← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 165

فتح العلام في دراسة أحاديث بلوغ المرام ط 4

محمد بن علي بن حزام البعداني

Полный текст (5 956 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

٨٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ «اتَّقُوا اللَّاعنَيْنِ: الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ النَّاسِ، أَوْ فِي ظِلِّهِمْ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (١) ٨٧ - وَزَادَ أَبُو دَاوُد، عَنْ مُعَاذٍ: «وَالمَوَارِدُ». (٢) ٨٨ - وَلِأَحْمَدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَوْ نَقْعَ مَاءٍ». وَفِيهِمَا ضَعْفٌ. (٣) ٨٩ - وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ النَّهْيَ عَنْ تَحْتَ الأَشْجَارِ المُثْمِرَةِ، وَضِفَّةِ النَّهْرِ الجَارِي مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ. (٤) المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث مسألة [١]: بعض الأماكن التي لا يجوز التخلي فيها . • قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١/ ٢٢٤): ولا يجوز أن يبول في طريق الناس، ولا مورد ماء، ولا ظل ينتفع به الناس. ثم استدل بحديث معاذ، وحديث أبي هريرة. ثم قال: ولا يبول تحت شجرة مثمرة في حال كون الثمرة عليها؛ لئلا تسقط

стр. 352

عليه الثمرة، فتنجس به، فأما في غير حال الثمرة، فلا بأس؛ فإنَّ النبي ﷺ كان أحب ما استتر لحاجته هدف، أو حائش نخل. اهـ • وقد ذهب الشافعية إلى الكراهة فقط، كما في «شرح المهذب» (٢/ ٨٦ - ٨٧)، والصحيح ما تقدم من أنه لا يجوز. قال الإمام ابن عثيمين ﵀ في «الشرح الممتع» (١/ ١٠٢): والعلة أنَّ البول في الطريق أذِيَّة للمَارَّة، وإيذاء المؤمنين محرم، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب:٥٨]. • وقد رجَّح النووي التحريم في «شرح المهذب» (٢/ ٨٧)، فقال: وظاهر كلام المصنف والأصحاب أنَّ فعل هذه الملاعن، أو بعضها مكروه كراهة تنزية لا تحريم، وينبغى أن يكون محرمًا لهذه الأحاديث، ولما فيه من إيذاء المسلمين، وفى كلام الخطابي وغيره إشارة إلى تحريمه. اهـ وقال الشوكاني ﵀ في «النيل» (٩٢): قَوْلُهُ: «أَوْ فِي ظِلِّهِمْ»، المُرَادُ بِالظِّلِّ هُنَا عَلَى مَا قَالَهُ الْخَطَّابِيّ، وَغَيْره: مُسْتَظَلُّ النَّاسِ الَّذِي يَتَّخِذُونَهُ مَقِيلًا، وَمَنْزِلًا يَنْزِلُونَهُ، وَيَقْعُدُونَ فِيهِ، وَلَيْسَ كُلُّ ظِلٍّ يَحْرُمُ قَضَاءُ الْحَاجَةِ فِيهِ، فَقَدْ قَضَى النَّبِيُّ ﷺ حَاجَتَهُ فِي حَايِشِ النَّخْلِ كَمَا سَلَف، وَلَهُ ظِلٌّ بِلَا شَكٍّ، وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيم التَّخَلِّي فِي طُرُق النَّاس وَظِلِّهِمْ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ أَذِيَّةِ المُسْلِمِينَ بِتَنْجِيسِ مَنْ يَمُرّ بِهِ، وَنَتِنِهِ، وَاسْتِقْذَارِهِ. اهـ

стр. 353

٩٠ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إذَا تَغَوَّطَ الرَّجُلَانِ فَلْيَتَوَارَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ صَاحِبِهِ وَلَا يَتَحَدَّثَا؛ فَإِنَّ اللهَ يَمْقُتُ عَلَى ذَلِكَ». رَوَاهُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ السَّكَنِ، وَابْنُ القَطَّانِ، [وَهُوَ مَعْلُولٌ] (١). (٢) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: الكلام أثناء قضاء الحاجة . • ذهب الشافعية، والحنابلة إلى كراهة ذلك، واستدلوا بحديث أبي سعيد الذي تقدم، وقد تقدم بيان ضعفه. والكراهة حكم شرعي يحتاج إلى دليل، ولذلك قال الإمام ابن عثيمين ﵀ في «الشرح الممتع» (١/ ٩٥): والرَّاجح أنه لا ينبغي أن يتكلم حال قضائه لحاجته؛ إلا لحاجة، كما قال الفقهاء ﵏، كأن يرشد أحدًا، أو كلمه أحد

стр. 354

لابد أن يرد عليه، أو كان له حاجة في شخص، وخاف أن ينصرف، أو طلب ماء، فلا بأس. اهـ مسألة [٢]: ذكر الله أثناء قضاء الحاجة . • ذهب جمهور أهل العلم إلى كراهة الذكر أثناء قضاء الحاجة؛ لحديث ابن عمر ﵄ في «مسلم» (٣٧٠): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مرَّ عليه رجلٌ، وهو يبول، فسلَّم عليه، فلم يرد النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. وأخرج أحمد (٤/ ٣٤٥)، وأبو داود (١٧)، وغيرهما من حديث المهاجر بن قنفذ ﵁، قال: أتيت النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وهو يبول، فسلمت عليه، فلم يرد عليَّ حتى توضأ، ثم اعتذر إلي، فقال: إني كرهت أن أذكر الله تعالى إلا على طهر. قال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٢/ ٨٩): ثم هذه الكراهة التي ذكرها المصنف، والأصحاب، كراهة تنزيه، لا تحريم، بالاتفاق، وحكى ابن المنذر الكراهة عن ابن عباس (١)، وعطاء، وعكرمة، وعن النخعي، وابن سيرين قالا: لا بأس به. قال ابن المنذر ﵀: و تَرْكُ الذِّكر أحَبُّ إليَّ ولا أُؤثم من ذكر، والله أعلم. اهـ (٢)

стр. 355

٩١ - وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا يُمسِكنَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ، وَهُوَ يَبُولُ، وَلَا يَتَمَسَّحُ مِنَ الخَلَاءِ بِيَمِينِهِ، وَلَا يَتَنَفَّسُ فِي الإِنَاءِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: حكم مس الذكر باليمين . • دلَّ حديث أبي قتادة المذكور على تحريم ذلك؛ لأنَّ ذلك هو الأصل في النهي، وهذا مذهب أهل الظاهر. • بينما ذهب الجمهور إلى أنَّ النهي للتنزيه. والراجح ما ذهب إليه أهل الظاهر، وهو ترجيح الصنعاني ﵀؛ لعدم وجود دليل، أو صارف يصرف النهي إلى الكراهة، والله أعلم. (٢) مسألة [٢]: هل تختص الحرمة أثناء البول فقط ؟ قال الحافظ ابن حجر ﵀ في «الفتح» حديث (١٥٤)، مُعَلِّقًا على قول البُخَارِي: قَوْله: [بَاب لَا يُمْسِك ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ إِذَا بَالَ]. قَالَ: أَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة إِلَى أَنَّ النَّهْي الْمُطْلَق عَنْ مَسّ الذَّكَر بِالْيَمِينِ كَمَا فِي الْبَاب قَبْله، مَحْمُول عَلَى الْمُقَيَّد بِحَالَةِ الْبَوْل، فَيَكُون مَا عَدَاهُ مُبَاحًا، وَقَالَ

стр. 356

بَعْض الْعُلَمَاء: يَكُون مَمْنُوعًا أَيْضًا مِنْ بَاب الْأَوْلَى؛ لِأَنَّهُ نُهِيَ عَنْ ذَلِكَ مَعَ مَظِنَّة الْحَاجَة فِي تِلْكَ الْحَالَة. وَتَعَقَّبَهُ أَبُو مُحَمَّد بْن أَبِي جَمْرَة بِأَنَّ مَظِنَّة الْحَاجَة لَا تَخْتَصّ بِحَالَةِ الِاسْتِنْجَاء، وَإِنَّمَا خُصَّ النَّهْي بِحَالَةِ الْبَوْل مِنْ جِهَة أَنَّ مُجَاوِر الشَّيْء يُعْطَى حُكْمه، فَلَمَّا مُنِعَ الِاسْتِنْجَاء بِالْيَمِينِ مُنِعَ مَسّ آلَته حَسْمًا لِلْمَادَّةِ. ثُمَّ اِسْتَدَلَّ عَلَى الْإِبَاحَة بِقَوْلِهِ ﷺ لِطَلْقِ بْن عَلِيّ حِين سَأَلَهُ عَنْ مَسّ ذَكَره: «إِنَّمَا هُوَ بَضْعَة مِنْك» (١)، فَدَلَّ عَلَى الْجَوَاز فِي كُلّ حَال، فَخَرَجَتْ حَالَة الْبَوْل بِهَذَا الْحَدِيث الصَّحِيح، وَبَقِيَ مَا عَدَاهَا عَلَى الْإِبَاحَة. اِنْتَهَى. قلتُ: والراجح ما ذهب إليه البخاري ﵀؛ لظاهر الحديث، والله أعلم. مسألة [٣]: حكم الاستنجاء باليمين . • دلَّ حديث أبي قتادة، وحديث سلمان الذي بعده على تحريم الاستنجاء باليمين؛ لأنَّ ذلك هو الأصل في النهي، وقد ذهب إلى ذلك الظاهرية، وبعض الشافعية، ورجَّحَ ذلك الصنعاني ﵀. • بينما ذهب جمهور أهل العلم إلى أنَّ النهي للكراهة، والتنزيه. والراجح القول الأول، والله أعلم. (٢) مسألة [٤]: لو استنجى بيمينه، فأنقى، فهل يجزئه ؟ • قال الحافظ ﵀ في «الفتح» (١٥٣): وَمَعَ الْقَوْل بِالتَّحْرِيمِ، فَمَنْ فَعَلَهُ أَسَاءَ،

стр. 357

وأَجْزَأَهُ، وَقَالَ أَهْل الظَّاهِر وَبَعْض الْحَنَابِلَة: لَا يُجْزِئ، وَمَحَلّ هَذَا الِاخْتِلَاف حَيْثُ كَانَتْ الْيَد تُبَاشِر ذَلِكَ بِآلَةٍ غَيْرهَا كَالْمَاءِ وَغَيْره، أَمَّا بِغَيْرِ آلَة فَحَرَام غَيْر مُجْزِئ بِلَا خِلَاف، وَالْيُسْرَى فِي ذَلِكَ كَالْيُمْنَى، وَالله أَعْلَم. قلتُ: الراجح أنَّ الاستنجاء باليمين -مع حرمته- يجزئ؛ لأنَّ العبرة بالإنقاء، وقد حصل، وإزالة النجاسة معناه معقول، وليس تعبديًّا محضًا، والله أعلم.

стр. 358

٩٢ - وَعَنْ سَلْمَانَ ﵁ قَالَ: لَقَدْ نَهَانَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ نَسْتَقْبِلَ القِبْلَةَ بِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِاليَمِينِ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِرَجِيعٍ أَوْ عَظْمٍ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (١) ٩٣ - وَلِلسَّبْعَةِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ ﵁: «وَلَا تَسْتَقْبِلُوا القِبْلَةَ بِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا». (٢) المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين مسألة [١]: حكم استقبال، أو استدبار الكعبة ببول، أو غائط . • ذكر الشوكاني ﵀ في «نيل الأوطار» في هذه المسألة ثمانية مذاهب، وأقواها أربعة: الأول: لا يَجوز ذلكَ لا في الصَّحَارِي، وَلَا فِي الْبُنْيَانِ، وهو قَول أَبِي أَيُّوبَ الأنصَارِيِّ، الصحَابِيِّ، ومُجاهدٍ وإِبرَاهِيمَ النَّخعي، والثَّورِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ، ورواية عَن أحمَدَ، وهو قول عطاء، والأوزاعي، وهو ترجيح ابن العربي، وابن حزم، وابن تيمية، وابن القيم، والألباني، وغيرهم. واستدل هؤلاء بحديث أبي أيوب، وحديث سلمان، وردوا على أحاديث المعارض بأنها خاصَّة بالنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وقد أُجيب عنهم بأن دعوى الخصوصية بالنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لا دليل عليها؛ إذ الخصائص لا تثبت بالاحتمال.

стр. 359

الثاني: تحريم ذلك في الصَّحاري دون البنيان، وهو قول مالك، والشافعي، وإسحاق، وأحمد في رواية، وهو قول البخاري، ونسبه الحافظ في «الفتح» إلى الجمهور، وقال: هو أعدل الأقوال، ورجَّحه ابن المنذر، وابن عبد البر، والخطابي، والصنعاني، والوادعي، رحمة الله عليهم، واستدلوا على جوازه بالبنيان بحديث عبد الله بن عمر في «الصحيحين» (١)، قال: ارتقيت يومًا على ظهر بيت حفصة، فرأيت النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يقضي حاجته مستقبل الشام، مستدبر الكعبة. الثالث: الجواز في الصَّحاري، والبنيان، وهو قول عروة بن الزبير، وربيعة، وداود الظاهري، واستدل لهم بحديث جابر في «مسند أحمد» (٣/ ٣٦٠)، وغيره، وهو في «الصحيح المسند» قال: نهى النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أن نستقبل القبلة ببول، فرأيته قبل أن يُقبض بعامٍ يستقبلها. فهذا الحديث يعتبر ناسخًا لتأخره. وأُجِيب: بعدم التسليم في تأخره على الأحاديث الأخرى المانعة، ولو سلم؛ فالجمع بين الدليلين مقَدَّمٌ على النسخ. الرابع: يُكْرَه في الصَّحاري، والبنيان، وهو مَحْكِيٌّ عن النخعي، ورواية عن أبي حنيفة، وعن أحمد، وأبي ثور، وهؤلاء جمعوا بين الأحاديث المتقدمة بأنَّ النهي في حديث أبي أيوب، وسلمان يُحمل على الكراهة، والتنزيه، والصارف هو فعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في حديث ابن عمر، وجابر، وحديث جابر الظاهر فيه أنه لم يكن في بنيان، وهذا القول هو الراجح والله أعلم. (٢)

стр. 360

مسألة [٢]: استقبال، واستدبار بيت المقدس . • حُكِيَ عن إبراهيم النخعي، وابن سيرين تحريم ذلك، وقال به بعض الشافعية كما في «الفتح» (١٤٤)، وقد جاء في ذلك حديث في «سنن أبي داود» (١٠)، من حديث معقل بن أبي معقل الأسدي، قال: نهى رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أن نستقبل القبلتين ببول، أو غائطٍ. ولكنه حديث ضعيفٌ، ففي إسناده رجلٌ يقال له: أبو زيد، مجهول. • ولذلك فقد ذهب جمهور أهل العلم إلى عدم تحريم ذلك، وادَّعى الخطابي الإجماع على ذلك، وفيه نظر؛ لما تقدم. • وقد ذهب بعض أهل العلم إلى الكراهة، ولا دليل على الكراهة. (١) مسألة [٣]: حكم استقبال الشمس، والقمر . قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١/ ٢٢٢): ويُكرَهُ استقبال الشمس، والقمر بفرجه؛ لما فيهما من نور الله تعالى؛ فإن استتر عنهما بشيء جاز. اهـ وهذا القول لا دليل عليه، بل قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في حديث أبي أيوب: «ولكن شرِّقوا، أو غَرِّبُوا»، يدل على الجواز. قال الشوكاني ﵀ في «السيل الجرَّار» (١/ ٧٠): وأما استقبال القمرين، فهذا من غرائب أهل الفروع؛ فإنه لم يدل على ذلك دليل، لا صحيح، ولا حسن، ولا ضعيف، وما روي في ذلك فهو كذبٌ على رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ومن رواية

стр. 361

الكذابين، وإن كان ذلك بالقياس على القبلة، فقد اتسع الخَرْقُ على الرَّاقِع، ويقال لهذا القائس: ما هكذا يا سعد تورد الإبل. وأعجب من هذا إلحاق النجوم النَّيِّرات بالقمرين؛ فإنَّ الأصل باطلٌ، فكيف بالفرع، وكان ينبغي لهذا القائس أن يُلْحِقَ السماء؛ فإنَّ لها شرفًا عظيمًا؛ لكونها مستقرًا للملائكة، ثم يُلحق الأرض؛ لأنها مكان العبادات، فحينئذٍ يضيق على قاضي الحاجة الأرض بما رحُبَت، ويحتاج أن يخرج عن هذا العالم عند قضاء الحاجة. اهـ مسألة [٤]: الاستجمار بأقل من ثلاثة أحجار . • ذهب الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور إلى وجوب ثلاث مسحات، واستدلوا بحديث سلمان الذي في هذا الباب، وبحديث جابر بن عبد الله في «مسند أحمد» (٣/ ٤٠٠)، وغيره، وإسناده صحيح، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إذا استجمر أحدكم، فليستجمر ثلاثًا»، وجاء من حديث عائشة، ومن حديث خزيمة ابن ثابت عند أحمد (٥/ ٢١٣) (٦/ ١٠٦)، وغيره، وفي كليهما ضعفٌ، ولكنهما يقويان ما تقدم. • وذهب مالك، وأبو حنيفة، وداود إلى أنَّ الواجب الإنقاء، فإذا حصل بحجر، أجزأه، واستدلوا بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «من استجمر، فليوتر»، والوتر يحصل بواحدة، وبحديث أبي هريرة ﵁: «ومن استجمر فليوتر، من فعل فقد أحسن، ومن لا؛ فلا حرج»، وبحديث ابن مسعود في «البخاري» -وسيأتي- وفيه أن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أخذ

стр. 362

منه حجرين، وألقى الروثة، وقال: إنها رِكسٌ. والراجح هو القول الأول، وأما استدلالهم بحديث: «ومن استجمر، فليوتر»، فهو مُجْمَلٌ، مُبَيَّنٌ بحديث سلمان، بأنَّ هذا الوتر لا يقل عن ثلاث، ولفظ حديث سلمان عند ابن المنذر (١/ ٣٤٩)، وغيره، قال: «ولا يكفي أحدكم دون ثلاثة أجحار»، وأما حديث ابن مسعود، فأمره محتمل، فلعله أخذ حجرًا ثالثًا، كما جاء في رواية أنه قال: «ائتني بحجر»، أو اكتفى بطرف أحدهما عن الحجر الثالث، وأما حديث أبي هريرة؛ فهو ضعيفٌ، في إسناده مجهولان: حصين الحميري، وأبو سعد، ويقال: سعيد، الحبراني، الحمصي. وأما قولهم: (المقصود هو الإنقاء)، فهذا شرطٌ، وزاد الشارع شرطًا آخرَ، وهو ألَّا يقل عن ثلاثة أحجار، والله أعلم. (١) قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١/ ٢٠٧): ومعنى الإنقاء إزالة عين النجاسة، وبلتها، بحيث يخرج الحجر نقيًّا، وليس عليه أثر؛ إلا شيئًا يسيرًا، ويشترط الأمران جميعًا، الإنقاء، وإكمال الثلاثة، أيهما وُجِدَ دون صاحبه لم يكفِ. مسألة [٥]: الحجر الكبير الذي له ثلاث شعب، هل يقوم مقام ثلاثة أحجار ؟ • ذهب الشافعي، وإسحاق، وأبو ثور، وأحمد في رواية إلى أنه يجزئه الحجر الكبير الذي له ثلاثة شُعب، ويقوم مقام ثلاثة أحجار، وذلك لأنَّ العلة في أمره -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بثلاثة أحجار لأجل أن لا يكرر الإنسان المسح على وجه واحد؛ لأنه إذا فعل

стр. 363

ذلك لا يستفيد، بل ربما يزيده تلوثًا. ذكر هذا الشيخ ابن عثيمين ﵀، ثم رجَّح هذا القول، وقال: وذلك لأن الشرع معاني لا مجرد ألفاظ. وقال ابن قدامة ﵀ في «المغني»: وذلك كما لو فصله ثلاثة صغارًا، واستجمر بها؛ إذا لا فرق بين الأصل والفرع، إلا فصله، ولا أثر لذلك في التطهير. • وذهب أحمد في رواية، وهو قول ابن المنذر إلى أنه لا يجزئه أقل من ثلاثة أحجار؛ لحديث سلمان المتقدم. والراجح هو القول الأول، والله أعلم. قال الحافظ ﵀ في «الفتح» (١٥٦): والدليل على صحته، أنه لو مسح بطرف واحد، ورماه، ثم جاء شخص آخر، فمسح بطرفه الآخر؛ لأجزأهما بلا خلاف. (١) مسألة [٦]: حكم الإيتار فيما زاد على الثلاث . • ذهب بعض أهل العلم إلى وجوبه، كما ذكر ذلك ابن الملقن في «شرح العمدة» (١/ ٢٤٩)، وهو قول ابن حزم كما في «المحلَّى» (١٢٢)، واستدلوا بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «ومن استجمر، فليوتر». • وذهب جمهور أهل العلم إلى الاستحباب، وجعلوا الصارف حديث أبي هريرة المتقدم: «من فعل فقد أحسن، ومن لا، فلا حرج»، وهو حديث ضعيف

стр. 364

كما قد بيناه. والراجح هو القول الأول، والله أعلم. مسألة [٧]: الاستنجاء بالروث، والعظام . • ذهب جمهور أهل العلم إلى عدم جواز الاستجمار بالروث، والعظام، وهو قول الشافعي، وإسحاق، وأحمد، والثوري، وغيرهم، واستدلوا بحديث سلمان الذي في الباب، وبحديث جابر بن عبد الله في «صحيح مسلم» (٢٦٣): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- «نهى أن يُتمسح بعظم، أو ببعر». • وذهب أبو حنيفة إلى جواز الاستنجاء بهما؛ لأنهما يجففان النجاسة، وأباح مالك الاستنجاء بالطاهر منهما. والراجح هو قول الجمهور، والله أعلم. (١) مسألة [٨]: هل يجوز الاستنجاء بغير الروث، والعظام ؟ • ذهب جمهور أهل العلم -وهو الصحيح في مذهب الحنابلة- إلى أنَّ كل ما أنقى من الخشب، والخرق، وما أشبهه يجوز الاستنجاء به، كالحجارة؛ إلا الروث، والعظام -لما تقدم- واستدل الجمهور بحديث خزيمة بن ثابت، قال: سئل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عن الاستطابة، فقال: «بثلاثة أحجار، ليس فيها رجيع»، أخرجه أحمد (٥/ ٢١٣)، وغيره. وفي إسناده: أبو خزيمة، عمرو بن خزيمة، وهو مجهول، ولكن الحديث

стр. 365

يشهد له حديث سلمان، وغيره، فهو صحيح بشواهده. قال الجمهور: فلولا أنه أراد الحجر، وما في معناه، لم يستثنِ منها الرَّجيع؛ لأنه لا يحتاج إلى ذكره، ولم يكن لتخصيص الرجيع بالذكر معنى، واستدلوا بحديث سلمان في آخره: «وأن نستجمر برجيع، أو عظم»، فقالوا: تخصيص هذين بالنهي عنهما يدل على أنه أراد الحجارة، وما قام مقامها؛ ولأنه متى ورد النص بشيء معقول، وجب تعديته إلى ما وجد فيه المعنى، والمعنى ههنا إزالة عين النجاسة، وهذا يحصل بغير الأحجار، كحصوله بها. • وذهب داود، وهو وجه عند الحنابلة إلى الاقتصار على الحجارة؛ لأن النصوص جاءت بالحجارة. والقول الأول هو الراجح؛ لما تقدم، والله أعلم. (١) فائدة: قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١/ ٢١٤): ولابُدَّ أن يكون ما يستجمر به مُنْقِيًا؛ لأن الإنقاء مُشْتَرَطٌ في الاستجمار، فأما الزَّلج، كالزجاج، والفحم الرخو، وشبههما مما لا يُنْقِي، فلا يجزئ؛ لأنه لا يحصل منه المقصود. اهـ فائدة: العلة في النهي عن العظم، والروث. ثبت في «صحيح البخاري» (١٥٥، ٣٨٦٠): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال لأبي هريرة ﵁: «ابْغِنِي أَحْجَارًا أَسْتَنْفِضْ بِهَا، وَلَا تَأْتِنِي بِعَظْمٍ وَلَا بِرَوْثَةٍ»، ثُمَّ إنَّ أَبا هُرَيْرة قَالَ لَهُ: مَا بَالُ الْعَظْمِ وَالرَّوْثَةِ؟ قَالَ: «هُمَا مِنْ طَعَامِ الْجِنِّ، وَإِنَّهُ أَتَانِي وَفْدُ جِنِّ

стр. 366

نَصِيبِينَ، وَنِعْمَ الْجِنُّ، فَسَأَلُونِي الزَّادَ، فَدَعَوْتُ اللهَ لَهُمْ أَنْ لَا يَمُرُّوا بِعَظْمٍ وَلَا بِرَوْثَةٍ إِلَّا وَجَدُوا عَلَيْهَا طُعْمًا»، وفي روايةٍ: «طعامًا». وفي «صحيح مسلم» (٤٥٠)، من حديث عبدالله بن مسعود: أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال للجن حين سألوه الزاد: «لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم، وكل بعرةٍ علفٌ لدوابكم»، قال: «فلا تستنجوا بهما؛ فإنهما طعام إخوانكم». وقد استنبط أهل العلم من هذا الحديث تحريم الاستنجاء بمطعومات الإنس، ومطعومات دوابهم؛ لأَنَّ زادهم أعظم حرمةً من زاد الجن، ودوابهم. فائدة: قال النووي ﵀ في «المجموع» (٢/ ٩٣): لا يجوز أن يبول على ما منع الاستنجاء به؛ لحرمته، كالعظم، وسائر المطعومات. اهـ. (١) فائدة: قال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٢/ ١٢٠): ولو استنجى بشيء من أوراق المصحف -والعياذ بالله- عالمًا، صار كافرًا، مرتدًا، نقله القاضي حسين، والروياني، وغيرهم. قلتُ: ويلتحق به الأوراق التي فيها ذكر الله ، وأما كتب الفقه، وما فيه علوم شرعيةٌ، فهو محرمٌ حرمةً شديدة، ولا يُؤْمَن عليه من الكفر. (٢)

стр. 367

٩٤ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَتَى الغَائِطَ فَلْيَسْتَتِرْ». رَوَاهُ أَبُودَاوُد. (١) الحكم المستفاد من الحديث هذا الحديث يدل على وجوب التستر من أعين الناس، وقد تقدم استحباب ابتعاد قاضي الحاجة عن أعين الناس. والواجب هو ستر العورة حتى وإن كان قريبًا من الناس؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «احفظ عورتك إلا من زوجك، أو ما ملكت يمينك». أخرجه أبو داود (٤٠١٧)، وغيره، من حديث معاوية بن حيدة بإسناد حسن.

стр. 368

٩٥ - وَعَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إذَا خَرَجَ مِنَ الغَائِطِ قَالَ: «غُفْرَانَك». أَخْرَجَهُ الخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ أَبُو حَاتِمٍ وَالحَاكِمُ. (١) الحكم المستفاد من الحديث استحب أهل العلم أن يدعوَ الإنسانُ بهذا الدعاء عند الخروج من الخلاء، كما في «المغني» (١/ ٢٢٩)، و «المجموع» (٢/ ٧٦). ولكن الحديث ضعيفٌ؛ فالظاهر أنه يخرج ساكتًا. وأما الدعاء بقوله: «الحمد لله الذي أذهب عني الأذى، وعافاني»، فهو أضعف من حديث عائشة ﵂، فقد أخرجه ابن ماجه (٣٠١) من حديث أنس ﵁، وفي إسناده: إسماعيل بن مسلم المكي، وهو شديد الضعف.

стр. 369

٩٦ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: أَتَى النَّبِيُّ ﷺ الغَائِطَ، فَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَهُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، فَوَجَدْت حَجَرَيْنِ، وَلَمْ أَجِدْ ثَالِثًا، فَأَتَيْته بِرَوْثَةٍ. فَأَخَذَهُمَا وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ، وَقَالَ: «هَذَا رِكْسٌ» أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ. (١) وَزَادَ أَحْمَدُ وَالدَّارَقُطْنِيّ: «ائْتِنِي بِغَيْرِهَا». (٢) الحكم المستفاد من الحديث قوله: «رِكْسٌ»، فسَّرها طائفة من أهل العلم بأنَّ معناه: نجس، لكن قال ابن الأثير في «النهاية»: وهو شبيه المعنى بالرجيع، يقال: ركست الشيء، وأركسته، إذا رددته ورجعته. اهـ قال الحافظ ﵀ في «الفتح» (١٥٦): وقيل: الركس الرجيع، رُدَّ من حالة الطهارة إلى حالة النجس، قال الخطابي، وغيره: والأولى أن يقال: رُدَّ من حالة الطعام إلى حالة الروث. اهـ قلتُ: فعلى هذا، فليست العلة فيها -أعني الروثة- أنها نجسة، بل أشار النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إلى أنها رجيع، وقد بين النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنَّ الرَّجيع لا يُستنجى به؛ لأنه من زاد الجن

стр. 370

كما تقدم. ومما يدل على أنَّ الروثة ليست بنجسة مباشرة عبد الله بن مسعود لها، ثم مباشرة النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لها بيده الشريفة. وأما قوله في بعض الروايات: «إنها رجس»، فهو بمعنى القذر، كما في «النهاية». مسألة [١]: هل يجزئه إذا استنجى بنجاسة ؟ • ذهب أحمد، والشافعي إلى أنه لا يجزئه، واستدلوا بحديث ابن مسعود: «إنها ركسٌ»، وقد تقدم بيان معناه. • وذهب أبو حنيفة إلى أنه يجزئه؛ لأنه يجفف كالطاهر. وقول أبي حنيفة هو الراجح إن شاء الله، مع العلم بتحريم ذلك، بشرط إنقاء الموضع، وإزالة النجاسة؛ لأنَّ هذا هو المقصود بالاستجمار، وذلك يحصل في بعض النجاسات دون بعض، كجلد الميتة الغير مدبوغ؛ فإنه ينقي دون أن ينجس والله أعلم. (١)

стр. 371

٩٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى أَنْ يُسْتَنْجَى بِعَظْمٍ، أَوْ رَوْثٍ وَقَالَ: «إنَّهُمَا لَا يُطَهِّرَانِ». رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَصَحَّحَهُ. (١) الحكم المستفاد من الحديث مسألة [١]: إذا استنجى بالعظام، والروث، فهل يجزئه ؟ • قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١/ ٢١٥): ولا يجزئ في قول أكثر أهل العلم. اهـ وقد استدلوا بحديث أبي هريرة ﵁ المذكور في الباب، وقالوا: النهي يقتضي الفساد، وعدم الإجزاء. • وذهب أبو حنيفة، وبعض المالكية إلى أنَّ الاستنجاء بهما مجزئ، إذا حصل الإنقاء، ورجَّح هذا الطحاوي في «معاني الآثار»، وقال: إنما نُهي عن الاستنجاء بالعظم، والروثة؛ لأنهما طعامٌ للجن، ودوابِّهِم، لا أنها لا تطهر كما يطهر الحجر. وهذا القول هو الصحيح؛ لأنَّ إزالة النجاسة معنى معقول، وليس تعبديًّا محضًا، وقد رجَّح هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية كما في «الاختيارات الفقهية» (ص ٩). تنبيه: إذا أنقى بأقل من ثلاث، فاقتصر عليها؛ أجزأه أيضًا مع الإثم. (٢)

стр. 372

٩٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «اسْتَنْزِهُوا مِنَ البَوْلِ؛ فَإِنَّ عَامَّةَ عَذَابِ القَبْرِ مِنْهُ». رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ. (١) ٩٩ - وَلِلْحَاكِمِ «أَكْثَرُ عَذَابِ القَبْرِ مِنَ البَوْلِ»، وَهُوَ صَحِيحُ الإِسْنَادِ. (٢) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث • استدل بحديث الباب على وجوب التنزه من البول، وقد جاء في «الصحيحين» (٣) من حديث ابن عباس، أنَّ النبي مرَّ بقبرين، فقال: «إنَّهما يعذبان»، وفي الحديث: «إن أحدهما كان لا يستتر من بوله»، وفي رواية: «لا يستنزه من بوله».

стр. 373

• واستدل الجمهور بهذا الحديث على وجوب الاستنجاء وإزالة الأذى من المخرجين. • وذهب أبو حنيفة، وأصحابه، وهو رواية عن مالك إلى عدم وجوب الاستنجاء، وحُكِي عن ابن سيرين فيمن صلَّى بقوم، ولم يستنج، أنه قال: لا أعلم به بأسًا، وهذا يحتمل أن يكون فيمن لم يلزمه الاستنجاء، كمن لزمه الوضوء لنوم، أو خروج ريح، أو من ترك الاستنجاء ناسيًا، فيكون موافقًا لقول الجماعة، ويحتمل أنه لم ير وجوب الاستنجاء، كقول أبي حنيفة. واستدل الحنفية بحديث أبي هريرة: «ومن استجمر، فليوتر، من فعل فقد أحسن، ومن لا، فلا حرج»، وهذا الحديث ضعيفٌ كما تقدم، والجمهور على أنَّ المقصود بقوله: «فلا حرج» الإيتار. وقالت الحنفية: هي نجاسة يُكْتَفى فيها بالمسح، فلم تجب إزالتها، كيسير الدم، وأُجيب بأنَّ هذا ترخيص من الشارع، فأوجب إنقاء الأذى، ويسَّر في أثره. قال ابن قدامة ﵀: وذلك لمشقة الغسل؛ لكثرة تكرره في محل الاستنجاء. قال ابن قدامة ﵀: والقول بوجوب الاستنجاء في الجملة قول أكثر أهل العلم. وقال الصنعاني في «السبل»: ولا يخفى أنَّ أحاديث الأمر بالاستطابة دالة على وجوب إزالة النجاسة. اهـ وقول الجمهور هو الراجح بدون شك.

стр. 374

١٠٠ - وَعَنْ سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: عَلَّمَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الخَلَاءِ أَنْ نَقْعُدَ عَلَى اليُسْرَى، وَنَنْصِبَ اليُمْنَى. رَوَاهُ البَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ. (١) ١٠١ - وَعَنْ عِيسَى بْنِ يَزْدَادَ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إذَا بَالَ أَحَدُكُمْ، فَلْيَنْتُرْ ذَكَرَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ». رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ. (٢) المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين مسألة [١]: كيفية الجلوس لقضاء الحاجة . حديث سراقة بن مالك ﵁ في كيفية بيان ذلك ضعيف؛ وعليه فكل إنسان يجلس في قضاء حاجته على ما يتيسر له، ويكون أبعد له من النجاسات، وبالله التوفيق. مسألة [٢]: حكم نتر الذكر . • ذهب بعض أهل العلم من الشافعية، والحنابلة، وغيرهم إلى استحباب نتر الذكر عقب البول، عملًا بحديث الباب، وقد تقدم أنه ضعيفٌ، فالصحيح أنَّ ذلك لا يُستحب، ولا يشرع. • قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٢١/ ١٠٦):

стр. 375

وكذلك نتر الذكر بدعة على الصحيح، لم يشرع ذلك، وكذلك سلتُ البول بدعة، لم يشرع ذلك رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، والحديث المروي في ذلك ضعيفٌ لا أصل له، والبول يخرج بطبعه، وإذا فرغ انقطع بطبعه، وهو كما قيل: كالضرع، إن تركته قرَّ، وإن حلبته درَّ. قال ابن القيم ﵀ في «الزاد» (١/ ١٧٣): ولم يكن يصنع شيئًا مما يصنعه المبتلون بالوسواس، من نتر الذكر، والنحنحة، والقفز، ومسك الحبل، وطلوع الدرج، وحشو القطن في الإحليل، ونحو ذلك من بدع أهل الوسواس. اهـ قال الإمام ابن عثيمين ﵀: وكل هذا من الوساوس التي لا أصل لها، والدين -ولله الحمد- يُسْرٌ. «الشرح الممتع» (١/ ٨٩).

стр. 376

١٠٢ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَأَلَ أَهْلَ قُبَاءَ، [فَقَالَ: «إنَّ اللهَ يُثْنِي عَلَيْكُمْ»] (١) قَالُوا: إنَّا نُتْبِعُ الحِجَارَةَ المَاءَ. رَوَاهُ البَزَّارُ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ (٢)، وَأَصْلُهُ فِي «أَبِي دَاوُدَ» وَ «التِّرْمِذِيِّ»، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ بِدُونِ ذِكْرِ الحِجَارَةِ. (٣) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: الجمع بين الحجارة والماء، وإذا اقتصر على أحدهما فأيهما أفضل ؟ قال ابن الملقن ﵀ في «شرح العمدة» (١/ ٤٨٧): ومذهب جمهور السلف،

стр. 377

والخلف، والذي أجمع عليه أئمة الفتوى من أهل الأمصار، أنَّ الأفضل أن يجمع بين الماء، والحجر، فيقدم الحجر أولًا، ثم يستعمل الماء، فتخف النجاسة، ويقل مباشرتها بيده، ويكون أبلغ في النظافة؛ فإن أراد الاقتصار على أحدهما فالماء أفضل؛ لكونه يزيل عين النجاسة، وأثرها، والحجر يزيل العين دون الأثر، لكنه معفوٌ عنه في حق نفسه، وتصح الصلاة معه كسائر النجاسات. اهـ قلتُ: أما الجمع بين الماء، والحجارة، فلا يصح فيه دليلٌ. قال الإمام الألباني ﵀: والجمع بين الحجارة، والماء لا يصح عنه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وأخشى أن يكون القول بالجمع من الغلو في الدين؛ لأنَّ هديه الاكتفاء بأحدهما، وخير الهدي هدي محمد -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وشر الأمور محدثاتها. اهـ «تمام المنة» (ص ٦٥). وقال شيخنا مقبل الوادعي ﵀ في أحد دروسه: لم يثبت بالجمع بين الحجارة، والماء شيء. فسئل: هل يصل الجمع بين الحجارة والماء إلى حد البدعة؟ فقال: لا يصل، وخير الهدي هدي محمد -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وإذا استجمر بالحجر أجزأه، وإن اكتفى بالماء، فهو أفضل، وأنقى. اهـ وأما إذا اقتصر على أحدهما؛ فالأفضل هو الماء؛ لأنه أطيب، وأطهر، وقد أثنى الله على أهل قباء بسبب تطهرهم بالماء، وقد نصَّ على هذا الشافعية، والحنابلة، وغيرهم.

стр. 378

وقال الشوكاني ﵀ في «السيل» (١/ ٤٢): فإن عدل عن الاستجمار إلى الاستنجاء بالماء، فهو أطيب، وأطهر. اهـ (١) قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١/ ٢٠٨): وإن اقتصر على الأحجار، أجزأه بلا خلاف بين أهل العلم؛ لما ذكرنا من الأخبار، ولأنه إجماع الصحابة. اهـ

стр. 379

فَصْلٌ فِي مَسَائِلَ أُخْرَى تُذْكَرُ فِي بَابِ آدَابِ قَضَاءِ الحَاجَةِ مسألة [١]: التبول، أو التغوط في المياه الراكدة، أو الجارية . تقدم نقل كلام أهل العلم، وحكم المسألة في باب المياه. مسألة [٢]: التبول في الجحر . جاء في «مسند أحمد» (٥/ ٨٢)، و «سنن أبي داود» (٢٩)، و «وسنن النسائي» (١/ ٣٣)، من حديث عبد الله بن سرجس ﵁ أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نهى أن يُبَال في الجحر، وهو من طريق: قتادة، عن عبد الله بن سرجس، وقد نفى سماعه منه أحمد، ولكن أثبته أبو زرعة كما في «جامع التحصيل»، والمثبت مقدم على النافي. وهذا الحديث يدل على النهي عن التبول في الجحر، وقد حمله الشافعية، والحنابلة، وغيرهم على كراهة التنزيه كما في «المجموع» (١/ ٨٥ - ٨٦)، و «المغني» (١/ ٢٢٥)، لكن قال الشوكاني ﵀ في «السيل الجرار» (١/ ٦٦): والنهي حقيقة للتحريم. اهـ مسألة [٣]: حكم البول قائمًا . جاء عن حذيفة بن اليمان ﵄ في «الصحيحين» (١): أنه رأى رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بال

стр. 380

قائمًا. وجاء عن عائشة ﵂ أنها قالت: من حدثكم أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بال قائمًا فقد كذب، ما بال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قائمًا منذ نزل عليه القرآن. أخرجه الترمذي برقم (١٢) بإسناد صحيح. فتبين من هذين الحديثين أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان أكثر ما يبول وهو جالس؛ ولذلك أنكرت عائشة، وكذَّبتْ من يقول: إن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بال قائمًا. وهذا حسب علمها، وقد أثبته حذيفة، فيدل على جوازه أيضًا، وإن كان الأكثر هو الجلوس. وقد صحَّ عن ابن مسعود أنه قال: من الجفاء أن تبول وأنت قائمٌ. وكان سعد ابن إبراهيم لا يجيز شهادة من بال قائمًا، وهؤلاء محجوجون بحديث حذيفة ﵁؛ ولذلك قال ابن المنذر ﵀ في «الأوسط» (١/ ٣٣٣ - ): ثبت عن جماعة من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنهم بالوا قيامًا، وممن ثبت ذلك عنه: عمر بن الخطاب، وروي ذلك عن علي، وثبت ذلك عن زيد بن ثابت، وابن عمر، وسهل بن سعد، وروي ذلك عن أنس، وأبي هريرة، وفعل ذلك محمد بن الحسن، وعروة بن الزبير. قلتُ: وهذه الآثار عن الصحابة كلها صحيحة عنهم؛ إلا أثر أنس، وأبي هريرة ﵄. قال ابن المنذر ﵀: يبول جالسًا أحب إليَّ للثابت عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنه بال جالسًا، ولأنَّ أهل العلم لا يختلفون فيه، ولا أنهى عن البول قائمًا؛ لثبوت حديث حذيفة. اهـ. (١)

стр. 381

قلتُ: ولكن لا ينبغي له أن يبول في موضع صلب؛ حتى لا يتطاير عليه البول كما ذكر ذلك مالك بن أنس ﵀ كما في «الأوسط» (١/ ٣٣٦)، وكذلك لا يبول قائمًا مع وجود ريح ترد عليه البول كما ذكر ذلك الإمام ابن عثيمين ﵀. مسألة [٤]: ارتياد موضع للبول . جاء عند أحمد (٤/ ٣٩٦)، وأبي داود (٣)، وغيرهما من حديث أبي موسى ﵁، قال: مال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إلى دمث، إلى جنب حائط، فبال، وقال: «إذا بال أحدكم، فليرتد لبوله»، ولكن في إسناده رجلٌ مبهمٌ، فهو حديث ضعيفٌ. قال الشوكاني ﵀: قوله: «فليرتد»، أي: يطلب محلًّا لينًا سهلًا، والحديث يدل على أنه ينبغي لمن أراد قضاء الحاجة أن يعمد إلى مكانٍ ليِّنٍ لا صلابة فيه؛ ليأمن من رشاش البول، ونحوه، وهو وإن كان ضعيفًا، فأحاديث الأمر بالتنزه عن البول تفيد ذلك. اهـ وقال النووي ﵀ في «المجموع» (٢/ ٨٤): هذا الأدب متفقٌ على استحبابه. اهـ (١) وكذلك يستحب له أن لا يبول مقابلًا للريح، حتى لا تَرُدَّ عليه رشاش البول. (٢) مسألة [٥]: البول في المستحم . جاء في «مسند أحمد» (٥/ ٥٦)، و «سنن أبي داود» (٢٧)، وغيرهما من حديث عبد الله بن مغفل ﵁، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لا يبولَنَّ أحدكم في مستحمه؛

стр. 382

فإنَّ عامة الوسواس منه»، وصححه الإمام الوادعي ﵀ في «الصحيح المسند». وجاء النهي عن ذلك أيضًا من حديث رجل من أصحاب النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، أخرجه أحمد (٤/ ١١٠)، وهو في «الصحيح المسند» أيضًا. قال الترمذي ﵀ في «سننه» (١/ ٣٣) رقم (٢١): وقد كره قومٌ من أهل العلم البول في المغتسل، وقالوا: عامة الوسواس منه، ورخَّص فيه بعض أهل العلم، منهم: ابن سيرين، وقال ابن المبارك: قد وسع في البول في المغتسل، إذا جري فيه. قلتُ: وممن ذهب إلى الكراهة مطلقًا، وإن كان يجري: إسحاق بن راهويه، وقال بقول ابن المبارك الثوريُّ، وعطاء، وابن المنذر -أعني جوازه فيما إذا كان له منفذ يجري منه- وكراهته فيما إذا كان مستقرًّا لا يجري. (١) وهذا القول هو المعتمد، والله أعلم. قال الإمام ابن عثيمين ﵀ في «الشرح الممتع» (١/ ١٠٣): أما المستحم الذي يستحم الناس فيه، فلا يجوز التغوط فيه؛ لأنه لا يذهب، أما البول فجائزٌ؛ لأنه يذهب، مع أنَّ الأولى عدمه، لكن قد يحتاج الإنسان إلى البول، كما لو كانت باقي الحمامات مشغولة.

стр. 383

بَابُ الاغْتِسَالِ وَحُكْمِ الجُنُبِ ١٠٣ - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «المَاءُ مِنَ المَاءِ» (١). رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَأَصْلُهُ فِي «البُخَارِيِّ». (٢) صفات المني: قال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٢/ ١٤١): مَنِي الرجل في حال صحته أبيض، ثخين، يتدفق في خروجه دفعة بعد دفعة، ويخرج بشهوة، ويتلذذ بخروجه، ثم إذا خرج يعقبه فتور، ورائحته كرائحة طلع النخل، قريبة من رائحة العجين، وإذا يبس كانت رائحته كرائحة البيض هذه صفاته، وقد يفقد بعضها مع أنه مني موجب للغسل. ثم قال ﵀: وأما مني المرأة، فأصفر رقيق، قال إمام الحرمين، والغزالي: ولا خاصية له؛ إلا التلذذ، وفتور شهوتها عقيب خروجه، ولا يُعرف إلا بذلك. اهـ المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: خروج المني يوجب الغسل . قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (١/ ٢٦٦): فخروج المني الدَّافق بشهوة يوجب الغسل من الرجل والمرأة في يقظة، أو في نوم، وهو قول عامة الفقهاء، قاله

стр. 384

الترمذي، ولا نعلم فيه خلافًا. (١) مسألة [٢]: خروج المني لمرضٍ، أو إبردة . الإبردة: برد الجوف. • ذهب أحمد، ومالك، وأبو حنيفة إلى أنه لا غسل عليه، واستدلوا بحديث علي: «إذا فضخت الماء، فاغتسل». أخرجه أبو داود (٢٠٦)، وهو حديث ضعيفٌ، والفضخ: هو شدة الخروج. قال ابن قدامة ﵀: ويجوز أن يمنع كونه منيًّا؛ لأن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وصف المني بصفة غير موجودة في هذا. اهـ وهو ترجيح شيخ الإسلام ابن تيمية، ثم الشيخ ابن عثيمين، والإمام ابن باز رحمة الله عليهم أجمعين. • وذهب الشافعي، وأحمد في رواية إلى وجوب الغسل إذا تيقن أنه مني. ورجَّح هذا القول ابن حزم في «المحلَّى»، وهو الصحيح؛ لعموم قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «الماء من الماء». (٢) فائدة: قال الإمام النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٢/ ١٣٩): وحكى صاحب «البيان» عن النخعي أنه قال: لا يجب على المرأة الغسل بخروج المني.

стр. 385

ولا أظن هذا يصح عنه؛ فإنْ صَحَّ عنه؛ فهو محجوج بحديث أم سلمة. وقد نقل أبو جعفر محمد بن جرير الطبري إجماع المسلمين على وجوب الغسل بإنزال المني من الرجل والمرأة، والله أعلم. اهـ مسألة [٣]: إذا أحس بانتقال المني، فأمسك ذكره . إذا أمسك ذكره، فلم يخرج منه بالحال، ولا علم خروجه بعد ذلك، فلا غسل عليه عند جمهور العلماء، وهو رواية عن أحمد، وذهب أحمد في المشهور عنه إلى أنه يجب الغسل، قال: ولا يتصور رجوع المني. والراجح هو القول الأول؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «الماء من الماء»، ولأنَّ العلماء مجمعون على أن من أحس بالحدث، كالقرقرة، والريح، ثم لم يخرج منه شيء، لا وضوء عليه، فكذلك ههنا. وقد رجَّح هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية، ثم الشيخ ابن عثيمين. (١) مسألة [٤]: إذا اغتسل بعد خروج المني، وبعد اغتساله خرج مني آخر ؟ • ذهب الشافعي، والليث، وأحمد في رواية، وابن حزم إلى أنَّ عليه غسلًا آخر؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «الماء من الماء». • وذهب مالك، والثوري، وإسحاق، وهو المشهور عن أحمد إلى أنه لا غسل عليه، ويكفيه الوضوء.

стр. 386

وحكى ابن المنذر هذا القول عن (علي بن أبي طالب، وابن عباس) (١)، وعطاء، والزهري، وغيرهم. • وذهب أبو حنيفة في رواية -وروي عن أحمد- إلى أنه إن كان لم يبل بعد الغسل، ثم خرج المني، فلا غسل عليه؛ لأنه بقية المني الذي اغتسل منه، وإلا فيجب الغسل، وروي عن أبي حنيفة عكس هذا. قال الخلال ﵀: تواترت الروايات عن أبي عبد الله يعني أحمد أنه ليس عليه إلا الوضوء، بال، أو لم يبل، فعلى هذا استقر قوله. قلتُ: وهو الصحيح؛ لأنَّ خروج المني بعد الاغتسال بدون عمل شيء من مسببات خروج المني يدل على أنه بقية المني الأول الذي اغتسل منه، وإنما تأخر خروجه لانتشار ذكره، فلما اغتسل، وتقلص ذكره، خرج، والله أعلم، وهذا اختيار الإمام ابن باز، والإمام العثيمين رحمة الله عليهما. (٢) مسألة [٥]: إذا اغتسلت المرأة، ثم خرج ماء الرجل منها ؟ • جاء عن الحسن البصري أنه قال: تغتسل؛ لأنه مني خارج منها، فأشبه ماءها.

стр. 387

• وذهب قتادة، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق إلى أنه لا غسل عليها، وعليها الوضوء. • وذهب ابن حزم إلى أنه لا وضوء عليها ولا غسل. والراجح أنه لا غسل عليها، وعليها الوضوء. (١) مسألة [٦]: إذا أتى الرجل امرأته في طرف فرجها، ولم يولج شيئًا من ذكره، فدبَّ ماؤه إلى فرجها، فهل عليها الغسل ؟ • ذهب الزهري، وعطاء، وقتادة إلى أنَّ عليها الغسل. • وذهب أحمد، وابن حزم إلى أنه لا غسل عليها إلا إذا أَمْنَتْ، وهو الصحيح؛ لأنه لم يحصل الجماع، والله أعلم. (٢)

стр. 388

١٠٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الأَرْبَعِ (١)، ثُمَّ جَهَدهَا، فَقَدْ وَجَبَ الغُسْلُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢)، زَادَ مُسْلِمٌ: «وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ». المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: هل يجب الغسل بالجماع بدون إنزال ؟ دلَّ حديث أبي هريرة ﵁ المذكور على وجوب الغسل من ذلك، وجاءت رواية عند أبي داود (٢١٦): «وألزق الختان بالختان، فقد وجب الغسل»، وإسناده صحيح. وأخرج مسلم (٣٤٩) من حديث عائشة ﵂، قالت: «إذا جلس بين شعبها الأربع، ومس الختان الختان، فقد وجب الغسل». وأخرج مسلم (٣٥٠) من حديث عائشة ﵂: أنَّ رجلًا سأل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: الرجل يجامع أهله، ثم يكسل، هل عليهما الغسل؟ فقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إني لأفعل ذلك، أنا وهذه، ثم نغتسل». فدَلَّت هذه الأحاديث على أن تغييب الحشفة في الفرج موجب للغسل،

стр. 389

وسواء كانا مختتنين، أو لا، وسواء أصاب موضع الختان منه موضع ختانها، أو لم يصبه، ولو مسَّ الختان الختان من غير إيلاج؛ فلا غسل عليه بالإجماع، نقله النووي، وابن قدامة، والحافظ ابن حجر، وغيرهم. وقد ذهب إلى وجوب الغسل بمجرد إيلاج الذكر في الفرج كافة العلماء، ولم يخالف إلا داود الظاهري، وأما عن الصحابة، فقد جاء عن بعضهم القول بأنه عليه الوضوء فقط، جاء ذلك في «البخاري» (٢٩٢)، عن عثمان بن عفان، وعلي ابن أبي طالب، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله، وأبي بن كعب ﵃. وقد جاء عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في «الصحيحين» (١) عن عثمان، وأبي بن كعب، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «يغسل ما مسَّ المرأة منه، ثم يتوضأ، ويصلي»، واللفظ لأُبي بن كعب. قلتُ: ويؤيد هذه الأحاديث حديث أبي سعيد المتقدم: «الماء من الماء»، لكن قال النووي ﵀ في «شرح المهذب» (٢/ ١٣٧): والجواب عن الأحاديث التي احتجوا بها أنها منسوخة، هكذا قاله الجمهور، وثبت عن ابن عباس ﵄ جواب آخر، وهو: أن معنى «الماء من الماء»، أي: لا يجب الغسل بالرؤية في النوم إلا أن ينزل، وأما الآثار التي عن الصحابة ﵃، فقالوها قبل أن يبلغهم النسخ، ودليل النسخ أنهم اختلفوا في ذلك، فأرسلوا إلى عائشة ﵂، فأخبرتهم أن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «إذا جلس بين شعبها الأربع، وجهدها وجب الغسل»، فرجع إلى قولها من خالف، وعن سهل بن سعد الساعدي قال: حدثني أُبي بن كعب أن الفُتْيَا التي

стр. 390

كانوا يفتون: «إنما الماء من الماء»، كانت رخصة رخصها رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في بدء الإسلام، ثم أمر بالاغتسال بعد، وفى رواية: ثم أُمرنا، حديث صحيح رواه الدارمي، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والبيهقي، وغيرهم بأسانيد صحيحة (١)، قال الترمذي: هو حديث حسن صحيح. وعن محمود بن لبيد قال: سألت زيد بن ثابت عن الرجل يصيب أهله، ثم يكسل ولا ينزل؟ قال: يغتسل. فقلت: إن أُبَيًّا كان لا يرى الغسل. فقال زيد: إن أُبَيًّا نزع عن ذلك قبل أن يموت. رواه مالك في «الموطإ» (١/ ٤٧) بإسناد حسن، قوله: (نزع)، أي: رجع، ومقصودي بذكر هذه الأدلة بيان أحاديث المسألة، والجمع بينها، وإلا فالمسألة اليوم مُجْمَعٌ عليها، ومخالفة داود لا تقدح في الإجماع عند الجمهور. انتهى كلام النووي ﵀. وقوله: (إن مخالفة داود لا تقدح في الإجماع)، غير صحيح، وقد تقدم تَعَقُّبُ الشوكاني له في مسألة وجوب السواك، فراجعه. (٢) مسألة [٢]: هل يجب الغسل إذا جامع في الدبر، أو الميتة، أو البهيمة، ولم ينزل ؟ • ذهب جمهور أهل العلم إلى أن الإيلاج في فرج المرأة، ودبرها، ودبر الرجل، ودبر البهيمة، وفرجها، وكذلك فرج المرأة الميتة يوجب الغسل.
следующие страницы →