← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 165

فتح العلام في دراسة أحاديث بلوغ المرام ط 4

محمد بن علي بن حزام البعداني

Полный текст (5 956 стр.). Показаны 3396–3435 · переход к 3401.

стр. 3396

قلتُ: والصواب هو القول الأول، والله أعلم. شروط الإقرار بالنسب: ١) أن يكون المقر به مجهول النسب؛ فلا يقبل الإقرار بإنسان له نسب معلوم بخلاف ذلك. ٢) أن لا ينازع فيه منازع، فإذا وُجد منازع؛ فلا يقبل الإقرار، ولابد من البينات. ٣) أن يمكن الصدق فيما أقر فيه. ٤) أن يكون المقر به ممن لا قول له، كالمجنون، والصبي، وممن له قول كالمكلف بشرط أن يصدق المقر بذلك. ٥) أن يكون المقر جميع الورثة؛ فلا يثبت النسب إذا نفاه بعضهم. (١) مسألة [٢٩]: إذا أقر إنسان بنسب ميتٍ . • إن كان صغيرًا، أو مجنونًا: فمذهب الحنابلة، والشافعي أنه يثبت النسب، والميراث بالشروط السابقة. • وللحنابلة احتمال أنه يثبت نسبه ولا يرث. • وقال أبو حنيفة: لا يثبت نسبه ولا يرث. ورجَّح الإمام ابن عثيمين ﵀ أنَّ الإقرار يصح؛ إلا إذا وجدت قرائن تدل

стр. 3397

على عدم صدقه، فلا يقبل. وهذا أقرب الأقوال، والله أعلم. • وأما إن كان كبيرًا: فمذهب الشافعي، وبعض الحنابلة أنه يصح كذلك. وللحنابلة وجهٌ أنه لا يصح؛ لأنَّ نسب المكلف لا يثبت إلا بتصديقه، ولم يوجد. وأُجيب: بأنه تعذر ههنا، وأصبح غير مكلف. والظاهر أنَّ القول ههنا كالذي قبله، والله أعلم. (١)

стр. 3398

بَابُ العَارِيَةِ ٨٧٨ - عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «عَلَى اليَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ. وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ. (١) ٨٧٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَدِّ الأَمَانَةَ إلَى مَنِ ائْتَمَنَك، وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَك» رَوَاهُ أَبُودَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ، وَاسْتَنْكَرَهُ أَبُوحَاتِمٍ الرَّازِيّ. (٢) ٨٨٠ - وَعَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إذَا أَتَتْك رُسُلِي فَأَعْطِهِمْ ثَلَاثِينَ دِرْعًا» قُلْت: يَا رَسُولَ اللهِ، أَعَارِيَّةٌ مَضْمُونَةٌ، أَوْ عَارِيَّةٌ مُؤَدَّاةٌ؟ قَالَ: «بَلْ عَارِيَّةٌ مُؤَدَّاةٌ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُودَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. (٣)

стр. 3399

٨٨١ - وَعَنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَعَارَ مِنْهُ دُرُوعًا يَوْمَ حُنَيْنٍ. فَقَالَ: أَغَصْبٌ يَا مُحَمَّدُ؟ قَالَ: «بَلْ عَارِيَّةٌ مَضْمُونَةٌ». رَوَاهُ أَبُودَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ. (١) ٨٨٢ - وَأَخْرَجَ لَهُ شَاهِدًا ضَعِيفًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄. (٢)

стр. 3400

المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث مع ذكر بعض المسائل الملحقة مسألة [١]: تعريف العارية . العاريَّة: بتشديد الياء وتخفيفها، هي إباحة نفع عين تبقى بعد استيفائها، ثم يردها على مالكها. وسُمِّيت عارية، قيل: من عار الشيء إذا ذهب وجاء، ومنه قيل للبطال: عيَّار لتردده في بطالته. وقيل: من العُري وهو التجرد؛ لتجردها من العوض. (١) مسألة [٢]: مشروعية العارية . دَلَّ على مشروعيتها، واستحبابها الكتاب، والسنة، والإجماع. أما من كتاب الله : فقوله تعالى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون:٧]، فذمَّ تعالى من يمنعها. وأما من السنة: فأحاديث الباب، ومعها حديث أبي أمامة المتقدم عند أبي داود (٣٥٦٥) وغيره، وهو حديث حسن، وفيه: «والعارية مؤداة». وأما الإجماع: فقد أجمع العلماء على مشروعيتها؛ للأدلة المتقدمة. مسألة [٣]: هل تجب العارية ؟ • أكثر أهل العلم على عدم وجوبها، واستدلوا بحديث: «ليس في المال حقٌّ

стр. 3401

سوى الزكاة» (١)، ولكن يُغني عنه حديث طلحة بن عبيد الله أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أمر الأعرابي بالزكاة، فقال: هل عليَّ غيرها؟ قال: «لا إلا أن تتطوع» متفق عليه. • وذهب ابن حزم، ثم شيخ الإسلام إلى وجوب العارية لمن كان محتاجًا إليها، وهو عنها غني، ويأمن على عاريته عند المستعير؛ لظاهر الآية: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾، ففيها ذم لمن يمنع، وقد صح عن ابن مسعود أنه قال: كنا نعد الماعون عارية القِدْر والدَّلْو على عهد رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. أخرجه أبوداود (١٦٥٧)، وابن أبي شيبة (٣/ ٢٠٢)، وغيرهما. وأجاب الجمهور عن الآية: بأنه قد اختلف في تفسيرها، فقد فسرت بالزكاة، وبتفاسير أخرى. قلتُ: وقد صحَّ التفسير السابق عن ابن عباس أيضًا، أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٢٠٣) بإسناد صحيح. قال ابن حزم ﵀: ولا نعلم عن أحد من الصحابة ﵃ خلافًا لهذا. قال: فإن قيل: قد رُوي عن علي ﵁ أنها الزكاة (٢). قلنا: نعم، ولم يقل: ليست

стр. 3402

العارية. ثم قد جاء عنه أنها العارية؛ فوجب جمع قوليه. قلتُ: وقد رجَّح ابن جرير ﵀ أنَّ الآية تشمل الأمرين، وهو الأقرب، والله أعلم. (١) مسألة [٤]: تصح العارية في كل منفعة مباحة . ذكر أهل العلم أن العارية تجوز في كل منفعة مباحة، ولا يجوز بالإجماع إعارة أمة للاستمتاع بها. • وأما إعارتها للخدمة؛ فإنْ أعارها لمحرم، أو امرأة؛ جاز، وأما إعارتها لأجنبي؛ فلا يجوز عند كثير من أهل العلم إذا كانت شابة تُشتَهى؛ لخوف الفتنة، وأما إن كانت عجوزًا، أو قبيحة، فأجازها بعضهم. ورجَّح الشيخ ابن عثيمين ﵀ عدم الجواز أيضًا؛ لخوف الفتنة. (٢) مسألة [٥]: إعارة العبد المسلم للكافر . • قال جماعة من أهل العلم بعدم جواز ذلك؛ لأنَّ فيه إذلالًا للمسلم عند الكافر، وقد قال تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء:١٤١]، وقال بعضهم بالكراهة، وبعضهم بالجواز، والراجح الأول. (٣)

стр. 3403

مسألة [٦]: ماذا يُعتبر في الْمُعِير ؟ يُعتبر في المعير أن يكون جائز التصرف في العين المعارة، وعلى هذا فلا تصح إعارة المحجور عليه لجنونٍ، أو صِغَرٍ، أو سَفَهٍ، أو فَلَسٍ، ويجوز للمستأجر أن يعير العين المؤجرة؛ لأنه مالكٌ للانتفاع. (١) مسألة [٧]: بم تنعقد العارية ؟ ذكر أهل العلم أنها تنعقد بكل فعلٍ، أو لفظٍ يدل عليها، مثل قوله: (أعرتك هذه)، أو: (أبحتك الانتفاع بهذه)، أو: (خذ هذا فانتفع به)، أو يسأله شيئًا ينتفع به، فيسلمه إياه؛ لأنه إباحة للتصرف، فصحَّ بالقول والفعل الدال عليه. (٢) مسألة [٨]: هل تضمن العارية إذا لم يتعد أو يفرط فيها ؟ • في هذه المسألة قولان لأهل العلم: القول الأول: أنها تضمن. صح ذلك عن ابن عباس ﵄، وجاء عن أبي هريرة ﵁، وفي إسناده مجهول، وهو قول عطاء، والشافعي، وأحمد، وإسحاق. واستدلوا على ذلك بحديث سمرة، وأبي هريرة، وصفوان المذكورة في الباب، وبحديث: «العارية مؤداة»، قالوا: فأمر بتأديتها، وذلك يدل على أنه يضمنها إذا تعذر تأديتها بتلفها. القول الثاني: أنها لا تضمن إلا إذا تعدى، أو فرَّط، وهو قول الحسن،

стр. 3404

والنخعي، والشعبي، وعمر بن عبدالعزيز، والثوري، وأبي حنيفة، ومالك، والأوزاعي، وابن شبرمة، والظاهرية، ورواية عن أحمد. واستدلوا على ذلك بحديث يعلى بن أمية الذي في الباب، ففيه تفريق بين المضمونة، والمؤداة، قالوا: ولا يلزم من كون العارية يجب تأديتها أن تكون مضمونة؛ وإلا لوجب ضمان الوديعة أيضًا؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء:٥٨]، قالوا: وقد أخذها المستعير بإذن المعير، ورضاه، فما وجه تضمينه إذا لم يتعد فيها؟ واستدل بعضهم بحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده مرفوعًا: «ليس على المستعير غير المُغِلِّ ضمان». والمُغِل: أي المتهم. أخرجه البيهقي (٦/ ٩١)، وفي إسناده ضعيفان، وبَيَّن البيهقي أنَّ الراجح وقفه على شريح. قلتُ: وهذا القول اختاره الإمام ابن القيم، ثم الشيخ ابن عثيمين رحمهما الله، وهو الصواب، والله أعلم. (١) مسألة [٩]: وهل يضمن إذا اشترط ذلك المعير ؟ • أما الذين قالوا بالضمان؛ فهذا الاشتراط عندهم جائز صحيح؛ لأنه يشترط ما هو له توكيدًا.

стр. 3405

• وأما الذين يقولون بعدم الضمان؛ فمقتضى قول أكثرهم أنه لا يضمن بالاشتراط كما تقدم في باب شروط البيع. • وذهب بعض أهل العلم إلى أنه إذا شرط المعير الضمان؛ كان الضمان على المستعير، ذكره ابن حزم عن عثمان البتي، وقتادة، وقال به بعض الحنابلة، وذكره في «الإنصاف» رواية عن أحمد، واختار هذا شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، ورجح هذا القول الشيخ ابن عثيمين ﵀، وهو الصواب، والله أعلم؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «المسلمون على شروطهم»، وعليه يحمل حديث صفوان الذي في الباب إن سُلِّمَ بثبوته، والله أعلم. (١) تنبيه: إذا اشترط المستعير أنه ليس عليه ضمان، فالذين يقولون: (إنه ليس عليه الضمان) فالشرط عندهم صحيح؛ لأنه يشترط ما هو له توكيدًا، وأما الذين يقولون: (إن الضمان عليه) فيقولون: شرطه غير صحيح. وهو قول أحمد، والشافعي، وعن أحمد رواية بصحة الاشتراط. (٢) مسألة [١٠]: إذا تلف شيء من أجزاء العارية ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٧/ ٣٤٣): وإن تلف شيءٌ من أجزائها التي لا تذهب بالاستعمال فعليه ضمانها؛ لأن ما ضمن جملته ضمنت أجزاؤه

стр. 3406

كالمغصوب، وأما أجزاؤها التي تذهب بالاستعمال كخمل المنشفة، والقطيفة، وخف الثوب يلبسه، ففيه وجهان، أحدهما: يجب ضمانه؛ لأنها أجزاء عين مضمونة فكانت مضمونة، ولأنها أجزاء يجب ضمانها لو تلفت العين قبل استعمالها؛ فتضمن إذا تلفت وحدها كسائر الأجزاء. والثاني: لا يضمنها، وهو قول الشافعي؛ لأن الإذن في الاستعمال تضمنه؛ فلا يجب ضمانه كالمنافع. اهـ قال أبو عبد الله غفر الله له: أما ما تلف بسبب الاستعمال المأذون فيه؛ فليس عليه شيء، وأما ما تلف بغير ذلك؛ فعليه الضمان إذا تعدى، والله أعلم. (١) مسألة [١١]: الإعارة المطلقة والمقيدة . قال أبو محمد بن قدامة ﵀ في «المغني» (٧/ ٣٤٦): وَتَجُوزُ الْإِعَارَةُ مُطْلَقًا وَمُقَيَّدًا؛ لِأَنَّهَا إبَاحَةٌ، فَجَازَ فِيهَا ذَلِكَ، كَإِبَاحَةِ الطَّعَامِ. وَلِأَنَّ الْجَهَالَةَ إنَّمَا تُؤَثِّرُ فِي الْعُقُودِ اللَّازِمَةِ. قال: فَإِذَا أَعَارَهُ شَيْئًا مُطْلَقًا؛ أُبِيحَ لَهُ الِانْتِفَاعُ بِهِ فِي كُلِّ مَا هُوَ مُسْتَعِدٌّ لَهُ مِنْ الِانْتِفَاعِ، فَإِذَا أَعَارَهُ أَرْضًا مُطْلَقًا؛ فَلَهُ أَنْ يَزْرَعَ فِيهَا، وَيَغْرِسَ، وَيَبْنِيَ، وَيَفْعَلَ فِيهَا كُلَّ مَا هِيَ مُعَدَّةٌ لَهُ مِنْ الِانْتِفَاعِ؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ مُطْلَقٌ. اهـ ثم ذكر كلامًا معناه: أنه إذا أعاره في شيء مقيد؛ فلا ينتفع به إلا في ذلك الشيء المقيد، وفيما هو أقل ضررًا منه، والله أعلم. (٢)

стр. 3407

مسألة [١٢]: الإعارة المطلقة والمؤقتة، وهل له الرجوع فيهما ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٧/ ٣٤٩ - ): وَتَجُوزُ الْعَارِيَّةِ مُطْلَقَةً وَمُؤَقَّتَةً؛ لِأَنَّهَا إبَاحَةٌ، فَأَشْبَهَتْ إبَاحَةَ الطَّعَامِ. وَلِلْمُعِيرِ الرُّجُوعُ فِي الْعَارِيَّةِ أَيَّ وَقْتٍ شَاءَ، سَوَاءٌ كَانَتْ مُطْلَقَةً أَوْ مُؤَقَّتَةً؛ مَالَمْ يَأْذَنْ فِي شَغْلِهِ بِشَيْءِ يَتَضَرَّرُ بِالرُّجُوعِ فِيهِ، وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ، وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ كَانَتْ مُؤَقَّتَةً؛ فَلَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ قَبْلَ الْوَقْتِ، وَإِنْ لَمْ تُؤَقَّتْ لَهُ مُدَّةٌ؛ لَزِمَهُ تَرْكُهُ مُدَّةً يُنْتَفَعُ بِهَا فِي مِثْلِهَا؛ لِأَنَّ الْمُعِيرَ قَدْ مَلَّكَهُ الْمَنْفَعَةَ فِي مُدَّةٍ، وَصَارَتْ الْعَيْنُ فِي يَدِهِ بِعَقْدٍ مُبَاحٍ، فَلَمْ يَمْلِكْ الرُّجُوعَ فِيهَا بِغَيْرِ اخْتِيَارِ الْمَالِكِ. قال ابن قدامة: وَلَنَا أَنَّ الْمَنَافِعَ الْمُسْتَقْبَلَةَ لَمْ تَحْصُلْ فِي يَدِهِ؛ فَلَمْ يَمْلِكْهَا بِالْإِعَارَةِ، كَمَا لَوْ لَمْ تَحْصُلْ الْعَيْنُ فِي يَدِهِ. اهـ بتصرف يسير. قلتُ: والصحيح قول الجمهور؛ لانَّ العارية إباحة الانتفاع بالمعار، ولا نعلم دليلًا يمنعه أن يرجع في ذلك. (١) مسألة [١٣]: هل للمستعير أن يعير العارية ؟ • في هذه المسألة قولان لأهل العلم: الأول: ليس له أن يعير، وهو قول الحنابلة، ووجه للشافعية؛ لأنه إنما أذن له الانتفاع بنفسه، ولم يأذن لغيره، والأصل حرمة مال المسلم؛ إلا بطيب نفسه.

стр. 3408

الثاني: له أن يعير، وهو قول أبي حنيفة، ووجهٌ للشافعية؛ لأنه يُمَلِّكه على حسب ما ملكه؛ فجاز كما للمستأجر أن يؤجر. وقال مالك: إذا لم يعمل بها إلا الذي كان يعمل بها الذي أُعيرها؛ فلا ضمان عليه. قلتُ: والأول هو الراجح، والله أعلم. تنبيه: محل الخلاف فيما إذا لم يأذن له في الإعارة، أو ينهاه؛ فإن فعل شيئًا من ذلك فالأمر واضحٌ. (١) مسألة [١٤]: إذا اختلف المعير والمستعير هل هي عارية، أو استئجار ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٧/ ٣٥٦): وَإِذَا اخْتَلَفَ رَبُّ الدَّابَّةِ وَرَاكِبُهَا، فَقَالَ الرَّاكِبُ: هِيَ عَارِيَّةٌ. وَقَالَ الْمَالِكُ: بَلْ اكْتَرَيْتهَا. فَإِنْ كَانَتْ الدَّابَّةُ بَاقِيَةً لَمْ تَنْقُصْ؛ لَمْ يَخْلُ مِنْ أَنْ يَكُونَ الِاخْتِلَافُ عَقِيبَ الْعَقْدِ، أَوْ بَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةٍ لِمِثْلِهَا أَجْرٌ؛ فَإِنْ كَانَ عَقِيبَ الْعَقْدِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاكِبِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ عَقْدِ الْإِجَارَةِ، وَبَرَاءَةُ ذِمَّةِ الرَّاكِبِ مِنْهَا، فَيَحْلِفُ، وَيَرُدُّ الدَّابَّةَ إلَى مَالِكِهَا؛ لِأَنَّهَا عَارِيَّةٌ. وَكَذَلِكَ إنْ ادَّعَى الْمَالِكُ أَنَّهَا عَارِيَّةٌ. وَقَالَ الرَّاكِبُ: بَلْ اكْتَرَيْتهَا. فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَالِكِ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا. وَإِنْ كَانَ الِاخْتِلَافُ بَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةٍ لِمِثْلِهَا أَجْرٌ، فَادَّعَى الْمَالِكُ الْإِجَارَةَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ. وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ، وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: الْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاكِبِ. وَهُوَ مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى تَلَفِ الْمَنَافِعِ عَلَى مِلْكِ الرَّاكِبِ، وَادَّعَى الْمَالِكُ عِوَضًا لَهَا، وَالْأَصْلُ عَدَمُ وُجُوبِهِ. وَبَرَاءَةُ ذِمَّةِ

стр. 3409

الرَّاكِبِ مِنْهُ؛ فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ. وَلَنَا أَنَّهُمَا اخْتَلَفَا فِي كَيْفِيَّةِ انْتِقَالِ الْمَنَافِعِ إلَى مِلْكِ الرَّاكِبِ؛ فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمَالِكِ، كَمَا لَوْ اخْتَلَفَا فِي عَيْنٍ، فَقَالَ الْمَالِكُ: بِعْتُكَهَا. وَقَالَ الْآخَرُ: وَهَبْتنِيهَا. وَلِأَنَّ الْمَنَافِعَ تَجْرِي مَجْرَى الْأَعْيَانِ فِي الْمِلْكِ، وَالْعَقْدِ عَلَيْهَا، وَلَوْ اخْتَلَفَا فِي الْأَعْيَانِ؛ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمَالِكِ، كَذَا هَاهُنَا. وَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. وَلِأَنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى أَنَّ الْمَنَافِعَ لَا تَنْتَقِلُ إلَى الرَّاكِبِ إلَّا بِنَقْلِ الْمَالِكِ لَهَا، فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِي كَيْفِيَّةِ الِانْتِقَالِ، كَالْأَعْيَانِ، فَيَحْلِفُ الْمَالِكُ، وَيَسْتَحِقُّ الْأَجْرَ. وَفِي قَدْرِهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا: أَجْرُ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّهُمَا لَوْ اتَّفَقَا عَلَى وُجُوبِهِ، وَاخْتَلَفَا فِي قَدْرِهِ؛ وَجَبَ أَجْرُ الْمِثْلِ، فَمَعَ الِاخْتِلَافِ فِي أَصْلِهِ أَوْلَى. وَالثَّانِي: الْمُسَمَّى؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ بِقَوْلِ الْمَالِكِ وَيَمِينِهِ، فَوَجَبَ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ، كَالْأَصْلِ. انتهى المراد بنصِّه. قال أبوعبد الله غفر الله له: الذي يظهر لي هو ترجيح ما ذكره ابن قدامة ﵀. (١) مسألة [١٥]: إذا اختلفا فقال المالك غَصَبْتَها. وقال الآخر: بل أعرتنيها ؟ أما إذا كان هذا الخلاف عقيب العقد؛ فلا معنى للاختلاف، ويأخذ المالك حقَّه. قال ابن قدامة ﵀: وَإِنْ كَانَ الِاخْتِلَافُ بَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةٍ لِمِثْلِهَا أَجْرٌ، فَالِاخْتِلَافُ فِي وُجُوبِهِ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَالِكِ. وَهَذَا ظَاهِرُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ، وَنَقَلَ الْمُزَنِيّ عَنْهُ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الرَّاكِبِ؛ لِأَنَّ الْمَالِكَ يَدَّعِي عَلَيْهِ عِوَضًا، الْأَصْلُ بَرَاءَةُ

стр. 3410

ذِمَّتِهِ مِنْهُ، وَلِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ الْيَدِ أَنَّهَا بِحَقٍّ؛ فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ صَاحِبِهَا. قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٧/ ٣٥٨): وَلَنَا مَا قَدَّمْنَا فِي الْفَصْلِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا، بَلْ هَذَا أَوْلَى؛ لِأَنَّهُمَا ثَمَّ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّ الْمَنَافِعَ مِلْكٌ لِلرَّاكِبِ، وَهَا هُنَا لَمْ يَتَّفِقَا عَلَى ذَلِكَ؛ فَإِنَّ الْمَالِكَ يُنْكِرُ انْتِقَالَ الْمِلْكِ فِيهَا إلَى الرَّاكِبِ، وَالرَّاكِبُ يَدَّعِيهِ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الِانْتِقَالِ، فَيَحْلِفُ، وَيَسْتَحِقُّ الْأَجْرَ. اهـ (١) مسألة [١٦]: إذا اختلفا في الرد، فادَّعاه المستعير وأنكره المعير ؟ في هذه الحالة يكون القول قول المعير؛ لأنهما اتفقا أنها عارية في يد المستعير، واختلفا في رجوعها إلى يد المعير، فادَّعى ذلك المستعير، وأنكر المعير، والبينة على المدعي، واليمين على من أنكر. (٢)

стр. 3411

بَابُ الغَصْبِ ٨٨٣ - عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الأَرْضِ ظُلْمًا طَوَّقَهُ اللهُ إيَّاهُ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مع ذكر بعض المسائل الملحقة مسألة [١]: تعريف الغصب . الغصب: هو الاستيلاء على حقِّ الغير بغير حقٍّ، واستثنى بعض أهل العلم من التعريف استيلاء الحربي لمال المسلم؛ فإنه ليس مقصودًا في هذا الباب؛ فإنه لا خلاف أنه لا يضمن بالتلف، والخلاف في وجوب ردِّه. (٢) مسألة [٢]: حكم الغصب . محرَّمٌ تحريمًا قطعيًّا بالكتاب، والسنة، والإجماع. أما من القرآن: فقوله تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٢٩]. وأما من السنة: فحديث سعيد بن زيد المتقدم مع حديث أبي بكرة ﵁

стр. 3412

الذي في آخر الباب، وحديث أبي حميد الساعدي ﵁ الذي تقدم في آخر باب الصلح. وأما الإجماع: فأجمع المسلمون على تحريم غصب أموال المسلمين. مسألة [٣]: معنى قوله: «طَوَّقَهُ اللهُ إيَّاهُ» . • ذكر الحافظ في «الفتح» (٢٤٥٢) اختلاف العلماء في تفسيرها، وذكر خمسة أقوال أقربها قولان: أولهما: أنه يكلف حمل ما غصب من الأرض إلى سبع أرضين؛ فتكون في عنقه كالطوق. ثانيهما: أنه يخسف به يوم القيامة إلى سبع أرضين؛ فتكون كل أرض له عند ذلك كالطوق، ويؤيد هذا حديث ابن عمر ﵄ عند «البخاري» (٢٤٥٤)، بلفظ: «من أخذ من الأرض شيئًا بغير حقِّه؛ خسف به يوم القيامة إلى سبع أرضين»، والله أعلم. مسألة [٤]: غصب العقار من الأراضي والدور . • ذهب جمهور العلماء إلى أنَّ الغصب يتصور، ويمكن في الأراضي والدور، واستدلوا بحديث الباب. • وذهب أبو حنيفة، وأبو يوسف إلى أنه لا يتصور غصبها، ولا تضمن بالغصب، وإن أتلفها؛ ضمنها بالإتلاف؛ لأنه لا يوجد فيها النقل والتحويل؛

стр. 3413

فأشبه ما لو حال بينه وبين متاعه، فتلف المتاع، والغصب عندهم إثبات اليد على المال عدوانًا على وجه تزول به يد المالك، ولا يمكن ذلك في العقار. وأجاب الجمهور: بأنَّ قياسهم مصادمٌ للنص الصريح الذي في الباب، فقياسهم فاسد الاعتبار، ولأنه يمكن الاستيلاء عليه على وجهٍ يحول بينه وبين المالك، مثل أن يسكن الدار ويمنع مالكها من دخولها، فأشبه ما لو أخذ الدابة والمتاع، وأما إذا حال بينه وبين متاعه؛ فإنه لم يستول على ماله، فنظيره هنا أن يحبس المالك، ولا يستولي على داره. وقد أنكر أهل العلم على أبي حنيفة قوله هذا الذي يُجَرِّئُ الظالمين على غصب أموال الناس، حتى قال ابن حزم ﵀ في «المحلى»: وما نعلم لإبليس داعية في الإسلام أكثر ممن يطلق الظَّلَمَة على غصب دور الناس، وأراضيهم، ثم يبيح لهم كراءها، وغلَّتها، ولا يرى عليهم ضمان ما تلف منها، نعوذ بالله من مثل هذا. (١) تنبيه: قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٧/ ٣٦٥): وَلَا يَحْصُلُ الْغَصْبُ مِنْ غَيْرِ اسْتِيلَاءٍ، فَلَوْ دَخَلَ أَرْضَ إنْسَانٍ أَوْ دَارَهِ؛ لَمْ يَضْمَنْهَا بِدُخُولِهِ، سَوَاءٌ دَخَلَهَا بِإِذْنِهِ أَوْ غَيْرِ إذْنِهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ صَاحِبُهَا فِيهَا أَوْ لَمْ يَكُنْ. وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: إنْ دَخَلَهَا بِغَيْرِ إذْنِهِ، وَلَمْ يَكُنْ صَاحِبُهَا فِيهَا؛ ضَمِنَهَا، سَوَاءٌ قَصَدَ ذَلِكَ،

стр. 3414

أَوْ ظَنَّ أَنَّهَا دَارُهُ، أَوْ دَارٌ أُذِنَ لَهُ فِي دُخُولِهَا؛ لِأَنَّ يَدَ الدَّاخِلِ ثَبَتَتْ عَلَيْهَا بِذَلِكَ، فَيَصِيرُ غَاصِبًا؛ فَإِنَّ الْغَصْبَ إثْبَاتُ الْيَدِ الْعَادِيَةِ، وَهَذَا قَدْ ثَبَتَتْ يَدُهُ. وَلَنَا أَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَوْلٍ عَلَيْهَا؛ فَلَمْ يَضْمَنْهَا، كَمَا لَوْ دَخَلَهَا بِإِذْنِهِ. اهـ والصحيح قول الحنابلة؛ لأنَّ الصور التي ذكرها الشافعية ليس فيها غصب، ولا استيلاء، والله أعلم. مسألة [٥]: ماذا يلزم الغاصب بغصبه ؟ يلزمه رد الغصب مادام باقيًا عنده لم يتلف بغير خلاف عند أهل العلم؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «من كانت له مظلمة لأحد من عرضه، أو شيء؛ فليتحلله منه اليوم قبل أن لا يكون دينار، ولا درهم ... » الحديث، رواه البخاري (٢٤٤٩)، عن أبي هريرة ﵁. وأما إذا كان قد تلف؛ فيلزمه بدله عند جميع أهل العلم. (١) مسألة [٦]: هل يُغصب الكلب، وهل يضمن إذا تلف ؟ ذكر أهل العلم أن الكلب إذا كان مما ينتفع به ككلب الصيد والماشية، وأُخِذ بغير حقٍّ؛ فإنه مغصوبٌ، ولا يجوز ذلك عندهم، ويلزم رده. • واختلفوا هل يضمن إذا تلف؟ وهل لصاحبه أن يأخذ أجر منفعته؟ على وجهين؛ بناء على الخلاف في بيعه، وإجارته، والذي رجَّحناه في تلك المسألة

стр. 3415

عدم جواز بيعه وإجارته؛ فالراجح أنه لا يضمنه إذا تلف، ولا يؤخذ منه أُجرة نفعه، وعلى ذلك أكثر الحنابلة، وجماعة من الشافعية. قلتُ: وللحاكم أن يضمنه بمثله، أو يعاقبه بأخذ عوضه على ذلك؛ تعزيرًا، والله أعلم. (١) مسألة [٧]: غصب الخمر من الذمي . • من غصب على ذمِّيٍّ خمرًا؛ لزمه ردها عند أكثر أهل العلم؛ لأنهم يقرون على شربها إذا لم يتظاهروا بالشرب والبيع؛ فإن أتلفها الغاصب فمذهب أحمد، والشافعي أنه لا يلزمه البدل، لا المثل، ولا القيمة؛ لأنه يصبح شراءً للخمر، وقد نهى النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عن ذلك، ولأنَّ ما حرم الانتفاع به؛ لم يجب ضمانه، ولأنَّ أهل الذمة مخاطبون بفروع الشريعة، وإنما يقرون للذمة والعهد. • ومذهب مالك، وأبي حنيفة أنه يجب ضمانها إذا أتلفها؛ لأنَّ عقد الذمة إذا عَصَمَ عينًا قومها، كنفس الآدمي، و قد عَصَمَ خمر الذمي؛ بدليل أنَّ المسلم يمنع من إتلافها؛ فيجب أن يقومها، ولأنها مال لهم يتمولونه. وأُجيب عنهم: بعدم التسليم بعصمتها؛ لأنها متى أظهرت حلَّ إراقتها، ثم لو كانت معصومة؛ ما لزم تقويمها؛ فإنَّ نساء أهل الحرب وصبيانهم معصومون غير متقومين. وقولهم: (إنها مال عندهم) ينتقض بالعبد المرتد؛ فإنه مال عندهم.

стр. 3416

قلتُ: قوله: (ينتقض بالعبد المرتد؛ فإنه مال عندهم) مراده بذلك: أن أهل الذمة لو كان لأحدهم عبد مسلم ارتد؛ فإنه يقتل، ولا يقال: إنه مال لهم فيعصم، ويترك. والأقرب القول بأنها لا تُضمن، ولكن ينبغي لولي أمر المسلمين تأديبه بما يزجره ويزجر غيره عن إعادة التعدي على أهل الذمة، والله أعلم. (١) تنبيه: لو غصب من مسلم خمرًا يحرم ردها، ويجب إراقتها. (٢) مسألة [٨]: لو غصب جلد ميتة ؟ على القول بأن جلد الميتة يطهر بالدباغ؛ لا يجوز غصب جلد الميتة، ويلزمه رده؛ فإن تلف؛ فعليه الضمان إن كان قد دُبغ عند الأكثر، وإن لم يكن دُبغ عند بعض أهل العلم، وهو قريب، والله أعلم. (٣) مسألة [٩]: لو استولى على حُرٍّ، فهل يعتبر مغصوبًا ويضمن إذا مات ؟ قال أبو محمد بن قدامة ﵀ في «المغني» (٧/ ٤٢٩): وَلَا يَثْبُتُ الْغَصْبُ فِيمَا لَيْسَ بِمَالٍ، كَالْحُرِّ؛ فَإِنَّهُ لَا يَضْمَنُ بِالْغَصْبِ، إنَّمَا يَضْمَنُ بِالْإِتْلَافِ. وَإِنْ أَخَذَ حُرًّا، فَحَبَسَهُ فَمَاتَ عِنْدَهُ، لَمْ يَضْمَنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ. وَإِنْ اسْتَعْمَلَهُ مُكْرَهًا، لَزِمَهُ

стр. 3417

أَجْرُ مِثْلِهِ؛ لِأَنَّهُ اسْتَوْفَى مَنَافِعَهُ، وَهِيَ مُتَقَوِّمَةٌ، فَلَزِمَهُ ضَمَانُهَا كَمَنَافِعِ الْعَبْدِ. وَإِنْ حَبَسَهُ مُدَّةً لِمِثْلِهَا أَجْرٌ، فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَلْزَمُهُ أَجْرُ تِلْكَ الْمُدَّةِ؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَ مَنْفَعَتَهُ، وَهِيَ مَالٌ يَجُوزُ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهَا، فَضَمِنَتْ بِالْغَصْبِ، كَمَنَافِعِ الْعَبْدِ. وَالثَّانِي: لَا يَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّهَا تَابِعَةٌ لِمَا لَا يَصِحُّ غَصْبُهُ، فَأَشْبَهَتْ ثِيَابَهُ إذَا بَلِيَتْ عَلَيْهِ وَأَطْرَافَهُ، وَلِأَنَّهَا تَلِفَتْ تَحْتَ يَدَيْهِ، فَلَمْ يَجِبْ ضَمَانُهَا ... قال: وَلَوْ حَبَسَ الْحُرَّ وَعَلَيْهِ ثِيَابٌ؛ لَمْ يَلْزَمْهُ ضَمَانُهَا؛ لِأَنَّهَا تَابِعَةٌ لِمَا لَمْ تَثْبُتْ الْيَدُ عَلَيْهِ فِي الْغَصْبِ، وَسَوَاءٌ كَانَ كَبِيرًا أَوْ صَغِيرًا، وَهَذَا كُلُّهُ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ. اهـ (١)

стр. 3418

٨٨٤ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ عِنْدَ بَعْضِ نِسَائِهِ، فَأَرْسَلَتْ إحْدَى أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ مَعَ خَادِمٍ لَهَا بِقَصْعَةٍ فِيهَا طَعَامٌ، فَكَسَرَتِ القَصْعَةَ، فَضَمَّهَا، وَجَعَلَ فِيهَا الطَّعَامَ وَقَالَ: «كُلُوا» وَدَفَعَ القَصْعَةَ الصَّحِيحَةَ لِلرَّسُولِ، وَحَبَسَ المَكْسُورَةَ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ (١)، وَالتِّرْمِذِيُّ (٢)، وَسَمَّى الضَّارِبَةَ عَائِشَةَ، وَزَادَ: فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «طَعَامٌ بِطَعَامٍ، وَإِنَاءٌ بِإِنَاءٍ». وَصَحَّحَهُ. المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: إذا تلف المغصوب لزم الغاصب بدله، فهل هو المثل، أم القيمة ؟ قال ابن رشد ﵀ في «بداية المجتهد» (٤/ ١٢٥): وأما ما يجب فيه الضمان: فهو كل مال أتلفت عينه، أو تلفت عند الغاصب عينه بأمر من السماء، أو سلطت اليد عليه، وتملك، وذلك فيما ينقل ويحول باتفاق. واختلفوا فيما لا ينقل ولا يحول مثل العقار. اهـ ثم نقل الخلاف عن أبي حنيفة، وقد تقدم. قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٧/ ٣٦٢): وما تتماثل أجزاؤه وتتقارب صفاته كالدراهم، والدنانير، والحبوب، والأدهان؛ ضمن بمثله بغير خلاف. قال ابن عبد البر: كل مطعوم، من مأكول، أو مشروب، فمجمع على أنه يجب على مستهلكه مثله، لا قيمته. اهـ

стр. 3419

قلتُ: وسائر المكيلات، والموزونات كذلك تضمن بالمثل عند أكثر أهل العلم، ونقله ابن رشد اتِّفاقًا كما في «البداية» (٤/ ١٢٦). • وأما غير المكيلات، والموزونات من العروض، والحيوانات: فمذهب الجمهور من الفقهاء على أنه يضمنها بالقيمة؛ لأنها تتفاوت بتفاوت الصفات اليسيرة، فاعتبرت القيمة. ومما استدلوا به على اعتبار القيمة حديث: «من أعتق شركًا له في عبد قوم عليه قيمة عدل، فأعطى شركاءه حصصهم ... » الحديث. (١) • ومذهب الكوفيين، ونُقل عن الشافعي، وأنكره الحافظ في «الفتح»، وهو قول عبيدالله بن الحسن العنبري، والظاهرية أنه يجب عليه فيها المثل أيضًا، وهذا القول نصره ابن حزم، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، ودافع عن هذا المذهب ابن القيم ﵀ بكلام نفيس كما في «تهذيب السنن» (٦/ ٣٣٩). واستدل أهل هذا القول بحديث أنس ﵁ الذي في الباب، وقد أورد عليه بعض الإشكالات انظرها مع الجواب عليها في «الفتح»، واستدلوا أيضًا بحديث أبي هريرة ﵁، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- استسلف من رجلٍ سنا من الإبل، ثم قال: «أعطوه سِنًّا مثل سِنِّه» (٢)، وقالوا: المثل أقرب، وإن تفاوت شيئًا يسيرًا من القيمة؛ فإنَّ التقويم تخمين وظنٌّ، والاعتبار بالمثلية أقرب؛ لإيصال الحق لصاحبه منها.

стр. 3420

وأما حديثهم الذي استدلوا به فقد بيَّن ابن القيم ﵀ في المصدر المذكور بطلان الاستدلال فيه، فقال: هذا ليس مما نحن فيه في شيء؛ فإنَّ هذا ليس من باب ضمان المتلفات بالقيمة، بل هو من باب تملك مال الغير بالقيمة، كتملك الشقص المشفوع بثمنه؛ فإنَّ نصيب الشريك يقدر دخوله في ملك المعتق، ثم يعتق عليه بعد ذلك، والقائلون بالسراية متفقون على أن يعتق كله على ملك المعتق، والولاء له دون الشريك. اهـ قلتُ: وهذا القول هو الراجح، وقد رجَّحه الإمام ابن عثيمين ﵀، والله أعلم. (١) مسألة [٢]: ما الحكم إذا تعذر على الغاصب أن يأتي بالمثل ؟ ذكر أهل العلم أنَّ الغاصب إذا تعذر عليه ذلك؛ وجبت عليه القيمة. • واختلفوا في قدر القيمة في أي وقت يعتبر: فقال بعضهم: تعتبر قيمته في يوم التعذر، وهو مذهب الحنابلة؛ لأنَّ القيمة وجبت في الذمة حين انقطاع المثل، فاعتبرت القيمة حينئذٍ. وقال بعضهم: تجب قيمته يوم قبض البدل واستيفائه، قال به بعض الحنابلة. واختاره الإمام العثيمين ﵀.

стр. 3421

وقال أبو حنيفة، ومالك، وأكثر أصحاب الشافعي: تجب قيمته يوم المحاكمة؛ لأنَّ القيمة لم تنتقل إلى ذمته إلا حين حكم بها الحاكم. وللشافعية وجهٌ: أن عليه أقصى قيمة من يوم الغصب إلى يوم الإعواز، قال النووي: هو أصح الأوجه عند الشافعية وهو مقتضى اختيار الشوكاني في «السيل». قلتُ: ما رجحه الإمام العثيمين ﵀ هو الأقرب، وهو قريب من قول من قال: تجب قيمته يوم المحاكمة. وإن عمل القاضي بقول الشافعية الذي اختاره الشوكاني ﵀؛ فله وجه شرعي، والله أعلم. (١) مسألة [٣]: إذا تلف ما ليس له مثل، فمتى تعتبر قيمته ؟ • ذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنَّ المثل يعتبر بيوم الغصب، وهو مذهب مالك، وأبي حنيفة، وأحمد في رواية؛ لأنه هو الوقت الذي أزال يده عنه فيه؛ فيلزمه القيمة حينئذٍ، وهذا اختيار شيخ الإسلام. • وقال بعض أهل العلم: تعتبر القيمة يوم التلف، وهو مذهب أحمد، وعليه أكثر أصحابه؛ لأنه هو الوقت الذي وجب فيه الضمان. • ومذهب الشافعي ﵀ أنه يلزمه أقصى قيمة من يوم غصبه إلى تلفه. قال الشوكاني ﵀ في «السيل»: والأولى أن يكون مضمونًا بأوفر القيم من وقت الغصب إلى وقت التلف؛ لأنَّ هذه مظلمة، فإذا زادت قيمة ذلك الشيء في

стр. 3422

بعض الأوقات؛ فمن الجائز أنه لو كان باقيًا بيد المالك لباعه بهذه الزيادة. اهـ قلتُ: مذهب أحمد الذي عليه أكثر أصحابه أقرب، وهو أنه يجب عليه الضمان على قيمتها يوم تلفها، لأنه حينئذٍ وجب عليه الضمان، ولأن العين المغصوبة وإن زاد ثمنها؛ فقد يبيعها المالك، وقد لا يبيعها، والله أعلم. (١) مسألة [٤]: إذا وجدها قد تغيرت ونقصت ؟ ذكر الشوكاني أنَّ المالك إذا وجد حقَّه ناقصًا خُيِّرَ بين أن يأخذها مع أرش النقص، أو يأخذ قيمتها و يتركها للغاصب. وقال ابن قدامة ﵀: فَأَمَّا إنْ غَصَبَ الْعَيْنَ سَمِينَةً، أَوْ ذَاتَ صِنَاعَةٍ، أَوْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَنَحْوَهُ، فَهَزَلَتْ وَنَسِيَتْ فَنَقَصَتْ قِيمَتُهَا فَعَلَيْهِ ضَمَانُ نَقْصِهَا. لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا؛ لِأَنَّهَا نَقَصَتْ عَنْ حَالِ غَصْبِهَا نَقْصًا أَثَّرَ فِي قِيمَتِهَا، فَوَجَبَ ضَمَانُهُ، كَمَا لَوْ أَذْهَبَ عُضْوًا مِنْ أَعْضَائِهَا. اهـ وبمثل قول الشوكاني قال شيخ الإسلام. (٢) مسألة [٥]: إذا نقص سعر العين المغصوبة، وهي على حالها ؟ • مذهب الجمهور أنَّ هذا النقص لا يضمنه الغاصب؛ لأنه نقص حصل بدون تعديه، وبأمور خارجة عنه.

стр. 3423

• وذهب أبو ثور، وأحمد في رواية إلى أنه يضمن النقص الحاصل في السلعة، واختاره بعض الحنابلة، منهم شيخ الإسلام ﵀ كما في «الإنصاف». واختار هذا القول الشوكاني ﵀، فقال في «السيل»: ولا يخفاك أنَّ ارتفاع السعر يزيد في قيمة ذلك المغصوب فوق ما كانت عليه حال الغصب، ومن الجائز أن يبيعها المالك وقت حصول زيادة السعر؛ فكان في الغصب من هذه الحيثية تفويتٌ لمنفعةٍ للمالك متعلقة بالعين، فيضمنها كما يضمن أرش النقص، وصاحب اليد الظالمة الغاصب حقيق بالتشديد عليه؛ لأنه اختار لنفسه التعدي. اهـ وقد رجح هذا القول الإمام ابن عثيمين وهو الأقرب فيما يظهر لي، والله أعلم. (١) مسألة [٦]: الرد إلى موضع الغصب . قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٧/ ٤٠٦ - ): فَإِنْ غَصَبَ شَيْئًا، فَبَعَّدَهُ؛ لَزِمَهُ رَدُّهُ، وَإِنْ غَرِمَ عَلَيْهِ أَضْعَافَ قِيمَتِهِ؛ لِأَنَّهُ جَنَى بِتَبْعِيدِهِ، فَكَانَ ضَرَرُ ذَلِكَ عَلَيْهِ؛ فَإِنْ قَالَ الْغَاصِبُ: خُذْ مِنِّي أَجْرَ رَدِّهِ، وَتَسَلَّمْهُ مِنِّي هَاهُنَا. أَوْ بَذَلَ لَهُ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ وَلَا يَسْتَرِدُّهُ؛ لَمْ يَلْزَمْ الْمَالِكَ قَبُولُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا مُعَاوَضَةٌ، فَلَا يُجْبَرُ عَلَيْهَا، كَالْبَيْعِ. وَإِنْ قَالَ الْمَالِكُ: دَعْهُ لِي فِي مَكَانِهِ الَّذِي نَقَلْتَهُ إلَيْهِ. لَمْ يَمْلِكْ الْغَاصِبُ رَدَّهُ؛ لِأَنَّهُ أَسْقَطَ عَنْهُ حَقًّا، فَسَقَطَ، وَإِنْ لَمْ يَقْبَلْهُ، كَمَا لَوْ أَبْرَأَهُ مِنْ دَيْنِهِ. وَإِنْ قَالَ: رُدَّهُ لِي إلَى بَعْضِ الطَّرِيقِ. لَزِمَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ جَمِيعُ الْمَسَافَةِ، فَلَزِمَهُ بَعْضُهَا الْمَطْلُوبُ،

стр. 3424

وَسَقَطَ عَنْهُ مَا أَسْقَطَهُ. وَإِنْ طَلَبَ مِنْهُ حَمْلَهُ إلَى مَكَان آخَرَ فِي غَيْرِ طَرِيقِ الرَّدِّ؛ لَمْ يَلْزَمْ الْغَاصِبَ ذَلِكَ، سَوَاءٌ كَانَ أَقْرَبَ مِنْ الْمَكَانِ الَّذِي يَلْزَمُهُ رَدُّهُ إلَيْهِ أَوْ لَمْ يَكُنْ؛ لِأَنَّهُ مُعَاوَضَةٌ. وَإِنْ قَالَ: دَعْهُ فِي مَكَانِهِ، وَأَعْطِنِي أَجْرَ رَدِّهِ. لَمْ يُجْبَرْ عَلَى إجَابَتِهِ؛ لِذَلِكَ. اهـ (١) مسألة [٧]: فوائد العين المغصوبة . • مذهب أحمد، والشافعي رحمهما الله أنَّ الفوائد كلها للمالك، وليس للغاصب منها شيء، سواء كانت الفوائد متصلة أم منفصلة؛ لأنها نماء ماله، وفرع منه، واختار هذا القول الشوكاني ﵀. • ومذهب مالك، وأبي حنيفة أنَّ الفوائد للغاصب؛ لأنه ضامن وفي الحديث: «الخراج بالضمان» (٢)، وفي مذهب مالك تفاصيل في ذلك تُراجع من «البداية» (٤/ ١٣٠). • وفي المسألة قول ثالث: أنهما شركاء في الربح، وهو رواية عن أحمد، واختاره شيخ الإسلام، وابن القيم، وقول شيخ الإسلام وابن القيم له قوة فيما إذا زادت العين زيادات كبيرة، وزيادات منفصلة؛ كأن يكون تاجر بها فحصل له منها المال الكثير مع بذله الجهود الكبيرة في ذلك، فيجعل القاضي نسبة من الأرباح

стр. 3425

للغاصب مقابل جهوده، مع إرضاء المغصوب عليه، ويقارب الأمر بينهما بالإصلاح والتراضي. وأما حديث: «الخراج بالضمان» فقد خرج على صورة مباحة، وهي الشراء، ثم الرد بالعيب، فلا يلحق بهذه الصورة صورة الغصب؛ لأنه متعدي وظالم، والله أعلم. (١) مسألة [٨]: إذا تلفت الزيادة بعد وجودها، فهل يضمنها الغاصب ؟ • مذهب أحمد والشافعي أنه يضمنها كضمان الأصل؛ لأنها ملك لصاحبها كما تقدم. • ومقتضى مذهب مالك، وأبي حنيفة أنه لا يضمنها؛ لأنه يملكها، إلا أنَّ مالكًا يقول: إذا كان ولدًا وماتت الأم؛ فهو مخيَّرٌ بين أخذ القيمة، أو الولد. • وعلى القول الثالث في المسألة السابقة؛ فعليه أن يضمن نصيب المالك من الزيادة؛ لأنهم شركاء كما تقدم. (٢) مسألة [٩]: هل للغاصب غرامة ما أنفقه في العين المغصوبة حتى نمت ؟ ذكر أهل العلم أنَّ الغاصب ليس له شيء من ذلك؛ لأنه متعدي، وهو قول أحمد، والشافعي، والمالكية.

стр. 3426

قال الشوكاني ﵀ في «السيل» (٣/ ٣٥٢ - ) مُعللًا ذلك: لأن يده يد عدوان، وما فعله في العين مما يوجب زيادتها عدوان على عدوان، ولا يتخلص من مظلمته ويبرأ من غصبه إلا بإرجاع تلك العين إلى مالكها، وإن زادت لما فعله فيها أضعاف أضعاف قيمتها، وما للغاصب وللمطالبة بذلك، بل هو مُطَالب مع رد العين المغصوبة برد أجرة مثلها في مدة الغصب؛ لأنه فَوَّت على المالك هذه المنفعة تعديًا، وعدوانًا، وجرأةً على الشرع، وعلى أموال العباد المعصومة. اهـ مسألة [١٠]: إذا خلط الغاصبُ المغصوبَ بغيره ؟ إذا خلطه بشيء يُستطاع تمييزه منه؛ لزمه ذلك، وأُجرة التمييز عليه، وإن كانت كثيرة، وإن خلطه بشيء لا يتميز منه؛ فهم فيه شركاء، يُباع، ويأخذ كل واحد منهم حصته، وللمغصوب عليه أن يطالب بمثل حقه، وإن نقص سعره بسبب الخلط؛ ضمن ذلك الغاصب. (١) مسألة [١١]: إذا استخدم الغاصب الشيء المغصوب بالبناء عليه، أو الخياطة به، أو ما أشبه ذلك . • مذهب الجمهور أنه يلزمه رده، وينقض البناء؛ لأنه مغصوبٌ يمكن رده. • وقال أبو حنيفة: ليس له إلا قيمته؛ لأنه قد صار تبعًا لملك الغاصب، ويستضر بقلعه. والذي يظهر لي والله أعلم أنه أن كان له مثيل؛ فيجزئ رد المثيل، وأن لم يوجد له مثيل؛ فله نقض البناء لإعادة الحق؛ إلا أن يرضي

стр. 3427

الغاصب المغصوب عليه بالمال ونحوه، وبالله التوفيق. (١) مسألة [١٢]: إذا غصب شيئًا فعمل فيه ما يغير اسمه حتى صار شيئًا آخر ؟ وذلك كالخشب يجعله بابًا، أو الحب يجعله زرعًا، أو الحديد يجعله سكاكين، أو أواني. • فمذهب الجمهور أنَّ المالك له الحق فيها، وإن تغير اسمها، وإن نقص قيمتها؛ فله أرش النقص. • ومذهب أبي حنيفة أنه ليس له فيها حق، وهو قول بعض المالكية؛ لأنها قد تغيرت وصارت شيئًا آخر، وعلى هذا فليس له إلا بدلها. • وفي المسألة قول ثالث في مذهب أحمد وغيره أنَّ المالك يُخيَّر بين أخذه مع أرش النقص إن نقص، وبين إقراره للغاصب وأخذ بدله، وهذا القول اختاره شيخ الإسلام، وهو مقتضى اختيار الشوكاني، وهو الصحيح في المسألة، والله أعلم. (٢) مسألة [١٣]: إذا غصب كلب صيد فصاد به، أو فرسًا فصاد عليه ؟ الراجح في هذه المسألة: أنَّ الصيد للمالك؛ لأنه من كسب ماله، فأشبه صيد العبد، هذا في حالة صيد الكلب، وأما في حالة صيده على الفرس فالراجح أنَّ

стр. 3428

الصيد للغاصب، وعليه أجرة الفرس؛ لأنَّ الفرس لم يصد بنفسه، فأشبه الآلة التي يُصاد بها كالقوس، والسهم؛ فإنَّ على الغاصب فيها الأجرة على الصحيح أيضًا، والصيد له، والله أعلم. (١) مسألة [١٤]: إذا أجَّر الغاصبُ المغصوبَ ؟ قال ابن قدامة ﵀: وَلِمَالِكِهِ تَضْمِينُ أَيِّهِمَا شَاءَ أَجْرَ مِثْلِهَا؛ فَإِنْ ضَمَّنَ الْمُسْتَأْجِرَ، لَمْ يَرْجِعْ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ فِي الْعَقْدِ عَلَى أَنَّهُ يَضْمَنُ الْمَنْفَعَةَ، إلَّا أَنْ يَزِيدَ أَجْرُ الْمِثْلِ عَلَى الْمُسَمَّى فِي الْعَقْدِ، فَيَرْجِعَ بِالزِّيَادَةِ وَيَسْقُطَ عَنْهُ الْمُسَمَّى فِي الْعَقْدِ، وَإِنْ كَانَ دَفَعَهُ إلَى الْغَاصِبِ؛ رَجَعَ بِهِ، وَإِنْ تَلِفَتْ الْعَيْنُ فِي يَدِ الْمُسْتَأْجِرِ، فَلِمَالِكِهَا تَغْرِيمُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا قِيمَتَهَا؛ فَإِنْ غَرَّمَ الْمُسْتَأْجِرَ فَلَهُ الرُّجُوعُ بِذَلِكَ عَلَى الْغَاصِبِ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ مَعَهُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ الْعَيْنَ، وَلَمْ يَحْصُلْ لَهُ بَدَلٌ فِي مُقَابَلَةِ مَا غَرِمَ، هَذَا إذَا لَمْ يَعْلَمْ بِالْغَصْبِ، وَإِنْ عَلِمَ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى أَحَدٍ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى بَصِيرَةٍ، وَحَصَلَ التَّلَفُ فِي يَدِهِ، فَاسْتَقَرَّ الضَّمَانُ عَلَيْهِ، وَإِنْ غَرَّمَ الْغَاصِبَ الْأَجْرَ وَالْقِيمَةَ؛ رَجَعَ بِالْأَجْرِ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَيَرْجِعُ بِالْقِيمَةِ إنْ كَانَ الْمُسْتَأْجِرُ عَالِمًا بِالْغَصْبِ، وَإِلَّا فَلَا. وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ فِي الْفَصْلِ كُلِّهِ. وَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْأَجْرَ لِلْغَاصِبِ دُونَ صَاحِبِ الدَّارِ. وَهَذَا فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ الْأَجْرَ عِوَضُ الْمَنَافِعِ الْمَمْلُوكَةِ لِرَبِّ الدَّارِ، فَلَمْ يَمْلِكْهَا الْغَاصِبُ، كَعِوَضِ الْأَجْزَاءِ. (٢)

стр. 3429

مسألة [١٥]: إذا أودع الغاصبُ المغصوبَ، أو وَكَّل رجلًا في بيعه، فتلف في أيديهما ؟ قال ابن قدامة ﵀: وَإِنْ أَوْدَعَ الْمَغْصُوبَ، أَوْ وَكَّلَ رَجُلًا فِي بَيْعِهِ، وَدَفَعَهُ إلَيْهِ، فَتَلِفَ فِي يَدِهِ؛ فَلِلْمَالِكِ تَضْمِينُ أَيِّهِمَا شَاءَ، أَمَّا الْغَاصِبُ؛ فَلِأَنَّهُ حَالَ بَيْنَ الْمَالِكِ وَبَيْنَ مِلْكِهِ، وَأَثْبَتَ الْيَدَ الْعَادِيَةَ عَلَيْهِ، وَالْمُسْتَوْدَعُ، وَالْوَكِيلُ لِإِثْبَاتِهِمَا أَيْدِيهِمَا عَلَى مِلْكٍ مَعْصُومٍ بِغَيْرِ حَقٍّ؛ فَإِنْ غَرَّمَ الْغَاصِبَ، وَكَانَا غَيْرَ عَالِمَيْنِ بِالْغَصْبِ؛ اسْتَقَرَّ الضَّمَانُ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَرْجِعْ عَلَى أَحَدٍ، وَإِنْ غَرَّمَهُمَا؛ رَجَعَا عَلَى الْغَاصِبِ بِمَا غَرِمَا مِنْ الْقِيمَةِ وَالْأَجْرِ؛ لِأَنَّهُمَا دَخَلَا عَلَى أَنْ لَا يَضْمَنَا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، وَلَمْ يَحْصُلْ لَهُمَا بَدَلٌ عَمَّا ضَمِنَا، وَإِنْ عَلِمَا أَنَّهَا مَغْصُوبَةٌ اسْتَقَرَّ الضَّمَانُ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّ التَّلَفَ حَصَلَ تَحْتَ أَيْدِيهِمَا مِنْ غَيْرِ تَغْرِيرٍ بِهِمَا، فَاسْتَقَرَّ الضَّمَانُ عَلَيْهِمَا؛ فَإِنْ غَرِمَا شَيْئًا؛ لَمْ يَرْجِعَا بِهِ. وَإِنْ غَرَّمَ الْغَاصِبَ؛ رَجَعَ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّ التَّلَفَ حَصَلَ فِي أَيْدِيهِمَا. وَإِنْ جَرَحَهَا الْغَاصِبُ، ثُمَّ أَوْدَعَهَا، أَوْ رَدَّهَا إلَى مَالِكِهَا، فَتَلِفَتْ بِالْجَرْحِ؛ اسْتَقَرَّ الضَّمَانُ عَلَى الْغَاصِبِ بِكُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُتْلِفُ؛ فَكَانَ الضَّمَانُ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ بَاشَرَهَا بِالْإِتْلَافِ فِي يَدِهِ. (١) مسألة [١٦]: إذا أعار العين المغصوبة ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٥/ ٣٩٨): وَإِنْ أَعَارَ الْعَيْنَ المَغْصُوبَةَ، فَتَلِفَتْ عِنْدَ المُسْتَعِيرِ؛ فَلِلْمَالِكِ تَضْمِينُ أَيِّهِمَا شَاءَ أَجْرَهَا وَقِيمَتَهَا؛ فَإِنْ غَرَّمَ

стр. 3430

المُسْتَعِيرَ مَعَ عِلْمِهِ بِالْغَصْبِ؛ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى أَحَدٍ، وَإِنْ غَرَّمَ الْغَاصِبَ؛ رَجَعَ عَلَى المُسْتَعِيرِ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلِمَ بِالْغَصْبِ فَغَرَّمَهُ؛ لَمْ يَرْجِعْ بِقِيمَةِ الْعَيْنِ؛ لِأَنَّهُ قَبَضَهَا عَلَى أَنْ تَكُونَ مَضْمُونَةً عَلَيْهِ. وَهَلْ يَرْجِعُ بِمَا غَرِمَ مِنْ الْأَجْرِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَرْجِعُ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أَنَّ المَنَافِعَ لَهُ غَيْرُ مَضْمُونَةٍ عَلَيْهِ. وَالثَّانِي: لَا يَرْجِعُ؛ لِأَنَّهُ انْتَفَعَ بِهَا، فَقَدْ اسْتَوْفَى بَدَلَ مَا غَرِمَ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِيمَا تَلِفَ مِنْ الْأَجْزَاءِ بِالِاسْتِعْمَالِ. وَإِذَا كَانَتْ الْعَيْنُ وَقْتَ الْقَبْضِ أَكْثَرَ قِيمَةً مِنْ يَوْمِ التَّلَفِ، فَضَمِنَ الْأَكْثَرَ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَرْجِعَ بِمَا بَيْنَ الْقِيمَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَضْمَنُهُ، وَلَمْ يَسْتَوْفِ بَدَلَهُ؛ فَإِنْ رَدَّهَا المُسْتَعِيرُ عَلَى الْغَاصِبِ فَلِلْمَالِكِ أَنْ يُضَمِّنَهُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَ الْمِلْكَ عَلَى مَالِكِهِ بِتَسْلِيمِهِ إلَى غَيْرِ مُسْتَحِقِّهِ، وَيَسْتَقِرُّ الضَّمَانُ عَلَى الْغَاصِبِ إنْ حَصَلَ التَّلَفُ فِي يَدَيْهِ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي المُودَعِ وَغَيْرِهِ. اهـ وقوله: (لِأَنَّهُ قَبَضَهَا عَلَى أَنْ تَكُونَ مَضْمُونَةً عَلَيْهِ) هذا بناء على أنَّ العارية مضمونة كما تقدم الخلاف في ذلك، والراجح أنها ليست مضمونة؛ إلا إذا اشترط ذلك كما تقدم، وعلى هذا فحكم العارية كحكم الوديعة المتقدم في المسألة السابقة، والله أعلم. (١) مسألة [١٧]: إذا وهب الغاصبُ المغصوبَ ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٧/ ٣٩٨ - ٣٩٩): وَإِنْ وَهَبَ الْمَغْصُوبَ لِعَالَمٍ بِالْغَصْبِ؛ اسْتَقَرَّ الضَّمَانُ عَلَى الْمُتَّهِبِ، فَمَهْمَا غَرِمَ مِنْ قِيمَةِ الْعَيْنِ أَوْ

стр. 3431

أَجْزَائِهَا؛ لَمْ يَرْجِعْ بِهِ عَلَى أَحَدٍ؛ لِأَنَّ التَّلَفَ حَصَلَ فِي يَدَيْهِ، وَلَمْ يَغُرَّهُ أَحَدٌ، وَكَذَلِكَ أَجْرُ مُدَّةِ مُقَامِهِ فِي يَدَيْهِ، وَأَرْشُ نَقْصِهِ إنْ حَصَلَ. وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ؛ فَلِصَاحِبِهَا تَضْمِينُ أَيِّهِمَا شَاءَ؛ فَإِنْ ضَمَّنَ الْمُتَّهِبَ، رَجَعَ عَلَى الْوَاهِبِ بِقِيمَةِ الْعَيْنِ وَالْأَجْزَاءِ؛ لِأَنَّهُ غَرَّهُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: أَيُّهُمَا ضُمِّنَ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْآخَرِ. وَلَنَا أَنَّ الْمُتَّهِبَ دَخَلَ عَلَى أَنْ تُسَلَّمَ لَهُ الْعَيْنُ، فَيَجِبُ أَنْ يَرْجِعَ بِمَا غَرِمَ مِنْ قِيمَتِهَا، كَقِيمَةِ الْأَوْلَادِ؛ فَإِنَّهُ وَافَقَنَا عَلَى الرُّجُوعِ بِضَمَانِهِ. فَأَمَّا الْأُجْرَةُ، وَالْمَهْرُ، وَأَرْشُ الْبَكَارَةِ، فَهَلْ يَرْجِعُ بِهِ المُتَّهِبُ عَلَى الْوَاهِبِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَإِنْ ضَمَّنَهُ الْوَاهِبَ، فَهَلْ يَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْمُتَّهِبِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ. اهـ قلتُ: والصحيح في المسألة أنه يتحملها الغاصب إذا لم يعلم المتَّهب؛ لأنه هو الذي غرَّه في ذلك، والله أعلم. مسألة [١٨]: إذا غصب الرجل جارية، فوطئها ؟ قال أبو محمد بن قدامة ﵀ في «المغني» (٧/ ٣٩١): وَجُمْلَةُ ذَلِكَ: أَنَّ الْغَاصِبَ إذَا وَطِئَ الْجَارِيَةَ الْمَغْصُوبَةَ، فَهُوَ زَانٍ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ زَوْجَةً لَهُ وَلَا مِلْكَ يَمِينٍ؛ فَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ فَعَلَيْهِ حَدُّ الزِّنَى؛ لِأَنَّهُ لَا مِلْكَ لَهُ، وَلَا شُبْهَةَ مِلْكٍ، وَعَلَيْهِ مَهْرُ مِثْلِهَا، سَوَاءٌ كَانَتْ مُكْرَهَةً أَوْ مُطَاوِعَةً. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا مَهْرَ لِلْمُطَاوِعَةِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ مَهْرِ الْبَغِيِّ. وَلَنَا أَنَّ هَذَا حَقٌّ لِلسَّيِّدِ، فَلَا يَسْقُطُ بِمُطَاوَعَتِهَا، كَمَا لَوْ أَذِنَتْ فِي قَطْعِ يَدِهَا، وَلِأَنَّهُ حَقٌّ يَجِبُ لِلسَّيِّدِ مَعَ إكْرَاهِهَا؛ فَيَجِبُ مَعَ مُطَاوَعَتِهَا، كَأَجْرِ مَنَافِعِهَا، وَالْخَبَرُ مَحْمُولٌ عَلَى الْحُرَّةِ. اهـ

стр. 3432

قال أبو عبد الله غفر الله له: أما الحرة فالجمهور على أنَّ لها المهر إذا أُكرهت، وليس لها إذا طاوعت؛ لأنه إذا وجب لها المهر في الزواج مقابل استحلال الفرج؛ فلأن يجب مع الإكراه من باب أولى. • وخالف أبو حنيفة، وابن حزم فلم يجعلا لها مهرًا؛ لأنه وطء محرم يوجب الحد، والمهر جاء في الوطء الحلال. والصحيح قول الجمهور، وحديث: «نهى عن مهر البغي» المقصود به المطاوعة؛ بدليل تسميتها (بَغِي). وأما الأمة فالذي يظهر أنها إذا طاوعت؛ استحق السيد أرش نقص قيمتها، وهو أرش البكارة، وهذا قول بعض الشافعية، وبعض الحنابلة منهم: شيخ الإسلام؛ إلا أنَّ شيخ الإسلام لا يرى لها المهر في حالة الإكراه، ولا يرى إلا أرش البكارة في الحالتين. والذي يظهر لي -والله أعلم- أن للسيد المهر في حالة الإكراه، وأرش البكارة في حالة المطاوعة، والله أعلم. قال ابن قدامة ﵀: وَيَجِبُ أَرْشُ بَكَارَتِهَا؛ لِأَنَّهُ بَدَلُ جُزْءٍ مِنْهَا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَجِبَ؛ لِأَنَّ مَهْرَ الْبِكْرِ يَدْخُلُ فِيهِ أَرْشُ الْبَكَارَةِ، وَلِهَذَا يَزِيدُ عَلَى مَهْرِ الثَّيِّبِ عَادَةً؛ لِأَجْلِ مَا يَتَضَمَّنُهُ مِنْ تَفْوِيتِ الْبَكَارَةِ. اهـ قال أبو عبد الله غفر الله له: الذي يظهر أنَّ المكرهة للمالك لها المهر، وأرش

стр. 3433

البكارة داخل فيه، وهو قول بعض الحنابلة، والشافعية. قال ابن قدامة ﵀: وَإِنْ حَمَلَتْ فَالْوَلَدُ مَمْلُوكٌ لِسَيِّدِهَا؛ لِأَنَّهُ مِنْ نَمَائِهَا وَأَجْزَائِهَا، وَلَا يَلْحَقُ نَسَبُهُ بِالْوَاطِئِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ زِنًى؛ فَإِنْ وَضَعَتْهُ حَيًّا؛ وَجَبَ رَدُّهُ مَعَهَا، وَإِنْ أَسْقَطَتْهُ مَيِّتًا؛ لَمْ يَضْمَنْ؛ لِأَنَّنَا لَا نَعْلَمُ حَيَاتَهُ قَبْلَ هَذَا. هَذَا قَوْلُ الْقَاضِي، وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ عِنْدَ أَصْحَابِهِ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحُسَيْنِ: يَجِبُ ضَمَانُهُ بِقِيمَتِهِ لَوْ كَانَ حَيًّا. نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ؛ لِأَنَّهُ يَضْمَنُهُ لَوْ سَقَطَ بِضَرْبَتِهِ، وَمَا ضُمِنَ بِالْإِتْلَافِ؛ ضَمِنَهُ الْغَاصِبُ بِالتَّلَفِ فِي يَدِهِ، كَأَجْرِ الْعَيْنِ. وَالْأَوْلَى إنْ شَاءَ الله تَعَالَى أَنْ يَضْمَنَهُ بِعُشْرِ قِيمَةِ أُمِّهِ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يَضْمَنُهُ بِهِ بِالْجِنَايَةِ، فَيَضْمَنُهُ بِهِ فِي التَّلَفِ، كَالْأَجْزَاءِ. اهـ قال أبو عبد الله غفر الله له: وهذا الذي اختاره ابن قدامة هو أقرب الأقوال، والله أعلم. قال ﵀: وَإِنْ وَضَعَتْهُ حَيًّا؛ حَصَلَ مَضْمُونًا فِي يَدِ الْغَاصِبِ كَالْأُمِّ؛ فَإِنْ مَاتَ بَعْدَ ذَلِكَ؛ ضَمِنَهُ بِقِيمَتِهِ، وَإِنْ نَقَصَتْ الْأُمُّ بِالْوِلَادَةِ؛ ضَمِنَ نَقْصَهَا، وَلَمْ يَنْجَبِرْ بِالْوَلَدِ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَنْجَبِرُ نَقْصُهَا بِوَلَدِهَا. قال ﵀: وَلَنَا أَنَّ وَلَدَهَا مِلْكُ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ؛ فَلَا يَنْجَبِرُ بِهِ نَقْصٌ حَصَلَ بِجِنَايَةِ الْغَاصِبِ، كَالنَّقْصِ الْحَاصِلِ بِغَيْرِ الْوِلَادَةِ. اهـ قال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب أنه يضمن النقص، ولا ينجبر بالولد.

стр. 3434

قال ﵀: وَإِنْ ضَرَبَ الْغَاصِبُ بَطْنَهَا، فَأَلْقَتْ الْجَنِينَ مَيِّتًا؛ فَعَلَيْهِ عُشْرُ قِيمَةِ أُمِّهِ. وَإِنْ ضَرَبَ بَطْنَهَا أَجْنَبِيٌّ، فَفِيهِ مِثْلُ ذَلِكَ، وَلِلْمَالِكِ تَضْمِينُ أَيِّهِمَا شَاءَ؛ فَإِنْ ضَمَّنَ الْغَاصِبَ؛ رَجَعَ عَلَى الضَّارِبِ، وَإِنْ ضَمَّنَ الضَّارِبَ؛ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى أَحَدٍ؛ لِأَنَّ الْإِتْلَافَ وُجِدَ مِنْهُ، فَاسْتَقَرَّ الضَّمَانُ عَلَيْهِ. وَإِنْ مَاتَتْ الْجَارِيَةُ؛ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا أَكْثَرَ مَا كَانَتْ. وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ أَرْشُ بَكَارَتِهَا، وَنَقْصِ وِلَادَتِهَا، وَلَا يَدْخُلُ فِيهِ ضَمَانُ وَلَدِهَا، وَلَا مَهْرُ مِثْلِهَا، وَسَوَاءٌ فِي هَذِهِ الْأَحْكَامِ كُلِّهَا حَالَةُ الْإِكْرَاهِ أَوْ الْمُطَاوَعَةِ؛ لِأَنَّهَا حُقُوقٌ لِسَيِّدِهَا، فَلَا تَسْقُطُ بِمُطَاوَعَتِهَا. وَأَمَّا حُقُوقُ الله تَعَالَى، كَالْحَدِّ عَلَيْهَا، وَالْإِثْمِ، وَالتَّعْزِيرِ فِي مَوْضِعٍ يَجِبُ؛ فَإِنْ كَانَتْ مُطَاوِعَةً عَلَى الْوَطْءِ، عَالِمَةً بِالتَّحْرِيمِ؛ فَعَلَيْهَا الْحَدُّ إذَا كَانَتْ مِنْ أَهْلِهِ، وَالْإِثْمُ، وَإِلَّا فَلَا. اهـ (١) مسألة [١٩]: إذا غصب الجارية معتقدًا جواز ذلك، فوطئها ؟ كأن يكون جاهلًا بالحكم؛ لكونه قريب عهد بإسلام، أو ناشئًا ببادية بعيدة يخفى عليه مثل هذا، أو تكون ملكًا لذمِيٍّ فظن جواز ذلك، أو اعتقد أنها جاريته، فأخذها، ثم تبين أنها غيرها. قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٧/ ٣٩٢ - ): فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْحَدَّ يُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ، وَعَلَيْهِ الْمَهْرُ، وَأَرْشُ الْبَكَارَةِ. وَإِنْ حَمَلَتْ؛ فَالْوَلَدُ حُرٌّ؛ لِاعْتِقَادِهِ أَنَّهَا مِلْكُهُ، وَيَلْحَقُهُ النَّسَبُ لِمَوْضِعِ الشُّبْهَةِ. وَإِنْ وَضَعَتْهُ مَيِّتًا؛ لَمْ يَضْمَنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ حَيَاتَهُ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يَحُلْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، وَإِنَّمَا وَجَبَ تَقْوِيمُهُ لِأَجْلِ الْحَيْلُولَةِ. وَإِنْ وَضَعَتْهُ

стр. 3435

حَيًّا؛ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ يَوْمَ انْفِصَالِهِ؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَ عَلَيْهِ رِقَّهُ بِاعْتِقَادِهِ، وَلَا يُمْكِنُ تَقْوِيمُهُ حَمْلًا، فَقُوِّمَ عَلَيْهِ أَوَّلَ حَالِ انْفِصَالِهِ؛ لِأَنَّهُ أَوَّلُ حَالِ إمْكَانِ تَقْوِيمِهِ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ وَقْتُ الْحَيْلُولَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَيِّدِهِ. وَإِنْ ضَرَبَ الْغَاصِبُ بَطْنَهَا، فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا؛ فَعَلَيْهِ غُرَّةٌ عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ، قِيمَتُهَا خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ، مَوْرُوثَةً عَنْهُ، لَا يَرِثُ الضَّارِبُ مِنْهَا شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ جَنِينًا حُرًّا، وَعَلَيْهِ لِلسَّيِّدِ عُشْرُ قِيمَةِ أُمِّهِ؛ لِأَنَّ الْإِسْقَاطَ لَمَّا اعْتَقَبَ الضَّرْبَ؛ فَالظَّاهِرُ حُصُولُهُ بِهِ، وَضَمَانُهُ لِلسَّيِّدِ ضَمَانُ الْمَمَالِيكِ، وَلِهَذَا لَوْ وَضَعَتْهُ حَيًّا قَوَّمْنَاهُ مَمْلُوكًا. وَإِنْ كَانَ الضَّارِبُ أَجْنَبِيًّا؛ فَعَلَيْهِ غُرَّةٌ دِيَةُ الْجَنِينِ الْحُرِّ؛ لِأَنَّهُ مَحْكُومٌ بِحُرِّيَّتِهِ، وَتَكُونُ مَوْرُوثَةً عَنْهُ، وَعَلَى الْغَاصِبِ لِلسَّيِّدِ عُشْرُ قِيمَةِ أُمِّهِ؛ لِأَنَّهُ يَضْمَنُهُ ضَمَانَ الْمَمَالِيكِ، وَقَدْ فَوَّتَ رِقَّهُ عَلَى السَّيِّدِ، وَحَصَلَ التَّلَفُ فِي يَدَيْهِ. وَالْحُكْمُ فِي الْمَهْرِ، وَالْأَرْشِ، وَالْأَجْرِ، وَنَقْصِ الْوِلَادَةِ، وَقِيمَتِهَا إنْ تَلِفَتْ، مَا مَضَى إذَا كَانَا عَالِمَيْنِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ حُقُوقُ الْآدَمِيِّينَ فَلَا تَسْقُطُ بِالْجَهْلِ وَالْخَطَإِ، كَالدِّيَةِ. اهـ قلتُ: قول ابن قدامة: (وَعَلَيْهِ الْمَهْرُ، وَأَرْشُ الْبَكَارَةِ). تقدم أن الصحيح أن أرش البكارة داخل في المهر، والله أعلم. مسألة [٢٠]: إذا باع الغاصب الجارية لإنسان آخر، فوطئها ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٧/ ٣٩٣ - ): إذَا ادَّعَى الْمُشْتَرِي الْجَهَالَةَ؛ قُبِلَ مِنْهُ، وَيَجِبُ رَدُّ الْجَارِيَةِ إلَى سَيِّدِهَا، وَلِلْمَالِكِ مُطَالَبَةُ أَيِّهِمَا شَاءَ بِرَدِّهَا؛ لِأَنَّ
следующие страницы →