صِحَّتِهِ؛ لِقَوْلِهِ فِي رَجُلَيْنِ، قَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ: (مَا اشْتَرَيْت مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ بَيْنَنَا): إنَّهُ جَائِزٌ. وَأَعْجَبَهُ، وَلِأَنَّ الشَّرِيكَ وَالْمُضَارِبَ وَكِيلَانِ فِي شِرَاءِ مَا شَاءَ. فَعَلَى هَذَا لَيْسَ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ إلَّا بِثَمَنِ الْمِثْلِ فَمَا دُونِ، وَلَا يَشْتَرِيَ مَا لَا يَقْدِرُ الْمُوَكِّلُ عَلَى ثَمَنِهِ، وَلَا مَا لَا يَرَى الْمَصْلَحَةَ لَهُ فِي شِرَائِهِ. اهـ
قلتُ: كأن ابن قدامة يميل إلى الرواية الثانية، وهي أقرب، والله أعلم.
مسألة [٩]: العقود التي لا يصح التوكيل فيها .
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٧/ ١٩٨): لَا نَعْلَمُ خِلَافًا فِي جَوَازِ التَّوْكِيلِ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا الدَّلِيلَ عَلَيْهِ مِنْ الْآيَةِ وَالْخَبَرِ، وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إلَى التَّوْكِيلِ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ مِمَّنْ لَا يُحْسِنُ الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ، أَوْ لَا يُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ إلَى السُّوقِ، وَقَدْ يَكُونُ لَهُ مَالٌ وَلَا يُحْسِنُ التِّجَارَةَ فِيهِ، وَقَدْ يُحْسِنُ وَلَا يَتَفَرَّغُ.
قال: وَيَجُوزُ التَّوْكِيلُ فِي الْحَوَالَةِ، وَالرَّهْنِ، وَالضَّمَانِ، وَالْكَفَالَةِ، وَالشَّرِكَةِ، وَالْوَدِيعَةِ، وَالمُضَارَبَةِ، وَالْجَعَالَةِ، وَالمُسَاقَاةِ، وَالْإِجَارَةِ، وَالْقَرْضِ، وَالصُّلْحِ، وَالْوَصِيَّةِ، وَالْهِبَةِ، وَالْوَقْفِ، وَالصَّدَقَةِ، وَالْفَسْخِ، وَالْإِبْرَاءِ؛ لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى الْبَيْعِ فِي الْحَاجَةِ إلَى التَّوْكِيلِ فِيهَا فَيَثْبُتُ فِيهَا حُكْمُهُ وَلَا نَعْلَمُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ اخْتِلَافًا. اهـ
قلتُ: قد خالف ابن حزم في بعض ما ذُكر، كالهبة، والعفو، والإبراء، والصلح، وغيرها، والصحيح الجواز؛ لما ذكره ابن قدامة. (١)
стр. 3362
قال ابن قدامة ﵀: وَيَجُوزُ التَّوْكِيلُ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ فِي الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَكَّلَ عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ، وَأَبَا رَافِعٍ فِي قَبُولِ النِّكَاحِ لَهُ. وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إلَيْهِ؛ فَإِنَّهُ رُبَّمَا احْتَاجَ إلَى التَّزَوُّجِ مِنْ مَكَان بَعِيدٍ، لَا يُمْكِنُهُ السَّفَرُ إلَيْهِ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَزَوَّجَ أُمَّ حَبِيبَةَ وَهِيَ يَوْمَئِذٍ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ.
وَيَجُوزُ التَّوْكِيلُ فِي الطَّلَاقِ، وَالْخُلْعِ، وَالرَّجْعَةِ، وَالْعَتَاقِ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إلَيْهِ، كَدُعَائِهَا إلَى التَّوْكِيلِ فِي الْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ، وَيَجُوزُ التَّوْكِيلُ فِي تَحْصِيلِ الْمُبَاحَاتِ. انتهى المراد.
مسألة [١٠]: التوكيل في مطالبة الحقوق، وإثباتها، والمحاكمة فيها .
• أكثر أهل العلم على جواز التوكيل في ذلك، سواء كان الموكل حاضرًا، أم غائبًا صحيحًا، أو مريضًا، وهذا قول مالك، وأحمد، والشافعي، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن.
• وقال أبو حنيفة: للخصم أن يمنع من محاكمة الوكيل إذا كان الموكل حاضرًا غير غائب؛ لأن حضوره في مجلس الحكم حقٌّ للخصم عليه.
وأُجيب عن أبي حنيفة: بالمنع، فليس هناك دليل على أنَّ من حق الخصم حضور خصمه بعينه، بل هو حقٌّ تجوز النيابة فيه؛ فكان له الإنابة بغير رضى خصمه.
قلتُ: والصحيح قول الجمهور، والله أعلم. (١)
стр. 3363
مسألة [١١]: التوكيل في إثبات الحدود واستيفائها .
دل حديث أنيس الذي في الباب على جواز التوكيل في استيفاء الحدود؛ لقوله: «فإن اعترفت فارجمها»، وقد وكل عثمان ﵁ عليًّا أن يقيم حد شرب الخمر على الوليد بن عقبة، فوكل عليٌّ عبد الله بن جعفر في ذلك، فجلده، وعليٌّ حاضرٌ (١)، وهذا الذي يذكره أهل العلم.
وأما التوكيل في إثبات الحدود فخالف الشافعية في ذلك بحجة أن الحدود تُدْرأ بالشبهات، والتوكيل على إثباتها ينافي ذلك.
وأُجيب: بالمنع من ذلك؛ فإنَّ التوكيل على إثباتها لا ينافي أن الوكيل يدرأ الحد إذا وجد في ذلك شبهة، ثم إنَّ حديث أنيس فيه التوكيل بإثبات الحد واستيفائه، والله أعلم. (٢)
مسألة [١٢]: التوكيل فيما يتعلق بعين الموكل .
وذلك مثل الأيمان، والنذور، والشهادة، والإيلاء، واللعان، لا يصح التوكيل فيها عند أهل العلم؛ لأنها تتعلق بالموكل نفسه، ولا تصح من غيره. (٣)
مسألة [١٣]: هل يشترط حضور الموكل عند استيفاء الحق ؟
• مذهب مالك، وأحمد أن كل ما جاز التوكيل فيه جاز استيفاؤه في حضرة
стр. 3364
الموكل وغيبته.
• وذهب بعض الحنابلة، وأومأ إليه أحمد، وهو قول أبي حنيفة، وبعض الشافعية إلى أنه لا يجوز استيفاء القصاص في غيبة الموكل؛ لأنه يحتمل أن يعفو الموكل في حال غيبته؛ فيسقط، وهذا الاحتمال شبهة تمنع الاستيفاء، والعفو مندوب إليه، فإذا حضر احتمل أن يرحمه فيعفو.
وأُجيب عن ذلك: بأنَّ الأصل أنَّ ما جاز التوكيل فيه جاز استيفاؤه في حضرة الموكل وغيبته، كالحدود الأخرى، وسائر الحقوق، واحتمال العفو بعيد، والظاهر أنه لو عفا لبعث، وأعلم وكيله بعفوه، والأصل عدمه؛ فلا يؤثر، ألا ترى أن قضاة رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كانوا يحكمون في البلاد، ويقيمون الحدود التي تدرأ بالشبهات مع احتمال النسخ؟ وكذلك لا يحتاط في استيفاء الحدود بإحضار الشهود مع احتمال رجوعهم عن الشهادة، أو تغير اجتهاد الحاكم. انتهى من «المغني» (٧/ ٢٠٣).
ويظهر أن قول مالك، وأحمد أقرب، والله أعلم.
مسألة [١٤]: إذا وكل الرجل وكيلين، فلمن حق التصرف ؟
ذكر أهل العلم على أنه إن وكل كل واحد منهما بانفراده؛ نفذ تصرف كل واحد منهما، وإن وكَّلَهما معًا؛ فلا ينفذ تصرف واحد منهما إلا بموافقة الآخر، وإن اتفقا على شيء؛ نفذ تصرفهما فيه، وإن غاب أحد الوكيلين؛ لم يكن للآخر أن يتصرف.
стр. 3365
قال ابن قدامة ﵀ -بعد أن ذكر معنى ما تقدم-: وبما ذكرناه قال أبو حنيفة، والشافعي، ولا نعلم فيه خلافًا. اهـ
مسألة [١٥]: هل للوكيل أن يوكل إنسانًا آخر في العمل الذي وكل فيه ؟
هذه المسألة لها ثلاث حالات:
الأولى: أن ينهاه الموكل عن التوكيل؛ فلا يجوز له التوكيل بلا خلاف.
الثانية: أن يأذن الموكل للوكيل في التوكيل؛ فيجوز له التوكيل بلا خلاف.
الثالثة: أن يطلق له التوكيل، ولا يأذن، ولا ينهاه في التوكيل.
• فهذه الحالة لها ثلاث صور:
١) إذا كان العمل مما يترفع الوكيل عن مثله؛ جاز له التوكيل، مثل أن يوكله في تنظيف بيت، وهذا الوكيل مثله لا يعمل هذا العمل، فيكون له إذن في التوكيل بقرينة الحال.
٢) إذا كان العمل مما يعمله بنفسه، ولكنه يعجز عنه لكثرته؛ فيجوز له التوكيل عند جماعة من الحنابلة، والشافعية، وهو الصحيح؛ لأنَّ توكيله في عملٍ لا يقدر عليه لوحده يدل على إذن الموكل في التوكيل، وقال بعض الشافعية، والحنابلة: ليس له التوكيل إلا فيما زاد على عمله الذي يقدر عليه، والقول الأول أقرب.
стр. 3366
٣) ما عدا القسمين السابقين، وهو أن يوكله في عمل لايترفع عنه، ويقدر عليه بنفسه: فمذهب الشافعي، وأبي حنيفة، وأحمد، وأبي يوسف أنه لا يجوز له التوكيل؛ لعدم وجود إذن صريح، أو إذن بقرينة الحال في ذلك، والوكيل ليس له أن يتصرف إلا فيما أذن له فيه. وذهب أحمد في رواية، وابن أبي ليلى إلى أنه يجوز له التوكيل إذا مرض، أو غاب.
قال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول أقرب، وأما إذا مرض، أو غاب؛ فليس له أن يوكل حتى يستأذن الموكل؛ فإن تعذر ذلك فيظهر جواز التوكيل إذا غلب على الظن أن في ذلك مصلحة للموكل، والله أعلم. (١)
تنبيه: الوصي على مال اليتيم له أن يوكل؛ لأنَّ الوصي يتصرف بولاية، بدليل أنه يتصرف فيما لم ينص له على التصرف فيه، والوكيل لا يتصرف إلا فيما نُصَّ عليه، وممن نص على ذلك أحمد، والشافعي. (٢)
مسألة [١٦]: توكيل ولي النكاح غيره في العقد هل يفتقر إلى إذن موليته ؟
• مذهب جماعة من أهل العلم أنه لا يشترط إذن موليته، وهو الأصح عند الحنابلة، ووجهٌ للشافعية؛ لأنَّ الولاية حق له شرعًا؛ فجاز أن ينيب غيره فيها.
• وقال بعض الحنابلة، والشافعية: يشترط إذن موليته كما يشترط إذنها إذا أنكحها.
стр. 3367
قلتُ: والصواب القول الأول، وقياسهم غير صحيح؛ لأننا نقول: إن الوكيل ليس له تزويجها أيضًا إلا بإذنها، والله أعلم. (١)
مسألة [١٧]: إذا وكل رجل آخر في الخصومة، فهل يقبل إقراره على موكله بقبض الحق ؟
• مذهب الجمهور أنه لا يقبل إقراره عليه؛ لأنه ليس موكلًا في ذلك، ولأنَّ الإقرار إنما يقبل على النفس، لا على الغير، وهو قول أحمد، ومالك، والشافعي.
• وقال أبو حنيفة: يقبل إقراره في مجلس الحكم فيما عدا الحدود، والقصاص، وهو قول محمد بن الحسن.
• وقال أبو يوسف: يقبل إقراره في مجلس الحكم وغيره.
قلتُ: والصواب قول الجمهور. (٢)
مسألة [١٨]: إذا وكل رجلًا في الخصومة فهل له أن يبرأ الخصم أو يصالح ببعض الحق ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٧/ ٢١١): ولا يملك المصالحة عن الحق، ولا الإبراء منه بغير خلافٍ نعلمه؛ لأنَّ الإذن في الخصومة لا يقتضي شيئًا من ذلك. اهـ
стр. 3368
مسألة [١٩]: إذا وكله في إثبات حق، فهل يملك قبضه ؟
• مذهب الحنابلة، والشافعية أنه لا يملك قبضه؛ لأنَّ التوكيل في إثبات الحق لا يتناول الإذن في القبض لغة، أو عرفًا؛ إذ ليس كل من يرضاه لتثبيت الحق يرضاه لقبضه.
• وقال أبو حنيفة: يملك قبضه؛ لأنَّ المقصود من إثبات الحق هو قبضه، وتحصيله. وأُجيب بما تقدم ذكره.
قلتُ: والصواب -والله أعلم- قول الحنابلة، والشافعية، ولكن إن ظهر بقرينة الحال أنه يأذن في إثبات الحق، ثم قبضه؛ صح ذلك ويكون توكيلًا فيه، والله أعلم. (١)
مسألة [٢٠]: إذا وكله في قبض حقه، فهل يكون توكيلًا في إثبات الحق ؟
• مذهب أبي حنيفة وهو أحد الوجهين للحنابلة والشافعية أنه يكون توكيلًا في إثبات الحق؛ لأنَّ الحق لا يقبض إلا بعد إثباته.
• وقال بعض الحنابلة، والشافعية: ليس له إلا القبض؛ لظاهر التوكيل.
قلتُ: والقول الأول أقرب؛ إلا أن يظهر أنه أراد توكيله في قبض الحق فقط، كأن يكون وكل إنسانًا آخر في إثبات الحق، أو نحو ذلك، والله أعلم. (٢)
стр. 3369
مسألة [٢١]: إذا ادعى الوكيل تلف السلعة أو المال بعد بيع السلعة وأنكر ذلك الموكل ؟
ذكر أهل العلم على أن الوكيل يقبل قوله في ذلك؛ لأنه أمين، وهذا مما يتعذر إقامة البينة عليه، وعليه اليمين للموكل بذلك، وإذا ادعى الموكل أن الوكيل فرَّط، أو تعدَّى؛ فعليه البينة، وإلا فالقول قول الوكيل مع يمينه. (١)
مسألة [٢٢]: إذ اختلف الموكل والوكيل في التصرف ؟
مثاله: أن يقول الوكيل: بعت الثوب وقبضت الثمن. فيقول الموكل: لم تبع الثوب، ولم تقبض.
• فمذهب الحنابلة، والحنفية، وبعض الشافعية أن القول قول الوكيل؛ لأنه مؤتمن على ذلك.
• وقال بعض الشافعية، وبعض الحنابلة: إنَّ القول قول الموكل؛ لأنَّ الوكيل يقر بحق غيره.
وأُجيب: بأنه موكل في التصرف، فيقبل إقراره فيه، والله أعلم. (٢)
مسألة [٢٣]: إذا اختلفا في قدر الثمن الذي اشترى به الوكيل ؟
مثاله: أن يقول الوكيل: اشتريت الكتاب بألف. ويقول الموكل: بل اشتريته بخمسمائة.
стр. 3370
• فمذهب الحنابلة، وهو قولٌ للشافعي أنَّ القول قول الوكيل؛ لأنه مؤتمن.
• وقال بعض الحنابلة، وهو قول للشافعي: إن القول قول الموكل؛ إلا أن يدعي الوكيل الثمن الذي عينه له الموكل، فيقدم قول الوكيل.
• وقال أبو حنيفة: إن كان الشراء في الذمة؛ فالقول قول الموكل؛ لأنه غارمٌ، مطالبٌ بالثمن، وإن اشترى بعين المال؛ فالقول قول الوكيل؛ لكونه الغارم؛ فإنه يطالبه برد ما زاد على الخمسمائة.
قلتُ: والقول الأول أقرب. (١)
مسألة [٢٤]: إذا اختلفا في صفة الوكالة ؟
مثاله: أن يقول الموكل: وكلتك في بيعه بألفين. قال الوكيل: بل بألف. أو يقول الموكل: وكلتك ببيعه نقدًا. فيقول الوكيل: بل نسيئة.
• فمذهب الحنابلة، والشافعي، وأصحاب الرأي، وابن المنذر أنَّ القول قول الموكل، وذلك لأنَّ الموكل ينفي ما ادعاه الوكيل، ولأنهما اختلفا في صفة قول الموكل؛ فكان القول قوله في صفة كلامه.
• وعن أحمد رواية، وهوقول بعض أصحابه، أنَّ القول قول الوكيل؛ لأنه أمين في التصرف؛ فكان القول قوله في صفته.
• وقال مالك: إن أدركت السلعة؛ فالقول قول الموكل، وإن فاتت؛ فالقول
стр. 3371
قول الوكيل؛ لأنها إذ فاتت لزم الوكيل الضمان، والأصل عدمه.
قلتُ: الظاهر أنَّ القول قول الوكيل؛ لأنه مؤتمن، وعلى الموكل البينة بخلاف ذلك.
وأما قولهم: (إنه ينفي ما ادعاه الوكيل)؛ فيمكن عكسه، ويقال: إن الوكيل ينفي ما ادعاه الموكل، وأما استدلالهم الآخر؛ فهو استدلال بمحل النزاع.
وقول مالك جيد لا بأس به، ثم ظهر لي أن قول مالك هو الصواب، والله أعلم. (١)
مسألة [٢٥]: إذا اختلف الموكل والوكيل في الرد ؟
مثاله: أن يقول الوكيل: قد رددت عليك سلعتك، أو مالك. وينكر الموكل ذلك.
• ففيه قولان للحنابلة، والشافعية إذا كانت الوكالة بِجُعل:
أحدهما: أن القول قول الوكيل مع يمينه؛ لأنه مؤتمن.
الثاني: أنَّ القول قول الموكل؛ لأنه منكر، والوكيل مدعي.
وأما إن كانت الوكالة بغير جعل فالحكم عندهم: أنَّ القول قول الوكيل؛ لأنه أخذ العمل لمنفعة غيره، والصحيح أنَّ القول قوله مطلقًا؛ لأنه مؤتمن في الحالتين، والله أعلم. (٢)
стр. 3372
مسألة [٢٦]: إذا اختلفا في أصل الوكالة ؟
وذلك بأن يدعي أحدهما التوكيل والآخر ينفيه؛ فالقول قول من ينفي الوكالة مع يمينه؛ لأنَّ الأصل عدمها. (١)
مسألة [٢٧]: لو وكل رجل آخر أن يدفع مالاً إلى فلان الذي له عليه دين، ثم أنكر الغريم قبضه ؟
لا يقبل قول الوكيل على الغريم؛ لأنه ليس أمينه، وعلى الغريم اليمين أنه لم يقبض المال من الوكيل، فإذا حلف؛ فله مطالبة الموكل؛ لأنَّ ذمته لم تبرأ.
مسألة [٢٨]: وهل للموكل أن يرجع على الوكيل بذلك المال ؟
• فيه قولان:
الأول: أنَّ له الرجوع عليه، وهو قول الشافعي، وأحمد في رواية؛ لأنه وكَّله في قضاءٍ يبرئه من الدين، ولم يوجد.
الثاني: ليس له الرجوع؛ إلا أن يكون أمره بالإشهاد، فلم يفعل، وهذا قول أبي حنيفة، وأحمد في رواية، ووجهٌ لأصحاب الشافعي؛ وذلك لأنه مؤتمن فليس للموكل على الوكيل إلا يمينه، ووجه ضمانه إذا لم يُشْهِد: أنه قصَّر فيما وكل فيه.
وهذا القول أقرب، والله أعلم. (٢)
стр. 3373
مسألة [٢٩]: إذا وكل رجل آخرَ في أن يودع مالًا له عند فلان، ثم أنكر المودع عنده أن الوكيل أعطاه ؟
• مذهب الحنابلة أنَّ الوكيل لا يضمن، وهو أحد الوجهين لأصحاب الشافعي؛ لأنه مؤتمن، ولأن العمل عند الناس أنَّ المودع عنده لا يؤخذ عليه وثيقة في ذلك.
• وقال بعض الحنابلة، والشافعية: يضمن الوكيل؛ لأن الوديعة لا تثبت إلا ببينة؛ فهي كالدين.
وأُجيب: بأنه لا يصح القياس على الدين؛ لأنَّ قول المودع عنده يقبل في الرد والهلاك؛ فلا فائدة في الاستيثاق بخلاف الدين.
والصواب القول الأول، والله أعلم. (١)
مسألة [٣٠]: الوكالة عقد جائز .
ذكر أهل العلم أن الوكالة عقد جائز، فلكلٍّ من الوكيل والموكل أن يفسخ الوكالة؛ إلا أنه لا يجوز للوكيل أن يفسخ الوكالة في وقت يتضرر منه الموكل.
والوكالة تبطل بالفسخ، أو بموت أحدهما، أو بجنون أحدهما، أو بحجر على سفيه، وأماالمفلس إذا حجر عليه؛ فإنْ كان هو الموكل؛ فتنفسخ الوكالة، وإن كان هو الوكيل؛ فلا تنفسخ الوكالة؛ لأنَّ الحجر على المفلس إنما يحجر على ماله، لا
стр. 3374
على تصرفه في مال غيره، والله أعلم. (١)
مسألة [٣١]: إذا تصرف الوكيل بعد عزل موكله، أو موته ؟
• في هذه المسألة قولان لأهل العلم في مذهب مالك، والشافعي، وأحمد وغيرهم:
فمنهم من قال: إن تصرفه لا ينفذ؛ لأنه قد عزل، أو قد انتقل المال بالموت إلى الورثة.
ومنهم من قال: يصح تصرفه؛ لأنه مأذون له في التصرف، فلا يمنع من التصرف حتى يعلم بالعزل، أو الموت.
وهناك قول ثالث: وهوقول بعض الحنابلة، وذكره شيخ الإسلام، واختاره ابن حزم: أنه ينعزل بالموت، ولا يصح تصرفه، وأما بالعزل؛ فلا ينعزل حتى يعلم، كما أنه لا يجوز له التصرف قبل التوكيل حتى يعلم بالتوكيل، وهذا القول هو ظاهر اختيار الشيخ ابن عثيمين وهو أقرب الأقوال فيما يظهر لي، والله أعلم. (٢)
مسألة [٣٢]: هل تبطل الوكالة بالتعدي فيها ؟
• مذهب الحنابلة، ووجهٌ للشافعية أنها لا تبطل؛ لأن تعديه فيها إساءة لا تخرجه عن كونه مأذونًا له في التصرف، وللشافعية وجهٌ أنَّ الوكالة تبطل
стр. 3375
كالوديعة.
وأُجيب: بأن الوديعة أمانة مجردة، فنافاها التعدي والخيانة، والوكالة إذن في التصرف تضمنت الأمانة، فإذا انتفت الأمانة بالتعدي بقي الإذن بحاله.
والصحيح القول الأول. (١)
مسألة [٣٣]: إذا وكله في شراء شيء فاشترى غيره ؟
• الأصح في مذهب الحنابلة، وهو مذهب الشافعية عدم الصحة؛ لأنه تصرف في غير ما أذن له، وعن أحمد رواية أنه موقوف على إجازة الموكل، وهذا القول أقرب، والله أعلم، ويُسْتأنس له بحديث عروة البارقي الذي في الباب، والله أعلم. (٢)
مسألة [٣٤]: إن وكله أن يعقد له بامرأة، فعقد له بأخرى ؟
• مذهب أحمد، والشافعي عدم الصحة؛ لأنه عقد له بامرأة لم يأذن له فيها، ولابد في الزواج من الرضى، والقبول.
• وقال أبو حنيفة، وأحمد في رواية: يصح، ويقف على إجازة الموكل؛ قياسًا على البيع.
وأُجيب: بأنَّ المقصود هنا أعيان الزوجين بخلاف البيع؛ فإنه يجوز أن يشتري
стр. 3376
له من غير تسمية المشترى له؛ فافترقا. والقول الأول هو الصواب، والله أعلم. (١)
مسألة [٣٥]: هل يجوز للوكيل أن يبيع بدون ثمن المثل أو ما قدر له ؟
• مذهب الجمهور أنه لا يجوز للوكيل أن يبيع بأقل من الثمن الذي قدر له، أو بأقل من ثمن المثل إن لم يقدر له؛ إلا أن ينقص شيئًا يتغابن الناس بمثله؛ فلا بأس.
• وقال أبو حنيفة: إذا أطلق الوكالة؛ فله أن يبيع بأي ثمن كان؛ لأن لفظه في الإذن مطلق.
والصحيح قول الجمهور، ولأنه إذا أطلق انصرف الحكم إلى ما يتعامل به الناس، والله أعلم.
• فإن خالف الوكيل، وفعل ذلك، فقال بعضهم: يفسد تصرفه، وهو مذهب الشافعي، وأحمد في رواية. وعن أحمد رواية أنَّ تصرفه يصح، ويتحمل النقص، وهذا أقرب، والله أعلم. (٢)
مسألة [٣٦]: إذا وكله بشراء شاة بدينار، فاشترى شاتين كل واحدة منها ثمنها أقل من دينار ؟
• مذهب الجمهور أنَّ الموكل لا يلزمه قبول ذلك؛ لأنه وكله بشراء شاة واحدة تعادل الدينار، بخلاف ما إذا اشترى له شاة تساوي دينارًا، وأخرى أقل
стр. 3377
من ذلك، أو اشترى شاتين كل واحدة منهما تساوي دينارًا؛ فإنه يلزمه القبول؛ لأنه اشترى له ما طلب وزيادة.
• وقال أبو حنيفة: يقع للموكل إحدى الشاتين بنصف دينار، والأخرى للوكيل.
قلتُ: والصواب قول الجمهور، والله أعلم. (١)
مسألة [٣٧]: إذا اشترى الوكيل لموكله شيئًا بإذنه، فهل ينتقل الملك إلى الموكل مباشرة ؟
• مذهب الجمهور أن الملك ينتقل إلى الموكل مباشرة؛ لأن الملك له، ولأنَّ الوكيل يتصرف لموكله.
• وقال أبو حنيفة: يدخل في ملك الوكيل، ثم ينتقل إلى الموكل؛ لأنَّ حقوق العقد تتعلق بالوكيل.
وأُجيب عنه: بعدم التسليم، فحقوق العقد منها ما يكون من شروط العقد، فتتعلق بالعاقد، وهو الوكيل، ومنها ما لا يكون كذلك؛ فلا تتعلق بالوكيل، ثم إنه ينتقض عليه ذلك بتوكيل الزواج؛ فإنه لايصح أن يقال: إنه يملك المرأة قبل الموكل.
فالصحيح قول الجمهور، وبناءً على ما اختاره أبو حنيفة ههنا؛ فإنه أجاز للمسلم
стр. 3378
توكيل الذمي في شراء الخمر، والخنزير، قال: لأنه يدخل في ملك الذمي، ولا ينتقل إلى ملك المسلم؛ لأنه لايُباح له.
وقد ردَّ عليه أهل العلم، وبينوا خطأه، وبالله التوفيق. (١)
مسألة [٣٨]: إذا باع الوكيل نسيئة بإذن الموكل، فهل للموكل المطالبة بالدين ؟
• مذهب الحنابلة، والشافعية أنَّ له أن يطالبه بالدين؛ لأنه ملكه وحقه، وقال أبو حنيفة: ليس له ذلك؛ لأن حقوق العقد تتعلق بالوكيل دونه، ولهذا يتعلق به مجلس الصرف والخيار.
وأُجيب عنه: بنقض قياسه؛ لأنَّ الأمور التي ذكرها من شروط العقد، فتتعلق بالعاقد، وهو الوكيل.
وأما الثمن؛ فهو حقٌّ للموكل، ومال من أمواله؛ فكانت له المطالبة به، ولا نسلم أن حقوق العقد تتعلق به، وإنما تتعلق بالموكل، وهي تسليم الثمن، وقبض المبيع، والرد بالعيب.
فأما ثمن ما اشتراه في الذمة؛ فإنه ثبت في ذمة الموكل أصلًا، وفي ذمة الوكيل تبعًا، كالضامن، وللبائع مطالبة من شاء منهما. (٢)
стр. 3379
مسألة [٣٩]: هل للوكيل أن يشتري من نفسه، وكذلك الوصي ؟
• مذهب أحمد، والشافعي، والثوري أنه لا يجوز لهما ذلك؛ لأنَّ العرف في التوكيل أن يبيع لغيره، ولأنه لو باع لنفسه؛ للحقته التهمة؛ لتنافي الغرضان؛ فإن البائع يرغب في رفع السعر، والمشتري يرغب في خفضه، وهذا قول أبي حنيفة في الوكيل دون الوصي، وهي رواية عن مالك. وثبت عن ابن مسعود ﵁، بإسناد صحيح، كما في مصنف عبد الرزاق (١٦٤٧٩)، و «الأوسط» لابن المنذر (١٠/ ٣٥٥)، من طريق صلة بن زفر العبسي، قال: جاء رجل من همدان على فرس أبلق إلى عبد الله بن مسعود، وقال: إن رجلًا أوصى إلي بتركته، وإن هذا الفرس من تركته، أفأشتريه؟ قال: لا، ولا تستقرض من أموالهم شيئا.
• وعن الشافعي وأبي حنيفة: أنه يجوز للأب شراء مال ابنه الطفل من نفسه.
• ومذهب مالك، والأوزاعي، وأحمد في رواية: صحة ذلك بشرط أن لا يحابي نفسه، ويشتري بثمنه في السوق، أو أكثر، وقال بذلك أبو حنيفة في الوصي دون الوكيل.
قال أبو عبد الله غفر الله له: وهذا القول أقرب، والله أعلى وأعلم. (١)
стр. 3380
بَابُ الإِقْرَارِ
[فِيهِ الَّذِي قَبْلَهُ وَمَا أَشْبَهَهُ]
٨٧٧ - عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ : «قُلِ الحَقَّ وَلَوْ كَانَ مُرًّا». صَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مع ذكر بعض المسائل الملحقة
مسألة [١]: تعريف الإقرار .
الإقرار: مصدر أقرَّ يقرُّ، وهو اعتراف الإنسان بما عليه من حقوق مالية، أو بدنية، أو غير ذلك، والأصل فيه الكتاب، والسنة، والإجماع.
أما من القرآن: فقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ
стр. 3381
قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا﴾ [آل عمران:٨١]، وقوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ [التوبة:١٠٢].
وأما من السنة: فحديث أبي ذر المذكور قريبًا، وحديث أبي هريرة الذي قبله، وحديث أنس في «الصحيحين» أنَّ جارية وُجِدَت قد رُضَّ رأسها بين حجرين، فذكرت يهوديًّا، فأخذ اليهودي، فأقر، فأمر رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أن يُرض رأسه بين حجرين. (١)
وأما الإجماع: فإن الأئمة أجمعوا على صحة الإقرار. (٢)
مسألة [٢]: ممن يصح الإقرار ؟
قال أبو محمد بن قدامة ﵀ في «المغني» (٧/ ٢٦٢): ولا يصح الإقرار إلا من عاقل، مختار، فأما الطفل، والمجنون، والْمُبَرْسَمُ، والنائم، والمغمى عليه؛ فلا يصح إقرارهم، لا نعلم في هذا خلافًا. (٣)
مسألة [٣]: هل يصح الإقرار من الصبي المميز ؟
أما إذا كان محجورًا عليه؛ فلا يصح إقراره، وقد تقدم بيان ذلك في [كتاب الحجر].
• وأما إذا كان مأذونًا له في التصرف: فمذهب أحمد، وأبي حنيفة أنه يصح
стр. 3382
إقراره فيما أذن له فيه؛ لأنه يصح تصرفه، فيصح إذنه فيه وإقراره.
• وقال بعض الحنابلة: يصح إقراره في الشيء اليسير دون الكثير. وقال الشافعي: لا يصح إقراره بحال؛ لأنه غير بالغ، وهو مرفوع عنه القلم.
وأُجيب: بأنه يرفع عنه قلم التكليف والإثم، ولا ينافي ذلك صحة تصرفه إذا أذن له في ذلك، ويدل على صحة تصرفه كماتقدم في باب الحجر قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ [النساء:٦]، ومن صح تصرفه صح إقراره.
قلتُ: والصواب القول الأول، والله أعلم. (١)
مسألة [٤]: هل يصح إقرار من زال عقله بالسكر وغيره ؟
أما إذا زال عقله بسبب مباح، أو معذور فيه؛ فهو كالمجنون لا يسمع إقراره بلا خلاف.
• وأما إذا زال بمعصية كالسكران: فمذهب الشافعية، وكثير من الحنابلة أنه يصح إقراره، وتجري أفعاله مجرى فعل الصاحي؛ عقوبةً له.
• وذهب جماعة من الحنابلة وغيرهم إلى أنَّه لا يصح إقراره؛ لأنه فاقد العقل كالمجنون، وهو اختيار ابن قدامة ﵀، وهو الصواب، ورجحه الشيخ ابن عثيمين ﵀، وهو مقتضى ترجيح الإمام الوادعي ﵀. (٢)
стр. 3383
مسألة [٥]: هل يصح إقرار المكره ؟
قال أبو محمد بن قدامة ﵀: وَأَمَّا الْمُكْرَهُ فَلَا يَصِحُّ إقْرَارُهُ بِمَا أُكْرِهَ عَلَى الْإِقْرَارِ بِهِ. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ الله ﷺ : «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ، وَالنِّسْيَانُ، وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» (١)، وَلِأَنَّهُ قَوْلٌ أُكْرِهَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَلَمْ يَصِحَّ كَالْبَيْعِ، وَإِنْ أَقَرَّ بِغَيْرِ مَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ، مِثْلُ أَنْ يُكْرَهَ عَلَى الْإِقْرَارِ لِرَجُلٍ، فَأَقَرَّ لِغَيْرِهِ، أَوْ بِنَوْعٍ مِنْ الْمَالِ، فَيُقِرَّ بِغَيْرِهِ، أَوْ عَلَى الْإِقْرَارِ بِطَلَاقِ امْرَأَةٍ، فَأَقَرَّ بِطَلَاقِ أُخْرَى، أَوْ أَقَرَّ بِعِتْقِ عَبْدٍ؛ صَحَّ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِمَا لَمْ يُكْرَهْ عَلَيْهِ، فَصَحَّ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِهِ ابْتِدَاءً. اهـ
قال الإمام ابن عثيمين ﵀: إذا أكره على شيء فأقر بخلافه عينًا، أو وصفًا أخذ بإقراره؛ مالم نعلم أنه يريد المبالغة من أجل الفكاك والخلاص ممن أكرهه؛ وذلك لقول رسول الله ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى»، وقوله: «إنما أقضي بنحو ما أسمع» (٢)، ومن سمع هذا وعلم أن الرجل يريد المبالغة لا يمكن أن يوقعه عليه. اهـ (٣)
مسألة [٦]: هل يصح إقرار العبد ؟
• أما إذا أقرَّ على نفسه بما يوجب القصاص بالنفس فمذهب أحمد، وزفر، والمزني، وداود، والطبري أنه يُسقط حقَّ سيده بإقراره، فلا يقبل إقراره؛ لأنه
стр. 3384
يصبح إقرارًا على مال غيره؛ فإنَّ العبد مملوك لسيده، ولأنه متهم بالتواطؤ مع رجل في ذلك ليعفو عنه، ويخرج من ملك سيده.
• ومذهب مالك، والشافعي، وأبي حنيفة، وأصحابهم أنَّ إقراره في القصاص يُقبل، وهو قول بعض الحنابلة، وذلك لأنه بالغٌ، عاقلٌ يقر على نفسه بما يوجب القصاص، فيقبل منه، وهذا يقدم على حق السيد، واحتمال المواطأة على ما ذكر بعيدة، وينفصل عنها بما قاله ابن قدامة ﵀ في «المغني»، قال: وينبغي على هذا القول أن لايصح عفو ولي الجناية على مال إلا باختيار سيده؛ لئلا يفضي إلى إيجاب المال على سيده بإقرار غيره.
وقد قال الشوكاني: إنه يقبل إقراره في القصاص، ولا يُقاد إلا بعد العتق، وأما إذا ثبت عليه ما يوجب القصاص غير الإقرار؛ فيُقام عليه مباشرة، وهذا التفصيل لا دليل عليه فيما يظهر؛ لأنَّ الحد يُقام بالبينة وبالإقرار كما هو معلوم في موضعه، والله أعلم. (١)
стр. 3385
• أما إذا أقر العبد على نفسه بما يوجب المال، أو الحد بدون القتل؛ فالصحيح أنه يقبل إقراره في الحد، فيُقام عليه، كإقراره بالسرقة، وهو مذهب الحنابلة، والشافعية، وقال أبو حنيفة، وبعض الحنابلة: إذا لم يوافقه السيد على الإقرار؛ فلا يُقام عليه الحد؛ لأن ذلك شبهة يدرأ بها الحد، وهذا غير صحيح؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «فإن اعترفت فارجمها».
• وأما إقراره بما يوجب المال؛ فالصحيح أنه يقبل إقراره، ولكن المال لا يتعلق برقبته، ويتبع به بعد العتق، وهذا مذهب الحنابلة، ومذهب الشافعية، واختاره الشوكاني.
• وذهب بعض الحنابلة إلى أنه يتعلق برقبته، هذا فيما إذا كذبه السيد، ولم يصدقه، أما إذا صدقه السيد، أو قامت على ذلك البينة؛ فهو متعلق برقبة العبد، فإما أن يفديه السيد ويتحمل عنه أرش الجناية، وإما أن يبيعه ويعطيهم منه أرش الجناية أو يدفع العبد لهم مقابل جنايته فهو مخير بين هذه الأمور المذكورة. (١)
مسألة [٧]: الإقرار بالدين في المرض المخوف .
• إذا كان الإقرار بالدين لغير وارث؛ فيصح الإقرار عند أكثر أهل العلم وعامتهم، خلافًا لبعض الحنابلة في أنه لا يقبل كما لا يقبل للوارث، وقال بعضهم: لا يقبل بزيادة على الثلث. والصواب قبوله، وقياسهم على محل نزاع لا يصح، والزيادة على الثلث ممنوع في الوصية لا في الإقرار. (٢)
مسألة [٨]: إذا أقر لأجنبي في مرضه المخوف بدين وعليه دين ثابت في صحته، وضاق المال، فما الحكم ؟
• مذهب مالك، والشافعي، وأبي ثور، وبعض الحنابلة أنَّ المال يقسم بينهم بالسوية كلٌّ على قدر دينه؛ لأنها كلها ديون ثابتة عليه.
стр. 3386
• ومذهب أحمد، والنخعي، والثوري، وأصحاب الرأي أنه يبدأ بدين الصحة؛ لأن ثبوته أقوى من ثبوت الدين الآخر، وهذا القول غير صحيح، ولا دليل عليه، والصواب القول الأول. (١)
مسألة [٩]: إذا أقر لوارث في مرضه المخوف بدين ؟
• ذهب جمعٌ من أهل العلم إلى أنَّ الإقرار لا يقبل، وهو قول شريح، والنخعي، ويحيى الأنصاري، والقاسم، وسالم، والحنابلة، والحنفية، وقولٌ للشافعي؛ لأنه إعطاء المال لوارث، وذلك لا يجوز، وهو موضع تهمة؛ فلا يُقبل.
• ومذهب جماعة من أهل العلم صحة الإقرار وقبوله، وهو قول عطاء، والحسن، وإسحاق، وأبي ثور، والشافعي، وقال به مالك، وقيده بما إذا لم يتهم بإقراره.
قلتُ: والصواب قبول إقراره؛ إلا أن تظهر قرائن قوية تدل على عدم صحة الإقرار؛ فلا يقبل. (٢)
مسألة [١٠]: إذا أقر لامرأته بمهر مثلها، أو دونه ؟
قال أبو محمد بن قدامة ﵀ في «المغني» (٧/ ٣٣٣): وَإِنْ أَقَرَّ لِامْرَأَتِهِ بِمَهْرِ مِثْلِهَا أَوْ دُونَهُ؛ صَحَّ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا، لَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا إلَّا الشَّعْبِيَّ قَالَ: لَا يَجُوزُ إقْرَارُهُ لَهَا؛ لِأَنَّهُ إقْرَارٌ لِوَارِثٍ. وَلَنَا أَنَّهُ إقْرَارٌ بِمَا تَحَقَّقَ سَبَبُهُ، وَعُلِمَ وُجُودُهُ،
стр. 3387
وَلَمْ تُعْلَمْ الْبَرَاءَةُ مِنْهُ؛ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ بِبَيِّنَةٍ، فَأَقَرَّ بِأَنَّهُ لَمْ يُوَفِّهِ، وَكَذَلِكَ إنْ اشْتَرَى مِنْ وَارِثِهِ شَيْئًا، فَأَقَرَّ لَهُ بِثَمَنِ مِثْلِهِ؛ لِأَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُقَرِّ لَهُ، فِي أَنَّهُ لَمْ يَقْبِضْ ثَمَنَهُ. اهـ
مسألة [١١]: إذا أقر الوارث بدين على مورثه ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٧/ ٣٢٨): إذَا أَقَرَّ الْوَارِثُ بِدَيْنٍ عَلَى مَوْرُوثِهِ؛ قُبِلَ إقْرَارُهُ، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ. وَيَتَعَلَّقُ ذَلِكَ بِتَرِكَةِ الْمَيِّتِ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِهِ الْمَيِّتُ قَبْلَ مَوْتِهِ؛ فَإِنْ لَمْ يُخَلِّفْ تَرِكَةً، لَمْ يُلْزَمْ الْوَارِثُ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ أَدَاءُ دَيْنِهِ إذَا كَانَ حَيًّا مُفْلِسًا، فَكَذَلِكَ إذَا كَانَ مَيِّتًا، وَإِنْ خَلَّفَ تَرِكَةً، تَعَلَّقَ الدَّيْنُ بِهَا؛ فَإِنْ أَحَبَّ الْوَارِثُ تَسْلِيمَهَا فِي الدَّيْنِ، لَمْ يَلْزَمْهُ إلَّا ذَلِكَ، وَإِنْ أَحَبَّ اسْتِخْلَاصَهَا وَإِيفَاءَ الدَّيْنِ مِنْ مَالِهِ؛ فَلَهُ ذَلِكَ. اهـ
مسألة [١٢]: إذا أقر وارث واحد بذلك، ولم يقر بقية الورثة ؟
• ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الذي أقرَّ يلزمه من الدين بقدر ميراثه؛ فإن ورث النصف، فعليه نصف الدين، وإن ورث الربع، فعليه ربع الدين .... ، وهكذا، وهذا قول النخعي، والحسن، والحكم، وأحمد، وإسحاق، وأبي عبيد، وأبي ثور، والشافعي في القديم.
• وقال الشافعي، وأصحاب الرأي: يلزمه جميع الدين؛ فإن كان لا يفي ميراثه به؛ فعليه جميع ميراثه؛ لأنَّ الدين يتعلق بتركته، فلا يستحق الوراث منها إلا ما فضل من الدين.
стр. 3388
وأُجيب: بأنه أقرَّ بأن الدين على الميت؛ فيتعلق الدين بالتركة كلها؛ فلزمه منها بقدر ميراثه. والقول الأول هو الصواب، والله أعلم. (١)
مسألة [١٣]: الاستثناء في الإقرار .
أما إذا استثنى شيئًا من جنس ما أقر به؛ فجائز بلا خلاف في الجملة.
• وأما إذا كان الاستثناء من غير الجنس: فمذهب أحمد، وزُفر، ومحمد بن الحسن أنه لا يصح، وحجتهم أن الاستثناء إخراجٌ لما تناوله اللفظ الأول، فلا حاجة للاستثناء المنقطع ههنا.
• ومذهب مالك، والشافعي صحة الاستثناء المنقطع؛ لأنه مستعمل في القرآن، والسنة، واللغة، ولأنه قد يتناوله اللفظ الأول تبعًا لا أصلًا، وهذا أقرب، والله أعلم.
وقد اشترط أهل العلم في الاستثناء أن يكون متصلًا بالإقرار، ويصح الاستثناء بكل أدواته. (٢)
مسألة [١٤]: استثناء الكل .
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٧/ ٢٧٣): ولا يصح استثناء الكل بغير خلاف. اهـ يعني: ويلزمه ما أقر به.
стр. 3389
قلتُ: ويظهر أن مثل هذا لا يقوله إلا هازل؛ فلا يلزم بالإقرار حتى يتبين أنه يقر بذلك، والله أعلم.
مسألة [١٥]: استثناء الأكثر .
• الجمهور على صحة الاستثناء، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر:٤٢]، فقالوا: استثنى الغاوين، وهم أكثر من المخلصين.
• ومذهب الحنابلة عدم صحة هذا الاستثناء؛ لأنَّ المستعمل في اللغة هو استثناء الأقل لا الأكثر، وأجابوا عن الآية بجوابين: أحدهما: دخول الملائكة في قوله ﴿عِبَادِي﴾. والثاني: أن الاستثناء منقطع، والمعنى: لكن من اتبعك من الغاوين لك عليهم سلطان. وهذا الجواب أقرب من الذي قبله.
قلتُ: ولا يلزم من كونه لم يستعمل في اللغة أنه إذا استعمله إنسان في الإقرار أنه لا يصح منه؛ لأنَّ الإقرار راجعٌ إلى ما أراده هو نفسه بإقراره، فلو قال: له علي مائة إلا ثمانين. وهو يريد الإقرار بالعشرين فقط، فكيف نلزمه بالثمانين بحجة أن هذا ليس مستعملًا في اللغة، والله أعلم. (١)
تنبيه: اختلف الحنابلة على قولين فيما إذا استثنى النصف. (٢)
стр. 3390
مسألة [١٦]: من ادُّعِي عليه شيءٌ فقال: قد كان له عليَّ ذلك، ثم قضيته ؟
• ذهب أحمد في رواية، والشافعي في قولٍ إلى أنه ليس بإقرار؛ لأنه إقرار مقرون بما ينافيه.
• وذهب أحمد في رواية، والشافعي في قولٍ -وهو قول أبي حنيفة- إلى أنه يعتبر إقرارًا؛ لأنه أقرَّ بذلك، ثم ادعى القضاء؛ فإن جاء ببينة أنه قد قضى، وإلا فله يمين المنكر، وهو صاحب المال.
وهذا القول أقرب، والله أعلم. (١)
مسألة [١٧]: لو قال: كان له عليَّ ألف. وسكت ؟
• مذهب الحنابلة، وأبي حنيفة، وبعض الشافعية -وهو قولٌ للشافعي- أنه يلزمه الألف؛ لأنه أقر بأنه كان عليه، ولم يدع القضاء، بل سكت.
• ومذهب الشافعي في القول الآخر أنه لا يلزمه؛ لأنه أخبر عن ذلك بزمن الماضي، ولم يذكر على نفسه شيئًا في الحال.
والقول الأول أقرب؛ فإن ادعى القضاء قُبِلَ ادِّعَاؤه؛ لأنَّ دعواه لا تنافي إقراره؛ فإن لم ينكر صاحب المال؛ فلا إشكال، وإن أنكر ذلك؛ فعليه اليمين. (٢)
стр. 3391
مسألة [١٨]: رجوع المقر عن إقراره .
رجوعه في حق الآدميين، وحق الله تعالى في غير الحدود لا يُقبل عند أهل العلم؛ لأنه قد أقر على نفسه بذلك، وهو عاقل بالغ.
قال ابن قدامة: لا نعلم فيه خلافًا.
وقال ابن حزم ما معناه: إنه اتفاق منا ومنهم. (١)
مسألة [١٩]: إذا أقر بدرهم، ثم أقرَّ بدرهم، فكم يلزمه ؟
• مذهب الجمهور أنه يلزمه درهم واحد؛ إلا أن يقول في الثاني: درهم آخر. وقال أبو حنيفة: يلزمه درهمان. وهو قول ضعيفٌ. (٢)
مسألة [٢٠]: إذا قال له: عليَّ درهم، بل درهمان .
• يلزمه درهمان عند الحنابلة، والشافعية؛ لأنه أضرب عن الدرهم، واعترف بدرهمين. وقال داود وزُفر: يلزمه ثلاثة؛ لأنه أقرَّ أولًا بدرهم، ولا يقبل رجوعه عنه، ثم أقر بدرهمين.
وأجاب الجمهور: بأنه لم يرجع عن الإقرار بدرهم، ولكنه أضاف إليه درهمًا بالإقرار.
وقول الجمهور هو الصواب، والله أعلم. (٣)
стр. 3392
مسألة [٢١]: إذا قال: له عليَّ ألف درهم إلا خمسينًا. أو قال: له عليَّ ألف إلا خمسين درهمًا. فبماذا يفسر المبهم ؟
• قال بعض الحنابلة، وأبو ثور: المبهم يكون أيضًا من الدراهم؛ لأنَّ الأصل أنَّ الاستثناء يكون من الجنس.
• وقال مالك، والشافعي، وبعض الحنابلة: لا يقبل وهو مبهم حتى يفسره. وهذا أقرب؛ إلا أنه إذا تعذر ذلك؛ فالأصل أنه من جنسه، والله أعلم. (١)
مسألة [٢٢]: الإقرار بالمجهول .
قال ابن قدامة ﵀: وَإِذَا قَالَ: لِفُلَانٍ عَلَيَّ شَيْءٌ. أَوْ كَذَا. صَحَّ إقْرَارُهُ، وَلَزِمَهُ تَفْسِيرُهُ. وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ، وَيُفَارِقُ الدَّعْوَى، حَيْثُ لَا تَصِحُّ مَجْهُولَةً؛ لِكَوْنِ الدَّعْوَى لَهُ وَالْإِقْرَارُ عَلَيْهِ. اهـ
تنبيه: لا يُقبل التفسير إلا إن كان يحتمله اللفظ المبهم. (٢)
مسألة [٢٣]: إذا قال: له عليَّ مال. فهل يقبل تفسيره بالقليل ؟
• مذهب أحمد، والشافعي أنه يُقبل تفسيره بقليل المال وكثيره؛ لأنَّ كله يطلق عليه مال.
• وقال أبو حنيفة: لا يقبل تفسيرٌ بغير المال الزكوي؛ لقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ
стр. 3393
أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة:١٠٣].
• وعن مالك ثلاثة أوجه، وجهان كما تقدم، والثالث ما يقطع به السارق، ويصح مهرًا.
قلتُ: والصواب القول الأول، والله أعلم. (١)
مسألة [٢٤]: إذا قال: له عليَّ مال كثير .
• مذهب أحمد، والشافعي أنه يجوز تفسيره بالقليل والكثير؛ لأنَّ القليل قد يكون كثيرًا عند بعض الناس.
• وعن أبي حنيفة: أقله عشرة دراهم، وعنه: مائتا درهم، وهو قول صاحبيه.
• وعن المالكية أقوال كالمسألة السابقة.
والصواب القول الأول، ويظهر من كلامهم أنه إن أقرَّ بمبلغ لا يصلح في عرفهم أن يطلق عليه أنه كثير أنَّ ذلك لا يقبل، بل لا يصح إلا ما كان يصح أن يُطلق عليه كثير، ولو بالنسبة لبعض الناس، والله أعلم. (٢)
مسألة [٢٥]: لو قال: له عندي رهن. فقال المالك: بل وديعة .
يقدم قول المالك؛ لأنَّ ذلك أقر أنها ملك الآخر، وادَّعى أنها رهن، ولكن على المالك اليمين؛ لأنه بذلك ينكر الدين الذي ادَّعاه الآخر أو ينكر وثيقته بالرهن. (٣)
стр. 3394
مسألة [٢٦]: إذا أقر أحد الوارثَينِ بوارث ثالث، فهل يقبل إقراره ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٧/ ٣١٤ - ٣١٥): لَا يَثْبُتُ النَّسَبُ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ النَّسَبَ لَا يَتَبَعَّضُ، فَلَا يُمْكِنُ إثْبَاتُهُ فِي حَقِّ المُقِرِّ دُونَ المُنْكِرِ، وَلَا يُمْكِنُ إثْبَاتُهُ فِي حَقِّهِمَا؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا مُنْكِرٌ، وَلَمْ تُوجَدْ شَهَادَةٌ يَثْبُتُ بِهَا النَّسَبُ، وَلَكِنَّهُ يُشَارِكُ المُقِرَّ فِي الْمِيرَاثِ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يُشَارِكُهُ. وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ.
وَقَالَ إبْرَاهِيمُ: لَيْسَ بِشَيْءٍ حَتَّى يُقِرُّوا جَمِيعًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ، فَلَا يَرِثُ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِنَسَبٍ مَعْرُوفِ النَّسَبِ.
قال ابن قدامة: وَلَنَا أَنَّهُ أَقَرَّ بِسَبَبِ مَالٍ لَمْ يُحْكَمْ بِبُطْلَانِهِ؛ فَلَزِمَهُ الْمَالُ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِبَيْعٍ أَوْ أَقَرَّ بِدَيْنٍ، فَأَنْكَرَ الْآخَرُ. اهـ
قال أبو عبد الله غفر الله له: قول الجمهور هو الصواب، والله أعلم.
مسألة [٢٧]: كم يجب على المقر أن يعطي من أقر له ؟
• الجمهور من أهل العلم على أنَّ عليه أن يعطيه ما فضل في يده عن ميراثه بحساب أنَّ المقر له وارث.
وهذا قول ابن أبي ليلى، ومالك، وأحمد، وإسحاق، والثوري، وأبي عبيد، وأبي ثور وغيرهم.
• وقال أبو حنيفة: إذا كانا اثنين، فأقر أحدهما بوارث؛ فإنْ كان أخًا؛ لزمه دفع
стр. 3395
نصف ما في يده، وإن أقرَّ بأخت؛ لزمه ثلث ما في يده؛ لأنَّ المنكر أخذ ما لا يستحق من التركة كالغاصب، فيتقاسمان ما بقي كما لو لم يكن موجودًا.
وأُجيب عن ذلك: بأن الغاصب يأخذه بغير حقٍّ، والوارث أخذه بحق، ولأنَّ الآخر بإقراره استحق المقر له نصيبه من التركة، فيعطيه ما كان في يده منها؛ فالصواب قول الجمهور. (١)
تنبيه: هذه المسألة والتي قبلها فيما إذا لم توجد بينة، ولم يوجد إلا الإقرار.
مسألة [٢٨]: الإقرار الذي يثبت به النسب .
• مذهب أحمد، والشافعي، وأبي يوسف أنه يثبت بإقرار جميع الورثة، سواء كان الورثة واحدًا، أو جماعة، ذكرًا أو أنثى؛ لأن الوارث يقوم مقام الميت في ميراثه، وديونه، والديون التي عليه، وبيناته ودعاويه، وكذلك في النسب.
• وقال أبو حنيفة: لا يثبت إلا بإقرار رجلين، أو رجل وامرأتين.
• وقال مالك: لا يثبت إلا بإقرار اثنين كالشهادة؛ فإنه يحمل النسب على غيره.
وأُجيب: بأنه حقٌّ يثبت بالإقرار؛ فلم يعتبر فيه العدد كالدين، ولأنه قولٌ لا تعتبر فيه العدالة؛ فلم يعتبر العدد فيه، كإقرار الموروث، واعتباره بالشهادة لا يصح؛ لأنه لا يعتبر فيه اللفظ، ولا العدالة، ويبطل بالإقرار بالدين. انتهى ملخصًا من «المغني» (٧/ ٣١٦ - ٣١٧).
стр. 3396
قلتُ: والصواب هو القول الأول، والله أعلم.
شروط الإقرار بالنسب:
١) أن يكون المقر به مجهول النسب؛ فلا يقبل الإقرار بإنسان له نسب معلوم بخلاف ذلك.
٢) أن لا ينازع فيه منازع، فإذا وُجد منازع؛ فلا يقبل الإقرار، ولابد من البينات.
٣) أن يمكن الصدق فيما أقر فيه.
٤) أن يكون المقر به ممن لا قول له، كالمجنون، والصبي، وممن له قول كالمكلف بشرط أن يصدق المقر بذلك.
٥) أن يكون المقر جميع الورثة؛ فلا يثبت النسب إذا نفاه بعضهم. (١)
مسألة [٢٩]: إذا أقر إنسان بنسب ميتٍ .
• إن كان صغيرًا، أو مجنونًا: فمذهب الحنابلة، والشافعي أنه يثبت النسب، والميراث بالشروط السابقة.
• وللحنابلة احتمال أنه يثبت نسبه ولا يرث.
• وقال أبو حنيفة: لا يثبت نسبه ولا يرث.
ورجَّح الإمام ابن عثيمين ﵀ أنَّ الإقرار يصح؛ إلا إذا وجدت قرائن تدل
стр. 3397
على عدم صدقه، فلا يقبل.
وهذا أقرب الأقوال، والله أعلم.
• وأما إن كان كبيرًا: فمذهب الشافعي، وبعض الحنابلة أنه يصح كذلك. وللحنابلة وجهٌ أنه لا يصح؛ لأنَّ نسب المكلف لا يثبت إلا بتصديقه، ولم يوجد.
وأُجيب: بأنه تعذر ههنا، وأصبح غير مكلف.
والظاهر أنَّ القول ههنا كالذي قبله، والله أعلم. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث
مع ذكر بعض المسائل الملحقة
مسألة [١]: تعريف العارية .
العاريَّة: بتشديد الياء وتخفيفها، هي إباحة نفع عين تبقى بعد استيفائها، ثم يردها على مالكها.
وسُمِّيت عارية، قيل: من عار الشيء إذا ذهب وجاء، ومنه قيل للبطال: عيَّار لتردده في بطالته. وقيل: من العُري وهو التجرد؛ لتجردها من العوض. (١)
مسألة [٢]: مشروعية العارية .
دَلَّ على مشروعيتها، واستحبابها الكتاب، والسنة، والإجماع.
أما من كتاب الله : فقوله تعالى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون:٧]، فذمَّ تعالى من يمنعها.
وأما من السنة: فأحاديث الباب، ومعها حديث أبي أمامة المتقدم عند أبي داود (٣٥٦٥) وغيره، وهو حديث حسن، وفيه: «والعارية مؤداة».
وأما الإجماع: فقد أجمع العلماء على مشروعيتها؛ للأدلة المتقدمة.
مسألة [٣]: هل تجب العارية ؟
• أكثر أهل العلم على عدم وجوبها، واستدلوا بحديث: «ليس في المال حقٌّ