← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 165

فتح العلام في دراسة أحاديث بلوغ المرام ط 4

محمد بن علي بن حزام البعداني

Полный текст (5 956 стр.). Показаны 3256–3295 · переход к 3261.

стр. 3256

بالخيار بين أن يرجع بسلعته مع نقصها بدون أرش نقص أو يكون مع الغرماء أسوة. • وقال الشافعية: لا يخلو ذلك من ثلاثة أحوال: أحدها: أن يكون ذلك بحادث من السماء. والثاني: أن يكون بجناية المشتري. والثالث: أن تكون بجناية أجنبي. فإن كان هذا النقص بحادث من السماء فللبائع أن يأخذه ناقصا بجميع ثمنه ولا يرجع على المفلس المشتري بأرش نقصه. وإن كان هذا النقص بجناية أجنبي فأرشها مضمون عليه بجنايته، فيكون للبائع أن يأخذه ناقصا بالثمن ويرجع بأرش النقص؛ لأنه مضمون على جنايته. وإن كان هذا النقص بجناية المشتري ففيها وجهان: أحدهما: أن أرش جنايته غير مضمون عليه - كحادث من السماء - فعلى هذا للبائع أن يسترجعه ناقصا بكل الثمن إن شاء، ولا أرش له. والوجه الثاني: أن أرش جنايته مضمون عليه كجناية الأجنبي، فعلى هذا للبائع أن يسترجعه ناقصا بكل الثمن ويضرب مع الغرماء بأرش النقص، فهذا حكم النقص المتصل إذا لم يمكن إفراده بالعقد. • وجعل الشوكاني له أرش العيب الحادث مطلقًا بدون التفصيل الذي ذكره الشافعية، وقول الشوكاني ﵀ أقرب، والله أعلم. (١) مسألة [١١]: إن اشترى منه زيتًا، فخلطه بزيت آخر، أو قمحًا، فخلطه بقمح آخر . • اختلفوا في هذه المسألة على أقوال:

стр. 3257

الأول: يسقط حق الرجوع؛ لأنه عند خلطه لم يصبح عين ماله، وهو قول الحنابلة، وقولٌ للشافعي. الثاني: قال الشافعي: إن خلطه بمثله، أو دونه؛ لم يسقط حق الرجوع، وإن خلطه بأجود منه؛ فله قولان، وقال مالك: يأخذ زيته. قلتُ: وقول الحنابلة أقرب؛ لظاهر الحديث، والله أعلم. (١) مسألة [١٢]: إن كان المفلس قد عمل في المتاع عملًا غيَّر اسمه ؟ مثل أن يزرع الحب فصار زرعًا، أو جعل الخشب بابًا، وما أشبه ذلك. • فعند الحنابلة، وهو قول للشافعي أنه يسقط حق الرجوع. • وللشافعي قول أنَّ له الرجوع، ويعطيه قيمة العمل، والأول أقرب؛ لظاهر حديث الباب. (٢) مسألة [١٣]: إن اشترى ثوبًا فصبغه، ثم أفلس ؟ • ذكر جماعةٌ من أهل العلم أن له الرجوع؛ لأنَّ عين ماله قائم، ولم يتغير اسمه، ويكون المفلس شريكًا لصاحب الثوب في القيمة إن حصلت زيادة في القيمة، وإن حصل نقص في القيمة؛ فالبائع مخير بين الرجوع مع النقص، أو يكون مع الغرماء أسوة. (٣)

стр. 3258

مسألة [١٤]: إذا زاد المبيع زيادة متصلة كالسِّمَن والكِبَر ؟ • ذهب جماعة من الحنابلة إلى أنَّ الزيادة المتصلة تمنع حق الرجوع؛ لأنه قد زاد فيه زيادة في ملك المشتري المفلس. • وذهب مالك، والشافعي، وأحمد في رواية إلى أنَّ الزيادة المتصلة لا تمنع حق الرجوع؛ إلا أنَّ مالكًا يخير الغرماء بين أن يعطوه الثمن، أو يمكنوه من السلعة. واختار الشوكاني قول الشافعي، وقال: فإن ظهر أثرها في المبيع؛ كان للمفلس الرجوع بزيادة القيمة. قلتُ: كلام الشوكاني جيد، وهو أقرب الأقوال، وأصحها، والله أعلم. (١) مسألة [١٥]: الزيادة المنفصلة كالثمرة، والولد، والكسب ؟ • ذكر أهل العلم على أنَّ الزيادة المنفصلة لا تمنع حق الرجوع للبائع، واختلفوا لمن الزيادة؟ على قولين: الأول: أنَّ الزيادة للمفلس، وهو قول جماعة من الحنابلة، والشافعي، ورجحه ابن قدامة؛ لأنها زادت في ملكه. الثاني: أنَّ الزيادة للبائع، وهو قول مالك، وأحمد في رواية، وبعض الحنابلة؛ لأنها فرع تتبع أصلها. والقول الأول هو الصواب، والله أعلم. (٢)

стр. 3259

مسألة [١٦]: إذا كان المبيع أرضًا فبناها، أو غرسها، ثم أفلس ؟ إذا اتفق المفلس مع بقية الغرماء على إخراج الغرس، والبناء؛ فيكون البائع أحق بالأرض، وإذا لم يخرج المفلس ذلك؛ فالظاهر أنَّ البائع يكون أحق بشراء الغرس والبنيان، وليس له حق الرجوع، والله أعلم. (١) مسألة [١٧]: إذا كانت العين مَبيعة لم تقبض، أو مرهونة ؟ • لا يكون البائع أحق بها؛ لأنها إذا كانت مبيعة لم تقبض؛ لم تصر ملكًا له، ولا للمفلس، بل صارت لغيرهما، ولو كانت مرهونة فقد تعلق بها حق غيره، ولأنه لم يجدها عند المفلس، بل صارت عند غيره. وقال ابن قدامة: ولا نعلم في هذا خلافًا. قلتُ: قد خالف ابن حزم، فجعل صاحب السلعة أحق بها من المرتهن، وتبعه الشوكاني؛ واستدلوا بالحديث الذي في الباب. (٢) مسألة [١٨]: إذا كان دين المرتهن دون قيمة الرهن ؟ إذا كان دين المرتهن دون قيمة الرهن، فبيع كل الرهن، فالمرتهن يأخذ دينه كاملًا، وما بقي يشترك فيه الغرماء. وإن بيع بعضه، فاستوفى المرتهن حقه، وبقي بعض المبيع، فهل صاحب السلعة أحق بما بقي منها، أو هو مع الغرماء أسوة؟ تقدم الخلاف في ذلك في

стр. 3260

مسألة: إذا تلف بعض المبيع فهل يكون صاحب السلعة أحق بها، فراجعه . (١) مسألة [١٩]: إذا أخرج المشتري المتاع ببيع، أو هبة، ثم رجع إليه، ثم أفلس، فهل المالك الأول أحق فيه ؟ • في هذه المسألة ثلاثة أقوال: الأول: أن البائع الأول أحق به؛ لأنه وجد متاعه بعينه؛ فيشمله حديث الباب، وهو قول بعض الحنابلة، وبعض الشافعية. الثاني: ليس للمالك الأول الرجوع؛ لأنه قد ملكه إنسان آخر، ثم رجع إلى المفلس من المالك الآخر، وهو قول بعض الشافعية، والحنابلة، وهو ظاهر اختيار الشوكاني في «السيل». الثالث: إن عاد بسبب جديد، كبيع، أو إرث، أو وصية؛ فليس له حق الرجوع، وإن عاد بفسخ كالرد بالعيب والخيار؛ فله حق الرجوع، وهو قول بعض الحنابلة. والراجح القول الأول؛ لعموم الحديث، والله أعلم. (٢) مسألة [٢٠]: إذا كان المبيع شقصًا مشفوعًا، فهل البائع أحق به، أم الشفيع الشريك إذا كان قد علم بالبيع ؟ صورتها: أن يشتري رجل من إنسان شقصه من أرض مثلًا، ولا يشفع الشريك، فيرضى بالبيع، ثم يفلس المشتري، فهل للبائع الرجوع في شقصه

стр. 3261

المبيع، أم أن الشريك أحق بشرائه؟ • فيها أقوال: الأول: البائع أحق به، وهو قولٌ للشافعية، والحنابلة؛ لعموم الحديث، ولأنه فسخ، وليس ببيع. الثاني: الشفيع أحق به؛ لأنه شريكه، وقد جاء في الحديث أنه أحق بالشراء، وهو وجهٌ للحنابلة، والشافعية. الثالث: إذا طالب الشفيع فهو أحق، وإلا فالبائع أحق، وهو قولٌ لبعض الحنابلة. الرابع: يأخذه الشفيع، والبائع أحق بالثمن؛ ليجمع بين الحقين، وهو قولٌ للشافعية. والقول الأول أقرب، والله أعلم. (١)

стр. 3262

٨٥٢ - وَرَوَاهُ أَبُودَاوُد، وَمَالِكٌ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِالرَّحْمَنِ مُرْسَلًا بِلَفْظِ: «أَيُّمَا رَجُلٍ بَاعَ مَتَاعًا فَأَفْلَسَ الَّذِي ابْتَاعَهُ وَلَمْ يَقْبِضِ الَّذِي بَاعَهُ مِنْ ثَمَنِهِ شَيْئًا فَوَجَدَ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ، وَإِنْ مَاتَ المُشْتَرِي فَصَاحِبُ المَتَاعِ أُسْوَةُ الغُرَمَاءِ» وَوَصَلَهُ البَيْهَقِيُّ وَضَعَّفَهُ تَبَعًا لِأَبِي دَاوُد. (١) ٨٥٣ - وَرَوَاهُ أَبُودَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ عُمَرَ بْنِ خَلْدَةَ قَالَ: أَتَيْنَا أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ فِي صَاحِبٍ لَنَا قَدْ أَفْلَسَ، فَقَالَ: لَأَقْضِيَنَّ فِيكُمْ بِقَضَاءِ رَسُولِ اللهِ ﷺ : «مَنْ أَفْلَسَ أَوْ مَاتَ فَوَجَدَ رَجُلٌ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ؛ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ»، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ، وَضَعَّفَ أَبُودَاوُد هَذِهِ الزِّيَادَةَ فِي ذِكْرِ المَوْتِ. (٢)

стр. 3263

المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين مسألة [١]: إذا أفلس الرجل وعنده متاع قد أدَّى بعض ثمنه، فهل صاحبه أحق به ؟ • في هذه المسألة ثلاثة أقوال: الأول: يسقط حق الرجوع، وهو قول أحمد، وإسحاق، والشافعي في القديم، واستدلوا بحديث أبي بكر بن عبد الرحمن المرسل، وقد تقدم أنه لا يصح موصولًا. الثاني: له الرجوع بقدر ما بقي، وهو قول الشافعي؛ للحديث الأول في الباب. الثالث: له أن يرد ما قبض، ويرجع في جميع العين، وله أن يحاصَّ الغرماء، وهو قول مالك، وابن حزم. قلتُ: الظاهر أنه مُخَيَّرٌ بين ما قاله الشافعي إذا أمكن تبعيض السلعة بدون ضرر، وبين ما قاله مالك؛ للحديث الأول في الباب، والله أعلم. (١) مسألة [٢]: إذا مات الرجلُ مفلسًا، فهل صاحب المتاع أحق بمتاعه ؟ • ذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنه ليس له الرجوع في عين ماله، وهو قول أحمد، ومالك، وإسحاق، واستدلوا بمرسل أبي بكر بن عبد الرحمن، وقد تقدم أنه لم يصح موصولًا.

стр. 3264

• وذهب الشافعي، وابن حزم إلى أنَّ له الرجوع، واستدلوا بعموم الحديث الأول في الباب، واستدل الشافعي بحديث عمر بن خلدة أيضًا، وهو حديث ضعيفٌ كما تقدم، ويُغني عنه عموم الحديث الأول. وهذا القول هو الصواب، والله أعلم. (١) مسألة [٣]: إذا كان صاحب العين لم يحل دينه، فهل هو أحق به، أم لا ؟ • ذهب بعض أهل العلم إلى أنه ليس له الحق فيها؛ لأنَّ دينه لم يحل، فتباع السلعة، وتقسم بين أصحاب الديون الحالة، وهو قول الشافعي، وبعض الحنابلة. • وذهب أحمد وأصحابه، وبعض الشافعية وغيرهم إلى أنَّ صاحب السلعة أحق بها، وإن لم يحل دينه؛ لظاهر الحديث الأول في الباب، وهذا القول عزاه الحافظ للجمهور. • ثم اختلف الجمهور: هل لصاحب العين أن يأخذها في الحال؟ وهو قول أكثرهم، أم توقف العين حتى يحل الدين، ثم يخير؟ وهو قول من ذكرناهم. قلتُ: الظاهر أنَّ له أن يأخذ عين ماله في الحال؛ لظاهر حديث الباب، والله أعلم. (٢)

стр. 3265

مسألة [٤]: هل يحل الدين المؤجل بسبب الفلس ؟ • في هذه المسألة قولان: القول الأول: يحل بسبب الفَلَسِ، وهو قول مالك، وقولٌ للشافعي، ورواية عن أحمد، وعزاه الحافظ للجمهور، واستدلوا بحديث الباب الأول؛ فإنه جعل صاحب المتاع أحق بمتاعه مطلقًا؛ فدل على أنه إن كان مؤجلًا يحل، وقاسوه على الموت. القول الثاني: أنه لا يحل، وهو قول أحمد، وهو المشهور في مذهبه، وعليه أكثر أصحابه، وهو قولٌ للشافعي في الأصح في مذهبه أيضًا، وذلك لأنَّ الأجل حق للمفلس؛ فلا يجوز إسقاط الحق الذي له بسبب فَلَسِه. قال أبو عبد الله غفر الله له: هذا القول أقرب، والله أعلم. وأما حديثهم فغاية ما يدل عليه أنه خاصٌّ بصاحب المتاع، على أنه قد قال بعضهم: توقف السلعة حتى يحل دين البائع، فصاحبها بعد ذلك بالخيار بين الفسخ، والترك، وأما قياسهم على الموت؛ فهو قياس مع الفارق، كما قرر ذلك ابن قدامة؛ فإنَّ الميت لا ذمة له بعد موته، والمفلس ذمته باقية. (١) تنبيه: فعلى ما تقدم -من أنَّ الدين لا يحل بسبب الفَلَس- فلا يشارك أصحاب الديون المؤجلة غرماء الديون الحالة، بل يقسم المال بين أصحاب

стр. 3266

الديون الحالة؛ فإن لم يقسم المال حتى حلَّ دين مؤجل شارك صاحبه أصحاب الديون الحالة. (١) مسألة [٥]: هل يحل الدين بالموت ؟ • ذهب بعض أهل العلم إلى أنَّ الدين إلى أجله، ولا يحل بالموت مطلقًا، وهو قول طاوس، والزهري، وحُكي عن الحسن، وذلك لأنَّ الأجل حق للمدين؛ فلا يسقط بموته. • وذهب جماعة من أهل العلم إلى أنَّ دينه يحل إلا أن يوثق الورثة برهن، أو كفيل، وهو قول ابن سيرين، وإسحاق، وأبي عبيد، وأحمد في رواية. • ومذهب الجمهور أنه يحل بالموت، وهو قول الشعبي، والنخعي، ومالك، والشافعي، وأحمد في رواية، والظاهرية، وأصحاب الرأي؛ لقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء:١١]، فقدَّم الدين على حقوق الورثة، ولأنَّ الدين يبقى معلقًا في ذمة الميت؛ فوجب المبادرة بقضائه، وفي الحديث: «يغفر للشهيد كل ذنب إلا الدين» أخرجه مسلم (١٨٨٦)، عن عبدالله بن عمرو بن العاص ﵄، وقد كان النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إذا أُتي بالجنازة سأل عن الدين. وهذا القول هو أقرب الأقوال، وإذا احتاج الورثة إلى التأخير لبعض العوائق؛ فيستطيعون أن يتحملوا ديون مورثهم، ويبرئوه من الدين باستئذان الغرماء،

стр. 3267

والله أعلم. (١) تنبيه: على القول بحلولها، وهو الصحيح كما تقدم، فللورثة أن يقضوا من غير التركة، ويستخلصوا التركة، ولهم أن يقضوا منها، وإن امتنعوا؛ باع الحاكم من التركة ما يقضي به الدين. (٢) مسألة [٦]: من أثبت أن له حقًا بعد أن حجر عليه، أو جنى المفلس جناية بعد الحجر ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٦/ ٥٧٣):: وَإِنْ ثَبَتَ عَلَيْهِ حَقٌّ بِبَيِّنَةٍ؛ شَارَكَ صَاحِبُهُ الْغُرَمَاءَ؛ لِأَنَّهُ دَيْنٌ ثَابِتٌ قَبْلَ الْحَجْرِ عَلَيْهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ بِهِ قَبْلَ الْحَجْرِ. وَلَوْ جَنَى الْمُفْلِسُ بَعْدَ الْحَجْرِ جِنَايَةً أَوْجَبَتْ مَالًا؛ شَارَكَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ الْغُرَمَاءَ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ ثَبَتَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ. انتهى المراد. مسألة [٧]: لو قسم الحاكم ماله، ثم ظهر غريم آخر له دين عليه قد حل قبل الحجر ؟ • الأكثر على أنه يرجع على الغرماء بقسطه؛ لأنه مشارك لهم في ذلك الحق، وهو قول الحنابلة، والشافعي، وحُكي عن مالك. • وحُكي عن مالك أيضًا أنه لا يرجع عليهم؛ لأنه نقضٌ لحكم الحاكم.

стр. 3268

وأُجيب عن قول مالك: بأنه ليس بنقض للحكم، وإنما هو ظهور بينات أخرى كان حكم الحاكم قبل ظهورها، كما لو قسمت التركة بين وارثين، ثم ظهر وارث ثالثٌ؛ فإنه يرجع بقسطه، ولا يعتبر ذلك نقضًا للحكم، فالصحيح القول الأول، والله أعلم. (١) مسألة [٨]: هل يترك للمفلس نفقة ؟ لا خلاف بين أهل العلم فيما ذكر ابن قدامة ﵀ أنَّ المفلس لا يحجر عليه أن يأخذ من ماله ما ينفقه على نفسه، وعياله؛ إلا أن يكون له كسب يستطيع أن يحصل النفقة فيمنع، وإذا كان يستطيع أن يكتسب بعض النفقة فيمنع من المال بقدره، وذلك بالمعروف. والحكم في الكسوة إذا احتيج إليها، أو مؤن تجهيز الميت إذا مات بعض من يعول كحكم النفقة، والله أعلم. (٢) مسألة [٩]: هل تباع عليه داره التي يسكنها ؟ • مذهب أحمد، وإسحاق، وأبي حنيفة أنها لا تُباع عليه كما لا يمنع من النفقة. • وذهب شُريح، ومالك، والشافعي -واختاره ابن المنذر- إلى أنها تُباع، ويُكترى له دارًا غيرها. والأقرب هو القول الأول؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى

стр. 3269

مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة:٢٨٠]، وفي حديث أبي سعيد الذي سيأتي في الباب: «خذوا ما وجدتم، وليس لكم إذا ذلك»، ولم ينقل أن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- باع عليه منزله، والكراء لا يُغني، فقد يكون سببًا في كثرة الديون. (١) قال ابن قدامة ﵀ (٦/ ٥٧٩): وَإِنْ كَانَ لَهُ دَارَانِ يَسْتَغْنِي بِسُكْنَى إحْدَاهُمَا، بِيعَتْ الْأُخْرَى؛ لِأَنَّ بِهِ غِنًى عَنْ سُكْنَاهَا. وَإِنْ كَانَ مَسْكَنُهُ وَاسِعًا، لَا يَسْكُنُ مِثْلُهُ فِي مِثْلِهِ، بِيعَ، وَاشْتُرِيَ لَهُ مَسْكَنُ مِثْلِهِ، وَرُدَّ الْفَضْلُ عَلَى الْغُرَمَاءِ، كَالثِّيَابِ الَّتِي لَهُ إذَا كَانَتْ رَفِيعَةً لَا يَلْبَسُ مِثْلُهُ مِثْلَهَا. وَلَوْ كَانَ الْمَسْكَنُ وَالْخَادِمُ اللَّذَيْنِ لَا يَسْتَغْنِي عَنْهُمَا عَيْنَ مَالِ بَعْضِ الْغُرَمَاءِ، أَوْ كَانَ جَمِيعُ مَالِهِ أَعْيَانَ أَمْوَالٍ أَفْلَسَ بِأَثْمَانِهَا، وَوَجَدَهَا أَصْحَابُهَا؛ فَلَهُمْ أَخْذُهَا، بِالشَّرَائِطِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «مَنْ أَدْرَكَ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ رَجُلٍ قَدْ أَفْلَسَ؛ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ»، وَلَأنَّ حَقَّهُ تَعَلَّقَ بِالْعَيْنِ؛ فَكَانَ أَقْوَى سَبَبًا مِنَ الْمُفْلِسِ ... إلخ كلامه. مسألة [١٠]: إذا فرق مال المفلس، ولم يبق منه شيء، فهل يجبر أن يجعل نفسه أجيرًا لبعض غرمائه ؟ • ذهب الإمام مالك، والشافعي، وأحمد إلى أنه لا يجبر على ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾، ولحديث أبي سعيد: «خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك»، ورجَّح هذا القول الشوكاني ﵀، وهو الصحيح. • وذهب بعض أهل العلم إلى أنه يجبر على إيجار نفسه من الغرماء، وهو قول

стр. 3270

عمر بن عبد العزيز، وسوار العنبري، وإسحاق، وأحمد في رواية، وابن حزم، وليس لهم دليل صحيح، صريح على ذلك، والله أعلم. (١) مسألة [١١]: هل يجبر على قبول الهدية والصدقة ؟ • نقل ابن قدامة عن الحنابلة، والشافعية أنه لا يُجبر على ذلك؛ لأنَّ في ذلك مِنَّة عليه. وذهب الشوكاني في «السيل» إلى أنه يجب عليه قبول الهدية؛ إذ لا منة عليه فيه، وهو قول قريب. (٢) تنبيه: إذا كان للمفلس أرش عمد وجب عليه قبوله. (٣) مسألة [١٢]: إذا تدين ديونًا أخرى بعد فك الحجر عنه، ثم أفلس مرة أخرى ؟ • الأكثر على أنَّ الغرماء كلهم يتقاسمون ذلك المال الجديدون منهم، والقديمون، وهو مذهب الحنابلة، والشافعية. • وذهب مالك إلى أن غرماء الحجر الأول لا يشاركون الغرماء الجديدين في الحجر الثاني؛ إلا أن يكون المفلس اكتسب المال من ميراثٍ، أو وصية، أو يجنى عليه جناية فيتحاص الغرماء كلهم فيه. والصواب القول الأول، والله أعلم. (٤)

стр. 3271

٨٥٤ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ عَنْ أَبِيهِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَيُّ الوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ». رَوَاهُ أَبُودَاوُد وَالنَّسَائِيُّ، وَعَلَّقَهُ البُخَارِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: إذا أبى الواجد الغني أن يقضي الدين، فكيف يُصْنَع معه ؟ حديث الباب يدل على أنَّ من مطل وهو غني؛ فهو ظالم، يحل عرضه بالشكاية للحاكم، وعقوبته بحبسه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في «الاختيارات» (ص ١٣٦): ومن كان قادرًا على وفاء دينه، وامتنع أجبر على وفائه بالضرب والحبس، نص على ذلك الأئمة من أصحاب مالك، والشافعي، وأحمد وغيرهم. قال: ولا أعلم فيه نزاعًا، لكن لا يُزاد كل يوم على أكثر من التعزير إن قيل يتقدر، وللحاكم أن يبيع عليه ماله، ويقضي دينه، ولا يلزمه إحضاره. اهـ (٢)

стр. 3272

٨٥٥ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁، قَالَ: أُصِيبَ رَجُلٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي ثِمَارٍ ابْتَاعَهَا، فَكَثُرَ دَيْنُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ» فَتَصَدَّقَ النَّاسُ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ وَفَاءَ دَيْنِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِغُرَمَائِهِ: «خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ، وَلَيْسَ لَكُمْ إلَّا ذَلِكَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: من ثبت إعساره عند الحاكم، فهل يجوز مطالبته وملازمته ؟ • مذهب الجمهور أنَّ من ثبت عسره عند الحاكم؛ فلا يجوز مطالبته، ولا ملازمته؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾، وحديث أبي سعيد المذكور: «خذوا ما وجدتم، وليس لكم إلا ذلك». • وقال أبو حنيفة: لغرمائه ملازمته. واستدل بحديث: «لصاحب الحق اليد واللسان»، وهو حديث ضعيف، أخرجه الدارقطني (٤/ ٢٣٢)، عن مكحول مرسلًا، وليس فيه دلالة لما استدل به، والله أعلم. (٢) مسألة [٢]: من عليه دين، فَطُولِب به، فله حالات . من وجب عليه دين حالٌّ، فَطُولِب، ولم يؤده، نظر الحاكم؛ فإن كان في يده مال ظاهر، أمره بالقضاء؛ فإن ذكر أنه لغيره؛ طالبه الحاكم على ذلك بالبينة، وإن لم

стр. 3273

يجد له مالًا ظاهرًا، فادَّعى الإعسار، فصدقه غريمه؛ لم يحبس، ووجب إنظاره، ولم تجز ملازمته؛ لما تقدم ذكره من الأدلة قريبًا. وإنْ كذَّبه غريمه؛ فلا يخلو من أحد حالين: الحال الأولى: أن يكون عُرِفَ له مال؛ لكون الدين ثبت له عن معاوضة كالبيع، أو عرف له أصل مال سوى هذا؛ فإن كان الأمر كذلك وحلف الغريم أنَّ معه مالًا؛ حبسه الحاكم عند أكثر أهل العلم حتى تشهد البينة بإعساره؛ فإن شهدت البينة بتلف ماله؛ قُبِلت شهادتهم، سواء كانوا من أهل الخبرة الباطنة، أم لا؛ لأنَّ التلف يطلع عليه أهل الخبرة وغيرهم، وليس للغريم أن يطالبه باليمين على تلفه اكتفاء بالبينة، وله أن يطالبه باليمين على عسرته، وأنه ليس له مال آخر؛ لأنَّ ذلك غير ما شهدت به البينة. وإن شهدت البينة بالإعسار؛ قُبِلت الشهادة عند أحمد، والشافعي وغيرهما، إذا كانت الشهادة من أهل الخبرة الباطنة، وقال مالك: لا تُسْمَع البينة على الإعسار؛ لأنها شهادة على النفي، فلا تسمع كالشهادة على أنه لا دين عليه. واستدل أحمد، والشافعي بحديث قبيصة بن المخارق، وفيه: «حتى يقول ثلاثة من ذوي الحِجَا من قومه لقد أصابت فلانًا فاقة ... » (١) الحديث، والشهادة على النفي لا ترد مطلقًا؛ فإنه لو شهدت البينة أنَّ هذا وارث الميت لا وراث له سواه؛ قُبِلت، ولأنَّ هذه وإن كانت تتضمن النفي؛ فهي تثبت حالة تظهر، ويوقف

стр. 3274

عليها بالمشاهدة بخلاف ما إذا شهدت أنه لا حق له؛ فإنَّ هذا مما لا يوقف عليه. وتسمع البينة في الحال عند أحمد، والشافعي، وقال أبو حنيفة: لا تسمع في الحال، ويحبس شهرًا، ورُوي (ثلاثة أشهر)، ورُوي (أربعة أشهر)، حتى يغلب على الظن عند الحاكم أنه لو كان له مال؛ لأظهره. وقوله مردود؛ لأنَّ ذلك يبطل فائدة البينة. ولو طلب الغريم أن يحلف مع البينة؛ لم يلزمه الحلف عند أحمد، والشافعي في قول، وهو الصحيح، وللشافعي قولٌ أنه يلزمه أن يحلف. الحال الثانية: أن لا يُعرف له مال، كأن يكون الحق ثبت عليه بأرش جناية، أو قيمة متلف، أو مهر، أو ضمان، أو ما أشبه ذلك؛ فالقول قوله مع يمينه عند أهل العلم، وممن نصَّ على ذلك أحمد، والشافعي، وابن المنذر، وإن أتى ببينة على إعساره؛ لم يستحلف على الصحيح كما تقدم، وإن شهدت البينة بتلف ماله؛ لم يُغن ذلك عن اليمين؛ لأنَّ الإعسار أخفى من مجرد التلف. انتهى مُلَخَّصًا من «المغني» (٦/ ٥٨٥ - ). (١) مسألة [٣]: من أراد السفر، وعليه دين يستحق قبل مدة السفر . • مذهب أحمد أنَّ للغريم أن يمنعه من السفر حتى يقيم له ضمينًا، أو رهنًا، واختاره شيخ الإسلام. • ومذهب الشافعي أنه ليس له منعه، والأقرب قول أحمد، والله أعلم. (٢)

стр. 3275

٨٥٦ - وَعَنِ ابْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ ﵄، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ حَجَرَ عَلَى مُعَاذٍ مَالَهُ، وَبَاعَهُ فِي دَيْنٍ كَانَ عَلَيْهِ. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ، وَأَخْرَجَهُ أَبُودَاوُد مُرْسَلًا، وَرُجِّحَ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث فيه الحجر على المفلس، والحديث ضعيفٌ، لكن يُغني عنه ما قاله الشوكاني ﵀ في «السيل الجرار» (٤/ ٢٥٠): وعلى حُكَّام الشرع القادرين على رفع الظلامات، والأخذ على أيدي الظلمة أن يأخذوا لصاحب الدَّيْن دَيْنَه من ظالمه قسرًا وقهرًا، وإذا لم يطلب من له الدَّيْن إلا مجرد الحجر على من عليه الدَّين كان هذا أقل ما يجب على حكام الشريعة. وهذا الذي ذكرناه معلوم بكليات الأدلة وجزئياتها، ومن ذلك أدلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والأخذ للمظلوم من الظالم، وهي كثيرة جدًّا في الكتاب والسنة، وهي تُغني عن الاستدلال بحديث كعب بن مالك ... .

стр. 3276

ثم استدل على الحجر على مال المفلس بحديث أبي سعيد الخدري الذي تقدم. ثم قال: ومعلومٌ أنه إذا جاز تفريق مال المفلس جميعه بين أهل الدين؛ كان جواز حجره حتى يفرق بين أهل الدَّين ثابتًا بفحوى الخطاب. اهـ وقد تقدمت المسألة في أول كتاب التفليس.

стр. 3277

٨٥٧ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: عُرِضْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ، وَأَنَا ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً فَلَمْ يُجِزْنِي، وَعُرِضْتُ عَلَيْهِ يَوْمَ الخَنْدَقِ وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَأَجَازَنِي. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١) وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبَيْهَقِيِّ: فَلَمْ يُجِزْنِي وَلَمْ يَرَنِي بَلَغْتُ. وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ. (٢) ٨٥٨ - وَعَنْ عَطِيَّةَ القُرَظِيِّ ﵁ قَالَ: عُرِضْنَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ قُرَيْظَةَ، فَكَانَ مَنْ أَنْبَتَ قُتِلَ، وَمَنْ لَمْ يُنْبِتْ خُلِّيَ سَبِيلُهُ، فَكُنْت فِيمَن لَمْ يُنْبِتْ فَخُلِّيَ سَبِيلِي. رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ (٣)، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالحَاكِمُ. (٤)

стр. 3278

المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين مع ذكر بعض المسائل الملحقة مسألة [١]: الحجر على الصبي . لا خلاف بين أهل العلم على أن الصبي واليتيم يحجر عليه في ماله؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا * وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء:٥ - ٦]. (١) مسألة [٢]: متى يدفع إليه ماله ؟ يجب دفع المال إلى المحجور عليه إذا رشد وبلغ. قال ابن قدامة ﵀: وَلَيْسَ فِيهِ اخْتِلَافٌ بِحَمْدِ الله تَعَالَى، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: اتَّفَقُوا عَلَى ذَلِكَ، وَقَدْ أَمَرَ الله تَعَالَى بِهِ فِي نَصِّ كِتَابِهِ، بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾.اهـ فإذا بلغ ولم يرشد؛ فلا يدفع إليه حتى يرشد، حتى ولو صار كبير السن عند أكثر أهل العلم. وقال أبو حنيفة: يدفع إليه إذا بلغ الخامسة والعشرين، ولا يحجر عليه بعدها. وقوله مخالفٌ لصريح النص المتقدم، والله أعلم. (٢)

стр. 3279

مسألة [٣]: هل يعتبر في زوال الحجر عن الصبي حكم الحاكم ؟ قال ابن قدامة -رحمه الله تعالى-: وَلَا يُعْتَبَرُ ذَلِكَ فِي الصَّبِيِّ إذَا رَشَدَ وَبَلَغَ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَزُولُ إلَّا بِحَاكِمٍ. وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ اجْتِهَادٍ وَنَظَرٍ؛ فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ فِي مَعْرِفَةِ الْبُلُوغِ وَالرُّشْدِ إلَى اجْتِهَادٍ، فَيُوقَفُ ذَلِكَ عَلَى حُكْمِ الْحَاكِمِ، كَزَوَالِ الْحَجْرِ عَنْ السَّفِيهِ. قال: وَلَنَا أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَمَرَ بِدَفْعِ أَمْوَالِهِمْ إلَيْهِمْ عِنْدَ الْبُلُوغِ وَإِينَاسِ الرُّشْدِ، فَاشْتِرَاطُ حُكْمِ الْحَاكِمِ زِيَادَةٌ تَمْنَعُ الدَّفْعَ عِنْدَ وُجُوبِ ذَلِكَ بِدُونِ حُكْمِ الْحَاكِمِ، وَهَذَا خِلَافُ النَّصِّ، وَلِأَنَّهُ حَجْرٌ بِغَيْرِ حُكْمِ حَاكِمٍ، فَيَزُولُ بِغَيْرِ حُكْمِهِ، كَالْحَجْرِ عَلَى الْمَجْنُونِ، وَبِهَذَا فَارَقَ السَّفِيهَ. اهـ قلتُ: وما رجحه ابن قدامة هو الراجح، والله أعلم. (١) مسألة [٤]: هل حكم اليتيمة في زوال الحجر كحكم اليتيم ؟ • ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن حكمها حكم اليتيم، فإذا بلغت، وأُونس رشدها دفع إليها مالها؛ لقوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾، فعمومها يشمل اليتيم واليتيمة، وهو قول عطاء، والثوري، وكثير من الحنابلة، والشافعي، وأبي ثور، وابن المنذر. • وقال بعضهم: يدفع إليها المال بعد زواجها عند أن تلد، أو يمرَّ عليها حول

стр. 3280

بعد الزواج، وهو قول شريح، والشعبي، وأحمد في رواية، وإسحاق؛ لما ثبت عن عمر أنه قال: لا أُجيز لجارية عطية حتى تحول في بيت زوجها حولًا، أو تلد ولدًا. أخرجه ابن أبي شيبة (٦/ ٤١٢) بإسناد صحيح. • ومذهب مالك أنها لا تعطى حتى تتزوج، ويدخل عليها زوجها؛ لأنه تصبح ثيبًا، والثيب أحق بنفسها من وليها؛ فهي أحق بمالها عند ذلك. قلتُ: والقول الأول هو الصواب، ورجحه ابن قدامة، وأثر عمر ليس بحجة؛ مع أنه مختص بمنع العطية، فلا يلزم منه منع تسليم مالها، ومنعها من سائر التصرفات، وقول مالك ليس عليه دليل. (١) مسألة [٥]: تصرف اليتيم والصبي . • لا يصح تصرفه بدون إذن وليه عند الجمهور، وأجاز أبو حنيفة تصرفه في البيع والشراء. وكذلك لا يصح إقراره عند الجمهور، وقال بعضهم: يلزمه الإقرار بعد فك الحجر عنه إذا كان بالغًا. والأظهر قول الجمهور. (٢) مسألة [٦]: بِمَ يحصل البلوغ ؟ يحصل البلوغ بخروج المني من الذكر، والأنثى، سواء باحتلام، أم بغير ذلك وهذا مجمع عليه، ويحصل في حق المرأة بالحيض بغير خلاف وكذلك بالحمل.

стр. 3281

واختلفوا: هل يحكم عليه بالبلوغ إذا أنبت؟ وهو خروج شعر العانة، وهو الشعر الذي فيه خشونة يستحق الحلق. • فذهب الجمهور إلى أنه يحكم عليه بالبلوغ إذا وجد منه هذا الشعر؛ لحديث عطية القرظي الذي في الباب، فقد أبيح دم من أنبت، وجعلوا له حكم الرجال، وهذا يدل على أن ذلك علامة ظاهرة في البلوغ. • وللشافعي قول أنه علامة في حق الكفار فقط، وخالف أبو حنيفة فلم يجعله دليلًا على البلوغ مطلقًا، والصواب قول الجمهور. واختلفوا هل يحكم عليه بالبلوغ إذا بلغ سِنًّا معينًا؟ • فجمهور العلماء على أنه يحكم عليه بالبلوغ إذا بلغ الخمس عشرة سنة، وإن لم يوجد الاحتلام، أو الحيض، أو الإنبات قبل ذلك، واستدلوا بحديث ابن عمر الذي في الباب، وبقوله: ولم يرني بلغت. • وذهب مالك، وداود إلى أنه لا حدَّ له، لكن قال مالك: إذا ظهر منه علامات أخرى، كخشونة الصوت، وما أشبهه؛ حكم ببلوغه، وفي رواية عنه أنه حده بسبع عشرة؛ لكونه أكبر سن وجد في البلوغ، وأما داود فقال: لا يحكم ببلوغه حتى يحتلم، وإن صار شيخًا. • والمشهور عند المالكية التحديد بـ (سبع عشرة، أو ثمان عشرة سنة)، وأما أبو حنيفة فعنده الجارية بسبع عشرة، وأما الغلام فحكى عنه بسبع عشرة، أو

стр. 3282

ثمان عشرة، وحُكي عنه بثمان عشرة، أو تسع عشرة سنة. قال أبو عبد الله غفر الله له: ليس هناك دليل على التحديد، والعبرة في البلوغ الاحتلام، أو خروج المني، والمحيض عند المرأة، وما يدل على البلوغ كالإنبات وغيره مما يحصل للبالغين. (١) مسألة [٧]: ما المقصود بالرشد ؟ • أكثر أهل العلم على أنَّ المقصود بالرشد هو الصلاح في المال، وقد قال ابن عباس: فإذا أخذ لنفسه من صالح ما يأخذ الناس فقد انقضى عنه اليتم. أخرجه مسلم (١٨١٢). • وقال الحسن، والشافعي، وابن المنذر: الرشد صلاحه في دينه وماله. وأجاب الجمهور بأثر ابن عباس، وقالوا: العدالة لا تعتبر في الرشد في الدوام؛ فلا تعتبر في الابتداء، وقولهم: إن الفاسق غير رشيد، فنعم هو غير رشيد في دينه، ولكنه قد يكون رشيدًا في ماله. والصواب قول الجمهور، والله أعلم. (٢) مسألة [٨]: كيفية معرفة الرشد . ذكر أهل العلم أنَّ معرفة الرشد يحصل باختباره بأن يجعله يتصرف بإذنه في بعض الأشياء، مع مرور الأيام، فإذا أصبح يحسن التصرف في حفظ ماله،

стр. 3283

وتنميته؛ دفع إليه المال، وكلٌّ في مجاله، فإذا كان تاجرًا أحسن التجارة، وإن كان فلاحًا أحسن صرف ماله في الزراعة والكسب منها، وما أشبه ذلك، والحاصل أن ذلك يرجع إلى عرف الناس، والله أعلم. (١) مسألة [٩]: الحجر على المجنون . الحجر على المجنون مجمع عليه، ويدل عليه عموم الآية المتقدمة: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء:٥]، ويزول الحجر عن المجنون بإفاقته ورجوع عقله، ولا يفتقر ذلك إلى حكم حاكم بغير خلاف. قاله ابن قدامة ﵀. (٢) مسألة [١٠]: الحجر على السفيه الذي لا يحسن التصرف . • جمهور العلماء على أنه يحجر عليه، ويشرع ذلك للمحافظة على ماله، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء:٦]؛ فدلَّ على أنه إن كان سفيهًا لا يدفع إليه ماله فيفهم منه جواز الحجر على السفيه وإن كان كبيرا. واستدلوا على ذلك بعموم الآية المتقدمة: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾، وبقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة:٢٨٢]، فأثبت عليه ولاية.

стр. 3284

واستدلوا بحديث أنس في «سنن أبي داود» (٣٥٠١): أنَّ بعض الصحابة سألوا النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أن يحجر على رجل؛ لكونه يخدع في البيوع، فمنعه النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فشكا إليه أنه لا يقدر على ترك ذلك، فرخَّص له أن يقول: «لا خلابة» وإسناده حسن، والشاهد من الحديث أنهم سألوا الحجر عليه، ولو كان لا يصح الحجر على مثله؛ لقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إنه حرٌّ عاقلٌ فلا يحجر عليه. واستدلوا على ذلك بأثر عن علي، وعثمان ﵄ أنهما أرادا أن يحجرا على عبد الله بن جعفر كما في «الأوسط» (١٠/ ١١)، و «سنن البيهقي» (٦/ ٦١) في قصةٍ لها طرق في كل طريق منها ضعفٌ، واختلاف في الألفاظ، ومجموعها تدل على أن للقصة أصلًا. واستدلوا بقول ابن الزبير كما في «صحيح البخاري» (٦٠٧٣): أنه قال في بيعٍ، أو عطاءٍ أعطته عائشة: لتنتهين عائشة، أو لأحجرنَّ عليها. وشاهدنا من ذلك ذكر الحجر، فقد كان معروفًا عند الصحابة؛ مع أنَّ عبد الله بن الزبير ﵁ قد أساء مع أم المؤمنين بهذا الكلام ثم إنه اعتذر إليها من كلامه ذلك ﵄. • وذهب بعضهم إلى أنه لا يحجر عليه؛ لكونه حرًّا، عاقلًا، بالغًا، ليس بصبي ولا مجنون، وهذا قول ابن سيرين، والنخعي، وأبي حنيفة، وتولى ابن حزم نصرة هذا القول في «المحلى». والصحيح القول الأول؛ لما تقدم ذكره من الأدلة، وهو ترجيح الشوكاني ﵀، وممن قال به أحمد، ومالك، وإسحاق، والأوزاعي، والشافعي، وأبو عبيد،

стр. 3285

وأبو ثور وغيرهم. والصبي الذي يفك عنه الحجر لرشده، وبلوغه، ثم يعاود السَّفَه؛ يُحجر عليه أيضًا مرة أخرى عند الجمهور خلافًا لمن تقدم ذكرهم قريبًا، والله أعلم. (١) مسألة [١١]: متى يثبت الحجر على السفيه، ومتى يزول ؟ • ظاهر الأدلة المتقدمة في المسألة السابقة من الأحاديث والآثار تدل على أن الحجر على السفيه يكون من قبل الحاكم، وممن قال بذلك أحمد، والشافعي، وغيرهما. • وقال محمد بن الحسن: يصير محجورًا عليه بمجرد تبذيره. والصواب قول الجمهور. ويزول الحجر عن السفيه بإزالة الحاكم له عند الأكثر أيضًا، وهو الصحيح، خلافًا لمحمد بن الحسن، وبعض الحنابلة؛ لأنه ثبت بحكمِ الحاكم؛ فيزول بإزالته، وهو مذهب مالك أيضًا. (٢) مسألة [١٢]: من عامل السفيه فأتلف السفيه ذلك المال، فمن ضمان من ؟ ذكر أهل العلم على أنَّ من حَجَرَ على شخصٍ لسفهه؛ فإنه ينبغي أن يُظْهِرَ ذلك وينشره للناس؛ لتجتنب معاملته؛ فإن باع واشترى، فالبيع فاسد، ويسترجع

стр. 3286

الحاكم ما باع من ماله، أو الثمن إن كان اشترى، ويرد ما أخذ إن كان باقيًا؛ فإن كان قد أتلفه السفيه؛ فهو من ضمان الآخر الذي سلطه عليه، وكذلك ما أخذ من أموال الناس برضاهم، كقرضٍ أو غيره؛ فإن كان باقيًا أعاده الحاكم، وإن تلف فمن ضمان الذي مكَّنه. قلتُ: وهذا محمول على ما إذا علم الآخر بسفهه، وأما إذا لم يعلم فهو من ضمان السفيه في ماله، أو على أوليائه. قالوا: فأما إن أخذه السفيه بغير اختيار صاحبه، أو أتلفه، كالغصب والجناية؛ فعليه ضمانه؛ لأنه لا تفريط من المالك؛ لأنَّ الصبي، والمجنون لو فعلا ذلك؛ لزمهما الضمان؛ فالسفيه أولى. (١) مسألة [١٣]: إذا أقر السفيه بما يوجب الحد أو القصاص ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٦/ ٦١٢): الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ؛ لِفَلَسٍ، أَوْ سَفَهٍ، إذَا أَقَرَّ بِمَا يُوجِبُ حَدًّا أَوْ قِصَاصًا، كَالزِّنَا، وَالسَّرِقَةِ، وَالشُّرْبِ، وَالْقَذْفِ، وَالْقَتْلِ الْعَمْدِ، أَوْ قَطْعِ الْيَدِ، وَمَا أَشْبَهَهَا؛ فَإِنَّ ذَلِكَ مَقْبُولٌ، وَيَلْزَمُهُ حُكْمُ ذَلِكَ فِي الْحَال. لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ إقْرَارَ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ عَلَى نَفْسِهِ جَائِزٌ، إذَا كَانَ إقْرَارُهُ بِزِنًا، أَوْ سَرِقَةٍ، أَوْ شُرْبِ خَمْرٍ، أَوْ قَذْفٍ، أَوْ قَتْلٍ، وَأَنَّ الْحُدُودَ تُقَامُ عَلَيْهِ. وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَلَا أَحْفَظُ عَنْ غَيْرِهِمْ خِلَافَهُمْ. اهـ

стр. 3287

مسألة [١٤]: هل يقع الطلاق من المحجور عليه ؟ • قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٦/ ٦١٢): وَإِنْ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ، نَفَذَ طَلَاقُهُ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى: لَا يَقَعُ طَلَاقُهُ؛ لِأَنَّ الْبُضْعَ يَجْرِي مَجْرَى الْمَالِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَمْلِكُهُ بِمَالٍ، وَيَصِحُّ أَنْ يَزُولَ مِلْكُهُ عَنْهُ بِمَالٍ، فَلَمْ يَمْلِكْ التَّصَرُّفَ فِيهِ كَالْمَالِ. قال ابن قدامة: وَلَنَا أَنَّ الطَّلَاقَ لَيْسَ بِتَصَرُّفٍ فِي الْمَالِ، وَلَا يَجْرِي مَجْرَاهُ؛ فَلَا يُمْنَعُ مِنْهُ، كَالْإِقْرَارِ بِالْحَدِّ وَالْقِصَاصِ، وَدَلِيلُ أَنَّهُ لَا يَجْرِي مَجْرَى الْمَالِ: أَنَّهُ يَصِحُّ مِنْ الْعَبْدِ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ، مَعَ مَنْعِهِ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي الْمَالِ، وَلَا يُمْلَكُ بِالْمِيرَاثِ، وَلِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ مُخْتَارًا، فَوَقَعَ طَلَاقُهُ، كَالْعَبْدِ وَالْمُكَاتَبِ. اهـ مسألة [١٥]: هل يقع عتقه إذا أعتق ؟ • أكثر أهل العلم على عدم وقوعه؛ لأنه تصرف في المال، فأشبه سائر التصرفات. وأجاز عتقه أحمد في رواية، وهو قول من لا يرى الحجر على السفيه، كالحنفية، وابن حزم. والصحيح هو القول الأول، والله أعلم. (١) مسألة [١٦]: هل يصح نكاح السفيه إذا تزوج ؟ • مذهب أبي حنيفة، وجماعة من الحنابلة صحة تزويجه، وصححه ابن قدامة؛ لأنه عقد غير مالي؛ فصح منه كالطلاق، وإن لزم منه المال، فحصوله بطريق الضِمْن، فلا يمنع من العقد.

стр. 3288

• ومذهب الشافعي، وأبي ثور، وبعض الحنابلة عدم صحة النكاح؛ لأنه تصرف يجب به المال. قلتُ: والأقرب القول الأول، والله أعلم. (١) مسألة [١٧]: إذا أقر السفيه بدين، أو بما يوجب المال من الجنايات ؟ • منهم من قال: يلزم به بعد فك الحجر عنه، وهو مذهب الحنابلة، وأبي ثور؛ لأنه مكلف أقرَّ بشيء في ذمته ولا يستطيع تسليمه في الحال؛ فلزمه بعد فك الحجر عنه. • ومنهم من قال: لا يلزمه ذلك الإقرار، وهو مذهب الشافعي، وبعض الحنابلة؛ لأنه محجور عليه لعدم رشده، ولضعف عقله، وسوء تصرفه، ولا يندفع الضرر عنه إلا بإبطال إقراره بالكلية، كالصبي والمجنون. ومال ابن قدامة إلى هذا القول، ثم قال: فَأَمَّا صِحَّتُهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الله تَعَالَى؛ فَإِنْ عَلِمَ صِحَّةَ مَا أَقَرَّ بِهِ، كَدَيْنٍ لَزِمَهُ مِنْ جِنَايَةٍ، أَوْ دَيْنٍ لَزِمَهُ قَبْلَ الْحَجْرِ عَلَيْهِ؛ فَعَلَيْهِ أَدَاؤُهُ؛ لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّ عَلَيْهِ حَقًّا، فَلَزِمَهُ أَدَاؤُهُ، كَمَا لَوْ لَمْ يُقِرَّ بِهِ. وَإِنْ عَلِمَ فَسَادَ إقْرَارِهِ، مِثْلُ أَنْ عَلِمَ أَنَّهُ أَقَرَّ بِدَيْنٍ وَلَا دَيْنَ عَلَيْهِ، أَوْ بِجِنَايَةٍ لَمْ تُوجَدْ مِنْهُ، أَوْ أَقَرَّ بِمَا لَا يَلْزَمُهُ، مِثْلُ إنْ أَتْلَفَ مَالَ مَنْ دَفَعَهُ إلَيْهِ بِقَرْضٍ أَوْ بَيْعٍ؛ لَمْ يَلْزَمْهُ أَدَاؤُهُ؛ لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا دَيْنَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ، كَمَا لَوْ لَمْ يُقِرَّ بِهِ. اهـ (٢)

стр. 3289

مسألة [١٨]: ولي اليتيم هل له أن يأكل من مال اليتيم مقابل قيامه عليه ؟ قال الله : ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء:٦]، فذكر العلماء أنَّ الغني لا يجوز له الأكل منه. واختلفوا في الفقير: • فالجمهور على أنه يجوز له الأكل منه مقابل قيامه عليه، ونظره فيه. • وقال جماعة منهم: يأخذ منه أقل القدرين من أجرة قيامه عليه، أو كفايته. • وذهب بعضهم إلى أنَّ له أن يأكل، ولكن يجب عليه القضاء عند يسره، وهو قول مجاهد، وأبي العالية، والشعبي، وسعيد بن جبير، وعبيدة السلماني، والأوزاعي. • وقال جماعة بالمنع من الأكل، وهو قول ربيعة، ويحيى بن سعيد، ومجاهد، وزيد بن أسلم، والنخعي، والحنفية، والنحاس، وغيرهم. • فقال بعضهم: الآية منسوخة. • وقال بعضهم: المراد بها أنَّ الفقير يقتر على نفسه، ويأكل من مال نفسه بالمعروف. • وقال بعضهم: هو عند الضرورة. • وقال بعضهم: هو في السفر دون الحضر.

стр. 3290

قلتُ: والصواب قول الجمهور. وقد صح عن عائشة ﵂ كما في «الصحيحين». (١) لكن قال الإمام ابن عثيمين: وظاهر الآية الكريمة ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أنه يأكل بالمعروف، وأنه إذا كانت الأجرة أقل؛ تكمل له الكفاية، وعلى هذا فنقول: يأكل كفايته، سواء كانت بقدر الأجرة، أو أقل، أو أكثر؛ لأنَّ هذا هو ظاهر القرآن: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾. (٢) مسألة [١٩]: العمل في مال اليتيم بالتجارة، والمضاربة وغيرها ؟ ذكر أهل العلم أنه يُستحب لولي مال اليتيم أن ينميه بالتجارة، أو المضاربة، وما أشبه ذلك، ولا يدخل في شيء من ذلك إلا وهو متيقنٌ للربح؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام:١٥٢]. (٣)

стр. 3291

٨٥٩ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ﵄ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: «لَا يَجُوزُ لِامْرَأَةٍ عَطِيَّةٌ إلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا» وَفِي لَفْظٍ: «لَا يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَمْرٌ فِي مَالِهَا إذَا مَلَكَ زَوْجُهَا عِصْمَتَهَا». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ إلَّا التِّرْمِذِيَّ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: تصرف المرأة الرشيدة المتزوجة في مالها ؟ • اختلف أهل العلم في تصرف المرأة الرشيدة في مالها بغير إذن زوجها هل يجوز أم لا؟ على أقوال: القول الأول: يجوز لها التصرف فيه، ولو بمالها كله، وهو قول الشافعي، وأبي ثور، والظاهرية، والحنفية، وقال به من التابعين: عطاء، وربيعة، وعمر بن عبد العزيز، وجاء عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ ما يدل عليه. واستدلوا على ذلك بحديث ابن عباس، وجابر، وأبي سعيد في «الصحيحين» أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- «حثَّ النساء على الصدقة في يوم العيد، فجعلن يتصدقن بخواتمهن، وأقرطتهن ... ». وبحديث ميمونة في «الصحيحين» أنها أعتقت وليدتها، فلما جاء

стр. 3292

النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أخبرته، فقال: «لو أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك» (١)، وقالوا: هو مالها والأصل أن لها حق التصرف فيه؛ لعمومات الأدلة من الكتاب والسنة في ذلك. وأجابوا عن حديث عمرو بن شعيب: بأنه محمول على باب إحسان العشرة أن لا تتصرف فيه إلا بإذنه، وبعضهم قال: المراد منه أن لا تتصرف في مال زوجها إلا بإذنه. ويرد هذا التأويل اللفظ الثاني في الحديث، وبعضهم رجح أحاديث «الصحيحين» عليه، وهو صنيع الشافعي. القول الثاني: لا يجوز لها عطية إلا بإذن زوجها، وهو قول طاوس، ومجاهد، والليث، ورُوي عن الحسن، ومال إليه الشيخ الألباني ﵀؛ لحديث عمرو بن شعيب، قال الشيخ الألباني: وليس للزوج أن يمنعها عن الخير، كما أنه ليس لولي البكر أن يمنعها عن الزواج إذا تقدم الكفؤ. القول الثالث: لها التصرف بالثلث فما دون؛ لأنَّ الثلث أقل حد الكثرة: «الثلث، والثلث كثير»، وهو قول مالك، وأحمد في رواية. القول الرابع: ليس لها التصرف حتى تلد، أو يحول عليها الحول، جاء بذلك أثر صحيح عن عمر (٢)، وقال به شريح، والشعبي، وابن سيرين، والنخعي، وأحمد، وإسحاق. قلتُ: والقول الأول أقرب، ثم الثاني والله أعلم. (٣)

стр. 3293

مسألة [٢]: تصدق المرأة من مال زوجها بغير إذنه . في «الصحيحين» عن عائشة ﵂ أن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «إذا أنفقت المرأة من بيت زوجها غير مفسدة كان لها أجرها بما أنفقت، ولزوجها أجره بما اكتسب». (١) وفي «الصحيحين» عن أبي هريرة ﵁: «وما أنفقت من كسبه من غير أمره؛ فإن نصف أجره له». (٢) وفي «الصحيحين» عن أسماء بنت أبي بكر أنها استأذنت النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أن تنفق مما أدخل عليها الزبير، فقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «أنفقي، أو انضحي، ولا تحصي فيحصي الله عليك». (٣) • فاستدل بعض أهل العلم بهذه الأحاديث على أنَّ للمرأة أن تنفق من مال زوجها بغير إذنه؛ أحبَّ أو كره، صرح بذلك ابن حزم في «المحلى» (١٣٩٧) بقيد عدم الإفساد. • وعامة أهل العلم على أنه لا يجوز للمرأة أن تتصدق من مال زوجها إلا بإذنه؛ لأنَّ مال المسلم لا يحل إلا بطيب نفس منه، والأحاديث المذكورة محمولة على الإذن العُرفي بأن تعلم المرأة أن زوجها لا يكره ذلك، وهذا القول هو الصواب، والله أعلم. (٤)

стр. 3294

بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَة مسألة [١]: هل يملك العبد التصرف في ماله، أم لا ؟ أولًا: هل يملك العبد المال الذي يكتسبه ابتداءً، أم هو ملك لسيده؟ • على قولين: الأول: قول الظاهرية أنه يملكه ابتداء، ولا يكون ملكًا لسيده؛ إلا أن ينزعه منه، أو يسقط ملكه عنه. واستدلوا على ذلك بأنه يملك؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «من باع عبدًا وله مال ... ». الثاني: قول عامة أهل العلم أنه لا يملكه ابتداء؛ لأنَّ العبد نفسه مملوك، فمنافعه ومكتسباته مملوكة، وهذا القول هو الصحيح. • واختلفوا: هل يملك العبد إذا ملَّكه سيده أم لا؟ • فذهب الشافعي، وأبو حنيفة، وأحمد في رواية، وإسحاق إلى أنه لا يملك، والمال حقيقة يكون للسيد، وإن كان السيد قد ملكه العبد، ولأنه مملوك؛ فلم يملك كالبهيمة. • وذهب أحمد في رواية إلى أنه يملك بتمليك سيده، وهو قول مالك،

стр. 3295

والشافعي في القديم، وصحح هذا القول ابن قدامة؛ للحديث: «من باع عبدًا وله مال». قال ﵀: وَمَا ذَكَرُوهُ تَعْلِيلٌ بِالْمَانِعِ، وَلَا يَثْبُتُ اعْتِبَارُهُ؛ إلَّا أَنْ يُوجَدَ الْمُقْتَضِي فِي الْأَصْلِ، وَلَمْ يُوجَدْ فِي الْبَهِيمَةِ مَا يَقْتَضِي ثُبُوتَ الْمِلْكِ لَهَا، وَإِنَّمَا انْتَفَى مِلْكُهَا؛ لِعَدَمِ الْمُقْتَضِي لَهُ، لَا لِكَوْنِهَا مَمْلُوكَةً، وَكَوْنُهَا مَمْلُوكَةً عَدِيمُ الْأَثَرِ؛ فَإِنَّ سَائِرَ الْبَهَائِمِ الَّتِي لَيْسَتْ مَمْلُوكَةً مِنْ الصَّيُودِ وَالْوُحُوشِ لَا تُمَلَّكُ، وَكَذَلِكَ الْجَمَادَاتُ، وَإِذَا بَطَلَ كَوْنُ مَا ذَكَرُوهُ مَانِعًا، وَقَدْ تَحَقَّقَ الْمُقْتَضِي؛ لَزِمَ ثُبُوتُ حُكْمِهِ، وَاَللهُ أَعْلَمُ. اهـ قلتُ: وبناءً على أنه يملك، فهل له التصرف فيه بالبيع، والشراء، والصدقة، والهبة، وغير ذلك؟ أما إذا أذن له سيده؛ فيجوز له ذلك عند أهل العلم. وأما إذا تصرف به بغير إذنه، فأبطله بعضهم. وقال بعضهم: يوقف على إجازة السيد. وقال آخرون: يصح تصرفه؛ لأنه قد ملكه. وهذا أقرب الأقوال، والله أعلم. (١)
следующие страницы →