما حلال جائز، وإذا جاز الدينار بأضعافه دراهم؛ جاز الجزاف في ذلك يدًا بيد، كما يجوز القصد إلى المفاضلة بينهما يدًا بيد، وإلى هذا ذهب الشافعي، وأبو حنيفة وأصحابهما، وداود، ولم يجعلوه قِمارًا ولا غررًا. اهـ
قلتُ: وأما حديث: «نهى عن بيع الطعام بالطعام مجازفة» فلم يوجد، وقد أخرجه عبد الرزاق (٨/ ١٣١)، عن الأوزاعي، عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بلفظ: «لا يحل للرجل أن يبيع طعامًا جزافًا قد علم كيله حتى يعلم صاحبه»، وهو مُعضلٌ، والحديث على صحته مُبَيَّنٌ بحديث جابر الذي في الباب، وأما قياسهم فغير صحيح؛ لأنَّ الجنس الواحد يُشترط فيه التماثل، فلذلك لا تجوز فيه المجازفة بخلاف ما إذا اختلف الجنس؛ فإنه لا يُشترط فيه التماثل، ولكن ما يتعلق ببيع الذهب بالفضة جُزَافًا فهو محرم؛ لإنه يدخل في الغرر؛ لعدم معرفة قدر السلعة بالحرز؛ ولأن التفاوت اليسير فيها يعتبر تفاوتًا كبيرًا، والله أعلم. (١)
стр. 3072
٨٢٣ - وَعَنْ مَعْمَرِ بْنِ عَبْدِاللهِ ﵁، قَالَ: إنِّي كُنْت أَسْمَعُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «الطَّعَامُ بِالطَّعَامِ مِثْلًا بِمِثْلٍ»، وَكَانَ طَعَامُنَا يَوْمَئِذٍ الشَّعِيرَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: هل البر والشعير جنسٌ واحد، أم جنسان ؟
• أكثر أهل العلم على أنهما جنسان؛ لحديث عبادة بن الصامت المتقدم في الباب، وهو قول أحمد، وإسحاق، والشافعي، والثوري، وأصحاب الرأي وغيرهم.
ووجه الدلالة من حديث عبادة: أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ذكر البر، والشعير، وفرَّق بينهما ثم قال: «فإذا اختلفت هذه الأصناف؛ فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد».
• وذهب بعض أهل العلم إلى أنهما جنس واحد؛ لتقارب ما بينهما، وهو قول مالك، والحكم، وحماد، والليث، وأحمد في رواية، وجاء عن معمر بن عبد الله في «صحيح مسلم» أنه نهى ولده عن بيع البر بالشعير إلا مثلًا بمثل، فسئل عن ذلك؟ فقال: إني أخاف أن يضارع.
قلتُ: والقول الأول هو الصواب، وفعل معمر بن عبد الله يُحمل على أنه تورع من ذلك كما هو ظاهر قوله: إني أخاف أن يضارع. (٢)
стр. 3073
تنبيه: استدل بعض أهل العلم بحديث معمر بن عبدالله ﵁، على أنَّ علة الربا في الربويات كونها مطعومة، وتقدم أن الحديث إنما فيه ذكر وصف، والعلة مبنية على الوصف المذكور مع كونه مكيلا، أو موزونًا.
стр. 3074
فَصْلٌ فِي ذِكْرِ بَعْضِ المَسَائِل المُلْحَقَةِ
مسألة [١]: بيع الحنطة بدقيق الحنطة، أو الشعير بدقيقه .
• ذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى عدم جواز بيعها، وهو مذهب سعيد بن المسيب، والحسن، والحكم، وحماد، وأحمد، والثوري، وأبي حنيفة، ومكحول، وهو المشهور عن الشافعي، وذلك لأنَّ دقيق الحنطة هو من جنسها، ولا يحصل التماثل بالكيل؛ لأنَّ الطحن قد فرق أجزاءها، فيحصل في مكيالها دون ما يحصل من مكيال الحنطة، وإن لم يتحقق التفاضل؛ فقد جهل التماثل.
• وذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى جواز البيع، وهو قول ربيعة، ومالك، والنخعي، وقتادة، وابن شبرمة، وإسحاق، وأحمد في رواية، وأبي ثور، والأوزاعي؛ لأنهما من جنس واحد فجاز بيعهما، ويعلم التماثل في هذه الحالة بالوزن كما صرح به كثير منهم؛ لتعذر التماثل بالكيل، وأما مالك فاعتبر الكيل.
قلتُ: وهذا القول أقرب فيما إذا كان الدقيق من بُرٍّ لا يختلف مكيله عن البر الآخر في الميزان، وأما إذا كان الدقيق من بُرٍّ يختلف مكيله عن البر الآخر في الميزان؛ فلا يجوز كما قال أهل القول الأول، والله أعلم، والقول في الشعير
стр. 3075
كالقول في البر. (١)
مسألة [٢]: بيع الحنطة بالسويق .
السَّويق هو الحب إذا قُلي ثم يطحن، وقد يُضاف إليه شعير.
• ومذهب أحمد، والشافعي عدم جواز بيع الحنطة بالسويق؛ لأنَّ التماثل لا يتحقق بالكيل؛ لكونه مطحونًا قد انتشرت أجزاؤه، ولأنَّ النار قد أخذت منه شيئًا أثناء القلي.
• ومذهب مالك، وأبي ثور جواز ذلك متماثلًا ومتفاضلًا، وهو قول الظاهرية؛ لأنَّ السويق عندهم جنس آخر.
قلتُ: إن كان السويق من جنس الحنطة فقط؛ فلا يجوز بيعه إلا أن يتساويا في الوزن مما لا يختلف وزن مكيله، وإن كان مضافًا إليه شعير فهي المسألة المعروفة عند الفقهاء بـ (مد عجوة ودرهم)، وسنتكلم عليها إن شاء الله عند الحديث الآتي. (٢)
مسألة [٣]: بيع دقيقٍ من الحنطة بدقيقٍ آخر من الحنطة أو سويق بسويق .
• مذهب أحمد، وأبي حنيفة جواز ذلك بشرط تساويهما في النعومة؛ لأنهما إذا
стр. 3076
تفاوتا في النعومة تفاوتا في ثاني الحال، فيصير كبيع الحنطة بالدقيق.
• والمشهور عن الشافعي المنع من ذلك؛ لأنه يعتبر تساويهما حال الكمال، وهو حال كونها حنطة، وقد فات ذلك؛ لأنَّ أحد الدقيقين قد يكون من حنطة رزينة، والآخر من حنطة خفيفة.
قال أبو عبد الله غفر الله له: إذا كان الدقيقان من بُرٍّ لا يختلف أحدهما على الآخر حال كونه موزونًا عن حال كونه مكيلًا؛ فيجوز، وإلا فلا، والله أعلم. (١)
مسألة [٤]: بيع الدقيق بالسويق .
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٦/ ٨٢ - ٨٣): فَأَمَّا بَيْعُ الدَّقِيقِ بِالسَّوِيقِ؛ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَجُوزُ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَجْزَاءُ حِنْطَةٍ لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُهُ، فَأَشْبَهَ الدَّقِيقَ بِالدَّقِيقِ، وَالسَّوِيقَ بِالسَّوِيقِ. وَلَنَا أَنَّ النَّارَ قَدْ أَخَذَتْ مِنْ أَحَدِهِمَا؛ فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ، كَالْمَقْلِيَّةِ بِالنِّيئَةِ.
وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ، وَأَبِي يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٍ، وَأَبِي ثَوْرٍ، أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِبَيْعِ الدَّقِيقِ بِالسَّوِيقِ مُتَفَاضِلًا؛ لِأَنَّهُمَا جِنْسَانِ. وَلَنَا أَنَّهُمَا أَجْزَاءُ جِنْسٍ وَاحِدٍ؛ فَلَمْ يَجُزْ التَّفَاضُلُ بَيْنَهُمَا، كَالدَّقِيقِ مَعَ الدَّقِيقِ، وَالسَّوِيقِ. اهـ
قلتُ: الصواب -والله أعلم- هو منع ذلك؛ إلا أن يكون الدقيق من بُرٍّ لا
стр. 3077
يختلف وزن مكيله، فيجوز بشرط أن يتساويا في الوزن، والله أعلم. (١)
مسألة [٥]: بيع الدقيق بالخبز من جنسه .
• مذهب مالك، وأبي ثور، والثوري، والليث، وإسحاق، والظاهرية، وأبي حنيفة جواز ذلك؛ لأنه عند الأَوَّلَيْنِ قد صار جنسًا آخر، وعند أبي حنيفة؛ لأنه جنس ربوي خلط مع غيره. والصحيح أنَّ سبب الجواز هو مصيره بالصنعة جنسًا آخر، والله أعلم.
• ومذهب الشافعي، وأحمد عدم الجواز؛ لأنه عندهم جنس واحد، وقال بذلك عبيد الله بن الحسن، والقول الأول أقرب. (٢)
مسألة [٦]: بيع الخبز بالخبز من جنسه .
• مذهب الظاهرية، وأبي حنيفة الجواز، تماثلا، أو تفاضلا، أو نسيئة، وتعليل الظاهرية أنه قد صار جنسًا غير الأجناس الربوية، وهذا القول هو الصحيح.
• ومذهب أحمد، ومالك الجواز بشرط التماثل، وعند أحمد التماثل بالوزن، وعند مالك بالتحري، وقال بقول مالك الأوزاعي، وأبو ثور.
• ومذهب الشافعي المنع مطلقًا، لأنه مكيل يجب التساوي فيه، وتعذر كيله، فتعذرت المساواة فيه؛ فلم يجز بيعه، وهو قول عبيد الله بن الحسن، إلا أن
стр. 3078
ييبس ويدق دقًّا ناعمًا، ويُباع بالكيل، ففيه عند الشافعية قولان. (١)
تنبيه: إذا اختلف الدقيق، أو السويق، أو الخبز، بأن كان أحدهما من البر، والآخر من الشعير؛ جاز بيع بعضه ببعض متماثلًا، ومتفاضلًا.
وكذلك حب الشعير مع دقيق البر، أو حب البر مع دقيق الشعير، أو سويقه، أو خبزه، والله أعلم.
مِنْ الذَّهَب، وَلَا يَجُوز بِمِثْلِهِ وَلَا بِدُونِهِ. وَقَالَ مَالِك وَأَصْحَابه، وَآخَرُونَ: يَجُوز بَيْع السَّيْف الْمُحَلَّى بِذَهَبٍ وَغَيْره مِمَّا هُوَ فِي مَعْنَاهُ مِمَّا فِيهِ ذَهَب، فَيَجُوز بَيْعه بِالذَّهَبِ إِذَا كَانَ الذَّهَب فِي الْمَبِيع تَابِعًا لِغَيْرِهِ. وَقَدَّرُوهُ بِأَنْ يَكُون الثُّلُث فَمَا دُونه، وَقَالَ حَمَّاد بْن أَبِي سُلَيْمَان: يَجُوز بَيْعه بِالذَّهَبِ مُطْلَقًا، سَوَاء بَاعَهُ بِمِثْلِهِ مِنْ الذَّهَب أَوْ أَقَلّ أَوْ أَكْثَر.
وَهَذَا غَلَط مُخَالِف لِصَرِيحِ الْحَدِيث، وَاحْتَجَّ أَصْحَابنَا بِحَدِيثِ الْقِلَادَة، وَأَجَابَتْ الْحَنَفِيَّة بِأَنَّ الذَّهَب كَانَ فِيهَا أَكْثَر مِنْ اِثْنَيْ عَشَر دِينَارًا، وَقَدْ اِشْتَرَاهَا بِاثْنَيْ عَشَر دِينَارًا. قَالُوا: وَنَحْنُ لَا نُجِيز هَذَا، وَإِنَّمَا نُجِيز الْبَيْع إِذَا بَاعَهَا بِذَهَبٍ أَكْثَر مِمَّا فِيهَا، فَيَكُون مَا زَادَ مِنْ الذَّهَب الْمُنْفَرِد فِي مُقَابَلَة الْخَرَز وَنَحْوه مِمَّا هُوَ مَعَ الذَّهَب الْمَبِيع فَيَصِير كَعَقْدَيْنِ.
ثم استدل على بطلان هذا القول بتعليل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لَا تُبَاع حَتَّى تُفْصل».اهـ
قلتُ: قول أبي حنيفة في هذه المسألة هو رواية عن أحمد، ورجحه شيخ الإسلام، وابن عثيمين، ولكن شيخ الإسلام -وتبعه ابن عثيمين- اشترط أن تكون الزيادة في المفرد تقابل الشيء الآخر، فلو بيع عنده صاع من البر ودرهم بدرهمين، وكان ثمن الصاع من البر عبارة عن درهم، فهو يجيز ذلك؛ لأنَّ الدرهم مقابل الدرهم، والدرهم الآخر مقابل الصاع؛ لأنَّ ثمنه درهم، فالزيادة من قِبَلِ المشتري تقابل الصاع من قِبَل البائع.
أما لو بيع عنده صاع من البر، ودرهم بخمسة دراهم، وسعر الصاع درهم، فهو لا يجيز ذلك؛ لأنَّ الصاع سيكون مقابل أربعة دراهم، فهذا يدل على أنَّ هناك
стр. 3081
حيلة، فشيخ الإسلام يقول بقول الحنفية، لكن بشرط أن تكون الزيادة في مقابل الشيء المخلوط.
قلتُ: مذهب الجمهور هو الصواب، وهو عدم جواز ذلك، وقال به ابن المنذر، وهو فتوى اللجنة الدائمة برئاسة ابن باز، وعضوية آل الشيخ، والغدَيَّان، والفوزان، وبكر أبو زيد ﵏.
ويدل عليه عموم الأحاديث: «مثلًا بمثل» «سواء بسواء» «وزنًا بوزن» وحديث القلادة يحتمل فيه ما ذكره النووي، ويحتمل أنه منعه من ذلك؛ لأنه كان جاهلًا بمقدار الذهب فيها والجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل فيما يُشترط فيه التماثل. (١)
تنبيه: قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٦/ ٩٦): وإن باع ما فيه الربا بغير جنسه، ومعه من جنس ما بيع به إلا أنه غير مقصود، كدار مموه سقفها بالذهب؛ جاز، ولا أعلم فيه خلافًا.
قلتُ: وقد خالف بعض الشافعية فيما إذا كان التمويه بحيث إذا نحت يخرج منه شيءٌ، فقالوا: لا يصح. والأصح عندهم صحة البيع. (٢)
مسألة [٢]: ما حكم بيع الفضة مع سلعة أخرى بذهب ؟
• ذهب إلى الجواز طائفة من أهل العلم، منهم: الثوري، والشافعي، وأحمد،
стр. 3082
وإسحاق، وابن المنذر، وهو مقتضى قول أبي حنيفة.
• وللشافعي قول بالمنع من ذلك؛ لأنه جمع بين بيع، وصرف.
• وقال مالك: إذا كانت الدراهم يسيرة جاز.
قلتُ: والقول بالجواز هو الصحيح؛ ولا دليل يمنع من الجمع بين شراء شيئين بثمن واحد، ولكن يشترط أن يبين ثمن السلعة، وثمن الفضة؛ حتى لا يحصل الغرر والجهالة، والله أعلم. (١)
مسألة [٣]: بيع الحلي المصنع بجنسه من الدنانير، أو الفضة هل يجوز فيه التفاضل، أم لا ؟
• جمهور العلماء على عدم جواز ذلك؛ لعموم الأدلة في تحريم التفاضل في بيع الذهب بعضه ببعض، أو الفضة بعضها ببعض، وهو يشمل ما كان مضروبًا، أو مصبوغًا، أو تبرًا، واستدلوا أيضًا بحديث القلادة الذي في هذا الباب. وهذا ترجيح الإمام ابن باز مع غيره من هيئة كبار العلماء، ورجَّحه الإمام ابن عثيمين أيضًا.
وقد جاء هذا القول عن ابن عمر ﵄، أخرجه مالك في «الموطإ» (٢/ ٦٣٣)، ومن طريقه عبد الرزاق (٨/ ١٢٥)، عن حميد بن قيس، عن مجاهد، أنَّ صائغًا سأل ابن عمر فقال: يا أبا عبد الرحمن، إني أصوغ الذهب، ثم أبيع الشيء من ذلك بأكثر من وزنه، فأستفضل من ذلك قدر عمل يدي؟ فنهاه عبد الله عن ذلك، فجعل الصائغ يردد عليه المسألة، وعبد الله ينهاه، حتى انتهى إلى باب المسجد، أو
стр. 3083
إلى دابة يريد أن يركبها، ثم قال عبد الله بن عمر: الدينار بالدينار، والدرهم بالدرهم، لا فضل بينهما، هذا عهد نبينا إلينا، وعهدنا إليكم. اهـ وإسناده صحيح.
• وذهب شيخ الإسلام، وابن القيم رحمة الله عليهما إلى جواز ذلك، وقال المرداوي في «الإنصاف»: وعليه عمل الناس اليوم. وتوسَّع ابن القيم في الدفاع عن ذلك في «أعلام الموقعين» (٢/ ١٣٩ - ١٤٥).
قال ابن القيم ﵀: فَالْعَاقِلُ لَا يَبِيعُ هَذِهِ يعني الحلي المصنعة بِوَزْنِهَا مِنْ جِنْسِهَا؛ فَإِنَّهُ سَفَهٌ، وَإِضَاعَةٌ لِلصَّنْعَةِ.
قال: فَإِمَّا أَنْ يُقَالَ: لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا بِجِنْسِهَا أَلْبَتَّةَ، بَلْ يَبِيعُهَا بِجِنْسٍ آخَرَ، وَفِي هَذَا مِنْ الْحَرَجِ وَالْعُسْرِ وَالْمَشَقَّةِ مَا تَتَّقِيهِ الشَّرِيعَةُ ... ، وَإِمَّا أَنْ يَجُوزُ بَيْعُهَا كَمَا تُبَاعُ السِّلَعُ مُتَفَاضِلَة. اهـ
والجواب عن هذا: أنَّ هذا نظر واستحسان في مقابلة النص، وهو حديث فضالة ابن عبيد المتقدم مع أثر ابن عمر ﵄.
قال ابن القيم ﵀: الْحُلِي صَارَ بِالصِّنْعَة مِنْ جِنْسِ الثِّيَابِ، لَا مِنْ جِنْسِ الْأَثْمَانِ، وَلِهَذَا لَمْ تَجِبْ فِيهَا الزَّكَاةُ، فَلَا يَجْرِي الرِّبَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْأَثْمَانِ كَمَا لَا يَجْرِي بَيْنَ الْأَثْمَانِ وَبَيْنَ سَائِرِ السِّلَعِ. اهـ
والجواب عن هذا أن يقال: إنَّ الأدلة كثيرة في تحريم التفاضل بين الذهب عمومًا، فقصره على ما كان أثمانًا يحتاج إلى دليل، بل يعكس استدلاله ويقال:
стр. 3084
حديث فضالة ﵁ يدل على أنَّ العلة ليست مقصورة بالثمنية، بل العلة بالثمنية، أو بكونه ذهبًا وفضًة، وقد تقدم الكلام على تحرير العلة في هذه المسالة.
وقوله ﵀: (ولهذا لم تجب فيه الزكاة) استدلال منه بما فيه نزاع، بل بمحل النزاع؛ فإنَّ المخالف يقول: هو ذهب؛ فيلزم فيه الزكاة.
قال ﵀: وربا الفضل إنما حرم سدًّا للذريعة، فيباح للحاجة.
والجواب عن هذا: أنْ يقال: لو سلمنا أنَّ ربا الفضل كما قيل (حُرِّمَ سدًّا للذريعة فيباح؛ للحاجة)، فنقول: الحاجة إذا لم يعتبرها الشرع فكيف لنا أن نعتبرها؛ فالنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يعتبر ذلك في حديث القلادة، واعتبر الحاجة في العرايا، فنحن نعتبرها كذلك في العرايا.
قال ﵀: فإن قيل: الصفات لا تقابل بالزيادة؛ ولو قوبلت بها لجاز بيع الفضة الجيدة بأكثر منها من الرديئة، وبيع التمر الجيد بأزيد منه من الرديء، وَلَمَّا أبطل الشارع ذلك عُلِم أنه منع من مقابلة الصفات بالزيادة. قيل: الفرق بين الصنعة التي هي أثر فعل الآدمي، وتقابل بالأثمان، ويستحق عليها الأجرة، وبين الصفة التي هي مخلوقة لله لا أثر للعبد فيها ولا هي من صنعته. اهـ
والجواب عنه أن يقال له: أولًا: يُحتاج إلى دليل لبيان أنَّ هذا التفريق معتبر عند الشارع في تحريم الربا.
ثانيًا: ينتقض قوله في بيع الدراهم، والدنانير المضروبة إذا بيعت بالسبائك،
стр. 3085
وقد أجاب عن هذا الاعتراض بأنَّ الدراهم المضروبة من صنع السلطان لمصلحة الناس عامة، وذلك من صنع آدمي لمصلحة نفسه، وهذا التفريق أيضًا يحتاج إلى دليل على اعتباره في الشرع، والأدلة الواردة في تحريم بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة عامة ترد هذا التفصيل.
وقد أقرَّ بذلك ابن القيم ﵀، لكنه قال: ولا ينكر تخصيص العام وتقييد المطلق بالقياس الجلي.
ويجاب عنه: بأنه لا قياس في مقابلة النص، وهو حديث القلادة.
وقد ذكر ابن القيم بعض الحجج الأخرى، والذي ذكرناه هو أقوى ما ذُكر، وبالله التوفيق.
قال الإمام العثيمين ﵀ كما في «مجموع دروس وفتاوى الحرم المكي» (٣/ ١٩٦): وأما ما ذهب إليه شيخ الإسلام ﵀، وتلميذه ابن القيم في جواز أخذ الزيادة في مقابلة الصنعة؛ فإنه قول ضعيف فيما نرى؛ لأنه قياس في مقابلة النص. اهـ (١)
فائدة: نقل عن الإمام مالك أنه جوَّز بيع الدراهم والدنانير المضروبة بأكثر من وزنها ذهبًا وفضةً، وأنكر جماعة من أصحابه صحة ذلك عن مالك، ونفوه عنه.
ومنع من ذلك عمر بن عبد العزيز، والشافعي، وابن المنذر. وهو الصحيح. (٢)