٨٥٩ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ﵄ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: «لَا يَجُوزُ لِامْرَأَةٍ عَطِيَّةٌ إلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا» وَفِي لَفْظٍ: «لَا يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَمْرٌ فِي مَالِهَا إذَا مَلَكَ زَوْجُهَا عِصْمَتَهَا». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ إلَّا التِّرْمِذِيَّ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: تصرف المرأة الرشيدة المتزوجة في مالها ؟
• اختلف أهل العلم في تصرف المرأة الرشيدة في مالها بغير إذن زوجها هل يجوز أم لا؟ على أقوال:
القول الأول: يجوز لها التصرف فيه، ولو بمالها كله، وهو قول الشافعي، وأبي ثور، والظاهرية، والحنفية، وقال به من التابعين: عطاء، وربيعة، وعمر بن عبد العزيز، وجاء عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ ما يدل عليه.
واستدلوا على ذلك بحديث ابن عباس، وجابر، وأبي سعيد في «الصحيحين» أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- «حثَّ النساء على الصدقة في يوم العيد، فجعلن يتصدقن بخواتمهن، وأقرطتهن ... ». وبحديث ميمونة في «الصحيحين» أنها أعتقت وليدتها، فلما جاء
стр. 3292
النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أخبرته، فقال: «لو أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك» (١)، وقالوا: هو مالها والأصل أن لها حق التصرف فيه؛ لعمومات الأدلة من الكتاب والسنة في ذلك.
وأجابوا عن حديث عمرو بن شعيب: بأنه محمول على باب إحسان العشرة أن لا تتصرف فيه إلا بإذنه، وبعضهم قال: المراد منه أن لا تتصرف في مال زوجها إلا بإذنه. ويرد هذا التأويل اللفظ الثاني في الحديث، وبعضهم رجح أحاديث «الصحيحين» عليه، وهو صنيع الشافعي.
القول الثاني: لا يجوز لها عطية إلا بإذن زوجها، وهو قول طاوس، ومجاهد، والليث، ورُوي عن الحسن، ومال إليه الشيخ الألباني ﵀؛ لحديث عمرو بن شعيب، قال الشيخ الألباني: وليس للزوج أن يمنعها عن الخير، كما أنه ليس لولي البكر أن يمنعها عن الزواج إذا تقدم الكفؤ.
القول الثالث: لها التصرف بالثلث فما دون؛ لأنَّ الثلث أقل حد الكثرة: «الثلث، والثلث كثير»، وهو قول مالك، وأحمد في رواية.
القول الرابع: ليس لها التصرف حتى تلد، أو يحول عليها الحول، جاء بذلك أثر صحيح عن عمر (٢)، وقال به شريح، والشعبي، وابن سيرين، والنخعي، وأحمد، وإسحاق.
قلتُ: والقول الأول أقرب، ثم الثاني والله أعلم. (٣)
стр. 3293
مسألة [٢]: تصدق المرأة من مال زوجها بغير إذنه .
في «الصحيحين» عن عائشة ﵂ أن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «إذا أنفقت المرأة من بيت زوجها غير مفسدة كان لها أجرها بما أنفقت، ولزوجها أجره بما اكتسب». (١) وفي «الصحيحين» عن أبي هريرة ﵁: «وما أنفقت من كسبه من غير أمره؛ فإن نصف أجره له». (٢)
وفي «الصحيحين» عن أسماء بنت أبي بكر أنها استأذنت النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أن تنفق مما أدخل عليها الزبير، فقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «أنفقي، أو انضحي، ولا تحصي فيحصي الله عليك». (٣)
• فاستدل بعض أهل العلم بهذه الأحاديث على أنَّ للمرأة أن تنفق من مال زوجها بغير إذنه؛ أحبَّ أو كره، صرح بذلك ابن حزم في «المحلى» (١٣٩٧) بقيد عدم الإفساد.
• وعامة أهل العلم على أنه لا يجوز للمرأة أن تتصدق من مال زوجها إلا بإذنه؛ لأنَّ مال المسلم لا يحل إلا بطيب نفس منه، والأحاديث المذكورة محمولة على الإذن العُرفي بأن تعلم المرأة أن زوجها لا يكره ذلك، وهذا القول هو الصواب، والله أعلم. (٤)
стр. 3294
بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَة
مسألة [١]: هل يملك العبد التصرف في ماله، أم لا ؟
أولًا: هل يملك العبد المال الذي يكتسبه ابتداءً، أم هو ملك لسيده؟
• على قولين:
الأول: قول الظاهرية أنه يملكه ابتداء، ولا يكون ملكًا لسيده؛ إلا أن ينزعه منه، أو يسقط ملكه عنه. واستدلوا على ذلك بأنه يملك؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «من باع عبدًا وله مال ... ».
الثاني: قول عامة أهل العلم أنه لا يملكه ابتداء؛ لأنَّ العبد نفسه مملوك، فمنافعه ومكتسباته مملوكة، وهذا القول هو الصحيح.
• واختلفوا: هل يملك العبد إذا ملَّكه سيده أم لا؟
• فذهب الشافعي، وأبو حنيفة، وأحمد في رواية، وإسحاق إلى أنه لا يملك، والمال حقيقة يكون للسيد، وإن كان السيد قد ملكه العبد، ولأنه مملوك؛ فلم يملك كالبهيمة.
• وذهب أحمد في رواية إلى أنه يملك بتمليك سيده، وهو قول مالك،
стр. 3295
والشافعي في القديم، وصحح هذا القول ابن قدامة؛ للحديث: «من باع عبدًا وله مال».
قال ﵀: وَمَا ذَكَرُوهُ تَعْلِيلٌ بِالْمَانِعِ، وَلَا يَثْبُتُ اعْتِبَارُهُ؛ إلَّا أَنْ يُوجَدَ الْمُقْتَضِي فِي الْأَصْلِ، وَلَمْ يُوجَدْ فِي الْبَهِيمَةِ مَا يَقْتَضِي ثُبُوتَ الْمِلْكِ لَهَا، وَإِنَّمَا انْتَفَى مِلْكُهَا؛ لِعَدَمِ الْمُقْتَضِي لَهُ، لَا لِكَوْنِهَا مَمْلُوكَةً، وَكَوْنُهَا مَمْلُوكَةً عَدِيمُ الْأَثَرِ؛ فَإِنَّ سَائِرَ الْبَهَائِمِ الَّتِي لَيْسَتْ مَمْلُوكَةً مِنْ الصَّيُودِ وَالْوُحُوشِ لَا تُمَلَّكُ، وَكَذَلِكَ الْجَمَادَاتُ، وَإِذَا بَطَلَ كَوْنُ مَا ذَكَرُوهُ مَانِعًا، وَقَدْ تَحَقَّقَ الْمُقْتَضِي؛ لَزِمَ ثُبُوتُ حُكْمِهِ، وَاَللهُ أَعْلَمُ. اهـ
قلتُ: وبناءً على أنه يملك، فهل له التصرف فيه بالبيع، والشراء، والصدقة، والهبة، وغير ذلك؟
أما إذا أذن له سيده؛ فيجوز له ذلك عند أهل العلم.
وأما إذا تصرف به بغير إذنه، فأبطله بعضهم.
وقال بعضهم: يوقف على إجازة السيد. وقال آخرون: يصح تصرفه؛ لأنه قد ملكه.
وهذا أقرب الأقوال، والله أعلم. (١)
стр. 3296
٨٦٠ - وَعَنْ قَبِيصَةَ بْنِ مُخَارِقٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إنَّ المَسْأَلَةَ لَا تَحِلُّ إلَّا لِأَحَدِ ثَلَاثَةِ رَجُلٍ تَحَمَّلَ حَمَالَةً، فَحَلَّتْ لَهُ المَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَهَا ثُمَّ يُمْسِكَ، وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ اجْتَاحَتْ مَالَهُ فَحَلَّتْ لَهُ المَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ، وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ حَتَّى يَقُولَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِي الحِجَا مِنْ قَوْمِهِ: لَقَدْ أَصَابَتْ فُلَانًا فَاقَةٌ فَحَلَّتْ لَهُ المَسْأَلَةُ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (١)
الحكم المستفاد من الحديث
ذكر القاضي حسين المغربي في «البدر التمام»، وتبعه الإمام الصنعاني في «سبل السلام» في شرح هذا الحديث أنَّ الحافظ أورده ههنا، وقد تقدم في [باب قسم الصدقات].
ولعله أعاده هنا ليبين أنَّ الرجل الذي تحمَّل حمالة قد لزمه دين فلا يكون له حكم المفلس في الحجر عليه، بل يترك حتى يسأل الناس، فيقضي دينه.
قلتُ: وعندي احتمال آخر، وهو: أنه أورده ليدل على قبول الشهادة على الإعسار كما تقدم تقرير ذلك، والله أعلم.
المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين
مسألة [١]: تعريف الصلح .
الصلح في اللغة: مصدر أصلح، وهو قطع النزاع.
وفي الشرع: عقد يحصل به قطع النزاع بين المختلفين، وهو أنواع: صلح بين المسلمين والكفار، وصلح مع البغاة، وصلح بين الزوجين، وصلح في القصاص والجنايات، وصلح في الحقوق المالية المختلف فيها، وهذا الأخير هو الذي يذكره الفقهاء في هذا الباب، وهذا الصلح على قسمين:
أولا: الصلح على الإنكار.
وصورته: أن يدَّعي رجل على الآخر أنَّ عليه له عشرة آلاف، فينكر ذلك، ثم يصالحه على أن يعطيه خمسة آلاف، وليس للمدعي بينة، والمنكر لا ينكر عن علم.
• وقد اختلف أهل العلم في صحة هذا الصلح، فأجازه جمهور العلماء، منهم: أحمد، ومالك، وقال به أبو حنيفة، ورجح هذا القول شيخ الإسلام، وابن القيم.
• وذهب الشافعي، والظاهرية إلى عدم صحة هذا الصلح؛ لأنَّ الصلح عندهم لا يكون إلابعد ثبوت الحق، ولم يثبت الحق ههنا؛ لأنه مُنْكِر، فلا تصح له المعاوضة، كما لو باع ملك غيره.
واستدل الجمهور على قولهم بعموم حديث الباب، وبالآية: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾
стр. 3299
[النساء:١٢٨]، ولأنه قد حصل بالتراضي، والمنكر قد رضي بتقديم المال؛ ليرفع عن نفسه الخصومة إلى الحاكم، ويرفع عن نفسه اليمين.
وقول الجمهور هو الصواب، وهو ترجيح الشوكاني، والصنعاني، والله أعلم. (١)
تنبيه: هذا الصلح لا يصح عند الجمهور؛ إلا أن يكون المدَّعِي معتقدًا أنَّ ما ادَّعاه حق، والمدَّعَى عليه يعتقد أنه لا حق عليه.
فإنْ كَذَبَ أحدهما؛ فالصلح في ظاهره صحيح، ولكن يكون فاسدًا في حق الكاذب، والمال عليه حرام. (٢)
مسألة [٢]: هل هذا الصلح بيع أم إبراء ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٧/ ٧): وَيَكُونُ بَيْعًا فِي حَقِّ الْمُدَّعِي؛ لِاعْتِقَادِهِ أَخْذَهُ عِوَضًا، فَيَلْزَمُهُ حُكْمُ إقْرَارِهِ؛ فَإِنْ كَانَ الْمَأْخُوذُ شِقْصًا فِي دَارٍ، أَوْ عَقَارٍ؛ وَجَبَتْ فِيهِ الشُّفْعَةُ، وَإِنْ وَجَدَ بِهِ عَيْبًا؛ فَلَهُ رَدُّهُ، وَالرُّجُوعُ فِي دَعْوَاهُ، وَيَكُونُ فِي حَقِّ الْمُنْكِرِ بِمَنْزِلَةِ الْإِبْرَاءِ؛ لِأَنَّهُ دَفَعَ الْمَالَ افْتِدَاءً لِيَمِينِهِ، وَدَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهُ، لَا عِوَضًا عَنْ حَقٍّ يَعْتَقِدُهُ؛ فَيَلْزَمُهُ أَيْضًا حُكْمُ إقْرَارِهِ؛ فَإِنْ وَجَدَ بِالْمُصَالَحِ عَنْهُ عَيْبًا؛ لَمْ يَرْجِعْ بِهِ عَلَى الْمُدَّعِي؛ لِاعْتِقَادِهِ أَنَّهُ مَا أَخَذَ عِوَضًا، وَإِنْ كَانَ شِقْصًا؛ لَمْ تَثْبُتْ فِيهِ الشُّفْعَةُ؛ لِأَنَّهُ يَعْتَقِدُهُ عَلَى مِلْكِهِ، لَمْ يَزُلْ، وَمَا مَلَكَهُ بِالصُّلْحِ. اهـ
стр. 3300
مسألة [٣]: إن صالح عن المُنْكِر أجنبي ؟
• مذهب الحنابلة أنه يصح الصلح، سواء كان مصدقًا للمدَّعي، أم لا، وسواء كان بإذن المُنكِر، أم لا.
• ومذهب الشافعية أنه يصح إذا كان الأجنبي مصدقًا للمدعي، وهذا الذي قالوا بناءً على ما اختاروه أنَّ الصلح لا يكون إلا بعد ثبوت الحق، والصحيح قول الحنابلة، وهو مقتضى قول الجمهور.
ثم إنْ كان الأجنبي قد صالح عن المنكر بغير إذنه؛ لم يرجع عليه بشيء؛ لأنه أدَّى عنه ما لا يلزمه أداؤه، وأما إذا صالح عنه بإذنه؛ رجع عليه، وإن أدَّى عنه بإذنه، أو بغير إذنه متبرِّعًا؛ لم يرجع بشيء، وإن قضاه محتسبًا بالرجوع فوجهان للحنابلة، والصحيح أنه لا يلزم المنكر أن يعطيه؛ لأنه ليس لازمًا على المنكر ذلك، بل الواجب عليه هو اليمين، والله أعلم. (١)
مسألة [٤]: إن صالح الأجنبي المدعي؛ لتكون المطالبة لنفسه ؟
أما إذا لم يعترف الأجنبي للمدعي بصحة دعواه؛ فلا يصح الصلح، ويكون باطلًا؛ لأنه يشتري منه مالم يثبت له، أشبه ما لو اشترى من إنسان ملك غيره.
وأما إذا اعترف له بصحة دعواه؛ فلا يخلو من أن يكون المدَّعَى مالًا، أوعينًا؛ فإن كان المدَّعَى مالًا؛ فلا يصح الصلح؛ لأنه يشتري منه مالا يقدر على تسليمه،
стр. 3301
ولأنه يصبح بيع مال بمال مع عدم التقابض، وذلك غير جائزٍ.
وإن كان المدَّعَى عينًا، وادَّعى أنه قادر على إخراجها؛ صحَّ الصلح، ثم إن قدر على انتزاعه؛ صح الصلح واستقر، وإن عجز؛ كان له ا لفسخ، ويحتمل أن الصلح يكون فاسدًا بدون فسخ؛ لأنه تبين أنَّ الصلح كان على ما لا يقدر على تسليمه. (١)
ثانيًا: الصلح على الإقرار.
وصورته: أن يدعي إنسان على آخر أن عنده له مسجل مثلًا، فيعترف له بذلك، ثم يصالحه على أن يعطيه ألفي ريال مثلًا، أو يكون له عليه عشرة آلاف، فيعترف بها، ويصالحه على خمسة آلاف.
فهذه الصورة إن كان بشرط من المدَّعى عليه، كأن يقول: لا أقر لك بالعشرة آلاف إلا أن تصالحني على خمسة. فلا نعلم أحدًا أجاز هذه الصورة، بل هذا ظلمٌ، وأكل مال بالباطل.
وأما إذا كان الوضع من المدَّعِي بدون شرط من المدَّعَى عليه؛ فهذا جائزٌ، وقد نُقِلَ على جوازه الاتفاق، والواقع أنه قد خالف جماعة من الحنابلة في ذلك إذا وقع ذلك على أنه صلح، وقالوا: فيه هضم لصاحب الحق؛ لأنه قد اعترف له بحقه؛ فلزمه ما أقر به، فإذا بذل له دونه فقد هضمه حقه.
وردَّ عليهم ابن القيم ﵀، فقال: هذا ليس فيه هضم، وإنما الهضم أن يقول:
стр. 3302
لا أقرُّ لك حتى تهب لي كذا، وتضع عني كذا، وأما إذا أقر له، ثم صالحه ببعضه، فأي هضم هناك. اهـ
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٧/ ١٢): فأما في الاعتراف فإذا اعترف بشيء وقضاه من جنسه فهو وفاء، وإن قضاه من غير جنسه فهي معاوضة، وإن أبرأه من بعضه اختيارًا منه واستوفى الباقي؛ فهو إبراء، وإن وهب له بعض العين وأخذ باقيها بطيب نفس؛ فهي هبة، فلا يسمي ذلك صلحًا ونحو ذلك، قال ابن أبي موسى: وسماه القاضي وأصحابه صلحًا. وهو قول الشافعي وغيره، والخلاف في التسمية، أما المعنى فمتفق عليه وهو فعل ما عدا وفاء الحق وإسقاطه على وجه يصح، وذلك ثلاثة أقسام: معاوضة، وإبراء، وهبة. اهـ
قلتُ: أما إذا عاوضه بشيءٍ آخر فيراعى في صحته ما يراعى في البيوع، فيفسد بما تفسد به البيوع، فمثلًا: لو كان له عليه دنانير فاعترف له بها، وصالحه على دراهم؛ فلا يجوز التفرق حتى يقبضها، أو كان له عليه دينٌ، فصالحه على أن يعطيه شيئًا موصوفًا في ذمته، فلا يجوز؛ لأنه بيع دين بدين (١) ... ، وهكذا فقس عليه.
وأما الإبراء والهبة فاشترط جماعة من الحنابلة والشافعية أن لا يخرج ذلك مخرج الشرط، كأن يقول: أبرأتك من نصف الدين على أن تعطيني الآن ما بقي.
стр. 3303
أو يقول: وهبت لك بعض ما عندك على أن توفيني، وتعطيني بقيتها الآن.
وحجتهم: أنه إذا شرط فقد جعل الهبة، والإبراء عوضًا عن الوفاء به، فكأنه عاوض بعض حقه ببعضه، والصحيح هو جواز ذلك، وإن أخرجه مخرج الشرط؛ لأنه حقه وملك له، وقد تنازل عنه بذلك الشرط، فما المانع من ذلك؟! (١)
مسألة [٥]: إذا تصالح المدعي والمدعى عليه على دين مؤجل ببعضه حالًا ؟
• منع أكثر أهل العلم من ذلك، وهو قول سعيد بن المسيب، والقاسم، وسالم، والحسن، والشعبي، ومالك، والشافعي، وأحمد في رواية، وإسحاق، والثوري، وأبي حنيفة، وحجتهم في ذلك أن فيه ربا؛ فإنه يعطيه عشرة حالة بعشرين مؤجلة مثلًا، ولأنه يبذل القدر الذي يحطه عوضًا عن التعجيل، وبيع الحلول والتأجيل لا يجوز.
• وذهب جماعة من أهل العلم إلى جواز ذلك، وهو قول النخعي، والحسن، وابن سيرين، وأحمد في رواية، واختاره شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم، ورجحه السعدي، وابن عثيمين.
قال ابن القيم ﵀: وهذا عكس الربا؛ فإن الربا يتضمن الزيادة في أحد العوضين في مقابلة الأجل، وهذا يتضمن براءة ذمته من بعض العوض في مقابلة سقوط الأجل، فسقط بعض العوض في مقابلة سقوط بعض الأجل، فانتفع به كل
стр. 3304
واحد منهما ولم يكن هنا ربا لا حقيقة، ولا لغة، ولا عرفا؛ فإن الربا: الزيادة، وهي منتفية ههنا، والذين حرموا ذلك إنما قاسوه على الربا، ولا يخفى الفرق الواضح بين قوله: (إما أن تربي، وإما أن تقضي)، وبين قوله: (عجل لي، وأهب لك مائة)، فأين أحدهما من الآخر؟ فلا نص في تحريم ذلك، ولا إجماع، ولا قياس صحيح. اهـ
قلتُ: والقول الثاني هو الصواب، والله أعلم. (١)
مسألة [٦]: إذا تدلت أغصان شجرة على ملك الجار، كبيته، وحائطه، فتصالحا على تركها مع عوض معلوم ؟
• ذهب بعض الحنابلة إلى أنَّ له أن يصالحه على عوض معلوم، منهم: ابن حامد، وابن عقيل، وسواء كان ذلك الغصن رطبًا، أو يابسًا؛ لأنَّ الجهالة في المصالح عنه لا تمنع الصحة لكونها، لا تمنع التسليم بخلاف العوض؛ فإنه يفتقر إلى العلم لوجوب تسليمه، والحاجة داعية إلى ذلك. قال ابن قدامة: وهو اللائق بمذهب أحمد.
• وذهب بعض الحنابلة إلى عدم صحة الصلح، سواء كان رطبًا، أو يابسًا؛ لأنَّ الرطب يزيد ويتغير، واليابس ينقص، وربما ذهب كله، وهو قول أبي الخطاب.
• وذهب بعض الحنابلة -منهم القاضي- إلى أنه إن كان يابسًا معتمدًا على نفس الجدار؛ صحت المصالحة عنه؛ لأنَّ الزيادة مأمونة فيه، ولا يصح الصلح على غير ذلك؛ لأنَّ الرطب يزيد في كل وقت، وما لا يعتمد على الجدار لا يصح
стр. 3305
الصلح عليه؛ لأنه تبع للهواء، وهذا مذهب الشافعي.
قلتُ: والصواب هو القول الأول، والله أعلم. (١)
مسألة [٧]: إذا صالحه على إقرارها بجزء معلوم من ثمرها ؟
سئل أحمد ﵀ عن ذلك؟ فقال: لا أدري. فاحتمل جماعة من الحنابلة صحة ذلك، ونقل عن مكحول ما يدل عليه.
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٧/ ١٩ - ٢٠): وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَصِحَّ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ. وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ؛ لِأَنَّ الْعِوَضَ مَجْهُولٌ؛ فَإِنَّ الثَّمَرَةَ مَجْهُولَةٌ، وَجُزْؤُهَا مَجْهُولٌ، وَمِنْ شَرْطِ الصُّلْحِ الْعِلْمُ بِالْعِوَضِ، وَلِأَنَّ المُصَالَحَ عَلَيْهِ أَيْضًا مَجْهُولٌ؛ لِأَنَّهُ يَزِيدُ وَيَتَغَيَّرُ عَلَى مَا أَسْلَفْنَا.
قال: وَوَجْهُ الْأَوَّل: أَنَّ هَذَا مِمَّا يَكْثُرُ فِي الْأَمْلَاكِ، وَتَدْعُو الْحَاجَةُ إلَيْهِ، وَفِي الْقَطْعِ إتْلَافٌ؛ فَجَازَ مَعَ الْجَهَالَةَ، كَالصُّلْحِ عَلَى مَجْرَى مِيَاهِ الْأَمْطَارِ، وَالصُّلْحِ عَلَى الْمَوَارِيثِ الدَّارِسَةِ، وَالْحُقُوقِ الْمَجْهُولَةِ الَّتِي لَا سَبِيلَ إلَى عِلْمِهَا، وَيَقْوَى عِنْدِي أَنَّ الصُّلْحَ هَاهُنَا يَصِحُّ، بِمَعْنَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُبِيحُ صَاحِبَهُ مَا بَذَلَ لَهُ، فَصَاحِبُ الْهَوَاءِ يُبِيحُ صَاحِبَ الشَّجَرَةِ إبْقَاءَهَا، وَيَمْتَنِعُ مِنْ قَطْعِهَا وَإِزَالَتِهَا، وَصَاحِبُ الشَّجَرَةَ يُبِيحُهُ مَا بَذَلَ لَهُ مِنْ ثَمَرَتهَا، وَلَا يَكُونُ هَذَا بِمَعْنَى الْبَيْعِ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ لَا يَصِحُّ بِمَعْدُومٍ وَلَا مَجْهُولٍ، وَالثَّمَرَةُ فِي حَالِ الصُّلْحِ مَعْدُومَةٌ مَجْهُولَةٌ،
стр. 3306
وَلَا هُوَ لَازِمٌ، بَلْ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الرُّجُوعُ عَمَّا بَذَلَهُ، وَالْعَوْدُ فِيمَا قَالَهُ؛ لِأَنَّهُ مُجَرَّدُ إبَاحَةٍ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ، فَجَرَى مَجْرَى قَوْلِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ: اُسْكُنْ دَارِي، وَأَسْكُنُ دَارَك. مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرِ مُدَّةٍ، وَلَا ذِكْرِ شُرُوطِ الْإِجَارَةِ، أَوْ قَوْلِهِ: أَبَحْتُك الْأَكْلَ مِنْ ثَمَرَةِ بُسْتَانِي، فَأَبِحْنِي الْأَكْلَ مِنْ ثَمَرَة بُسْتَانِك. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: دَعْنِي أُجْرِي فِي أَرْضِك مَاءً، وَلَك أَنْ تَسْقِيَ بِهِ مَا شِئْت، وَتَشْرَبَ مِنْهُ.
وَنَحْوُ ذَلِكَ، فَهَذَا مِثْلُهُ بَلْ أَوْلَى؛ فَإِنَّ هَذَا مِمَّا تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَيْهِ كَثِيرًا، وَفِي إلْزَامِ الْقَطْعِ ضَرَرٌ كَبِيرٌ، وَإِتْلَافُ أَمْوَالٍ كَثِيرَةٍ، وَفِي التَّرْكِ مِنْ غَيْرِ نَفْعٍ يَصِلُ إلَى صَاحِبِ الْهَوَاءِ ضَرَرٌ عَلَيْهِ، وَفِيمَا ذَكَرْنَاهُ جَمْعٌ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ، وَنَظَرٌ لِلْفَرِيقَيْنِ، وَهُوَ عَلَى وَفْقِ الْأُصُولِ؛ فَكَانَ أَوْلَى. اهـ
مسألة [٨]: الصلح على المجهول .
وصورته مثلًا: أن يعلم رجلان أنَّ هذه الأرض ملك لهما، ولا يعلم كل واحد منهما نصيبه، فيتصالحا على أن تجعل الأرض بينهما نصفين.
• فهذه الصورة تجوز عند الحنابلة إذا لم يمكن معرفة المجهول، ومنع من ذلك الشافعي؛ لأنَّ الصلح عنده يكون على تنازل عن بعض الحق، وهذا لم يعلم قدر حقه حتى يصالح عليه.
والصواب قول الحنابلة، وهو ترجيح الشوكاني ﵀ كما في «الدراري».
تنبيه: إذا أمكن معرفة المجهول؛ فلا يجوز الصلح حتى يعلم، على مذهب
стр. 3307
الحنابلة أيضًا؛ لأنه ربما يصالح عليه ويظن أنَّ حقه قليلًا، ثم يرى نصيبه كثيرًا؛ فيحصل عدم الرضى، والله أعلم. (١)
مسألة [٩]: إذا كان له عليه دين حال فصالحه على إسقاط بعضه وتأجيله ؟
• قال بعض الحنابلة: لا يصح الإسقاط، ولا التأجيل؛ بناءً على ما تقدم من أنهم لا يرون الصلح إلا على الإنكار.
• وقال بعض الحنابلة: يصح الإسقاط دون التأجيل؛ بناءً على ما تقدم في القرض من أن الحال لا يتأجل.
• وقال بعض الحنابلة: يصح الإسقاط، والتأجيل. قال ابن القيم: وهو قولُ أهل المدينة، واختاره شيخنا -يعني شيخ الإسلام-.اهـ
وهو ترجيح الشيخ ابن عثيمين ﵀. (٢)
стр. 3308
٨٦٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا يَمْنَعْ جَارٌ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً فِي جِدَارِهِ». ثُمَّ يَقُولُ أَبُوهُرَيْرَةَ ﵁: مَالِي أَرَاكُمْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ؟ وَاللهِ لَأَرْمِيَنَّ بِهَا بَيْنَ أَكْتَافِكُمْ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١)
٨٦٤ - وَعَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ أَنْ يَأْخُذَ عَصَا أَخِيهِ بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ». رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالحَاكِمُ فِي صَحِيحَيْهِمَا. (٢)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين
مسألة [١]: إذا أراد الجار أن يغرز خشبة في جدار جاره، فهل له أن يمنعه ؟
• في هذه المسألة قولان:
القول الأول: ليس له منعه، وهو قول أحمد، وإسحاق، والشافعي في القديم،
стр. 3309
والظاهرية، وأبي ثور، وبعض أهل الحديث، واستدلوا بحديث أبي هريرة الذي في الباب.
القول الثاني: له أن يمنعه من ذلك؛ لأنه ماله، واستدلوا بحديث أبي حميد الذي في الباب وغيره من النصوص المتكاثرة التي فيها أنه لا يحل مال المسلم إلا بطيب نفسه.
وهذا قول مالك، والشافعي في الجديد، وأبي حنيفة، وعزاه بعضهم للجمهور، وحملوا حديث أبي هريرة ﵁ على أنَّ النهي على سبيل الكراهة لا التحريم؛ جمعًا بين الدليلين.
وأجاب أصحاب القول الأول بأنه لا تعارض بين عام وخاص، بل الخاص يقضي على العام كما هو مقرر في علم الأصول، قالوا: وكيف يكون بينهما تعارض، والذي حرم مال المسلم بغير طيب نفس منه هو الذي نهاه أن يمنع جاره من غرز الخشب في جداره. قالوا: وليس هو أخذٌ لماله، إنما هو مجرد ارتفاق.
قال البيهقي ﵀ في «المعرفة»: أما حديث الخشب في الجدار؛ فإنه حديث صحيح ثابتٌ لم نجد في سنن رسول الله ﷺ ما يعارضه، ولا تصح معارضته بالعمومات. انتهى المراد.
ورجَّح ذلك الصنعاني والشوكاني. (١)
стр. 3310
تنبيه: إذا كان يحصل على الجار ضرر من ذلك الخشب؛ فله منعه بغير خلافٍ. قاله ابن قدامة في «المغني» (٧/ ٣٥).
تنبيه آخر: إذا كان للجار غُنية بأن يضعه على مكان آخر غير جدار جاره؛ فله منعه عند كثير من الحنابلة، أو أكثرهم، ووافقوا القائلين بأنَّ له المنع في هذه الصورة، وهو الأقرب. (١)
مسألة [٢]: وضع الخشب على جدار المسجد .
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٧/ ٣٦): فَأَمَّا وَضْعُهُ فِي جِدَارِ الْمَسْجِدِ، إذَا وُجِدَ الشَّرْطَانِ، فَعَنْ أَحْمَدَ فِيهِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا: الْجَوَازُ؛ لِأَنَّهُ إذَا جَازَ فِي مِلْكِ الْجَارِ، مَعَ أَنَّ حَقَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الشُّحِّ وَالضِّيقِ، فَفِي حُقُوقِ الله تَعَالَى الْمَبْنِيَّةِ عَلَى الْمُسَامَحَةِ وَالْمُسَاهَلَةِ أَوْلَى. وَالثَّانِيَةُ: لَا يَجُوزُ. نَقَلَهَا أَبُو طَالِبٍ؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ يَقْتَضِي الْمَنْعَ فِي حَقِّ الْكُلِّ، تُرِكَ فِي حَقِّ الْجَارِ لِلْخَبَرِ الْوَارِدِ فِيهِ، فَوَجَبَ الْبَقَاءُ فِي غَيْرِهِ عَلَى مُقْتَضَى الْقِيَاسِ، وَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ. اهـ
قال أبو عبد الله غفر الله له: الصحيح هو القول بالجواز، والله أعلم.
مسألة [٣]: إذا اختلف الجاران في حائط بينهما كل واحد يدعيه لنفسه ؟
إن كان الحائط ملتصقًا بجدارهما معًا، أو كان منفصلًا عن جدراهما معًا، وليس لأحدهما بينة، تحالفا، ويجعل بينهما نصفين؛ لكون الحائط في أيديهما،
стр. 3311
وبهذا قال أبو حنيفة، والشافعي، وأبو ثور، وأحمد، وابن المنذر.
قال ابن قدامة ﵀: لا أعلم فيه مخالفًا.
وإن حلف أحدهما ونكل الآخر؛ قُضي على الناكل، فكان الكل للآخر، وإن كان الحائط متصلًا ببناء أحدهما دون الآخر؛ فهو له مع يمينه، وبهذا قال أبو حنيفة، والشافعي، وهو مذهب الحنابلة، وهو الصحيح، وخالف أبو ثور. (١)
مسألة [٤]: إذا تنازع صاحب العلو والسفل في حوائط البيت وسقفه ؟
إذا تنازعا في حوائط البيت السفلاني؛ فهي لصاحب السُّفل؛ لأنه المنتفع بها، وهي من جملة البيت؛ فكانت لصاحبه مع يمينه، وإن تنازعا في حوائط العلو؛ فهو لصاحب العلو؛ لذلك، وإن تنازعا السقف، تحالفا، وكان بينهما عند الحنابلة، والشافعية.
وقال أبو حنيفة: هو لصاحب السفل؛ لأنَّ السقف على ملكه، وحُكي عن مالك، وهذا اختيار الشوكاني، وحُكي أيضًا عن مالك أنه لصاحب العلو؛ لأنه يجلس عليه، ويتصرف فيه، ولا يمكنه السُّكْنَى إلا به.
وقول الحنابلة، والشافعية أقرب؛ لأنه متصل بملكيهما أشبه الحائط بين الملكين، والله أعلم. (٢)
стр. 3312
مسألة [٥]: إذا انهدم الحائط المشترك فأراد أحدهما أن يبنيه فهل يلزم الآخر على بنائه معه ؟
• ذهب بعض أهل العلم إلى أنه يجبر على ذلك كما يجبر على النقض إذا خيف سقوطه عليهما؛ لقول النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لا ضرر ولا ضرار» (١)، والشريكان يتضرران في ترك بنائه، وهذا قول مالك، وأحمد في رواية، والشافعي في القديم.
• وذهب جماعة إلى أنه لا يجبر على ذلك؛ لأنه لا يجبر عليه لو كان ملكه لوحده، فكذلك إذا كان مشتركًا، وقد يكون في بنائه مضرة عليه من الغرامة، وإذهاب المال، وهذا قول أبي حنيفة، وأحمد في رواية، والظاهرية، والشافعي في الجديد، وقواه ابن قدامة.
قال أبو عبد الله غفر الله له: إنِ استغنى الثاني عن الجدار وتركه للأول؛ فلا يلزم بإعادة بنائه، ويعيده الأول، ويكون ملكًا له، وأما إن لم يستغن عنه؛ فالذي يظهر أنه يلزم بإعانة صاحبه عليه، والله أعلم. (٢)
مسألة [٦]: إذا انهدم السقف ؟
• في المسألة قولان للشافعي، وأحمد كالقولين السابقين، والأظهر أنه يجبر؛ لوجود الضرر على صاحبه، والله أعلم. (٣)
стр. 3313
مسألة [٧]: إذا انهدمت حيطان البيت الأسفل، فهل يلزمه البناء إذا طلب صاحب العلو ؟
• منهم من يلزمه بذلك، وهو قول مالك، وأبي ثور، وقولٌ للشافعي، وأحمد في رواية. ومنهم من قال: لا يجبر، وهو قول أبي حنيفة، وأحمد في رواية، وهو مقتضى قول الظاهرية، ورجحه الشوكاني في «السيل». (١)
قال أبو عبد الله غفر الله له: إن كان الانهدام حصل بتفريط من صاحب السفل، أو بتعدي منه، وكان سبب الانهدام هو التعدي فقط؛ فيتحمل صاحب السفل الإصلاح كاملًا، وإن كان الانهدام حصل بالتعدي أو التفريط مع أسباب أخرى؛ فعليه أن يبني مع صاحب العلو، ويلزم بذلك؛ لأنَّ جداره كالقواعد للبيت الأعلى، وإن حصل بغير تفريط، ولا تعدي؛ لم يلزمه، والله أعلم.
تنبيه: الذين قالوا: لا يجبر. يقولون: ليس له منع صاحبَ العلو إذا أراد أن يبنيه؛ فإن بناه صاحب العلو، فقال جماعة من أهل العلم: لا ينتفع بالحيطان التي بناها إذا كان بناها بآلة جديدة أعني صاحب السفل. (٢)
مسألة [٨]: إذا طالب صاحب السفل بالبناء، وأبى صاحب العلو ؟
• قال بعض أهل العلم: لا يجبر صاحب العلو على المساعدة، وهو قول الشافعي، وأحمد في رواية؛ لأنه ملكٌ لصاحب السفل مختصٌّ به.
стр. 3314
• وقال أحمد في رواية، وبعض الحنابلة: يجبر على مساعدته والبناء معه؛ لأن صاحب العلو ينتفع به؛ فوجب عليه مساعدته. وهذا هو الصحيح إنْ كان الانهدام حصل بغير تعدي من صاحب السفل، أما إن كان بتعديه فليس عليه مساعدته. (١)
فائدة: حديث أبي هريرة ﵁ في «صحيح مسلم» (١٦١٣) مرفوعًا: «إذا اختلفتم في الطريق جُعِل عرضه سبعة أذرع»، وأخرجه البخاري (٢٤٧٣)، عن أبي هريرة ﵁، قال: قضى النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إذا تشاجروا في الطريق الميتاء بسبعة أذرع. والميتاء: هي التي يكثر فيها إتيان الناس ومرورهم.
قال النووي ﵀ في شرح الحديث: وَأَمَّا قَدْر الطَّرِيق؛ فَإِنْ جَعَلَ الرَّجُل بَعْض أَرْضه الْمَمْلُوك طَرِيقًا مُسَبَّلَة لِلْمَارِّينَ، فَقَدْرهَا إِلَى خِيرَته، وَالْأَفْضَل تَوْسِيعهَا، وَلَيْسَتْ هَذِهِ الصُّورَة مُرَادَة الْحَدِيث، وَإِنْ كَانَ الطَّرِيق بَيْن أَرْض لِقَوْمٍ وَأَرَادُوا إِحْيَاءَهَا؛ فَإِنْ اِتَّفَقُوا عَلَى شَيْء؛ فَذَاكَ، وَإِنْ اِخْتَلَفُوا فِي قَدْره؛ جُعِلَ سَبْع أَذْرُع، وَهَذَا مُرَاد الْحَدِيث، أَمَّا إِذَا وَجَدْنَا طَرِيقًا مَسْلُوكًا، وَهُوَ أَكْثَر مِنْ سَبْعَة أَذْرُع؛ فَلَا يَجُوز لِأَحَدٍ أَنْ يَسْتَوْلِي عَلَى شَيْء مِنْهُ، وَإِنْ قَلَّ، لَكِنْ لَهُ عِمَارَة مَا حَوَالَيْهِ مِنْ الْمَوَات. انتهى. (٢)
стр. 3315
بَابُ الحَوَالَةِ وَالضَّمَانِ
٨٦٥ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَطْلُ الغَنِيِّ ظُلْمٌ، وَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١)
وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ: «فَلْيَحْتَلْ». (٢)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: تعريف الحوالة .
الحوالة: مشتقة من التحويل، وهو الانتقال، وهي عند الفقهاء: تحويل دين من ذمة إلى أخرى.
• واختلفوا: هل هي بيع دين بدين، واستثني من التحريم أم ليس ببيع؟
ورجَّح ابن قدامة ﵀ أنها ليست بيعًا، بل هي عقد إرفاق منفرد بنفسه؛ لأنها لو كانت بيعًا؛ لما جاز ذلك في الأموال؛ لعدم التقابض، وهو ظاهر اختيار ابن القيم، وشيخ الإسلام. (٣)
مسألة [٢]: هل يُشترط في صحتها رضى الْمُحيل ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٧/ ٥٦): ويشترط في صحتها رضى المحيل بلا خلاف. اهـ
стр. 3316
وقال الحافظ ﵀ في «الفتح» (٢٢٨٧): ويشترط في صحتها رضى المحيل بلا خلاف. اهـ
قال أبو عبد الله غفر الله له: كذا ذكر ابن قدامة عدم الخلاف في المسألة، وتبعه على ذلك الحافظ ابن حجر، والواقع وجود الخلاف؛ فقد خالف جماعة من الحنفية:
ففي «شرح فتح القدير» (٧/ ٢٤٠): وأما المحيل؛ فالحوالة تصح بلا رضاه. ذكره في الزيادات؛ لأن التزام الدين من المحتال عليه تصرف في حق نفسه، وهو أي: المحيل لا يتضرر به، بل فيه نفعه عاجلا باندفاع المطالبة عنه في الحال، وآجلا بعدم الرجوع عليه.
ثم قال: ونقلُ ابن قدامة أن رضا المحيل لا خلاف فيه ليس بصحيح. اهـ
قلتُ: والقول بعدم اعتبار رضاه قول قوي؛ لأنه يجب عليه أداء الحق، وقد حل الأجل؛ فوجب عليه أداء الحق الذي عليه، فللقاضي إلزامه بذلك، وبالله التوفيق.
وذكر الإمام ابن عثيمين ﵀ صورة، وهي: أن يكون الذي عليه الحق فقيرًا، وله مال في ذمة غني، قال: لو رأى القاضي أنَّ إحالته لابد منها؛ فله ذلك. ثم قال: فالقول بأنه في هذه الحالة لا يعتبر رضاه، وأنه يجبر على الإحالة قولٌ قويٌّ؛ لئلا
стр. 3317
يضيع حق صاحب الدين. اهـ (١)
مسألة [٣]: هل يشترط في صحتها رضى المحتال والمحال عليه ؟
أما المحال عليه فلا يعتبر رضاه عند أكثر أهل العلم، خلافًا لأبي حنيفة، والاصطخري من الشافعية؛ لأنه عليه حق وجب عليه أداؤه، سواء استوفاه صاحب الحق، أو وكيله، وهو المحتال.
• وأما المحتال فقد اختلف أهل العلم: هل يشترط رضاه بذلك، أم لا؟
• فذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه يلزم بالحوالة، ولا يشترط رضاه إذا أحيل على مليء، وهو قول أكثر الحنابلة، وأبي ثور، وابن جرير الطبري، والظاهرية، واستدلوا بحديث أبي هريرة ﵁ الذي في الباب.
• وذهب جمهور العلماء، ومنهم: مالك، والشافعي إلى اعتبار رضى المحتال؛ لأنَّ ماله في ذمة فلان، وتحويله ونقله تصرف فيه؛ فلا يجوز إلا بإذنه كما لا يجوز للمحيل أن يحول الدين إلى عين بغير رضاه، فكذلك تحويله إلى ذمة أخرى بغير رضاه، ورجح هذا القول الشوكاني، ثم الإمام ابن عثيمين.
وأجاب الجمهور عن حديث أبي هريرة «وإذا أُحيل أحدكم على مليء فليتبع» بأن الأمر فيه للندب.
وأحسن منه ما قاله الشوكاني ﵀ في «السيل» (٤/ ٢٤١): وهكذا لابد من
стр. 3318
قبول المحال للحوالة؛ لأنها نقل ما هو له من ذمة إلى ذمة، فلا ينتقل عن الذمة الأولى إلى الذمة الأخرى إلا باختياره، ولكنه يأثم إذا أُحيل على مليء فلم يقبل؛ لأنه خالف الأمر النبوي. اهـ
قلتُ: وما قاله الشوكاني ﵀ هو الصواب، والله أعلم. (١)
مسألة [٤]: هل يشترط تماثل الحقين الذي عند المحيل والمحال عليه ؟
اشترط أهل العلم في صحة الحوالة تماثل الحقين في الجنس، والصفة، والقدر، والوقت، من حيث الحلول والأجل؛ لأنه إذا اختلفت الأجناس، والصفات، والقدر؛ صار بيعًا وليس بحوالة، فاعتبر فيه شروط البيع وأحكامه.
لكن قال ابن قدامة ﵀: إذا تراضيا بأن يدفع المحال عليه خيرًا من حقه، أو رضي المحتال بدون الصفة، أو رضي من عليه المؤجل بتعجيله، أو رضي من له الحال بإنظاره؛ جاز؛ لأنَّ ذلك يجوز في القرض، ففي الحوالة أولى. انتهى المراد. (٢)
مسألة [٥]: هل يشترط أن يكون المال معلومًا ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٧/ ٥٩): ويشترط أن تكون بمال معلومٍ؛ لأنها إن كانت بيعًا فلا تصح في مجهول، وإن كانت تحول الحق؛ فيعتبر فيها
стр. 3319
التسليم، والجهالة تمنع. اهـ
قلتُ: وعليه فيتصالحان على قدر معلوم، ثم يحيله.
مسألة [٦]: هل يشترط أن يحيله على دين مستقر ؟
اشترط أهل العلم ذلك، وقالوا: لا يحيله على دين ليس بمستقر، كالسيد يحيل على دين عبده المكاتب، أو المرأة تحيل على زوجها بصداقها قبل الدخول، أو البائع يحيل على المشتري بثمن السلعة في مدة الخيار. «المغني» (٧/ ٥٧).
لكن قال الشوكاني ﵀ في «السيل الجرار» (٤/ ٢٤٢): لا أدري لهذا الاشتراط وجهًا؛ لأنَّ من عليه الدين إذا أحال على رجل يمتثل حوالته ويسلم ما أحال به؛ كان ذلك هو المطلوب؛ لأن به يحصل الوفاء بدين المحال، ولو لم يكن في ذمة المحال عليه شيء من الدين. اهـ
قلتُ: اعتبر الشوكاني المعنى اللغوي، وأخذ بعموم الحديث، والذي عليه عامة الفقهاء أن المقصود بالحوالة هو تحويل الدين من ذمة إلى أخرى؛ لكون الذمة الأخرى عليها الحق للذمة الأولى، وبالله التوفيق.
مسألة [٧]: إذا أحال الرجل شخصًا ليس له عليه حق إلى من له عليه حق، وكذا العكس ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٧/ ٥٨): وَإِنْ أَحَالَ مَنْ لَا دَيْنَ لَهُ عَلَيْهِ رَجُلًا عَلَى آخَرَ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِحَوَالَةٍ، بَلْ هِيَ وَكَالَةٌ تَثْبُتُ فِيهَا أَحْكَامُهَا؛
عبيد، وأحمد في رواية، وابن المنذر، وعزاه بعضهم للجمهور، وذلك لأنَّ المحتال قد أسقط حقه من المحيل حين قبل الحوالة، فأشبه الإبراء.
الثاني: له الرجوع إلى المحيل مطلقًا، وهو منقول عن الحسن، وشريح، وزفر، وشبهوه بالضمانة والكفالة.
الثالث: له الرجوع إذا أفلس، أو أعسر، وهو قول شريح، والشعبي، والنخعي، وأبي حنيفة وصاحبيه، وزاد أبو حنيفة: إذا جحده وحلف عند الحاكم. وزاد صاحباه: إذا حجر عليه لفلس.
الرابع: له الرجوع إذا مات، وهو قول الثوري.
الخامس: ليس له الرجوع؛ إلا أن يكون المحال عليه ليس مليئًا وقت الإحالة، ولم يعلم المحتال بذلك؛ فله الرجوع إذا كان الأمر كذلك؛ لأنه يكون قد غرَّه بذلك، ومعنى المليء: القادر على الوفاء بماله؛ فيكون واجدًا، وبقوله؛ فيكون صادقًا لا يماطل، وبفعله بأداء الدين. وهذا القول رواية عن أحمد، وهو اختيار جماعة من أصحابه، وقال به مالك، وهو ظاهر تبويب البخاري؛ فإنه قال: [باب الحوالة، وهل يرجع في الحوالة؟ وقال الحسن، وقتادة: إذاكان يوم أحال عليه مليًّا جاز].
وهذا القول هو ظاهر اختيار الشوكاني في «السيل»، وهو أقرب الأقوال فيما يظهر، والله أعلم. (١)
стр. 3322
مسألة [١٠]: إذا اشترط المحال أن يكون المحال عليه مليئًا فهل يصح شرطه، وهل له الرجوع إذا بان معسرًا ؟
• الأكثر على أنَّ الشرط صحيح، وله الرجوع عليه إذا بان معسرًا؛ لأنه شرط لا ينافي مقتضى الحوالة، بل إنَّ الاحتيال لا يجب عليه إلا إذا كان مليئًا، فاشتراطه ذلك من حقه.
• وقال بعض الشافعية: لا يرجع؛ لأنَّ الحوالة لا ترد بالإعسار إذا لم تشترط الملاءة، فلا ترد به وإن شرط. والقول الأول هو الصواب، والله أعلم. (١)
مسألة [١١]: إذا أحال المحال عليه إلى إنسان آخر فهل يصح ذلك ؟
قال أبو محمد بن قدامة ﵀ في «المغني» (٧/ ٦٣): إذا أحال رجلًا على زيد بألف، فأحاله زيدٌ بها على عمرو؛ فالحوالة صحيحة؛ لأنَّ حق الثاني ثابتٌ مستقرٌّ في الذمة، فصحَّ أن يحيل به كالأول، وتكرر المحتال والمحيل لا يضر. انتهى باختصار.
مسألة [١٢]: إذا أذن رجل لآخر أن يأخذ دينه من فلان، ثم اختلفا هل هي وكالة، أم حوالة ؟
ذكر أهل العلم أن القول قول مُدَّعِي الوكالة مع يمينه؛ لأنه يدعي بقاء الحق على ما كان، وينكر انتقاله، والأصل معه؛ فإنْ كان لأحدهما بَيِّنَة حُكِمَ بها. (٢)
стр. 3323
مسألة [١٣]: إذا قال: أحلتك بالمال الذي عند زيد، ثم اختلفا ؟
• للحنابلة وجهان: فمنهم من قال: القول قول مدعي الحوالة؛ لأنَّ ظاهر اللفظ معه. ومنهم من قال: القول قول المحيل؛ لأنَّ الأصل بقاء حق المحيل على المحال عليه، والمحتال يدعي نقله، والمحيل ينكر، والقول قول المنكر.
قلتُ: يظهر أنه إن كان اللفظ المذكور يفيد الحوالة عرفًا؛ فالقول قول مدعي الحوالة، وإن لم يكن كذلك؛ فالقول قول من يدعي الوكالة مع يمينه، والله أعلم. (١)
مسألة [١٤]: إذا قال: أحلتك بدينك .
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٧/ ٦٧): وَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّ الْمُحِيلَ قَالَ: أَحَلْتُك بِدَيْنِك. ثُمَّ اخْتَلَفَا، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: هِيَ حَوَالَةٌ بِلَفْظِهَا. وَقَالَ الْآخَرُ: هِيَ وَكَالَةٌ بِلَفْظِ الْحَوَالَةِ. فَالْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِي الْحَوَالَةِ، وَجْهًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّ الْحَوَالَةَ بِدَيْنِهِ لَا تَحْتَمِلُ الْوَكَالَةَ، فَلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُ مُدَّعِيهَا. اهـ
وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: «فَمَنْ مَاتَ وَلَمْ يَتْرُكْ وَفَاءً». (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين
مسألة [١]: تعريف الضمان .
الضمان: مأخوذ من التضمن، وهو أن يجعل الضامن ذمته تتضمن الدين الذي على المضمون عنه، فتشترك الذمتان في الدين المذكور، والتزامه.
مسألة [٢]: مشروعية الضمان .
دلَّ على مشروعيته الكتاب، والسنة، والإجماع.
أما من القرآن: فقوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف:٧٢].
وأما من السنة: فحديث جابر، وحديث أبي هريرة ﵄ اللذان في الباب، وجاء من حديث أبي أمامة ﵁، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «العارية مؤداة، والمنحة مردودة، والدين مقضي، والزعيم غريم» أخرجه أبو داود (٣٥٦٥)، والترمذي (١٢٦٥) بإسناد حسن.
وأما الإجماع: فقد نُقِل الإجماع على مشروعية الضمان في الجملة. (٢)
تنبيه: ينعقد الضمان بكل ما يدل عليه، كقوله: (ضمين، كفيل، قبيل، حميل، زعيم، صبير، أنا أؤدي، أو أحضر، أو أعطيك، وما أشبهه)، وقد قرر ذلك شيخ
стр. 3326
الإسلام وغيره. (١)
مسألة [٣]: هل يُشترط في الضمان رضى الضامن والمضمون عنه ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٧/ ٧٢): وَلَا بُدَّ فِي الضَّمَان مِنْ ضَامِن، ومضمون عَنْهُ، ومضمون لَهُ. وَلَا بد مِنْ رِضَى الضَّامِن؛ فَإِن أُكْرِهَ عَلَى الضَّمَانِ لَمْ يَصِحَّ، وَلَا يُعْتَبَرُ رِضَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ. لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا؛ لِأَنَّهُ لَوْ قُضِيَ الدَّيْنُ عَنْهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَرِضَاهُ صَحَّ، فَكَذَلِكَ إذَا ضَمِنَ عَنْهُ. انتهى المراد.
مسألة [٤]: هل يشترط رضى المضمون له ؟
• مذهب الحنابلة وبعض الشافعية أنه لا يُشترط رضاه، ولا يعتبر؛ لحديث أبي قتادة ﵁ في ضمانه عن الميت، وليس فيه استرضاء صاحب الدين، ولم ينكر ذلك النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وهو ظاهر اختيار الشيخ ابن عثيمين.
• ومذهب الحنفية، ومحمد بن الحسن، وبعض الشافعية أنه يشترط رضاه ويعتبر.
ويظهر لي -والله أعلم- أنَّ الضمان إن كان قاصدًا به أعني الضامن نقل الحق إلى نفسه، والتبرع به؛ فلا يشترط رضاه؛ لحديث أبي قتادة المذكور، وإن كان أراد التوثقة فقط؛ فيُشترط رضى المضمون له، والله أعلم. (٢)
стр. 3327
مسألة [٥]: هل يصح ضمان المجهول ؟
• مذهب الحنابلة، وأبي حنيفة، ومالك صحة ضمان المجهول، كأن يقول: أنا ضامن لمالك عند فلان. وهو لا يدري كم عند فلان له.
واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾، ولأنه ليس عقد معاوضة؛ فيشترط فيه علم المقدار، بل هو عقد ارتفاق وتبرع، فاغتفر فيه الجهالة، وهو ظاهر اختيار ابن القيم، ورجحه الشيخ ابن عثيمين.
• ومذهب الثوري، والليث، وابن أبي ليلى، والشافعي، وابن المنذر، وابن حزم عدم صحة ذلك؛ لأنه التزام مال؛ فلا يصح مجهولًا كالبيع.
وأُجيب عن ذلك: بالتفريق بين البيع الذي يقصد به المعاوضة، وبين الضمان الذي يقصد به الرفق والتبرع، والله أعلم.
قال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول أقرب، والله أعلم. (١)
مسألة [٦]: ضمان ما لم يجب .
صورته: أن يقول: ما سيأخذه منك فلان أنا ضامن له. والخلاف فيه كالخلاف في المسألة السابقة، والراجح هو الجواز؛ لما تقدم. (٢)
стр. 3328
مسألة [٧]: الضمان عن الميت .
• جمهور العلماء على مشروعية الضمان على الميت، سواء ترك تركة أم لم يترك، واستدلوا بحديثي الباب.
• ومذهب أبي حنيفة أنه لا يضمن على الميت؛ لأنَّ ذمته قد خربت إلا أن يترك مالًا، فله أن يضمن عنه.
والصواب قول الجمهور؛ لأنَّ أحاديث الباب نصٌّ في محل النزاع، ولا سبيل إلى ردها وتأويلها، والله أعلم. (١)
مسألة [٨]: الدين الذي لا يؤول إلى اللزوم، هل يضمن فيه ؟
ومثال ذلك: دين المكاتب.
• ومذهب الجمهور أنه لا يضمن فيه؛ لأنه قد يعجز المكاتب، فلا يجب عليه الدين، فكيف على الضامن ذلك؟
• وذهب أحمد في رواية إلى صحة الضمان فيه كسائر الديون.
قلتُ: والقول الثاني أقرب فيما يظهر؛ لأنَّ كونه قد لا يؤول إلى اللزوم لا يمنع جواز أخذ الضمين عليه، فإذا عجز المكاتب ورجع عبدًا؛ زال الضمان، وإن استمر؛ فالضمان باقٍ، والله أعلم. (٢)
стр. 3329
مسألة [٩]: الضمان على عين مضمونة كالمغصوب، والمقبوض ببيع فاسد ؟
صورتها: أن أجد إنسانًا قد غصبني، أو سرق مني متاعًا، فآخذه؛ لأرفعه إلى القاضي، فيقول إنسان آخر: دعه وأنا أضمن لك أن يعطيك متاعك إلى يومين.
• فأجاز الضمان في ذلك أحمد، وأبو حنيفة، والشافعي في أحد قوليه؛ لأن العين أصبحت في ذمته، فأشبهت الدين الذي في الذمة، ولأنَّ المعنى واحد، وهو أخذ وثيقة على رد الحق.
• والقول الثاني للشافعي عدم صحة ذلك؛ لأنَّ الأعيان غير ثابتة في الذمة، وإنما يضمن ما ثبت في الذمة.
وأُجيب عن ذلك: بأنَّ الضمان في الحقيقة إنما هو ضمان استنقاذها وردها، والتزام تحصيلها، أو قيمتها عند تلفها، وهذا مما يصح ضمانه، ولأنَّ العين أصبحت في حكم المضمون في الذمة كما تقدم.
قلتُ: والقول الأول هو الصواب، ورجحه ابن القيم ﵀ كما في «أعلام الموقعين» (٣/ ٤١١)، وهو اختيار الشيخ ابن عثيمين ﵀، والقائلون بالضمان يقصدون بضمانها أنَّ عليه القيمة إذا لم يرد العين المضمونة، والله أعلم. (١)
فائدة: الأمانات، والودائع، والعين المؤجرة يصح أخذ الضمين عليها إن تعدى عليها من هي عنده، ولا يصح أخذ الضمان عليها بغير تعدي؛ لأنها في هذه
стр. 3330
الحالة غير مضمونة. «المغني» (٧/ ٧٦).
مسألة [١٠]: الضمان من إنسان جائز التصرف .
فلا يقبل الضمان من المجنون، والصبي الذي لا يميز بلا خلاف.
• وكذلك لا يقبل من الصبي المميز بدون إذن وليه عند الأكثر، وهو الصواب، وكذلك لا يقبل ضمان المحجور عليه لسفهٍ عند الأكثر أيضًا، وهو الصحيح.
• وأما المحجور عليه لفلسٍ؛ فيقبل ضمانه عند أهل العلم؛ لأن الحجر إنما هو على ماله دون ذمته، وأما العبد فالجمهور على أنه لا يصح إلا بإذن سيده، وهو الصحيح، وأجاز بعض الشافعية، والحنابلة، وابن حزم ضمانه. (١)
مسألة [١١]: هل يسقط الدين عن المضمون عنه ؟
• ذهب بعض أهل العلم إلى أنَّ الدين يسقط عن المضمون عنه، ويصبح في ذمة الضامن فقط، وجعلوه كالحوالة.
واستدلوا بحديث أبي قتادة الذي في الباب، وهذا قول ابن أبي ليلى، وابن شبرمة، وأبي ثور، والظاهرية.
• وذهب أكثر العلماء إلى أنَّ الدين لا يسقط من ذمة المضمون عنه؛ إلا أن يتبرع الضامن بأداء الدين الذي على المضمون عنه.
وحملوا حديث أبي قتادة على ذلك، وهذا قول أحمد، ومالك، والشافعي،