← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 165

فتح العلام في دراسة أحاديث بلوغ المرام ط 4

محمد بن علي بن حزام البعداني

Полный текст (5 956 стр.). Показаны 3221–3260 · переход к 3226.

стр. 3221

• وذهب كثير من أهل العلم إلى أنَّ للمرتهن الانتفاع من المركوب بركوبه، ومن المحلوب بحلبه، وهو قول أحمد، وإسحاق، والأوزاعي، والليث، وأبي ثور، وابن حزم، وقيَّد غيرُ الأخير منهم بأن يكون ذلك بقدر نفقته عرفًا. وقال ابن حزم: ينفق عليه، وينتفع به، سواء كان الانتفاع أقلَّ من النفقة أو أكثر. واستدلوا كلهم بحديث أبي هريرة ﵁ الذي في الباب، وتأويل الجمهور يرده رواية أحمد (٢/ ٢٢٨) بإسناد صحيح «فعلى المرتهن علفها ... »، وادعاؤهم النسخ دعوى تحتاج إلى دليل، ولا معارضة حتى يقال بالنسخ؛ فإنَّ الخاص يقضي على العام ولا يعارضه. فالصحيح هو جواز الانتفاع بالمركوب، والمحلوب مقابل النفقة، ويأخذ بقدر نفقته كما قال غير ابن حزم، والله أعلم. (١) مسألة [٥٠]: وهل يستخدم العبد مقابل نفقته أيضًا ؟ • منع من ذلك الجمهور، ومعهم أحمد، وإسحاق، وابن حزم؛ لأنَّ حديث أبي هريرة جاء في المركوب، والمحلوب، فغيره يبقى فيه على الأصل. • وذهب الأوزاعي، والليث، وأبو ثور، وأحمد في رواية إلى جواز استخدام العبد مقابل النفقة، وهذا أقرب؛ لأنَّ العبيد من حيث البيع، والشراء، والإجارة وما أشبهها، أحكامهم كأحكام الحيوانات، والله أعلم. (٢)

стр. 3222

تنبيه: إذا أنفق الراهن على الحيوان بنفسه؛ فليس للمرتهن أن ينتفع بالركوب، والحلب عندهم جميعًا. مسألة [٥١]: انتفاع المرتهن من الرهن الذي ليس له مؤنة ؟ قال أبو محمد بن قدامة ﵀ في «المغني» (٦/ ٥٠٩): مَا لَا يَحْتَاجُ إلَى مُؤْنَةٍ، كَالدَّارِ وَالْمَتَاعِ وَنَحْوِهِ، فَلَا يَجُوزُ لِلْمُرْتَهِنِ الِانْتِفَاعُ بِهِ بِغَيْرِ إذْنِ الرَّاهِنِ بِحَالٍ. لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ مِلْكُ الرَّاهِنِ، فَكَذَلِكَ نَمَاؤُهُ وَمَنَافِعُهُ، فَلَيْسَ لِغَيْرِهِ أَخْذُهَا بِغَيْرِ إذْنِهِ. اهـ مسألة [٥٢]: إذا أذن الراهن للمرتهن في الانتفاع بغير عوض ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٦/ ٥٠٩): فَإِنْ أَذِنَ الرَّاهِنُ لِلْمُرْتَهِنِ فِي الِانْتِفَاعِ بِغَيْرِ عِوَضٍ، وَكَانَ دَيْنُ الرَّهْنِ مِنْ قَرْضٍ؛ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ يُحَصِّلُ قَرْضًا يَجُرُّ مَنْفَعَةً، وَذَلِكَ حَرَامٌ. قَالَ أَحْمَدُ: أَكْرَهُ قَرْضَ الدُّورِ، وَهُوَ الرِّبَا الْمَحْضُ. يَعْنِي: إذَا كَانَتْ الدَّارُ رَهْنًا فِي قَرْضٍ يَنْتَفِعُ بِهَا الْمُرْتَهِنُ. وَإِنْ كَانَ الرَّهْنُ بِثَمَنِ مَبِيعٍ، أَوْ أَجْرِ دَارٍ، أَوْ دَيْنٍ غَيْرِ الْقَرْضِ، فَأَذِنَ لَهُ الرَّاهِنُ فِي الِانْتِفَاعِ؛ جَازَ ذَلِكَ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ، وَابْنِ سِيرِينَ، وَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ. اهـ قال أبو عبد الله غفر الله له: الصحيح هو المنع من ذلك، سواءٌ كان مقابل قرض، أو بيع إلى أجل؛ فكله من الربا، إلا أن تكون المنفعة مشروطة في البيع نفسه، وهي منفعة معلومة الوصف والمقدار؛ فيجوز، وتكون من ضمن ثمن المبيع، والله أعلم.

стр. 3223

مسألة [٥٣]: إذا انتفع المرتهن من الرهن بأجرة للراهن ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٦/ ٥٠٩): فَأَمَّا إنْ كَانَ الِانْتِفَاعُ بِعِوَضِ، مِثْلُ إنْ اسْتَأْجَرَ الْمُرْتَهِنُ الدَّارَ مِنْ الرَّاهِنِ بِأُجْرَةِ مِثْلِهَا، مِنْ غَيْر مُحَابَاةٍ؛ جَازَ فِي الْقَرْضِ وَغَيْرِهِ؛ لِكَوْنِهِ مَا انْتَفَعَ بِالْقَرْضِ، بَلْ بِالْإِجَارَةِ، وَإِنْ حَابَاهُ فِي ذَلِكَ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الِانْتِفَاعِ، بِغَيْرِ عِوَضٍ، لَا يَجُوزُ فِي الْقَرْضِ، وَيَجُوزُ فِي غَيْرِهِ. اهـ قال أبو عبد الله غفر الله له: الصحيح هو المنع من ذلك في غير القرض أيضًا كما تقدم، وبالله التوفيق. مسألة [٥٤]: إذا انتفع المرتهن من الرهن بغير إذن ؟ قال أبو محمد بن قدامة ﵀ في «المغني» (٦/ ٥١٣): وَإِذَا انْتَفَعَ الْمُرْتَهِنُ بِالرَّهْنِ، بِاسْتِخْدَامٍ، أَوْ رُكُوبٍ، أَوْ لُبْسٍ، أَوْ اسْتِرْضَاعٍ، أَوْ اسْتِغْلَالٍ، أَوْ سُكْنَى، أَوْ غَيْرِهِ، حَسَبَ مِنْ دَيْنِهِ بِقَدْرِ ذَلِكَ. قَالَ أَحْمَدُ: يُوضَعُ عَنْ الرَّاهِنِ بِقَدْرِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَنَافِعَ مِلْكُ الرَّاهِنِ، فَإِذَا اسْتَوْفَاهَا؛ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا فِي ذِمَّتِهِ لِلرَّاهِنِ، فَيُتَقَاصُّ الْقِيمَةَ وَقَدْرَهَا مِنْ الدَّيْنِ، وَيَتَسَاقَطَانِ. اهـ مسألة [٥٥]: هل للمرتهن وطء الجارية المرهونة ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٦/ ٤٨٨): وَلَا يَحِلُّ لِلْمُرْتَهِنِ وَطْءُ الْجَارِيَةِ الْمَرْهُونَةِ إجْمَاعًا؛ لِقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾

стр. 3224

[المؤمنون: ٦/المعارج:٣٠]، وَلَيْسَتْ هَذِهِ زَوْجَةً وَلَا مِلْكَ يَمِينٍ؛ فَإِنْ وَطِئَهَا عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ، فَعَلَيْهِ الْحَدُّ؛ لِأَنَّهُ لَا شُبْهَةَ لَهُ فِيهِ؛ فَإِنَّ الرَّهْنَ اسْتِيثَاقٌ بِالدَّيْنِ، وَلَا مَدْخَلَ لِذَلِكَ فِي إبَاحَةِ الْوَطْءِ؛ لِأَنَّ وَطْءَ الْمُسْتَأْجَرَةِ يُوجِبُ الْحَدَّ مَعَ مِلْكِهِ لِنَفْعِهَا، فَالرَّهْنُ أَوْلَى. اهـ (١) مسألة [٥٦]: انتفاع الراهن برهنه وتصرفه فيه . أما تصرفه فيه بإخراجه عن ملكه بالبيع، والهبة؛ فلا يجوز عند أهل العلم، ولم أجد خلافًا في ذلك. • وأما تصرفه فيه بالإجارة والإعارة، وما أشبهها، ففيه قولان: القول الأول: لا يملك التصرف فيه بذلك بغير رضى المرتهن، وهو قول أحمد، والثوري، وأصحاب الرأي؛ لأنَّ الرهن قد تعلق به حق المرتهن. القول الثاني: للراهن إجارته، وإعارته مدة لا يتأخر انقضاؤها عن حلول الدين، وهو قول مالك، والشافعي، وابن أبي ليلى، وابن المنذر، وابن حزم. ورجح هذا الشيخ ابن عثيمين ﵀، وقيَّدَه بما إذا لم يحصل ضرر على المرتهن، وهو الصواب، والله أعلم. (٢)

стр. 3225

مسألة [٥٧]: هل يجوز للراهن وطء أمته المرهونة ؟ • أجاز ذلك ابن حزم مطلقًا، وأجازه جماعة من الشافعية في الآيسة، والصغيرة، ومنع من ذلك أكثر أهل العلم؛ لأنَّ ذلك مظنة الحمل، فتخرج عن جواز رهنها؛ لأنها تصبح أم ولد. والصحيح هو الجواز؛ لأنَّ الراجح أنَّ أم الولد يجوز بيعها إذا لم يحصل تفريق بينها وبين ولدها، والله أعلم. (١) مسألة [٥٨]: هل له وطؤها إذا أذن المرتهن ؟ الذين منعوا من الوطء في المسألة السابقة أجازوا ذلك إذا أذن المرتهن؛ لأنها إذا حملت خرجت من الرهن بإذن المرتهن؛ لكونه أذن في سبب الحمل. وقال ابن قدامة ﵀: لا نعلم في هذا خلافًا. (٢) مسألة [٥٩]: هل ينفذ عتق الراهن لعبده المرهون ؟ • في هذه المسألة أقوال: الأول: العتق باطل، ولا ينفذ؛ لأن العبد قد تعلق به حق المرتهن؛ فعتقه للعبد يعتبر تعديًا في حق غيره، ولا يجوز له ذلك، وإذا كان لا يجوز؛ فلا يصح ولا ينفذ، وبهذا قال عطاء، وأبو ثور، وداود، وعثمان البتي، وهو قولٌ لبعض الحنابلة،

стр. 3226

والشافعية، واختاره شيخ الإسلام. الثاني: ينفذ العتق من الموسر، ويكلف بقيمة العبد يجعلها رهنًا، ولا ينفذ العتق من المعسر، وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد في رواية. الثالث: ينفذ العتق من المعسر، والموسر، وإن كان موسرًا كُلِّفَ بالقيمة، وهو قول أحمد، وأصحاب الرأي، وقولٌ للشافعي. قلتُ: والقول الأول هو الراجح، وهو ترجيح الإمام ابن عثيمين ﵀؛ وذلك لأنه قد تعلق به حق المرتهن؛ بحيث يستوفي حقه منه إذا لم يؤد الدين، وعليه فتصرفات الراهن في الرهن بما يبطل هذا الحق مردودة؛ لما فيه من التعدي، والله أعلم. (١) مسألة [٦٠]: إذا رهن جارية، ثم وطئها بغير إذن المرتهن، فحملت ؟ • أما إذا كان موسرًا: فأكثر أهل العلم على أنها تخرج من الرهن، ويكلف بالقيمة رهنًا، أو رهنًا مكانها. وخالف أبو ثور، فقال: لا يكلف لا هو، ولا هي بشيء، وتخرج من الرهن. • وأما إذا كان معسرًا ففيه خلاف: ١) ... فمنهم من قال: تُباع إذا وضعت، ولا يباع ولدها، وهو قولٌ للشافعي. ٢) ... ومنهم من قال: لا شيء عليه، وقد تعدى، وهو قول أحمد، وأبي ثور،

стр. 3227

وقولٌ للشافعي. ٣) ... ومنهم من قال: يستسعي في القيمة ليرهنها، وهو قول الحنفية. ٤) ومنهم من قال: إن خرجت هي إلى الراهن؛ فلا شيء عليه، وإن تسور عليها، فيأخذ ولدها، وتباع بعد الوضع. وأقرب هذه الأقوال هو القول الثاني، إلا أن المرتهن له الحق بإمساكها؛ حتى يسعى الراهن في قضاء دينه، أو الإبدال برهن آخر، والله أعلم. (١) مسألة [٦١]: إذا زوج الراهن أمته المرهونة ؟ • ذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنَّ الرهن يفسد، وهو قول مالك، والشافعي، وبعض الحنابلة، وقدموا حق الزوج على حق المرتهن. • وذهب أبو حنيفة، وبعض الحنابلة إلى أنَّ الرهن لا يفسد، بل تبقى مرهونة؛ لأنَّ الزواج لا يبطل حق المرتهن، وهذا القول أقرب، والله أعلم؛ فإنْ كان الزوج يعلم أنها مرهونة؛ فيتحمل ذلك، وإن لم يعلم ذلك؛ فله الفسخ، والرجوع بماله، والله أعلم. (٢) مسألة [٦٢]: نماء الرهن وغلاته ؟ وذلك كالولد، والثمرة، والكسب، والمنفعة الحاصلة من البيت المرهون،

стр. 3228

وهو مؤجر، وما أشبه ذلك. • وقد اختلف أهل العلم: هل تكون مرهونة تبعًا لأصلها، أم لا تتبع الرهن؟ • فذهب النخعي، والشعبي، والحنابلة إلى أنَّ هذه الأمور تكون تبعًا للرهن؛ لأنها نتجت منه. • وذهب الثوري، والحنفية إلى أنها تكون تبعًا للرهن؛ إلا كسب العبد والأمة؛ فلا يكون تبعًا له. • وذهب مالك إلى أنَّ الذي يتبع الرهن هو الولد خاصة. • وذهب جماعة من أهل العلم إلى أنَّ الرهن لا يتبعه شيء من نمائه المنفصل، وهو قول الشافعي، وأبي ثور، وابن المنذر، وابن حزم، حتى قال الشافعي: لو رهنها حاملًا، فوضعت عند المرتهن؛ فله أخذ الولد. والذي يظهر أنه يكون مرهونًا؛ لأنها كانت حاملًا، بخلاف ما لو حملت عند المرتهن، ثم وضعت؛ فالظاهر أن له أخذ الولد، والله أعلم. والقول الأخير هو الصواب. (١) مسألة [٦٣]: مؤنة الرهن من حيث النفقة، والمعالجة، والحفظ، وما أشبهه ؟ • جمهور العلماء على أنَّ ذلك على الراهن؛ لأنها ملكه، وقال أبو حنيفة: مؤنة

стр. 3229

الحفظ على المرتهن؛ لأنه هو قابضها، وممسكها، والصحيح قول الجمهور. (١) مسألة [٦٤]: إذا تلف الرهن بدون تعدي أو تفريط من المرتهن، فمن يضمنه ؟ • في هذه المسألة أقوال: الأول: يترادان الفضل، ومعناه: إذا كان الدين أكثر من قيمة الرهن؛ أعاد الراهن إلى المرتهن الفضل من دينه على قيمة الرهن، وإن كان الرهن قيمته أكثر من الدين؛ فيرد المرتهن إلى الراهن الفضل من قيمته الزائد على دينه، وهو قول عبيد الله بن الحسن، وأبي عبيد، وإسحاق. الثاني: مثل القول الأول؛ إلا أنَّ المرتهن لا يرد فضلًا، وهو قول النخعي، وقتادة، والحنفية. الثالث: يسقط الرهن والدين، وهو قول الحسن، والنخعي، وشريح، والشعبي، والزهري، وقتادة. الرابع: إن كان التلف مما يخفى؛ فهو على المرتهن، وإن كان التلف في أمر ظاهر كالعقارات، وغيرها؛ فهي على الراهن، وهذا قول مالك. الخامس: الضمان مطلقًا على الراهن؛ لأنه ماله، وقد تلف بغير تفريط، ولا تعدي، وهذا قول الشافعي، وأحمد، وأبي ثور، والظاهرية، وعطاء، والزهري.

стр. 3230

قلتُ: وهذا القول هو الصواب، وهو اختيار الشيخ ابن عثيمين ﵀. (١) مسألة [٦٥]: إذا وضع على يدي عدل، فتلف بدون تعدي منه، أو تفريط ؟ أما العدل فلا يضمنه عندأهل العلم، واختلفوا: هل ضمانه على الراهن أم المرتهن؟ • فقال أحمد، والشافعي: هو من ضمان الراهن. وقال مالك، وأبو حنيفة: من ضمان المرتهن. والصواب القول الأول. (٢) مسألة [٦٦]: إذا مات الراهن، أو المرتهن ؟ • ما زال الرهن على حاله، سواء كان بعد القبض، أو قبله على الصحيح، وهو مقتضى مذهب مالك وغيره. • ومذهب الجمهور: أنه إذا مات أحدهما قبل القبض؛ فليس الرهن بلازم، وإذا كان بعد القبض؛ فقد لزم، وأحكام الرهن يتولاها الورثة. (٣) مسألة [٦٧]: إذا اختلف الراهن والمرتهن في قدر الرهن ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٦/ ٥٢٦): وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الرَّهْنِ، فَقَالَ: رَهَنْتُك هَذَا الْعَبْدَ. قَالَ: بَلْ هُوَ وَالْعَبْدَ الْآخَرَ. فَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّهُ

стр. 3231

مُنْكِرٌ، وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا. اهـ قلتُ: المراد بالتمثيل المذكور، قبل قبض المرتهن للرهن. مسألة [٦٨]: إن اختلفا في قدر الدين الذي رهن من أجله ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٦/ ٥٢٥): وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الْحَقِّ، نَحْوُ أَنْ يَقُولَ الرَّاهِنُ: رَهَنْتُك عَبْدِي هَذَا بِأَلْفٍ. فَقَالَ الْمُرْتَهِنُ: بَلْ بِأَلْفَيْنِ. فَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ. وَبِهَذَا قَالَ النَّخَعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَالْبَتِّيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَحُكِيَ عَنْ الْحَسَنِ، وَقَتَادَةَ: أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ، مَا لَمْ يُجَاوِزْ ثَمَنَ الرَّهْنِ، أَوْ قِيمَتَهُ. وَنَحْوُهُ قَوْلُ مَالِكٍ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الرَّهْنَ يَكُونُ بِقَدْرِ الْحَقِّ. وَلَنَا أَنَّ الرَّاهِنَ مُنْكِرٌ لِلزِّيَادَةِ الَّتِي يَدَّعِيهَا الْمُرْتَهِنُ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ؛ لَقَوْلِ رَسُولِ الله ﷺ : «لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ؛ لَادَّعَى قَوْمٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ، وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ» (١). ا هـ قلتُ: واختار شيخ الإسلام قول مالك، والذي يظهر أنَّ الصواب قول الجمهور، وهو ترجيح الشيخ ابن عثيمين، واستثنى إذا ظهرت قرينة ظاهرة في صدق المرتهن، كأن يدعي أنه رهنه سيارة في مائة ريال سعودي، فعند ذلك ينظر الحاكم في القضية ويتتبع الأمر. (٢)

стр. 3232

مسألة [٦٩]: إذا حل الدين ولم يوف الراهن ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٦/ ٥٣١): إذَا حَلَّ الْحَقُّ؛ لَزِمَ الرَّاهِنَ الْإِيفَاءُ؛ لِأَنَّهُ دَيْنٌ حَالٌّ، فَلَزِمَ إيفَاؤُهُ، كَاَلَّذِي لَا رَهْنَ بِهِ؛ فَإِنْ لَمْ يُوَفِّ، وَكَانَ قَدْ أَذِنَ لِلْمُرْتَهِنِ أَوْ لِلْعَدْلِ فِي بَيْعِ الرَّهْنِ؛ بَاعَهُ، وَوَفَّى الْحَقَّ مِنْ ثَمَنِهِ، وَمَا فَضَلَ مِنْ ثَمَنِهِ فَلِمَالِكِهِ، وَإِنْ فَضَلَ مِنْ الدَّيْنِ شَيْءٌ؛ فَعَلَى الرَّاهِنِ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَذِنَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِ، أَوْ كَانَ قَدْ أَذِنَ لَهُمَا ثُمَّ عَزَلَهُمَا، طُولِبَ بِالْوَفَاءِ وَبَيْعِ الرَّهْنِ؛ فَإِنْ فَعَلَ، وَإِلَّا فَعَلَ الْحَاكِمُ مَا يَرَى مِنْ حَبْسِهِ وَتَعْزِيرِهِ لِبَيْعِهِ، أَوْ يَبِيعُهُ بِنَفْسِهِ، أَوْ أَمِينِهِ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَبِيعُهُ الْحَاكِمُ؛ لِأَنَّ وِلَايَةَ الْحَاكِمِ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ، لَا عَلَى مَالِهِ، فَلَمْ يَنْفُذْ بَيْعُهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ. وَلَنَا أَنَّهُ حَقٌّ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ، فَإِذَا امْتَنَعَ مِنْ أَدَائِهِ؛ قَامَ الْحَاكِمُ مَقَامَهُ فِي أَدَائِهِ كَالْإِيفَاءِ مِنْ جِنْسِ الدَّيْنِ، وَإِنْ وَفَّى الدَّيْنَ مِنْ غَيْرِ الرَّهْنِ، انْفَكَّ الرَّهْنُ. اهـ (١)

стр. 3233

٨٤٧ - وَعَنْ أَبِي رَافِعٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَسْلَفَ مِنْ رَجُلٍ بَكْرًا (١)، فَقَدِمَتْ عَلَيْهِ إبِلٌ مِنْ إبِلِ الصَّدَقَةِ، فَأَمَرَ أَبَا رَافِعٍ أَنْ يَقْضِيَ الرَّجُلَ بَكْرَهُ، فَقَالَ: لَا أَجِدُ إلَّا خِيَارًا [رَبَاعِيًا] (٢) فَقَالَ: «أَعْطِهِ إيَّاهُ؛ فَإِنَّ خِيَارَ النَّاسِ أَحْسَنُهُمْ قَضَاءً». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (٣) ٨٤٨ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «كُلُّ قَرْضٍ جَرَّ مَنْفَعَةً فَهُوَ رِبًا». رَوَاهُ الحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ، وَإِسْنَادُهُ سَاقِطٌ. (٤) ٨٤٩ - وَلَهُ شَاهِدٌ ضَعِيفٌ عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ عِنْدَ البَيْهَقِيّ. (٥) ٨٥٠ - وَآخَرُ مَوْقُوفٌ عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ سَلَامٍ عِنْدَ البُخَارِيِّ (٦) المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث مسألة [١]: قضاء المقترض للمقرض بأفضل مما أخذ منه بغير شرط . • جمهور العلماء على جواز ذلك، سواء كانت الأفضلية من حيث الوصف، أو العدد.

стр. 3234

واستدلوا بحديث أبي رافع المذكور في الباب. وجاء بنحوه من حديث أبي هريرة ﵁ في «الصحيحين». (١) ومن حديث العرباض بن سارية عند أحمد (٤/ ١٢٧)، والنسائي (٧/ ٢٩١)، وهو في «الصحيح المسند» (٩٢٠). وصحَّ هذا عن ابن عمر ﵄، كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (٧/ ١٧٩). • ومذهب المالكية جواز الأفضلية بالوصف لا بالعدد، ونُقل عن الشعبي والزهري. قلتُ: ومذهب الجمهور هو الصواب؛ لأنَّه إذا جازت الأفضلية بالوصف؛ فما المانع من جوازها بالعدد، وقد قال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «خياركم أحسنكم قضاء»؟ وهذا يشمل الأمرين. (٢) مسألة [٢]: إذا قضى المقترض المقرض أقل مما أخذ منه ؟ يجوز ذلك إذا حلله، وإلا فيبقى الباقي في ذمته. وفي «صحيح البخاري» عن جابر ﵁ أنَّ أباه مات وعليه دين، فتشفع بالنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- من غرمائه أن يضعوا عنه بعض الدين، فلم يفعلوا. (٣)

стр. 3235

مسألة [٣]: إذا أقرضه وشرط عليه زيادة، أو هدية ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٦/ ٤٣٦): وَكُلُّ قَرْضٍ شَرَطَ فِيهِ أَنْ يَزِيدَهُ؛ فَهُوَ حَرَامٌ، بِغَيْرِ خِلَافٍ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمُسَلِّفَ إذَا شَرَطَ عَلَى الْمُسْتَسْلِفِ زِيَادَةً أَوْ هَدِيَّةً، فَأَسْلَفَ عَلَى ذَلِكَ، أَنَّ أَخْذَ الزِّيَادَةِ عَلَى ذَلِكَ رَبًّا. اهـ (١) مسألة [٤]: إذا أقرضه وشرط عليه أن يقضيه في بلد آخر ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٦/ ٤٣٦ - ): وَإِنْ شَرَطَ أَنْ يُعْطِيَهُ إيَّاهُ فِي بَلَدٍ آخَرَ، وَكَانَ لِحَمْلِهِ مُؤْنَةٌ، لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ زِيَادَةٌ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِحَمْلِهِ مُؤْنَةٌ جَازَ، وَحَكَاهُ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَلِيٍّ (٢) وَابْنِ عَبَّاسٍ (٣)، وَالْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ (٤)، وَابْنِ الزُّبَيْرِ (٥)، وَابْنِ سِيرِينَ، وَعَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ، وَأَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ، وَالثَّوْرِيِّ،

стр. 3236

وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ. وَكَرِهَهُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَمَيْمُونُ ابْنُ أَبِي شَبِيبٍ، وَعَبْدَةُ بْنُ أَبِي لُبَابَةَ، وَمَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ فِي ذَلِكَ زِيَادَةٌ. انتهى المراد. (١) قال الإمام ابن عثيمين ﵀ في «الشرح الممتع» (٩/ ١١٠): والصحيح أنه جائزٌ، وذلك أن المقرِض لم يأته زيادة على ما أقرض؛ فإنه استقرض منه -مثلًا- مائة ألف، وأوفاه مائة ألف، لكن اختلف المكان فقط، ولهذا بعض العلماء يقول في هذه المسألة: يشترط أن لا يكون لحمله مؤنة، والصحيح أنَّ هذا ليس بشرط. اهـ قلتُ: والقول بجواز هذا الشرط هو رواية عن أحمد، وبعض أصحابه، واختاره شيخ الإسلام ﵀، والقيد المذكور: (ما لم يكن لحمله مؤنة) معتبر فيما إذا كان المقرض منتفعًا بذلك، والله أعلم. مسألة [٥]: إذا أقرضه بشرط أن يكتب له بها سُفْتَجَة ؟ السفتجة: كلمة فارسية بمعنى (ورقة)، والمعنى: أنه يقرضه بشرط أن يكتب له بها ورقة إلى وكيله في بلد آخر فيستوفي منه الدين في ذلك البلد. • فمذهب الجمهور عدم جواز ذلك؛ لما تقدم في المسألة السابقة. وذهب أحمد في رواية إلى الجواز، وهو قول ابن سيرين، والنخعي.

стр. 3237

قال ابن قدامة ﵀: وَالصَّحِيحُ جَوَازُهُ؛ لِأَنَّهُ مَصْلَحَةٌ لَهُمَا مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَالشَّرْعُ لَا يَرِدُ بِتَحْرِيمِ الْمَصَالِحِ الَّتِي لَا مَضَرَّةَ فِيهَا، بَلْ بِمَشْرُوعِيَّتِهَا، وَلِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِمَنْصُوصِ عَلَى تَحْرِيمِهِ، وَلَا فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ؛ فَوَجَبَ إبْقَاؤُهُ عَلَى الْإِبَاحَةِ. اهـ وهذا القول رجَّحه شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم رحمة الله عليهما، وهو أقرب، والله أعلم، وانظر ما تقدم ذكره في المسألة (١٠) تحت حديث (٧٨٢). (١) مسألة [٦]: إن كتب له بها سفتجة، أو قضاه في بلد آخر بغير شرط ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٦/ ٤٣٨): فَإِنْ أَقْرَضَهُ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ، فَقَضَاهُ خَيْرًا مِنْهُ فِي الْقَدْرِ، أَوْ الصِّفَةِ، أَوْ دُونَهُ بِرِضَاهُمَا؛ جَازَ، وَكَذَلِكَ إنْ كَتَبَ لَهُ بِهَا سُفْتَجَةً، أَوْ قَضَاهُ فِي بَلَدٍ آخَرَ؛ جَازَ. وَرَخَّصَ فِي ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ (٢)، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَالْحَسَنُ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالزُّهْرِيُّ، وَمَكْحُولٌ، وَقَتَادَةُ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ ... اهـ المراد. ثم استدل عليه بحديث أبي رافع، وقد تقدم. مسألة [٧]: إذا أهدى المقترض للمقرض، فهل يأخذ الهدية ؟ • تقدم أثر عبد الله بن سلام أنه منع المقرض من أخذ الهدية، وصح ذلك

стр. 3238

أيضًا عن ابن عباس ﵄، وكذا عن أنس بن مالك ﵁ عند ابن أبي شيبة في «المصنف» (٦/ ١٧٥)، وجاء عن أبي بن كعب، وعلي، وابن مسعود عند ابن أبي شيبة (٦/ ١٧٨ - )، والبيهقي (٥/ ٣٤٩ - ٣٥٠)، وفي أسانيدها بعض الضعف. ثم وجدت لأثر ابن مسعود ﵁ إسنادًا صحيحًا عند ابن المنذر في «الأوسط» (١٠/ ٤٠٨). وقد أخذ بذلك كثير من أهل العلم، فقالوا: ليس للمقرض أخذ هديةٍ من المقترض، ولا منفعة؛ إلا أن تكون قد جرت بينهما عادة في ذلك، أو يكون ذلك بعد الوفاء، واستدلوا بالآثار المتقدمة، وجاء بمعناها حديث مرفوع عند ابن ماجه (٢٤٣٢)، من حديث أنس ﵁، وهو ضعيفٌ؛ في إسناده: عتبة بن حميد، وهو ضعيف، يرويه عن يحيى بن أبي إسحاق الهنائي، وفي البيهقي (٥/ ٣٥٠): (يزيد بن أبي يحيى)، وهو مجهول. قلتُ: والمحفوظ عن أنس أنه موقوف عليه، كما تقدمت الإشارة. قال ابن القاسم في «حاشية الروض المربع» (٥/ ٤٧): وهو مذهب مالك، وأبي حنيفة، وجمهور السلف. اهـ قلتُ: وعند هؤلاء أنه يجوز له أخذ الهدية إذا نوى أن يكافئه بمثلها، أو أكثر، أو يحسبها من دينه، وقد جاء في «الأوسط» لابن المنذر (١٠/ ٤٠٩) من طريق أبي إسحاق السبيعي، قال: جاء رجل إلى ابن عمر، فقال: إني أقرضت رجلًا

стр. 3239

قرضًا؛ فأهدى إليَّ هدية، قال: اردد عليه هديته، أو أثبه. ورجاله ثقات؛ لولا ما ذكر من عدم سماع أبي إسحاق من ابن عمر ﵄. قال الحافظ ابن حجر ﵀ في «الفتح» (٤/ ٣٨) في شرح أثر عبدالله بن سلام: يحتمل أن يكون ذلك رأي عبد الله بن سلام، وإلا فالفقهاء على أنه إنما يكون ربا إذا شرطه، نعم الورع تركه. اهـ وهذا الذي ذكره الحافظ هو الذي رجحه ابن حزم كما في «المحلى» (١٢٠٨) ويمكن أن يقوى ذلك بأنَّ الشرع قد أباح القضاء بأحسن منه. قال أبو عبد الله غفر الله له: أفتى الصحابة بالمنع، ولا يصح عن صحابي خلاف ذلك، وهم أعلم مِنَّا بمقاصد الشريعة، وعللها، وأحكامها؛ فالذي يظهر هو المنع، والله أعلم. (١) مسألة [٨]: حلول دين المَدِين إذا مات، وإن كان مؤجلا ؟ إذا مات المَدِين فقد حلَّ الدين الذي عليه إذا كان مؤجلًا؛ لقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء:١١]، وكان النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إذا أُتي بالميت سأل: «هل عليه دين؟». (٢) وأما الديون التي له فهي إلى أجلها، وتُسَلَّم للورثة. (٣)

стр. 3240

مسألة [٩]: هل للمقترض أن يأخذ شيئًا بدل قرضه ؟ يجوز للمقترض إذا حلَّ الأجل أن يأخذ شيئًا غير قرضه بدل قرضه إذا تراضيا على ذلك، وقد نصَّ على ذلك سعيد بن جبير، وحماد بن زيد، وعكرمة، والنخعي، والثوري، وأحمد، وإسحاق، وابن المنذر، وأسنده ابن أبي شيبة عن جابر ﵁ بإسنادٍ فيه عنعنة ابن جريج، وأبي الزبير. وأسند ابن أبي شيبة بإسناد صحيحٍ عن ابن عمر ﵄، وعن سعيد بن المسيب كراهة ذلك، والصحيح هو الجواز، ولا نعلم دليلًا يدل على المنع، وهو مقتضى اختيار شيخ الإسلام، وابن القيم، كما تقدم ذكره عنهما في شرح حديث: «نهى عن بيع الكالئ بالكالئ». (١) مسألة [١٠]: تعجيل الدين بشرط وضع بعضه . • ذهب جمهور الفقهاء إلى المنع من ذلك، وعدُّوه من الربا، وقالوا: هو عكس ربا الجاهلية في قولهم: (إما أن تقضي، وإما أن تربي)، قالوا: وهذا بمعناه؛ فإنه ينقص عنه الدين بشرط تعجيله. وهذا مذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة، والحنفية. ومنع منه ابن حزم أيضًا كما في «المحلى» (١٢٠٥). وقد نقل بعض الفقهاء هذا القول عن بعض الصحابة، ولم أجد إسنادًا لهذا القول عن أحد من الصحابة.

стр. 3241

• وذهب النخعي، وأبو ثور إلى مشروعية ذلك؛ بحجة أن المقرض وضع شيئًا من حقه برضا نفسه؛ فكما أن له يضع ماله كله للمستقرض؛ فله أن يضع البعض، وليست هذه الصورة كربا الجاهلية، ولا في معناها؛ فإن للإنسان أن يضع من حقه ما شاء. واختار هذا القول الشوكاني رحمة الله عليه، ونقله بعض الفقهاء عن ابن عباس ﵃، ولم أجد له إسنادًا عنه. قال الشوكاني ﵀ في «السيل الجرار» (٣/ ١٤٩): إذا حصل التراضي على هذا فليس في ذلك مانع من شرع، ولا عقل؛ لأن صاحب الدين قد رضي ببعض ماله وطابت نفسه عن باقيه، وهو يجوز أن تطيب نفسه عن جميع ذلك المال، وتبرأ ذمة من هو عليه؛ فالبعض بالأولى. وقد ثبت في «الصحيح» أن النبي ﷺ سمع رجلين يتخاصمان في المسجد، وقد ارتفعت أصواتهما، وكانت تلك الخصومة في دَيْنٍ لأحدهما على الآخر، فأشرف عليهما النبي ﷺ وأشار بيده إلى من له الدين أن يضع الشطر، فكان هذا دليلًا على جواز التعجيل؛ بشرط حط البعض. اهـ قال أبو عبد الله غفر الله له: إذا كان على سبيل الاشتراط؛ فالأحوط تركه، ولا نستطيع الجزم بأنه من الربا، وإذا لم يكن شرطًا؛ فلا إشكال في حلِّ ذلك، وبالله التوفيق. (١)

стр. 3242

مسألة [١١]: اقتراض المنافع . • مذهب الحنفية والمعتمد عند الحنابلة، المنع من ذلك؛ لأن المنافع لا تنضبط المثلية فيها. • وذهب بعض الحنابلة وهو مقتضى مذهب المالكية، والشافعية إلى جواز ذلك فيما يمكن أن يتماثل، كان يحصد معه يومًا، والآخر يحصد معه يومًا. قال الشيخ ابن عثيمين ﵀ في «الشرح الممتع» (٩/ ٩٦): وظاهر كلام المؤلف في قوله (وما يصح بيعه) أنه يصح قرض المنافع؛ لأنَّ المنافع يجوز بيعها مثل الممر في الدار، فأملك المنفعة في هذا الممر، لكن لا أملك الممر، فبيع المنافع جائز، أما إقراضها: فالمذهب لا يجوز، واختار شيخ الإسلام جواز ذلك بأن أقول: أقرضني نفسك اليوم تساعدني على الحصاد، وغدًا أوفيك. أي: أحصد معك. قال: وهذا هو الصحيح لوجهين: أولًا: أنَّ الأصل في المعاملات الإباحة. ثانيًا: أنَّ المنافع تجوز المعاوضة عنها، فإذا كانت تجوز المعاوضة؛ فإنه يجوز إقراضها، مثل ما أقول للعامل: اشتغل عندي بأجرة قدرها كذا وكذا. فهو عمل يصح العقد عليه، ويقابل بالعوض، فتشتغل عندي يومًا، واشتغل عندك يومًا آخر، والاختلاف اليسير لا يضر؛ لأنه قد تختلف منافع هذا عن منافع هذا، والاختلاف

стр. 3243

الكثير لا يرضى به. اهـ (١) مسألة [١٢]: إذا اقترض رجل من آخر أموالا ورقية أو فلوسًا، ثم ألغى السلطان تلك العملة ؟ • عامة أهل العلم على أن السلطان إذا ألغى العملة، وترك التعامل بها؛ فإنه لا يعيد له مثلها، وعليه أن يعيد قيمتها من العملة اللاحقة، ويعلم مقدارها بتقويمها بالذهب، أو الفضة. • وقد خولف هذا القول خلافًا لا يعتد به؛ فقال صاحبه: يعيد العملة القديمة. وهذا فيه ظلم حيث إنه لا يستفيد من عملة صارت لا قيمة لها. وقد أفتى بذلك أحمد، وإسحاق، والشافعية، والمالكية، والحنفية في مسائل مشابهة، ومنها: (الفلوس) إذا صارت غير نافقة. وفي (مجلة مجمع الفقه الإسلامي): وقد اختلفوا في الوقت الذي تجب فيه، فعند الحنابلة أنه آخر وقت قبل الانقطاع، وهو مذهب الحنفية المفتى به عندهم، وهو قول محمد بن الحسن، وقال أبو يوسف: إنه يوم التعامل. • وأما أبو حنيفة فقال: إن ذلك يوجب فسادًا لبيع كبطلان العملة، وعند الشافعية أن القيمة تجب في وقت المطالبة. • والمشهور عند المالكية أنها تجب في أبعد الأجلين من الاستحقاق

стр. 3244

والانعدام، على ما اختاره خليل بن إسحاق في مختصره تبعًا لابن الحاجب، والقول الثاني أنها تعتبر يوم الحكم. اهـ قال أبو عبد الله غفر الله له: ما ذكره أبو يوسف ﵀ من اعتبار يوم التعامل هو الأقرب عندي، وقال به بعض فقهاء الحنابلة، وغيرهم. تنبيه: قال بعض الفقهاء المتقدمين: إذا منعها السلطان، ولم يزل الناس يتعاملون بها؛ فلا يعيد له إلا مثلها، وهذا فيه نظر، وليس بصحيح؛ لأن مآلها إلى المنع، ولأن فيه مخالفة لولي الأمر. (١) مسألة [١٣]: إذا اقترض رجل من آخر أموالا ورقية، أو فلوسًا، ثم نقصت قيمتها ؟ • أكثر العلماء على أنه يرد عليه مثلها، ولو نقصت، وهو قول الثوري، ومالك، والليث، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي حنيفة. • وقال أبو يوسف: يلزم برد القيمة، قيمة يوم القرض، وقال محمد بن الحسن: قيمة آخر يوم نفاقها قبل كسادها. قال الإمام العثيمين ﵀ كما في كتابه (لقاء الباب المفتوح): إذا كانت الفلوس قد ألغيت، واستبدلت بعملة أخرى فله أن يطالب بقيمتها في ذلك الوقت

стр. 3245

أو بقيمتها حين ألغيت، وأما إذا بقيت العملة على ما هي عليه فليس للمقرض إلا هذه العملة سواء زادت أم نقصت، وأقول لك: لو فرض أن العملة زادت أفلا يطالب المقرض المقترض بها؟ نعم يطالبه بها، مع أنها قد تكون زادت أضعافاً مضاعفة، وكذلك لو أقرضه صاعاً من البر قبل سنوات، وكان الصاع يساوي خمسة ريالات ثم نزل إلى ريالين مثلاً، فهل يقول: أعطه الصاع، وأعطه ثلاثة ريالات؟ لا، ليس له إلا الصاع، فالأشياء المثلية لا يلزم فيها إلا رد المثل، وكذلك النقود ما لم تلغ المعاملة بها؛ فيكون له القيمة وقت إلغائها. السائل: المستدين يرى أنه يزيد هل في هذا ربا؟ الشيخ: لا، إذا تطوع وأعطاه زيادة، فخير الناس أحسنهم قضاءً، وقد استدان النبي ﷺ بكرًا ورد خيارًا رباعيًّا وقال: «خيركم أحسنكم قضاءً». قال أبو عبد الله غفر الله له: يعيد له نفس ما أعطاه مادامت لها قيمة، ولا سيما، إنْ كان التأخير حصل باتفاقهم جميعًا؛ كأن يكونوا جعلوا للدين أجلا بعيدًا، أو كان التأخير برضا صاحب الدين. وأما إن كان التأخير بمماطلة المقترض، وقد حل الأجل، وهو يماطل، أو كان يجحد ثم أقرَّ، فيظهر لي في هذه الصورة أنه يعيد له قيمة ما أقرضه على قيمته يوم القرض، ويعطيه بعملة أخرى؛ بثمن يوم أقرضه؛ حتى يسلم من الربا، ثم وجدت بعض المالكية قد استثنوا مسألة المماطلة كما ذكرت، فالحمد لله على ما

стр. 3246

ألهم وعلم. (١) مسألة [١٤]: إذا اقترض نصراني من نصراني خمرًا ثم أسلم أحدهما ؟ • قال الإمام ابن المنذر ﵀ في «الأوسط» (١٠/ ٤٢٤): واختلفوا في نصراني يسلف نصرانيًا خمرًا، فكان سفيان الثوري يقول: إن أسلم المقرض لم يأخذ شيئا، وإن أسلم المستقرض رد على النصراني ثمن خمره. • وعلى مذهب الشافعي: لا يرد شيئا إذا أسلم. وبه قال أحمد بن حنبل، وإسحاق، وكذلك نقول. اهـ قلتُ: وكذلك أقول: لا يرد شيئًا؛ لأنه صار يتعبد الله بتحريمه؛ فلا يدفع في ثمنه شيئا. مسألة [١٥]: إذا قال رجل لآخر: استقرض لي من فلان ألف درهم، ولك عشرة دراهم، فما الحكم ؟ • قال ابن المنذر ﵀ في «الأوسط» (١٠/ ٦٠٩): قال الثوري: هذا لا خير فيه؛ لأنه قرض جر منفعة. وقال أحمد: لا بأس به. وقال إسحاق: أكرهه. اهـ قال أبو عبد الله غفر الله له: بقول الإمام أحمد أقول؛ فقد اختار لنفسه أن يكون أجيرًا في شفاعته، ولم يختر لنفسه فيها الأجر، وأما قول الثوري؛ فإنه لم يجر

стр. 3247

نفعًا للمقرض؛ كما هو ظاهر. (١) مسألة [١٦]: إذا ردَّ المقترض القرض بعينه على المقرض فهل يلزمه قبوله ؟ • ذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنَّ المقرض يلزمه قبوله إذا لم يتغير، وإن كان قد استعمله، وهو مذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة، وأبي يوسف من الحنفية؛ لأنه أعاد له حقه بعينه. • وقال بعضهم: لا يلزمه قبوله، سواء تغير أم لم يتغير، وهو قول أبي حنيفة، ومحمد بن الحسن، وبعض الحنابلة، وصحح هذا القول الإمام ابن عثيمين ﵀. والذي يظهر لي: أنه إذا لم يتغير، ولم تنقص قيمته، بسبب الاستعمال، وجب على المقرض قبوله، وإن كان ينقص الاستعمال ثمنه؛ لم يلزمه قبوله، وبالله التوفيق. (٢)

стр. 3248

بَابُ التَّفْلِيْسِ وَالحَجْر المفلس عند الفقهاء: هو من دينه الحال أكثر من ماله، وسُمِّي مفلسًا؛ لأنه صار ذا فلوس بعد أن كان ذا دراهم ودنانير، إشارة إلى أنه صار لا يملك إلا أدنى المال وهو الفلوس. وقيل: سُمِّي بذلك؛ لأنه يمنع التصرف إلا في الشيء التافه كالفلوس؛ لأنهم ما كانوا يتعاملون بها إلا في الأشياء الحقيرة، أو لأنه صار إلى حالة لا يملك فيها فلسًا؛ فعلى هذا فالهمزة في (أفلس) للسلب. وسُمِّي مفلسًا، وإن كان ذا مال؛ لأنَّ ماله مستحق بالصرف في جهة دينه، فكأنه معدوم. (١) والحجر في اللغة: المنع، والتضييق، ومنه سُمِّي العقل (حجرًا)؛ لأنه يمنع صاحبه عن مزاولة الأعمال القبيحة قال تعالى: ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ ... [الفجر:٥]. وفي الشرع: هو منع الإنسان من التصرف في ماله، إما لمصلحته، أو لمصلحة غيره. «المغني» (٦/ ٥٩٣).

стр. 3249

٨٥١ - عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِالرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: سَمِعْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ أَدْرَكَ مَالَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ رَجُلٍ قَدْ أَفْلَسَ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مع ذكر بعض المسائل الملحقة مسألة [١]: الأحكام التي تتعلق بمن صار مفلسًا . قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٦/ ٥٣٧): وَمَتَى لَزِمَ الْإِنْسَانَ دُيُونٌ حَالَّةٌ، لَا يَفِي مَالُهُ بِهَا، فَسَأَلَ غُرَمَاؤُهُ الْحَاكِمَ الْحَجْرَ عَلَيْهِ؛ لَزِمَتْهُ إجَابَتُهُمْ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَظْهَرَ الْحَجْرُ عَلَيْهِ لِتُجْتَنَبَ مُعَامَلَتُهُ، فَإِذَا حُجِرَ عَلَيْهِ ثَبَتَ بِذَلِكَ أَرْبَعَةُ أَحْكَامٍ؛ أَحَدُهَا: تَعَلُّقُ حُقُوقِ الْغُرَمَاءِ بِعَيْنِ مَالِهِ. وَالثَّانِي: مَنْعُ تَصَرُّفِهِ فِي عَيْنِ مَالِهِ. وَالثَّالِثُ: أَنَّ مَنْ وَجَدَ عَيْنَ مَالِهِ عِنْدَهُ؛ فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا مِنْ سَائِرِ الْغُرَمَاءِ إذَا وُجِدَتْ الشُّرُوطُ. الرَّابِعُ: أَنَّ لِلْحَاكِمِ بَيْعَ مَالِهِ وَإِيفَاءَ الْغُرَمَاءِ. وَالْأَصْلُ فِي هَذَا مَا رَوَى كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ حَجَرَ عَلَى مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، وَبَاعَ مَالَهُ. رَوَاهُ الخَلَّالُ بِإِسْنَادِه. (٢) اهـ قلتُ: حديث كعب بن مالك الراجح إرساله، وسيأتي بيان ذلك حيث ذكره الحافظ، والقول بالحجر على المفلس هو قول جمهور العلماء، واستدلوا

стр. 3250

بالحديث المذكور آنفًا، وبأنَّ الغرماء استحقوا ذلك المال؛ لأنَّ ديونهم حلَّت، فيعطى حقهم أو بعض حقهم، ولأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- جعل مطل الغني ظلمًا، وهذا وإن لم يكن غنيًّا الغناء التام الذي يوفي، لكن عنده بعض الشيء؛ فيكون ظالمًا بمنع الحقوق، والظلم يجب رفعه، ولا سبيل إلى رفعه في هذه الحال إلا بالحجر عليه. • وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا يجوز للحاكم الحجر عليه، قال: فإنْ أدَّى اجتهاده إلى الحجر عليه؛ ثبت، وليس للحاكم التصرف في ماله، ولكن يلزمه بالبيع؛ فإنِ امتنع حبسه. واختار الشيخ ابن عثيمين ﵀ قول الجمهور، وهو اختيار شيخ الإسلام، وابن القيم وغيرهما. (١) مسألة [٢]: متى يبدأ الحجر على المفلس ؟ • جمهور العلماء على أنَّ الحجر على المفلس يبدأ بحجر الحاكم عليه إذا طلب ذلك الغرماء، أو بعضهم. • وذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه إذا أفلس أصبح محجورًا عليه، ولو لم يحجر عليه الحاكم بعدُ، وهو قول بعض المالكية، وقال به أحمد في رواية، واختاره شيخ الإسلام، وهو ظاهر قول الحسن، ثم البخاري، ثم ابن رجب، والمرداوي، ورجح هذا الإمام ابن عثيمين، وهو الأقرب؛ لأن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- علَّق

стр. 3251

الحكم بالفلس في حديث الباب: «مَنْ أَدْرَكَ مَالَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ رَجُلٍ قَدْ أَفْلَسَ؛ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ». واستدل البخاري على ذلك بقصة الرجل الذي دبَّرَ غلامه وعليه دين، فباعه النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وبحديث: «من أخذ أموال الناس يريد إتلافها؛ أتلفه الله» (١)، وحديث: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا؛ فهو رد». (٢) تنبيه: ينبني على هذا الخلاف أنه لو تصدق بمال، أو أوقفه قبل حجر الحاكم؛ فيصح على قول الجمهور، ولا يصح على القول الصحيح إذا كان قد أفلس. (٣) مسألة [٣]: تصرف المحجور عليه بالفلس ؟ • أما تصرفه بالعتق، ففيه قولان لأهل العلم: أحدهما: يصح عتقه، وهو قول أبي يوسف، وإسحاق، وأحمد في رواية. والثاني: لا يصح، وهو قول مالك، والشافعي، والثوري، وأحمد في رواية، وهذا هو الصحيح؛ لأن العبيد من ماله، وقد حجر عليه فيه. • وأما تصرفه بالتدبير: فيجوز عند الأكثر؛ لأنه لا يمنع جواز بيعه.

стр. 3252

• وأما تصرفه بغير ذلك، كبيعه، ووقفه، والتصدق به، ونحو ذلك؛ فلا يصح عند أكثر أهل العلم؛ لأنه محجور، وقد تسامحوا في الشيء اليسير الذي يتسامح بمثله عُرفًا. (١) مسألة [٤]: تصرف المفلس بذمته، كأن يشتري، أو يضمن دينًا إلى أجل . قال أبو محمد بن قدامة ﵀ في «المغني» (٦/ ٥٧١): فَأَمَّا إنْ تَصَرَّفَ فِي ذِمَّتِهِ، فَاشْتَرَى، أَوْ اقْتَرَضَ، أَوْ تَكَفَّلَ، صَحَّ تَصَرُّفُهُ؛ لِأَنَّهُ أَهْلٌ لِلتَّصَرُّفِ، وَإِنَّمَا وُجِدَ فِي حَقِّهِ الْحَجْرُ، وَالْحَجْرُ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِمَالِهِ لَا بِذِمَّتِهِ، وَلَكِنْ لَا يُشَارِكُ أَصْحَابُ هَذِهِ الدُّيُونِ الْغُرَمَاءَ؛ لِأَنَّهُمْ رَضُوا بِذَلِكَ، إذَا عَلِمُوا أَنَّهُ مُفْلِسٌ وَعَامَلُوهُ، وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ فَقَدْ فَرَّطَ فِي ذَلِكَ؛ فَإِنَّ هَذَا فِي مَظِنَّةِ الشُّهْرَةِ، وَيُتْبَعُ بِهَا بَعْدَ فَكِّ الْحَجْرِ عَنْهُ. اهـ مسألة [٥]: إقرار المفلس بدين آخر . • أكثر أهل العلم على أنَّ إقراره يقبل، كما عزاه إليهم الحافظ ابن حجر في «الفتح»، واختلفوا: هل يشارك الغرماء؟ أم يتبع به بعد فك الحجر؟ • فمذهب أحمد، ومالك، ومحمد بن الحسن، والثوري، والشافعي في قولٍ أنه يتبع به بعد فك الحجر عنه. • وذهب الشافعي، وابن المنذر، وبعض الحنابلة إلى أنه إن أقرَّ بدين قد لزمه

стр. 3253

قبل الحجر شاركهم، واختار هذا شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وهو الصواب، والله أعلم. (١) مسألة [٦]: إذا اشترى المفلس بالأجل، ولم يعلم الذي باعه أنه مفلس، ثم علم، فهل له الفسخ ؟ • في هذه المسألة ثلاثة أوجه عند الحنابلة: أولها: ليس له الفسخ، سواء علم أم لم يعلم؛ لأنه لا يستحق المطالبة بثمنها، فلا يستحق الفسخ؛ لتعذره، كما لو كان ثمنها مؤجلًا، وهو ظاهر اختيار ابن قدامة. ثانيها: له الخيار إذا علم. ثالثها: له الخيار مطلقًا. قلتُ: وأقرب هذه الأقوال هو الأول، والله أعلم. (٢) مسألة [٧]: من وجد متاعه بعينه فهو أحق به من سائر الغرماء . • ظاهر حديث أبي هريرة ﵁ الذي في الباب يدل على أنه أحق به من الغرماء، وبهذا قال جمهور العلماء، وقالوا: إن شاء أخذه؛ لأنه حق له، وإن شاء أبقاه، وكان مع الغرماء أسوة. وهو قول مالك، وأحمد، والشافعي وغيرهم. • وخالف الحسن، والنخعي، وابن شبرمة، وأبو حنيفة، فقالوا: لا يكون صاحب المتاع أحق به؛ لأنه قد أصبح ملكًا للمفلس، وقد تعلق به حق الغرماء

стр. 3254

بسبب الفلس، وكأن بعضهم لم يبلغه الحديث. وأما الحنفية فقد تكلم أهل العلم عليهم بسبب ردهم لهذا الحديث، ولحديث المصرَّاة بآرائهم مع صراحة الأحاديث في ذلك، والله أعلم. (١) مسألة [٨]: إذا بذل الغرماء الثمن لصاحب السلعة ليتركها، فهل يلزمه قبوله ؟ • مذهب أحمد، والشافعي أنه لا يلزمه قبوله؛ لظاهر حديث الباب، واختاره ابن المنذر. • ومذهب مالك أنه يلزمه قبوله؛ لأنه قد بذل له كامل ماله؛ فهو كما لو زال العيب من المعيب. والأقرب القول الأول، والله أعلم. (٢) تنبيه: في هذه الصورة الماضية إذا دفع الغرماء المال إلى المفلس، فبذله للبائع؛ لم يكن له الفسخ؛ لأنه زال العجز عن تسليم الثمن، فزال ملك الفسخ، كما لو أسقط الغرماء حقوقهم عنه، فملك أداء الثمن، ولو أسقط الغرماء حقوقهم عنه، فتمكن من الأداء، أو وُهِبَ له مال، فأمكنه الأداء منه، أو غَلَت أعيان ماله فصارت قيمتها وافية بحقوق الغرماء بحيث يمكنه أداء الثمن كله؛ لم يكن للبائع الفسخ؛ لزوال سببه، ولأنه أمكنه الوصول إلى ثمن سلعته من المشتري؛ فلم يكن له الفسخ، كما لو لم يفلس. انتهى من «المغني». (٦/ ٥٤٠). (٣)

стр. 3255

مسألة [٩]: هل يستحق البائع الرجوع في السلعة إذا كان قد تلف بعضها ؟ • ذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه يشترط أن تكون السلعة بتمامها؛ فإن كان قد نقص بعضها؛ فليس للبائع الرجوع فيها، وهو قول أحمد، وإسحاق، وابن حزم، واستدلوا بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «ماله بعينه»، وقالوا: هذا ليس عين ماله؛ لأنه قد نقص، واستدل ابن حزم برواية في «صحيح مسلم» في هذا الحديث عن أبي هريرة ﵁ عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في الرجل الذي يُعْدِم إذا وُجِدَ عنده المتاع، ولم يفرِّقه أنه لصاحبه الذي باعه. • وذهب مالك، والشافعي، والأوزاعي، والعنبري إلى أنَّ له الفسخ والرجوع بما بقي، والباقي يكون فيه مع الغرماء أسوة؛ لأنه هو عين ماله، ولكنه قد نقص، ونقصانه لا يخرجه عن كونه عين ماله، وعن أحمد إذا كانتا عينين له الرجوع في غير التالفة. ورجح هذا القول الشوكاني ﵀ في «السيل»، وفرَّق بين نقص المبيع، وبين تفريقه، والصحيح هو قول مالك، والشافعي، والله أعلم. (١) مسألة [١٠]: إذا نقصت مالية المبيع بذهاب صفةٍ مع بقاء العين ؟ • وذلك مثل العبد إذا هزل أو ثوب قد خَلِق، فمذهب الحنابلة أنَّ البائع

стр. 3256

بالخيار بين أن يرجع بسلعته مع نقصها بدون أرش نقص أو يكون مع الغرماء أسوة. • وقال الشافعية: لا يخلو ذلك من ثلاثة أحوال: أحدها: أن يكون ذلك بحادث من السماء. والثاني: أن يكون بجناية المشتري. والثالث: أن تكون بجناية أجنبي. فإن كان هذا النقص بحادث من السماء فللبائع أن يأخذه ناقصا بجميع ثمنه ولا يرجع على المفلس المشتري بأرش نقصه. وإن كان هذا النقص بجناية أجنبي فأرشها مضمون عليه بجنايته، فيكون للبائع أن يأخذه ناقصا بالثمن ويرجع بأرش النقص؛ لأنه مضمون على جنايته. وإن كان هذا النقص بجناية المشتري ففيها وجهان: أحدهما: أن أرش جنايته غير مضمون عليه - كحادث من السماء - فعلى هذا للبائع أن يسترجعه ناقصا بكل الثمن إن شاء، ولا أرش له. والوجه الثاني: أن أرش جنايته مضمون عليه كجناية الأجنبي، فعلى هذا للبائع أن يسترجعه ناقصا بكل الثمن ويضرب مع الغرماء بأرش النقص، فهذا حكم النقص المتصل إذا لم يمكن إفراده بالعقد. • وجعل الشوكاني له أرش العيب الحادث مطلقًا بدون التفصيل الذي ذكره الشافعية، وقول الشوكاني ﵀ أقرب، والله أعلم. (١) مسألة [١١]: إن اشترى منه زيتًا، فخلطه بزيت آخر، أو قمحًا، فخلطه بقمح آخر . • اختلفوا في هذه المسألة على أقوال:

стр. 3257

الأول: يسقط حق الرجوع؛ لأنه عند خلطه لم يصبح عين ماله، وهو قول الحنابلة، وقولٌ للشافعي. الثاني: قال الشافعي: إن خلطه بمثله، أو دونه؛ لم يسقط حق الرجوع، وإن خلطه بأجود منه؛ فله قولان، وقال مالك: يأخذ زيته. قلتُ: وقول الحنابلة أقرب؛ لظاهر الحديث، والله أعلم. (١) مسألة [١٢]: إن كان المفلس قد عمل في المتاع عملًا غيَّر اسمه ؟ مثل أن يزرع الحب فصار زرعًا، أو جعل الخشب بابًا، وما أشبه ذلك. • فعند الحنابلة، وهو قول للشافعي أنه يسقط حق الرجوع. • وللشافعي قول أنَّ له الرجوع، ويعطيه قيمة العمل، والأول أقرب؛ لظاهر حديث الباب. (٢) مسألة [١٣]: إن اشترى ثوبًا فصبغه، ثم أفلس ؟ • ذكر جماعةٌ من أهل العلم أن له الرجوع؛ لأنَّ عين ماله قائم، ولم يتغير اسمه، ويكون المفلس شريكًا لصاحب الثوب في القيمة إن حصلت زيادة في القيمة، وإن حصل نقص في القيمة؛ فالبائع مخير بين الرجوع مع النقص، أو يكون مع الغرماء أسوة. (٣)

стр. 3258

مسألة [١٤]: إذا زاد المبيع زيادة متصلة كالسِّمَن والكِبَر ؟ • ذهب جماعة من الحنابلة إلى أنَّ الزيادة المتصلة تمنع حق الرجوع؛ لأنه قد زاد فيه زيادة في ملك المشتري المفلس. • وذهب مالك، والشافعي، وأحمد في رواية إلى أنَّ الزيادة المتصلة لا تمنع حق الرجوع؛ إلا أنَّ مالكًا يخير الغرماء بين أن يعطوه الثمن، أو يمكنوه من السلعة. واختار الشوكاني قول الشافعي، وقال: فإن ظهر أثرها في المبيع؛ كان للمفلس الرجوع بزيادة القيمة. قلتُ: كلام الشوكاني جيد، وهو أقرب الأقوال، وأصحها، والله أعلم. (١) مسألة [١٥]: الزيادة المنفصلة كالثمرة، والولد، والكسب ؟ • ذكر أهل العلم على أنَّ الزيادة المنفصلة لا تمنع حق الرجوع للبائع، واختلفوا لمن الزيادة؟ على قولين: الأول: أنَّ الزيادة للمفلس، وهو قول جماعة من الحنابلة، والشافعي، ورجحه ابن قدامة؛ لأنها زادت في ملكه. الثاني: أنَّ الزيادة للبائع، وهو قول مالك، وأحمد في رواية، وبعض الحنابلة؛ لأنها فرع تتبع أصلها. والقول الأول هو الصواب، والله أعلم. (٢)

стр. 3259

مسألة [١٦]: إذا كان المبيع أرضًا فبناها، أو غرسها، ثم أفلس ؟ إذا اتفق المفلس مع بقية الغرماء على إخراج الغرس، والبناء؛ فيكون البائع أحق بالأرض، وإذا لم يخرج المفلس ذلك؛ فالظاهر أنَّ البائع يكون أحق بشراء الغرس والبنيان، وليس له حق الرجوع، والله أعلم. (١) مسألة [١٧]: إذا كانت العين مَبيعة لم تقبض، أو مرهونة ؟ • لا يكون البائع أحق بها؛ لأنها إذا كانت مبيعة لم تقبض؛ لم تصر ملكًا له، ولا للمفلس، بل صارت لغيرهما، ولو كانت مرهونة فقد تعلق بها حق غيره، ولأنه لم يجدها عند المفلس، بل صارت عند غيره. وقال ابن قدامة: ولا نعلم في هذا خلافًا. قلتُ: قد خالف ابن حزم، فجعل صاحب السلعة أحق بها من المرتهن، وتبعه الشوكاني؛ واستدلوا بالحديث الذي في الباب. (٢) مسألة [١٨]: إذا كان دين المرتهن دون قيمة الرهن ؟ إذا كان دين المرتهن دون قيمة الرهن، فبيع كل الرهن، فالمرتهن يأخذ دينه كاملًا، وما بقي يشترك فيه الغرماء. وإن بيع بعضه، فاستوفى المرتهن حقه، وبقي بعض المبيع، فهل صاحب السلعة أحق بما بقي منها، أو هو مع الغرماء أسوة؟ تقدم الخلاف في ذلك في

стр. 3260

مسألة: إذا تلف بعض المبيع فهل يكون صاحب السلعة أحق بها، فراجعه . (١) مسألة [١٩]: إذا أخرج المشتري المتاع ببيع، أو هبة، ثم رجع إليه، ثم أفلس، فهل المالك الأول أحق فيه ؟ • في هذه المسألة ثلاثة أقوال: الأول: أن البائع الأول أحق به؛ لأنه وجد متاعه بعينه؛ فيشمله حديث الباب، وهو قول بعض الحنابلة، وبعض الشافعية. الثاني: ليس للمالك الأول الرجوع؛ لأنه قد ملكه إنسان آخر، ثم رجع إلى المفلس من المالك الآخر، وهو قول بعض الشافعية، والحنابلة، وهو ظاهر اختيار الشوكاني في «السيل». الثالث: إن عاد بسبب جديد، كبيع، أو إرث، أو وصية؛ فليس له حق الرجوع، وإن عاد بفسخ كالرد بالعيب والخيار؛ فله حق الرجوع، وهو قول بعض الحنابلة. والراجح القول الأول؛ لعموم الحديث، والله أعلم. (٢) مسألة [٢٠]: إذا كان المبيع شقصًا مشفوعًا، فهل البائع أحق به، أم الشفيع الشريك إذا كان قد علم بالبيع ؟ صورتها: أن يشتري رجل من إنسان شقصه من أرض مثلًا، ولا يشفع الشريك، فيرضى بالبيع، ثم يفلس المشتري، فهل للبائع الرجوع في شقصه
следующие страницы →