• وذهب جماعة من أهل العلم إلى صحة قرض العبيد دون الإماء؛ إلا أن يقرضهن من محارمهن، أو من امرأة، وهذا مذهب مالك، والشافعي، واحتمالٌ للحنابلة.
واحتجوا على ذلك بأنَّ الملك بالقرض ضعيفٌ؛ فإنه لا يمنعه من ردها على المقرض، فلا يستباح به الوطء كالملك في مدة الخيار، والأبضاع مما يُحتاط لها، ولو أبيح قرضهن؛ لأفضى إلى أنَّ الرجل يستقرض أمةً فيطؤها، ثم يردها من يومه، ومتى احتاج إلى وطئها استقرضها ثم ردها، كما يستعير المتاع.
قال ابن قدامة ﵀ مُرَجِّحًا القول الأول: وَلَنَا أَنَّهُ عَقْدٌ نَاقِلٌ لِلْمِلْكِ؛ فَاسْتَوَى فِيهِ الْعَبِيدُ وَالْإِمَاءُ كَسَائِرِ الْعُقُودِ، وَلَا نُسَلِّمُ ضِعْفَ الْمِلْكِ؛ فَإِنَّهُ مُطْلَقٌ لِسَائِرِ التَّصَرُّفَاتِ، بِخِلَافِ الْمِلْكِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ. وَقَوْلُهُمْ: مَتَى شَاءَ الْمُقْتَرِضُ رَدَّهَا. مَمْنُوعٌ؛ فَإِنَّنَا إذَا قُلْنَا: الْوَاجِبُ رَدُّ الْقِيمَةِ. لَمْ يَمْلِكْ الْمُقْتَرِضُ رَدَّ الْأَمَةِ، وَإِنَّمَا يَرُدُّ قِيمَتَهَا، وَإِنْ سَلَّمْنَا ذَلِكَ، لَكِنْ مَتَى قَصَدَ الْمُقْتَرِضُ هَذَا؛ لَمْ يَحِلَّ لَهُ فِعْلُهُ، وَلَا يَصِحُّ اقْتِرَاضُهُ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى أَمَةً لِيَطَأَهَا ثُمَّ يَرُدُّهَا بِالْمُقَابَلَةِ، أَوْ بِعَيْبٍ فِيهَا، وَإِنْ وَقَعَ هَذَا بِحُكْمِ الِاتِّفَاقِ؛ لَمْ يَمْنَعْ الصِّحَّةَ، كَمَا لَوْ وَقَعَ ذَلِكَ فِي الْبَيْعِ ... انتهى المراد.
والراجح -والله أعلم- هو القول الأول؛ إلا ممن فعله متحايلًا، ليس قاصدًا للتملك؛ فلا يجوز، ولا يصح القرض، والله أعلم. (١)
стр. 3187
مسألة [١٢]: استقراض الخبز .
قال ابن قدامة ﵀ (٦/ ٤٣٥): وَيَجُوزُ قَرْضُ الْخُبْزِ، وَرَخَّصَ فِيهِ أَبُو قِلَابَةَ، وَمَالِكٌ، وَمَنَعَ مِنْهُ أَبُو حَنِيفَةَ. وَلَنَا أَنَّهُ مَوْزُونٌ؛ فَجَازَ قَرْضُهُ كَسَائِرِ الْمَوْزُونَاتِ. اهـ
مسألة [١٣]: استقراض المكيل والموزون جزافًا بدون معرفة كيله ووزنه ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٦/ ٤٣٤): وَإِذَا اقْتَرَضَ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ غَيْرَ مَعْرُوفَةِ الْوَزْنِ؛ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ الْقَرْضَ فِيهَا يُوجِبُ رَدَّ الْمِثْلِ، فَإِذَا لَمْ يُعْرَفْ الْمِثْلُ لَمْ يُمْكِنْ الْقَضَاءُ، وَكَذَلِكَ لَوْ اقْتَرَضَ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا جُزَافًا، لَمْ يَجُزْ؛ لِذَلِكَ. وَلَوْ قَدَّرَهُ بِمِكْيَالٍ بِعَيْنِهِ، أَوْ صَنْجَةٍ بِعَيْنِهَا، غَيْرِ مَعْرُوفَيْنِ عِنْدَ الْعَامَّةِ، لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ تَلَفَ ذَلِكَ، فَيَتَعَذَّرَ رَدُّ الْمِثْلِ، فَأَشْبَهَ السَّلَمَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ. اهـ (١)
مسألة [١٤]: استقراض غير المكيل والموزون كالحيوانات والأمتعة والثياب .
• جمهور العلماء على الجواز؛ لأنَّ كل ما جاز أن يثبت في الذمة سَلَمًا؛ جاز قرضه.
• وقال أبو حنيفة: لا يجوز قرض غير المكيل والموزون؛ لأنه لا مثل له، فأشبه الجواهر.
وأُجيب عن أبي حنيفة: بحديث أبي رافع، وهو في «صحيح مسلم» (١٦٠٠): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- استسلف بكرًا، وليس بمكيل ولا موزون. وقولهم (لا
стр. 3188
مثل له) يناقضه قولهم في إتلاف الثوب ونحوه (يثبت في ذمته مثله). والصحيح هو قول الجمهور. (١)
مسألة [١٥]: المستقرض هل يرد المثل، أو القيمة ؟
أما بالنسبة للمكيلات والموزونات؛ فإنه يرد المثل.
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٦/ ٤٣٤): وَيَجِبُ رَدُّ الْمِثْلِ فِي الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ، لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ مَنْ أَسْلَفَ سَلَفًا مِمَّا يَجُوزُ أَنْ يُسْلَفَ، فَرُدَّ عَلَيْهِ مِثْلُهُ، أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ، وَأَنَّ لِلْمُسَلِّفِ أَخْذَ ذَلِكَ. وَلِأَنَّ الْمَكِيلَ وَالْمَوْزُونَ يُضْمَنُ فِي الْغَصْبِ وَالْإِتْلَافِ بِمِثْلِهِ، فَكَذَا هَاهُنَا. اهـ
وإذا أعوز المثل في المكيل والموزون؛ لزمه القيمة يوم إعوازه. «الإنصاف» (٥/ ١١٤).
• وأما بالنسبة لغير المكيلات والموزونات من الأمتعة والحيوانات والثياب، ففيه قولان:
الأول: يجب رد قيمته يوم القرض؛ لأنه لا مثل له، فيتعلق في ذمته بالقيمة من يوم القرض، وهو قول جماعة من الحنابلة والشافعية.
الثاني: أنه يجب رد مثله من جنسه بصفاته، وهو قول جماعة من الحنابلة،
стр. 3189
والشافعية، واستدلوا بحديث أبي رافع، وعلى هذا فيعتبر مثله في الصفات تقريبًا؛ فإن تعذر المثل، فعليه قيمته يوم التعذر. وهذا القول هو الصواب، وهو اختيار الإمام ابن عثيمين ﵀. (١)
• وأما بالنسبة للجواهر: فأكثر القائلين بجواز اقتراضها يقولون برد قيمتها يوم الاقتراض؛ لأنه لا مثل لها، فتتعلق في ذمته القيمة من حين اقترضها.
• وقال بعضهم كما في «الإنصاف»: يجب رد مثله جنسًا، وصفةً، وقيمةً.
قلتُ: وهو مقتضى مذهب مالك؛ فإنه أجاز السَّلَم في الجواهر، وعلى هذا القول؛ فإنه إذا تعذر عليه المثل وجبت عليه قيمة الجواهر يوم التعذر، بعد حلول وقت القضاء. (٢)
وأما بالنسبة للخبز:
قال ابن قدامة ﵀ (٦/ ٤٣٥): وَإِذَا أَقْرَضَهُ بِالْوَزْنِ، وَرَدَّ مِثْلَهُ بِالْوَزْنِ؛ جَازَ، وَإِنْ أَخَذَهُ عَدَدًا، فَرَدَّهُ عَدَدًا، فَقَالَ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ: فِيهِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا: لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ مَوْزُونٌ، أَشْبَهَ سَائِرَ الْمَوْزُونَاتِ. وَالثَّانِيَةُ: يَجُوزُ. قَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: إذَا كَانَ يَتَحَرَّى أَنْ يَكُونَ مِثْلًا بِمِثْلٍ، فَلَا يَحْتَاجُ إلَى الْوَزْنِ، وَالْوَزْنُ أَحَبُّ إلَيَّ. اهـ
قلتُ: الأظهر الجواز عددًا إذا تحرى التساوي، والله أعلم. (٣)
стр. 3190
٨٤٤ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: قُلْت: يَا رَسُولَ اللهِ، إنَّ فُلَانًا قَدِمَ لَهُ بَزٌّ مِنَ الشَّامِ، فَلَوْ بَعَثْتَ إلَيْهِ، فَأَخَذْت مِنْهُ ثَوْبَيْنِ نَسِيئَةً إلَى مَيْسَرَةٍ؟ فَأَرْسَلَ إلَيْهِ، فَامْتَنَعَ. أَخْرَجَهُ الحَاكِمُ وَالبَيْهَقِيُّ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: التأجيل إلى ميسرة في البيع والقرض والسلم ؟
أما في السلم فقد تقدم أنه يجب تحديد الأجل فيه؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إلى أجل معلوم»، وَنُقِل الإجماع على ذلك.
• وأما في البيع إلى أجل: فمذهب الجمهور وجوب تحديد الأجل، وعدم جواز تأجيله إلى ميسرة؛ لأنه يصبح أجلًا مجهولًا، واستدلوا بالآية: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة:٢٨٢] وقالوا: عدم تحديد الأجل غرر يورث النزاع والاختلاف.
стр. 3191
• وذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى جواز البيع إلى ميسرة، وهو قول ابن خزيمة، وابن حزم، والصنعاني، وهو ظاهر اختيار ابن القيم.
واستدلوا على ذلك بحديث عائشة الذي في الباب، وبقوله تعالى: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة:٢٨٠]، فإذا كان هذا في ثاني الحال؛ جاز من بداية الحال، واستدل ابن القيم على ذلك بحديث سبي حنين أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ردَّ على هوازن سبيهم، وقال للصحابة: «فمن أحبَّ أن يكون على حظِّه حتى نعطيه إياه من أول ما يفيء الله علينا؛ فليفعل». (١)
قلتُ: ويستدل على ذلك أيضًا بحديث عائشة في «مسند أحمد» (٦/ ٢٦٨): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- اشترى من أعرابي فرسًا على خمسة أوسق من تمر العجوة، فرجع إلى البيت فلم يجد شيئًا، فأرسل أحد الصحابة إلى خويلة بنت حكيم، فقال لها: «إن كان عندك خمسة أوسق من تمرة العجوة فأسلفيناه حتى نؤديه إليك إن شاء الله»، وإسناده حسن.
ثم استدركت فقلتُ: هذا الحديث في القرض، وليس في البيع إلى أجل، فتنبه. ولكن يمكن أن يقال: إذا جاز ذلك في القرض؛ جاز في البيع إلى الأجل، والقول الثاني هو الراجح، والله أعلم.
وقد أجاب الجمهور عن حديث عائشة أنَّ المقصود بقوله: «إلى ميسرة»، أي:
стр. 3192
وقت معلوم، متوقع فيه انتقال الحال من عسر إلى يسر. وهذا جواب السندي، ومنهم من قال: هذا من قول عائشة، فلو فعله النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-؛ لحدد أجلًا. وهذان الجوابان خلاف ظاهر الحديث، والله أعلم، وأما استدلالهم بالآية؛ فليس فيها اشتراط ذلك.
وأما في القرض: فظاهر كلام أهل العلم أنه لا يشترط فيه تحديد الأجل؛ فإنهم يقولون: للمقرض المطالبة ببدله في الحال؛ لأنه سببٌ يوجب الرد في المثليات، فأوجبه حالًا كالإتلاف.
• واختلفوا: هل يتأجل القرض إذا أجله أم لا؟ على قولين:
القول الأول: لا يتأجل، بل هو حال.
وهو قول الحارث العكلي، والحنابلة، والأوزاعي، والشافعي، وابن المنذر؛ وذلك لأنَّ الحق يثبت حالًا، والتأجيل تبرع منه، ووعد؛ فلا يلزم الوفاء به.
القول الثاني: إذا أجله؛ تأجل، ولا يطالبه قبل حلول الأجل.
وهذا قول مالك، والليث، وبعض الحنابلة، وصَوَّبه المرداوي، وعزاه الحافظ للأكثر، وهو قول ابن عمر (١)،
وعطاء، وعمرو بن دينار، واختاره
стр. 3193
البخاري، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، ورجَّحه الشوكاني، والشيخ ابن عثيمين، وهو الصواب؛ لأنه يشمله قوله تعالى: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة:٢٨٢]، وبقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة:١]، ولقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «المسلمون على شروطهم»، وعقدهم القرض على ذلك بمنزلة الشرط، بل هو شرطٌ بعينه. (١)
مشروعيته:
دل على ذلك كتاب الله بقوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة:٢٨٢]، ومن السنة حديث أبي هريرة ﵁ الذي في الباب، وحديث عائشة ﵂ في «الصحيحين» أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- اشترى من يهودي طعامًا ورهنه درعًا من حديد. (١) وأجمع المسلمون على جواز الرهن ومشروعيته في الجملة. (٢)
مسألة [٢]: هل يشرع الرهن في الحضر، أم هو خاص في السفر ؟
• ذهب بعض أهل العلم إلى أنه خاص في السفر؛ لأنَّ الآية دلت على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة:٢٨٣]، وهو قول مجاهد، والضحاك، والظاهرية؛ إلا أن ابن حزم أجازه في الحضر على سبيل التطوع لا الإلزام.
• وذهب جمهور العلماء إلى أنَّ الرهن يُشرع في السفر والحضر، واستدلوا بحديث عائشة المتقدم، وجاء بنحوه عن أنس في «البخاري» (٢٥٠٨)، وفي الترمذي (١٢١٤) وغيره، عن ابن عباس ﵄ أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مات ودرعه مرهونة عند يهودي في طعام أخذه لأهله. قالوا: والوثيقة على الدين يحتاج إليها في الحضر كما يحتاج إليها في السفر، وإنما القيد بالسفر في الآية خرج مخرج الغالب، وهذا القول هو الصواب، والله أعلم. (٣)
стр. 3196
مسألة [٣]: هل الرهن واجب ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٦/ ٤٤٤): وَالرَّهْنُ غَيْرُ وَاجِبٍ، لَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا؛ لِأَنَّهُ وَثِيقَةٌ بِالدَّيْنِ، فَلَمْ يَجِبْ، كَالضَّمَانِ وَالْكِتَابَةِ.
وَقَوْلُ الله تَعَالَى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ إرْشَادٌ لَنَا، لَا إيجَابٌ عَلَيْنَا، بِدَلِيلِ قَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة:٢٨٣] وَلِأَنَّهُ أَمَرَ بِهِ عِنْدَ إعْوَازِ الْكِتَابَةِ، وَالْكِتَابَةُ غَيْرُ وَاجِبَةٍ، فَكَذَلِكَ بَدَلُهَا. اهـ
مسألة [٤]: الرهن من جائز التصرف .
ذكر أهل العلم أنَّ الراهن يُشترط فيه أن يكون جائز التصرف بأن يكون مكلفًا، رشيدًا، ليس محجورًا عليه؛ لصغرٍ، أو جنونٍ، أو سفهٍ، أو فلسٍ، وأن يرهن ما هو مالك له، أو مأذون له فيه. (١)
مسألة [٥]: هل عقد الرهن لازم أم جائز ؟
عقد الرهن عند أهل العلم لازم من قِبَل الراهن، جائزٌ من قِبَلِ المرتهن، بمعنى أنَّ المرتهن له أن يتخلى عنه ويعيده إلى صاحبه، والراهن ليس له الحق في الرجوع فيه إلا بإذن المرتهن. (٢)
стр. 3197
مسألة [٦]: متى يلزم الرهن ؟
• جمهور العلماء على أنَّ الرهن يلزم بقبضه؛ لقوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾، فَوَصْفُ الرِّهانِ بالقبض يدلُّ على أنَّ ذلك واجبٌ فيها.
• وذهب مالك، وبعض الحنابلة إلى أنَّ الرهن يلزم بالعقد؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة:١]، والقبض من تمام اللزوم، واختار هذا القول الشيخ ابن عثيمين ﵀، وهو الصواب، وأما الآية فلا يستفاد منها أنَّ الرهن لا يلزم إلا بالقبض، بل فيها الأمر بقبض الرهن، وليس فيه أنه لا يلزم على الراهن الرهن حتى يقبضه المرتهن، والله أعلم. (١)
مسألة [٧]: هل استدامة القبض شرط للزوم الرهن ؟
• اشترط ذلك الجمهور، واستدلوا بالآية: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾، قالوا: فإذا أعاده إلى الراهن خرج عن كونه رهنًا؛ فإن أعاده إليه عاد إلى كونه رهنًا.
• وذهب الشافعي ﵀ إلى أنَّ استدامة القبض ليس شرطًا، ورجح هذا الشيخ ابن عثيمين؛ لأنه لا يشترط القبض في لزوم الرهن ابتداء، فلا يشترط فيه للاستدامة، ومعنى هذا أنه إذا أعطى الراهن لينتفع به ثم يعيده؛ لم يخرج عن كونه رهنًا قبل الإعادة، وله أحكام الرهن، وهذا هو الصواب. (٢)
стр. 3198
مسألة [٨]: كيفية القبض للرهن .
ذكر أهل العلم أنَّ القبض في الرهن كالقبض في البيع؛ فإنْ كان منقولًا فقبضه نقله، وإن كان أثمانًا أو شيئًا خفيفًا يمكن قبضه باليد؛ فقبضه تناوله بها، وإن كان مكيلًا، أو موزونًا؛ فقبضه بكيله، أو وزنه مع تحويله، وإن كان عقارًا، أو ثمرًا على شجرة؛ فقبضه بالتخلية. (١)
مسألة [٩]: إذا رهنه دارًا، فانهدمت قبل القبض ؟
قال ابن قدامة ﵀ (٦/ ٤٥٥): وَإِنْ رَهَنَهُ دَارًا فَانْهَدَمَتْ قَبْلَ قَبْضِهَا؛ لَمْ يَنْفَسِخْ عَقْدُ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّ مَالِيَّتَهَا لَمْ تَذْهَبْ بِالْكُلِّيَّةِ؛ فَإِنَّ عَرْصَتَهَا وَأَنْقَاضَهَا بَاقِيَةٌ، وَيَثْبُتُ لِلْمُرْتَهِنِ الْخِيَارُ إنْ كَانَ الرَّهْنُ مَشْرُوطًا فِي بَيْعٍ؛ لِأَنَّهَا تَعَيَّبَتْ وَنَقَصَتْ قِيمَتُهَا. اهـ
مسألة [١٠]: التوكيل في قبض الرهن .
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٦/ ٤٥٣): وَيَجُوزُ أَنْ يُوَكِّلَ فِي قَبْضِ الرَّهْنِ، وَيَقُومُ قَبْضُ وَكِيلِهِ مَقَامَ قَبْضِهِ فِي لُزُومِ الرَّهْنِ وَسَائِرِ أَحْكَامِهِ، وَإِنْ وَكَّلَ الْمُرْتَهِنُ الرَّاهِنَ فِي قَبْضِ الرَّهْنِ لَهُ مِنْ نَفْسِهِ؛ لَمْ يَصِحَّ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ قَبْضًا؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ وَثِيقَةٌ لِيَسْتَوْفِيَ الْحَقَّ مِنْهُ عِنْدَ تَعَذُّرِ اسْتِيفَائِهِ مِنْ الرَّاهِنِ، فَإِذَا كَانَ فِي يَدِ الرَّاهِنِ؛ لَمْ يَحْصُلْ مَعْنَى الْوَثِيقَةِ. اهـ
стр. 3199
مسألة [١١]: إذا أرهن عينين، فتلفت إحداهما ؟
إن كان تلفها قبل قبض المرتهن لها؛ فله الخيار إذا كان بيعًا بشرط الرهن، وأما إن كان بعد القبض؛ فليس له الرجوع على الراهن برهن آخر، والله أعلم. (١)
مسألة [١٢]: إذا أزيل الرهن من يد المرتهن بغير حق ؟
قال أبو محمد بن قدامة ﵀ في «المغني» (٦/ ٤٤٩): وَإِنْ أُزِيلَتْ يَدُ الْمُرْتَهِنِ لِغَيْرِ حَقٍّ، كَغَصْبٍ، أَوْ سَرِقَةٍ، أَوْ إبَاقِ الْعَبْدِ، أَوْ ضَيَاعِ الْمَتَاعِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ لَمْ يَزُلْ لُزُومُ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّ يَدَهُ ثَابِتَةٌ حُكْمًا، فَكَأَنَّهَا لَمْ تَزُلْ. اهـ
مسألة [١٣]: متى يسلم الرهن ؟
إذا أعطاه الرهن مع العقد جاز، ولا نعلم فيه خلافًا.
• وأما إذا أعطاه الرهن بعد العقد، فأجازه أكثر أهل العلم، وخالف ابن حزم فقال: لا يكون رهنًا إلا مع العقد؛ لأنَّ الله أمر بالرهن مع الدين.
والصحيح هو قول الجمهور؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾.
• وأما إذا سلم الرهن قبل عقد البيع، أو القرض: فمذهب الشافعي، والحنابلة المنع من ذلك؛ لأن الرهن هو وثيقة عن دين، ولا يحصل ذلك الدين حتى يعقد.
• وذهب مالك، وأبو حنيفة، وبعض الحنابلة إلى الجواز؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-:
стр. 3200
«المسلمون على شروطهم» وهذا ترجيح الإمام ابن عثيمين، وهو الصواب، والله أعلم. (١)
مسألة [١٤]: ما جاز بيعه جاز رهنه .
قال عبد الله بن قدامة ﵀ في «المغني» (٦/ ٤٥٥): وَكُلُّ عَيْنٍ جَازَ بَيْعُهَا جَازَ رَهْنُهَا؛ لِأَنَّ مَقْصُودَ الرَّهْنِ الِاسْتِيثَاقُ بِالدَّيْنِ لِلتَّوَصُّلِ إلَى اسْتِيفَائِهِ مِنْ ثَمَنِ الرَّهْنِ إنْ تَعَذَّرَ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْ ذِمَّةِ الرَّاهِنِ، وَهَذَا يَتَحَقَّقُ فِي كُلِّ عَيْنٍ جَازَ بَيْعُهَا، وَلِأَنَّ مَا كَانَ مَحَلًّا لِلْبَيْعِ كَانَ مَحَلًّا لِحِكْمَةِ الرَّهْنِ. اهـ (٢)
مسألة [١٥]: إذا رهن الراهن المرتهن شيئًا في يد المرتهن كعارية، أو وديعة، أو غصبًا ؟
• يصح الرهن عند أحمد بنفس العقد من غير احتياج إلى أمر زائد، وعند الشافعي، وبعض الحنابلة لا يصير رهنًا حتى تمضي مدة يتأتى قبضه فيها. والصحيح قول أحمد.
مسألة [١٦]: إذا رهنه المغصوب والعارية والمقبوض في بيع فاسد، فهل يزول الضمان ؟
• مذهب الأكثر أنه يزول الضمان، ويصح الرهن، ويصح ضمانه ضمان
стр. 3201
رهن، وهو مذهب الحنابلة، وقال الشافعي: لا يزول الضمان، ويثبت فيه حكم الرهن، والحكم الذي كان ثابتًا فيه يبقى بحاله؛ لأنه لا تنافي بينهما؛ بدليل أنه لو تعدى في الرهن؛ صار ضامنًا ضمان غصب، وهو رهن كما كان، فكذلك ابتداؤه؛ لأنه أحد حالتي الرهن.
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٦/ ٤٥٣): وَلَنَا أَنَّهُ مَأْذُونٌ لَهُ فِي إمْسَاكِهِ رَهْنًا لَمْ يَتَجَدَّدْ مِنْهُ فِيهِ عُدْوَانٌ؛ فَلَمْ يَضْمَنْهُ، كَمَا لَوْ قَبَضَهُ مِنْهُ ثُمَّ أَقْبِضهُ إيَّاهُ، أَوْ أَبْرَأَهُ مِنْ ضَمَانِهِ.
وَقَوْلُهُمْ: (لَا تَنَافِي بَيْنَهُمَا) مَمْنُوعٌ؛ فَإِنَّ الْغَاصِبَ يَدُهُ عَادِيَةٌ يَجِبُ عَلَيْهِ إزَالَتُهَا، وَيَدُ الْمُرْتَهِنِ مُحِقَّةٌ جَعَلَهَا الشَّرْعُ لَهُ، وَيَدُ الْمُرْتَهِنِ يَدُ أَمَانَةٍ، وَيَدُ الْغَاصِبِ وَالْمُسْتَعِيرِ وَنَحْوِهِمَا يَدٌ ضَامِنَةٌ، وَهَذَانِ مُتَنَافِيَانِ، وَلِأَنَّ السَّبَبَ الْمُقْتَضِيَ لِلضَّمَانِ زَالَ، فَزَالَ الضَّمَانُ لِزَوَالِهِ، كَمَا لَوْ رَدَّهُ إلَى مَالِكِهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ سَبَبَ الضَّمَانِ الْغَصْبُ وَالْعَارِيَّةُ وَنَحْوُهُمَا، وَهَذَا لَمْ يَبْقَ غَاصِبًا وَلَا مُسْتَعِيرًا، وَلَا يَبْقَى الْحُكْمُ مَعَ زَوَالِ سَبَبِهِ وَحُدُوثِ سَبَبٍ يُخَالِفُ حُكْمُهُ حُكْمَهُ، وَأَمَّا إذَا تَعَدَّى فِي الرَّهْنِ؛ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الضَّمَانُ؛ لِعُدْوَانِهِ، لَا لِكَوْنِهِ غَاصِبًا، وَلَا مُسْتَعِيرًا، وَهَا هُنَا قَدْ زَالَ سَبَبُ الضَّمَانِ، وَلَمْ يَحْدُثْ مَا يُوجِبهُ؛ فَلَمْ يَثْبُتْ. اهـ
والصحيح قول الجمهور، وسيأتي الكلام على مسألة ضمان المستعير إن شاء الله تعالى تحت حديث (٨٨٠). (١)
стр. 3202
مسألة [١٧]: هل يصح رهن المشاع ؟
المشاع: هو النصيب المشترك الذي لم يميز.
• ومذهب الجمهور هو جواز رهن المشاع؛ لأنه يجوز بيعه؛ فجاز رهنه، وهو قول أحمد، ومالك، والشافعي، والأوزاعي، والظاهرية وغيرهم.
• وقال أصحاب الرأي: لا يصح رهنه إلا أن يرهنه من شريكه، أو يرهنها الشريكان من رجل واحد؛ لأنَّ مقصود الرهن الحبس، والمرتهن لا يمكنه حبس المشاع؛ لأنَّ شريكه ينتزعه يوم نوبته.
وأُجيب: بالمنع من أنَّ مقصود الرهن الحبس، بل مقصوده استيفاء الدين من ثمنه عند تعذره من غيره، والمشاع قابل لذلك، والصواب قول الجمهور. (١)
مسألة [١٨]: رهن المدبر .
• مذهب الحنابلة جواز رهنه؛ لأنه يجوز بيعه، وما جاز بيعه جاز رهنه.
• ومذهب الشافعي، وأبي حنيفة منع رهن المدبر؛ لأنه علق عتقه بصفة، فأشبه ما لو علق عتقه بصفة توجد قبل حلول الحق.
وأُجيب عن قول الشافعي، وأبي حنيفة بالمعارضة بأنَّ ذلك أشبه ما لو علقه بصفة توجد بعد حلول الحق.
стр. 3203
قلتُ: وكلا الأمرين محتمل، والأصل أنَّ ما جاز بيعه جاز رهنه، وموت الراهن محتمل؛ فأشبه احتمال هلاك الرهن في يد المرتهن، وذلك لا يمنع صحة الرهن، فكذلك ههنا.
فالصحيح جواز رهن المدبر، وهو اختيار الشيخ ابن عثيمين ﵀. (١)
مسألة [١٩]: رهن المكاتب .
• تقدم الخلاف في بيع المكاتب، والصواب هو جواز بيعه، فكذلك ههنا الراجح جواز رهنه، وهو مذهب مالك، وجماعة من الحنابلة، ومنع من ذلك الشافعي، وبعض الحنابلة.
• وقال المجيزون: مال الكتابة يحبس عند المرتهن؛ فإن أعتق العبد نفسه؛ فالمال رهن بدل العبد. (٢)
مسألة [٢٠]: من علق عتقه بصفة تحل قبل حلول الحق ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٦/ ٤٥٨): وَأَمَّا مَنْ عُلِّقَ عِتْقُهُ بِصِفَةِ تَحِلُّ قَبْلَ حُلُولِ الْحَقِّ، كَمَنْ عُلِّقَ عِتْقُهُ بِهِلَالِ رَمَضَانَ، وَمَحَلُّ الْحَقِّ آخِرُهُ؛ لَمْ يَصِحَّ رَهْنُهُ؛ لِكَوْنِهِ لَا يُمْكِنُ بَيْعُهُ عِنْدَ حُلُولِ الْحَقِّ، وَلَا اسْتِيفَاءُ الدَّيْنِ مِنْ ثَمَنِهِ. وَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ يَحِلُّ قَبْلَهَا، مِثْلُ أَنْ يُعَلَّقَ عِتْقُهُ بِآخِرِ رَمَضَانَ، وَالْحَقُّ يَحِلُّ فِي أَوَّلِهِ، صَحَّ
مسألة [٢٢]: هل يرهن في الدين الذي ليس بثابت كدين الكتابة ؟
• كثير من أهل العلم يخص الرهن في الدين الثابت، ولا يقول به في دين الكتابة، ورجح الإمام ابن عثيمين ﵀ أنه يصح الرهن في الدين الذي ليس بثابت؛ فإن استقر الدين وثبت؛ استقر الرهن وثبت تبعًا، وهو قول بعض الحنابلة، وهو الأصح، والله أعلم. (١)
مسألة [٢٣]: رهن الثمرة قبل بدو صلاحها ؟
• أجازه الحنابلة في وجه لهم، ولهم وجهٌ بعدم الجواز، وهو قول الشافعية، ورجح الإمام ابن عثيمين ﵀ الجواز؛ لأنه إذا حلَّ الأجل؛ فإنْ كان قد بدا صلاحها أمكن البيع، وإلا انتظر حتى يبدو الصلاح، والمرتهن إذا كان يعرف أن الصلاح قد بقي عليه شهران أو ثلاثة قد دخل على بصيرة؛ فليس فيه إشكال. (٢)
مسألة [٢٤]: رهن الثمرة قبل خروجها .
• مقتضى كلام أهل العلم أنه لا يجوز رهنها؛ لأنه شيء معدوم، ولا يجوز بيعه؛ فلا يجوز رهنه. وتسامح في ذلك الإمام ابن عثيمين وأجاز ذلك، فقال: عمل الناس على ذلك باعتبار المآل. قال: وإذا تأملت وجدت أنه ليس في الشرع ما يمنع ذلك؛ لأنَّ المعاملات الممنوعة كما قال شيخ الإسلام -وقوله صحيح- مبناها على ثلاثة أشياء: الظلم، والغرر، والميسر، يعني: وهذه المسألة
стр. 3206
ليس فيها شيء من هذه الأمور الثلاثة. (١)
مسألة [٢٥]: رهن ما في بطن الشاة ؟
• مقتضى كلام الفقهاء أنه لا يصح رهنها؛ لأنه لا يجوز بيعها، ولاحتمال موته؛ فيضيع حق المرتهن.
وقال الإمام ابن عثيمين ﵀ في «الشرح الممتع» (٩/ ١٢٣): وإذا قال: رهنتك ما في بطن هذه الشاة. فالصحيح أنه يصح؛ لأنَّ الرهن ليس عقد معاوضة حتى نقول: لابد من تحريره وعلمه.
فهذا الحمل الذي في البطن لايخلو من أربع حالات: إما أن يكون أكثر من قيمة الدين، أو يكون أقل، أو مساويًا، أو يموت، فإذا مات، أو خرج معيبًا بحيث لا يساوي قيمة الدين؛ فلم يضع الحق، وغاية ما هنالك أنَّ الوثيقة التي كان يؤمل عليها نقصت، أو عدمت، ولكن حقه باقٍ، فإذا خرج الحمل أكثر من الحق فقد زاد على الحق.
ويجوز أن أرهن عينًا بأكثر من الدين، فما دامت المسألة توثقة فقط، والحق باقٍ لن يضيع؛ فالصحيح أنه جائز، والرسول ﷺ إنما نهى عن بيع الغرر، وفرقٌ بين البيع الذي يقصد فيه التحري في مقابلة العوض بالعوض، وبين شيء لا يقصد منه إلا التوثقة إن حصلت؛ فهي كمال، وإن لم تحصل؛ فالحق باقٍ. اهـ
стр. 3207
مسألة [٢٦]: رهن المصحف .
قال أبو محمد بن قدامة ﵀ في «المغني» (٦/ ٤٦٢): وَفِي رَهْنِ الْمُصْحَفِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا: لَا يَصِحُّ رَهْنُهُ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الرَّهْنِ اسْتِيفَاءُ الدَّيْنِ مِنْ ثَمَنِهِ، وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ إلَّا بِبَيْعِهِ، وَبَيْعُهُ غَيْرُ جَائِزٍ. وَالثَّانِيَةُ: يَصِحُّ رَهْنُهُ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَأَصْحَابِ الرَّأْي؛ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ يَصِحُّ بَيْعُهُ فَصَحَّ رَهْنُهُ كَغَيْرِهِ. اهـ (١)
قلتُ: المسألة مبنية على بيع المصحف، والراجح هو الجواز؛ لأنه يبيع الورق، والحبر، والعمل، ولا يبيع كلام الله، وعلى هذا فيجوز رهنه، والله أعلم.
والقول بجواز بيعه هو مذهب مالك، والشافعي، وهو قول الشعبي، والحسن، والحكم، وعكرمة، وقال به الظاهرية.
وممن رُوي عنه منع بيعه وكراهته: شريح، ومسروق، وعلقمة، وابن سيرين، والنخعي، وسعيد بن جبير، وقتادة، وأحمد، وإسحاق، وثبت عن ابن عمر ﵄ المنع من بيعها، وعن ابن عباس ﵄، كراهة بيعها، والترخيص بشرائها.
وعن أحمد وإسحاق: لا بأس بشراء المصاحف، وعدم الترخيص ببيعها.
وقد رجَّح الإمام ابن باز ﵀، والإمام العثيمين ﵀، والإمام الوادعي ﵀ جواز بيعه، وهو الصحيح؛ لعدم وجود دليل يمنع من ذلك، والله أعلم. (٢)
стр. 3208
مسألة [٢٧]: استعارة الشيء ليرهنه .
قال ابن قدامة ﵀ في المغني (٦/ ٤٦٢): وَيَجُوزُ أَنَّ يَسْتَعِيرَ شَيْئًا يَرْهَنُهُ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ إذَا اسْتَعَارَ مِنْ الرَّجُلِ شَيْئًا يَرْهَنُهُ عَلَى دَنَانِيرَ مَعْلُومَةٍ، عِنْدَ رَجُلٍ سَمَّاهُ، إلَى وَقْتٍ مَعْلُومٍ، فَفَعَلَ، أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ. وَيَنْبَغِي أَنْ يَذْكُرَ الْمُرْتَهَنَ، وَالْقَدْرَ الَّذِي يَرْهَنُهُ بِهِ، وَجِنْسَهُ، وَمُدَّةَ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّ الضَّرَرَ يَخْتَلِفُ بِذَلِكَ، فَاحْتِيجَ إلَى ذِكْرِهِ، كَأَصْلِ الرَّهْنِ، وَمَتَى شَرَطَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، فَخَالَفَ، وَرَهَنَهُ بِغَيْرِهِ؛ لَمْ يَصِحَّ الرَّهْنُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِي هَذَا الرَّهْنِ، فَأَشْبَهَ مَنْ لَمْ يَأْذَنْ فِي أَصْلِ الرَّهْنِ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى ذَلِكَ. اهـ
مسألة [٢٨]: هل يؤخذ الرهن في غير الدين كالعارية، والمغصوب وما أشبهه ؟
• مذهب الحنابلة والشافعية المنع من ذلك؛ لأنَّ الأدلة جاءت بأخذ الرهن في الدين، وأجاز ذلك مالك؛ لأنه عبارة عن وثيقة، والمعنى يقتضيه، ورجح هذا القول الشوكاني، ثم الإمام ابن عثيمين، وهو الصواب، والله أعلم، وهو قول جماعة من الحنابلة، وبعضهم يجعله المذهب. (١)
مسألة [٢٩]: الرهن للدين بدين في ذمة رجل آخر .
صورته: أن يكون لرجل مثلًا عشرة آلاف، فجاء يطلبني دينًا قدره مثلًا عشرة
стр. 3209
آلاف أو أقل، فأقول له: دينك الذي في ذمة فلان رهن.
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: الصحيح هو جوازه، ويكون المدين الثاني كأنه ضامن، وهذا هو الصحيح، فقد يكون رجائي لحصولي على الدين من فلان أقوى من رجائي لحصوله من الأصل. اهـ
قلتُ: وهذا قولٌ لبعض أهل العلم أشار إليه الزركشي كما في «الإنصاف» (٥/ ١٢٢). (١)
مسألة [٣٠]: الرهن للدين بمنافع يأخذها المرتهن .
صورتها: أن يرهنه أجرة السيارة، وأجرة البيت، فيؤجرها المرتهن، ويأخذ الأجرة رهنًا.
• وقد أجاز ذلك الإمام ابن عثيمين ﵀؛ لأنَّ المقصود هو التوثقة، فإذا رهنه منفعة البيت؛ فيؤجره ويأخذ الأجرة رهنًا، وهذا فيه فائدة، وليس هذا من باب المعاوضة، حتى نقول: إن المنفعة مجهولة، بل هو من باب التوثقة؛ لأنه إن حصل له شيء، وإلا رجع على الأصل الذي رهنه هذا الشيء. (٢)
مسألة [٣١]: رهن ما يفسد بعد فترة .
• الأصح عند أهل العلم جواز رهنها، وعليه الأكثر، وللمرتهن بيعها إذا خاف فسادها بأن يجعل الراهن يبيعها بنفسه أو يرفعه إلى الحاكم؛ فيتولى الحاكم البيع
стр. 3210
ويجوز بيعه سواء شرط المرتهن البيعَ عند الرهن أم لم يشترط على الصحيح. (١)
مسألة [٣٢]: جعل الرهن الأول رهنًا لدين آخر عند المرتهن نفسه ؟
• ذهب جماعة من أهل العلم إلى منع ذلك، وهو مذهب الحنابلة، والحنفية، وقول للشافعي، وابن حزم؛ لأنه كما أنه يمنع من رهنه عند إنسان آخر، فكذلك لا يجوز له رهنه عند ذلك المرتهن؛ لأنَّ الرهن قد تعلق بالحق الأول.
• وذهب مالك، وأبو يوسف، وأبو ثور، والمزني، وابن المنذر إلى صحة ذلك وجوازه، وصوب هذا الإمام ابن عثيمين، وهو الصحيح؛ لعدم وجود دليل يمنع ذلك، وكون الرهن قد تعلق بالحق الأول لا يمنع أن يتعلق به حق آخر للمرتهن إذا رضي بذلك. (٢)
مسألة [٣٣]: إذا أدَّى بعض الدين، فهل من حقه أخذ الرهن ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٦/ ٤٨١): وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ حَقَّ الْوَثِيقَةِ يَتَعَلَّقُ بِالرَّهْنِ جَمِيعِهِ، فَيَصِيرُ مَحْبُوسًا بِكُلِّ الْحَقِّ، وَبِكُلِّ جُزْءٍ مِنْهُ، لَا يَنْفَكُّ مِنْهُ شَيْءٌ حَتَّى يَقْضِيَ جَمِيعَ الدَّيْنِ، سَوَاءٌ كَانَ مِمَّا يُمْكِنُ قِسْمَتُهُ أَوْ لَا يُمْكِنُ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ أَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ مَنْ رَهَنَ شَيْئًا بِمَالِ، فَأَدَّى بَعْضَ الْمَالِ، وَأَرَادَ إخْرَاجَ بَعْضِ الرَّهْنِ، أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ لَهُ، وَلَا يَخْرُجُ شَيْءٌ حَتَّى يُوَفِّيَهُ آخِرَ حَقِّهِ، أَوْ يُبْرِئَهُ مِنْ ذَلِكَ. كَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ،
стр. 3211
وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ وَثِيقَةٌ بِحَقِّ، فَلَا يَزُولُ إلَّا بِزَوَالِ جَمِيعِهِ، كَالضَّمَانِ وَالشَّهَادَةِ. اهـ (١)
مسألة [٣٤]: إمساك السلعة رهنًا بقيمتها، أو ببعض قيمتها ؟
• ذهب كثير من أهل العلم إلى منع ذلك، وهو مذهب الشافعي، وبعض الحنابلة، والظاهرية، وذكروا للمنع من ذلك عدة أسباب.
أحدها: أنَّ الشيء قبل قبضه لا يجوز بيعه؛ فلا يجوز رهنه.
ثانيها: أنه إذا شرط ذلك عليه قبل البيع؛ فهو غير مملوك للراهن.
ثالثها: البيع يقتضي إيفاء الثمن أولًا، ورهن المبيع يقتضي أن لا يسلمه حتى يقبض الثمن.
رابعها: البيع يقتضي تسليم المبيع أولًا، ورهن المبيع يقتضي أن لا يسلمه حتى يقبض الثمن.
خامسها: البيع يقتضي إمساك المبيع مضمونًا، والرهن يقتضي أن لا يكون مضمونًا، وهذا يوجب التناقض.
سادسها: إذا شرط عليه ذلك فهو باطل؛ لأنه شرط ليس في كتاب الله.
• وذهب بعض أهل العلم إلى جواز ذلك، قال به بعض الحنابلة إذا كان ذلك شرطًا في البيع، وهو رواية عن أحمد، وأجاز ابن حزم حبس السلعة إذا كان البيع
стр. 3212
حالا لا مؤجلًا. وأسند ابن حزم من طريق الشعبي عن عمرو بن حريث، قال فيمن باع سلعة فنقده المشتري بعض الثمن، فقال البائع: لا أعطيك السلعة حتى تجيء بالبقية، فجعل عمرو بن حريث السلعة رهنًا بما بقي، وأسند عن عروة بن المغيرة بن شعبة مثل ذلك.
قال أبو عبد الله غفر الله له: إذا شرط ذلك عليه في البيع، فله إمساكها رهنًا، والمسلمون على شروطهم، ولا نعلم دليلًا يبطل هذا الشرط، وإما إذا لم يشترط عليه فكما قال ابن حزم: له إمساكها إذا كان البيع حالًا؛ لأن ذلك حق له، وأما إذا كان البيع مؤجلًا فلا يجوز له إمساكها بدون رضاه. وقال أحمد: هو غاصب.
وأما ما ذكروه فالجواب عنه كما يلي مرتبًا:
١) لا يُسَلَّمُ لهم أنه لا يجوز رهن الشيء قبل قبضه؛ لأنه إذا لم يوفه حقَّه؛ فإنَّ الحاكم يلزم الراهن بقبضه وبيعه، أو يقبضه الحاكم ويبيعه، فلا إشكال.
٢) قولهم: (إنه غير مملوك)، فيجاب عنه بأنه إنما شرط رهنه بعد ملكه.
٣) قولهم: (إن البيع يقتضي إيفاء الثمن من غير المبيع) غير صحيح، وإنما يقتضي وفاء الثمن مطلقًا.
٤) قولهم: (البيع يقتضي تسليم المبيع قبل تسليم الثمن) ممنوع وإن سُلِّم فلا يمتنع أن يثبت بالشرط خلافه كما أن مقتضى البيع حلول الثمن ووجوب تسليمه في الحال، ولو شرط التأجيل جاز.
стр. 3213
٥) الضمان على البائع إن أمسك السلعة بالثمن؛ لأن إمساكه لها يدل على أنه لم يتم البيع إلا بالثمن، فتكون من ضمانه، وأما الرهن فمن ضمان المشتري؛ لأنه أمسك حق المشتري برضاه وبالحق.
٦) أما قولهم: (الشرط باطل) فممنوع، وهم مطالبون بالدليل على بطلانه، والله أعلم. (١)
مسألة [٣٥]: رهن العبد المسلم لكافر ؟
• قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٦/ ٤٧٠): قَالَ الْقَاضِي: لَا يَصِحُّ رَهْنُ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ لِكَافِرٍ. وَاخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابِ صِحَّةَ رَهْنِهِ، إذَا شَرَطَا كَوْنَهُ عَلَى يَدِ مُسْلِمٍ، وَيَبِيعُهُ الْحَاكِمُ إذَا امْتَنَعَ مَالِكُهُ. وَهَذَا أَوْلَى؛ لِأَنَّ مَقْصُودَ الرَّهْنِ يَحْصُلُ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ. اهـ
قلتُ: والقول الثاني هو الصواب، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في «الإنصاف» (٥/ ١٣٢).
مسألة [٣٦]: جعل الرهن على يدي عدل ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٦/ ٤٧٠ - ): وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْمُتَرَاهِنَيْنِ إذَا شَرَطَا كَوْنَ الرَّهْنِ عَلَى يَدَيْ رَجُلٍ رَضِيَاهُ، وَاتَّفَقَا عَلَيْهِ؛ جَازَ، وَكَانَ وَكِيلًا لِلْمُرْتَهِنِ نَائِبًا عَنْهُ فِي الْقَبْضِ، فَمَتَى قَبَضَهُ صَحَّ قَبْضُهُ فِي قَوْلِ جَمَاعَةِ الْفُقَهَاءِ، مِنْهُمْ: عَطَاءٌ،
المرتهن من الرهن، وإنما هو عزل لتوكيله في البيع، فيقيم الراهن شخصًا آخر لبيعه؛ وإلا أقام الحاكم شخصًا أمينًا يقوم بذلك.
مسألة [٤٠]: الثمن الذي يبيع العدل به ؟
قال أبو محمد بن قدامة ﵀ في «المغني» (٦/ ٤٧٦): وَمَتَى قَدَّرَا لَهُ ثَمَنًا؛ لَمْ يَجُزْ لَهُ بَيْعُهُ بِدُونِهِ، وَإِنْ أَطْلَقَا، فَلَهُ بَيْعُهُ بِثَمَنِ مِثْلِهِ، أَوْ زِيَادَةٍ عَلَيْهِ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَقَالَ أَبُوحَنِيفَةَ: لَهُ بَيْعُهُ وَلَوْ بِدَرَاهِمَ، وَالْكَلَامُ مَعَهُ فِي الْوَكَالَةِ. فَإِنْ أَطْلَقَا، فَبَاعَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَمَنِ الْمِثْلِ، مِمَّا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِهِ؛ صَحَّ، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُضْبَطُ غَالِبًا. وَإِنْ كَانَ النَّقْصُ مِمَّا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِهِ، أَوْ بَاعَ بِأَنْقَصَ مِمَّا قَرَّرَا لَهُ؛ صَحَّ الْبَيْعُ، وَضَمِنَ النَّقْصَ كُلَّهُ. ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا، وَالْأَوْلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِيهِ. اهـ
مسألة [٤١]: إذا باع إلى أجل بشرط رهن، ولم يعين الرهن، أو قال: (برهن إحدى هذه الشياه) مثلًا ؟
• مذهب الحنابلة، والشافعي عدم صحة ذلك؛ لأنه مجهول، فلا يصح كالبيع.
• وأجازه أبو حنيفة بقوله: بأحد هذين العبدين. وما أشبهه.
• ومذهب مالك، وأبي ثور أنه يصح شرط الرهن المجهول، ويلزم أن يدفع إليه رهنًا بقدر الدين؛ لأنه وثيقة؛ فجاز شرطها مطلقًا كالشهادة.
стр. 3217
قلتُ: وقول مالك هو الصواب، والله أعلم، وليس هو كالبيع؛ لأن البيع معاوضة، والرهن توثقة. (١)
مسألة [٤٢]: إذا باعه بشرط أن يأتي برهن، فلم يأت به ؟
• مذهب أحمد، والشافعي، وأصحاب الرأي أنَّ للبائع أن يفسخ البيع، أو يمضيه بدون رهن، وليس له الحق بإلزام المشتري بالرهن؛ لأنَّ الرهن عندهم لا يلزم إلا بالقبض.
• ومذهب مالك، وأبي ثور أنَّ المشتري يلزم بالرهن إلا أن يتسامح البائع، أو يختار الفسخ؛ لأنَّ الرهن عندهم يلزم بالعقد، وهو الصحيح؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾، وقال به بعض الحنابلة في غير المكيل والموزون. (٢)
مسألة [٤٣]: الرهن بشرط أن يبيعه المرتهن .
• أجاز ذلك الجمهور، وهو مذهب الحنابلة، والمالكية، والحنفية.
• ومنع ذلك الشافعي، وقال: لا يصح؛ لأنه توكيل فيما يتنافى فيه الغرضان؛ فلم يصح، كما لو وكله في بيعه من نفسه.
ووجه التنافي: أنَّ الراهن يريد الصبر على المبيع، والاحتياط في توفير الثمن، والمرتهن يريد تعجيل الحق، وإنجاز البيع.
стр. 3218
وأجاب الجمهور: بأنَّ هذا لا يمنع جواز الرهن وصحته مع الشرط، والله أعلم. «المغني» (٦/ ٥٠٥).
مسألة [٤٤]: شرط أن يبيعه العدل عند حلول الحق ؟
قال ابن قدامة ﵀: لَا نَعْلَمُ فِي صِحَّةِ هَذَا خِلَافًا. اهـ
قلتُ: الظاهر أنه يريد عدم الخلاف عند القائلين بجواز جعل الرهن عند عدل، وقد تقدم الخلاف في ذلك.
مسألة [٤٥]: إذا اشترط ما ينافي مقتضى الرهن ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٦/ ٥٠٦): الشُّرُوطُ الْفَاسِدَةُ، مِثْلُ أَنْ يَشْتَرِطَ مَا يُنَافِي مُقْتَضَى الرَّهْنِ، نَحْوِ أَنْ يَشْتَرِطَ أَلَّا يُبَاعَ الرَّهْنُ عِنْدَ حُلُول الْحَقِّ، أَوْ لَا يُسْتَوْفَى الدَّيْنُ مِنْ ثَمَنِهِ، أَوْ لَا يُبَاعُ مَا خِيفَ تَلَفُهُ، أَوْ بَيْعَ الرَّهْنِ بِأَيِّ ثَمَنٍ كَانَ، أَوْ أَنْ لَا يَبِيعَهُ إلَّا بِمَا يُرْضِيه. فَهَذِهِ شُرُوطٌ فَاسِدَةٌ؛ لِمُنَافَاتِهَا مُقْتَضَى الْعَقْدِ، فَإِنَّ الْمَقْصُودَ مَعَ الْوَفَاءِ بِهَذِهِ الشُّرُوطِ مَفْقُودٌ. اهـ
مسألة [٤٦]: وهل يفسد الرهن مع فساد الشرط ؟
• مذهب أبي حنيفة، وبعض الحنابلة صحة الرهن، والشرط فاسد. وبعض الحنابلة على فساد الرهن، وقال بعضهم بفساده إذا كان ينقص حق المرتهن، وهو مذهب الشافعي. (١)
стр. 3219
مسألة [٤٧]: إذا اشترط عليه إذا حل الدين ولم يوفه فالرهن له بالدين بيعًا ؟
• قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٦/ ٥٠٧): وَإِنْ شَرَطَ أَنَّهُ مَتَى حَلَّ الْحَقُّ وَلَمْ يُوَفِّنِي فَالرَّهْنُ لِي بِالدَّيْنِ، أَوْ: فَهُوَ مَبِيعٌ لِي بِالدَّيْنِ الَّذِي عَلَيْك؛ فَهُوَ شَرْطٌ فَاسِدٌ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ (١)، وَشُرَيْحٍ، وَالنَّخَعِيِّ، وَمَالِكٍ، وَالثَّوْرِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا خَالَفَهُمْ. اهـ
ثم استدل بحديث الباب: «لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ مِنْ صَاحِبِهِ الَّذِي رَهَنَهُ»، وبأنَّ هذا البيع معلق، ومن شروط البيع أن يكون منجزًا.
وقد رجَّح الإمام ابن عثيمين ﵀ جواز ذلك، ونقله رواية عن أحمد من فِعْلِه، ورجح أنَّ معنى الإغلاق في الحديث: أن يأخذه المرتهن قهرًا بغير رضى الراهن، سواء كان يساوي الدين، أو أكثر، وكانوا يفعلون ذلك في الجاهلية، وأما البيع المعلق فما هو الدليل على أنه لا يصح؟ والأصل في العقود وشروطها الجواز والصحة ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ والمسلمون على شروطهم، واختاره شيخ الإسلام كما في «الإنصاف».
قلتُ: وهذا قول جيد، ولكن ينبغي أن يكون الرضى من الراهن ليس عن اضطرار؛ لأنه قد يسلم الرهن، وفي قرارة نفسه أنه سيوفيه ولا يحصل البيع، فهو في مثل هذه الحالة ليس براضٍ بالبيع، وإن رهن، والله أعلم. (٢)
стр. 3220
مسألة [٤٨]: إذا شرط المرتهن أن ينتفع بالرهن ؟
قال أبو محمد بن قدامة ﵀ (٦/ ٥١٠): فَإِنْ شَرَطَ فِي الرَّهْنِ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ الْمُرْتَهِنُ؛ فَالشَّرْطُ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّهُ يُنَافِي مُقْتَضَى الرَّهْنِ. وَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَجُوزُ فِي الْمَبِيعِ، قَالَ الْقَاضِي: مَعْنَاهُ أَنْ يَقُولَ: بِعْتُك هَذَا الثَّوْبَ بِدِينَارِ، بِشَرْطِ أَنْ تَرْهَنَنِي عَبْدَك يَخْدُمُنِي شَهْرًا. فَيَكُونُ بَيْعًا وَإِجَارَةً، فَهُوَ صَحِيحٌ. وَإِنْ أَطْلَقَ، فَالشَّرْطُ بَاطِلٌ؛ لِجَهَالَةِ ثَمَنِهِ. وَقَالَ مَالِكٌ: لَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِطَ فِي الْبَيْعِ مَنْفَعَةَ الرَّهْنِ إلَى أَجَلٍ فِي الدُّورِ وَالْأَرْضِينَ، وَكَرِهَهُ فِي الْحَيَوَانِ وَالثِّيَابِ، وَكَرِهَهُ فِي الْقَرْضِ. وَلَنَا أَنَّهُ شَرَطَ فِي الرَّهْنِ مَا يُنَافِيه؛ فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ شَرَطَهُ فِي الْقَرْضِ. اهـ
قال أبو عبد الله غفر الله له: الذي يظهر -والله أعلم- صحة ذلك في البيع إنْ تميز ثمن المبيع ومقدار الأجرة ولم تأخذ الإجارة بعض ثمن المبيع؛ لأنه يصبح بيعًا وإجارة بعقد واحد، وهذا جائز بلا إشكال بالشرط المذكور، وأما في القرض فلا يجوز؛ لأنه يصبح قرضًا جرَّ نفعًا بشرط، وذلك ربا.
مسألة [٤٩]: انتفاع المرتهن بالمركوب والمحلوب .
• جمهور الفقهاء على أنَّ المرتهن لا يجوز له الانتفاع بالركوب، ولا بالحليب؛ لأنها ملك للراهن، والأصل في مال المسلم الحرمة، وأوَّلوا حديث أبي هريرة الذي في الباب بأنَّ المراد به الراهن نفسه له أن يركبها ويحتلبها، كما كان قبل الرهن، وبعضهم حمله على أنه منسوخ.
стр. 3221
• وذهب كثير من أهل العلم إلى أنَّ للمرتهن الانتفاع من المركوب بركوبه، ومن المحلوب بحلبه، وهو قول أحمد، وإسحاق، والأوزاعي، والليث، وأبي ثور، وابن حزم، وقيَّد غيرُ الأخير منهم بأن يكون ذلك بقدر نفقته عرفًا. وقال ابن حزم: ينفق عليه، وينتفع به، سواء كان الانتفاع أقلَّ من النفقة أو أكثر. واستدلوا كلهم بحديث أبي هريرة ﵁ الذي في الباب، وتأويل الجمهور يرده رواية أحمد (٢/ ٢٢٨) بإسناد صحيح «فعلى المرتهن علفها ... »، وادعاؤهم النسخ دعوى تحتاج إلى دليل، ولا معارضة حتى يقال بالنسخ؛ فإنَّ الخاص يقضي على العام ولا يعارضه.
فالصحيح هو جواز الانتفاع بالمركوب، والمحلوب مقابل النفقة، ويأخذ بقدر نفقته كما قال غير ابن حزم، والله أعلم. (١)
مسألة [٥٠]: وهل يستخدم العبد مقابل نفقته أيضًا ؟
• منع من ذلك الجمهور، ومعهم أحمد، وإسحاق، وابن حزم؛ لأنَّ حديث أبي هريرة جاء في المركوب، والمحلوب، فغيره يبقى فيه على الأصل.
• وذهب الأوزاعي، والليث، وأبو ثور، وأحمد في رواية إلى جواز استخدام العبد مقابل النفقة، وهذا أقرب؛ لأنَّ العبيد من حيث البيع، والشراء، والإجارة وما أشبهها، أحكامهم كأحكام الحيوانات، والله أعلم. (٢)
стр. 3222
تنبيه: إذا أنفق الراهن على الحيوان بنفسه؛ فليس للمرتهن أن ينتفع بالركوب، والحلب عندهم جميعًا.
مسألة [٥١]: انتفاع المرتهن من الرهن الذي ليس له مؤنة ؟
قال أبو محمد بن قدامة ﵀ في «المغني» (٦/ ٥٠٩): مَا لَا يَحْتَاجُ إلَى مُؤْنَةٍ، كَالدَّارِ وَالْمَتَاعِ وَنَحْوِهِ، فَلَا يَجُوزُ لِلْمُرْتَهِنِ الِانْتِفَاعُ بِهِ بِغَيْرِ إذْنِ الرَّاهِنِ بِحَالٍ. لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ مِلْكُ الرَّاهِنِ، فَكَذَلِكَ نَمَاؤُهُ وَمَنَافِعُهُ، فَلَيْسَ لِغَيْرِهِ أَخْذُهَا بِغَيْرِ إذْنِهِ. اهـ
مسألة [٥٢]: إذا أذن الراهن للمرتهن في الانتفاع بغير عوض ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٦/ ٥٠٩): فَإِنْ أَذِنَ الرَّاهِنُ لِلْمُرْتَهِنِ فِي الِانْتِفَاعِ بِغَيْرِ عِوَضٍ، وَكَانَ دَيْنُ الرَّهْنِ مِنْ قَرْضٍ؛ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ يُحَصِّلُ قَرْضًا يَجُرُّ مَنْفَعَةً، وَذَلِكَ حَرَامٌ. قَالَ أَحْمَدُ: أَكْرَهُ قَرْضَ الدُّورِ، وَهُوَ الرِّبَا الْمَحْضُ. يَعْنِي: إذَا كَانَتْ الدَّارُ رَهْنًا فِي قَرْضٍ يَنْتَفِعُ بِهَا الْمُرْتَهِنُ. وَإِنْ كَانَ الرَّهْنُ بِثَمَنِ مَبِيعٍ، أَوْ أَجْرِ دَارٍ، أَوْ دَيْنٍ غَيْرِ الْقَرْضِ، فَأَذِنَ لَهُ الرَّاهِنُ فِي الِانْتِفَاعِ؛ جَازَ ذَلِكَ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ، وَابْنِ سِيرِينَ، وَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ. اهـ
قال أبو عبد الله غفر الله له: الصحيح هو المنع من ذلك، سواءٌ كان مقابل قرض، أو بيع إلى أجل؛ فكله من الربا، إلا أن تكون المنفعة مشروطة في البيع نفسه، وهي منفعة معلومة الوصف والمقدار؛ فيجوز، وتكون من ضمن ثمن المبيع، والله أعلم.
стр. 3223
مسألة [٥٣]: إذا انتفع المرتهن من الرهن بأجرة للراهن ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٦/ ٥٠٩): فَأَمَّا إنْ كَانَ الِانْتِفَاعُ بِعِوَضِ، مِثْلُ إنْ اسْتَأْجَرَ الْمُرْتَهِنُ الدَّارَ مِنْ الرَّاهِنِ بِأُجْرَةِ مِثْلِهَا، مِنْ غَيْر مُحَابَاةٍ؛ جَازَ فِي الْقَرْضِ وَغَيْرِهِ؛ لِكَوْنِهِ مَا انْتَفَعَ بِالْقَرْضِ، بَلْ بِالْإِجَارَةِ، وَإِنْ حَابَاهُ فِي ذَلِكَ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الِانْتِفَاعِ، بِغَيْرِ عِوَضٍ، لَا يَجُوزُ فِي الْقَرْضِ، وَيَجُوزُ فِي غَيْرِهِ. اهـ
قال أبو عبد الله غفر الله له: الصحيح هو المنع من ذلك في غير القرض أيضًا كما تقدم، وبالله التوفيق.
مسألة [٥٤]: إذا انتفع المرتهن من الرهن بغير إذن ؟
قال أبو محمد بن قدامة ﵀ في «المغني» (٦/ ٥١٣): وَإِذَا انْتَفَعَ الْمُرْتَهِنُ بِالرَّهْنِ، بِاسْتِخْدَامٍ، أَوْ رُكُوبٍ، أَوْ لُبْسٍ، أَوْ اسْتِرْضَاعٍ، أَوْ اسْتِغْلَالٍ، أَوْ سُكْنَى، أَوْ غَيْرِهِ، حَسَبَ مِنْ دَيْنِهِ بِقَدْرِ ذَلِكَ.
قَالَ أَحْمَدُ: يُوضَعُ عَنْ الرَّاهِنِ بِقَدْرِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَنَافِعَ مِلْكُ الرَّاهِنِ، فَإِذَا اسْتَوْفَاهَا؛ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا فِي ذِمَّتِهِ لِلرَّاهِنِ، فَيُتَقَاصُّ الْقِيمَةَ وَقَدْرَهَا مِنْ الدَّيْنِ، وَيَتَسَاقَطَانِ. اهـ
مسألة [٥٥]: هل للمرتهن وطء الجارية المرهونة ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٦/ ٤٨٨): وَلَا يَحِلُّ لِلْمُرْتَهِنِ وَطْءُ الْجَارِيَةِ الْمَرْهُونَةِ إجْمَاعًا؛ لِقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾
стр. 3224
[المؤمنون: ٦/المعارج:٣٠]، وَلَيْسَتْ هَذِهِ زَوْجَةً وَلَا مِلْكَ يَمِينٍ؛ فَإِنْ وَطِئَهَا عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ، فَعَلَيْهِ الْحَدُّ؛ لِأَنَّهُ لَا شُبْهَةَ لَهُ فِيهِ؛ فَإِنَّ الرَّهْنَ اسْتِيثَاقٌ بِالدَّيْنِ، وَلَا مَدْخَلَ لِذَلِكَ فِي إبَاحَةِ الْوَطْءِ؛ لِأَنَّ وَطْءَ الْمُسْتَأْجَرَةِ يُوجِبُ الْحَدَّ مَعَ مِلْكِهِ لِنَفْعِهَا، فَالرَّهْنُ أَوْلَى. اهـ (١)
مسألة [٥٦]: انتفاع الراهن برهنه وتصرفه فيه .
أما تصرفه فيه بإخراجه عن ملكه بالبيع، والهبة؛ فلا يجوز عند أهل العلم، ولم أجد خلافًا في ذلك.
• وأما تصرفه فيه بالإجارة والإعارة، وما أشبهها، ففيه قولان:
القول الأول: لا يملك التصرف فيه بذلك بغير رضى المرتهن، وهو قول أحمد، والثوري، وأصحاب الرأي؛ لأنَّ الرهن قد تعلق به حق المرتهن.
القول الثاني: للراهن إجارته، وإعارته مدة لا يتأخر انقضاؤها عن حلول الدين، وهو قول مالك، والشافعي، وابن أبي ليلى، وابن المنذر، وابن حزم.
ورجح هذا الشيخ ابن عثيمين ﵀، وقيَّدَه بما إذا لم يحصل ضرر على المرتهن، وهو الصواب، والله أعلم. (٢)
стр. 3225
مسألة [٥٧]: هل يجوز للراهن وطء أمته المرهونة ؟
• أجاز ذلك ابن حزم مطلقًا، وأجازه جماعة من الشافعية في الآيسة، والصغيرة، ومنع من ذلك أكثر أهل العلم؛ لأنَّ ذلك مظنة الحمل، فتخرج عن جواز رهنها؛ لأنها تصبح أم ولد.
والصحيح هو الجواز؛ لأنَّ الراجح أنَّ أم الولد يجوز بيعها إذا لم يحصل تفريق بينها وبين ولدها، والله أعلم. (١)
مسألة [٥٨]: هل له وطؤها إذا أذن المرتهن ؟
الذين منعوا من الوطء في المسألة السابقة أجازوا ذلك إذا أذن المرتهن؛ لأنها إذا حملت خرجت من الرهن بإذن المرتهن؛ لكونه أذن في سبب الحمل.
وقال ابن قدامة ﵀: لا نعلم في هذا خلافًا. (٢)
مسألة [٥٩]: هل ينفذ عتق الراهن لعبده المرهون ؟
• في هذه المسألة أقوال:
الأول: العتق باطل، ولا ينفذ؛ لأن العبد قد تعلق به حق المرتهن؛ فعتقه للعبد يعتبر تعديًا في حق غيره، ولا يجوز له ذلك، وإذا كان لا يجوز؛ فلا يصح ولا ينفذ، وبهذا قال عطاء، وأبو ثور، وداود، وعثمان البتي، وهو قولٌ لبعض الحنابلة،