← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 165

فتح العلام في دراسة أحاديث بلوغ المرام ط 4

محمد بن علي بن حزام البعداني

Полный текст (5 956 стр.). Показаны 3326–3365 · переход к 3331.

стр. 3326

الإسلام وغيره. (١) مسألة [٣]: هل يُشترط في الضمان رضى الضامن والمضمون عنه ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٧/ ٧٢): وَلَا بُدَّ فِي الضَّمَان مِنْ ضَامِن، ومضمون عَنْهُ، ومضمون لَهُ. وَلَا بد مِنْ رِضَى الضَّامِن؛ فَإِن أُكْرِهَ عَلَى الضَّمَانِ لَمْ يَصِحَّ، وَلَا يُعْتَبَرُ رِضَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ. لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا؛ لِأَنَّهُ لَوْ قُضِيَ الدَّيْنُ عَنْهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَرِضَاهُ صَحَّ، فَكَذَلِكَ إذَا ضَمِنَ عَنْهُ. انتهى المراد. مسألة [٤]: هل يشترط رضى المضمون له ؟ • مذهب الحنابلة وبعض الشافعية أنه لا يُشترط رضاه، ولا يعتبر؛ لحديث أبي قتادة ﵁ في ضمانه عن الميت، وليس فيه استرضاء صاحب الدين، ولم ينكر ذلك النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وهو ظاهر اختيار الشيخ ابن عثيمين. • ومذهب الحنفية، ومحمد بن الحسن، وبعض الشافعية أنه يشترط رضاه ويعتبر. ويظهر لي -والله أعلم- أنَّ الضمان إن كان قاصدًا به أعني الضامن نقل الحق إلى نفسه، والتبرع به؛ فلا يشترط رضاه؛ لحديث أبي قتادة المذكور، وإن كان أراد التوثقة فقط؛ فيُشترط رضى المضمون له، والله أعلم. (٢)

стр. 3327

مسألة [٥]: هل يصح ضمان المجهول ؟ • مذهب الحنابلة، وأبي حنيفة، ومالك صحة ضمان المجهول، كأن يقول: أنا ضامن لمالك عند فلان. وهو لا يدري كم عند فلان له. واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾، ولأنه ليس عقد معاوضة؛ فيشترط فيه علم المقدار، بل هو عقد ارتفاق وتبرع، فاغتفر فيه الجهالة، وهو ظاهر اختيار ابن القيم، ورجحه الشيخ ابن عثيمين. • ومذهب الثوري، والليث، وابن أبي ليلى، والشافعي، وابن المنذر، وابن حزم عدم صحة ذلك؛ لأنه التزام مال؛ فلا يصح مجهولًا كالبيع. وأُجيب عن ذلك: بالتفريق بين البيع الذي يقصد به المعاوضة، وبين الضمان الذي يقصد به الرفق والتبرع، والله أعلم. قال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول أقرب، والله أعلم. (١) مسألة [٦]: ضمان ما لم يجب . صورته: أن يقول: ما سيأخذه منك فلان أنا ضامن له. والخلاف فيه كالخلاف في المسألة السابقة، والراجح هو الجواز؛ لما تقدم. (٢)

стр. 3328

مسألة [٧]: الضمان عن الميت . • جمهور العلماء على مشروعية الضمان على الميت، سواء ترك تركة أم لم يترك، واستدلوا بحديثي الباب. • ومذهب أبي حنيفة أنه لا يضمن على الميت؛ لأنَّ ذمته قد خربت إلا أن يترك مالًا، فله أن يضمن عنه. والصواب قول الجمهور؛ لأنَّ أحاديث الباب نصٌّ في محل النزاع، ولا سبيل إلى ردها وتأويلها، والله أعلم. (١) مسألة [٨]: الدين الذي لا يؤول إلى اللزوم، هل يضمن فيه ؟ ومثال ذلك: دين المكاتب. • ومذهب الجمهور أنه لا يضمن فيه؛ لأنه قد يعجز المكاتب، فلا يجب عليه الدين، فكيف على الضامن ذلك؟ • وذهب أحمد في رواية إلى صحة الضمان فيه كسائر الديون. قلتُ: والقول الثاني أقرب فيما يظهر؛ لأنَّ كونه قد لا يؤول إلى اللزوم لا يمنع جواز أخذ الضمين عليه، فإذا عجز المكاتب ورجع عبدًا؛ زال الضمان، وإن استمر؛ فالضمان باقٍ، والله أعلم. (٢)

стр. 3329

مسألة [٩]: الضمان على عين مضمونة كالمغصوب، والمقبوض ببيع فاسد ؟ صورتها: أن أجد إنسانًا قد غصبني، أو سرق مني متاعًا، فآخذه؛ لأرفعه إلى القاضي، فيقول إنسان آخر: دعه وأنا أضمن لك أن يعطيك متاعك إلى يومين. • فأجاز الضمان في ذلك أحمد، وأبو حنيفة، والشافعي في أحد قوليه؛ لأن العين أصبحت في ذمته، فأشبهت الدين الذي في الذمة، ولأنَّ المعنى واحد، وهو أخذ وثيقة على رد الحق. • والقول الثاني للشافعي عدم صحة ذلك؛ لأنَّ الأعيان غير ثابتة في الذمة، وإنما يضمن ما ثبت في الذمة. وأُجيب عن ذلك: بأنَّ الضمان في الحقيقة إنما هو ضمان استنقاذها وردها، والتزام تحصيلها، أو قيمتها عند تلفها، وهذا مما يصح ضمانه، ولأنَّ العين أصبحت في حكم المضمون في الذمة كما تقدم. قلتُ: والقول الأول هو الصواب، ورجحه ابن القيم ﵀ كما في «أعلام الموقعين» (٣/ ٤١١)، وهو اختيار الشيخ ابن عثيمين ﵀، والقائلون بالضمان يقصدون بضمانها أنَّ عليه القيمة إذا لم يرد العين المضمونة، والله أعلم. (١) فائدة: الأمانات، والودائع، والعين المؤجرة يصح أخذ الضمين عليها إن تعدى عليها من هي عنده، ولا يصح أخذ الضمان عليها بغير تعدي؛ لأنها في هذه

стр. 3330

الحالة غير مضمونة. «المغني» (٧/ ٧٦). مسألة [١٠]: الضمان من إنسان جائز التصرف . فلا يقبل الضمان من المجنون، والصبي الذي لا يميز بلا خلاف. • وكذلك لا يقبل من الصبي المميز بدون إذن وليه عند الأكثر، وهو الصواب، وكذلك لا يقبل ضمان المحجور عليه لسفهٍ عند الأكثر أيضًا، وهو الصحيح. • وأما المحجور عليه لفلسٍ؛ فيقبل ضمانه عند أهل العلم؛ لأن الحجر إنما هو على ماله دون ذمته، وأما العبد فالجمهور على أنه لا يصح إلا بإذن سيده، وهو الصحيح، وأجاز بعض الشافعية، والحنابلة، وابن حزم ضمانه. (١) مسألة [١١]: هل يسقط الدين عن المضمون عنه ؟ • ذهب بعض أهل العلم إلى أنَّ الدين يسقط عن المضمون عنه، ويصبح في ذمة الضامن فقط، وجعلوه كالحوالة. واستدلوا بحديث أبي قتادة الذي في الباب، وهذا قول ابن أبي ليلى، وابن شبرمة، وأبي ثور، والظاهرية. • وذهب أكثر العلماء إلى أنَّ الدين لا يسقط من ذمة المضمون عنه؛ إلا أن يتبرع الضامن بأداء الدين الذي على المضمون عنه. وحملوا حديث أبي قتادة على ذلك، وهذا قول أحمد، ومالك، والشافعي،

стр. 3331

وإسحاق، والأوزاعي، والثوري، والحنفية وغيرهم، وذلك لأنَّ الضمان ليس خاصًّا بمن ضمن ضمان تبرع، بل قد يقصد الضامن بضمانه الاستيثاق فقط، وهذا هو الغالب. وهذا القول هو الصواب، والله أعلم. • وذهب أكثر الجمهور إلى أنَّ صاحب الدين له مطالبة الضامن والمضمون عنه بدينه؛ لأنَّ الدين قد تعلق بذمتهما. • وذهب مالك في قوله الأخير إلى أن صاحب الدين يطالب المضمون عنه؛ إلا أن يعجز عنه؛ لمماطلة، أو سفر، أو ما أشبهه، فيرجع على الضامن، واختار هذا القول السعدي، والشيخ ابن عثيمين، وقال: عليه عمل الناس اليوم. قلتُ: هذا الذي ينبغي أن يكون عليه العمل، ولكن يظهر أن قول الجمهور هو الصواب، وهو أنَّ له مطالبة الاثنين؛ إلا أن يشترط الضامن عند ضمانه أن لا يطالبه بالدين إلا في حالة العجز، والله أعلم. (١) مسألة [١٢]: هل يرجع الضامن إذا أدَّى الدين على المضمون عنه ؟ • مذهب ابن أبي ليلى، وابن شبرمة، وأبي ثور، والظاهرية أنه ليس له الرجوع عليه؛ لأنهم يرون أن الدين يسقط بالضمان كما تقدم في المسألة السابقة، واستثنوا ما إذا طلب المضمون عنه من الضامن الضمان على جهة الاستقراض.

стр. 3332

• ومذهب الجمهور أنَّ للضامن الرجوع على المضمون عنه في الجملة، ولها صورٌ: الأولى: أن يضمن بأمره، ويؤدي بأمره. • فله الرجوع عند أكثرهم، وهو قول أحمد، ومالك، والشافعي، وأبي يوسف، وقال أبو حنيفة، ومحمد بن الحسن: إن قال: اضمن عني، أو انقد عني. فله الرجوع، وإن قال: أعطه مالًا. فليس له الرجوع؛ إلا أن يكون بينهما مخالطة، وعرف في ذلك. والصحيح قول الجمهور. الثانية: أن يضمن بأمره، ويقضي بغير أمره. • فمذهب أحمد، ومالك، والشافعي في أحد الوجوه عنه أنَّ له الرجوع؛ لأنه أذن له في الضمان، فتضمن ذلك الإذن له في الأداء. • وللشافعي وجهٌ أنه لا يرجع؛ لأنه دفع بغير أمره؛ أشبه المتبرع. وله وجه آخر: أنه إن تعذر الرجوع على المضمون عنه، فدفع ما عليه؛ رجع، وإلا فلا؛ لأنه تبرع في الدفع. والصحيح قول الجمهور. الثالثة: أن يضمن بغير أمره، ويقضي بأمره. • فله الرجوع عند أحمد، ومالك، وإسحاق وغيرهم، وهو الصحيح، وظاهر مذهب الشافعي أنه لا يرجع؛ لأنَّ أمره بالقضاء انصرف إلى ما وجب بضمانه. وأُجيب: بأنه أدى دينه بأمره، فرجع عليه، كما لو لم يكن ضامنًا، أو كما لو

стр. 3333

ضمن بأمره. الرابعة: أن يضمن، ويقضي بغير أمره. • فمذهب أحمد، ومالك، وإسحاق، وعبيد الله بن الحسن وغيرهم أنَّ له الرجوع؛ لأنه قضاءٌ مبرئٌ من دين واجب؛ فكان من ضمان من هو عليه. • ومذهب الشافعي، وأبي حنيفة، واختاره ابن المنذر أنَّ الضامن ليس له الرجوع، واستدلوا بحديث أبي قتادة. وأُجيب: بأنَّ أبا قتادة يظهر من سياق القصة أنه كان متبرعًا، وليس الخلاف في المتبرع، وإنما الخلاف فيمن ضمن وهو محتسب بالرجوع. قال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب في الحالات كلها أنَّ له الرجوع، وهو ترجيح الإمام ابن عثيمين. تنبيه: الخلاف المذكور في حالة عدم تبرعه بالقضاء، وأما إن ضمن وقضى متبرعًا؛ فلا إشكال في أنه ليس له الرجوع؛ لأنه تطوع بذلك، فهو كالصدقة. (١) مسألة [١٣]: إذا اشترط الضامن أن يأخذ المضمونُ له بحقه المضمونَ عنه، أو يأخذ المليَّ منهما دون المعسر، أو الحاضر دون الغائب ؟ • مذهب الجمهور جواز وصحة هذه الشروط؛ لأنها لا تنافي مقتضى العقد عندهم، وأما القائلون بسقوط الدين عن المضمون عنه بالضمان؛ فلا يجيزون

стр. 3334

هذه الشروط كالظاهرية، وابن شبرمة؛ لأنها عندهم تنافي مقتضى الضمان، وهو شرط باطل ليس في كتاب الله. قلتُ: والصحيح قول الجمهور، والله أعلم. (١) مسألة [١٤]: إذا ضمن ضامن دَيْنًا حالًا ضمانًا مؤجلًا ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٧/ ٨٢): إذَا ضَمِنَ الدَّيْنَ الْحَالَ مُؤَجَّلًا؛ صَحَّ، وَيَكُونُ حَالًّا عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ، مُؤَجَّلًا عَلَى الضَّامِنِ، يَمْلِكُ مُطَالَبَةَ الْمَضْمُونِ عَنْهُ دُونَ الضَّامِنِ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. انتهى المراد. مسألة [١٥]: إذا ضمن ضامن دينا مؤجلا عن إنسان، ثم مات أحدهما ؟ • في هذه المسألة خلاف مبني على المسألة المتقدمة في باب التفليس (هل يحل الدين بالموت؟). قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٧/ ٨٣ - ٨٤): فَإِنْ قُلْنَا: يَحِلُّ عَلَى الْمَيِّتِ؛ لَمْ يَحِلَّ عَلَى الْآخَرِ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ لَا يَحِلُّ عَلَى شَخْصٍ بِمَوْتِ غَيْرِهِ؛ فَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ الْمَضْمُونَ عَنْهُ لَمْ يَسْتَحِقَّ مُطَالَبَةَ الضَّامِنِ قَبْلَ الْأَجَلِ؛ فَإِنْ قَضَاهُ قَبْلَ الْأَجَلِ؛ كَانَ مُتَبَرِّعًا بِتَعْجِيلِ الْقَضَاءِ. قال: وَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ الضَّامِنَ، فَاسْتَوْفَى الْغَرِيمُ الدَّيْنَ مِنْ تَرِكَتِهِ؛ لَمْ يَكُنْ لِوَرَثَتِهِ مُطَالَبَةُ الْمَضْمُونِ عَنْهُ حَتَّى يَحِلَّ الْحَقُّ؛ لِأَنَّهُ مُؤَجَّلٌ عَلَيْهِ، فَلَا يَسْتَحِقُّ

стр. 3335

مُطَالَبَتَهُ بِهِ قَبْلَ أَجَلِهِ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. اهـ مسألة [١٦]: إذا أبرأ صاحب الدين الضامن، أو المضمون عنه ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٧/ ٨٧): وَإِنْ أَبْرَأَ صَاحِبُ الدَّيْنِ الْمَضْمُونَ عَنْهُ؛ بَرِئَتْ ذِمَّةُ الضَّامِنِ. لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا؛ لِأَنَّهُ تَبَعٌ، وَلِأَنَّهُ وَثِيقَةٌ، فَإِذَا بَرِئَ الْأَصْلُ؛ زَالَتْ الْوَثِيقَةُ، كَالرَّهْنِ. قال: وَإِنْ أَبْرَأَ الضَّامِنَ؛ لَمْ تَبْرَأْ ذِمَّةُ الْمَضْمُونِ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ أَصْلٌ، فَلَا يَبْرَأُ بِإِبْرَاءِ التَّبَعِ، وَلِأَنَّهُ وَثِيقَةٌ انْحَلَّتْ مِنْ غَيْرِ اسْتِيفَاءِ الدَّيْنِ مِنْهَا؛ فَلَمْ تَبْرَأْ ذِمَّةُ الْأَصِيلِ، كَالرَّهْنِ إذَا انْفَسَخَ مِنْ غَيْرِ اسْتِيفَائِهِ. اهـ قلتُ: ما ذكره ابن قدامة هو الراجح، ولكن قوله: (لا نعلم فيه خلافًا) إن كان أراد به عند من لا يقول بسقوط الدين عن المضمون عنه؛ فمسلم، وأما على قول من قال بسقوط الدين؛ فمقتضاه أنهم يخالفون في هذه المسألة، والله أعلم. مسألة [١٧]: هل يدخل في الضمان والكفالة خيارٌ ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٧/ ٩٥ - ٩٦): وَلَا يَدْخُلُ الضَّمَانَ وَالْكَفَالَةَ خِيَارٌ؛ لِأَنَّ الْخِيَارَ جُعِلَ لِيُعْرَفَ مَا فِيهِ الْحَظُّ، وَالضَّمِينُ وَالْكَفِيلُ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَّهُ لَا حَظَّ لَهُمَا، وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ لَا يَفْتَقِرُ إلَى الْقَبُولِ؛ فَلَمْ يَدْخُلْهُ خِيَارٌ، كَالنَّذْرِ. وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ. وَلَا نَعْلَمُ عَنْ أَحَدٍ خِلَافَهُمْ. اهـ

стр. 3336

مسألة [١٨]: هل يجوز للضامن أن يأخذ من المضمون عنه جعلًا ؟ قال الإمام ابن المنذر ﵀ في «الأوسط» (١٠/ ٦٠٨): أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم على أن الحمالة بجعل يأخذه الحميل لا تحل، ولا تجوز، واختلفوا في ثبوت الضمان على هذا الشرط؛ فكان سفيان الثوري يقول: إذا قال الرجل للرجل: اكفل عني، ولك ألف درهم. قال: الكفالة جائزة، ويرد إليه الألف درهم. قال: وقال أحمد في مسألة الكفالة: ما أرى هذا يأخذ شيئًا بحق. وقال إسحاق ابن راهويه: ماأعطاه من شيء فهو حسن. انتهى المراد. وقال الحطاب في «مواهب الجليل» (٦/ ٢٧٣): ولا خلاف في منع ضمان بجعل؛ لأن الشرع جعل الضمان والقرض والجاه لا يفعل إلا لله بغير عوض فأخذ العوض عليه سحت قاله في التوضيح. اهـ وقال الماوردي في «الحاوي» (٦/ ٤٤٣): فلو أمره بالضمان عنه بجعل جعله له لم يجز، وكان الجعل باطلا والضمان إن كان بشرط الجعل فاسدا بخلاف ما قاله إسحاق بن راهويه؛ لأن الجعل إنما يستحق في مقابلة عمل، وليس الضمان عملا فلا يستحق به جعلا. اهـ قال أبو عبد الله غفر الله له: لم يظهر لي وجه التحريم، ولا يدخل في قرض جر نفعًا؛ لأنه استبدل عمله من إرادة الثواب إلى إرادة شيء من الدنيا، وهذا العمل ليس عبادة محضة، بل هي فعل خير من عمله إرادة الثواب أجر عليه، ومن عمل

стр. 3337

ذلك مقابل أجرة؛ حرم نفسه الثواب، وله أجرته التي أرادها، والله أعلم. وأما إدعاء الإجماع فلا إجماع بالمسألة مع مخالفة الإمام إسحاق بن راهويه، والأظهر ما ذكره إسحاق، والله أعلم.

стр. 3338

٨٦٨ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا كَفَالَةَ فِي حَدٍّ». رَوَاهُ البَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مع ذكر بعض المسائل الملحقة مسألة [١]: معنى الكفالة . الكفالة: هي بمعنى الضمان، ولكن أكثر إطلاقها عند الفقهاء على من يضمن إحضار بدن المضمون عنه دون التزام دينه. مسألة [٢]: هل تصح الكفالة بالنفس ؟ • عامة أهل العلم على صحة الكفالة بالنفس؛ لأنها مما يصدق عليها معنى مطلق الكفالة، ويصدق على الكفيل أنه زعيم، واستدل بعضهم بقوله تعالى: ﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ [يوسف:٦٦]، وبعموم قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «والزعيم غارم». (٢)

стр. 3339

• وذهب ابن حزم، وبعض الشافعية إلى عدم صحة الكفالة بالنفس، وهو مذهب داود الظاهري، واستدل ابن حزم على ذلك بأنه شرط ليس في كتاب الله؛ فهو باطل، وبأنه إذا كفل إنسانًا فلم يستطع الإتيان به، فإما أن يلزم بالمال الذي في ذمته، أو في طلبه، وهو جور وتكليف بالحرج، وإما أن تقولوا: ليس عليه شيء؛ فلا معنى للكفالة حينئذٍ. قلتُ: والصواب قول الجمهور؛ لما تقدم من الأدلة، وهو اختيار البخاري، ثم شيخ الإسلام، وابن القيم، ثم الشوكاني، ثم الشيخ ابن عثيمين رحمة الله عليهم. (١) مسألة [٣]: إذا لم يستطع الكفيل أن يأتي بالمكفول فهل يغرم دينه ؟ • مذهب أحمد وأصحابه أنه يغرم دينه، وهو قول مالك إذا لم يقيد، ويقول: أنا ضامن الوجه خاصَّة. • ومذهب الحنفية، والشافعية أنه لا يغرم؛ لأنه لم يلتزم بالدين. والصحيح قول أحمد؛ لعموم قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «والزعيم غارم». قال الشوكاني ﵀ في «السيل» (٤/ ٢٣٣): ويصدق على الكفيل أنه زعيم؛ فيلزمه ما يلزم الزعيم إذا تعذر إحضار المكفول بوجهه، وهو قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «والزعيم غارم». قال: فكفيل الوجه إذا تعذر عليه إحضار من تكفل بوجهه؛ لزمه ضمان ما

стр. 3340

عليه بهذا الحديث؛ إن كان الذي عليه مما يتعلق بالمال. انتهى المراد، وانظر المصارد السابقة. مسألة [٤]: إذا مات المكفول، فهل يبرأ الكفيل ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٧/ ١٠٥): إذَا مَاتَ الْمَكْفُولُ بِهِ؛ سَقَطَتْ الْكَفَالَةُ، وَلَمْ يَلْزَمْ الْكَفِيلَ شَيْءٌ. وَبِهَذَا قَالَ شُرَيْحٌ، وَالشَّعْبِيُّ، وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ. وَقَالَ الْحَكَمُ، وَمَالِكٌ، وَاللَّيْثُ: يَجِبُ عَلَى الْكَفِيلِ غُرْمُ مَا عَلَيْهِ. وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ شُرَيْحٍ؛ لِأَنَّ الْكَفِيلَ وَثِيقَةٌ بِحَقٍّ، فَإِذَا تَعَذَّرَتْ مِنْ جِهَةِ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ؛ اسْتَوْفَى مِنْ الْوَثِيقَةِ كَالرَّهْنِ وَلِأَنَّهُ تَعَذَّرَ إحْضَارُهُ؛ فَلَزِمَ كَفِيلَهُ مَا عَلَيْهِ كَمَا لَوْ غَابَ. قال ابن قدامة: وَلَنَا أَنَّ الْحُضُورَ سَقَطَ عَنْ الْمَكْفُولِ بِهِ، فَبَرِئَ الْكَفِيلُ، كَمَا لَوْ بَرِئَ مِنْ الدَّيْنِ، وَلِأَنَّ مَا الْتَزَمَهُ مِنْ أَجْلِهِ سَقَطَ عَنْ الْأَصْلِ، فَبَرِئَ الْفَرْعُ، كَالضَّامِنِ إذَا قَضَى الْمَضْمُونُ عَنْهُ الدَّيْنَ، أَوْ أُبْرِئَ مِنْهُ، وَفَارَقَ مَا إذَا غَابَ؛ فَإِنَّ الْحُضُورَ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ، وَيُفَارِقُ الرَّهْنَ؛ فَإِنَّهُ عُلِّقَ بِهِ الْمَالُ، فَاسْتُوْفِيَ مِنْهُ. اهـ قال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول أقرب، والله أعلم. (١) مسألة [٥]: إذا عين في الكفالة تسليمه في مكان، فأحضره في غيره ؟ • ذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا يبرأ من الكفالة حتى يسلمه في المكان الذي عينه، وهو قول جماعة من الحنابلة وأبي يوسف، ومحمد وبعض الشافعية.

стр. 3341

• وقال بعضهم: يبرأ متى أحضره إليه في أي مكان كان، وفي ذلك المكان سلطان، وهو قول بعض الحنابلة، وبعض الشافعية. • وقال بعضهم: إن كان عليه ضرر في إحضاره بمكان آخر؛ لم يبرأ الكفيل بإحضاره فيه، وإلا برئ. وهو قول بعض الحنابلة، والشافعية. قلتُ: وهذا القول أقرب الأقوال، والله أعلم. (١) مسألة [٦]: إذا تكفل برجل إلى أجل إن جاء به، وإلا لزمه ؟ • يصح ذلك عند جماعة من أهل العلم؛ لأنه شرط لا ينافي مقتضى الكفالة، والضمان، وهو قول الحنابلة، والحنفية، وأبي يوسف. • ومذهب الشافعي ومحمد بن الحسن عدم صحة ذلك؛ لأنه مخاطرة وغرر. قلتُ: والقول الأول هو الصواب، وليس هو عقد معاوضة فيمنع فيه الغرر، وإنما هو عقد تبرع وارتفاق، والله أعلم. (٢) مسألة [٧]: الكفالة ببدن من عليه حد ؟ • أكثر أهل العلم على أنه لا تصح الكفالة ببدن من عليه حد، سواء كان حقًّا لله كحد الزاني، والسرقة، أو كان حقًّا لآدمي كالقصاص، واستدلوا بحديث عمرو بن شعيب، ولأنه لا يُستطاع استيفاء الحد من الكفيل.

стр. 3342

• وعن الشافعي قولٌ أنه يجوز أخذ الكفالة في الحد المتعلق بحق الآدمي. وفي «البخاري» مُعَلَّقًا أن حمزة بن عمرو الأسلمي أخذ على رجل كفلاء، وكان قد وقع على جارية امرأته، فلم ينكر عليه عمر صنيعه ذلك، وبوَّب عليه البخاري ﵀: [باب الكفالة في القرض والديون بالأبدان وغيرها]. قال ابن المنير: أخذ البخاري الكفالة بالأبدان في الديون من الكفالة بالأبدان في الحدود بطريق الأولى. اهـ قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: ويمكن أن يفرق بين شخص له القدرة التامة على إحضار بدن من عليه حد، وبين شخص عادي لا يستطيع، فالأول قد يقال بصحة كفالته، والثاني لا تصح بلا شك. اهـ قلتُ: وهذا القول قويٌّ، ويحمل عليه الأثر المتقدم، والله أعلم.

стр. 3343

تنبيه: الكفالة تنعقد بما يدل عليها، وبقي أحكام لم نذكرها؛ لأنها كأحكام الضمان المتقدم ذكرها، والله أعلم. بَابُ الشَّرِكَةِ وَالوَكَالَةِ ٨٦٩ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «قَالَ اللهُ تَعَالَى: أَنَا ثَالِثُ الشَّرِيكَيْنِ مَا لَمْ يَخُنْ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، فَإِذَا خَانَ خَرَجْت مِنْ بَيْنِهِمَا». رَوَاهُ أَبُودَاوُد وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ. (١) ٨٧٠ - وَعَنِ السَّائِبِ المَخْزُومِيِّ ﵁ أَنَّهُ كَانَ شَرِيكَ النَّبِيِّ ﷺ قَبْلَ البَعْثَةِ فَجَاءَ يَوْمَ الفَتْحِ، فَقَالَ: «مَرْحَبًا بِأَخِي وَشَرِيكِي». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُودَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ. (٢) ٨٧١ - وَعَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: اشْتَرَكْتُ أَنَا وَعَمَّارٌ وَسَعْدٌ فِيمَا نُصِيبُ يَوْمَ بَدْرٍ ... الحَدِيثَ. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُ. (٣)

стр. 3344

المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث مع ذكر بعض المسائل الملحقة مسألة [١]: تعريف الشَرِكة . الشركة: بفتح الشين وكسر الراء، وبكسر الشين، وإسكان الراء، وبفتح الشين والراء، ثلاث لغات، وأشهرها الأولى، وهي في اللغة: الاختلاط. وعند الفقهاء: هي الاجتماع في الاستحقاق، أو التصرف. والاجتماع في الاستحقاق يُسَمَّى شركة الأملاك، كالاشتراك في الغنيمة، والاشتراك في الميراث. والاجتماع في التصرف هو المعروف بشركة العقود، وهو أقسام: شركة العِنان، وشركة الأبدان، وشركة المضاربة، وشركة الوجوه، وشركة المفاوضة. وسيأتي إن شاء الله بيان كل واحدة منها. (١) مسألة [٢]: مشروعية الشركة . الشركة مشروعة بدلالة الكتاب، والسنة، والإجماع. أما من القرآن: فقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ [ص:٢٤]. وأما من السنة: ففي «البخاري» (٢٤٩٧): أن البراء بن عازب، وزيد بن أرقم

стр. 3345

كانا شريكين في عهد النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وذكر بعضهم أيضًا أحاديث الباب، وهي ضعيفة كما بَيَّنَّا. وأما الإجماع: فقد نقل غير واحد الإجماع على مشروعية الشركة في الجملة. (١) مسألة [٣]: الشركة من جائز التصرف . ذكر أهل العلم أن الشركة لا يصح شيء منها إلا من جائز التصرف؛ لأنه عقد على التصرف في المال؛ فلا تصح إلا ممن يجوز تصرفه فيه، فلا تجوز مشاركة المجنون، ولا الصبي ولا المحجور عليه لسفهه، ولا المحجور عليه لفلسه في ماله المحجور عليه. (٢) مسألة [٤]: مشاركة اليهودي، والنصراني . • أكثر أهل العلم على جواز مشاركتهم بشرط أن لا يحصل شراء محرم، أو عقد محرم كالخمر، والربا، وذلك بأن يتولى المسلم البيع والشراء، وممن قال بذلك عطاء، وطاوس، ومجاهد، وإياس، والحسن، ومالك، وأحمد، والثوري وغيرهم. واستدلوا بأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قد عامل اليهود بالبيع والشراء، والمساقاة، والمزارعة؛ فدل على جواز التعامل معهم، ولأنَّ الأصل في المعاملات الإباحة، ولا نخرج عن الإباحة إلا بدليل يدل على التحريم.

стр. 3346

• وذهب الشافعي إلى كراهة مشاركتهم، وهو قول الحنفية؛ لما ثبت عن ابن عباس بإسناد حسن، أنه قال: لا تشارك يهوديًّا، ولا نصرانيًّا، ولا مجوسيًّا؛ لأنهم يربون، والربا لا يحل. أخرجه ابن أبي شيبة، وابن المنذر. وقد أجاب الجمهور عن أثر ابن عباس ﵄ بأنه محمول على من مكنهم من المعاملات المحرمة؛ لقوله: لأنهم يربون ... إلخ. والصواب قول الجمهور، والله أعلم. تنبيه: إذا كانت المشاركة سببًا لمودة اليهود والنصارى؛ فلا تجوز ممن يحصل له ذلك، وكذلك لا تجوز إن كان في ذلك خضوع من المسلم للكافر ومع خلو ذلك فالأفضل هو ترك المشاركة معهم والاشتراك مع المسلمين، وبالله التوفيق. (١) مسألة [٥]: شركة العِنَان . معناها: أن يشترك اثنان في ماليهما على أن يعملا فيه بأبدانهما والربح بينهما، وهي جائزة بالإجماع. ذكره ابن المنذر، وابن رشد وغيرهما. وسُمِّيَت بـ (العِنان)؛ لأنهما يتساويان بالمال والتصرف كالفارسين إذا سويا فرسيهما، وتساويا في السير؛ فإنَّ عنانيهما يكونان سواء. وقيل: مأخوذة من (عَنَّ)، أي: ظهر، وبدا له أن يشارك. وضعَّف هذا القول الإمام ابن عثيمين ﵀ بأنَّ هذا يقتضي أن تسمى بذلك جميع الشركات. (٢)

стр. 3347

مسألة [٦]: هل يُشترط أن تكون هذه الشركة بالدراهم والدنانير أم يجوز أن تكون في العروض أيضًا ؟ أما الاشتراك بالنقد، كالدراهم، والدنانير؛ فلا خلاف في جوازه كما ذكر ابن قدامة، وابن رشد. • واختلف أهل العلم: هل يصح الاشتراك في العروض؟ على قولين: القول الأول: لا تصح الشركة بالعروض، وهو قول الشافعي، وإسحاق، وأحمد في رواية، وهو الظاهر في مذهبه عند أصحابه، وأبي ثور، وأصحاب الرأي وغيرهم؛ وذلك لأنَّ العروض قد تزيد أسعار بعضها دون بعض، وقد تنقص، وقد لا يكون لها مثل، فإذا تفاصلا؛ حصل النزاع والاختلاف. القول الثاني: صحة الشركة في العروض، وتعتبر قيمتها وقت العقد، وهو قول مالك، وأحمد في رواية وهو قول جماعة من أصحابه وابن أبي ليلى، واختار هذا القول الإمام ابن عثيمين ﵀ قال: وعليه العمل. وهذا القول هو الصواب، والله أعلم. (١) مسألة [٧]: هل يشترط أن يكون المال معلوم القدر ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٧/ ١٢٥): وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ رَأْسُ مَالِ الشَّرِكَةِ مَجْهُولًا، وَلَا جُزَافًا؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الرُّجُوعِ بِهِ عِنْدَ المُفَاصَلَةِ، وَلَا يُمْكِنُ مَعَ الْجَهْلِ وَالْجُزَافِ. اهـ

стр. 3348

مسألة [٨]: هل يشترط اتفاق الجنس في المالين ؟ وذلك بأن يدفع أحدهما دراهم والآخر مثله دراهم، أو أحدهما دنانير والآخر مثله دنانير. • فذهب جماعة من أهل العلم إلى اشتراط ذلك، وهو قول الشافعي، ومالك في رواية، والظاهرية، والحنفية. واحتج الشافعي والظاهرية بأنه لا يمكن خلطه إلا بذلك، وحُكي عن مالك أن ذلك يعتبر صرفًا بغير تقابض. • وذهب جماعة من أهل العلم إلى عدم اشتراط ذلك، وهو قول الحسن، وابن سيرين، وأحمد، ومالك في رواية، والثوري، وهو ظاهر اختيار البخاري. قال الإمام ابن عثيمين ﵀: الصحيح ما ذهب إليه المؤلف -يعني عدم اشتراط ذلك- بشرط ألَّا يزيد سعر الدنانير، ولا ينقص بأن يكون مقررًا من قبل الدولة؛ فإن كان يمكن فيه الزيادة والنقص؛ فإنه لا يجوز، وفي الوقت الحاضر الذهب غير مقدر، فبناءً على ذلك؛ فإنه لا يصح أن يكون أحدهما دنانير والآخر دراهم، إلا على القول الذي أشرنا إليه فيما سبق أنه يجوز أن يكون رأس المال عرضًا، ولكن يقدر بقيمته؛ فحينئذ يؤتى بالدنانير والدراهم لكي تقدر الدنانير بدراهم. اهـ قال أبو عبد الله غفر الله له: القول بعدم الاشتراط هو الصواب، وما كان يتغير ثمنه وقيمته، ينظر قيمة أحدهما بالجنس الآخر، ويتفقان على التفاصل بذلك

стр. 3349

الجنس، والله أعلم. (١) مسألة [٩]: هل يشترط تساوي المالين في القدر ؟ قال أبو محمد بن قدامة ﵀: وَلَا يُشْتَرَطُ تَسَاوِي المَالَيْنِ فِي الْقَدْرِ. وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: يُشْتَرَطُ ذَلِكَ. وَلَنَا أَنَّهُمَا مَالَانِ مِنْ جِنْسِ الْأَثْمَانِ؛ فَجَازَ عَقْدُ الشَّرِكَةِ عَلَيْهِمَا كَمَا لَوْ تَسَاوَيَا. اهـ (٢) مسألة [١٠]: هل يشترط خلط المالين ؟ • مذهب الحنابلة، والحنفية عدم اشتراط ذلك، بل تقع الشركة عندهم ولو كان مال كل واحد منهما معه في مكان، والعبرة عندهم بالاتفاق والتراضي، وهو ظاهر اختيار الشوكاني. • واشترط مالك ﵀ أن يكون المالان في مكان واحد، ولو لم يختلطا. • ومذهب الشافعي، والظاهرية أنه يشترط خلط المالين؛ لأنه إذا لم يخلط فمال كل واحد متميز، ولم تحصل شركة، ولا شركة عندهم إلا بخلطه. قلتُ: الأقرب -فيما يظهر لي- القول الأول، وهو ترجيح الإمام ابن عثيمين ﵀. (٣)

стр. 3350

مسألة [١١]: التصرف من الشريكين . لكل واحد من الشريكين التصرف في المال في مصلحة الشركة، ولو بدون إذن؛ لأن الشركة تغني عن الإذن، وأما تصرف أحدهما في المال بما ليس فيه مصلحة، أو ربح؛ فلا يجوز إلا بإذن شريكه، وإن فعل بدون إذنه ولم يرض الشريك بذلك؛ فيتحملها الذي تصرف بغير إذن، والله أعلم. هذا خلاصة لما ذكروه في كلامٍ طويل. (١) مسألة [١٢]: الربح في شركة العِنَان . • ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الربح يتقاسمه الشركاء كلٌّ بقدر ماله، فإذا دفع أحدهما مالًا ضعف الآخر؛ أخذ من الربح ضعفه، وإذا دفع أحدهما ثلث الآخر؛ أخذ من الربح الثلث، وهكذا. ولا يجوز عندهم إن يتساويا في الربح مع تفاضلهما في المال، أو يتفاضلا في الربح مع تساويهما في المال، وهذا مذهب مالك، والشافعي، وابن حزم. • وذهب آخرون إلى أن الربح على حسب ما يصطلحان عليه، سواء تساويا في المال، أو تفاضلا؛ لأنهما قد يتفاوتان في الأبدان، والعمل، والخبرة، وهذا مذهب أحمد، وأبي حنيفة، واختاره الشوكاني. قلتُ: وهو الصواب؛ لأن العبرة بالتراضي، والله أعلم. (٢)

стр. 3351

تنبيه: بناءً على ما اخترناه من أنَّ الربح على ما اصطلحا عليه؛ فيُشترط تحديد الربح عند عقد الشركة؛ حتى لا يحصل الخلاف والنزاع. مسألة [١٣]: الخسارة في شركة العِنان . قال أبو محمد بن قدامة ﵀ في «المغني» (٧/ ١٤٥): الْخُسْرَانَ فِي الشَّرِكَةِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِقَدْرِ مَالِهِ؛ فَإِنْ كَانَ مَالُهُمَا مُتَسَاوِيًا فِي الْقَدْرِ، فَالْخُسْرَانُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، وَإِنْ كَانَ أَثْلَاثًا، فَالْوَضِيعَةُ أَثْلَاثًا. لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَبِهِ يَقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمَا. اهـ مسألة [١٤]: شركة الأبدان . وذلك بأن يشترك اثنان، أو أكثر فيما يكتسبونه بأيديهم، كاشتراك الصانعين، والصيادين، والحطابين، والحمالين وغيرهم. • فمذهب أحمد، ومالك صحة هذه الشركة، واستدلوا بحديث ابن مسعود الذي في الباب، وفيه ضعفٌ كما تقدم بيانه. واستدلوا بأنَّ العبرة هو التراضي، وقد تراضوا على الاشتراك في ذلك، وهذا القول هو ظاهر اختيار الشوكاني ﵀، وأجازه أبو حنيفة في الصناعة دون الاكتساب كالاحتطاب. • ومذهب الشافعي، ووافقه ابن المنذر، وابن حزم بطلان هذه الشركة؛ لأنها شركة على غير مال ولا تخلط، ولأنَّ أحدهما سيأكل من مال صاحبه، وفيها

стр. 3352

غرر؛ لأنه ربما بقي أحدهما يكتسب والآخر لا يحصل على شيء. وأجاب أهل القول الأول -وهو الصواب- بأنَّ العبرة هو التراضي، فإذا حصل؛ صحت الشركة، وهي شركة غير ملزمة، فللمكتسب إذا رأى صاحبه مقصرًا أن يفصل الشركة، والله أعلم. (١) مسألة [١٥]: هل تصح شركة الأبدان مع اختلاف الصنائع ؟ • تقدم أن الأصل في حصول الشركة هو التراضي، وعلى هذا فتصح شركة الأبدان ولو اختلفت الصنائع، وهو قول جماعة من الحنابلة، ومنع مالك وبعض الحنابلة من ذلك. والصواب القول الأول، وهو ظاهر اختيار الشوكاني ﵀. (٢) مسألة [١٦]: الربح في شركة الأبدان . قال أبو محمد بن قدامة ﵀ في «المغني» (٧/ ١١٣): والربح في شركة الأبدان على ما اتفقوا عليه من مساواةٍ، أو تفاضلٍ؛ لأنَّ العمل يُستحق به الربح، ويجوز تفاضلهما في العمل، فجاز تفاضلهما في الربح الحاصل به. انتهى المراد. مسألة [١٧]: شركة المضاربة . سيأتي الكلام عليها إن شاء الله مع بيان مسائلها في باب القراض، حيث ذكره الحافظ ﵀.

стр. 3353

مسألة [١٨]: شركة الوجوه . هو أن يشترك اثنان أو أكثر فيما يشترونه بجاههما، وثقة التجار بهما، من غير أن يكون لهما رأس مال. • وهذه الشركة جائزة عند أحمد، وإسحاق، والثوري، ومحمد بن الحسن، وأبي ثور، وابن المنذر، وسواء عين أحدهما لصاحبه ما يشتريه، أو قدره، أو وقته، أو ذكر صنف المال، أو لم يعين شيئًا من المال. • وقال أبو حنيفة: لا يصح حتى يذكر الوقت والمال، أو صنفًا من ذلك. • ومنع مالك، والشافعي من هذه الشركة؛ إلا أن تجعل من باب الوكالة، فيوكل أحدهما صاحبه في ذلك، ويشترط فيها عندهم ما يشترط في الوكالة عندهم من تعيين الجنس، وقدره، وما أشبه ذلك. قال أبو عبد الله غفر الله له: تقدم أن العبرة في الشركة إنما هو في التراضي، وعلى هذا فتصح هذه الشركة، وهو ظاهر اختيار الشوكاني، ثم اختيار الإمام ابن عثيمين رحمهما الله. (١) مسألة [١٩]: شركة المفاوضة . هو أن يشترك اثنان، أو أكثر في جميع الشركات المتقدمة. • فتجوز عند الحنابلة، وهو الصحيح؛ لأنهم أجازوا جميع الشركات المتقدمة،

стр. 3354

وهو ظاهر اختيار الإمام الشوكاني، ثم الإمام العثيمين رحمة الله عليهما. قال أبو عبد الله غفر الله له: إن أريد بشركة المفاوضة اجتماع الشركات التي تقدم الكلام عليها؛ فهي جائزة، وإن أريد بها إدخال جميع المكاسب من أي وجهٍ كان، حتى من الهبة، والميراث، وغيرهما؛ فهي فاسدة لما فيه من الغرر والجهالة، وعليه أكثر العلماء، كما سيأتي في المسألة التالية. (١) مسألة [٢٠]: إذا أدخل الشريكان في الشركة الأكساب النادرة، والغرامات النادرة ؟ مثال الأكساب النادرة: الهبة، والميراث، والركاز، واللقطة بعد تعريفها عامًا، ومثال الغرامات النادرة أرش الجناية، وضمان الغصب، وقيمة المتلف، وغرامة الضمان. • فمذهب أحمد، والشافعي وأصحابهما فساد هذه الشركة وعدم صحتها؛ لأنه عقد لم يرد الشرع بمثله، وفيه غرر، ولأنَّ الغرامة النادرة ربما تجحف بمال الشركة، ولأنها تعود بجهالة الربح، والأصل، وكل شرط يعود إلى الشركة بجهالة الربح؛ فهو فاسد مفسد لها. • وأجاز ذلك الثوري، والأوزاعي، وأبو حنيفة، وحُكي عن مالك. والصحيح القول الأول، وهو اختيار الشيخ ابن عثيمين ﵀. (٢)

стр. 3355

مسألة [٢١]: الشركة عقد جائز . قال أبو محمد بن قدامة ﵀ في «المغني» (٧/ ١٣١): وَالشَّرِكَةُ مِنْ الْعُقُودِ الْجَائِزَةِ تَبْطُلُ بِمَوْتِ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ، وَجُنُونِهِ، وَالْحَجْرِ عَلَيْهِ لِلسَّفَهِ، وَبِالْفَسْخِ مِنْ أَحَدِهِمَا؛ لِأَنَّهَا عَقْدٌ جَائِزٌ، فَبَطَلَتْ بِذَلِكَ كَالْوَكَالَةِ. اهـ قلتُ: وكونها عقد جائزٌ لا يبيح للشريك أن يفسخ الشركة في وقت يحصل لشريكه من ذلك ضرر، فلا ضرر ولا ضرار، والله أعلم.

стр. 3356

٨٧٢ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِاللهِ ﵄، قَالَ: أَرَدْت الخُرُوجَ إلَى خَيْبَرَ، فَأَتَيْت النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: «إذَا أَتَيْت وَكِيلِي بِخَيْبَرَ، فَخُذْ مِنْهُ خَمْسَةَ عَشَرَ وَسْقًا». رَوَاهُ أَبُودَاوُد وَصَحَّحَهُ. (١) ٨٧٣ - وَعَنْ عُرْوَةَ البَارِقِيِّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعَثَ مَعَهُ بِدِينَارٍ يَشْتَرِي لَهُ أُضْحِيَّةً ... الحَدِيثَ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ فِي أَثْنَاءِ حَدِيثٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ. (٢) ٨٧٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عُمَرَ عَلَى الصَّدَقَةِ الحَدِيثَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (٣) ٨٧٥ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَحَرَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ وَأَمَرَ عَلِيًّا ﵁ أَنْ يَذْبَحَ البَاقِيَ الحَدِيثَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (٤) ٨٧٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ فِي قِصَّةِ العَسِيف، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا» ... الحَدِيثَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (٥)

стр. 3357

المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث مع ذكر بعض المسائل الملحقة مسألة [١]: تعريف الوكالة . الوَكَالة: بفتح الواو وكسرها، وهي في اللغة: التفويض. وهي عند الفقهاء: استنابة رجل جائز التصرف من مثله فيما تدخله النيابة. قاعدة: قال ابن قدامة ﵀: كل من صح تصرفه في شيء بنفسه، وكان مما تدخله النيابة؛ صحَّ أن يوكل فيها رجلًا كان، أو امرأة، حرًّا كان أو عبدًا، مسلمًا كان أو كافرًا. اهـ قلتُ: ويعني بذلك بشرط أن يكون الذي وُكِّلَ بذلك ممن يصح تصرفه في ذلك الشيء بنفسه أيضًا. (١) مسألة [٢]: شرعية الوكالة . شرعية الوكالة ثابتة في الكتاب، والسنة، والإجماع. أما من القرآن: فقوله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ [الكهف:١٩]، وقوله تعالى: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ [التوبة:٦٠]. وأما من السنة: فأحاديث الباب وغيرها كثيرة. وأما الإجماع: فأجمعت الأمة على جواز الوكالة في الجملة. (٢)

стр. 3358

مسألة [٣]: بم تنعقد الوكالة ؟ تنعقد الوكالة بكل لفظ يدل عليها، كقوله: (وكلتك)، أو (فوضتك)، أو (أذنت لك)، أو (أجزتك) أو (الأمر إليك)، وما أشبه ذلك، ويصح التوكيل بالفعل عند بعض أهل العلم، كمن يدفع ثوبه إلى قَصَّار، أو خياط، أو يأتي ببضاعته إلى محل التاجر. والذي يظهر أنَّ الفعل لا يُستفاد منه بمجرده التوكيل إلا أن تدل قرينة الحال على ذلك، وأما قبول الوكالة؛ فتصح بالقول، أو بالفعل، بأن يباشر العمل فيما وكل فيه. (١) مسألة [٤]: قبول الوكالة على الفور والتراخي . قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٧/ ٢٠٤): وَيَجُوزُ الْقَبُولُ عَلَى الْفَوْرِ وَالتَّرَاخِي، نَحْوُ أَنْ يَبْلُغَهُ أَنَّ رَجُلًا وَكَّلَهُ فِي بَيْعِ شَيْءٍ مُنْذُ سَنَةٍ، فَيَبِيعَهُ. أَوْ يَقُولَ: قَبِلْت. أَوْ يَأْمُرَهُ بِفِعْلِ شَيْءٍ، فَيَفْعَلَهُ بَعْدَ مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ؛ لِأَنَّ قَبُولَ وُكَلَاءِ النَّبِيِّ ﷺ لِوَكَالَتِهِ كَانَ بِفِعْلِهِمْ، وَكَانَ مُتَرَاخِيًا عَنْ تَوْكِيلِهِ إيَّاهُمْ، وَلِأَنَّهُ إذْنٌ فِي التَّصَرُّفِ، وَالْإِذْنُ قَائِمٌ، مَا لَمْ يَرْجِعْ عَنْهُ، فَأَشْبَهَ الْإِبَاحَةَ، وَهَذَا كُلُّهُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. اهـ مسألة [٥]: تعليق الوكالة على شرط مستقبل . مثاله: أن يقول: إذا قدم الحاج فبع هذا الطعام، وإذاجاء الشتاء فاشتر لنا فحمًا. ونحو ذلك.

стр. 3359

وهذا جائز عند الحنابلة، والشافعية، واستدلوا على ذلك بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «أميركم زيد؛ فإن قُتل فجعفر؛ فإن قتل فعبد الله بن رواحة» أخرجه البخاري برقم (٤٢٦١)، من حديث عبدالله بن عمر ﵄، قالوا: وهذا في معناه. قالوا: وهو عقدٌ اعتُبر في حق الوكيل حكمه، وهو إباحة التصرف وصحته؛ فكان صحيحًا كما لو قال: أنت وكيلي في بيع عبدي إذا قدم الحاج ولأنه لو قال: وكلتك في شراء كذا في وقت كذا. صحَّ بلا خلاف، ومحل النزاع في معناه. وقال الشافعي ﵀: لا يصح التوكيل، لكن إن تصرف؛ صحَّ تصرفه لوجود الإذن، وإن كان وكيلًا بجعل مسمى؛ فسد، وله أجر المثل؛ لأنه عقد يملك به التصرف في الحياة، فأشبه البيع. قلتُ: الصواب القول الأول، ولا دليل للشافعي على ما قال، والله أعلم، وقياسه مع الفارق. (١) مسألة [٦]: الوكالة تصح بجعل وبغير جعل . قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٧/ ٢٠٤): وَيَجُوزُ التَّوْكِيلُ بِجَعْلٍ وَغَيْرِ جَعْلٍ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَكَّلَ أُنَيْسًا فِي إقَامَةِ الْحَدِّ، وَعُرْوَةَ فِي شِرَاءِ شَاةٍ، وَعَمْرًا وَأَبَا رَافِعٍ فِي قَبُولِ النِّكَاحِ بِغَيْرِ جَعْلٍ (٢)، وَكَانَ يَبْعَثُ عُمَّالَهُ لِقَبْضِ الصَّدَقَاتِ، وَيَجْعَلُ

стр. 3360

لَهُمْ عِمَالَةً، وَلِهَذَا قَالَ لَهُ ابْنَا عَمِّهِ: لَوْ بَعَثْتنَا عَلَى هَذِهِ الصَّدَقَاتِ، فَنُؤَدِّي إلَيْك مَا يُؤَدِّي النَّاسُ، وَنُصِيبُ مَا يُصِيبُهُ النَّاسُ (١). ا هـ مسألة [٧]: هل تصح الوكالة المطلقة في كل شيء ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٧/ ٢٠٥): وَلَا تَصِحُّ الْوَكَالَةُ إلَّا فِي تَصَرُّفٍ مَعْلُومٍ؛ فَإِنْ قَالَ: وَكَّلْتُك فِي كُلِّ شَيْءٍ. أَوْ فِي كُلِّ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ. أَوْ فِي كُلِّ تَصَرُّفٍ يَجُوزُ لِي. أَوْ فِي كُلِّ مَالِي التَّصَرُّفُ فِيهِ؛ لَمْ يَصِحَّ. وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى: يَصِحُّ، وَيَمْلِكُ بِهِ كُلَّ مَا تَنَاوَلَهُ لَفْظُهُ؛ لِأَنَّهُ لَفْظٌ عَامٌ، فَصَحَّ فِيمَا يَتَنَاوَلُهُ، كَمَا لَوْ قَالَ: بِعْ مَالِي كُلَّهُ. قال ابن قدامة ﵀: وَلَنَا أَنَّ فِي هَذَا غَرَرًا عَظِيمًا، وَخَطَرًا كَبِيرًا؛ لِأَنَّهُ تَدْخُلُ فِيهِ هِبَةُ مَالِهِ، وَطَلَاقُ نِسَائِهِ، وَإِعْتَاقُ رَقِيقِهِ، وَتَزَوُّجُ نِسَاءٍ كَثِيرَةٍ. وَيَلْزَمُهُ الْمُهُورُ الْكَثِيرَةُ، وَالْأَثْمَانُ الْعَظِيمَةُ، فَيَعْظُمُ الضَّرَرُ. اهـ والصحيح قول الجمهور، وهو اختيار الإمام ابن عثيمين ﵀. (٢) مسألة [٨]: إذا قال: اشتر لي ما شئت ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٧/ ٢٠٥): وَإِنْ قَالَ: اشْتَرِ لِي مَا شِئْت. لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَشْتَرِي مَا لَا يَقْدِرُ عَلَى ثَمَنِهِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى

стр. 3361

صِحَّتِهِ؛ لِقَوْلِهِ فِي رَجُلَيْنِ، قَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ: (مَا اشْتَرَيْت مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ بَيْنَنَا): إنَّهُ جَائِزٌ. وَأَعْجَبَهُ، وَلِأَنَّ الشَّرِيكَ وَالْمُضَارِبَ وَكِيلَانِ فِي شِرَاءِ مَا شَاءَ. فَعَلَى هَذَا لَيْسَ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ إلَّا بِثَمَنِ الْمِثْلِ فَمَا دُونِ، وَلَا يَشْتَرِيَ مَا لَا يَقْدِرُ الْمُوَكِّلُ عَلَى ثَمَنِهِ، وَلَا مَا لَا يَرَى الْمَصْلَحَةَ لَهُ فِي شِرَائِهِ. اهـ قلتُ: كأن ابن قدامة يميل إلى الرواية الثانية، وهي أقرب، والله أعلم. مسألة [٩]: العقود التي لا يصح التوكيل فيها . قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٧/ ١٩٨): لَا نَعْلَمُ خِلَافًا فِي جَوَازِ التَّوْكِيلِ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا الدَّلِيلَ عَلَيْهِ مِنْ الْآيَةِ وَالْخَبَرِ، وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إلَى التَّوْكِيلِ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ مِمَّنْ لَا يُحْسِنُ الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ، أَوْ لَا يُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ إلَى السُّوقِ، وَقَدْ يَكُونُ لَهُ مَالٌ وَلَا يُحْسِنُ التِّجَارَةَ فِيهِ، وَقَدْ يُحْسِنُ وَلَا يَتَفَرَّغُ. قال: وَيَجُوزُ التَّوْكِيلُ فِي الْحَوَالَةِ، وَالرَّهْنِ، وَالضَّمَانِ، وَالْكَفَالَةِ، وَالشَّرِكَةِ، وَالْوَدِيعَةِ، وَالمُضَارَبَةِ، وَالْجَعَالَةِ، وَالمُسَاقَاةِ، وَالْإِجَارَةِ، وَالْقَرْضِ، وَالصُّلْحِ، وَالْوَصِيَّةِ، وَالْهِبَةِ، وَالْوَقْفِ، وَالصَّدَقَةِ، وَالْفَسْخِ، وَالْإِبْرَاءِ؛ لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى الْبَيْعِ فِي الْحَاجَةِ إلَى التَّوْكِيلِ فِيهَا فَيَثْبُتُ فِيهَا حُكْمُهُ وَلَا نَعْلَمُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ اخْتِلَافًا. اهـ قلتُ: قد خالف ابن حزم في بعض ما ذُكر، كالهبة، والعفو، والإبراء، والصلح، وغيرها، والصحيح الجواز؛ لما ذكره ابن قدامة. (١)

стр. 3362

قال ابن قدامة ﵀: وَيَجُوزُ التَّوْكِيلُ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ فِي الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَكَّلَ عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ، وَأَبَا رَافِعٍ فِي قَبُولِ النِّكَاحِ لَهُ. وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إلَيْهِ؛ فَإِنَّهُ رُبَّمَا احْتَاجَ إلَى التَّزَوُّجِ مِنْ مَكَان بَعِيدٍ، لَا يُمْكِنُهُ السَّفَرُ إلَيْهِ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَزَوَّجَ أُمَّ حَبِيبَةَ وَهِيَ يَوْمَئِذٍ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ. وَيَجُوزُ التَّوْكِيلُ فِي الطَّلَاقِ، وَالْخُلْعِ، وَالرَّجْعَةِ، وَالْعَتَاقِ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إلَيْهِ، كَدُعَائِهَا إلَى التَّوْكِيلِ فِي الْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ، وَيَجُوزُ التَّوْكِيلُ فِي تَحْصِيلِ الْمُبَاحَاتِ. انتهى المراد. مسألة [١٠]: التوكيل في مطالبة الحقوق، وإثباتها، والمحاكمة فيها . • أكثر أهل العلم على جواز التوكيل في ذلك، سواء كان الموكل حاضرًا، أم غائبًا صحيحًا، أو مريضًا، وهذا قول مالك، وأحمد، والشافعي، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن. • وقال أبو حنيفة: للخصم أن يمنع من محاكمة الوكيل إذا كان الموكل حاضرًا غير غائب؛ لأن حضوره في مجلس الحكم حقٌّ للخصم عليه. وأُجيب عن أبي حنيفة: بالمنع، فليس هناك دليل على أنَّ من حق الخصم حضور خصمه بعينه، بل هو حقٌّ تجوز النيابة فيه؛ فكان له الإنابة بغير رضى خصمه. قلتُ: والصحيح قول الجمهور، والله أعلم. (١)

стр. 3363

مسألة [١١]: التوكيل في إثبات الحدود واستيفائها . دل حديث أنيس الذي في الباب على جواز التوكيل في استيفاء الحدود؛ لقوله: «فإن اعترفت فارجمها»، وقد وكل عثمان ﵁ عليًّا أن يقيم حد شرب الخمر على الوليد بن عقبة، فوكل عليٌّ عبد الله بن جعفر في ذلك، فجلده، وعليٌّ حاضرٌ (١)، وهذا الذي يذكره أهل العلم. وأما التوكيل في إثبات الحدود فخالف الشافعية في ذلك بحجة أن الحدود تُدْرأ بالشبهات، والتوكيل على إثباتها ينافي ذلك. وأُجيب: بالمنع من ذلك؛ فإنَّ التوكيل على إثباتها لا ينافي أن الوكيل يدرأ الحد إذا وجد في ذلك شبهة، ثم إنَّ حديث أنيس فيه التوكيل بإثبات الحد واستيفائه، والله أعلم. (٢) مسألة [١٢]: التوكيل فيما يتعلق بعين الموكل . وذلك مثل الأيمان، والنذور، والشهادة، والإيلاء، واللعان، لا يصح التوكيل فيها عند أهل العلم؛ لأنها تتعلق بالموكل نفسه، ولا تصح من غيره. (٣) مسألة [١٣]: هل يشترط حضور الموكل عند استيفاء الحق ؟ • مذهب مالك، وأحمد أن كل ما جاز التوكيل فيه جاز استيفاؤه في حضرة

стр. 3364

الموكل وغيبته. • وذهب بعض الحنابلة، وأومأ إليه أحمد، وهو قول أبي حنيفة، وبعض الشافعية إلى أنه لا يجوز استيفاء القصاص في غيبة الموكل؛ لأنه يحتمل أن يعفو الموكل في حال غيبته؛ فيسقط، وهذا الاحتمال شبهة تمنع الاستيفاء، والعفو مندوب إليه، فإذا حضر احتمل أن يرحمه فيعفو. وأُجيب عن ذلك: بأنَّ الأصل أنَّ ما جاز التوكيل فيه جاز استيفاؤه في حضرة الموكل وغيبته، كالحدود الأخرى، وسائر الحقوق، واحتمال العفو بعيد، والظاهر أنه لو عفا لبعث، وأعلم وكيله بعفوه، والأصل عدمه؛ فلا يؤثر، ألا ترى أن قضاة رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كانوا يحكمون في البلاد، ويقيمون الحدود التي تدرأ بالشبهات مع احتمال النسخ؟ وكذلك لا يحتاط في استيفاء الحدود بإحضار الشهود مع احتمال رجوعهم عن الشهادة، أو تغير اجتهاد الحاكم. انتهى من «المغني» (٧/ ٢٠٣). ويظهر أن قول مالك، وأحمد أقرب، والله أعلم. مسألة [١٤]: إذا وكل الرجل وكيلين، فلمن حق التصرف ؟ ذكر أهل العلم على أنه إن وكل كل واحد منهما بانفراده؛ نفذ تصرف كل واحد منهما، وإن وكَّلَهما معًا؛ فلا ينفذ تصرف واحد منهما إلا بموافقة الآخر، وإن اتفقا على شيء؛ نفذ تصرفهما فيه، وإن غاب أحد الوكيلين؛ لم يكن للآخر أن يتصرف.

стр. 3365

قال ابن قدامة ﵀ -بعد أن ذكر معنى ما تقدم-: وبما ذكرناه قال أبو حنيفة، والشافعي، ولا نعلم فيه خلافًا. اهـ مسألة [١٥]: هل للوكيل أن يوكل إنسانًا آخر في العمل الذي وكل فيه ؟ هذه المسألة لها ثلاث حالات: الأولى: أن ينهاه الموكل عن التوكيل؛ فلا يجوز له التوكيل بلا خلاف. الثانية: أن يأذن الموكل للوكيل في التوكيل؛ فيجوز له التوكيل بلا خلاف. الثالثة: أن يطلق له التوكيل، ولا يأذن، ولا ينهاه في التوكيل. • فهذه الحالة لها ثلاث صور: ١) إذا كان العمل مما يترفع الوكيل عن مثله؛ جاز له التوكيل، مثل أن يوكله في تنظيف بيت، وهذا الوكيل مثله لا يعمل هذا العمل، فيكون له إذن في التوكيل بقرينة الحال. ٢) إذا كان العمل مما يعمله بنفسه، ولكنه يعجز عنه لكثرته؛ فيجوز له التوكيل عند جماعة من الحنابلة، والشافعية، وهو الصحيح؛ لأنَّ توكيله في عملٍ لا يقدر عليه لوحده يدل على إذن الموكل في التوكيل، وقال بعض الشافعية، والحنابلة: ليس له التوكيل إلا فيما زاد على عمله الذي يقدر عليه، والقول الأول أقرب.
следующие страницы →