وَإِنَّمَا اِخْتَلَفُوا: هَلْ يَلْتَحِقُ بِذَلِكَ كُلّ مَا لَا يَجُوزُ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ فَلَا يَجُوزُ فِيهِ كَيْل بِجُزَاف، وَلَا جُزَاف بِجُزَاف؟ فَالْجُمْهُورُ عَلَى الْإِلْحَاقِ. وَقِيلَ: يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِالنَّخْلِ، وَالْكَرْمِ. اهـ «الفتح» (٢١٨٣).
قلتُ: مراد الحافظ بحديث أبي سعيد هو ما أخرجه البخاري (٢١٨٦) أنَّ رسول الله ﷺ نهى عن المزابنة، والمحاقلة، والمزابنة: اشتراء الثمر بالتمر على رؤوس النخل.
ومراده بحديث جابر في «مسلم» هو ما أخرجه برقم (١٥٣٦)(٨٣) أنَّ رسول الله ﷺ نهى عن المزابنة، والمخابرة، ثم فسَّرها وقال: والمزابنة أن يُباع النخل بأوساق من التمر. قال زيد بن أبي أنيسة لعطاء: أسمعت جابر بن عبدالله يذكر هذا عن رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم.
ورواية سالم أراد بها ما أخرجه البخاري برقم (٢١٨٣) بلفظ: «لا تبيعوا الثمر بالتمر».
إذا تبين ما تقدم: فجمهور العلماء على أنَّ علة التحريم في المزابنة هو الجهل بالتماثل، ويشترط في هذه المبيعات أن تكون مثلًا بمثل، ويؤيده حديث سعد بن أبي وقاص: «أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إذَا يَبِسَ؟».
وقال مالك ﵀: المزابنة كل شيء من الجزاف لا يعلم كيله، ولا وزنه، ولا عدده إذا بيع بشيء مسمى من الكيل وغيره، سواء كان من جنس يجري الربا في نقده أم لا؟ وسبب النهي عنه ما يدخله من القمار والغرر.
стр. 3117
قلتُ: وأيد بعضهم قول مالك بأنَّ العنب ليس من الأصناف الربوية، ولكن عكس بعضهم الاستدلال، فقالوا: حديث ابن عمر ﵄ يدل على أنَّ العنب، والزبيب من الأصناف الربوية. والله أعلم. (١)
مسألة [١]: بيع الرطب باليابس، كالرطب بالتمر، والحب الرطب بالحب اليابس .
• عامة أهل العلم على النهي عن ذلك وعدم جوازه، وبه قال سعد بن أبي وقاص، وسعيد بن المسيب، والليث، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو يوسف، ومحمد، واستدلوا بحديثي الباب.
• وخالف أبو حنيفة، فقال: يجوز ذلك؛ لأنه لا يخلو أن يكون من جنسه، فيجوز متماثلًا، ولا يضر تفاضله فيما بعد؛ لأنَّ العبرة بالتساوي عند البيع، أو لا يكون من جنسه؛ فيجوز ولو متفاضلًا.
وأُجيب: بأنه من جنسه، وأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يعتبر التماثل بالكيل وأحدها رطب كما في حديث سعد بن أبي وقاص وكلامه مخالف للأحاديث فلا تعويل عليه. (٢)
مسألة [٢]: بيع الرَّطب بمثله رطبًا من الأصناف الربوية .
• ذهب جمهور أهل العلم إلى جواز ذلك؛ لأنه وإن تفاوتت الرطوبة شيئًا مَّا؛ فإنها يسيرة.
стр. 3118
• ومنع الشافعي، وأبو حفص العكبري من الحنابلة فيما إذا كان مما ييبس، وأما مالا ييبس كالخيار فعلى قولين.
والظاهر هو الجواز مطلقًا كما قال الجمهور، لكن بشرط أن تكون الرطوبة متماثلة، أو متقاربة، والله أعلم. (١)
стр. 3119
٨٣٢ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الكَالِئِ بِالكَالِئِ، يَعْنِي الدَّيْنَ بِالدَّيْنِ. رَوَاهُ إِسْحَاقُ وَالبَزَّارُ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: بيع الدين بالدين .
نقل الإمام أحمد، وابن المنذر الإجماع على عدم جواز بيع الدين بالدين، والكالئ بالكالئ، يعني المؤخر بالمؤخر، بمعنى نسيئة بنسيئة.
ويدخل في هذا الباب صورٌ، منها:
١) السَّلم إن لم يقدم المال في مجلس العقد، بل جعله مؤخرًا في ذمته.
٢) ما ذكره في «النهاية»: أن يشتري الرجل شيئًا إلى أجل، فإذا حلَّ الأجل لم يجد ما يقضي به، فيقول بعنيه إلى أجل آخر بزيادة شيء، فيبيعه ولا يجري بينهما تقابض.
٣) أن تطلب دينك من رجل، فيقول المدين: ليس عندي مال. فتأتي آخر فتقول: اشترِ مني الدين الذي عند فلان بدين عليك.
٤) أن يعقد بيعًا على شيء غائب غير مملوك مع عدم تسليم المال. (٢)
стр. 3120
قال ابن القيم ﵀ في «أعلام الموقعين» (١/ ٣٨٨ - ٣٨٩): وأما الحوالة فالذين قالوا: (إنها على خلاف القياس)، قالوا: (هي بيع دين بدين، والقياس يأباه)، وهذا غلط من وجهين، أحدهما: أن بيع الدين بالدين ليس فيه نص عام، ولا إجماع، وإنما ورد النهي عن بيع الكالئ بالكالئ، والكالئ هو المؤخر الذي لم يقبض، كما لو أسلم شيئًا في شيءٍ في الذمة، وكلاهما مؤخر؛ فهذا لا يجوز بالاتفاق، وهو بيع كالئ بكالئ.
وأما بيع الدين بالدين فينقسم إلى: بيع واجب بواجب (١) كما ذكرنا، وهو ممتنع، وينقسم إلى:
بيع ساقط بساقط.
وساقط بواجب.
وواجب بساقط، وهذا فيه نزاع.
قلت: الساقط بالساقط في صورة المقاصة، والساقط بالواجب كما لو باعه دينًا له في ذمته بدين آخر من غير جنسه، فسقط الدين المبيع ووجب عوضه وهي بيع الدين ممن هو ذمته.
وأما بيع الواجب بالساقط: فكما لو أسلم إليه في كر حنطة بعشرة دراهم في ذمته؛ فقد وجب له عليه دين، وسقط له عنه دين غيره، وقد حكى الإجماع
стр. 3121
على امتناع هذا، ولا إجماع فيه (١)، قاله شيخنا واختار جوازه، وهو الصواب؛ إذ لا محذور فيه، وليس بيع كالئ بكالئ فيتناوله النهي بلفظه، ولا في معناه فيتناوله بعموم المعنى؛ فإن المنهي عنه قد اشتغلت فيه الذمتان بغير فائدة؛ فإنه لم يتعجل أحدهما ما يأخذه فينتفع بتعجيله وينتفع صاحب المؤخر بربحه، بل كلاهما اشتغلت ذمته بغير فائدة، وأما ما عداه من الصور الثلاث فلكل منهما غرض صحيح ومنفعة مطلوبة، وذلك ظاهر في مسألة التقاص؛ فإن ذمتهما تبرأ من أسرها، وبراءة الذمة مطلوب لهما وللشارع.
فأما في الصورتين الأخيرتين فأحدهما يعجل براءة ذمته والآخر ينتفع بما يربحه، وإذا جاز أن يشغل أحدهما ذمته والآخر يحصل على الربح وذلك في بيع العين بالدين؛ جاز أن يفرغها من دين ويشغلها بغيره، وكأنه شغلها به ابتداء، إما بقرض، أو بمعاوضة؛ فكانت ذمته مشغولة بشيء فانتقلت من شاغل إلى شاغل، وليس هناك بيع كالئ بكالئ وإن كان بيع دين بدين، فلم ينه الشارع عن ذلك لا بلفظه ولا بمعنى لفظه، بل قواعد الشارع تقتضي جوازه؛ فإنَّ الحوالة اقتضت نقل الدين وتحويله من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه؛ فقد عاوض المحيل المحتال من دينه بدين آخر في ذمة ثالث، فإذا عاوضه من دينه على دين آخر في
стр. 3122
ذمته كان أولى بالجواز، وبالله التوفيق.
قال أبو عبد الله غفر الله له: إن لم يثبت الإجماع فالراجح هو ما ذكره ابن القيم ﵀ بشرط أن لا يربح في تحويل هذا الدين؛ حتى لا يدخل في الحديث: «نهى عن ربح ما لم يضمن».
ثم وجدت شيخ الإسلام ﵀ قد قيد ذلك بما ذكرت كما في «الاختيارات» (ص ١٣١)، وعزا القول بالجواز إلى ابن عباس (١)، وأحمد في رواية، فلله الحمد والمنة على ما ألهم وعلَّم.
مسألة [٢]: بيع الدين الذي في ذمة رجل بمال حاضر .
قال ابن رجب ﵀ في كتابه «القواعد» (ص ٨٤): فإن كان الدين نقدا، وبيع بنقد لم يجز بلا خلاف؛ لأنه صرف بنسيئة، وإن بيع بعرض وقبضه في المجلس ففيه روايتان:
إحداهما: لا يجوز. قال أحمد في رواية ابن منصور في بيع الصك: هو غرر، ونقل أبو طالب عنه أنه كرهه. وقال: الصكُّ لا يُدرَى أيخرج أو لا، وهذا يدل على أن مراده الصك من عطاء الديوان.
والثانية: الجواز. نص عليهما في رواية حرب، وحنبل، ومحمد بن الحكم،
стр. 3123
وفرق بينه وبين العطاء. وقال: الصك إنما يحتال على رجل، وهو يقر بدين عليه. والعطاء إنما هو شيء مغيب لا يدري أيصل إليه أم لا. وكذلك نقل حنبل عنه في الرجل يشتري الصك على الرجل بالدين قال: لا بأس به بالعرض إذا خرج، ولا يبيعه حتى يقبضه يعني مشتريه. اهـ
قال أبو عبد الله غفر الله له: والقول بالمنع، هو قول مالك، وأبي ثور، وأبي حنيفة، وابن المنذر؛ لأنه عندهم غرر؛ فقد لا يستطيع على الدين.
والقول بالجواز ثبت عن ابن عباس ﵄ كما في «الأوسط» لابن المنذر (١٠/ ٤٨) بإسناد صحيح، وهو قول شريح، والشعبي، والحسن، وابن سيرين، وسالم، وعطاء، ومحمد بن كعب، وإسحاق، وهو الصحيح؛ إذ لا غرر في ذلك؛ فإنه يشتري ما هو معلوم المقدار، ومعترف فيه، والغرر حاصل إن كان عند رجل جاحد، أو مماطل لا يقدر على استخلاصه منه. (١)
ثالثًا: بيعها إلى محتاج لأكلها رطبًا.
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٦/ ١٢٧ - ): لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا إلَّا لِمُحْتَاجٍ إلَى أَكْلِهَا رُطَبًا، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهَا لِغَنِيٍّ، وَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ، وَأَبَاحَهَا فِي الْقَوْلِ الْآخَرِ مُطْلَقًا لِكُلِّ أَحَدٍ؛ لِأَنَّ كُلَّ بَيْعٍ جَازَ لِلْمُحْتَاجِ، جَازَ لِلْغَنِيِّ، كَسَائِرِ الْبِيَاعَاتِ، وَلِأَنَّ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ وَسَهْلٍ مُطْلَقَانِ. وَلَنَا حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ حِينَ سَأَلَهُ مَحْمُودُ بْنُ لَبِيدٍ: مَا عَرَايَاكُمْ هَذِهِ؟ فَسَمَّى رِجَالًا مُحْتَاجِينَ مِنْ الْأَنْصَارِ، شَكَوْا إلَى رَسُولِ الله ﷺ أَنَّ الرُّطَبَ يَأْتِي وَلَا نَقْدَ بِأَيْدِيهِمْ يَبْتَاعُونَ بِهِ رُطَبًا يَأْكُلُونَهُ، وَعِنْدَهُمْ فُضُولٌ مِنْ التَّمْرِ، فَرَخَّصَ لَهُمْ أَنْ يَبْتَاعُوا الْعَرَايَا بِخَرْصِهَا مِنْ التَّمْرِ يَأْكُلُونَهُ رُطَبًا (١). وَمَتَى خُولِفَ الْأَصْلُ بِشَرْطٍ؛ لَمْ تَجُزْ مُخَالَفَتُهُ بِدُونِ ذَلِكَ الشَّرْطِ، وَلِأَنَّ مَا أُبِيحَ لِلْحَاجَةِ؛ لَمْ يُبَحْ مَعَ عَدَمِهَا، كَالزَّكَاةِ لِلْمَسَاكِينِ، وَالتَّرَخُّصِ فِي السَّفَرِ. اهـ
قلتُ: وما نقله عن الشافعي من جوازه للأغنياء هو الأصح عند الشافعية، وهو رواية عن أحمد؛ لأنَّ حديث محمود بن لبيد لم يوجد مسندًا، ولأنَّ الغني قد يحتاج أيضًا إلى ذلك، ومال الشيخ ابن عثيمين إلى القول الأول، والله أعلم. (٢)
رابعًا وخامسًا: أن تكون فيما دون خمسة أوسق، وأن يكون المشتري بحاجة إلى أكل الرطب.
لقوله في حديث الباب: «يأكلونها رطبًا»، وقد تقدم الكلام على اشتراط البيع بأقل من خمسة أوسق.
стр. 3131
قال السُّبُكي ﵀ في «تكملة المجموع» (١١/ ٣١): لا يُشترط عندنا حاجة البائع إلى البيع جزمًا، خلافًا لبعض الحنابلة، واشترطت الحنابلة لبقاء العقد أن يأكلها أهلها رطبًا؛ فإنْ تركها حتى تصير تمرًا بطل العقد، ونحن نخالفهم في ذلك، واشترط الخرقي من الحنابلة كونها موهوبة من بائعها كما تقدم عن مالك، وقالت الحنابلة فيما إذا تركها حتى صارت تمرًا: لا فرق بين تركه لغناه عنها، أو تركها لعذر، أو لغير عذر، وأخذوا في ذلك بظاهر قوله ﷺ : «يأكلها أهلها رطبًا»، ولا دليل لهم في ذلك؛ لأنَّ المقصود بذلك ذكر الغاية المقصودة لا الاشتراط، ويلزمهم على ما قالوه أنه متى لم يأكلها بطل العقد، وقد سلموا أنه لا يبطل إلا بترك الأخذ، ولا يبطل بترك الأكل بعد الأخذ، فلو أخذها رطبًا فتركها عنده، أو شمسها حتى صارت تمرًا؛ جاز عندهم، وبهذا يتبين ضعف ما اشترطوه. اهـ (١)
مسألة [٦]: هل تكون العرية في غير النخل ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٦/ ١٢٨ - ١٢٩): وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْعَرِيَّةِ فِي غَيْرِ النَّخِيلِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ حَامِدٍ، وَقَوْلُ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ؛ إلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّا ثَمَرَتُهُ لَا يَجْرِي فِيهَا الرِّبَا، فَيَجُوزُ بَيْعُ رَطْبِهَا بِيَابِسِهَا؛ لِعَدَمِ جَرَيَانِ الرِّبَا فِيهَا.
قال: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَجُوزَ فِي الْعِنَبِ وَالرُّطَبِ دُونَ غَيْرِهِمَا. وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ الْعِنَبَ كَالرُّطَبِ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيهِمَا، وَجَوَازِ خَرْصِهِمَا، وَتَوْسِيقِهِمَا، وَكَثْرَةِ تَيْبِيسِهِمَا، وَاقْتِيَاتِهِمَا فِي بَعْضِ الْبُلْدَانِ، وَالْحَاجَةِ إلَى أَكْلِ رَطْبِهِمَا،
المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث
مسألة [١]: بيع الثمرة قبل أن تخلق .
نُقِل الإجماع على عدم جواز ذلك، ويشمله حديث جابر في «صحيح مسلم» أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نهى عن المعاومة. والمعاومة مشتقة من العام، ومعناه: أن يبيع ثمرة هذا العام، أو ثمرة عامين، أو ثلاثة. (١)
مسألة [٢]: بيع الثمار بعد ظهورها قبل بدو صلاحها .
• إن كان بشرط التبقية: فالجمهور على المنع؛ لأحاديث الباب، وقد نقل النووي، وابن قدامة الإجماع على عدم الجواز، ولكن نقل الحافظ ابن حجر عن يزيد بن أبي حبيب الجواز، قال: وَهِمَ من نقل الإجماع فيه. وعند الجمهور بطلان البيع.
قلتُ: والصحيح هو قول الجمهور؛ لأحاديث الباب وإن لم يصح الإجماع.
• وأما إن باعها بشرط القطع في الحال: فالجمهور على الجواز؛ لعدم وجود علة المنع، وهي قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في حديث أنس: «أرأيت إذا منع الله الثمرة بم يستحل أحدكم مال أخيه؟»، ولأنه سينتفع بها إذا قطعها.
• ومنع من ذلك ابن أبي ليلى، والثوري، وقد فات النووي، وابن قدامة هذا الخلاف ونقلا الإجماع على الجواز، وتعقبهما الحافظ بذكر الخلاف عن ابن أبي
стр. 3135
ليلى، والثوري.
والصحيح قول الجمهور، ورجحه الشوكاني، والصنعاني، وهو اختيار الإمام ابن عثيمين ﵀. (١)
وأما إن باعه مطلقًا، ولم يشترط قطعًا ولا تبقية فقال ابن قدامة: البيع باطلٌ يعني في مذهب الحنابلة وبه قال مالك، والشافعي، وأجازه أبو حنيفة؛ لأنَّ إطلاق العقد يقتضي القطع. اهـ
وأُجيب على أبي حنيفة: بأن عموم الحديث يدل على تحريم ذلك، ويدل على هدم قاعدتهم بأنَّ إطلاق العقد يقتضي القطع، بل ظاهره يقتضي الإبقاء بدليل قوله: «أرأيت إذا منع الله الثمرة ... ».
فالصحيح قول الجمهور. (٢)
مسألة [٣]: بيع الثمرة قبل بدو صلاحها مع الأصل النخلة .
نقل ابن قدامة الإجماع على الجواز؛ لقول النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «من ابتاع نخلًا بعد أن تُؤَبَّر فثمرتها للذي باعها؛ إلا أن يشترط المبتاع» (٣)، ولأنه إذا باعها مع الأصل حصلت تبعًا في البيع، فلم يضر احتمال الغرر فيها كما احتملت الجهالة في بيع اللبن في الضرع مع بيع الشاة. (٤)
стр. 3136
مسألة [٤]: بيع الثمرة قبل بدو صلاحها لمالك الأصل .
صورتها: أن تكون النخل لإنسان، فيبيعها ويشترط الثمرة، ثم يبيع الثمرة لمن اشترى منه النخل بعد ذلك، أو يوصي إنسان لرجل بثمرة نخله، فيبيعها لورثة الموصي.
• فهذه المسألة فيها قولان لأهل العلم:
القول الأول: الجواز ويصح البيع، وهو المشهور من قول مالك ووجهٌ للشافعية والحنابلة.
القول الثاني: عدم الجواز، ولا يصح البيع، وهو وجهٌ للشافعية والحنابلة، ورجَّحه الإمام ابن عثيمين، وهذا القول أقرب؛ لعموم أحاديث الباب، والله أعلم. (١)
مسألة [٥]: ضابط بدو الصلاح .
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٦/ ١٥٨ - ١٥٩): مَا كَانَ مِنْ الثَّمَرَةِ يَتَغَيَّرُ لَوْنُهُ عِنْدَ صَلَاحِهِ، كَثَمَرَةِ النَّخْلِ، وَالْعِنَبِ الْأَسْوَدِ، وَالْإِجَّاصِ، فَبُدُوُّ صَلَاحِهِ بِذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ الْعِنَبُ أَبْيَضَ؛ فَصَلَاحُهُ بِتَمَوُّهِهِ، وَهُوَ أَنْ يَبْدُوَ فِيهِ الْمَاءُ الْحُلْوُ، وَيَلِينَ، وَيَصْفَرَّ لَوْنُهُ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَتَلَوَّنُ، كَالتُّفَّاحِ وَنَحْوِهِ، فَبِأَنْ يَحْلُوَ، أَوْ يَطِيبَ، وَإِنْ كَانَ بِطِّيخًا، أَوْ نَحْوَهُ، فَبِأَنْ يَبْدُوَ فِيهِ النُّضْجُ. وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَتَغَيَّرُ
وقد رجَّح شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم جواز ذلك كما قال مالك.
قال ابن القيم ﵀: ذَلِكَ مُتَعَذِّرٌ فِي الْغَالِبِ لَا سَبِيلَ إلَيْهِ؛ إذْ هُوَ فِي غَايَةِ الْحَرَجِ وَالْعُسْرِ، فَهُوَ مَجْهُولٌ لَا يَنْضَبِطُ، وَلَا مَا هِيَ اللُّقْطَةُ الْمَبِيعَةُ، أَهِيَ الْكِبَارُ، أَوْ الصِّغَارُ، أَوْ الْمُتَوَسِّطُ، أَوْ بَعْضُ ذَلِكَ؟ وَتَكُونُ الْمَقْثَأَةُ كَبِيرَةً جِدًّا لَا يُمْكِنُ أَخْذُ اللُّقْطَةِ الْوَاحِدَةِ إلَّا فِي أَيَّامٍ مُتَعَدِّدَةٍ، فَيَحْدُثُ كُلَّ يَوْمٍ لُقْطَةٌ أُخْرَى تَخْتَلِطُ بِالْمَبِيعِ، وَلَا يُمْكِنُ تَمَيُّزُهَا مِنْهُ، وَلَا سَبِيلَ إلَى الِاحْتِرَازِ مِنْ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَجْمَعَ دَوَابَّ الْمِصْرِ كُلَّهَا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ. اهـ
قال أبو عبد الله غفر الله له: يجوز ذلك إذا وجدت الحاجة كما أشار إلى ذلك الشيخان رحمهما الله، وذلك حاصل بكثرة في المزارع الكبيرة، وأما إذا لم توجد الحاجة فلا يجوز كقول الجمهور، والله أعلم. (١)
مسألة [٧]: إذا اشتراها بأصولها، فهل يجوز ذلك ؟
• الجمهور على الجواز، والشافعية على عدم الجواز، لكن يجوزون الاستئجار، وبما فيها أصول المقاثي.
قلتُ: الراجح قول الجمهور، والله أعلم. (٢)
بَقِيَ مِلْكُهُ عَلَيْهَا، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا؛ فَإِنْ امْتَنَعَ الْبَائِعُ مِنْ السَّقْيِ، لِضَرَرٍ يَلْحَقُ بِالْأَصْلِ، أُجْبِرَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى ذَلِكَ. اهـ (١)
قال النووي ﵀: يلزم البائع بسقايتها إلى أوان الجذاذ؛ لأنَّ ذلك هو العادة فيها. «شرح مسلم» (١٠/ ١٨٢).
مسألة [١٠]: هل يجوزُ لمشتري الثمرة بيعها وهي في شجرها ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٦/ ١٥٨): وَيَجُوزُ لِمُشْتَرِي الثَّمَرَةِ بَيْعُهَا فِي شَجَرِهَا. رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ (٢)، وَالْحَسَنِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ. وَكَرِهَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ (٣)، وَعِكْرِمَةُ، وَأَبُو سَلَمَةَ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ لَهُ قَبْلَ قَبْضِهِ، فَلَمْ يَجُزْ، كَمَا لَوْ كَانَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، فَلَمْ يَقْبِضهُ. وَلَنَا أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ، فَجَازَ لَهُ بَيْعُهُ، كَمَا لَوْ جَزَّهُ. وَقَوْلُهُمْ: لَمْ يَقْبِضْهُ. لَا يَصِحُّ؛ فَإِنَّ قَبْضَ كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ، وَهَذَا قَبْضُهُ التَّخْلِيَةُ، وَقَدْ وُجِدَتْ. اهـ
قال أبو عبد الله غفر الله له: الصحيح هو الجواز، والله أعلم.
стр. 3141
مسألة [١١]: بدو الصلاح في بعض الثمر من الشجرة هل يُجَوِّز بيع جميع ثمار الشجرة ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٦/ ١٥٦): وَلَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ أَنَّ بُدُوَّ الصَّلَاحِ فِي بَعْضِ ثَمَرَةِ النَّخْلَةِ، أَوْ الشَّجَرَةِ صَلَاحٌ لِجَمِيعِهَا، أَعْنِي أَنَّهُ يُبَاحُ بَيْعُ جَمِيعِهَا بِذَلِكَ، وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ اخْتِلَافًا. اهـ
وقال السُّبُكي ﵀ في «تكملة المجموع» (١١/ ٤٥١): ولا أعلم بين العلماء خلافًا في أنه لا يشترط الصلاح في جميع المبيع، وإنما اختلفوا في مقدار ما يضبطونه، ومذهبنا أنه يكفي بدو الصلاح في نخلة واحدة، بل في بسرة واحدة. اهـ
قلتُ: قال المرداوي في «الإنصاف» (٥/ ٦٥): ونقل حنبل إذا غلب الصلاح، وجزم به في «المحرر» في النوع، وقاله القاضي، وأبو حكيم النهرواني وغيرهم فيما إذا غلب الصلاح في شجرة.
تنبيه: بعض الأشجار يتأخر بدو الصلاح في بعض ثمرها عن بعض، كشجرة المانجو؛ فإنه ربما يبدو الصلاح ببعض الثمر، ولا يبدو في البعض الآخر إلا بعد شهرين، ففي مثل هذه الأظهر أنه لا يبيع إلا ما بدا صلاحه، والله أعلم.
مسألة [١٢]: إذا بدا الصلاح في شجرة، فهل يجوز بيع جميع ثمر الأشجار في ذلك البستان من ذلك النوع ؟
• أكثر الفقهاء على أنه يجوز بيع جميع ذلك النوع، وهو قول الشافعي، ومحمد
стр. 3142
ابن الحسن، وأحمد في رواية، وهو مقتضى قول مالك، والليث بن سعد.
• وذهب أحمد في رواية، وبعض الحنابلة، وبعض الشافعية إلى أنه لا يجوز إلا بيع ما بدا صلاحه.
ورجَّح الإمام ابن عثيمين القول الأول، لكن اشترط الحنابلة بيعها مع الصالحة تبعًا.
قال المرداوي في «الإنصاف»: قال في «الرعاية» و «الحاوي»: إذا بدا الصلاح في بعض النوع؛ جاز بيع بعض ذلك النوع في إحدى الروايتين، وإن غلب جاز بيع الكل، نصَّ عليه. اهـ (١)
مسألة [١٣]: هل يكون بدو الصلاح في نوع يجيز بيع الأنواع الأخرى من نفس الجنس ؟
• فيه قولان:
الأول: جواز بيعه جميعًا، ويكون ذلك بُدُوًّا للصلاح في جميع الجنس، وهو قول الليث، ومحمد بن الحسن، ووجهٌ للشافعية، والحنابلة؛ لأنه يكون متقاربًا في الغالب.
الثاني: لا يجوز إلا بيع النوع الذي بدا صلاحه، وهو الأشهر عند الحنابلة،
стр. 3143
وعليه أكثرهم وهو وجهٌ للشافعية.
ورجَّح هذا القول الإمام ابن عثيمين ﵀، وهو أقرب؛ لظاهر أحاديث الباب، والله أعلم. (١)
مسألة [١٤]: هل بدو الصلاح في بستان يكون صلاحًا لسائر البساتين ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٦/ ١٥٧): فَأَمَّا النَّوْعُ الْوَاحِدُ مِنْ بُسْتَانَيْنِ، فَلَا يَتْبَعُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ فِي جَوَازِ الْبَيْعِ حَتَّى يَبْدُوَ الصَّلَاحُ فِي أَحَدِهِمَا، مُتَجَاوِرَيْنِ كَانَا أَوْ مُتَبَاعِدَيْنِ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَحُكِيَ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى أَنَّ بُدُوَّ الصَّلَاحِ فِي شَجَرَةٍ مِنْ الْقَرَاحِ صَلَاحٌ لَهُ، وَلِمَا قَارَبَهُ. وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ؛ لِأَنَّهُمَا يَتَقَارَبَانِ فِي الصَّلَاحِ، فَأَشْبَهَا الْقَرَاحَ الْوَاحِدَ. اهـ
ثم رجَّح ابن قدامة القول الأول؛ لعموم الأحاديث في الباب، وهو الصواب، والله أعلم.
معنى القَرَاح: القَراح من الأرضين كل قطعة على حيالها من منابت النخل وغير ذلك. (٢)
стр. 3144
٨٣٨ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِاللهِ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَوْ بِعْت مِنْ أَخِيك ثَمَرًا فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ فَلَا يَحِلُّ لَك أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا، بِمَ تَأْخُذُ مَالَ أَخِيك بِغَيْرِ حَقٍّ؟» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (١)
٨٣٩ - وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِوَضْعِ الجَوَائِحِ.
المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين
مسألة [١]: معنى الجائحة .
الجائحة مشتقة من الجوح، وهو الاستئصال، والمقصود هنا: آفة سماوية تصيب الثمار فتهلكها، والمقصود بـ (بِوَضْعِ الجَوَائِحِ) أن يضع البائع للمشتري ثمن الثمر، ويعيده إليه، والجائحة السماوية كالبرد، والريح، والجراد وما أشبهها.
مسألة [٢]: إذا بيعت الثمرة بعد بدو الصلاح، ثم أصيب بآفة سماوية قبل أوان الجذاذ ؟
• ذهب جمعٌ من أهل العلم إلى أنَّ الضمان على البائع، وأوجبوا عليه أن يعيد المال للمشتري، وهو قول مالك، وأحمد، ويحيى بن سعيد، وأبي عبيد، وبعض أهل الحديث، والشافعي في القديم.
واستدلوا بحديث جابر المذكور في الباب، وبحديث أنس المتقدم، وفيه زيادة: «أرأيت إذا منع الله الثمرة بم يستحل أحدكم مال أخيه؟».
стр. 3145
إلا أنَّ مالكًا، وأحمد في رواية جعلوا الضمان على المشتري فيما دون الثلث؛ لأنه لابد من أن يأكل الطير منها، وتنثر الريح، ويسقط منها، فلم يكن بُدٌّ من ضابط، والثلث قد اعتبره الشرع في مواضع؛ ولأنَّ الثلث في حد الكثرة لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «الثلث والثلث كثير».
• وذهب الشافعي في الجديد -وهو الأصح عند الشافعية، وهو مذهب الحنفية، والظاهرية- إلى أنَّ الضمان على المشتري وليس من ضمان البائع في القليل والكثير، ورجَّح هذا القول الشوكاني في «السيل»، واستدلوا على ذلك بحديث أبي سعيد الخدري في «صحيح مسلم» (١٥٥٦)، قال: أُصيب رجلٌ في عهد رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في ثمارٍ ابتاعها، فكثر دينه، فقال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «تصدقوا عليه»، فتصدقوا، فلم يبلغ ذلك وفاء دينه، فقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لغرمائه: «خذوا ما وجدتم، وليس لكم إلا ذلك»، قالوا: فلو كانت الجوائح تُوضع؛ لَمَا احتاج النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إلى ذلك، بل يقول له: ليس عليك بأس، إنما الضمان على غيرك.
واستدلوا بأن المشتري قد قبضها بالتخلية، فصارت من ضمانه. وأجابوا عن حديث جابر بأنَّ الأمر بوضع الجوائح على الاستحباب، أو بما إذا اشتراها قبل بدو صلاحها، وأيدوا ذلك بسياق حديث أنس: نهى عن بيع النخل حتى تزهى، ثم قال: «أرأيت إذا منع الله الثمرة ... » الحديث.
وأجاب أصحاب القول الأول عن حديث أبي سعيد ﵁ بأنها واقعة عين يحتمل فيها أنها تلفت بعد أوان الجذاذ بتفريط من المشتري بتركها على الشجرة،
стр. 3146
أو بتفريطه في حفظها بعد جذاذها، أو ما أشبه ذلك، وقالوا: التخلية وإن كانت قبضًا ليس بتام، بدليل أنَّ المبيع ما زال على البائع، فسقاءُ المزرعة على البائع حتى يأتي وقت جذاذها وقلعها، والتخلية تُجَوِّزُ التصرف في المبيع، لكن لا ترفع ضمان البائع؛ لأحاديث الباب. واختار القول الأول شيخ الإسلام ﵀ كما في «الاختيارات»، ثم الإمام ابن عثيمين ﵀. (١)
مسألة [٣]: هل الجائحة في الثمار فقط، أم تشمل الزروع ؟
• بعض الحنابلة على أن الوضع إنما يكون في الثمار دون الزروع، فإذا هلكت الزروع فهي من ضمان المشتري.
• ورواية عن أحمد، وهو اختيار المجد ابن تيمية، وشيخ الإسلام ابن تيمية، والسعدي وجماعة على أنَّ وضع الجوائح في الثمار والزروع. (٢)
مسألة [٤]: إذا استأجر أرضًا فزرعها، فتلف الزرع ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٦/ ١٨١): إذَا اسْتَأْجَرَ أَرْضًا، فَزَرَعَهَا، فَتَلِفَ الزَّرْعُ؛ فَلَا شَيْءَ عَلَى الْمُؤَجِّرِ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ. وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا؛ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ مَنَافِعُ الْأَرْضِ، وَلَمْ تَتْلَفْ، وَإِنَّمَا تَلِفَ مَالُ الْمُسْتَأْجِرِ فِيهَا، فَصَارَ كَدَارٍ اسْتَأْجَرَهَا لِيَقْصُرَ فِيهَا ثِيَابًا، فَتَلِفَتْ الثِّيَابُ فِيهَا. اهـ
стр. 3147
٨٤٠ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَنِ ابْتَاعَ نَخْلًا بَعْدَ أَنْ تُؤَبَّرَ فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ الَّذِي بَاعَهَا إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ المُبْتَاعُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: معنى التأبير .
قال النووي ﵀: قَالَ أَهْل اللُّغَة: يُقَال: أَبَرْت النَّخْل أَبَرْته أَبْرًا بِالتَّخْفِيفِ كَأَكَلْته أَكْلًا، وَأَبَّرْته بِالتَّشْدِيدِ أُأَبِّره تَأْبِيرًا كَعَلَّمْته أُعَلِّمهُ تَعْلِيمًا، وَهُوَ أَنْ يَشُقّ طَلْع النَّخْلَة لِيَدُرْ فِيهِ شَيْء مِنْ طَلْع ذَكَر النَّخْل، وَالْإِبَار هُوَ شَقُّه، سَوَاء حُطَّ فِيهِ شَيْء، أَوْ لَا، وَلَوْ تَأَبَّرَتْ بِنَفْسِهَا، أَيْ: تَشَقَّقَتْ، فَحُكْمهَا فِي الْبَيْع حُكْم الْمُؤَبَّرَة بِفِعْلِ الْآدَمِيّ. اهـ «شرح مسلم» (١٠/ ١٩٠ - ١٩١)، وبنحوه في «المغني» (٦/ ١٣٠)، و «تكملة المجموع» (١١/ ٣٤٦).
قال الإمام ابن عثيمين ﵀ في «الشرح الممتع» (٩/ ١٦ - ١٧): والصواب أنَّ الحكم معلق بالتأبير لما يلي: أولًا: لأنَّ النبي ﷺ علقه به، وليس لنا أن نتجاوز ما حدَّهُ الرسول ﷺ . ثانيًا: أنَّ البائع إذا أبَّره فقد عمل فيه عملًا يصلحه، وتعلَّقت نفسه به، بخلاف ما إذا لم يؤبره؛ فإنه لم يصنع فيه شيئًا، وعلى هذا: فالصواب أنه إذا باع نخلًا تشقق طلعه قبل أن يؤبره فالثمر للمشتري، وإن أبره فهو للبائع.
ثم قال: إذا قال قائل: لماذا عدل بعض الفقهاء ﵏ عن التأبير إلى
стр. 3148
التشقق؟ قالوا: لأنَّ التشقق هو سبب التأبير، فعلَّق النبي ﷺ الحكم بالتأبير والمراد سببه. فيقال: من أين الدليل على أنَّ هذا هو مراد الرسول ﷺ ، وكلامه صريح واضح؟ فكيف يجوز لنا أن نحرفه إلى معنى آخر خلاف ظاهر اللفظ؟ ثم إنَّ العلة في كون الثمر للبائع بعد التأبير واضحة، ولا تنطبق على ما إذا تشقق بدون تأبير، وحينئذٍ لا يصح القياس، ولا تحريف الحديث إلى معنى آخر. اهـ
مسألة [٢]: بيع النخل وفيها ثمر .
قال الإمام النووي ﵀ في «شرح مسلم» (١٠/ ١٩١): وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي حُكْم بَيْع النَّخْل الْمَبِيعَة بَعْد التَّأْبِير وَقَبْله، هَلْ تَدْخُل فِيهَا الثَّمَرَة عِنْد إِطْلَاق بَيْع النَّخْلَة مِنْ غَيْر تَعَرُّض لِلثَّمَرَةِ بِنَفْيٍ وَلَا إِثْبَات؟ فَقَالَ مَالِك، وَالشَّافِعِيّ، وَاللَّيْث، وَالْأَكْثَرُونَ: إِنْ بَاعَ النَّخْلَة بَعْد التَّأْبِير فَثَمَرَتهَا لِلْبَائِعِ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطهَا الْمُشْتَرِي بِأَنْ يَقُول: اِشْتَرَيْت النَّخْلَة بِثَمَرَتِهَا هَذِهِ. وَإِنْ بَاعَهَا قَبْل التَّأْبِير فَثَمَرَتهَا لِلْمُشْتَرِي؛ فَإِنْ شَرَطَهَا الْبَائِع لِنَفْسِهِ جَازَ عِنْد الشَّافِعِيّ وَالْأَكْثَرِينَ، وَقَالَ مَالِك: لَا يَجُوز شَرْطهَا لِلْبَائِعِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة: هِيَ لِلْبَائِعِ قَبْل التَّأْبِير وَبَعْده عِنْد الْإِطْلَاق. وَقَالَ اِبْن أَبِي لَيْلَى: هِيَ لِلْمُشْتَرِي قَبْل التَّأْبِير وَبَعْده. فَأَمَّا الشَّافِعِيّ وَالْجُمْهُور فَأَخَذُوا فِي الْمُؤَبَّرَة بِمَنْطُوقِ الْحَدِيث، وَفِي غَيْرهَا بِمَفْهُومِهِ، وَهُوَ دَلِيل الْخِطَاب، وَهُوَ حُجَّة عِنْدهمْ، وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَة فَأَخَذَ بِمَنْطُوقِهِ فِي الْمُؤَبَّرَة، وَهُوَ لَا يَقُول بِدَلِيلِ الْخِطَاب، فَأَلْحَقَ غَيَّرَ الْمُؤَبَّرَة بِالْمُؤَبَّرَةِ، وَاعْتَرَضُوا عَلَيْهِ بِأَنَّ الظَّاهِر يُخَالِف الْمُسْتَتِر فِي بَيْع حُكْم التَّبَعِيَّة فِي الْبَيْع كَمَا أَنَّ الْجَنِين يَتْبَع الْأُمّ فِي الْبَيْع
стр. 3149
وَلَا يَتْبَعهَا الْوَلَد الْمُنْفَصِل. وَأَمَّا اِبْن أَبِي لَيْلَى فَقَوْله بَاطِلٌ مَنَابِذ لِصَرِيحِ السُّنَّة، وَلَعَلَّهُ لَمْ يَبْلُغهُ الْحَدِيث، وَاَللهُ أَعْلَم. اهـ
وقد قال الأوزاعي بقول أبي حنيفة كما في «المغني».
قلتُ: وقول مالك في أنَّ البائع ليس له استثناء غير المؤبرة حجته في ذلك أنَّ اشتراطه لها بمنزلة شرائه لها قبل بدو صلاحها، وأُجيب بأنه استثناء لبعض ما وقع عليه العقد، وهو معلوم، ولا يكون ذلك اشتراءً منه للثمرة، فالصحيح قول الجمهور في المسائل التي ذكرها النووي ﵀. (١)
مسألة [٣]: الثمرة إذا استثناها البائع، فهل يلزمه قطعها ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٦/ ١٣٢): الثَّمَرَةَ إذَا بَقِيَتْ لِلْبَائِعٍ؛ فَلَهُ تَرْكُهَا فِي الشَّجَرِ إلَى أَوَانِ الْجِزَازِ، سَوَاءٌ اسْتَحَقَّهَا بِشَرْطِهِ أَوْ بِظُهُورِهَا، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَلْزَمُهُ قَطْعُهَا، وَتَفْرِيغُ النَّخْلِ مِنْهَا؛ لِأَنَّهُ مَبِيعٌ مَشْغُولٌ بِمُلْكِ الْبَائِعِ، فَلَزِمَ نَقْلُهُ وَتَفْرِيغُهُ.
ثم أجاب ابن قدامة على أبي حنيفة، فقال: وَلَنَا أَنَّ النَّقْلَ وَالتَّفْرِيغَ لِلْمَبِيعِ عَلَى حَسَبِ الْعُرْفِ وَالْعَادَةِ، كَمَا لَوْ بَاعَ دَارًا فِيهَا طَعَامٌ، لَمْ يَجِبْ نَقْلُهُ إلَّا عَلَى حَسَبِ الْعَادَةِ فِي ذَلِكَ، وَهُوَ أَنْ يَنْقُلَهُ نَهَارًا، شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، وَلَا يَلْزَمُهُ النَّقْلُ لَيْلًا، وَلَا جَمْعُ دَوَابِّ الْبَلَدِ لِنَقْلِهِ.
стр. 3150
قال: كَذَلِكَ هَاهُنَا يُفَرِّغُ النَّخْلَ مِنْ الثَّمَرَةِ فِي أَوَانِ تَفْرِيغِهَا وَهُوَ أَوَانُ جِزَازِهَا.
قال: فَإِذَا كَانَ الْمَبِيعُ نَخْلًا، فَحِينَ تَتَنَاهَى حَلَاوَةُ ثَمَرِهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّا بُسْرُهُ خَيْرٌ مِنْ رُطَبِهِ، أَوْ مَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِأَخْذِهِ بُسْرًا؛ فَإِنَّهُ يَجُزُّهُ حِينَ تَسْتَحْكِمُ حَلَاوَةُ بُسْرِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا هُوَ الْعَادَةُ، فَإِذَا اسْتَحْكَمَتْ حَلَاوَتُهُ، فَعَلَيْهِ نَقْلُهُ. وَإِنْ قِيلَ: بَقَاؤُهُ فِي شَجَرِهِ خَيْرٌ لَهُ وَأَبْقَى؛ فَعَلَيْهِ النَّقْلُ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ فِي النَّقْلِ قَدْ حَصَلَتْ، وَلَيْسَ لَهُ إبْقَاؤُهُ بَعْدَ ذَلِكَ. وَإِنْ كَانَ الْمَبِيعُ عِنَبًا، أَوْ فَاكِهَةً سِوَاهُ، فَأَخَذَهُ حِينَ يَتَنَاهَى إدْرَاكُهُ، وَتَسْتَحْكِمُ حَلَاوَتُهُ، وَيُجَزُّ مِثْلُهُ. وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ. اهـ
مسألة [٤]: إذا أبر بعض النخل دون بعض ؟
• مذهب أحمد، وأكثر أصحابه أن ما أبر للبائع، وما لم يؤبر للمشتري؛ لظاهر الحديث.
• وقال ابن حامد الحنبلي: الكل للبائع. وهو قول الشافعي، حتى لا يؤدي إلى الإضرار باشتراك الأيدي في البستان، فيجعل ما لم يؤبر تبعًا لما أبر.
وقد رجَّح الإمام ابن عثيمين القول الأول؛ لظاهر الحديث، وهو الصواب، والله أعلم. (١)
مسألة [٥]: إذا أبرت بعض ثمرة النخلة الواحدة دون ثمرها الآخر ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٦/ ١٣٧): فَإِنَّهُ لَا خِلَافَ فِي أَنَّ تَأْبِيْرَ بَعْضِ النَّخْلَةِ يَجْعَلُ جَمِيْعَهَا لِلْبَائِعِ. اهـ
كَانَ ظَاهِرًا، وَالزِّيَادَةُ مِنْ الْأُصُولِ الَّتِي هِيَ مِلْكٌ لِلْمُشْتَرِي، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الزَّرْعُ مِمَّا تُكَرَّرُ ثَمَرَتُهُ، كَالْقِثَّاءِ، وَالْخِيَارِ، وَالْبِطِّيخِ، وَالْبَاذِنْجَانِ، وَشِبْهِهِ، فَهُوَ لِلْمُشْتَرِي، وَالثَّمَرَةُ الظَّاهِرَةُ عِنْد الْبَيْع لِلْبَائِعِ. اهـ
مسألة [١١]: إذا باع أرضًا، فهل يدخل فيها البناء والشجر الموجود فيها ؟
قال السبكي ﵀ في «تكملة المجموع» (١١/ ٢٤٩): وقد رأيت ابن حزم الظاهري ادَّعى الإجماع في كتابه «المحلى» على أنَّ من اشترى أرضًا فهي له بكل ما فيها من بناء قائم، أو شجر ثابت، وهذه دعوى منكرة، وهي بإطلاقها تشمل ما إذا قال بحقوقها وما إذا لم يقل، بل هي ظاهرة في الثاني والخلاف مشهور في المذهب. اهـ
قلتُ: أما إذا قال بحقوقها؛ فعامة أهل العلم على أنَّ البناء، والشجر يتبعها، وخالف بعض الشافعية، وأما إذا لم يقل بحقوقها؛ فخالف بعض الشافعية، والحنابلة فقالوا: لا يتبع الأرضَ البناءُ والشجرُ، والأكثر على أنه يتبع، وهذا أقرب، والله أعلم. (١)
مسألة [١٢]: هل بيع الغراس والبناء يتبعه الأرض ؟
• مذهب الحنابلة، والشافعية أنَّ الأرض لا تتبع؛ لأنَّ الأرض أصل، والشجر والبناء فرع.
• ومذهب أبي حنيفة، ومالك استتباع الأرض للغرس والبناء.
قال الإمام ابن عثيمين ﵀ في «الشرح الممتع» (٩/ ١١): النخل فرعٌ؛ فلا
стр. 3155
يتبعه الأصل، فالأرض أصل والنخل فرع، ولا يمكن أن يتبع الأصل الفرع، ولكن في عرفنا نحن وإلى عهد قريب إذا باع عليه النخلة، أو باع عليه أثلة، أو ما أشبه ذلك؛ فإنه يشمل الأرض، ولا يعرف الناس إلا هذا، وعليه فيجب أن تنزل الألفاظ على الحقائق العرفية؛ مالم ينص على أنَّ المراد بها الحقائق اللغوية، فيتبع ما نصَّ عليه، وأما عند الإطلاق؛ فالواجب حمل الألفاظ على لسان أهل العرف، وهذه قاعدة مُطَّرِدة: (أنَّ الواجب حمل الألفاظ على لسان أهل العرف) فما اقتضاه لسان أهل العرف وجب حمل اللفظ عليه، وما لا فلا. اهـ
قلتُ: وهذه القاعدة التي ذكرها ابن عثيمين ﵀ تتنزل على المسائل السابقة كلها؛ فإنْ كان للبائع والمشتري عرف مخالف لما تقدم ترجيحه؛ فالعرف مقدم؛ لأنه قائم مقام الاشتراط، فتنبه!. (١)
مسألة [١٣]: إذا باع دارًا، فهل يتبعها كل ما فيها ؟
ذكر أهل العلم على أن بيعها بالإطلاق يشمل الأشياء المتصلة بها، ولا يشمل الأشياء المنفصلة، ومثال المتصلة: أرض الدار، وسقفها، وأبوابها، وأحجارها، ومثال المنفصلة: الفرش، والستور، وما أشبه ذلك. (٢)
مسألة [١٤]: إذا باع أرضًا وفيها كنز ؟
قال الإمام ابن عثيمين ﵀ في «الشرح الممتع» (٩/ ٨): الكنز مودع في