حيلة، فشيخ الإسلام يقول بقول الحنفية، لكن بشرط أن تكون الزيادة في مقابل الشيء المخلوط.
قلتُ: مذهب الجمهور هو الصواب، وهو عدم جواز ذلك، وقال به ابن المنذر، وهو فتوى اللجنة الدائمة برئاسة ابن باز، وعضوية آل الشيخ، والغدَيَّان، والفوزان، وبكر أبو زيد ﵏.
ويدل عليه عموم الأحاديث: «مثلًا بمثل» «سواء بسواء» «وزنًا بوزن» وحديث القلادة يحتمل فيه ما ذكره النووي، ويحتمل أنه منعه من ذلك؛ لأنه كان جاهلًا بمقدار الذهب فيها والجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل فيما يُشترط فيه التماثل. (١)
تنبيه: قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٦/ ٩٦): وإن باع ما فيه الربا بغير جنسه، ومعه من جنس ما بيع به إلا أنه غير مقصود، كدار مموه سقفها بالذهب؛ جاز، ولا أعلم فيه خلافًا.
قلتُ: وقد خالف بعض الشافعية فيما إذا كان التمويه بحيث إذا نحت يخرج منه شيءٌ، فقالوا: لا يصح. والأصح عندهم صحة البيع. (٢)
مسألة [٢]: ما حكم بيع الفضة مع سلعة أخرى بذهب ؟
• ذهب إلى الجواز طائفة من أهل العلم، منهم: الثوري، والشافعي، وأحمد،
стр. 3082
وإسحاق، وابن المنذر، وهو مقتضى قول أبي حنيفة.
• وللشافعي قول بالمنع من ذلك؛ لأنه جمع بين بيع، وصرف.
• وقال مالك: إذا كانت الدراهم يسيرة جاز.
قلتُ: والقول بالجواز هو الصحيح؛ ولا دليل يمنع من الجمع بين شراء شيئين بثمن واحد، ولكن يشترط أن يبين ثمن السلعة، وثمن الفضة؛ حتى لا يحصل الغرر والجهالة، والله أعلم. (١)
مسألة [٣]: بيع الحلي المصنع بجنسه من الدنانير، أو الفضة هل يجوز فيه التفاضل، أم لا ؟
• جمهور العلماء على عدم جواز ذلك؛ لعموم الأدلة في تحريم التفاضل في بيع الذهب بعضه ببعض، أو الفضة بعضها ببعض، وهو يشمل ما كان مضروبًا، أو مصبوغًا، أو تبرًا، واستدلوا أيضًا بحديث القلادة الذي في هذا الباب. وهذا ترجيح الإمام ابن باز مع غيره من هيئة كبار العلماء، ورجَّحه الإمام ابن عثيمين أيضًا.
وقد جاء هذا القول عن ابن عمر ﵄، أخرجه مالك في «الموطإ» (٢/ ٦٣٣)، ومن طريقه عبد الرزاق (٨/ ١٢٥)، عن حميد بن قيس، عن مجاهد، أنَّ صائغًا سأل ابن عمر فقال: يا أبا عبد الرحمن، إني أصوغ الذهب، ثم أبيع الشيء من ذلك بأكثر من وزنه، فأستفضل من ذلك قدر عمل يدي؟ فنهاه عبد الله عن ذلك، فجعل الصائغ يردد عليه المسألة، وعبد الله ينهاه، حتى انتهى إلى باب المسجد، أو
стр. 3083
إلى دابة يريد أن يركبها، ثم قال عبد الله بن عمر: الدينار بالدينار، والدرهم بالدرهم، لا فضل بينهما، هذا عهد نبينا إلينا، وعهدنا إليكم. اهـ وإسناده صحيح.
• وذهب شيخ الإسلام، وابن القيم رحمة الله عليهما إلى جواز ذلك، وقال المرداوي في «الإنصاف»: وعليه عمل الناس اليوم. وتوسَّع ابن القيم في الدفاع عن ذلك في «أعلام الموقعين» (٢/ ١٣٩ - ١٤٥).
قال ابن القيم ﵀: فَالْعَاقِلُ لَا يَبِيعُ هَذِهِ يعني الحلي المصنعة بِوَزْنِهَا مِنْ جِنْسِهَا؛ فَإِنَّهُ سَفَهٌ، وَإِضَاعَةٌ لِلصَّنْعَةِ.
قال: فَإِمَّا أَنْ يُقَالَ: لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا بِجِنْسِهَا أَلْبَتَّةَ، بَلْ يَبِيعُهَا بِجِنْسٍ آخَرَ، وَفِي هَذَا مِنْ الْحَرَجِ وَالْعُسْرِ وَالْمَشَقَّةِ مَا تَتَّقِيهِ الشَّرِيعَةُ ... ، وَإِمَّا أَنْ يَجُوزُ بَيْعُهَا كَمَا تُبَاعُ السِّلَعُ مُتَفَاضِلَة. اهـ
والجواب عن هذا: أنَّ هذا نظر واستحسان في مقابلة النص، وهو حديث فضالة ابن عبيد المتقدم مع أثر ابن عمر ﵄.
قال ابن القيم ﵀: الْحُلِي صَارَ بِالصِّنْعَة مِنْ جِنْسِ الثِّيَابِ، لَا مِنْ جِنْسِ الْأَثْمَانِ، وَلِهَذَا لَمْ تَجِبْ فِيهَا الزَّكَاةُ، فَلَا يَجْرِي الرِّبَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْأَثْمَانِ كَمَا لَا يَجْرِي بَيْنَ الْأَثْمَانِ وَبَيْنَ سَائِرِ السِّلَعِ. اهـ
والجواب عن هذا أن يقال: إنَّ الأدلة كثيرة في تحريم التفاضل بين الذهب عمومًا، فقصره على ما كان أثمانًا يحتاج إلى دليل، بل يعكس استدلاله ويقال:
стр. 3084
حديث فضالة ﵁ يدل على أنَّ العلة ليست مقصورة بالثمنية، بل العلة بالثمنية، أو بكونه ذهبًا وفضًة، وقد تقدم الكلام على تحرير العلة في هذه المسالة.
وقوله ﵀: (ولهذا لم تجب فيه الزكاة) استدلال منه بما فيه نزاع، بل بمحل النزاع؛ فإنَّ المخالف يقول: هو ذهب؛ فيلزم فيه الزكاة.
قال ﵀: وربا الفضل إنما حرم سدًّا للذريعة، فيباح للحاجة.
والجواب عن هذا: أنْ يقال: لو سلمنا أنَّ ربا الفضل كما قيل (حُرِّمَ سدًّا للذريعة فيباح؛ للحاجة)، فنقول: الحاجة إذا لم يعتبرها الشرع فكيف لنا أن نعتبرها؛ فالنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يعتبر ذلك في حديث القلادة، واعتبر الحاجة في العرايا، فنحن نعتبرها كذلك في العرايا.
قال ﵀: فإن قيل: الصفات لا تقابل بالزيادة؛ ولو قوبلت بها لجاز بيع الفضة الجيدة بأكثر منها من الرديئة، وبيع التمر الجيد بأزيد منه من الرديء، وَلَمَّا أبطل الشارع ذلك عُلِم أنه منع من مقابلة الصفات بالزيادة. قيل: الفرق بين الصنعة التي هي أثر فعل الآدمي، وتقابل بالأثمان، ويستحق عليها الأجرة، وبين الصفة التي هي مخلوقة لله لا أثر للعبد فيها ولا هي من صنعته. اهـ
والجواب عنه أن يقال له: أولًا: يُحتاج إلى دليل لبيان أنَّ هذا التفريق معتبر عند الشارع في تحريم الربا.
ثانيًا: ينتقض قوله في بيع الدراهم، والدنانير المضروبة إذا بيعت بالسبائك،
стр. 3085
وقد أجاب عن هذا الاعتراض بأنَّ الدراهم المضروبة من صنع السلطان لمصلحة الناس عامة، وذلك من صنع آدمي لمصلحة نفسه، وهذا التفريق أيضًا يحتاج إلى دليل على اعتباره في الشرع، والأدلة الواردة في تحريم بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة عامة ترد هذا التفصيل.
وقد أقرَّ بذلك ابن القيم ﵀، لكنه قال: ولا ينكر تخصيص العام وتقييد المطلق بالقياس الجلي.
ويجاب عنه: بأنه لا قياس في مقابلة النص، وهو حديث القلادة.
وقد ذكر ابن القيم بعض الحجج الأخرى، والذي ذكرناه هو أقوى ما ذُكر، وبالله التوفيق.
قال الإمام العثيمين ﵀ كما في «مجموع دروس وفتاوى الحرم المكي» (٣/ ١٩٦): وأما ما ذهب إليه شيخ الإسلام ﵀، وتلميذه ابن القيم في جواز أخذ الزيادة في مقابلة الصنعة؛ فإنه قول ضعيف فيما نرى؛ لأنه قياس في مقابلة النص. اهـ (١)
فائدة: نقل عن الإمام مالك أنه جوَّز بيع الدراهم والدنانير المضروبة بأكثر من وزنها ذهبًا وفضةً، وأنكر جماعة من أصحابه صحة ذلك عن مالك، ونفوه عنه.
ومنع من ذلك عمر بن عبد العزيز، والشافعي، وابن المنذر. وهو الصحيح. (٢)
стр. 3086
فَصْلٌ فِي بَعْضِ المَسَائِلِ المُتَعَلّقَةِ بِالصَّرْف
الصَّرْفُ: هو بيع النقد بالنقد؛ اتَّحَدَّ الجنس، أو اختلف، أي: بيع الأثمان بعضها ببعض، وعند الشافعية تسميته إذا اتَّحد الجنس (مراطلة). (١)
مسألة [١]: هل التقابض شرط لصحة الصرف ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٦/ ١١٢): وَالْقَبْضُ فِي الْمَجْلِسِ شَرْطٌ لِصِحَّتِهِ بِغَيْرِ خِلَافٍ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْمُتَصَارِفَيْنِ إذَا افْتَرَقَا قَبْلَ أَنْ يَتَقَابَضَا، أَنَّ الصَّرْفَ فَاسِدٌ. وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : «الذَّهَبُ بِالْوَرِقِ رِبًا إلَّا هَاءَ وَهَاءَ»، وَقَوْلُهُ ﵇: «بِيعُوا الذَّهَبَ بِالْفِضَّةِ كَيْفَ شِئْتُمْ يَدًا بِيَدٍ»، وَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ بَيْعِ الذَّهَبِ بِالْوَرِقِ دَيْنًا، وَنَهَى أَنْ يُبَاعَ غَائِبٌ مِنْهَا بِنَاجِزٍ (٢). اهـ
قلتُ: نقل النووي عن إسماعيل ابن عُلَيَّةَ أنه أجاز التفرق من غير تقابض كما في «شرح مسلم». (٣)
стр. 3087
قال أبو عبد الله غفر الله له: ويلتحق بذلك شراء الذهب، أو الفضة بالأوراق المالية، وكذا صرف أنواع الأوراق المالية بعضها مع بعض، فيشترط فيه التقابض، وبالله التوفيق.
مسألة [٢]: هل يُشترط في القبض الفورية أم هو على التراخي ماداما في المجلس لم يتفرقا ؟
• ذهب مالك، والظاهرية إلى أنه على الفور، ورجَّح ذلك الشنقيطي، واستدلوا بحديث عمر بن الخطاب ﵁ في «الصحيحين»، وفيه: «إلا هاء وهاء»، وقالوا: معناه: حصول التسليم من الجانبين وعدم التأخير.
واستدلوا بحديث عمر بن الخطاب مع طلحة بن عبيد الله في سبب الحديث المذكور، ففيه: أن مالك بن أوس بن الحدثان قال: أقبلت أقول: من يصطرف الدراهم؟ فقال طلحة ابن عبيد الله وهو عند عمر بن الخطاب: أرِنا ذهبك، ثم ائتنا إذا جاء خادمنا نعطك ورقك. فقال عمر: كلا والله، لتعطينه ورقه، أو لتردَنَّ إليه ذهبه، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الذهب بالورق ربا؛ إلا هاء وهاء». (١)
• وذهب جمهور العلماء إلى أنَّ القبض على التراخي، ومال إلى ذلك الشوكاني في «النيل»، ولكن لا يتفرقا من المجلس حتى يتقابضا، واستدلوا برواية البخاري في حديث عمر ﵁ السابق، قال عمر: والله، لا تفارقه حتى تأخذ منه.
واستدلوا بأثر عمر بإسناد صحيح في «مصنف عبدالرزاق» (٨/ ١١٦)،
стр. 3088
و «موطإ مالك» (٢/ ٦٣٤، ٦٣٥) أنه قال: إذا صرف أحدكم من صاحبه، فلا يفارقه حتى يأخذها، وإن استنظره حتى يدخل بيته؛ فلا ينظره، فإني أخاف عليكم الربا.
وقالوا: الأدلة جاءت بوجوب المقابضة وتحريم النسيئة، وليس في الأدلة تحريم التراخي، وقوله: «هاء وهاء» يدل على وجوب التقابض لا على وجوب الفورية.
قلتُ: وهذا القول هو الصواب، ومقصودنا بمجلس العقد هو مكان التبايع، سواء كانا جالسين، أو ماشيين، أو راكبين، ومرادنا بالتفرق ما عدَّه الناس في العرف تفرُّقًا. (١)
مسألة [٣]: إذا صارف رجلٌ آخرَ فأعاد إليه ما يقابل نصف ما قدمه فهل يبطل الصرف كاملا، أم يصح فيما أعطاه ؟
• مذهب مالك، والشافعي، والظاهرية وهو وجه عند الحنابلة أنه إذا لم يقبض البعض حتى افترقا؛ فإنَّ الصرف كله باطل؛ لأنه وقع صرف من غير تقابض.
• وذهب أبو حنيفة وصاحباه وهو أحد الوجهين عند الحنابلة إلى أنَّ الصرف يصح في المقبوض، ويبطل فيما لم يقبض، وهو اختيار النووي، والروياني من الشافعية، ومال إلى هذا الإمام ابن عثيمين ﵀.
стр. 3089
قال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول هو الصواب؛ إلا أن يكون المصطرف والصارف قصدا الصرف لذلك البعض فقط، وترك المصطرف الباقي عند الصارف وديعة؛ فهذا جائزٌ، ولعل الشيخ ابن عثيمين ﵀ أراد هذه الصورة، والله أعلم. (١)
مسألة [٤]: هل يجوز للمصطرف أن يدفع إلى الصارف دينارًا ويصرف منه نصف دينار بخمسة دراهم، ويجعل النصف الآخر عنده وديعة ؟
• ذكر بعض أهل العلم جواز هذه الصورة؛ لأنه يحصل في ذلك التقابض والاستيفاء، وقد نصَّ على جواز ذلك الشافعي، وابن قدامة وغيرهما.
• ومنع من ذلك الإمام مالك؛ لأن نصف الدينار لم يتميز.
قلتُ: القول بالمنع من ذلك أقرب؛ لأنه على هذه الحال قد صرف الدينار أيضًا إلى نصفين بدون مقابضة، والله أعلم. (٢)
مسألة [٥]: هل في الصرف خيار ؟
أما خيار العيب فلا نعلم أحدًا منع من ذلك في الجملة.
• وأما خيار المجلس: فالجمهور على ثبوته؛ لأنَّ الصرف من أنواع البيوع كما تدل عليه الأحاديث الكثيرة في تحريم بيع الذهب بالفضة، وعن أحمد رواية
стр. 3090
بعدم ثبوت خيار المجلس في الصرف، والصحيح قول الجمهور.
• وأما خيار الشرط: فالجمهور على المنع؛ لأنَّ موضوع الصرف أن لا يبقى بينهما علقة بعد التفرق، بدليل اشتراط التقابض.
• ومذهب أبي ثور جواز ذلك، وهو اختيار شيخ الإسلام، ورجَّحه الشوكاني، ثم الإمام ابن عثيمين، بشرط أن يتقابضا؛ لأنه ليس هناك دليل يمنع ذلك إذا تقابضا، والمسلمون على شروطهم، وهذا القول هو الصواب، والله أعلم. (١)
مسألة [٦]: دفع العربون في شراء الذهب .
إذا اعتبر بالعربون أنَّ العقد قد تم، فلا يجوز؛ لأنَّ من شرط هذا البيع التقابض لجميع المال، وإذا اعتبر أنه وديعة والتزام بدفع المال في حينه وإبرام العقد بعد دفع المال كاملًا بسعره في ذلك الوقت؛ فيجوز.
مسألة [٧]: لو دفع رجل ألف دولار والألف صرفها مثلا مائة وثمانون ألفًا فيأخذ ذهبًا بما يوازي مائة وخمسين ألفًا، فما الحكم في المال المتبقي ؟
هذا جائزٌ، ولا بأس أن يستلم الباقي، لكن يبقى الباقي بالدولار، وإذا جاء اليوم الثاني وأراد أن يأخذ الدولارات الباقية، فهل يشترط إذا أراد صرفها أن يستلم الدولارات أولًا، ثم يصرف؟
стр. 3091
الجواب: لا يُشترط؛ فإن كانت الدولارات موجودة باقية، فيجوز أن يأخذ ما يعادلها من الريال اليمني.
مسألة [٨]: هل يُشترط في الصرف حضور العينين أم يصح ولو كانا غائبين، ثم يرسلان إليها ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٦/ ١٠٤): يَعْنِي اصْطَرَفَا فِي الذِّمَّةِ، نَحْوُ أَنْ يَقُولَ: بِعْتُك دِينَارًا مِصْرِيًّا بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ. فَيَقُولُ الْآخَرُ: قَبِلْت. فَيَصِحُّ الْبَيْعُ، سَوَاءٌ كَانَتْ الدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ عِنْدَهُمَا، أَوْ لَمْ يَكُونَا، إذَا تَقَابَضَا قَبْلَ الِافْتِرَاقِ، بِأَنْ يَسْتَقْرِضَا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ. وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ. وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ: لَا يَجُوزُ الصَّرْفُ؛ إلَّا أَنْ تَكُونَ الْعَيْنَانِ حَاضِرَتَيْنِ. وَعَنْهُ: لَا يَجُوزُ حَتَّى تَظْهَرَ إحْدَى الْعَيْنَيْنِ وَتُعَيَّنَ. وَعَنْ زُفَرَ مِثْلُهُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا تَبِيعُوا غَائِبًا مِنْهَا بِنَاجِزٍ»، وَلِأَنَّهُ إذَا لَمْ يُعَيَّنْ أَحَدُ الْعِوَضَيْنِ؛ كَانَ بَيْعَ دَيْنٍ بِدِينٍ، وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ.
وَلَنَا: أَنَّهُمَا تَقَابَضَا فِي الْمَجْلِسِ؛ فَصَحَّ كَمَا لَوْ كَانَا حَاضِرَيْنِ، وَالْحَدِيثُ يُرَادُ بِهِ أَنْ لَا يُبَاعَ عَاجِلٌ بِآجِلٍ، أَوْ مَقْبُوضٌ بِغَيْرِ مَقْبُوضٍ؛ بِدَلِيلِ مَا لَوْ عَيَّنَ أَحَدَهُمَا؛ فَإِنَّهُ يَصِحُّ، وَإِنْ كَانَ الْآخَرُ غَائِبًا، وَالْقَبْضُ فِي الْمَجْلِسِ يَجْرِي مَجْرَى الْقَبْضِ حَالَةَ الْعَقْدِ، أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِهِ: «عَيْنًا بِعَيْنٍ»، «يَدًا بِيَدٍ»، وَالْقَبْضُ يَجْرِي فِي الْمَجْلِسِ، كَذَا التَّعَيُّنُ. اهـ
قال أبو عبد الله غفر الله له: قول الجمهور هو الصواب، والله أعلم؛ لما ذكره ابن قدامة ﵀.
стр. 3092
مسألة [٩]: هل يصح أن يتصارفا في مجلس، ثم يقومان جميعًا إلى مجلس آخر ليقابضه ؟
قال الإمام ابن المنذر ﵀ في «الأوسط» (١٠/ ١٩٧): وقال مالك: لا خير في أن يواجبه على دراهم معه، ثم يصير معه إلى الصيارفة؛ لينقده، وكان الشافعي يقول: لا بأس أن يصطحبا من مجلسهما إلى غيره؛ ليوفيه؛ لأنهما حينئذ لم يتفرقا. اهـ
قال أبو عبد الله غفر الله له: بقول الشافعي أقول؛ لأنهما لم يتفرقا؛ فهما في حكم مجلس واحد، كما لو تبايعا، وهما يمشيان في سفر، والله أعلم.
مسألة [١٠]: إذا كان لرجل في ذمة رجل ذهبٌ فجاء وقضاه دراهمَ، فهل يصح ؟
هذه المسألة تُعتبر مصارفة بعين وذمة حاضرين، وقد تقدم الكلام على هذه المسألة عند حديث ابن عمر ﵄: «لَا بَأْسَ أَنْ تَأْخُذَهَا بِسِعْرِ يَوْمِهَا مَا لَمْ تَفْتَرِقَا وَبَيْنَكُمَا شَيْءٌ»، فراجع ذلك تحت حديث رقم (٧٨٨).
مسألة [١١]: إذا كان لرجل على آخر دراهم، وللآخر عليه دنانير فاصطرفا بما في ذمتهما، فهل يجوز ذلك ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٦/ ١٠٦): إذَا كَانَ لِرَجُلٍ فِي ذِمَّةِ رَجُلٍ ذَهَبٌ، وَلِلْآخَرِ عَلَيْهِ دَرَاهِمُ، فَاصْطَرَفَا بِمَا فِي ذِمَّتِهِمَا؛ لَمْ يَصِحَّ، وَبِهَذَا قَالَ اللَّيْثُ، وَالشَّافِعِيُّ.
стр. 3093
وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ مَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ جَوَازَهُ؛ لِأَنَّ الذِّمَّةَ الْحَاضِرَةَ كَالْعَيْنِ الْحَاضِرَةِ، وَلِذَلِكَ جَازَ أَنْ يَشْتَرِيَ الدَّرَاهِمَ بِدَنَانِيرَ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ. اهـ
ثم استدل ابن قدامة على تحريم ذلك بأنَّ هذا بيعُ دين بدين، وقد أجمعوا على عدم جواز ذلك.
قلتُ: والذي يظهر لي أن قول مالك، وأبي حنيفة، أرجح؛ لأنَّ هذه الصورة ليس فيها محظور، وبيع الدين بالدين الذي أجمعوا على تحريمه سيأتي بيان صوره في آخر هذا الباب إن شاء الله تعالى، والله أعلم.
مسألة [١٢]: إذا اشترى ذهبًا أو فضةً بشيك فهل يعتبر هذا تقابضًا أم لا ؟
بعض أهل العلم أجاز ذلك لحاجة الناس إلى ذلك، وهذه فتوى الإمام ابن باز مع أعضاء اللجنة، ومنع من ذلك الإمام ابن عثيمين ﵀، فقال: لا يجوز التعامل في بيع الذهب والفضة بالشيكات، وذلك لأنَّ الشيكات ليست قبضًا، وإنما هي وثيقة حوالة فقط، بدليل أنَّ هذا الذي أخذ الشيك لو ضاع منه؛ لرجع إلى الذي أعطاه إياه، ولو كان قبضًا؛ لم يرجع.
قلتُ: وقول الشيخ ابن عثيمين أقرب، والله أعلم. (١)
مسألة [١٣]: الحوالات المصرفية .
صورتها: أن يأتي الإنسان إلى صاحب المصرف، ويقول: أريد تحويل ألف ريال سعودي إلى اليمن مثلًا، ولها حالتان:
стр. 3094
الأولى: أن يكون الذي في اليمن يستلمها بنفس العملة؛ فإنْ أُرسلت دراهم؛ يستلمها دراهم، وإن أُرسلت دنانير؛ يستلمها دنانير، وإن أُرسلت دولارات؛ يستلمها دولارات، وهكذا.
وهذه الصورة أجازها أهل العلم، إما على أنها حوالة بمعناها الفقهي، أو على أنها إجارة. أو على أنها شبيهة بالسُّفتجة (١)، فبعضهم كان يأخذ من أخيه مبلغًا من المال ويكتب له ورقة إلى وكيله في بلد آخر يسلمه المبلغ إذا وصل إليه، وكانوا يعملون ذلك حذرًا من قُطَّاع الطريق، واللصوص، وهذه السُفْتَجَة غالبًا لا تحصل بعمولة، إنما يريد هذا أن يستفيد من النقود، ويريد المسافر أن يأمن على ماله، فإذا كان في الحوالة يستلم نفس العملة فهي أشبه بمسألة السُفْتَجَة المعروفة عند الفقهاء.
قلتُ: وقد أجاز مسألة السفتجة الورقة شيخ الإسلام كما في «مجموع الفتاوى» (٢٩/ ٤٥٥ - ٤٥٦)، وابن القيم ﵀ كما في «أعلام الموقعين» (١/ ٣٩١)، و «تهذيب السنن» (٥/ ١٥٢ - ١٥٣).
الثانية: أن يكون الذي في اليمن يستلمها بغير العملة التي دفعها المحول، كأن يحول المحول دولارات ويستلمها المستلم ريالات يمنية، وعليه فَقِسْ.
فهنا يأتي شيءٌ من الإشكال؛ لأنه إذا استلم غير العملة يكون قد جمع بين الحوالة وبين الصرف، ومن شرط الصرف حصول التقابض في المجلس.
стр. 3095
قال ابن المنذر ﵀: وقال مالك، والأوزاعي، والشافعي: لا يجوز حوالة في صرف.
وقد أفتى شيخنا الوادعي، والشيخ ابن عثيمين بالمنع من ذلك، ونُقِل عن جماعة غيرهم الجواز، منهم: الشيخ ابن باز؛ لأن قبضه للشيك -الورقة التي فيها الضمان- من الصارف يُعتبر عندهم قبضًا.
والصحيح هو المنع من ذلك، والله أعلم. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين
مسألة [١]: التفاضل والنسيئة في غير الأجناس الربوية .
• في هذه المسألة أقوال:
الأول: يجوز التفاضل والنسيئة سواء بيع بجنسه، أو بغيره، متساويًا أو متفاضلًا، وهو قول الشافعي، وأحمد في رواية، واستدلوا بحديث عبد الله بن عمرو الذي في الباب، وبحديث جابر في «صحيح مسلم» (١٦٠٢): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- اشترى عبدًا بعبدين. وبحديث أنس في «صحيح مسلم» (١٣٦٥)(٨٧): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- اشترى صفية من دحية بسبعة أرؤس. وثبت عن ابن عمر ﵄، كما في موطأ مالك (٢/ ٥٠٥)، و «الأوسط» لابن المنذر (١٠/ ١٣٣)، أنه اشترى راحلة بأربعة مضمونة عليه يوفيها صاحبها بالربذة.
الثاني: يجوز التفاضل مطلقًا، ولا يجوز النسيئة فيما بيع بجنسه، كالحيوان بالحيوان، والثياب بالثياب، وهذا مذهب أبي حنيفة، وأحمد في رواية، واستدلوا بحديث سمرة ﵁ الذي في الباب، وهو قول مالك.
الثالث: لا يحرم النساء إلا فيما بيع بجنسه مع التفاضل، وهو رواية عن أحمد، ودليله حديث جابر الذي تقدم تخريجه تحت حديث سمرة.
стр. 3098
الرابع: يحرم النَّسَاء في كل مالٍ بيع بمال آخر، سواء كان من جنسه، أو من غير جنسه، وهي رواية عن أحمد.
لكن قال ابن قدامة: وهذه الرواية ضعيفةٌ جدًّا؛ لأنه حكم يخالف الأصل بغير نص، ولا إجماع، ولا قياس صحيح. قال: وأصح الروايات هي الأولى؛ لموافقتها الأصل، والأحاديث المخالفة لها. قال أبو عبد الله: ليس فيها حديث يعتمد عليه، ويعجبني أن يتوقاه. وذكر له حديث ابن عباس، وابن عمر ﵃ في هذا، فقال: هما مرسلان، وحديث سمرة يرويه الحسن عن سمرة، قال الأثرم: قال أبو عبد الله: لا يصح سماع الحسن من سمرة. اهـ
وقد أُجيب عن حديث سمرة مع التسليم بصحته بأنَّ المراد به النسيئة من الطرفين؛ لأنَّ اللفظ يحتمل ذلك، والنسيئة من الطرفين لا تجوز؛ لأنه يعتبر من بيع الكالئ بالكالئ، وهو لا يصح عند الجميع.
قال أبو عبد الله غفر الله لهُ: القول الأول هو الصواب في المسألة، والله أعلم. (١)
مسألة [٢]: حكم بيع اللحم بالحيوان .
• أخرج مالك في «الموطأ» (٢/ ٦٥٥) بإسنادٍ صحيحٍ عن سعيد بن المسيب: أن رسول الله ﷺ «نهى عن بيع اللحم بالحيوان». وهذا إسنادٌ ضعيفٌ مرسلٌ.
وبإسناد صحيح عنه أيضًا قال: من ميسر أهل الجاهلية بيع الحيوان باللحم
стр. 3099
بالشاة والشاتين.
وأخرج الشافعي كما في «المسند» (٢/ ١٤٥)، عن مسلم بن خالد، عن ابن جريج، عن القاسم بن أبي بزة، قال: قدمت المدينة؛ فوجدت جزورًا قد جزئت أجزاء، كل جزء منها بعناق، فأردت أن أبتاع منها جزءًا، فقال لي رجل من أهل المدينة: إن رسول الله ﷺ «نهى أن يباع حي بميت»، قال: فسألت عن ذلك الرجل، فأخبرت عنه خيرا.
وهذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ لأن مسلم بن خالد فيه ضعف، ولأن القاسم بن أبي بزة يرويه عن رجل مبهم مجهول، ولا يعلم ممن سمعه.
وأخرج الشافعي كما في «المسند» (٢/ ١٤٥) عن ابن عباس أن جزورا نحرت على عهد أبي بكر الصديق، فجاء رجل بعناق، فقال: أعطوني جزءًا بهذا العناق، فقال أبو بكر: لا يصلح هذا. وهذا إسناده واهٍ؛ في إسناده إبراهيم بن أبي يحيى الأسلمي، وهو متروك، وقد كذب.
قال الإمام البغوي ﵀ كما في «شرح السنة» (٨/ ٧٧): وكان القاسم بن محمد، وابن المسيب، وعروة بن الزبير، وأبو بكر بن عبد الرحمن، يحرمون بيع اللحم بالحيوان عاجلا وآجلا. وقال أبو الزناد: كل من أدركته من الناس ينهون عن بيع اللحم بالحيوان. وهذا قول الشافعي، سواء كان اللحم من جنس ذاك الحيوان، أو من غير جنسه، وسواء كان الحيوان مما يؤكل لحمه أو لا يؤكل.
стр. 3100
• وذهب جماعة إلى إباحة بيع اللحم بالحيوان، واختار المزني جوازه إذا لم يثبت الحديث، وكان فيه قول متقدم، ممن يكون بقوله اختلاف، لأن الحيوان ليس بمال الربا، بدليل أنه يجوز بيع حيوان بحيوانين، فبيع اللحم بالحيوان بيع مال الربا بما لا ربا فيه، فيجوز ذلك في القياس إلا أن يثبت الحديث، فنأخذ به، وندع القياس. اهـ
قال أبو عبد الله غفر الله له: وقول الشافعي هو قول مالك، وأحمد أيضًا، إلا أن مالكًا ﵀ لا يرى التحريم إلا فيما إذا بيع الحيوان بلحم من جنسه؛ تشبيهًا له بالمزابنة، ولما فيه من الغرر عنده. وأحمد عنه قولان: المنع إذا بيع بجنسه، والمنع مطلقًا، والأول الأشهر عنه.
وما اختاره المزني ﵀ هو الصحيح في المسألة؛ إذ لم يثبت الحديث الوارد في التحريم، وللمعنى الذي ذكره المزني؛ فقد جاز بيع الحيوان بالحيوان نسيئة؛ فدل على أن الحيوان ليس مما يجري فيه الربا؛ فجاز بيعه باللحم نسيئة، ويدًا بيد.
وهذا القول قال به الإمام الثوري، وهو قول أبي حنيفة، والظاهرية.
وقد اختلف القائلون بالتحريم في تمييز اللحم الذي يمنع بيعه على جهة التفاضل والنسيئة على أقوال كثيرة.
قال الإمام ابن القيم ﵀ في كتابه «أعلام الموقعين» (٢/ ١١٢): والصواب في هذا الحديث - إن ثبت - أن المراد به إذا كان الحيوان مقصودا للحم كشاة
стр. 3101
يقصد لحمها فتباع بلحم؛ فيكون قد باع لحما بلحم أكثر منه من جنس واحد، واللحم قوت موزون فيدخله ربا الفضل. وأما إذا كان الحيوان غير مقصود به اللحم كما إذا كان غير مأكول أو مأكولا لا يقصد لحمه كالفرس تباع بلحم إبل فهذا لا يحرم بيعه به، بقي إذا كان الحيوان مأكولا لا يقصد لحمه وهو من غير جنس اللحم فهذا يشبه المزابنة بين الجنسين كبيع صبرة تمر بصبرة زبيب، وأكثر الفقهاء لا يمنعون من ذلك، إذ غايته التفاضل بين الجنسين، والتفاضل المتحقق جائز بينهما فكيف بالمظنون؟ وأحمد في إحدى الروايتين عنه يمنع ذلك، لا لأجل التفاضل، ولكن لأجل المزابنة وشبه القمار، وعلى هذا فيمتنع بيع اللحم بحيوان من غير جنسه، والله أعلم. اهـ
قلتُ: الحديث لم يثبت؛ فلا تحريم في ذلك، والله أعلم. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: بيع العينة .
صورتها المشهورة عند أهل العلم: أن يبيع السلعة بثمن مؤجل، ثم يشتريها بأقل مما باعها بثمنٍ حاضر ونقدٍ.
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٦/ ٢٦٠): مَنْ بَاعَ سِلْعَةً بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ، ثُمَّ اشْتَرَاهَا بِأَقَلَّ مِنْهُ نَقْدًا؛ لَمْ يَجُزْ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَائِشَةَ، وَالْحَسَنِ، وَابْنِ سِيرِينَ، وَالشَّعْبِيِّ، وَالنَّخَعِيِّ، وَبِهِ قَالَ أَبُو الزِّنَادِ، وَرَبِيعَةُ، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَمَالِكٌ، وَإِسْحَاقُ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَأَجَازَهُ الشَّافِعِيُّ؛ لِأَنَّهُ ثَمَنٌ يَجُوزُ بَيْعُهَا بِهِ مِنْ غَيْرِ بَائِعِهَا، فَجَازَ مِنْ بَائِعِهَا، كَمَا لَوْ بَاعَهَا بِمِثْلِ ثَمَنِهَا. وَلَنَا مَا رَوَى غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ، عَنْ امْرَأَتِهِ الْعَالِيَةِ بِنْتِ أَيْفَعَ بْنِ شُرَحْبِيلَ أَنَّهَا قَالَتْ: دَخَلْت أَنَا وَأُمُّ وَلَدِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ وَامْرَأَتُهُ عَلَى عَائِشَةَ ﵂، فَقَالَتْ أُمُّ وَلَدِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ: إنِّي بِعْت غُلَامًا مِنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ إلَى الْعَطَاءِ، ثُمَّ اشْتَرَيْته مِنْهُ بِسِتِّمِائَةِ دِرْهَمٍ. فَقَالَتْ لَهَا: بِئْسَ مَا شَرَيْت، وَبِئْسَ مَا اشْتَرَيْت أَبْلِغِي زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ: أَنَّهُ قَدْ أَبْطَلَ جِهَادَهُ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ إلَّا أَنْ يَتُوبَ. رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا لَا تَقُولُ مِثْلَ هَذَا التَّغْلِيظِ وَتُقْدِمُ عَلَيْهِ، إلَّا بِتَوْقِيفٍ سَمِعَتْهُ مِنْ رَسُولِ الله ﷺ ، فَجَرَى مَجْرَى رِوَايَتِهَا ذَلِكَ عَنْهُ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ ذَرِيعَةٌ إلَى الرِّبَا؛ فَإِنَّهُ يُدْخِلُ السِّلْعَةَ، لِيَسْتَبِيحَ بَيْعَ أَلْفٍ بِخَمْسِمِائَةٍ إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ. وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ قَالَ: أَرَى مِائَةً بِخَمْسِينَ بَيْنَهُمَا حَرِيرَةٌ. يَعْنِي خِرْقَةَ حَرِيرٍ جَعَلَاهَا فِي بَيْعِهِمَا، وَالذَّرَائِعُ مُعْتَبَرَةٌ لِمَا قَدَّمْنَاه. اهـ
قال أبو عبد الله غفر الله له: أثر ابن عباس ﵄ صحيح، أخرجه وكيع كما في «الجوهر النقي» للتركماني (٥/ ٣٣١)، وعبد الرزاق (٨/ ١٨٧)، من طريقين عن سليمان التيمي عن حيان بن عمير القيسي عن ابن عباس بمعناه، وهذا إسناد صحيح.
وأما أثر عائشة مع زيد بن أرقم، فأخرجه عبد الرزاق (٨/ ١٨٤ - ١٨٥)، والبيهقي (٥/ ٣٣١)، وفي إسناده: العالية بنت أيفع، وهي مجهولة الحال؛ ولكن لا بأس بقبول ما روته ههنا.
قال ابن القيم ﵀ كما في «تهذيب السنن» (٥/ ١٠٥)، وأما العالية فهي امرأة
стр. 3104
أبي إسحاق السبيعي، وهي من التابعيات، وقد دخلت على عائشة، وروى عنها أبو إسحاق، وهو أعلم بها، وفي الحديث قصة وسياق يدل على أنه محفوظ، وأنَّ العالية لم تختلق هذه القصة، ولم تضعها، بل يغلب على الظن غلبةً قوية صدقها فيها وحفظها لها، ولهذا روى عنها زوجها، ولم يتهمها، والكذب لم يكن فاشيًا في التابعين. انتهى المراد. (١)
وقد استدل الشافعي بفعل زيد بن أرقم على الجواز، وحمل النهي من عائشة أنها نهته عن ذلك؛ لأنه بيعٌ إلى العطاء، وهو أجل غير معلوم.
وهذا المحمل غير صواب؛ لأنَّ في الأثر عند عبد الرزاق، والبيهقي: فقالت المرأة لعائشة: أرأيت إن أخذت رأس مالي، ورددت عليه الفضل؟ قال: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٧٥]، أو قالت: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٧٩].
وقد قال بقول الشافعي أبو ثور، والظاهرية، ومنهم من ضعَّف حديث ابن عمر الذي في الباب، ومنهم من قال: هو محمول -أي: الوعيد- على مجموع الأمور كلها المذكورة في الحديث.
وقد جاء عن ابن عمر ﵄ كما في «سنن البيهقي» (٥/ ٣٣١)، و «مصنف عبد الرزاق» (٨/ ١٨٧) أنه سئل عن ذلك فلم ير به بأسًا، وقال: لعله لو باعه من غيره باعه بذلك الثمن. ولكن في إسناده: ليث بن أبي سليم، وهو ضعيفٌ.
стр. 3105
وقد رجَّح القول الأول شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، وابن باز، وابن عثيمين، والوادعي وغيرهم رحمة الله عليهم أجمعين، وهو الصواب، والله أعلم. (١)
مسألة [٢]: إن اشترى السلعة ثم باعها منه بنفس الثمن، أو أكثر ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٦/ ٢٦١): فَأَمَّا بَيْعُهَا بِمِثْلِ الثَّمَنِ أَوْ أَكْثَرَ فَيَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ ذَرِيعَةً يعني إلى الربا. اهـ
مسألة [٣]: إذا تغيرت السلعة، فهل له بيعها من البائع بأقل من ثمنها ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٦/ ٢٦١): فَإِنْ نَقَصَتْ السِّلْعَةُ، مِثْلُ: أَنْ هَزَلَ الْعَبْدُ، أَوْ نَسِيَ صِنَاعَةً، أَوْ تَخَرَّقَ الثَّوْبُ، أَوْ بَليَ؛ جَازَ لَهُ شِرَاؤُهَا بِمَا شَاءَ؛ لِأَنَّ نَقْصَ الثَّمَنِ لِنَقْصِ الْمَبِيعِ لَا لِلتَّوَسُّلِ إلَى الرِّبَا، وَإِنْ نَقَصَ سِعْرُهَا، أَوْ زَادَ لِذَلِكَ، أَوْ لِمَعْنًى حَدَثَ فِيهَا؛ لَمْ يَجُزْ بَيْعُهَا بِأَقَلَّ مِنْ ثَمَنِهَا، كَمَا لَوْ كَانَتْ بِحَالِهَا، نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى هَذَا كُلِّهِ. اهـ
مسألة [٤]: إن باعها بعرض ثم اشتراها بنقد، أو العكس ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٦/ ٢٦١ - ٢٦٢): وَإِنْ اشْتَرَاهَا بِعَرْضٍ، أَوْ كَانَ بَيْعُهَا الْأَوَّلُ بِعَرْضٍ، فَاشْتَرَاهَا بِنَقْدٍ؛ جَازَ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا؛ لِأَنَّ التَّحْرِيمَ إنَّمَا كَانَ لِشُبْهَةِ الرِّبَا، وَلَا رِبَا بَيْنَ الْأَثْمَانِ وَالْعُرُوضِ، فَأَمَّا إنْ
стр. 3106
بَاعَهَا بِنَقْدٍ، ثُمَّ اشْتَرَاهَا بِنَقْدٍ آخَرَ، مِثْلُ أَنْ يَبِيعَهَا بِمِائَتَيْ دِرْهَمٍ، ثُمَّ اشْتَرَاهَا بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُمَا جِنْسَانِ لَا يَحْرُمُ التَّفَاضُلُ بَيْنَهُمَا، فَجَازَ، كَمَا لَوْ اشْتَرَاهَا بِعَرْضٍ، أَوْ بِمِثْلِ الثَّمَنِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَجُوزُ اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّهُمَا كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ فِي مَعْنَى الثَّمَنِيَّةِ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ يُتَّخَذُ وَسِيلَةً إلَى الرِّبَا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ بَاعَهَا بِجِنْسِ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ. اهـ
قال أبو عبد الله غفر الله له: الصحيح قول الحنابلة، إلا أن تتخذ السلعة حيلة على الربا كما لو باعه السلعة بعشرة دنانير مؤجلة، ثم باعها له بخمسين درهمًا، والله أعلم.
مسألة [٥]: لو اشتراها البائع من غير المشتري بعد أن باعها المشتري لشخص آخر ؟
في هذه المسألة لا توجد العلة التي من أجلها حُرِّمَ البيعُ المتقدم.
ولكن إن كان هنالك احتيال على ذلك فلا يجوز، وإلا فلا بأس في ذلك، والله أعلم. (١)
مسألة [٦]: إذا وكَّل البائع من يشتريها ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٥/ ٢٦٣): وَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ قُلْنَا: لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ؛ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِوَكِيلِهِ؛ لِأَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَهُ، وَيَجُوزُ لِغَيْرِهِ مِنْ النَّاسِ، سَوَاءٌ كَانَ أَبَاهُ أَوْ ابْنَهُ، أَوْ غَيْرَهُمَا؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ الْبَائِعِ وَيَشْتَرِي لِنَفْسِهِ فَأَشْبَهَ الْأَجْنَبِيَّ. اهـ
стр. 3107
مسألة [٧]: هل يدخل في العينة أن يبيع السلعة نقدًا، ثم يشتريها بأكثر منه نسيئة ؟
قال ابن القيم ﵀ في «تهذيب السنن» (٥/ ١٠٥ - ): نصَّ أحمد في رواية حرب على أنه لا يجوز إلا أن تتغير السلعة؛ لأن هذا يتخذ وسيلة إلى الربا، فهو كمسألة العينة سواء، وهي عكسها صورة، وفي الصورتين قد ترتب في ذمته دراهم مؤجلة بأقل منها نقدًا، لكن في إحدى الصورتين: البائع هو الذي اشتغلت ذمته، وفي الصورة الأخرى: المشتري هو الذي اشتغلت ذمته؛ فلا فرق بينهما. وقال بعض أصحابنا -الحنابلة-: يحتمل أن تجوز هذه الصورة إذا لم يكن ذلك حيلة، ولا مواطأة، بل وقع اتفاقًا، وَفَرَّقَ بينها وبين الصورة الأولى بفرقين: أحدهما: أنَّ النص ورد فيها، فيبقى ما عداها على أصل الجواز. الثاني: أن التوسل إلى الربا بتلك الصورة أكثر من التوسل بهذه. والفرقان ضعيفان، أما الأول: فليس في النص ما يدل على اختصاص العينة بالصورة الأولى حتى تتقيد به نصوص مطلقة على تحريم العينة، والعينة فعلة من العين: النقد. قال الجوزجاني: أنا أظن أنَّ العينة إنما اشتقت من حاجة الرجل إلى العين من الذهب والورق، فيشتري السلعة ويبيعها بالعين الذي احتاج إليها، وليست به إلى السلعة حاجة. وأما الفرق الثاني: فكذلك؛ لأنَّ المعتبر في هذا الباب هو الذريعة، ولو اعتبر فيه الفرق من الاتفاق والقصد؛ لزم طرد ذلك في الصورة الأولى، وأنتم لا تعتبرونه. اهـ (١)
стр. 3108
فائدة: جاء عن أحمد ﵀ أنه قال: العينة أن يكون عند الرجل المتاع فلا يبيعه إلا بنسيئة؛ فإنْ باعه بنقد ونسيئة فلا بأس به. اهـ
وقال أيضًا: أكره للرجل أن لا يكون له تجارة غير العينة، لا يبيع بنقد.
قال ابن عقيل الحنبلي: إنما كره ذلك لمضارعته الربا؛ فإنَّ البائع بنسيئة يقصد الزيادة غالبًا.
وعلل شيخ الإسلام بأنه يدخل في بيع المضطر؛ فإنَّ غالب من يشتري بنسيئة إنما يكون لتعذر النقد عليه، فإذا كان الرجل لا يبيع إلا بنسيئة؛ كان ربحه على أهل الضرورة والحاجة، وإذا باع بنقد ونسيئة؛ كان تاجرًا من التجار. (١)
قال أبو عبد الله غفر الله له: إدخال هذه الصورة في بيع العينة فيه نظر.
مسألة [٨]: التَّورُّق .
التورق هو أن يشتري من البائع إلى أجل، ثم يبيعها من رجل آخر نقدًا، وسميت تورقًا؛ لأنَّ المقصود منها الوَرِق الدراهم.
• وهذه الصورة رخَّص فيها إياس بن معاوية، وهو قول الشافعية، والظاهرية، وأحمد في رواية وغيرهم، وذلك لأنَّ ذريعة الربا منتفية في هذه الصورة.
• وذهب إلى المنع عمر بن عبد العزيز، وأحمد في رواية، وقوَّاه شيخ الإسلام. وقد رجَّح الإمام ابن عثيمين ﵀ الجواز بشرط الحاجة، وعدم
стр. 3109
وجود من يقرضه.
قلتُ: والذي يظهر لي هو الجواز بغير الشرط المذكور، والله أعلم. (١)
مسألة [٩]: هل يبطل بيع العينة ؟
قال شيخ الإسلام ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٢٩/ ٣٠): هذا مع التواطؤ يبطل البيعين؛ لأنهما حيلة ثم استدل بحديث ابن عمر الذي في الباب وإن لم يتواطآ؛ فإنهما يبطلان البيع الثاني سدًّا للذريعة. اهـ
مسألة [١٠]: من باع طعامًا إلى أجلٍ، فلما حل الأجل أخذ منه بالثمن الذي في ذمته طعامًا قبل قبض الثمن ؟
• في هذه المسألة قولان:
الأول: عدم الجواز، وهو قول سعيد بن المسيب، وطاوس، ومالك، وأحمد، وإسحاق، ووجهُ ذلك أنه ذريعة إلى بيع الطعام بالطعام نسيئة، فحرم كمسألة العينة، فعلى هذا كل شيئين حرم النَّسَاء فيهما لا يجوز أن يؤخذ أحدهما عوضًا عن الآخر قبل القبض لثمنه إذا كان البيع نساءً. ورُوي هذا القول عن ابن عباس، وابن عمر ﵃. (٢)
الثاني: الجواز إذا لم يكن عن حيلة، وهو قول أبي الشعثاء، وسعيد بن جبير،
стр. 3110
وزين العابدين، والشافعي، وابن المنذر، وأصحاب الرأي.
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٦/ ٢٦٣ - ٢٦٤): وَاَلَّذِي يَقْوَى عِنْدِي جَوَازُ ذَلِكَ إذَا لَمْ يَفْعَلْهُ حِيلَةً وَلَا قَصَدَ ذَلِكَ فِي ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ اشْتَرَى الطَّعَامَ بِالدَّرَاهِمِ الَّتِي فِي الذِّمَّةِ بَعْدَ انْبِرَامِ الْعَقْدِ أَوَّلَ لُزُومِهِ؛ فَصَحَّ، كَمَا لَوْ كَانَ الْمَبِيعُ الْأُوَلُ حَيَوَانًا، أَوْ ثِيَابًا. اهـ المراد
قال أبو عبد الله غفر الله له: الذي يظهر لي الجواز على ما ذكره ابن قدامة ﵀، ومن احتاط لنفسه فامتنع من ذلك كما أفتى بذلك ابن عباس ﵄ فجيد فقد صار فيها شبهٌ ببيع العينة، وبالله التوفيق. (١)
قلتُ: أقوى الاحتمالات عندي -والله أعلم- أنها الهدية في مقابل شفاعة في محرم، وكأنَّ الحافظ أشار إلى ذلك بإيراده الحديث الذي بعده، والله أعلم.
ثم رأيت الشوكاني ﵀ قد اختار القول الذي ذكرته كما في «نيل الأوطار» (١٥/ ٤٤٠)، فللهِ الحمد.
стр. 3113
٨٢٩ - وَعَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عَمْرِو ﵄، قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الرَّاشِي وَالمُرْتَشِي. رَوَاهُ أَبُودَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
قال الصنعاني ﵀ في «سبل السلام» (٣/ ٨٢ - ٨٣): وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ هَذَا الْحَدِيثَ فِي أَبْوَابِ الرِّبَا؛ لِأَنَّهُ أَفَادَ لَعْنَ مَنْ ذَكَرَ لِأَجْلِ أَخْذِ الْمَالِ الَّذِي يُشْبِهُ الرِّبَا، كَذَلِكَ أَخْذُ الرِّبَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ لَعْنُ آخِذِهِ أَوَّلَ الْبَابِ، وَحَقِيقَةُ اللَّعْنِ الْبَعْدُ عَنْ مَظَانِّ الرَّحْمَةِ وَمَوَاطِنِهَا. اهـ
قلتُ: ويحتمل أن يكون أورده للسبب المذكور في شرح الحديث السابق.
قال الصنعاني ﵀: وَالرَّاشِي هُوَ الَّذِي يَبْذُلُ الْمَالَ لِيَتَوَصَّلَ إلَى الْبَاطِلِ، مَأْخُوذٌ مِنْ الرِّشَاءِ، وَهُوَ الْحَبْلُ الَّذِي يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى الْمَاءِ فِي الْبِئْرِ، فَعَلَى هَذَا بَذْلُ الْمَالِ لِلتَّوَصُّلِ إلَى الْحَقِّ لَا يَكُونُ رِشْوَةً، وَالْمُرْتَشِي آخِذُ الرِّشْوَةِ، وَهُوَ الْحَاكِمُ، وَاسْتَحَقَّا اللَّعْنَةَ جَمِيعًا؛ لِتَوَصُّلِ الرَّاشِي بِمَالِهِ إلَى الْبَاطِلِ، وَالْمُرْتَشِي لِلْحُكْمِ بِغَيْرِ الْحَقِّ. اهـ
وقد نصَّ جماعةٌ من أهل العلم على ما قاله الصنعاني من أنَّ دفع المال من أجل أن يأخذ حقه، أو يدفع عن نفسه الباطل؛ لا يكون محرمًا في حق المعطي، وممن نصَّ على ذلك عطاء، وجابر بن زيد، والحسن، و أيده ابن قدامة، ونقله الشوكاني
стр. 3114
عن بعض أصحاب الشافعي، وهو قول المغربي في «البدر التمام»، وهو اختيار شيخنا الإمام الوادعي ﵀.
ثم وجدتُ شيخَ الإسلام يقول كما في «الاختيارات» (ص ١٨٤): ويجوز للمهدي أن يبذل في ذلك ما يتوصل به إلى أخذ حقه أو دفع الظلم عنه، وهو المنقول عن السلف والأئمة الأكابر. اهـ
وظاهر كلام الشوكاني في «النيل» أنه يمنع الإعطاء مطلقًا، والقول الأول أرجح. (١)
وَإِنَّمَا اِخْتَلَفُوا: هَلْ يَلْتَحِقُ بِذَلِكَ كُلّ مَا لَا يَجُوزُ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ فَلَا يَجُوزُ فِيهِ كَيْل بِجُزَاف، وَلَا جُزَاف بِجُزَاف؟ فَالْجُمْهُورُ عَلَى الْإِلْحَاقِ. وَقِيلَ: يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِالنَّخْلِ، وَالْكَرْمِ. اهـ «الفتح» (٢١٨٣).
قلتُ: مراد الحافظ بحديث أبي سعيد هو ما أخرجه البخاري (٢١٨٦) أنَّ رسول الله ﷺ نهى عن المزابنة، والمحاقلة، والمزابنة: اشتراء الثمر بالتمر على رؤوس النخل.
ومراده بحديث جابر في «مسلم» هو ما أخرجه برقم (١٥٣٦)(٨٣) أنَّ رسول الله ﷺ نهى عن المزابنة، والمخابرة، ثم فسَّرها وقال: والمزابنة أن يُباع النخل بأوساق من التمر. قال زيد بن أبي أنيسة لعطاء: أسمعت جابر بن عبدالله يذكر هذا عن رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم.
ورواية سالم أراد بها ما أخرجه البخاري برقم (٢١٨٣) بلفظ: «لا تبيعوا الثمر بالتمر».
إذا تبين ما تقدم: فجمهور العلماء على أنَّ علة التحريم في المزابنة هو الجهل بالتماثل، ويشترط في هذه المبيعات أن تكون مثلًا بمثل، ويؤيده حديث سعد بن أبي وقاص: «أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إذَا يَبِسَ؟».
وقال مالك ﵀: المزابنة كل شيء من الجزاف لا يعلم كيله، ولا وزنه، ولا عدده إذا بيع بشيء مسمى من الكيل وغيره، سواء كان من جنس يجري الربا في نقده أم لا؟ وسبب النهي عنه ما يدخله من القمار والغرر.
стр. 3117
قلتُ: وأيد بعضهم قول مالك بأنَّ العنب ليس من الأصناف الربوية، ولكن عكس بعضهم الاستدلال، فقالوا: حديث ابن عمر ﵄ يدل على أنَّ العنب، والزبيب من الأصناف الربوية. والله أعلم. (١)
مسألة [١]: بيع الرطب باليابس، كالرطب بالتمر، والحب الرطب بالحب اليابس .
• عامة أهل العلم على النهي عن ذلك وعدم جوازه، وبه قال سعد بن أبي وقاص، وسعيد بن المسيب، والليث، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو يوسف، ومحمد، واستدلوا بحديثي الباب.
• وخالف أبو حنيفة، فقال: يجوز ذلك؛ لأنه لا يخلو أن يكون من جنسه، فيجوز متماثلًا، ولا يضر تفاضله فيما بعد؛ لأنَّ العبرة بالتساوي عند البيع، أو لا يكون من جنسه؛ فيجوز ولو متفاضلًا.
وأُجيب: بأنه من جنسه، وأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يعتبر التماثل بالكيل وأحدها رطب كما في حديث سعد بن أبي وقاص وكلامه مخالف للأحاديث فلا تعويل عليه. (٢)
مسألة [٢]: بيع الرَّطب بمثله رطبًا من الأصناف الربوية .
• ذهب جمهور أهل العلم إلى جواز ذلك؛ لأنه وإن تفاوتت الرطوبة شيئًا مَّا؛ فإنها يسيرة.
стр. 3118
• ومنع الشافعي، وأبو حفص العكبري من الحنابلة فيما إذا كان مما ييبس، وأما مالا ييبس كالخيار فعلى قولين.
والظاهر هو الجواز مطلقًا كما قال الجمهور، لكن بشرط أن تكون الرطوبة متماثلة، أو متقاربة، والله أعلم. (١)
стр. 3119
٨٣٢ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الكَالِئِ بِالكَالِئِ، يَعْنِي الدَّيْنَ بِالدَّيْنِ. رَوَاهُ إِسْحَاقُ وَالبَزَّارُ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: بيع الدين بالدين .
نقل الإمام أحمد، وابن المنذر الإجماع على عدم جواز بيع الدين بالدين، والكالئ بالكالئ، يعني المؤخر بالمؤخر، بمعنى نسيئة بنسيئة.
ويدخل في هذا الباب صورٌ، منها:
١) السَّلم إن لم يقدم المال في مجلس العقد، بل جعله مؤخرًا في ذمته.
٢) ما ذكره في «النهاية»: أن يشتري الرجل شيئًا إلى أجل، فإذا حلَّ الأجل لم يجد ما يقضي به، فيقول بعنيه إلى أجل آخر بزيادة شيء، فيبيعه ولا يجري بينهما تقابض.
٣) أن تطلب دينك من رجل، فيقول المدين: ليس عندي مال. فتأتي آخر فتقول: اشترِ مني الدين الذي عند فلان بدين عليك.
٤) أن يعقد بيعًا على شيء غائب غير مملوك مع عدم تسليم المال. (٢)
стр. 3120
قال ابن القيم ﵀ في «أعلام الموقعين» (١/ ٣٨٨ - ٣٨٩): وأما الحوالة فالذين قالوا: (إنها على خلاف القياس)، قالوا: (هي بيع دين بدين، والقياس يأباه)، وهذا غلط من وجهين، أحدهما: أن بيع الدين بالدين ليس فيه نص عام، ولا إجماع، وإنما ورد النهي عن بيع الكالئ بالكالئ، والكالئ هو المؤخر الذي لم يقبض، كما لو أسلم شيئًا في شيءٍ في الذمة، وكلاهما مؤخر؛ فهذا لا يجوز بالاتفاق، وهو بيع كالئ بكالئ.
وأما بيع الدين بالدين فينقسم إلى: بيع واجب بواجب (١) كما ذكرنا، وهو ممتنع، وينقسم إلى:
بيع ساقط بساقط.
وساقط بواجب.
وواجب بساقط، وهذا فيه نزاع.
قلت: الساقط بالساقط في صورة المقاصة، والساقط بالواجب كما لو باعه دينًا له في ذمته بدين آخر من غير جنسه، فسقط الدين المبيع ووجب عوضه وهي بيع الدين ممن هو ذمته.
وأما بيع الواجب بالساقط: فكما لو أسلم إليه في كر حنطة بعشرة دراهم في ذمته؛ فقد وجب له عليه دين، وسقط له عنه دين غيره، وقد حكى الإجماع