قال أبو عبد الله غفر الله له: أما الحرة فالجمهور على أنَّ لها المهر إذا أُكرهت، وليس لها إذا طاوعت؛ لأنه إذا وجب لها المهر في الزواج مقابل استحلال الفرج؛ فلأن يجب مع الإكراه من باب أولى.
• وخالف أبو حنيفة، وابن حزم فلم يجعلا لها مهرًا؛ لأنه وطء محرم يوجب الحد، والمهر جاء في الوطء الحلال.
والصحيح قول الجمهور، وحديث: «نهى عن مهر البغي» المقصود به المطاوعة؛ بدليل تسميتها (بَغِي).
وأما الأمة فالذي يظهر أنها إذا طاوعت؛ استحق السيد أرش نقص قيمتها، وهو أرش البكارة، وهذا قول بعض الشافعية، وبعض الحنابلة منهم: شيخ الإسلام؛ إلا أنَّ شيخ الإسلام لا يرى لها المهر في حالة الإكراه، ولا يرى إلا أرش البكارة في الحالتين.
والذي يظهر لي -والله أعلم- أن للسيد المهر في حالة الإكراه، وأرش البكارة في حالة المطاوعة، والله أعلم.
قال ابن قدامة ﵀: وَيَجِبُ أَرْشُ بَكَارَتِهَا؛ لِأَنَّهُ بَدَلُ جُزْءٍ مِنْهَا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَجِبَ؛ لِأَنَّ مَهْرَ الْبِكْرِ يَدْخُلُ فِيهِ أَرْشُ الْبَكَارَةِ، وَلِهَذَا يَزِيدُ عَلَى مَهْرِ الثَّيِّبِ عَادَةً؛ لِأَجْلِ مَا يَتَضَمَّنُهُ مِنْ تَفْوِيتِ الْبَكَارَةِ. اهـ
قال أبو عبد الله غفر الله له: الذي يظهر أنَّ المكرهة للمالك لها المهر، وأرش
стр. 3433
البكارة داخل فيه، وهو قول بعض الحنابلة، والشافعية.
قال ابن قدامة ﵀: وَإِنْ حَمَلَتْ فَالْوَلَدُ مَمْلُوكٌ لِسَيِّدِهَا؛ لِأَنَّهُ مِنْ نَمَائِهَا وَأَجْزَائِهَا، وَلَا يَلْحَقُ نَسَبُهُ بِالْوَاطِئِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ زِنًى؛ فَإِنْ وَضَعَتْهُ حَيًّا؛ وَجَبَ رَدُّهُ مَعَهَا، وَإِنْ أَسْقَطَتْهُ مَيِّتًا؛ لَمْ يَضْمَنْ؛ لِأَنَّنَا لَا نَعْلَمُ حَيَاتَهُ قَبْلَ هَذَا. هَذَا قَوْلُ الْقَاضِي، وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ عِنْدَ أَصْحَابِهِ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحُسَيْنِ: يَجِبُ ضَمَانُهُ بِقِيمَتِهِ لَوْ كَانَ حَيًّا. نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ؛ لِأَنَّهُ يَضْمَنُهُ لَوْ سَقَطَ بِضَرْبَتِهِ، وَمَا ضُمِنَ بِالْإِتْلَافِ؛ ضَمِنَهُ الْغَاصِبُ بِالتَّلَفِ فِي يَدِهِ، كَأَجْرِ الْعَيْنِ. وَالْأَوْلَى إنْ شَاءَ الله تَعَالَى أَنْ يَضْمَنَهُ بِعُشْرِ قِيمَةِ أُمِّهِ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يَضْمَنُهُ بِهِ بِالْجِنَايَةِ، فَيَضْمَنُهُ بِهِ فِي التَّلَفِ، كَالْأَجْزَاءِ. اهـ
قال أبو عبد الله غفر الله له: وهذا الذي اختاره ابن قدامة هو أقرب الأقوال، والله أعلم.
قال ﵀: وَإِنْ وَضَعَتْهُ حَيًّا؛ حَصَلَ مَضْمُونًا فِي يَدِ الْغَاصِبِ كَالْأُمِّ؛ فَإِنْ مَاتَ بَعْدَ ذَلِكَ؛ ضَمِنَهُ بِقِيمَتِهِ، وَإِنْ نَقَصَتْ الْأُمُّ بِالْوِلَادَةِ؛ ضَمِنَ نَقْصَهَا، وَلَمْ يَنْجَبِرْ بِالْوَلَدِ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَنْجَبِرُ نَقْصُهَا بِوَلَدِهَا.
قال ﵀: وَلَنَا أَنَّ وَلَدَهَا مِلْكُ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ؛ فَلَا يَنْجَبِرُ بِهِ نَقْصٌ حَصَلَ بِجِنَايَةِ الْغَاصِبِ، كَالنَّقْصِ الْحَاصِلِ بِغَيْرِ الْوِلَادَةِ. اهـ
قال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب أنه يضمن النقص، ولا ينجبر بالولد.
حين وجوده، أو القيمة التي صارت في يده؛ إلا أن يشترط المالك أن متاعه إذا وجد؛ فهو أحق به، ويعيد القيمة، والله أعلم.
مسألة [٢٥]: إذا كان المغصوب مما له أجرة فهل يتحملها الغاصب مدة مقام العين في يده ؟
• مذهب أحمد، والشافعي أنَّ عليه أجرة مقامها في يده؛ لأنه حَرَمَ صاحبها من الانتفاع بأجرتها بتعديه، وهذا القول اختاره الشوكاني ﵀.
• ومذهب أبي حنيفة، ومالك، وأحمد في رواية أنَّ الغاصب لا يضمن ذلك، واختار ذلك ابن القيم بحجة أنه قد يؤدي إلى الإضرار بالغاصب، فربما لو تأخر الغصب عنده اجتاح ذلك بماله.
قال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول هو الصواب، والله أعلم. (١)
مسألة [٢٦]: إذا دفع الغاصب للمالك عوض حقه على أنه صدقة، أو هبة، هل يبرأ منه ؟
قال أحمد ﵀ في رواية الأثرم عنه -وقد سئل عن رجل له قِبَلَ رجلٍ تَبِعَةٌ، فأوصلها إليه على سبيل صدقة، أو هدية، فلم يعلم؟ - فقال: كيف هذا؟! هذا يرى أنه هدية. يقول له: هذا لك عندي. (٢)
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٧/ ٤١٩): وَإِنْ وَهَبَ الْمَغْصُوبَ لِمَالِكِهِ،
مسألة [٢٨]: من كسر شيئًا محرمًا كمعزف، أو مزمار، أو طبل، أو صنم، وغير ذلك، فهل يضمن ؟
• مذهب الحنابلة وبعض الشافعية أنه لا يضمن؛ لأنه لا يحل بيعه فلا يضمن.
• وقال الشافعي: إن كان ذلك إذا فُصل يصلح لنفع مباح، وإذا كُسر لم يصلح له؛ لزمه ما بين قيمته مفصولًا ومكسورًا؛ لأنه أتلف بالكسر مالَهُ قيمةٌ، وإن كان لا يصلح لمنفعة مباحة؛ لم يلزمه ضمانه. وقال أبو حنيفة: يضمن.
قلتُ: والصواب القول الأول. (١)
مسألة [٢٩]: كسر آنية الخمر هل يضمن ؟
• فيه روايتان عن الإمام أحمد، وهما قولان لغيره من أهل العلم.
والصحيح أنه يضمن الآنية؛ إلا أن يكسرها الإمام تعزيرًا، وتشديدًا في تغيير المنكر، والله أعلم. (٢)
مسألة [٣٠]: إذا فتح قفصًا على طائر، أو حل عقال دابة فذهبت، فهل يضمن ؟
• مذهب أحمد، ومالك أنه يضمن؛ لأنه تسبب في ذلك.
• ومذهب أبي حنيفة والشافعي أنه لا يضمن إلا أن يهيجها بعد ذلك فتذهب.
قلتُ: والصواب القول الأول. (٣)
стр. 3449
مسألة [٣١]: إذا جهل الغاصب رب المال، فكيف يعيده ويتخلص منه ؟
• قال ابن القيم ﵀ في «أعلام الموقعين» (٢/ ٣٥): مَنْ عِنْدَهُ أَمْوَالٌ لَا يَعْرِفُ أَصْحَابَهَا، كَالْغُصُوبِ، وَالْعَوَارِيِّ وَنَحْوِهَا، فَإِذَا تَعَذَّرَ عَلَيْهِ مَعْرِفَةُ أَرْبَابِ الْأَمْوَالِ وَيَئِسَ مِنْهَا؛ فَإِنَّ مَذْهَبَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ، وَأَحْمَدَ أَنَّهُ يَتَصَدَّقُ بِهَا عَنْهُمْ؛ فَإِنْ ظَهَرُوا بَعْدَ ذَلِكَ؛ كَانُوا مُخَيَّرِينَ بَيْنَ الْإِمْضَاءِ، وَبَيْنَ التَّضْمِينِ، وَهَذَا مِمَّا جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ فِي اللُّقَطَةِ. انتهى المراد.
قلتُ: وهذا قول شيخ الإسلام ابن تيمية، ثم الإمام ابن باز، والإمام الألباني، والإمام الوادعي، والإمام ابن عثيمين، وغيرهم رحمة الله عليهم أجمعين. (١)
٨٨٨ - وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي خُطْبَتِهِ يَوْمَ النَّحْرِ بِمِنًى: «إنْ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث
مع ذكر بعض المسائل الملحقة
مسألة [١]: إذا غصب غاصبٌ أرضًا فزرعها، فأدركها صاحبها بعد حصاد الزرع ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٧/ ٣٦٥): فَمَتَى كَانَ هَذَا بَعْدَ حَصَادِ الْغَاصِبِ الزَّرْعَ؛ فَإِنَّهُ لِلْغَاصِبِ، لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ نَمَاءُ مَالِهِ، وَعَلَيْهِ الْأُجْرَةُ إلَى وَقْتِ التَّسْلِيمِ، وَضَمَانُ النَّقْصِ. اهـ
مسألة [٢]: إذا غصب أرضًا فبنى فيها أو غرس غرسًا ؟
قال أبو محمد بن قدامة ﵀ في «المغني» (٧/ ٣٦٥): إذَا غَرَسَ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، أَوْ بَنَى فِيهَا، فَطَلَبَ صَاحِبُ الْأَرْضِ قَلْعَ غِرَاسِهِ، أَوْ بِنَائِهِ؛ لَزِمَ الْغَاصِبَ ذَلِكَ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا؛ لِمَا رَوَى سَعِيدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، أَنَّ
стр. 3452
النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ لِعِرْقِ ظَالِمٍ حَقٌّ».اهـ
ومعنى هذه الجملة: «لَيْسَ لِعِرْقِ ظَالِمٍ حَقٌّ»، رُوي بتنوين (عرق)؛ فيكون (ظالمٍ) نعتًا لـ (عرق)، وأسند إليه الظلم؛ لأنَّ الظلم حصل به، ويروى بالإضافة بغير تنوين فيكون بتقدير مضاف محذوف، أي: ليس لذي عرق ظالمٍ حقٌّ.
مسألة [٣]: إذا غصب غاصب أرضًا ثم أدركها ربها والزرع قائم لم يُحصد ؟
• قال جماعة من أهل العلم: يُخَيَّرُ المالك بين أن يقر الزرع إلى وقت الحصاد، وله أجرة المثل وأرش النقص، وبين أن يدفع إلى صاحب الزرع نفقته ويأخذ الزرع، وهذا مذهب أحمد، وأبي عبيد وغيرهما، واستدلوا على ذلك بحديث رافع ابن خديج الذي في الباب، وبحديث رافع بن خديج في «سنن أبي داود» (٣٣٩٩) بإسناد صحيح أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- رأى زرعًا في أرض ظهير، فقال: «ما أحسن زرع ظهير!» فقالوا: إنه ليس لظهير، ولكنه لفلان. قال: «فخذوا زرعكم وردوا عليه نفقته».
• ومذهب الجمهور، وأكثر الفقهاء على أن المالك يملك إجبار الغاصب على قلع زرعه كالغرس، والبناء، واستدلوا بعموم حديث: «ليس لعرق ظالم حق»، ولأنه زرع في أرض غيره ظلمًا؛ فليس له الحق في إبقائه في أرضه بغير إذنه ورضاه، وهذا القول اختاره الشوكاني وهو الصواب، وأما حديثهم الأول فهو ضعيف كما تقدم بيانه في الباب، وحديثهم الثاني ليس فيه أنه زرع بغير إذن
стр. 3453
صاحب الأرض، أو بعد غصبه الأرض، بل الظاهر في الحديث خلاف ذلك، والأظهر في هذا الحديث أنَّ الكراء كان بصورة لم يرضها رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-؛ ولذلك قال سعيد بن المسيب عَقِبَ الحديث المذكور: أفقر أخاك. أي: أعطه، أو أكره بالدراهم. (١)
مسألة [٤]: إذا قلع الغاصب الشجر فهل يلزمه تسوية الأرض ؟
قال أبو محمد بن قدامة ﵀ في «المغني» (٧/ ٣٦٦): وَإِذْ قَلَعَهَا لَزِمَهُ تَسْوِيَةُ الْحَفْرِ، وَرَدُّ الْأَرْضِ إلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ ضَرَرٌ حَصَلَ بِفِعْلِهِ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ، فَلَزِمَتْهُ إزَالَتُهُ. اهـ
بعض التفريعات:
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٧/ ٣٦٦): وَإِنْ أَرَادَ صَاحِبُ الْأَرْضِ أَخْذَ الشَّجَرِ وَالْبِنَاءِ بِغَيْرِ عِوَضٍ؛ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ عَيْنُ مَالِ الْغَاصِبِ، فَلَمْ يَمْلِكْ صَاحِبُ الْأَرْضِ أَخْذَهُ، كَمَا لَوْ وَضَعَ فِيهَا أَثَاثًا أَوْ حَيَوَانًا. وَإِنْ طَلَبَ أَخْذَهُ بِقِيمَتِهِ، وَأَبى مَالِكُهُ إلَّا الْقَلْعَ؛ فَلَهُ الْقَلْعُ؛ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ، فَمَلَكَ نَقْلَهُ. وَلَا يُجْبَرُ عَلَى أَخْذِ الْقِيمَةِ؛ لِأَنَّهَا مُعَاوَضَةٌ، فَلَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهَا. وَإِنْ اتَّفَقَ عَلَى تَعْوِيضِهِ عَنْهُ بِالْقِيمَةِ أَوْ غَيْرِهَا؛ جَازَ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا، فَجَازَ مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ. وَإِنْ وَهَبَ الْغَاصِبُ الْغِرَاسَ وَالْبِنَاءَ لِمَالِكِ الْأَرْضِ؛ لِيَتَخَلَّصَ مِنْ قَلْعِهِ، وَقَبِلَهُ الْمَالِكُ؛ جَازَ. وَإِنْ أَبَى قَبُولَهُ، وَكَانَ فِي قَلْعِهِ غَرَضٌ صَحِيحٌ؛ لَمْ يُجْبَرْ عَلَى قَبُولِهِ؛ لِمَا تَقَدَّمَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ
стр. 3454
غَرَضٌ صَحِيحٌ احْتَمَلَ أَنْ يُجْبَرَ عَلَى قَبُولِهِ؛ لِأَنَّ فِيهِ رَفْعَ الْخُصُومَةِ مِنْ غَيْرِ غَرَضٍ يَفُوتُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُجْبَرَ؛ لِأَنَّ فِيهِ إجْبَارًا عَلَى عَقْدٍ يُعْتَبَرُ الرِّضَا فِيهِ. اهـ
مسألة [٥]: إذا غصب أرضًا فغرسها، فأثمرت فلمن الثمرة ؟
قال أبو محمد بن قدامة ﵀ في «المغني» (٧/ ٣٧٩): وَإِنْ غَصَبَ أَرْضًا فَغَرَسَهَا فَأَثْمَرَتْ، فَأَدْرَكَهَا رَبُّهَا بَعْدَ أَخْذِ الْغَاصِبِ ثَمَرَتَهَا؛ فَهِيَ لَهُ. وَإِنْ أَدْرَكَهَا وَالثَّمَرَةُ فِيهَا، فَكَذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا ثَمَرَةُ شَجَرِهِ، فَكَانَتْ لَهُ، كَمَا لَوْ كَانَتْ فِي أَرْضِهِ، وَلِأَنَّهَا نَمَاءُ أَصْلٍ مَحْكُومٍ بِهِ لِلْغَاصِبِ؛ فَكَانَ لَهُ، كَأَغْصَانِهَا وَوَرَقِهَا. اهـ
ثم ذكر عن القاضي أنه قال: هي لرب الأرض. ونقله عن أحمد رواية.
قلتُ: والراجح هو القول الأول، ولكن عليه أجرة الأرض كما تقدم، والله أعلم.
مسألة [٦]: إذا اشترى أرضًا فبنى فيها أو غرس ثم بانت مغصوبة ؟
قال ابن القيم ﵀ في «أعلام الموقعين» (٣/ ٣٣١): نَصَّ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَلَى أَنَّ مَنْ اشْتَرَى أَرْضًا فَبَنَى فِيهَا أَوْ غَرَسَ، ثُمَّ اُسْتُحِقَّتْ؛ فَلِلْمُسْتَحِقِّ قَلْعُ ذَلِكَ، ثُمَّ يَرْجِعُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ بِمَا نَقَصَ، وَنَصَّ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْمُسْتَحِقِّ قَلْعُهُ إلَّا أَنْ يَضْمَنَ نَقْصَهُ، ثُمَّ يَرْجِعَ بِهِ عَلَى الْبَائِعِ، وَهَذَا أَفْقَهُ النَّصَّيْنِ، وَأَقْرَبُهُمَا إلَى الْعَدْلِ؛ فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ غَرَسَ وَبَنَى غِرَاسًا وَبِنَاءً مَأْذُونًا فِيهِ، وَلَيْسَ ظَالِمًا بِهِ، فَالْعِرْقُ لَيْسَ بِظَالِمٍ، فَلَا يَجُوزُ لِلْمُسْتَحِقِّ قَلْعُهُ حَتَّى يَضْمَنَ لَهُ نَقْصَهُ، وَالْبَائِعُ هُوَ الَّذِي ظَلَمَ الْمُسْتَحِقَّ بِبَيْعِهِ مَالَهُ وَغَرَّ الْمُشْتَرِيَ بِبِنَائِهِ وَغِرَاسِهِ فَإِذَا أَرَادَ الْمُسْتَحِقُّ
مسألة [١٢]: إذا جنى على العبد غير الغاصب ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٧/ ٣٧٣): وَإِنْ غَصَبَ عَبْدًا، فَقَطَعَ آخَرُ يَدَهُ؛ فَلِلْمَالِكِ تَضْمِينُ أَيِّهِمَا شَاءَ؛ لِأَنَّ الْجَانِيَ قَطَعَ يَدَهُ، وَالْغَاصِبُ حَصَلَ النَّقْصُ فِي يَدِهِ، إنْ ضَمَّنَ الْجَانِيَ؛ فَلَهُ تَضْمِينُهُ نِصْفَ قِيمَتِهِ لَا غَيْرُ، وَلَا يَرْجِعُ عَلَى أَحَدٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُضَمِّنْهُ أَكْثَرَ مِمَّا وَجَبَ عَلَيْهِ. وَيَضْمَنُ الْغَاصِبُ مَا زَادَ عَلَى نِصْفِ الْقِيمَةِ إنْ نَقَصَ أَكْثَرُ مِنْ النِّصْفِ، وَلَا يَرْجِعُ عَلَى أَحَدٍ.
قال: وَإِنْ اخْتَارَ تَضْمِينَ الْغَاصِبِ؛ فَلِرَبِّ الْعَبْدِ تَضْمِينُهُ بِأَكْثَرِ الْأَمْرَيْنِ؛ لِأَنَّ مَا وُجِدَ فِي يَدِهِ فَهُوَ فِي حُكْمِ الْمَوْجُودِ مِنْهُ، ثُمَّ يَرْجِعُ الْغَاصِبُ عَلَى الْجَانِي بِنِصْفِ الْقِيمَةِ؛ لِأَنَّهَا أَرْشُ جِنَايَتِهِ، فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْهَا. انتهى بتصرف واختصار.
مسألة [١٣]: إذا غصب عبدًا فجنى عليه جناية مقدرة بقيمته كاملة ؟
وذلك مثل أن يقطع يديه، أو أنفه، أو ذكره، أو أذنيه ...
• فمذهب الجمهور على أنه تلزمه القيمة كلها ورَدُّ العبد، وهو قول أحمد، ومالك، والشافعي؛ لأنَّ المتلف بعضه، فلا يقف ضمانه على زوال الملك عن جملته.
• وقال أبو حنيفة، والثوري: يخير المالك بين أن يصبر، ولا شيء له، وبين أخذ قيمته ويملكه الجاني؛ لأنه ضمان مال، فلا يبقى ملك صاحبه عليه مع ضمانه له.
قال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب قول الجمهور، والله أعلم. (١)
стр. 3459
مسألة [١٤]: إذا جنى العبد المغصوب، فمن يضمن جنايته ؟
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٧/ ٣٧٤): وَإِنْ جَنَى الْعَبْدُ الْمَغْصُوبُ؛ فَجِنَايَتُهُ مَضْمُونَةٌ عَلَى الْغَاصِبِ؛ لِأَنَّهُ نَقْصٌ فِي الْعَبْدِ الْجَانِي؛ لِكَوْنِ أَرْشِ الْجِنَايَةِ يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ، فَكَانَ مَضْمُونًا عَلَى الْغَاصِبِ كَسَائِرِ نَقْصِهِ. وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ مَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ أَوْ الْمَالَ، وَلَا يَلْزَمُهُ أَكْثَرُ مِنْ النَّقْصِ الَّذِي لَحِقَ الْعَبْدَ، وَإِنْ جَنَى عَلَى سَيِّدِهِ؛ فَجِنَايَتُهُ مَضْمُونَةٌ عَلَى الْغَاصِبِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهَا مِنْ جُمْلَةِ جِنَايَاتِهِ، فَكَانَ مَضْمُونًا عَلَى الْغَاصِبِ، كَالْجِنَايَةِ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ. اهـ
مسألة [١٥]: من غُصِبَ عليه مال ثم قَدَر على مال للغاصب، فهل له أن يأخذه ويقاصّه بحقه ؟
هذه المسألة تسمى عند أهل العلم بمسألة (الظفر)، وفيها خلاف بين أهل العلم.
• فقد ذهب جمعٌ من أهل العلم إلى أنَّ له أن يأخذ ذلك المال، ويأخذ ماله المغصوب منه، ويرد عليه الباقي منه إن بقي، وهذا قول ابن سيرين، وعطاء، والنخعي، والشعبي، والشافعي، والبخاري، والظاهرية، وقال به جمعٌ من المالكية، وسواء كان ذلك المال من جنس ماله، أو من غير جنسه.
واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل:١٢٦]، وقوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى:٤٠]، وقوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى
стр. 3460
عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة:١٩٤].
• واختلف النقل عن الحنفية، فنقل عنهم الحافظ ابن حجر ﵀ أنهم يجيزون ذلك فيما كان مثليًّا، لا فيما كان متقومًا؛ لما يخشى فيه من الحيف، ونقل عنهم ابن القيم ﵀ أنهم أجازوه فيما إذا كان من جنسه.
• وظاهر مذهب أحمد، ومالك أنها لا تجوز، واستدلوا بحديث: «أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك». (١)
• وذهب ابن القيم ﵀ إلى أنه إن كان سبب الحق ظاهرًا كالنكاح، والضيافة يجوز الظفر به، وإن كان السبب خفيًّا؛ فلا يجوز؛ لأنه موضع تهمة وخيانة.
قلتُ: والصواب هو القول الأول؛ لما تقدم من الأدلة، وقد استدل البخاري ﵀ على ذلك بحديث عائشة في قصة هند بنت عتبة: «خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك ويكفي بنيك» (٢)، وحديث عقبة بن عامر في شأن الذين لا يضيفون، قال: «خذوا منهم حق الضيافة الذي ينبغي لهم». (٣)
تنبيه: قال الحافظ ابن حجر ﵀ في «الفتح»: واتفقوا على أن محل الجواز في الأموال لا في العقوبات البدنية؛ لكثرة الغوائل في ذلك، قال: ومحل الجواز في الأموال أيضًا ما إذا أُمِنَ الغائلة، كنسبته إلى السرقة، ونحو ذلك. اهـ (٤)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [١]: ما هي الشفعة ؟
الشفعة في اللغة: مأخوذة من الشفع، وهو الزوج، ضد الفرد، فإذا أضيف إلى الفرد آخر فقد شُفِعَ.
وفي الشرع: هي انتزاع الشريك حصة شريكه المنتقلة إلى غيره بِعِوَض بمثل ذلك العوض، وهي ثابتة بالسنة والإجماع.
أما من السنة: فأحاديث الباب.
وأما الإجماع: فقد أجمع العلماء على ثبوت الشفعة في الجملة، ولم ينقل الخلاف إلا عن أبي بكر الأصم المعتزلي، ولا يُعتدُّ بخلافه. (١)
مسألة [٢]: الشفعة في الأرض .
• الشفعة تثبت في الأرض عند أهل العلم، ونقل ابن قدامة، وشيخ الإسلام وغيرهما عدم الخلاف في ذلك عند من أثبت الشفعة.
• بينما نقل ابن حزم عن عثمان البتي، والحسن الخلافَ في ذلك.
والصحيح ثبوت الشفعة فيها؛ للأدلة المذكورة في الباب، والله أعلم. (٢)
стр. 3463
مسألة [٣]: هل تثبت الشفعة في الغرس والبناء والزرع تبعًا للأرض ؟
أما الغرس والبناء الذي يُباع مع الأرض؛ فإنه يؤخذ بالشفعة تبعًا للأرض بغير خلافٍ يُعرف عند من أثبت الشفعة. قاله ابن قدامة.
• وأما الزرع، والثمرة الظاهرة ففي ثبوت الشفعة فيها خلاف إذا بيعت مع الأرض فمذهب أحمد، والشافعي أنها لا تؤخذ بالشفعة مع الأصل؛ لأنه لا يدخل في البيع؛ إلا تبعًا؛ فلا يؤخذ بالشفعة، كقماش الدار، وعكسه البناء والغراس.
• ومذهب مالك، وأبي حنيفة أنها تؤخذ بالشفعة مع أصولها؛ لأنه متصل بما فيه الشفعة، فيثبت فيه الشفعة تبعًا كالبناء والغراس.
قلتُ: سيأتي قريبًا بيان هل الشفعة في كل شيءٍ، أم هي خاصة في الأرض؟ والصحيح أنها تثبت في كل مشترك لم يقسم؛ وعلى هذا فالشفعة ثابتة في الزرع والثمار، والله أعلم. (١)
مسألة [٤]: هل تثبت الشفعة في غير الأرض والدور من المنقولات وغيرها ؟
• في هذه المسألة أقوال لأهل العلم:
الأول: لا شفعة في ذلك، سواء كان مما ينقل كالحيوان، والثياب، والسفن، والحجارة، والزرع، والثمار، أو لا ينقل كالبناء والغراس إذا بيع مفردًا، وهذا قول
стр. 3464
الحنابلة، والشافعية، وأصحاب الرأي.
الثاني: لا شفعة في المنقولات، رُوي عن الحسن، والثوري، والأوزاعي، والعنبري، وقتادة، وربيعة، وإسحاق، ورُوي عن مالك، وعطاء.
الثالث: الشفعة في كل شيء، وهو قول مالك في رواية، ورجع إليه عطاء، وهو قول ابن أبي مليكة، ورجحه ابن حزم، واستدلوا برواية الطحاوي الذي في الباب.
الرابع: عن الإمام أحمد رواية أنَّ الشفعة ثابتة أيضًا فيما لا ينقسم كالحجارة، والسيف، والحيوان. وهو بمعنى الذي قبله.
قال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب أنَّ الشفعة ثابتة في كل شيء، وفي رواية مسلم: «في كل مالم يقسم»، وقد استدل أهل القول الأول بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق ... »، فقالوا: هذا يدل على أنَّ المراد به الأرض فقط.
وأُجيب بأنَّ هذا التعليل لا يستفاد منه تخصيص العموم الوارد، وإنما يُستفاد منه أنَّ المشترك فيه إن كان أرضًا فلا شفعة إذا وقعت الحدود، وصرفت الطرق، والله أعلم. (١)
مسألة [٥]: ما لا يمكن قسمته كالدكان الصغير، والطريق الضيقة ؟
• من أهل العلم من منع الشفعة في ذلك؛ لأنَّ إثبات الشفعة في ذلك يضر بالبائع؛ لأنه لا يمكنه أن يتخلص من إثبات الشفعة في نصيبه بالقسمة، وقد
стр. 3465
يمتنع المشتري لأجل الشفيع؛ فيتضرر البائع، وقد يمتنع البيع؛ فتسقط الشفعة؛ فيؤدي إثباتها إلى نفيها، ولأنَّ إثبات الشفعة لدفع الضرر عن الشريك الذي يلحقه بالمقاسمة لما يحتاج إليه من إحداث مرافق خاصَّة، ولا يوجد هذا فيما لا ينقسم. وهذا القول قاله يحيى بن سعيد، وربيعة، والشافعي، وأحمد، ومالك في رواية عنهما.
• وذهب طائفة من أهل العلم إلى ثبوت الشفعة في ذلك، وهو قول الثوري، وابن سريج، وأبي حنيفة، وأحمد، ومالك في رواية عنهما؛ لعموم حديث جابر الذي في الباب، ولأنَّ الشفعة تثبت لإزالة الضرر الذي يحصل بالمشاركة، والضرر ههنا أكثر؛ لأنه لا يمكن التخلص منه بالقسمة.
وهذا القول هو الصواب، وهو ترجيح شيخ الإسلام، ثم الإمام ابن عثيمين رحمهما الله. (١)
المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث
مع ذكر بعض المسائل الملحقة
مسألة [١]: هل تثبت الشفعة فيما قد قسم من الأراضي والدور ؟
• ذهب أكثر العلماء إلى أنَّ الأراضي إذا قسمت فلا شفعة، وهو قول أحمد، ومالك، والشافعي، وإسحاق وغيرهم، واستدلوا بحديث جابر ﵁: «فإذ وقعت الحدود، وصرفت الطرق؛ فلا شفعة».
• وذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أن الشفعة تثبت بالجوار، وهو قول ابن شبرمة، والثوري، وابن أبي ليلى، وأصحاب الرأي، واستدلوا بأحاديث الباب المقيدة بالجوار.
• وذهب بعض أهل العلم إلى أن الشفعة تكون فيما لم يقسم، أو فيما قُسِم إذا بقيت بعض الحقوق المتعلقة بالأرض لم تقسم، كطريقٍ، أو بئر، أو ما أشبه ذلك، وهو قول العنبري، وسوار القاضيين، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، وهو قول ابن حزم، وهو الصواب في هذه المسألة؛ لأنَّ فيه جمعًا بين الأدلة المتقدمة، ويدل عليه حديث جابر الذي أُعِلَّ، وقوله أيضًا في حديث جابر ﵁ الأول: «وصرفت الطرق» فيفهم منه أنها إذا لم تبين الطرق وتقسم؛ فله الشفعة.
стр. 3468
وأما حديث أبي رافع، وأنس ﵄ اللذين في الباب فلهما توجيهات: أحدها: أن يحمل على الجار الذي يشترك معه في الطريق. ثانيها: يحمل الجار على الشريك؛ فالشريك يطلق عليه جار في اللغة، وقد أنشدوا بعض الأبيات الدالة على ذلك. ثالثها: أن المراد بها الحث على الإحسان إلى الجيران، ومعرفة حقوقهم، ولا يصلح حملها على الإطلاق؛ لأنَّ حديث جابر ﵁ الأول يدل على أنه لا شفعة للجار إذا وقعت الحدود، والله أعلم. (١)
مسألة [٢]: هل يشترط في الشفعة أن يكون الملك منتقلًا بعوض ؟
أما ما ينتقل بالإرث فليس فيه شفعة، ولم يذكروا في ذلك خلافًا.
• واختلفوا فيما ينتقل بالهبة، والصدقة: فمذهب الجمهور من أهل العلم أنه لا شفعة فيه كالمنتقل بالإرث، وهو ظاهر اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، ورجحه ابن حزم؛ لأنَّ الشفعة جاءت فيما انتقل بعوض.
• وعن مالك رواية: أنَّ فيه الشفعة، وحُكي عن ابن أبي ليلى، ورجحه الشيخ ابن عثيمين؛ لأن العلة موجودة في ذلك، وهو تضرر الشريك بذلك.
قلتُ: يظهر لي أنَّ القول الأول أقرب؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أمر باستئذان الشريك إذا أراد البيع لا إذا أراد الهبة، أو الصدقة، والله أعلم. (٢)
стр. 3469
مسألة [٣]: إذا كان الشقص منتقلًا بعوض غير المال ؟
أما ما كان منتقلًا بعوض مالي، وهو البيع بمال؛ فلا خلاف في ثبوت الشفعة فيه، ومثله كل عقد جرى مجرى البيع، كالصلح الذي بمعنى البيع، وقد أشرنا إليه في باب الصلح، وكالصلح عن الجنايات الموجبة للمال.
• وأما ما ينتقل بعوض غير مالي، كمهرٍ، وخلعٍ، وصلحٍ عن دم العمد، ففيه قولان لأهل العلم:
الأول: لا شفعة فيه، وهو قول بعض الحنابلة، والحسن، والشعبي، وأبي ثور، وأصحاب الرأي، وابن المنذر، وابن حزم، وحجَّتُهم في ذلك أنَّ الشفعة جاءت في البيع كما أشرنا في المسألة السابقة.
الثاني: ثبوت الشفعة، وهو مذهب جماعة من أهل العلم، منهم: ابن أبي ليلى، وابن شبرمة، ومالك، والشافعي، وبعض الحنابلة؛ وذلك لأنه منتقل بعوض فأشبه البيع. وهذا القول رجحه الإمام ابن عثيمين وهو الصواب فيما يظهر، والله أعلم. (١)
مسألة [٤]: إذا أقر البائع بالبيع، وأنكر المشتري ؟
• للشفيع أن يأخذ بالشفعة، ولا ضرر من إنكار المشتري، وهذا قول أبي حنيفة، والمزني، وبعض الحنابلة، ومنهم من قال: ليس له الأخذ؛ لأن البيع لم يثبت بسبب إنكار المشتري، وهذا قول مالك، وأبي شريح، وبعض الحنابلة.
стр. 3470
والذي يظهر: أنَّ له الأخذ بالشفعة، ويسلم المال إلى البائع، ولا يحتاج إلى محاكمة المشتري، والله أعلم. (١)
مسألة [٥]: هل تثبت الشفعة إذا كان في البيع خيار ؟
• إذا كان الخيار للبائع، أو لهما جميعًا فلا تثبت الشفعة في ذلك؛ لأنها تُسقط حق البائع من الخيار. وأما إن كان الخيار للمشتري فقط: فذهب أبو حنيفة، وبعض الحنابلة، وهو قول للشافعي إلى أن الشفعة تثبت للشريك؛ لأنَّ البيع قد انعقد، والشفعة لا تُسقط حق المشتري من الثمن.
• ومذهب مالك، والحنابلة، وابن حزم، وهو قولٌ للشافعي أنَّ الشفعة لا تثبت ما دام الخيار موجودًا، والبيع لم يتم بعد، وإن كان الخيار من المشتري فقط؛ لأنَّ للمشتري الحق في إرجاعها إلى صاحبها، وقد يكون له في ذلك حظ.
قال أبو عبد الله غفر الله له: الصحيح القول الأول، وبالله التوفيق. (٢)
مسألة [٦]: إذا أظهر المشتري أن الثمن بكذا فترك الشريك الشفعة ثم بان بأقل من ذلك ؟
• ذكر أهل العلم أنَّ حق الشريك من الشفعة لا يسقط؛ لأنه غُرَّ بذلك، وهو قول أصحاب المذاهب الأربعة، وزاد الإمام مالك، فقال: يحلف أنه ما ترك إلا