← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 165

فتح العلام في دراسة أحاديث بلوغ المرام ط 4

محمد بن علي بن حزام البعداني

Полный текст (5 956 стр.). Показаны 3151–3190 · переход к 3156.

стр. 3151

مسألة [٦]: إذا احتاجت الثمرة إلى السقي ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٦/ ١٣٧): وَإِذَا كَانَتْ الثَّمَرَةُ لِلْبَائِعٍ مُبَقَّاةً فِي شَجَرِ الْمُشْتَرِي، فَاحْتَاجَتْ إلَى سَقْيٍ؛ لَمْ يَكُنْ لِلْمُشْتَرِي مَنْعُهُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ يَبْقَى بِهِ، فَلَزِمَهُ تَمْكِينُهُ مِنْهُ، كَتَرْكِهِ عَلَى الْأُصُولِ، وَإِنْ أَرَادَ سَقْيَهَا مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ، فَلِلْمُشْتَرِي مَنْعُهُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ بِسَقْيِهِ يَتَضَمَّنُ التَّصَرُّفَ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ مَنْعُهُ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ، وَإِنَّمَا أَبَاحَتْهُ الْحَاجَةُ؛ فَإِنْ لَمْ تُوجَدْ الْحَاجَةُ يَبْقَى عَلَى أَصْلِ الْمَنْعِ؛ فَإِنْ احْتَاجَتْ إلَى السَّقْيِ، وَفِيهِ ضَرَرٌ عَلَى الشَّجَرِ، أَوْ احْتَاجَ الشَّجَرُ إلَى سَقْيٍ يَضُرُّ بِالثَّمَرَةِ، فَقَالَ الْقَاضِي: أَيُّهُمَا طَلَبَ السَّقْيَ لِحَاجَتِهِ أُجْبِرَ الْآخَرُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ فِي الْعَقْدِ عَلَى ذَلِكَ؛ فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ اقْتَضَى عَقْدُهُ تَبْقِيَةَ الثَّمَرَةِ، وَالسَّقْيُ مِنْ تَبْقِيَتِهَا، وَالْعَقْدُ اقْتَضَى تَمْكِينَ الْمُشْتَرِي مِنْ حِفْظِ الْأُصُولِ، وَتَسْلِيمِهَا، فَلَزِمَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا أَوْجَبَهُ الْعَقْدُ لِلْآخَرِ، وَإِنْ أَضَرَّ بِهِ، وَإِنَّمَا لَهُ أَنْ يَسْقِيَ بِقَدْرِ حَاجَتِهِ؛ فَإِنْ اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الْحَاجَةِ، رُجِعَ إلَى أَهْلِ الْخِبْرَةِ. وَأَيُّهُمَا الْتَمَسَ السَّقْيَ؛ فَالْمُؤْنَةُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لِحَاجَتِهِ. اهـ مسألة [٧]: إذا خيف على الأصول العطش بتبقية الثمر عليها ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٦/ ١٣٧ - ): فَإِنْ خِيفَ عَلَى الْأُصُولِ الضَّرَرُ بِتَبْقِيَةِ الثَّمَرَةِ عَلَيْهَا؛ لِعَطَشٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَالضَّرَرُ يَسِيرٌ، لَمْ يُجْبَرْ عَلَى قَطْعِهَا؛ لِأَنَّهَا مُسْتَحِقَّةٌ لِلْبَقَاءِ، فَلَمْ يُجْبَرْ عَلَى إزَالَتِهَا لِدَفْعِ ضَرَرٍ يَسِيرٍ عَنْ غَيْرِهِ. وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا، فَخِيفَ عَلَى الْأُصُولِ الْجَفَافُ أَوْ نَقْصُ حَمْلِهَا، فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا

стр. 3152

يُجْبَرُ أَيْضًا لِذَلِكَ. الثَّانِي: يُجْبَرُ عَلَى الْقَطْعِ؛ لِأَنَّ الضَّرَرَ يَلْحَقُهَا وَإِنْ لَمْ تُقْطَعْ، وَالْأُصُولُ تَسْلَمُ بِالْقَطْعِ، فَكَانَ الْقَطْعُ أَوْلَى. وَلِلشَّافِعِي قَوْلَانِ كَالْوَجْهَيْنِ. اهـ قلتُ: والوجه الثاني أقرب، والله أعلم. (١) مسألة [٨]: إذا باع شجرًا وفيه ثمر للبائع، فحدثت ثمرة أخرى ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٦/ ١٣٨): وَإِذَا بَاعَ شَجَرًا فِيهِ ثَمَرٌ لِلْبَائِعٍ، فَحَدَثَتْ ثَمَرَةٌ أُخْرَى، أَوْ اشْتَرَى ثَمَرَةً فِي شَجَرِهَا، فَحَدَثَتْ ثَمَرَةٌ أُخْرَى؛ فَإِنْ تَمَيَّزَتَا، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ ثَمَرَتُهُ، وَإِنْ لَمْ تَتَمَيَّزْ إحْدَاهُمَا مِنْ الْأُخْرَى، فَهُمَا شَرِيكَانِ فِيهِمَا، كُلُّ وَاحِدٍ بِقَدْرِ ثَمَرَتِهِ؛ فَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ قَدْرُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا، اصْطَلَحَا عَلَيْهَا، وَلَا يَبْطُلُ الْعَقْدُ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ لَمْ يَتَعَذَّرْ تَسْلِيمُهُ، وَإِنَّمَا اخْتَلَطَ بِغَيْرِهِ. ثم نقل عن الْقَاضِي أنه قال: إنْ كَانَتْ الثَّمَرَةُ لِلْبَائِعِ، فَحَدَثَتْ ثَمَرَةٌ أُخْرَى، قِيلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ: اسْمَحْ بِنَصِيبِك لِصَاحِبِك؛ فَإِنْ فَعَلَهُ أَحَدُهُمَا، أَقْرَرْنَا الْعَقْدَ وَأَجْبَرْنَا الْآخَرَ عَلَى الْقَبُولِ؛ لِأَنَّهُ يَزُولُ بِهِ النِّزَاعُ، وَإِنْ امْتَنَعَا، فَسَخْنَا الْعَقْدَ؛ لِتَعَذُّرِ وُصُولِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَى قَدْرِ حَقِّهِ. وَإِنْ اشْتَرَى ثَمَرَةً، فَحَدَثَتْ ثَمَرَةٌ أُخْرَى، لَمْ نَقُلْ لِلْمُشْتَرِي: اسْمَحْ بِنَصِيبِك؛ لِأَنَّ الثَّمَرَةَ كُلُّ الْمَبِيعِ، فَلَا يُؤْمَرُ بِتَخْلِيَتِهِ كُلِّهِ، وَنَقُولُ لِلْبَائِعِ ذَلِكَ؛ فَإِنْ سَمَحَ بِنَصِيبِهِ لِلْمُشْتَرِي أَجْبَرْنَاهُ عَلَى الْقَبُولِ، وَإِلَّا فُسِخَ الْبَيْعُ بَيْنَهُمَا، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. اهـ

стр. 3153

مسألة [٩]: إذا باع أرضًا وفيها زرعٌ لا يحصد إلا مرة . قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٦/ ١٣٩): إذَا بَاعَ الْأَرْضَ وَفِيهَا زَرْعٌ لَا يُحْصَدُ إلَّا مَرَّةً، كَالْحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ، وَالْقَطَانِيِّ، وَمَا الْمَقْصُودُ مِنْهُ مُسْتَتِرٌ، كَالْجَزَرِ، وَالْفُجْلِ، وَالْبَصَلِ، وَالثُّومِ، وَأَشْبَاهِهَا، فَاشْتَرَطَهُ لِلْمُشْتَرِي؛ فَهُوَ لَهُ، قَصِيلًا كَانَ أَوْ ذَا حَبٍّ، مُسْتَتِرًا أَوْ ظَاهِرًا، مَعْلُومًا أَوْ مَجْهُولًا؛ لِكَوْنِهِ دَخَلَ فِي الْبَيْعِ تَبَعًا لِلْأَرْضِ، فَلَمْ يَضُرَّ جَهْلُهُ وَعَدَمُ كَمَالِهِ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى شَجَرَةً فَاشْتَرَطَ ثَمَرَتَهَا بَعْدَ تَأْبِيرِهَا، وَإِنْ أُطْلِقَ الْبَيْعُ، فَهُوَ لِلْبَائِعِ؛ لِأَنَّهُ مُودَعٌ فِي الْأَرْضِ، فَهُوَ كَالْكَنْزِ، وَالْقُمَاشِ، وَلِأَنَّهُ يُرَادُ لِلنَّقْلِ، فَأَشْبَهَ الثَّمَرَةَ الْمُؤَبَّرَةَ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا. قال: وَيَكُونُ لِلْبَائِعِ مُبْقًى فِي الْأَرْضِ إلَى حِينِ الْحَصَادِ بِغَيْرِ أُجْرَةٍ؛ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ حَصَلَتْ مُسْتَثْنَاةً لَهُ، وَعَلَيْهِ حَصَادُهُ فِي أَوَّلِ وَقْتِ حَصَادِهِ، وَإِنْ كَانَ بَقَاؤُهُ أَنْفَعَ لَهُ، كَقَوْلِنَا فِي الثَّمَرَةِ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: عَلَيْهِ نَقْلُهُ عَقِيبَ الْبَيْعِ. كَقَوْلِهِ فِي الثَّمَرَةِ، وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِيهَا. اهـ مسألة [١٠]: إذا باع أرضًا وفيها زرع يجز مرة بعد أخرى ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٦/ ١٤٠): وَإِنْ بَاعَ أَرْضًا وَفِيهَا زَرْعٌ يُجَزُّ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى؛ فَالْأُصُولُ لِلْمُشْتَرِي، وَالْجَزَّةُ الظَّاهِرَةُ عِنْدَ الْبَيْعِ لِلْبَائِعِ، سَوَاءٌ كَانَ مِمَّا يَبْقَى سَنَةً كَالْهِنْدَبَا، وَالْبُقُولِ، أَوْ أَكْثَرَ كَالرَّطْبَةِ، وَعَلَى الْبَائِعِ قَطْعُ مَا يَسْتَحِقُّهُ مِنْهُ فِي الْحَالِ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ لِذَلِكَ حَدٌّ يَنْتَهِي إلَيْهِ؛ وَلِأَنَّ ذَلِكَ يَطُولُ، وَيَخْرُجُ غَيْرُ مَا

стр. 3154

كَانَ ظَاهِرًا، وَالزِّيَادَةُ مِنْ الْأُصُولِ الَّتِي هِيَ مِلْكٌ لِلْمُشْتَرِي، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الزَّرْعُ مِمَّا تُكَرَّرُ ثَمَرَتُهُ، كَالْقِثَّاءِ، وَالْخِيَارِ، وَالْبِطِّيخِ، وَالْبَاذِنْجَانِ، وَشِبْهِهِ، فَهُوَ لِلْمُشْتَرِي، وَالثَّمَرَةُ الظَّاهِرَةُ عِنْد الْبَيْع لِلْبَائِعِ. اهـ مسألة [١١]: إذا باع أرضًا، فهل يدخل فيها البناء والشجر الموجود فيها ؟ قال السبكي ﵀ في «تكملة المجموع» (١١/ ٢٤٩): وقد رأيت ابن حزم الظاهري ادَّعى الإجماع في كتابه «المحلى» على أنَّ من اشترى أرضًا فهي له بكل ما فيها من بناء قائم، أو شجر ثابت، وهذه دعوى منكرة، وهي بإطلاقها تشمل ما إذا قال بحقوقها وما إذا لم يقل، بل هي ظاهرة في الثاني والخلاف مشهور في المذهب. اهـ قلتُ: أما إذا قال بحقوقها؛ فعامة أهل العلم على أنَّ البناء، والشجر يتبعها، وخالف بعض الشافعية، وأما إذا لم يقل بحقوقها؛ فخالف بعض الشافعية، والحنابلة فقالوا: لا يتبع الأرضَ البناءُ والشجرُ، والأكثر على أنه يتبع، وهذا أقرب، والله أعلم. (١) مسألة [١٢]: هل بيع الغراس والبناء يتبعه الأرض ؟ • مذهب الحنابلة، والشافعية أنَّ الأرض لا تتبع؛ لأنَّ الأرض أصل، والشجر والبناء فرع. • ومذهب أبي حنيفة، ومالك استتباع الأرض للغرس والبناء. قال الإمام ابن عثيمين ﵀ في «الشرح الممتع» (٩/ ١١): النخل فرعٌ؛ فلا

стр. 3155

يتبعه الأصل، فالأرض أصل والنخل فرع، ولا يمكن أن يتبع الأصل الفرع، ولكن في عرفنا نحن وإلى عهد قريب إذا باع عليه النخلة، أو باع عليه أثلة، أو ما أشبه ذلك؛ فإنه يشمل الأرض، ولا يعرف الناس إلا هذا، وعليه فيجب أن تنزل الألفاظ على الحقائق العرفية؛ مالم ينص على أنَّ المراد بها الحقائق اللغوية، فيتبع ما نصَّ عليه، وأما عند الإطلاق؛ فالواجب حمل الألفاظ على لسان أهل العرف، وهذه قاعدة مُطَّرِدة: (أنَّ الواجب حمل الألفاظ على لسان أهل العرف) فما اقتضاه لسان أهل العرف وجب حمل اللفظ عليه، وما لا فلا. اهـ قلتُ: وهذه القاعدة التي ذكرها ابن عثيمين ﵀ تتنزل على المسائل السابقة كلها؛ فإنْ كان للبائع والمشتري عرف مخالف لما تقدم ترجيحه؛ فالعرف مقدم؛ لأنه قائم مقام الاشتراط، فتنبه!. (١) مسألة [١٣]: إذا باع دارًا، فهل يتبعها كل ما فيها ؟ ذكر أهل العلم على أن بيعها بالإطلاق يشمل الأشياء المتصلة بها، ولا يشمل الأشياء المنفصلة، ومثال المتصلة: أرض الدار، وسقفها، وأبوابها، وأحجارها، ومثال المنفصلة: الفرش، والستور، وما أشبه ذلك. (٢) مسألة [١٤]: إذا باع أرضًا وفيها كنز ؟ قال الإمام ابن عثيمين ﵀ في «الشرح الممتع» (٩/ ٨): الكنز مودع في

стр. 3156

الأرض؛ فلا يدخل في البيع؛ لأنه منفصل، فإذا وجد المشتري في هذه الأرض كنزًا؛ فإنه لا يدخل في البيع، بل يكون لصاحبه إذا كان مكتوبًا عليه، أو ما أشبه ذلك، وإن لم يكن مكتوبًا عليه؛ فإنه لمن وجده؛ لأنه ليس داخلًا في البيع. اهـ وقد أشرنا إلى المسألة الأخيرة من كلامه ﵀ في كتاب الزكاة عند الكلام على الرِّكاز. مسألة [١٥]: إذا باع أرضًا وفيها بئر، أو عين ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٦/ ١٤٥): وَإِذَا كَانَ فِي الْأَرْضِ بِئْرٌ أَوْ عَيْنٌ مُسْتَنْبَطَةٌ، فَنَفْسُ الْبِئْرِ وَأَرْضُ الْعَيْنِ مَمْلُوكَةٌ لِمَالِكِ الْأَرْضِ، وَالْمَاءُ الَّذِي فِيهَا غَيْرُ مَمْلُوكٍ؛ لِأَنَّهُ يَجْرِي مِنْ تَحْتِ الْأَرْضِ إلَى مِلْكِهِ، فَأَشْبَهَ الْمَاءَ الْجَارِيَ فِي النَّهْرِ إلَى مِلْكِهِ، وَهَذَا أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ. وَالْوَجْهُ الْآخَرُ: يَدْخُلُ فِي الْمِلْكِ؛ لِأَنَّهُ نَمَاءُ الْمِلْكِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يُمْلَكُ. ثم قال: وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي النَّابِتِ فِي أَرْضِهِ مِنْ الْكَلَأِ وَالشَّوْكِ، فَفِي كُلِّ ذَلِكَ يُخَرَّجُ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْمَاءِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْمَاءَ لَا يُمْلَكُ، فَكَذَلِكَ هَذِهِ. اهـ قال أبو عبد الله غفر الله له: الصحيح أنه لا يملك الماء، ولكنه أحق به، وليس له أن يمنع ما فضل عن حاجته، وتقدم ذكر المسائل المتعلقة بذلك تحت حديث (٧٧٨).

стр. 3157

مسألة [١٦]: إذا باع عبدًا، وله مال، أو أمةً ولها حُلي ؟ المال والحلي للبائع؛ إلا أن يشترط المبتاع، وهو قول عامة أهل العلم، وممن نصَّ على ذلك ابن عمر، ونافع، وشريح، وعطاء، وطاوس، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وغيرهم؛ لحديث ابن عمر ﵄ في «الصحيحين»: «من باع عبدًا له مال؛ فماله للذي باع إلا أن يشترط المبتاع». (١) تنبيه: الأشجار الأخرى غير النخل إذا ظهرت الثمرة فيها فحكمها حكم النخلة التي قد أُبِّرت ثمرتها. (٢)

стр. 3158

أَبْوَابُ السَّلَمِ () هو بيع شيء موصوف بالذمة إلى أجل معلوم بمال مأخوذ في مجلس العقد. وَالقَرْضِ وَالرَّهْنِ أَبْوَابُ السَّلَمِ وَالقَرْضِ وَالرَّهْنِ ٨٤١ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ المَدِينَةَ، وَهُمْ يُسْلِفُونِ فِي الثِّمَارِ السَّنَةَ وَالسَّنَتَيْنِ، فَقَالَ: «مَنْ أَسْلَفَ فِي تَمْرٍ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ، إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِلْبُخَارِيِّ: «مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ». (١) ٨٤٢ - وَعَنْ عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى وَعَبْدِاللهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى ﵄ قَالَا: كُنَّا نُصِيبُ المَغَانِمَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَكَانَ يَأْتِينَا أَنْبَاطٌ مِنْ أَنْبَاطِ الشَّامِ فَنُسْلِفُهُمْ فِي الحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالزَّبِيبِ. وَفِي رِوَايَةٍ: وَالزَّيْتِ إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى، قِيلَ: أَكَانَ لَهُمْ زَرْعٌ؟ قَالَا: مَا كُنَّا نَسْأَلُهُمْ عَنْ ذَلِكَ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. (٢) المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين مع ذكر بعض المسائل الملحقة مسألة [١]: تعريف السَّلَم . قال ابن قدامة ﵀ في «المغني»: هُوَ أَنْ يُسْلِمَ عِوَضًا حَاضِرًا، فِي عِوَضٍ مَوْصُوفٍ فِي الذِّمَّةِ إلَى أَجَلٍ، وَيُسَمَّى سَلَمًا، وَسَلَفًا. يُقَالُ: أَسْلَمَ، وَأَسْلَفَ، وَسَلَّفَ. وَهُوَ نَوْعٌ مِنْ الْبَيْعِ، يَنْعَقِدُ بِمَا يَنْعَقِدُ بِهِ الْبَيْعُ، وَبِلَفْظِ السَّلَمِ وَالسَّلَفِ،

стр. 3159

وَيُعْتَبَرُ فِيهِ مِنْ الشُّرُوطِ مَا يُعْتَبَرُ فِي الْبَيْعِ. اهـ قال النووي ﵀: وَسُمِّيَ سَلَمًا لِتَسْلِيْمِ رَأْسِ المَالِ فِي المَجْلِسِ، وَسُمِّيَ سَلَفًا لِتَقْدِيْمِ رَأْسِ المَال. اهـ (١) مسألة [٢]: مشروعية السلم . دلَّ على مشروعية السلم الكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة:٢٨٢] الآية. وأما السنة: فأحاديث الباب تدل عليه. وأما الإجماع: فقد نقله غير واحد من أهل العلم، كابن المنذر، وابن قدامة، والنووي، وغيرهم. (٢) مسألة [٣]: شروط السلم . للسَّلم شروطٌ زائدة على الشروط المعتبرة في البيع وهي: الشرط الأول: أن يصفه بوصف يضبط به. قال النووي ﵀ في «شرح مسلم» (١١/ ٤١): وأجمعوا على اشتراط وصفه بما يضبط به. اهـ وقال الحافظ ابن حجر ﵀ في «الفتح» (٢٢٤٢): أجمعوا على أنه لا بد من

стр. 3160

معرفة صفة الشيء المسلم فيه صفة تميزه عن غيره. اهـ (١) مسألة [٤]: هل يصح السلم في الجواهر ؟ • قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٦/ ٣٨٦): وَلَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِيمَا لَا يَنْضَبِطُ بِالصِّفَةِ، كَالْجَوْهَرِ مِنْ اللُّؤْلُؤ، وَالْيَاقُوتِ، وَالْفَيْرُوزَجِ، وَالزَّبَرْجَدِ، وَالْعَقِيقِ، وَالْبَلُّورِ؛ لِأَنَّ أَثْمَانَهَا تَخْتَلِفُ اخْتِلَافًا مُتَبَايِنًا بِالصِّغَرِ، وَالْكِبَرِ، وَحُسْنِ التَّدْوِيرِ، وَزِيَادَةِ ضَوْئِهَا، وَصَفَائِهَا، وَلَا يُمْكِنُ تَقْدِيرُهَا بِبَيْضِ الْعُصْفُورِ، وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ، وَلَا بِشَيْءِ مُعَيَّنٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَتْلَفُ. وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ. وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ صِحَّةُ السَّلَمِ فِيهَا، إذَا اشْتَرَطَ مِنْهَا شَيْئًا مَعْلُومًا، وَإِنْ كَانَ وَزْنًا؛ فَبِوَزْنٍ مَعْرُوفٍ. اهـ قلتُ: إن استُطِيع ضبطها بما قال مالك؛ فيجوز، وإلا فلا، كما قال الجمهور، والله أعلم. وظاهر اختيار الشيخ ابن عثيمين هو قول الجمهور، كما في «الشرح الممتع» (٩/ ٥٩). مسألة [٥]: السَّلَم في الخبز وما مسته النار . • منع من ذلك الشافعي؛ لأنَّ النار تختلف ويختلف عملها، ويختلف الثمن بذلك. وأجاز ذلك الحنابلة؛ لعموم حديث ابن عباس ﵄: «من أسلف في شيء»، ولأنَّ عمل النار فيه معلوم بالعادة، ممكنٌ ضبطه بالنشافة، والرطوبة، فصح السلم فيه كالمجفف بالشمس.

стр. 3161

قلتُ: قول الحنابلة أقرب، والله أعلم. (١) مسألة [٦]: هل يصح السلم في الحيوان ؟ • في المسألة قولان: القول الأول: لا يصح السلم فيه، وهو قول سعيد بن جبير، والشعبي، وشريح، والثوري، وأصحاب الرأي، ورواية عن أحمد، وجاء عن عمر، وحذيفة، ولا يثبت عنهما، وجاء عن ابن مسعود كراهة ذلك. أخرجه ابن المنذر بإسناد صحيح. وحجتهم في ذلك أنَّ الحيوان يختلف اختلافًا متباينًا، فلا يمكن ضبطه. القول الثاني: صحة السلم فيه، وهو قول سعيد بن المسيب، والحسن، والشعبي، ومجاهد، والزهري، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وصح عن ابن عمر، وجاء عن ابن مسعود بإسنادٍ منقطع. واستدلوا على ذلك بحديث أبي رافع أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- استسلف من رجلٍ بكرًا ... الحديث أخرجه مسلم برقم (١٦٠٠)، وبحديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أمره أن يشتري البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة. وقد تقدم برقم (٨٢٦). وقالوا: يمكن ضبطه بالسن، والنوع، والذكورة، والأنوثة، والصفات التي يختلف بها الثمن. وهذا القول أقرب، والله أعلم، وهو ظاهر اختيار الشيخ ابن

стр. 3162

عثيمين ﵀. (١) مسألة [٧]: السلم في اللحم . قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٦/ ٣٩١): وَيَصِحُّ السَّلَمُ فِي اللَّحْمِ. وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ يَخْتَلِفُ. وَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : «مَنْ أَسْلَمَ؛ فَلْيُسْلِمْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، أَوْ وَزْنٍ مَعْلُومٍ»، وَظَاهِرُهُ إبَاحَةُ السَّلَمِ فِي كُلِّ مَوْزُونٍ. وَلِأَنَّنَا قَدْ بَيَّنَّا جَوَازَ السَّلَمِ فِي الْحَيَوَانِ؛ فَاللَّحْمُ أَوْلَى. اهـ مسألة [٨]: السلم في الرؤوس والأطراف . • قال بالجواز مالك، والأوزاعي، وأبو ثور، وأحمد في رواية، والشافعي في قولٍ له؛ لأنه لحم فيه عظم يجوز شراؤه؛ فجاز السلم فيه كبقية اللحم. • وقال بعدم الجواز أبو حنيفة، وأحمد في رواية، والشافعي في قولٍ له؛ لأنَّ أكثره العظام وغير اللحم، واللحم فيه قليل، وليس بموزون، بخلاف اللحم. والقول الأول أقرب، والله أعلم. (٢) الشرط الثاني: تحديد الكيل أو الوزن، أو الذرع فيما يُكال أو يوزن، أو يذرع. ويدل على هذا الشرط حديث ابن عباس ﵄ الذي في الباب: « ... فليُسلف في شيء معلومٍ إلى أجل معلوم».

стр. 3163

قال الحافظ ابن حجر ﵀ في «الفتح» (٢٢٤٢): قَالَ اِبْن بَطَّال: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ إِنْ كَانَ فِي السَّلَم مَا يُكَال أَوْ يُوزَن؛ فَلَا بُدّ فِيهِ مِنْ ذِكْر الْكَيْل الْمَعْلُوم، وَالْوَزْن الْمَعْلُوم؛ فَإِنْ كَانَ فِيمَا لَا يُكَال وَلَا يُوزَن؛ فَلَا بُدّ فِيهِ مِنْ عَدَد مَعْلُوم. قُلْت: أَوْ ذَرْع مَعْلُوم، وَالْعَدَد وَالذَّرْع مُلْحَق بِالْكَيْلِ وَالْوَزْن؛ لِلْجَامِعِ بَيْنهمَا وَهُوَ عَدَم الْجَهَالَة بِالْمِقْدَارِ. اهـ قال ابن قدامة ﵀: وَلَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيرِ الْمَذْرُوعِ بِالذَّرْعِ، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ السَّلَمَ جَائِزٌ فِي الثِّيَابِ بِذَرْعِ مَعْلُومٍ. اهـ «المغني» (٦/ ٤٠١). تنبيه: ويدخل في هذا الشرط تعيين المكيال. قال الحافظ ﵀ في «الفتح» (٢٢٤٠): واتفقوا على تعيين الكيل فيما يسلم فيه من المكيل، كصاع الحجاز، وقفيز العراق، وإردب مصر. اهـ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٦/ ٤٠٠): قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْمُسْلَمَ فِي الطَّعَامِ لَا يَجُوزُ بِقَفِيزٍ لَا يُعْلَمُ عِيَارُهُ، وَلَا فِي ثَوْبٍ بِذَرْعِ فُلَانٍ؛ لِأَنَّ الْمِعْيَارَ لَوْ تَلِفَ، أَوْ مَاتَ فُلَانٌ، بَطَلَ السَّلَمُ، مِنْهُمْ: الثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ، وَأَبُو ثَوْرٍ. وَإِنْ عَيَّنَ مِكْيَالَ رَجُلٍ أَوْ مِيزَانَهُ، وَكَانَا مَعْرُوفَيْنِ عِنْدَ الْعَامَّةِ؛ جَازَ، وَلَمْ يَخْتَصَّ بِهِمَا، وَإِنْ لَمْ يُعْرَفَا؛ لَمْ يَجُزْ. اهـ

стр. 3164

مسألة [٩]: هل يصح السلم فيما يكال وزنًا، وفيما يوزن كيلًا ؟ • أكثر أهل العلم على جواز ذلك، وهو مذهب الشافعي، ومالك، وابن المنذر، وأحمد في رواية؛ لأنَّ المقصود هو تحديد المقدار، وذلك يحصل بالكيل، أو بالوزن، ورجَّح هذا الإمام ابن عثيمين. • وعن أحمد رواية بمنع ذلك، وعن بعض الشافعية منع السلم في الموزون كيلًا. والصحيح قول الجمهور، وإنما اعتبرنا الكيل والوزن في باب الربا؛ لأنه يشترط التماثل، والشرع اعتبر التماثل في المكيلات بالكيل، وإن اختلف وزنها، وفي الموزونات بالوزن، وإن اختلف كيلها. (١) مسألة [١٠]: السلم في غير المكيل والموزون من الأطعمة . • ذهب جماعة من أهل العلم إلى صحة السلم في ذلك، وهو مذهب الشافعي، وأبي حنيفة، والأوزاعي، وأحمد في رواية؛ لأنَّ كثيرًا من ذلك مما يتقارب وينضبط بالصغر والكبر، وما لا يتقارب ينضبط بالوزن. • ونقل ابن المنذر عن أحمد، وإسحاق أنهما قالا: لا خير في السلم في الرمان، والسفرجل، والبطيخ، والقثاء، والخيار؛ لأنه لا يكال، ولا يوزن، ومنه الصغير والكبير، ونقل عن الشافعي أنه قال بالمنع من السلم في البيض والجوز.

стр. 3165

قلتُ: والراجح هو الجواز، والله أعلم. (١) • واختلف القائلون بالجواز هل تسلم عددًا، أم وزنًا، وهي على نوعين: ١) ما يتباين ويتفاوت في كبره وصغره، كالرمان، والبطيخ، والسفرجل، والخيار، فأكثر أهل العلم على أنه يسلم فيها وزنًا، وهو قول أبي حنيفة، والشافعي، ووجهٌ للحنابلة، وهذا هو الصواب. وللحنابلة وجه أنه يسلم فيها بالعدد، ويضبطه بالصغر والكبر. ٢) مالا يتباين كثيرًا كالجوز، والبيض ونحوهما، فيسلم فيه عددًا عند الحنابلة، وأبي حنيفة، والأوزاعي، وقال الشافعي: يسلم فيها كيلًا، أو وزنًا، ولا يجوز عددًا لتباينها كالبطيخ. قلتُ: والأظهر هو جواز إسلامها عددًا؛ لأنَّ التباين يسير، والأحوط وزنًا، والله أعلم. (٢) الشرط الثالث: أن يكون الأجل معلومًا. ويدل على هذا الشرط حديث ابن عباس الذي في الباب. قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٦/ ٤٠٣): ولا نعلم في اشتراط العلم في الجملة اختلافًا. اهـ

стр. 3166

مسألة [١١]: هل يصح السلم الحال ؟ السلم الحال: هو أن يسلم المال مقابل سلعة موصوفة بالذمة، فلا يجعلون أجلًا، بل يذهب ليعطيه في الحال. • وقد ذهب كثير من أهل العلم إلى منع ذلك، وهو قول أحمد، ومالك، والأوزاعي، وأبي حنيفة، وعزاه الحافظ إلى الأكثر. واستدلوا بقوله في حديث ابن عباس: «إلى أجل معلوم». • وذهب الشافعي، وأبو ثور، وابن المنذر إلى جواز ذلك، وقالوا: إذا كان السلم جائزًا مؤجلًا مع الغرر؛ فجواز الحال أولى؛ لأنه أبعد من الغرر. وليس ذكر الأجل في الحديث لاشتراط الأجل، بل معناه: إن كان أجلًا فليكن معلومًا كما أنَّ الكيل ليس بشرط. بل يجوز السلم في الثياب بالذرع، وإنما ذكر الكيل بمعنى أنه إن أسلم في مكيل؛ فليكن كيلًا معلومًا أو في موزون؛ فليكن وزنًا معلومًا. وهذا القول هو اختيار شيخ الإسلام، والشيخ ابن عثيمين، وهو الصواب، والله أعلم؛ إلا أن شيخ الإسلام قيَّد الجواز بما إذا كان المسلم فيه موجودًا في ملكه. (١)

стр. 3167

مسألة [١٢]: السلم إلى الحصاد، أو الجزاز، وما أشبهه . قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٦/ ٤٠٣): وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُؤَجِّلَهُ بِالْحَصَادِ، وَالْجِزَازِ وَمَا أَشْبَهَهُ، وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ (١)، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ. وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى أَنَّهُ قَالَ: أَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ. وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَبْتَاعُ إلَى الْعَطَاء. (٢) وَبِهِ قَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى. اهـ قلتُ: والقول بالجواز أقرب، وهو اختيار شيخ الإسلام ﵀؛ لأنه قد حدد الأجل، وأصبح معلومًا بينهما، والله أعلم. تنبيه: التأجيل إذا حُدِّدَ بالأَشْهُر الهلالية؛ جاز وصح بلا خلاف، وإذا حُدِّد بتاريخ العجم فيجوز إذا كان معلومًا عند الأكثر، وهو الصحيح. (٣) مسألة [١٣]: هل يشترط في المدة وقتًا معينًا ؟ • مذهب الحنابلة أنه يشترط في المدة أن يكون لها وقع في الثمن، ومذهب الحنفية الصحة، ولو بنصف يوم، وقال الأوزاعي: ثلاثة أيام. • ومذهب الشافعي وآخرين: أنَّ أقل مدة يتصور فيها تحصيل السلم تجوز في السلم وهو ترجيح الإمام ابن عثيمين وهو مقتضى اختيار شيخ الإسلام ﵀. (٤)

стр. 3168

الشرط الرابع: كون المسلم فيه موجودًا في محله. قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٦/ ٤٠٦): لا نعلم فيه خلافًا. اهـ أي: في اشتراطه، ومعنى هذا الشرط: أنه لا يجوز أن يسلم في شيء، وهذا الشيء لا يستطاع إيجاده في أجل التسليم. مسألة [١٤]: وهل يشترط أن يكون الشيء موجودًا عند العقد ؟ • جمهور العلماء على أنه لا يشترط ذلك؛ لحديث عبد الرحمن بن أبزى، وعبدالله بن أبي أوفى، وفيه: «أكان لهم زرع؟ قالا: ما كنا نسألهم ذلك». • واشترط ذلك أبو حنيفة، والثوري، والأوزاعي، فقالوا: لا يسلم إلا في شيء موجود، لا ينقطع قبل محل التسليم. قلتُ: الصواب قول الجمهور، ولا دليل لهم على اشتراط ذلك. (١) مسألة [١٥]: إذا أسْلَمَ في شيء موجود، ثم عدم في وقت التسليم . • ذهب بعض الشافعية، والحنابلة إلى أنَّ العقد ينفسخ بمجرد التعذر. • ومذهب الجمهور أنه لا ينفسخ، وقالوا: الْمُسْلِمُ بالخيار بين أن يصبر إلى أن يوجد فيطالب به، وبين أن يفسخ العقد ويرجع بالثمن إن كان موجودًا، أو بمثله إن كان مثليًّا، أو بقيمته إن كان متقومًا، ومذهب الجمهور هو الصواب، والله أعلم. (٢)

стр. 3169

مسألة [١٦]: هل يصح السلم في بستان معين ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٦/ ٤٠٦): وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُسْلِمَ فِي ثَمَرَةِ بُسْتَانٍ بِعَيْنِهِ، وَلَا قَرْيَةٍ صَغِيرَةٍ؛ لِكَوْنِهِ لَا يُؤْمَنُ تَلَفُهُ وَانْقِطَاعُهُ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: إبْطَالُ السَّلَمِ إذَا أَسْلَمَ فِي ثَمَرَةِ بُسْتَانٍ بِعَيْنِهِ كَالْإِجْمَاعِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَمِمَّنْ حَفِظْنَا عَنْهُ ذَلِكَ: الثَّوْرِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَإِسْحَاقُ. اهـ قلتُ: ونقل الحافظ ﵀ عن المالكية جواز ذلك إذا كان بعد بدو الصلاح، واستدلوا على ذلك بما رواه أبو داود (٣٤٦٧)، وابن ماجه (٢٢٨٤)، من طريق رجل نجراني عن ابن عمر، أنَّ رجلًا أسلم في حديقة قبل أن تطلع، فلم تطلع ذلك العام شيئًا، فقال المشتري: هو لي حتى تطلع. وقال البائع: إنما بعتك هذه السنة. فاختصما إلى رسول الله ﷺ ، فقال: «اردد عليه ما أخذت منه، ولا تسلموا في نخل حتى يبدو صلاحه». قال الحافظ ﵀: وهذا الحديث فيه ضعفٌ، ونقل ابن المنذر اتفاق الأكثر على منع السلم في بستان معين؛ لأنه غرر، وقد حمل الأكثر الحديث المذكور على السلم الحال. اهـ «الفتح» (٢٢٥٠). قلتُ: الحديث ضعيف بسبب الرجل المبهم الذي روى الحديث عن ابن

стр. 3170

عمر ﵄. (١) الشرط الخامس: أن يقبض الثمن كاملا في مجلس العقد. وقد اشترط هذا الشرط عامة أهل العلم؛ لأنَّ السلم الذي أباحه الشرع إنما هو بهذه الصورة، ولأنه إذا أخرَّ الثمن ولم يسلمه في مجلس العقد؛ أصبح بيع دين بدين، وهذا لا يجوز عند أهل العلم. وجاء عن مالك أنه أجاز تأخير المال اليوم واليومين، والثلاثة، إذا لم يكن ذلك عن شرط؛ لأنه معاوضه لا يخرج بتأخير قبضه عن أن يكون سلمًا، فأشبه ما لو تأخر إلى آخر المجلس. قال ابن قدامة ﵀: ولنا أنه عقد معاوضة لا يجوز فيه شرط تأخير العوض المطلق، فلا يجوز التفرق فيه قبل القبض، كالصرف، ويفارق المجلس ما بعده بدليل الصرف. اهـ قلتُ: الصحيح قول الجمهور، والله أعلم. (٢) مسألة [١٧]: إذا قبض بعض الثمن ثم تفرقا ؟ • ذهب بعض أهل العلم إلى أنَّ السلم يصح في المقدار الذي قبضه فقط، وهو قول الشافعي، وأحمد، وأبي حنيفة، وهو وجهٌ للحنابلة.

стр. 3171

• وذهب جماعة إلى أنَّ السلم لا يصح، وهو قول ابن شبرمة، والثوري، ووجهٌ للحنابلة. قال أبو عبد الله غفر الله له: إنْ جعلا ذلك المبلغ الذي قبض مقابل مقدارٍ معين؛ صحَّ السلم فيما قبض، وإن جعلاه سلمًا للمسلم فيه كاملًا على أن يعطيه المال المتبقي في وقت آخر؛ فالسلم لا يصح كاملًا، والله أعلم. (١) مسألة [١٨]: هل يشترط في السلم تعيين مكان القبض ؟ • ذهب جمعٌ من أهل العلم إلى عدم اشتراط ذلك، وهو مذهب أحمد، وإسحاق، ومالك، وأبي يوسف، ومحمد، وهو قولٌ للشافعي، وعزاه ابن المنذر إلى طائفة من أهل الحديث. واستدل هؤلاء على عدم الاشتراط بحديثي الباب، فليس فيهما ذكر اشتراط تعيين مكان القبض. • وذهب الثوري، والأوزاعي، والشافعي في قول، وأبو حنيفة إلى اشتراط تعيين مكان القبض، واشترط بعضهم ذلك فيما له في حمله ونقله مؤنة، حتى لا يحدث نزاع وخلاف بعد ذلك. والصحيح أن السلم يصح، ولو لم يذكر مكان الإيفاء، وقال مالك، وجماعة من الحنابلة: يفيه في المكان الذي تعاقدا فيه. وقال آخرون: يرجع ذلك إلى العرف. ورجَّح هذا الإمام ابن عثيمين ﵀ في «الشرح الممتع» وهو الراجح، والله أعلم. (٢)

стр. 3172

مسألة [١٩]: لو أن شخصًا أسلم رجلا في طعام يوفيه إياه في مكة، فوجده في غير مكة، وأعطاه، وأعطاه كراء حمله إلى مكة، فما الحكم ؟ • قال الإمام ابن المنذر ﵀ في «الأوسط» (١٠/ ٣١١): واختلفوا في الرجل يسلم إلى الرجل في طعام يوفيه بمكة، فيلقى الذي عليه الطعام الذي له الطعام بغير مكة، فيعرض عليه الطعام؛ ليقبضه ويعطيه مقدار كراه إلى مكة. فكرهت طائفة ذلك، وممن كره: سفيان الثوري، ومالك بن أنس، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق. وكان أبو ثور يقول: له أخذ الكراء إن شاء، وإن شاء كلفه حمله. وحكي عن الكوفي أنه قال: لا يأخذ منه الكراء. انتهى. قال أبو عبد الله غفر الله له: يظهر لي أن قول أبي ثور هو الصحيح في المسألة، ولا كراهة في أخذ الأجرة، والله أعلم. مسألة [٢٠]: بيع المسلم فيه قبل قبضه . قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٦/ ٤١٥): أَمَّا بَيْعُ الْمُسْلَمِ فِيهِ قَبْلَ قَبْضِهِ، فَلَا نَعْلَمُ فِي تَحْرِيمِهِ خِلَافًا، وَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَعَنْ رِبْحِ مَا لَمْ يُضْمَنْ. وَلِأَنَّهُ مَبِيعٌ لَمْ يَدْخُلْ فِي ضَمَانِهِ؛ فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ، كَالطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ. اهـ

стр. 3173

مسألة [٢١]: الإشراك والتولية في المسلم فيه . قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٦/ ٤١٥): وَأَمَّا الشَّرِكَةُ فِيهِ وَالتَّوْلِيَةُ، فَلَا تَجُوزُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُمَا بَيْعٌ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ قَبْلُ. وَبِهَذَا قَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ جَوَازُ الشَّرِكَةِ وَالتَّوْلِيَةِ (١)؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَأَرْخَصَ فِي الشَّرِكَةِ وَالتَّوْلِيَةِ. (٢) قال: وَلَنَا أَنَّهَا مُعَاوَضَةٌ فِي المُسْلَمِ فِيهِ قَبْلَ الْقَبْضِ؛ فَلَمْ يَجُزْ، كَمَا لَوْ كَانَتْ بِلَفْظِ الْبَيْعِ، وَلِأَنَّهُمَا نَوْعَا بَيْعٍ؛ فَلَمْ يَجُوزَا فِي المُسْلَمِ قَبْلَ قَبْضِهِ، كَالنَّوْعِ الْآخَرِ، وَالْخَبَرُ لَا نَعْرِفُهُ، وَهُوَ حُجَّةٌ لَنَا؛ لِأَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَالشَّرِكَةُ وَالتَّوْلِيَةُ بَيْعٌ فَيَدْخُلَانِ فِي النَّهْيِ. وَيُحْمَلُ قَوْلُهُ: وَأَرْخَصَ فِي الشَّرِكَةِ وَالتَّوْلِيَةِ. عَلَى أَنَّهُ أَرْخَصَ فِيهِمَا فِي الْجُمْلَةِ، لَا فِي هَذَا المَوْضِعِ. اهـ مسألة [٢٢]: إذا كان له في ذمة رجل مال، فهل يجوز جعله سلمًا ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٦/ ٤١٠): إذَا كَانَ لَهُ فِي ذِمَّةِ رَجُلٍ دِينَارٌ، فَجَعَلَهُ سَلَمًا فِي طَعَامٍ إلَى أَجَلٍ؛ لَمْ يَصِحَّ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ عَلَى هَذَا كُلُّ مَنْ أَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، مِنْهُمْ: مَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَالشَّافِعِيُّ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُسْلَمَ فِيهِ دَيْنٌ، فَإِذَا جَعَلَ الثَّمَنَ دَيْنًا؛ كَانَ بَيْعَ دَيْنٍ بِدَيْنٍ، وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ بِالْإِجْمَاعِ. اهـ

стр. 3174

وقد ذكر ابن القيم ﵀ عن شيخه الجواز، وأنه لا إجماع في ذلك كما في «أعلام الموقعين» (١/ ٣٨٩)، وقد تقدم نقل نصِّ كلامه مع التنبيه عليه تحت حديث رقم (٨٣٢). مسألة [٢٣]: هل يصح أن يسلم عروضًا مقابل مالٍ إلى أجل ؟ • الجمهور من أهل العلم على جواز ذلك، وعن أحمد قال: لا يعجبني. ومنع منه أبو حنيفة، وبعض الحنابلة؛ لأنَّ الأموال لا تثبت في الذمة إلا ثمنًا، فلا تكون مثمنة. وأُجيب: بعدم صحة ذلك؛ فإنه لو باع دراهم بدنانير صحَّ، ولابد أن يكون أحدهما مثمنًا. والصحيح قول الجمهور. (١) تنبيه: كل مالين حرم النَّساءُ فيهما، لا يجوز إسلام أحدهما في الآخر؛ لأنَّ السلم من شرطه النَّسَاءُ والتأجيل، وهذا لا خلاف فيه. مسألة [٢٤]: الإقالة في السلم . أما الإقالة في جميع الْمُسْلم فيه: فجائزة بغير خلاف، قال ابن المنذر ﵀: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن الإقالة في جميع ما أسلم فيه جائزة؛ لأنَّ الإقالة فسخ للعقد، ورفعٌ له من أصله، وليست بيعًا. اهـ وقد خالف ابن حزم، وهو محجوج بنقل ابن المنذر الإجماعَ. (٢)

стр. 3175

وأما الإقالة في بعض المسلم فيه: فقال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٦/ ٤١٧): فَاخْتَلَفَ عَنْ أَحْمَدَ فِيهَا، فَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهَا لَا تَجُوزُ. وَرُوِيَتْ كَرَاهَتُهَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ (١)، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَالْحَسَنِ، وَابْنِ سِيرِينَ، وَالنَّخَعِيِّ، وَسَعِيدِ ابْنِ جُبَيْرٍ، وَرَبِيعَةَ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَإِسْحَاقَ. وَرَوَى حَنْبَلٌ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ: لَا بَأْسَ بِهَا. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ (٢)، وَعَطَاءٍ، وَطَاوُوسٍ، وَمُحَمَّدِ بْن عَلِيٍّ، وَحُمَيْدِ بْنِ عَبْدِالرَّحْمَنِ، وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، وَالْحَكَمِ، وَالثَّوْرِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَالنُّعْمَانِ وَأَصْحَابِهِ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ. اهـ قلتُ: والصواب أنها جائزة، ولا نعلم دليلًا يمنع ذلك، والله أعلم. مسألة [٢٥]: إذا أقاله فهل له أن يأخذ بدل المال عوضًا عنه حاضرًا ؟ • منع من ذلك أبو حنيفة، وبعض الحنابلة؛ لحديث: «من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره» أخرجه أبو داود (٣٤٦٨)، وابن ماجه (٢٢٨٣)، من حديث أبي سعيد الخدري، وفيه: عطية العوفي، وهو ضعيفٌ ومدلِّس.

стр. 3176

• وأجاز ذلك الشافعي، وجماعة من الحنابلة؛ لأنه عوض مستقر في الذمة؛ فجاز أخذ العوض عنه كما لو كان قرضًا. قلتُ: الراجح قول الشافعي، وحديثهم ضعيف، ولو صحَّ لكان معناه المنع من تغيير المسلم فيه، والله أعلم. (١) مسألة [٢٦]: إذا أسلم في جنسين سلمًا واحدًا من غير بيان ثمن كل واحد منهما ؟ صورة ذلك: أن يسلم خمسة آلاف مثلًا في وسق بُرٍّ، ووسق شعير، ولا يبين ثمن كل منهما. • فمنع من ذلك أحمد، والشافعي في قولٍ له؛ لأن ما يقابل كل واحد من الجنسين مجهولٌ، وفيه غرر؛ لأنه لا يؤمن الفسخ بتعذر أحدهما، فلا يعرف بم يرجع. • وأجاز ذلك مالك، والشافعي في قولٍ له؛ لأنَّ كل عقد جاز على جنسين في عقدين؛ جاز عليهما في عقد واحد، كما في البيوع، وإذا تعذر أحدهما يقوم ويرجع بقسطه من الثمن. وهذا القول أقرب، والله أعلم. (٢)

стр. 3177

مسألة [٢٧]: إذا أسلم في شيء واحد على أن يقبضه أجزاءً معلومة في أوقات متفرقة معلومة ؟ • أجاز ذلك الإمام أحمد، ومالك، والشافعي في قولٍ له، وله قولٌ بالمنع، والصحيح الجواز؛ لعدم وجود دليل يمنع ذلك، وهو ظاهر ترجيح الشيخ ابن عثيمين. (١) مسألة [٢٨]: إذا أدَّى المسلَمُ إليه المسلَمَ فيه قبل حلول الأجل ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٦/ ٤٢٠): فَإِنْ كَانَ مِمَّا فِي قَبْضِهِ قَبْلَ مَحِلِّهِ ضَرَرٌ، إمَّا لِكَوْنِهِ مِمَّا يَتَغَيَّرُ، كَالْفَاكِهَةِ وَالْأَطْعِمَةِ كُلِّهَا، أَوْ كَانَ قَدِيمُهُ دُونَ حَدِيثِهِ، كَالْحُبُوبِ وَنَحْوِهَا، لَمْ يَلْزَمْ الْمُسْلِمَ قَبُولُهُ؛ لِأَنَّ لَهُ غَرَضًا فِي تَأْخِيرِهِ، بِأَنْ يَحْتَاجَ إلَى أَكْلِهِ أَوْ إطْعَامِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَكَذَلِكَ الْحَيَوَانُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ تَلَفَهُ، وَيَحْتَاجُ إلَى الْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ إلَى ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَرُبَّمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ دُونَ مَا قَبْلَهُ. وَهَكَذَا إنْ كَانَ مِمَّا يَحْتَاجُ فِي حِفْظِهِ إلَى مُؤْنَةٍ، كَالْقُطْنِ وَنَحْوِهِ، أَوْ كَانَ الْوَقْتُ مَخُوفًا يَخْشَى نَهْبَ مَا يَقْبِضُهُ، فَلَا يَلْزَمُهُ الْأَخْذُ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ كُلِّهَا؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ ضَرَرًا فِي قَبْضِهِ، وَلَمْ يَأْتِ مَحِلُّ اسْتِحْقَاقِهِ لَهُ، فَجَرَى مَجْرَى نَقْصِ صِفَةٍ فِيهِ. وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا ضَرَرَ فِي قَبْضِهِ، بِأَنْ يَكُونَ لَا يَتَغَيَّرُ، كَالْحَدِيدِ، وَالرَّصَاصِ، وَالنُّحَاسِ؛ فَإِنَّهُ يَسْتَوِي قَدِيمُهُ وَحَدِيثُهُ، وَنَحْوُ ذَلِكَ الزَّيْتُ وَالْعَسَلُ، وَلَا فِي قَبْضِهِ ضَرَرُ الْخَوْفِ، وَلَا تَحَمُّلُ مُؤْنَةٍ، فَعَلَيْهِ قَبْضُهُ؛ لِأَنَّ غَرَضَهُ حَاصِلٌ مَعَ زِيَادَةِ تَعْجِيلِ

стр. 3178

الْمَنْفَعَةِ، فَجَرَى مَجْرَى زِيَادَةِ الصِّفَةِ وَتَعْجِيلِ الدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ. اهـ (١) مسألة [٢٩]: إذا أدَّى المسلمُ إليه المسلمَ فيه بصفة أجود مما تعاقدا عليه ؟ • مذهب الحنابلة في ذلك أنه يلزمه أخذه إذا كان من نوع واحد، ولا يلزمه إذا كان من نوع آخر. • ومذهب الشافعي، وبعض الحنابلة: أنه يلزمه أن يأخذ، ولو كان من نوع آخر مادام جنسهما واحدًا. قال الإمام ابن عثيمين ﵀: إذا لم يكن عليه مِنَّةٌ لزمه الأخذ إذا كان النوع واحدًا، وإن كان له فيه مِنَّةٌ لم يلزمه. اهـ (٢) مسألة [٣٠]: إذا جاءه بالأجود وطلب زيادة في الثمن ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٦/ ٤٢٢): إذَا جَاءَهُ بِالْأَجْوَدِ، فَقَالَ: خُذْهُ، وَزِدْنِي دِرْهَمًا. لَمْ يَصِحَّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَصِحُّ كَمَا لَوْ أَسْلَمَ فِي عَشَرَةٍ، فَجَاءَهُ بِأَحَدِ عَشَرِ. وَلَنَا أَنَّ الْجَوْدَةَ صِفَةٌ، فَلَا يَجُوزُ إفْرَادُهَا بِالْعَقْدِ، كَمَا لَوْ كَانَ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا؛ فَإِنْ جَاءَهُ بِزِيَادَةِ فِي الْقَدْرِ، فَقَالَ: خُذْهُ، وَزِدْنِي دِرْهَمًا. فَفَعَلَا، صَحَّ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ هَاهُنَا يَجُوزُ إفْرَادُهَا بِالْعَقْدِ. اهـ

стр. 3179

قال أبو عبد الله غفر الله له: إن طلب منه الزيادة، وأعطاه عن طيب نفس؛ فلا بأس، وليس له إلزامه بالزيادة، لكونه أتى به على هذه الصفة من غير طلب من المُسلِم، والله أعلم. مسألة [٣١]: من أسلم في شيء معين فجاء الأجل فأراد إبداله بغيره ؟ قال الإمام ابن المنذر ﵀ في «الأوسط» (١٠/ ٣١٢): واختلفوا في الرجل يسلم إلى الرجل في عرض من العروض فيحل؛ فأراد أن يأخذ مكانه غيره؛ فقالت طائفة: لا يجوز ذلك. كذلك قال الشافعي، وإسحاق. وقال ابن عباس ﵄: إذا أسلفت في شيء إلى أجل فحلَّ الأجل؛ فإن أخذت ما أسلفت فيه، وإلا فخذ عرضًا بأنقص منه، ولا تربح مرتين. حدثنا علي بن عبد العزيز، قال: حدثنا حجاج، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو، عن طاوس، عن ابن عباس ﵄، به. وكان النخعي لا يرى بأسًا في السلف أن يأخذ مكانه دابة، أو ثوبًا، أو غير ما أسلفت فيه. وقال الثوري: لا يعجبني هذا. وكان مالك يقول: ومن سلَّف ذهبًا، أو ورقًا في حيوان، أو عرض موصوف إلى أجل مسمى، ثم حلَّ الأجل؛ فإنه لا بأس بأن يبيع المشتري تلك السلعة من البائع قبل أن يحلَّ الأجل، وبعدما يحل بعرض من العروض يتعجله، ولا يؤخره بالغًا ما بلغ ذلك العرض إلا الطعام؛ فإنه لا يحل أن يبيعه حتى يقبضه. انتهى.

стр. 3180

قال أبو عبد الله غفر الله له: إن كان المُسْلَم إليه قد وفَّر المُسَلَم فيه، ثم أراد تحويله فلا يجوز ذلك إلا برضا الطرفين، ولا يجوز للمُسِلم أن يربح فيه كما أشار ابن عباس ﵄؛ فيأخذ أقل مما كان له؛ لنهيه ﷺ عن ربح مالم يضمن. وإن كان المُسَلمُ إليه لم يستطع توفير المُسْلم فيه، فللمُسِلم أن يأخذ بماله الذي أعطاه أي شيء يتفقان عليه، وبالله التوفيق. مسألة [٣٢]: هل يجوز أخذ الرهن، أو الكفيل في السَّلم ؟ • الأشهر في مذهب الحنابلة المنع من ذلك، ورُويت الكراهة أيضًا عن الحسن، وسعيد بن جبير، والأوزاعي، وحجتهم في ذلك أن الرهن والضمين إن أخذا برأس مال السلم؛ فقد أخذا بما ليس بواجب، ولا مآله إلى الوجوب؛ لأنَّ ذلك قد ملكه المسلم إليه، وإن أخذا بالمسلم فيه؛ فالرهن إنما يجوز بشيء يمكن استيفاؤه من ثمن الرهن، والمسلم فيه لا يمكن استيفاؤه من الرهن ولا من ذمة الضامن، ولأنه لا يأمن هلاك الرهن في يده، وإن بعد، فيصير مستوفيًا لحقه من غير المسلم فيه، وقد قال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره»، وهو حديث ضعيف كما تقدم. وقد نقل عن علي ﵁ كراهة ذلك، أخرجه ابن المنذر في «الأوسط» (١٠/ ٢٩٩) من طريق أبي عياض، عنه، وأبو عياض هو مسلم بن نذير السعدي الكوفي، مجهول الحال. وأسند ابن المنذر (١٠/ ٢٩٩) عن ابن عباس ﵄، بإسناد حسن، أنه كان يكره الرهن، والقبيل في السلف. وعن ابن عمر بإسناد صحيح، أنه قال: ذلك الربا المضمون.

стр. 3181

• وذهب الجمهور إلى جواز أخذ الرهن والكفيل في ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ إلى قوله: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة:٢٨٢]، وهو قول مجاهد، وعطاء، ومقسم، وعمرو بن دينار، وهو رواية عن الحسن والنخعي، وقال به مالك، والشافعي، وإسحاق، وأحمد في رواية، وأصحاب الرأي، وابن المنذر وغيرهم. وأسند ابن المنذر هذا القول عن ابن عباس، وابن عمر ﵄ بإسنادين ضعيفين؛ فأثر ابن عباس في إسناده يزيد بن أبي زياد الهاشمي، وهو ضعيف، وأثر ابن عمر في إسناده مسلم ابن خالد الزنجي، وهو ضعيف، وطريق أخرى فيها جميل بن زيد الطائي، وهو متروك. وهذا القول هو الصحيح، وقد رجحه الشيخ ابن عثيمين ﵀ كما في «الشرح الممتع» (٩/ ٩٢) حيث قال: وهذا-يعني القول بعدم الجواز- ضعيفٌ؛ لأنه إذا تعذر الاستيفاء من المكفول، وأخذته من الكفيل؛ لم أصرفه إلى غيره، صحيح أنه انتقل من ذمة إلى ذمة، وأما المسلم فيه فهو نفسه لم أصرفه إلى غيره، فالصواب إذًا جواز أخذ الرهن والكفيل والضمين به، كلها جائزة؛ لأنه ليس فيها محظور، ولا ربا، ولا ظلم، ولا غرر، ولا جهالة، وهذه عقود توثقة، والأصل في العقود الحل. اهـ (١)

стр. 3182

٨٤٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللهُ عَنْهُ، وَمَنْ أَخَذَهَا يُرِيدُ إتْلَافَهَا أَتْلَفَهُ اللهُ تَعَالَى». رَوَاهُ البُخَارِيُّ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مع ذكر بعض المسائل الملحقة مسألة [١]: تعريف القرض . في اللغة: القطع، ومنه المقراض، أي: المقص؛ لأنه يقطع الثوب. وفي الشرع: تمليك مال لمن ينتفع به، ويرد بدله. «الشرح الممتع» (٩/ ٩٣). مسألة [٢]: مشروعية القرض . القرض نوع من السلف، وهو جائز بالكتاب، والسنة، والإجماع. أما من الكتاب: فيشمله قوله تعالى: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة:٢٨٢]. وأما من السنة: فأحاديث الباب كحديث أبي هريرة، وأبي رافع، وعائشة. وأما الإجماع: فأجمع المسلمون على جواز القرض ومشروعيته. «المغني» (٦/ ٤٢٩) «المحلى» (١١٩١). مسألة [٣]: فيم يكون القرض ؟ قال ابن حزم ﵀ في «المحلى» (١١٩٢): والقرض جائز في كل ما يحل تملكه وتمليكه بهبة أو غيرها، سواء جاز بيعه، أو لم يجز؛ لأنَّ القرض هو غير

стр. 3183

البيع؛ لأنَّ البيع لا يجوز إلا بثمن، ويجوز بغير نوع ما بعت. اهـ مسألة [٤]: تَصَرُّفُ المستقْرِض بالقرض ؟ قال ابن حزم ﵀ في «المحلى» (١١٩٦): ومن استقرض شيئًا؛ فقد ملكه، وله بيعه إن شاء، وهبته، والتصرف فيه كسائر ملكه، وهذا لا خلاف فيه، وبه جاءت النصوص. اهـ مسألة [٥]: حكم القرض . القرض مندوبٌ إليه في حق المقرِض، وجائزٌ في حق المقتَرِض، أما كونه مندوبًا للمقرض؛ فلكونه كشف كربة، ففي «صحيح مسلم» (٢٦٩٩)، عن أبي هريرة: «من نَفَّسَ عن مسلم كربة من كرب الدنيا؛ نَفَّسَ الله عنه كربة من كرب يوم القيامة»، وفيه تعاون مع المسلم، وفي الحديث السابق: «والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه»، ولا إثم على من سُئِلَ القرض فلم يُقْرِض؛ وذلك لأنه من المعروف فأشبه صدقة التطوع، وليس الاستقراض من المسألة؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يستقرض. (١) مسألة [٦]: القرض يكون من جائز التصرف . قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٦/ ٤٣٠): ولا يصح إلا من جائز التصرف؛ لأنه عقد على المال، فلم يصح إلا من جائز التصرف، كالبيع. اهـ فعلى هذا فلا يصح القرض من المجنون، والصبي الذي لا يميز. (٢)

стр. 3184

مسألة [٧]: هل عقد القرض لازم ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٦/ ٤٣١): وَهُوَ عَقْدٌ لَازِمٌ فِي حَقِّ المُقْرِضِ، جَائِزٌ فِي حَقِّ المُقْتَرِضِ، فَلَوْ أَرَادَ الْمُقْرِضُ الرُّجُوعَ فِي عَيْنِ مَالِهِ، لَمْ يَمْلِكْ ذَلِكَ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَا يَمْلِكُ المُطَالَبَةَ بِمِثْلِهِ مَلَكَ أَخْذَهُ إذَا كَانَ مَوْجُودًا، كَالمَغْصُوبِ وَالْعَارِيَّةِ. قال: وَلَنَا أَنَّهُ أَزَالَ مِلْكَهُ بِعِوَضٍ مِنْ غَيْرِ خِيَارٍ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ الرُّجُوعُ فِيهِ كَالمَبِيعِ، وَيُفَارِقُ المَغْصُوبَ، وَالْعَارِيَّةَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ عَنْهُمَا، وَلِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ المُطَالَبَةَ بِمِثْلِهِمَا مَعَ وُجُودِهِمَا، وَفِي مَسْأَلَتِنَا بِخِلَافِهِ. فَأَمَّا المُقْتَرِضُ، فَلَهُ رَدُّ مَا اقْتَرَضَهُ عَلَى المُقْرِضِ، إذَا كَانَ عَلَى صِفَتِهِ لَمْ يَنْقُصْ، وَلَمْ يَحْدُثْ بِهِ عَيْبٌ؛ لِأَنَّهُ عَلَى صِفَةِ حَقِّهِ، فَلَزِمَهُ قَبُولُهُ كَالمُسْلَمِ فِيهِ، وَكَمَا لَوْ أَعْطَاهُ غَيْرَهُ. اهـ قلتُ: والصواب مذهب الحنابلة، والله أعلم. مسألة [٨]: هل في عقد القرض خيار ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٦/ ٤٣١): وَلَا يَثْبُتُ فِيهِ خِيَارٌ مَا؛ لِأَنَّ الْمُقْرِضَ دَخَلَ عَلَى بَصِيرَةِ أَنَّ الْحَظَّ لِغَيْرِهِ، فَأَشْبَهَ الْهِبَةَ، وَالْمُقْتَرِضُ مَتَى شَاءَ رَدَّهُ، فَيَسْتَغْنِي بِذَلِكَ عَنْ ثُبُوتِ الْخِيَارِ لَهُ. اهـ تنبيه: يثبت الملك في القرض بالقبض. «المغني» (٦/ ٤٣١).

стр. 3185

مسألة [٩]: قرض المكيل والموزون . قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٦/ ٤٣٢): وَيَجُوزُ قَرْضُ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ بِغَيْرِ خِلَافٍ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ اسْتِقْرَاضَ مَالَهُ مِثْلٌ مِنْ الْمَكِيلِ، وَالْمَوْزُون، وَالْأَطْعِمَةِ جَائِزٌ. اهـ مسألة [١٠]: هل تقرض الجواهر ؟ • في هذه المسألة وجهان للحنابلة والشافعية: الأول: لا يجوز قرضها؛ لأنَّ القرض يقتضي رد المثل، وهذه لا مثل لها. الثاني: يجوز قرضها، ويرد المستقرض القيمة؛ لأنَّ ما لا مثل له يضمن بالقيمة، والجواهر كغيرها في القيم. (١) مسألة [١١]: قرض العبيد والإماء . • ذهب جماعة من أهل العلم إلى صحة قرضهم، وهو قول المزني، وداود، والطبري، وابن حزم وغيرهم، وحجتهم في ذلك البقاء على الأصل، فالأصل أنَّ كل ما جاز تملكه جاز قرضه. • وقال أحمد ﵀: أكره قرضهم. قال ابن قدامة ﵀: فيحتمل كراهة تنزيه، ويصح قرضهم كالقول الأول ويحتمل أنه أراد كراهة تحريم؛ فلا يصح قرضهم، واختاره القاضي. اهـ

стр. 3186

• وذهب جماعة من أهل العلم إلى صحة قرض العبيد دون الإماء؛ إلا أن يقرضهن من محارمهن، أو من امرأة، وهذا مذهب مالك، والشافعي، واحتمالٌ للحنابلة. واحتجوا على ذلك بأنَّ الملك بالقرض ضعيفٌ؛ فإنه لا يمنعه من ردها على المقرض، فلا يستباح به الوطء كالملك في مدة الخيار، والأبضاع مما يُحتاط لها، ولو أبيح قرضهن؛ لأفضى إلى أنَّ الرجل يستقرض أمةً فيطؤها، ثم يردها من يومه، ومتى احتاج إلى وطئها استقرضها ثم ردها، كما يستعير المتاع. قال ابن قدامة ﵀ مُرَجِّحًا القول الأول: وَلَنَا أَنَّهُ عَقْدٌ نَاقِلٌ لِلْمِلْكِ؛ فَاسْتَوَى فِيهِ الْعَبِيدُ وَالْإِمَاءُ كَسَائِرِ الْعُقُودِ، وَلَا نُسَلِّمُ ضِعْفَ الْمِلْكِ؛ فَإِنَّهُ مُطْلَقٌ لِسَائِرِ التَّصَرُّفَاتِ، بِخِلَافِ الْمِلْكِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ. وَقَوْلُهُمْ: مَتَى شَاءَ الْمُقْتَرِضُ رَدَّهَا. مَمْنُوعٌ؛ فَإِنَّنَا إذَا قُلْنَا: الْوَاجِبُ رَدُّ الْقِيمَةِ. لَمْ يَمْلِكْ الْمُقْتَرِضُ رَدَّ الْأَمَةِ، وَإِنَّمَا يَرُدُّ قِيمَتَهَا، وَإِنْ سَلَّمْنَا ذَلِكَ، لَكِنْ مَتَى قَصَدَ الْمُقْتَرِضُ هَذَا؛ لَمْ يَحِلَّ لَهُ فِعْلُهُ، وَلَا يَصِحُّ اقْتِرَاضُهُ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى أَمَةً لِيَطَأَهَا ثُمَّ يَرُدُّهَا بِالْمُقَابَلَةِ، أَوْ بِعَيْبٍ فِيهَا، وَإِنْ وَقَعَ هَذَا بِحُكْمِ الِاتِّفَاقِ؛ لَمْ يَمْنَعْ الصِّحَّةَ، كَمَا لَوْ وَقَعَ ذَلِكَ فِي الْبَيْعِ ... انتهى المراد. والراجح -والله أعلم- هو القول الأول؛ إلا ممن فعله متحايلًا، ليس قاصدًا للتملك؛ فلا يجوز، ولا يصح القرض، والله أعلم. (١)

стр. 3187

مسألة [١٢]: استقراض الخبز . قال ابن قدامة ﵀ (٦/ ٤٣٥): وَيَجُوزُ قَرْضُ الْخُبْزِ، وَرَخَّصَ فِيهِ أَبُو قِلَابَةَ، وَمَالِكٌ، وَمَنَعَ مِنْهُ أَبُو حَنِيفَةَ. وَلَنَا أَنَّهُ مَوْزُونٌ؛ فَجَازَ قَرْضُهُ كَسَائِرِ الْمَوْزُونَاتِ. اهـ مسألة [١٣]: استقراض المكيل والموزون جزافًا بدون معرفة كيله ووزنه ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٦/ ٤٣٤): وَإِذَا اقْتَرَضَ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ غَيْرَ مَعْرُوفَةِ الْوَزْنِ؛ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ الْقَرْضَ فِيهَا يُوجِبُ رَدَّ الْمِثْلِ، فَإِذَا لَمْ يُعْرَفْ الْمِثْلُ لَمْ يُمْكِنْ الْقَضَاءُ، وَكَذَلِكَ لَوْ اقْتَرَضَ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا جُزَافًا، لَمْ يَجُزْ؛ لِذَلِكَ. وَلَوْ قَدَّرَهُ بِمِكْيَالٍ بِعَيْنِهِ، أَوْ صَنْجَةٍ بِعَيْنِهَا، غَيْرِ مَعْرُوفَيْنِ عِنْدَ الْعَامَّةِ، لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ تَلَفَ ذَلِكَ، فَيَتَعَذَّرَ رَدُّ الْمِثْلِ، فَأَشْبَهَ السَّلَمَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ. اهـ (١) مسألة [١٤]: استقراض غير المكيل والموزون كالحيوانات والأمتعة والثياب . • جمهور العلماء على الجواز؛ لأنَّ كل ما جاز أن يثبت في الذمة سَلَمًا؛ جاز قرضه. • وقال أبو حنيفة: لا يجوز قرض غير المكيل والموزون؛ لأنه لا مثل له، فأشبه الجواهر. وأُجيب عن أبي حنيفة: بحديث أبي رافع، وهو في «صحيح مسلم» (١٦٠٠): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- استسلف بكرًا، وليس بمكيل ولا موزون. وقولهم (لا

стр. 3188

مثل له) يناقضه قولهم في إتلاف الثوب ونحوه (يثبت في ذمته مثله). والصحيح هو قول الجمهور. (١) مسألة [١٥]: المستقرض هل يرد المثل، أو القيمة ؟ أما بالنسبة للمكيلات والموزونات؛ فإنه يرد المثل. قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٦/ ٤٣٤): وَيَجِبُ رَدُّ الْمِثْلِ فِي الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ، لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ مَنْ أَسْلَفَ سَلَفًا مِمَّا يَجُوزُ أَنْ يُسْلَفَ، فَرُدَّ عَلَيْهِ مِثْلُهُ، أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ، وَأَنَّ لِلْمُسَلِّفِ أَخْذَ ذَلِكَ. وَلِأَنَّ الْمَكِيلَ وَالْمَوْزُونَ يُضْمَنُ فِي الْغَصْبِ وَالْإِتْلَافِ بِمِثْلِهِ، فَكَذَا هَاهُنَا. اهـ وإذا أعوز المثل في المكيل والموزون؛ لزمه القيمة يوم إعوازه. «الإنصاف» (٥/ ١١٤). • وأما بالنسبة لغير المكيلات والموزونات من الأمتعة والحيوانات والثياب، ففيه قولان: الأول: يجب رد قيمته يوم القرض؛ لأنه لا مثل له، فيتعلق في ذمته بالقيمة من يوم القرض، وهو قول جماعة من الحنابلة والشافعية. الثاني: أنه يجب رد مثله من جنسه بصفاته، وهو قول جماعة من الحنابلة،

стр. 3189

والشافعية، واستدلوا بحديث أبي رافع، وعلى هذا فيعتبر مثله في الصفات تقريبًا؛ فإن تعذر المثل، فعليه قيمته يوم التعذر. وهذا القول هو الصواب، وهو اختيار الإمام ابن عثيمين ﵀. (١) • وأما بالنسبة للجواهر: فأكثر القائلين بجواز اقتراضها يقولون برد قيمتها يوم الاقتراض؛ لأنه لا مثل لها، فتتعلق في ذمته القيمة من حين اقترضها. • وقال بعضهم كما في «الإنصاف»: يجب رد مثله جنسًا، وصفةً، وقيمةً. قلتُ: وهو مقتضى مذهب مالك؛ فإنه أجاز السَّلَم في الجواهر، وعلى هذا القول؛ فإنه إذا تعذر عليه المثل وجبت عليه قيمة الجواهر يوم التعذر، بعد حلول وقت القضاء. (٢) وأما بالنسبة للخبز: قال ابن قدامة ﵀ (٦/ ٤٣٥): وَإِذَا أَقْرَضَهُ بِالْوَزْنِ، وَرَدَّ مِثْلَهُ بِالْوَزْنِ؛ جَازَ، وَإِنْ أَخَذَهُ عَدَدًا، فَرَدَّهُ عَدَدًا، فَقَالَ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ: فِيهِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا: لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ مَوْزُونٌ، أَشْبَهَ سَائِرَ الْمَوْزُونَاتِ. وَالثَّانِيَةُ: يَجُوزُ. قَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: إذَا كَانَ يَتَحَرَّى أَنْ يَكُونَ مِثْلًا بِمِثْلٍ، فَلَا يَحْتَاجُ إلَى الْوَزْنِ، وَالْوَزْنُ أَحَبُّ إلَيَّ. اهـ قلتُ: الأظهر الجواز عددًا إذا تحرى التساوي، والله أعلم. (٣)

стр. 3190

٨٤٤ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: قُلْت: يَا رَسُولَ اللهِ، إنَّ فُلَانًا قَدِمَ لَهُ بَزٌّ مِنَ الشَّامِ، فَلَوْ بَعَثْتَ إلَيْهِ، فَأَخَذْت مِنْهُ ثَوْبَيْنِ نَسِيئَةً إلَى مَيْسَرَةٍ؟ فَأَرْسَلَ إلَيْهِ، فَامْتَنَعَ. أَخْرَجَهُ الحَاكِمُ وَالبَيْهَقِيُّ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: التأجيل إلى ميسرة في البيع والقرض والسلم ؟ أما في السلم فقد تقدم أنه يجب تحديد الأجل فيه؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إلى أجل معلوم»، وَنُقِل الإجماع على ذلك. • وأما في البيع إلى أجل: فمذهب الجمهور وجوب تحديد الأجل، وعدم جواز تأجيله إلى ميسرة؛ لأنه يصبح أجلًا مجهولًا، واستدلوا بالآية: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة:٢٨٢] وقالوا: عدم تحديد الأجل غرر يورث النزاع والاختلاف.
следующие страницы →