← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 165

فتح العلام في دراسة أحاديث بلوغ المرام ط 4

محمد بن علي بن حزام البعداني

Полный текст (5 956 стр.). Показаны 3466–3505 · переход к 3471.

стр. 3466

٨٩٠ - وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «جَارُ الدَّارِ أَحَقُّ بِالدَّارِ». رَوَاهُ النَّسَائِيّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَلَهُ عِلَّةٌ. (١) ٨٩١ - وَعَنْ أَبِي رَافِعٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «الجَارُ أَحَقُّ بِصَقَبِهِ». (٢) أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ، وَفِيهِ قِصَّةٌ. (٣) ٨٩٢ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «الجَارُ أَحَقُّ بِشُفْعَةِ جَارِهِ، يُنْتَظَرُ بِهَا وَإِنْ كَانَ غَائِبًا إذَا كَانَ طَرِيقُهُمَا وَاحِدًا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ. (٤)

стр. 3467

المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث مع ذكر بعض المسائل الملحقة مسألة [١]: هل تثبت الشفعة فيما قد قسم من الأراضي والدور ؟ • ذهب أكثر العلماء إلى أنَّ الأراضي إذا قسمت فلا شفعة، وهو قول أحمد، ومالك، والشافعي، وإسحاق وغيرهم، واستدلوا بحديث جابر ﵁: «فإذ وقعت الحدود، وصرفت الطرق؛ فلا شفعة». • وذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أن الشفعة تثبت بالجوار، وهو قول ابن شبرمة، والثوري، وابن أبي ليلى، وأصحاب الرأي، واستدلوا بأحاديث الباب المقيدة بالجوار. • وذهب بعض أهل العلم إلى أن الشفعة تكون فيما لم يقسم، أو فيما قُسِم إذا بقيت بعض الحقوق المتعلقة بالأرض لم تقسم، كطريقٍ، أو بئر، أو ما أشبه ذلك، وهو قول العنبري، وسوار القاضيين، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، وهو قول ابن حزم، وهو الصواب في هذه المسألة؛ لأنَّ فيه جمعًا بين الأدلة المتقدمة، ويدل عليه حديث جابر الذي أُعِلَّ، وقوله أيضًا في حديث جابر ﵁ الأول: «وصرفت الطرق» فيفهم منه أنها إذا لم تبين الطرق وتقسم؛ فله الشفعة.

стр. 3468

وأما حديث أبي رافع، وأنس ﵄ اللذين في الباب فلهما توجيهات: أحدها: أن يحمل على الجار الذي يشترك معه في الطريق. ثانيها: يحمل الجار على الشريك؛ فالشريك يطلق عليه جار في اللغة، وقد أنشدوا بعض الأبيات الدالة على ذلك. ثالثها: أن المراد بها الحث على الإحسان إلى الجيران، ومعرفة حقوقهم، ولا يصلح حملها على الإطلاق؛ لأنَّ حديث جابر ﵁ الأول يدل على أنه لا شفعة للجار إذا وقعت الحدود، والله أعلم. (١) مسألة [٢]: هل يشترط في الشفعة أن يكون الملك منتقلًا بعوض ؟ أما ما ينتقل بالإرث فليس فيه شفعة، ولم يذكروا في ذلك خلافًا. • واختلفوا فيما ينتقل بالهبة، والصدقة: فمذهب الجمهور من أهل العلم أنه لا شفعة فيه كالمنتقل بالإرث، وهو ظاهر اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، ورجحه ابن حزم؛ لأنَّ الشفعة جاءت فيما انتقل بعوض. • وعن مالك رواية: أنَّ فيه الشفعة، وحُكي عن ابن أبي ليلى، ورجحه الشيخ ابن عثيمين؛ لأن العلة موجودة في ذلك، وهو تضرر الشريك بذلك. قلتُ: يظهر لي أنَّ القول الأول أقرب؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أمر باستئذان الشريك إذا أراد البيع لا إذا أراد الهبة، أو الصدقة، والله أعلم. (٢)

стр. 3469

مسألة [٣]: إذا كان الشقص منتقلًا بعوض غير المال ؟ أما ما كان منتقلًا بعوض مالي، وهو البيع بمال؛ فلا خلاف في ثبوت الشفعة فيه، ومثله كل عقد جرى مجرى البيع، كالصلح الذي بمعنى البيع، وقد أشرنا إليه في باب الصلح، وكالصلح عن الجنايات الموجبة للمال. • وأما ما ينتقل بعوض غير مالي، كمهرٍ، وخلعٍ، وصلحٍ عن دم العمد، ففيه قولان لأهل العلم: الأول: لا شفعة فيه، وهو قول بعض الحنابلة، والحسن، والشعبي، وأبي ثور، وأصحاب الرأي، وابن المنذر، وابن حزم، وحجَّتُهم في ذلك أنَّ الشفعة جاءت في البيع كما أشرنا في المسألة السابقة. الثاني: ثبوت الشفعة، وهو مذهب جماعة من أهل العلم، منهم: ابن أبي ليلى، وابن شبرمة، ومالك، والشافعي، وبعض الحنابلة؛ وذلك لأنه منتقل بعوض فأشبه البيع. وهذا القول رجحه الإمام ابن عثيمين وهو الصواب فيما يظهر، والله أعلم. (١) مسألة [٤]: إذا أقر البائع بالبيع، وأنكر المشتري ؟ • للشفيع أن يأخذ بالشفعة، ولا ضرر من إنكار المشتري، وهذا قول أبي حنيفة، والمزني، وبعض الحنابلة، ومنهم من قال: ليس له الأخذ؛ لأن البيع لم يثبت بسبب إنكار المشتري، وهذا قول مالك، وأبي شريح، وبعض الحنابلة.

стр. 3470

والذي يظهر: أنَّ له الأخذ بالشفعة، ويسلم المال إلى البائع، ولا يحتاج إلى محاكمة المشتري، والله أعلم. (١) مسألة [٥]: هل تثبت الشفعة إذا كان في البيع خيار ؟ • إذا كان الخيار للبائع، أو لهما جميعًا فلا تثبت الشفعة في ذلك؛ لأنها تُسقط حق البائع من الخيار. وأما إن كان الخيار للمشتري فقط: فذهب أبو حنيفة، وبعض الحنابلة، وهو قول للشافعي إلى أن الشفعة تثبت للشريك؛ لأنَّ البيع قد انعقد، والشفعة لا تُسقط حق المشتري من الثمن. • ومذهب مالك، والحنابلة، وابن حزم، وهو قولٌ للشافعي أنَّ الشفعة لا تثبت ما دام الخيار موجودًا، والبيع لم يتم بعد، وإن كان الخيار من المشتري فقط؛ لأنَّ للمشتري الحق في إرجاعها إلى صاحبها، وقد يكون له في ذلك حظ. قال أبو عبد الله غفر الله له: الصحيح القول الأول، وبالله التوفيق. (٢) مسألة [٦]: إذا أظهر المشتري أن الثمن بكذا فترك الشريك الشفعة ثم بان بأقل من ذلك ؟ • ذكر أهل العلم أنَّ حق الشريك من الشفعة لا يسقط؛ لأنه غُرَّ بذلك، وهو قول أصحاب المذاهب الأربعة، وزاد الإمام مالك، فقال: يحلف أنه ما ترك إلا

стр. 3471

لأنه خدع في الثمن. ولم يشترط التحليف بقية أهل العلم، وخالف في المسألة ابن أبي ليلى فقال: لا شفعة له. والصحيح قول مالك، والله أعلم. (١) مسألة [٧]: إذا أراد الشريك أن يشفع بنصف الشقص المبيع ؟ • ليس له ذلك عند جماعة من أهل العلم، منهم: محمد بن الحسن، وبعض الشافعية، وبعض الحنابلة؛ لأنَّ فيه تبعيض للمبيع وفي ذلك ضرر على المشتري ولا يُزال الضرر بالضرر. • وقال بعضهم: له ذلك، وهو قول أبي يوسف، وبعض الشافعية والحنابلة؛ لأنَّ الشفعة في المبيع كله حق له، فله أن يترك بعض حقه ويأخذ بعضه. قال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول أقرب، والله أعلم. (٢) مسألة [٨]: إذا آذن الشريك شريكه بالبيع فلم يشفع فهل له الشفعة بعد البيع ؟ • مذهب الجمهور أنَّ الشفعة لا تسقط؛ لأنها لا تجب عندهم إلا بعد البيع، قالوا: فإسقاطه لها كان قبل وجوبها؛ فلا تسقط. • وذهب الثوري، والحكم، وأبو عبيد، وجماعة من أهل الحديث إلى أنها تسقط؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أمر بالاستئذان، ولا فائدة من الاستئذان إن كانت الشفعة لا تسقط، وهذا قول الطحاوي، وابن حزم، وابن القيم، وشيخه شيخ الإسلام،

стр. 3472

وهو رواية عن أحمد، وقال به إسحاق، والحسن بن حي، ورجَّحه الصنعاني، والشوكاني، وهو الصواب، والله أعلم. (١) مسألة [٩]: إذا باع أحد الشريكين ثم باع الآخر فهل له الشفعة بعد بيع نصيبه ؟ • أما إذا باع نصيبه كاملًا فمذهب الجمهور أنه لا شفعة له؛ لأنَّ سبب الشفعة قد خرج من يده. • وذهب ابن حزم إلى أن له الشفعة عَلِمَ أو لم يعلم؛ لأنه حق له فلا يسقط إلا إذا أسقطه بنفسه عالمًا بذلك، والصحيح قول الجمهور، والله أعلم. • واختلف الجمهور إذا كان البيع لبعض نصيبه على قولين، والراجح أن له الحق في الشفعة، ولا تسقط عليه؛ لأنه مازال شريكًا، والله أعلم. • واختلف الجمهور فيما إذا باع نصيبه قبل أن يعلم أن شريكه قد باع، فهل له الشفعة؟ فمنهم من قال: له الشفعة. ومنهم من قال: ليس له ذلك، وهذا أقرب، والله أعلم. (٢)

стр. 3473

٨٩٣ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الشُّفْعَةُ كَحَلِّ العِقَالِ». رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالبَزَّارُ وَزَادَ: «وَلَا شُفْعَةَ لِغَائِبٍ». وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث مسألة [١]: هل الشفعة على الفور، أم على التراخي ؟ • ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الشفعة على الفور؛ فإنْ بادر بالشفعة، وإلا تسقط عليه، وهذا قول ابن شبرمة، والبتي، والأوزاعي، وأبي حنيفة، والعنبري، وأحمد في رواية، والشافعي في أحد قوليه، واستدلوا بحديث ابن عمر ﵄ المذكور في الباب، وبحديثٍ اشتهر عند الفقهاء ولا أصل له: «الشفعة لمن واثبها»، وقالوا: إذا قلنا على التراخي حصل الضرر على المشتري. • وذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنَّ الشفعة على التراخي، وهو قول مالك، وأحمد في رواية، والشافعي في قول له، والثوري، وابن أبي ليلى، وابن حزم وغيرهم؛ لعدم وجود دليل صحيح يدل على الفورية، والأصل أنه حق له؛ فلا تزول إلا برضاه، أو ما يدل عليه. واختلف هؤلاء ما هو آخر وقت لهذا التراخي؟ فقال مالك: تنقطع بسنة. وعنه: بمضي مدة يُعلم أنه تارك للشفعة غير راغب فيها. وهذا قول أحمد على الرواية الثانية، وبعض أصحابه. وقال ابن أبي ليلى، وأبو ثور، والشافعي: مقدر بثلاثة أيام. وقال ابن حزم: على التراخي بدون

стр. 3474

تحديد، ولو بقيت سبعين عامًا. قلتُ: الراجح في هذه المسألة أن الشفعة على التراخي حتى يسقطها بنفسه، أو يظهر منه ما يدل على عدم رغبته فيها، وأما تحديد انتهاء وقت الشفعة؛ فأمره إلى تحديد القاضي؛ فيحدد مدة لا ضرر فيها على الطرفين، والله أعلم. (١) مسألة [٢]: هل للغائب شفعة ؟ قال أبو محمد بن قدامة ﵀ في «المغني» (٧/ ٤٦١ - ٤٦٢): الْغَائِبَ لَهُ شُفْعَةٌ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ شُرَيْحٍ، وَالْحَسَنِ، وَعَطَاءٍ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَاللَّيْثُ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَالْعَنْبَرِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَرُوِيَ عَنْ النَّخَعِيِّ: لَيْسَ لِلْغَائِبِ شُفْعَةٌ. وَبِهِ قَالَ الْحَارِثُ الْعُكْلِيُّ، وَالْبَتِّيُّ، إلَّا لِلْغَائِبِ الْقَرِيبِ؛ لِأَنَّ إثْبَاتَ الشُّفْعَةِ لَهُ يَضُرُّ بِالْمُشْتَرِي، وَيَمْنَعُ مِنْ اسْتِقْرَارِ مِلْكِهِ وَتَصَرُّفِهِ عَلَى حَسَبِ اخْتِيَارِهِ؛ خَوْفًا مِنْ أَخْذِهِ. قال ابن قدامة: وَلَنَا عُمُومُ قَوْلِهِ ﵇: «الشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ» وَسَائِرُ الْأَحَادِيثِ وَلِأَنَّ الشُّفْعَةَ حَقٌّ مَالِيٌّ وُجِدَ سَبَبُهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْغَائِبِ، فَيَثْبُتُ لَهُ، كَالْإِرْثِ .. .اهـ مسألة [٣]: إذا علم الشريك بالبيع وهو في سفر ؟ • مذهب أحمد، والشافعي في قولٍ أنَّ عليه الإشهاد على المطالبة بالشفعة؛ فإن لم يفعل فلا شفعة له. • وعن الشافعي وجهٌ أنه لا يحتاج إلى الإشهاد؛ لأنه ثَبَتَ عذره.

стр. 3475

• وقال القاضي الحنبلي: إن سار عقب علمه إلى البلد الذي فيه المشتري من غير إشهاد؛ احتمل أن لا تبطل شفعته؛ لأنَّ ظاهر سيره أنه للطلب، وهو قول أصحاب الرأي، والعنبري، وقول للشافعي. • وقال أصحاب الرأي: له من الأجل بعد العلم قدر السير؛ فإن مضى الأجل قبل أن يبعث، أو يطلب؛ بطلت شفعته. • وقال العنبري: له مسافة الطريق ذاهبًا وجائيًا. قال أبو عبد الله غفر الله له: الراجح أنَّ له الشفعة، ولا يلزمه الإشهاد لعذره الظاهر؛ فإن تيسر له الرجوع، أو التوكيل في الشفعة، وإلا فيشفع عند رجوعه، ولو تأخر، والله أعلم. (١) قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٧/ ٤٦٣): ولا خلاف في أنه إذا عجز عن الإشهاد في سفره أن شفعته لا تسقط؛ لأنه معذور في تركه. اهـ مسألة [٤]: إذا لم يعلم الشريك بالبيع حتى باع المشتري لآخر ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٧/ ٤٦٥): الشَّفِيعُ بِالْخِيَارِ، إنْ شَاءَ فَسَخَ الْبَيْعَ الثَّانِيَ وَأَخَذَهُ بِالْبَيْعِ الْأَوَّلِ بِثَمَنِهِ؛ لِأَنَّ الشُّفْعَةَ وَجَبَتْ لَهُ قَبْلَ تَصَرُّفِ المُشْتَرِي، وَإِنْ شَاءَ أَمْضَى تَصَرُّفَهُ وَأَخَذَ بِالشُّفْعَةِ مِنْ المُشْتَرِي الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ شَفِيعٌ فِي الْعَقْدَيْنِ، فَكَانَ لَهُ الْأَخْذُ بِمَا شَاءَ مِنْهُمَا.

стр. 3476

ثم ذكر ﵀ مثل ذلك إذا تبايع ثلاثة، ثم ذكر أنه إن شفع بالعقد الأول رجع الثاني بماله على الأول، والثالث يرجع بماله على الثاني ... ، وهكذا. ثم قال: وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا، وَبِهِ يَقُولُ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَالْعَنْبَرِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. اهـ

стр. 3477

فَصْلٌ فِي ذِكْرِ بَعْضِ المَسَائِلِ المُلْحَقَة مسألة [١]: إذا تصرف المشتري في الشقص بغير البيع كالهبة والصدقة ؟ • مذهب الجمهور أن للشفيع فسخ هذا التصرف والأخذ بالشفعة؛ لأنَّ المشتري تعدى في تصرفه المذكور؛ لكونه يبطل حق الشفيع من الشفعة، وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد في رواية، وأصحاب الرأي، وابن حزم وغيرهم. • وعن الإمام أحمد رواية أنَّ الشفعة تسقط؛ لأنه أخرجها عن ملكه بما لا شفعة فيه. والقول الأول هو الصواب، والله أعلم. (١) مسألة [٢]: هل للصغير شفعة ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٧/ ٤٧٠): وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا بِيعَ فِي شَرِكَةِ الصَّغِيرِ شِقْصٌ؛ ثَبَتَتْ لَهُ الشُّفْعَةُ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ، مِنْهُمْ: الْحَسَنُ، وَعَطَاءٌ، وَمَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَسَوَّارٌ، وَالْعَنْبَرِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى: لَا شُفْعَةَ لَهُ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ النَّخَعِيِّ، وَالْحَارِثِ الْعُكْلِيِّ؛ لِأَنَّ الصَّبِيَّ لَا يُمْكِنُهُ الْأَخْذُ، وَلَا يُمْكِنُ انْتِظَارُهُ حَتَّى يَبْلُغَ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِضْرَارِ بِالْمُشْتَرِي، وَلَيْسَ لِلْوَلِيِّ الْأَخْذُ؛ لِأَنَّ مَنْ لَا يَمْلِكُ الْعَفْوَ لَا يَمْلِكُ الْأَخْذَ.

стр. 3478

قال ابن قدامة: وَلَنَا عُمُومُ الْأَحَادِيثِ، وَلِأَنَّهُ خِيَارٌ جُعِلَ لِإِزَالَةِ الضَّرَرِ عَنْ الْمَالِ، فَيَثْبُتُ فِي حَقِّ الصَّبِيِّ كَخِيَارِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ. وَقَوْلُهُمْ: لَا يُمْكِنُ الْأَخْذُ. غَيْرُ صَحِيحٍ؛ فَإِنَّ الْوَلِيَّ يَأْخُذُ بِهَا، كَمَا يَرُدُّ الْمَعِيبَ. وقَوْلُهُمْ: لَا يُمْكِنُهُ الْعَفْوُ. يَبْطُلُ بِالْوَكِيلِ فِيهِ، وَبِالرَّدِّ بِالْعَيْبِ؛ فَإِنَّ وَلِيَّ الصَّبِيِّ لَا يُمْكِنُهُ الْعَفْوُ، وَيُمْكِنُهُ الرَّدُّ. وَلِأَنَّ فِي الْأَخْذِ تَحْصِيلًا لِلْمِلْكِ لِلصَّبِيِّ، وَنَظَرًا لَهُ، وَفِي الْعَفْوِ تَضْيِيعٌ وَتَفْرِيطٌ فِي حَقِّهِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ مِلْكِ مَا فِيهِ الْحَظُّ مِلْكُ مَا فِيهِ تَضْيِيعٌ، وَلِأَنَّ الْعَفْوَ إسْقَاطٌ لِحَقِّهِ، وَالْأَخْذَ اسْتِيفَاءٌ لَهُ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ مِلْكِ الْوَلِيِّ اسْتِيفَاءَ حَقِّ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ، مِلْكُ إسْقَاطِهِ؛ بِدَلِيل سَائِرِ حُقُوقِهِ وَدُيُونِهِ. اهـ مسألة [٣]: إذا ترك الولي الشفعة فلم يشفع، فهل للصغير الشفعة بعد كبره ؟ • قال جماعة من أهل العلم: له الشفعة بعد الكبر، سواء عفا الولي، أم لم يعفُ، وسواء كان الحظ في الأخذ، أو في الترك. وهذا قول أحمد في رواية، والأوزاعي، وزُفر، ومحمد بن الحسن، وهو قولٌ للشافعي. • وقال أبو حنيفة، وأبو يوسف، وبعض الحنابلة: تصرف الولي نافذ، وليس له بعد ذلك الشفعة، لأن لم يحصل تصرف في مال الصبي، وإنما ترك الشراء، وهذا كما لو ترك شراء شيء يحتاجه الصبي. • وقال بعض أهل العلم: له الشفعة إذا لم يتصرف الولي بالأحظ، وكان الأحظ هو الأخذ، وهو مذهب المالكية، والشافعي، وبعض الحنابلة، واختاره شيخ

стр. 3479

الإسلام، وابن حزم، وهو الصحيح؛ لأنَّ الصبي محجور عليه، وتصرفات وليه نافذة عليه في البيع والشراء وغيرها، فكذلك في الشفعة، إلا أن يكون الولي لم يتصرف بالأحظ، فليس له الحق في إسقاط الحق، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، وحقوقه من جنس ماله. تنبيه: هذا الذي اخترناه فيما إذا أدرك نصيبه قبل انتقاله إلى يد أخرى بالبيع، أو تحولت العين إلى شيءٍ آخر، أو كانت أرضًا فبني عليها، أو تغيرت أسعار الأراضي تغيرًا كبيرًا، والله أعلم. (١) مسألة [٤]: إذا رأى الولي أنَّ الأحظ لليتيم الشفعة فشفع، فهل له نقضها بعد كبره ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٧/ ٤٧١): فَأَمَّا الْوَلِيُّ؛ فَإِنْ كَانَ لِلصَّبِيِّ حَظٌّ فِي الْأَخْذِ بِهَا، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ الشِّرَاءُ رَخِيصًا، أَوْ بِثَمَنِ الْمِثْلِ، وَلِلصَّبِيِّ مَالٌ لِشِرَاءِ الْعَقَارِ؛ لَزِمَ وَلِيَّهُ الْأَخْذُ بِالشُّفْعَةِ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ الِاحْتِيَاطَ لَهُ، وَالْأَخْذَ بِمَا فِيهِ الْحَظُّ، فَإِذَا أَخَذَ بِهَا؛ ثَبَتَ الْمِلْكُ لِلصَّبِيِّ، وَلَمْ يَمْلِكْ نَقْضَهُ بَعْدَ الْبُلُوغِ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، مِنْهُمْ: مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: لَيْسَ لِلْوَلِيِّ الْأَخْذُ بِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الْعَفْوَ عَنْهَا، فَلَا يَمْلِكُ الْأَخْذَ بِهَا، كَالْأَجْنَبِيِّ، وَإِنَّمَا يَأْخُذُ بِهَا الصَّبِيُّ إذَا كَبِرَ. وَلَا يَصِحُّ هَذَا؛ لِأَنَّهُ خِيَارٌ جُعِلَ لِإِزَالَةِ الضَّرَرِ عَنْ الْمَالِ،

стр. 3480

فَمَلَكَهُ الْوَلِيُّ فِي حَقِّ الصَّبِيِّ، كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فَسَادَ قِيَاسِهِ الْمَذْكُور فِي الْمَسْأَلَةِ السَّابِقَةِ. اهـ تنبيه: الحكم في المجنون، والسفيه كحكم الصبي فيما تقدم. (١) مسألة [٥]: إذا اشترى إنسان شقصًا بعرض، ثم وجد البائع في العرض عيبًا ؟ • من أهل العلم من يقول: البائع أحق بالأخذ من الشفيع؛ لأنَّ حق البائع أقدم، وفي تقديم حق الشفيع إضرار بالبائع بإسقاط حقه في الفسخ الذي استحقه، والضرر لا يزال بالضرر، هذا قول الحنابلة، ووجهٌ للشافعية، وقالوا في الوجه الآخر: يقدم حق الشفيع؛ لأنَّ حقه أسبق. وأُجيب عنهم: بمنع ذلك؛ لأنَّ حق البائع استند إلى وجود العيب، وهو موجود حال البيع، والشفعة تثبت بالبيع؛ فكان حق البائع سابقًا، وفي الشفعة إبطاله، فلم تثبت. والصحيح القول الأول، أعني أنَّ البائع أحق بالفسخ، والله أعلم. (٢) مسألة [٦]: إذا كان المشتري قد غرس، أو بنى في الشقص الذي يستحق فيه الشفعة ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٧/ ٤٧٥ - ): يُتَصَوَّر ذَلِكَ عَلَى وَجْهٍ مُبَاحٍ فِي مَسَائِلَ مِنْهَا: أَنْ يُظْهِرَ المُشْتَرِي أَنَّهُ وُهِبَ لَهُ، أَوْ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِهِ، أَوْ

стр. 3481

غَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا يَمْنَعُ الشَّفِيعَ مِنْ الْأَخْذِ بِهَا، فَيَتْرُكُهَا وَيُقَاسِمُهُ، ثُمَّ يَبْنِي المُشْتَرِي وَيَغْرِسُ فِيهِ. وَمِنْهَا: أَنْ يَكُونَ غَائِبًا فَيُقَاسِمَهُ وَكِيلُهُ، أَوْ صَغِيرًا فَيُقَاسِمَهُ وَلِيُّهُ، وَنَحْوُ ذَلِكَ، ثُمَّ يَقْدَمُ الْغَائِبُ، أَوْ يَبْلُغُ الصَّغِيرُ، فَيَأْخُذُ بِالشُّفْعَةِ. وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ غَائِبًا أَوْ صَغِيرًا، فَطَالَبَ المُشْتَرِي الْحَاكِمَ بِالْقِسْمَةِ، فَقَاسَمَ، ثُمَّ قَدِمَ الْغَائِبُ، وَبَلَغَ الصَّغِيرُ، فَأَخَذَهُ بِالشُّفْعَةِ بَعْدَ غَرْسِ المُشْتَرِي وَبِنَائِهِ؛ فَإِنَّ لِلْمُشْتَرِي قَلْعَ غَرْسِهِ وَبِنَائِهِ إنْ اخْتَارَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ، فَإِذَا قَلَعَهُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ تَسْوِيَةُ الْحَفْرِ، وَلَا نَقْصِ الْأَرْضِ. ذَكَرَهُ الْقَاضِي. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ غَرَسَ وَبَنَى فِي مِلْكِهِ. ثم ذكر عن بعض الحنابلة أنه ضمَّنه النقص. قال: فَإِنْ لَمْ يَخْتَرْ المُشْتَرِي الْقَلْعَ، فَالشَّفِيعُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: تَرْكِ الشُّفْعَةِ، وَبَيْنَ دَفْعِ قِيمَةِ الْغِرَاسِ وَالْبِنَاءِ فَيَمْلِكُهُ مَعَ الْأَرْضِ، وَبَيْنَ قَلْعِ الْغَرْسِ وَالْبِنَاءِ، وَيَضْمَنُ لَهُ مَا نَقَصَ بِالْقَلْعِ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّعْبِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَمَالِكٌ، وَاللَّيْثُ، وَالشَّافِعِيُّ، وَالْبَتِّيُّ، وَسَوَّارٌ، وَإِسْحَاقُ. وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ: يُكَلِّفُ المُشْتَرِي الْقَلْعَ، وَلَا شَيْءَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ بَنَى فِيمَا اسْتَحَقَّ غَيْرُهُ أَخْذَهُ، فَأَشْبَهَ الْغَاصِبَ. اهـ قال أبو عبد الله غفر الله له: قول الجمهور أقرب، والله أعلم. وأُجيب عن القول الثاني: بأنَّ الغاصب غرس وبنى في حق غيره، وملك غيره،

стр. 3482

وأما المشتري فقد غرس وبنى في حقه. (١) تنبيه: قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٧/ ٤٧٧): وَلَمْ يَذْكُرْ أَصْحَابُنَا كَيْفِيَّةَ وُجُوبِ الْقِيمَةِ؛ فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْأَرْضَ تُقَوَّمُ وَفِيهَا الْغِرَاسُ وَالْبِنَاءُ، ثُمَّ تُقَوَّمُ خَالِيَةً مِنْهُمَا، فَيَكُونُ مَا بَيْنَهُمَا قِيمَةَ الْغَرْسِ وَالْبِنَاءِ، فَيَدْفَعُهُ الشَّفِيعُ إلَى المُشْتَرِي إنْ أَحَبَّ أَوْ مَا نَقَصَ مِنْهُ إنْ اخْتَارَ الْقَلْعَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الَّذِي زَادَ بِالْغَرْسِ وَالْبِنَاءِ. اهـ (٢) مسألة [٧]: وإن كان المشتري زرع زرعًا ؟ • أما الزرع فذكر أهل العلم أنَّ للشفيع الأخذ بالشفعة، ويبقى زرع المشتري إلى أوان الحصاد؛ لأنَّ ضرره لا يتباقى، ولا أجرة عليه عند كثير منهم، والأقرب أن عليه الأجرة على بقائه في ملك الشفيع بعد الشفعة، لا على ما مضى؛ إلا أن يتراضيا على تركها؛ لأنه زرعه في ملكه. وقال بعضهم: عليه الأجرة. واستظهره ابن رجب، وصوَّبه المرداوي. (٣) مسألة [٨]: إذا تلف بعض الشقص، فهل تسقط الشفعة ؟ • مذهب الجمهور أنَّ للشفيع أخذ الباقي بحصته من الثمن، وقال أبوحنيفة وهو قولٌ للشافعي: إذا كان التلف بغير فعل آدمي، بل سماوي؛ فليس له الشفعة.

стр. 3483

والصحيح قول الجمهور؛ لأنَّ للشفيع الحق بالشفعة، فما هو الدليل على سقوطها بذهاب بعض الشقص، والله أعلم. (١) مسألة [٩]: الثمن الذي يأخذ به الشفيع ؟ • أما كميته: فهو الذي استقر عليه العقد، فلو تبايعا بقدر، ثم غَيَّراه في زمن الخيار بزيادة أو نقص؛ ثبت ذلك التغير في حق الشفيع؛ لأنَّ حق الشفيع إنما يثبت إذا تمَّ العقد، فأما إذا انقضى الخيار وانبرم العقد، فزادا أو نقصا؛ لم يلحق العقد؛ لأنَّ الزيادة بعده هبة، والنقص إبراء، ولا يثبت ذلك في حق الشفيع، هذا قول الحنابلة، والشافعية. • وقال أبو حنيفة: يثبت النقص في حق الشفيع دون الزيادة. • وقال مالك: إن بقي ما يكون ثمنًا؛ أخذ به، وإن حطَّ الأكثر؛ أخذه بجميع الثمن الأول. والصواب هو القول الأول؛ لأنَّ ثمن المبيع يحصل عند استقرار العقد، والله أعلم. (٢) • وأما كيفية الثمن: فإن كان مثليًّا كالدراهم، والدنانير، فيعطيه مثلها، وإن كان غير مثلي، فالجمهور على أنَّ له الشفعة، وعليه قيمتها. وقال الحسن، وسوَّار: لا شفعة له.

стр. 3484

قلتُ: والصحيح هو قول الجمهور، إلا أنهم يتوسعون فيما لا مثل له، وقد أشرنا إلى ذلك سابقًا، والصحيح أن ما كان مثله، أو مقاربًا له بتفاوت يسير يجزئ، والله أعلم. (١) • ووقت القيمة المعتبر هو يوم انقضاء الخيار واستقرار العقد عند الحنابلة، والشافعية وهو الصحيح. • وقال مالك: عليه القيمة يوم المحاكمة. • وللحنابلة وجهٌ بأنه وقت وجوب الشفعة. (٢) مسألة [١٠]: إذا كان الثمن مؤجلًا فهل يستحقه الشفيع مؤجلًا ؟ • ذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه يستحقه مؤجلًا؛ لأنَّ الشفيع تابع للمشتري في قدر الثمن، وصفته، والتأجيل من صفته، وقالوا: يستحقه إن كان مليئًا، وإلا أقام ضمينًا مليئًا حتى لا يلحق المشتري الضرر بذلك، وهذا قول أحمد، ومالك، وإسحاق، وقال به ابن حزم؛ إلا أنه لم يشترط كونه مليئًا. وقال الثوري: لا يأخذها إلا بالنقد حالًا. • وقال الشافعي، وأبو حنيفة: لا يأخذها إلا بالثمن حالًا، أو ينتظر مضي الأجل، ثم يأخذها حينئذٍ. قلتُ: والقول الأول أقرب، والله أعلم. (٣)

стр. 3485

مسألة [١١]: إذا كان الشريك معسرًا لا يستطيع أن يدفع الثمن للمشتري، فهل يشفع ؟ ذكر أهل العلم أنَّ الشريك لا يشفع إذا كان لا يقدر على الشفعة، ولو ألزمنا المشتري؛ لكان الضرر الواضح واقعًا به، ولا يزال الضرر بالضرر، ومثله لو أحضر ضمينًا، أو رهنًا، أو عوضًا؛ فإنَّ المشتري لا يلزمه قبول ذلك. • وإن كان الشفيع عنده مال، ولكنه تعذر عليه في الحال، فقال أحمد، ومالك: ينتظر يومًا أو يومين. • وقال ابن شبرمة، والثوري: ينتظر ثلاثة أيام. • وقال الحنفية: لا يشفع إلا بحضور الثمن. • وعن أحمد: يرجع ذلك إلى رأي الحاكم. قال المرداوي: وهو الصواب في وقتنا هذا. قلتُ: وهذا أرجح الأقوال، والله أعلم، فيحدد له الحاكم مدة تكفيه في ذلك لا يحصل على المشتري فيها ضررٌ؛ فإن لم يأت بالمال سقطت الشفعة. (١) مسألة [١٢]: الحِيلة لإسقاط الشفعة . معنى الحيلة: أن يظهروا في البيع شيئًا لا يؤخذ بالشفعة معه، ويتواطؤون في الباطن على خلافه، مثل أن يشتري شقصًا يساوي عشرة دنانير بمائة دينار، ثم

стр. 3486

يقضيه عشرة دنانير، أو مائة درهم، أو يشتري البائع من المشتري عبدًا قيمته مائة، بألفٍ في ذمته، ثم يبيعه الشقص بالألف، أو يشتري شقصًا بألف، ثم يبرئه البائع من تسعمائة، وغير ذلك من الصور. • فمذهب كثير من أهل العلم أن الحيلة لا تُسقط الشفعة، بل للشفيع أن يأخذ بالثمن الذي أخذ المشتري به في حقيقة الأمر، وهو قول أحمد، وابن أبي شيبة، والجوزجاني، وأبي أيوب، وأبي حنيفة، وهو ترجيح شيخ الإسلام، وابن القيم؛ للأدلة الكثيرة في تحريم الحِيَل. • وقال أصحاب الرأي، والشافعي: يجوز ذلك، وتسقط به الشفعة؛ لأنه لم يأخذ بما وقع البيع؛ فلم يجزْ كما لو لم يكن حيلة. والصواب القول الأول، والله أعلم. (١) مسألة [١٣]: إذا ادَّعَى الشفيع وقوع الحيلة، وأنكر ذلك المشتري ؟ إن كان للشفيع على ذلك بينة، وإلا فالقول قول المشتري، وعليه اليمين. (٢) مسألة [١٤]: إذا اختلف الشفيع والمشتري في الثمن ؟ إذا لم يكن لأحدهما بينة؛ فالذي عليه أهل العلم أنَّ القول قول المشتري، وعليه اليمين. (٣)

стр. 3487

مسألة [١٥]: إذا باع نصيبه وله أكثر من شريك ؟ • اختلف أهل العلم في كيفية الشفعة للشركاء على قولين: الأول: يشفع الشركاء كل واحد بقدر نصيبه؛ فإن كان لأحدهم النصف، وللآخر الربع؛ كان لصاحب النصف من الشقص ضعف الآخر، وهذا قول الحسن، وابن سيرين، وعطاء، ومالك، وأحمد، وإسحاق، وسوار، وأبي عبيد، وأحد قولي الشافعي؛ لأنه حقٌّ يستفاد بالملك؛ فكان على قدر أملاكهم. الثاني: يشفع الشركاء بالتساوي، فإذا كانا اثنين؛ شفعا فيه بالنصف، وإن كانوا ثلاثة؛ شفعوا فيه بالثلث؛ لأنَّ كل واحد منهم قلَّ نصيبه أو كثر يستحق الشفعة إذا انفرد بكل الأرض، فإذا اجتمعوا كانت بينهم بالسوية؛ لأنَّ لكل واحد منهم الحق بشركته. وهذا قول النخعي، والشعبي، وابن شبرمة، والثوري، وابن أبي ليلى، والبتي، والعنبري، وأحد قولي الشافعي، والظاهرية، وهو رواية عن أحمد، وقال به ابن المنذر. قال أبو عبد الله غفر الله له: وهذا القول هو الصواب، والله أعلم. (١) مسألة [١٦]: لو كان لأخوين أرض، فمات أحدهما عن ابنين، ثم باع أحد الابنين نصيبه، فلمن الشفعة ؟ • يقول بعض أهل العلم في هذه الصورة وما يشبهها: إن الابن الآخر أحق بالشفعة؛ لأنَّ شركته أخص من عمه من حيث إن سبب شركته مع أخيه واحد.

стр. 3488

وهذا قول مالك، والشافعي في القديم، والأصح أنه شريك لعمه في الشفعة، وهو مذهب أحمد، والشافعي، وأبي حنيفة، وقال به المزني؛ لأن كل واحد منهما شريك للبائع، والخلاف في قدر ما لكل واحد منهما كالخلاف المتقدم في المسألة السابقة. (١) مسألة [١٧]: من اشترى شقصًا من أرض مشتركة، فترك بعضهم الشفعة، وأراد بعضهم الشفعة ؟ قال الإمام ابن المنذر ﵀ في «الأوسط» (١٠/ ٤٩٥): كل من نحفظ عنه من أهل العلم يقول: من اشترى شقصا من أرض مشتركة، فسلم بعضهم الشفعة، وأراد بعضهم أن يأخذ، فلمن أراد الأخذ أن يأخذ الحصة التي بيعت كلها، أو يدع، وليس له أن يأخذ بقدر حقه، ويترك ما بقي. كذلك قال مالك، وهو مذهب الشافعي، وبه قال أصحاب الرأي. اهـ مسألة [١٨]: إذا كان المشتري شريكًا، فهل للشريك الآخر الشفعة ؟ • قال الحسن، والشعبي، والبتي: لا شفعة للآخر؛ لأنَّ المشتري شريكٌ، ولا ضرر على الآخر؛ لكون شركة المشتري موجودة من قبل الشراء. • ومذهب الأكثر أنَّ له الشفعة بقدر نصيبه، وهو قول الحنابلة، والحنفية، والشافعية، وابن حزم، وهذا أقرب والله أعلم، وتقدم الخلاف في قدر نصيبه. (٢)

стр. 3489

مسألة [١٩]: إذا اشترى رجل من رجلين شقصًا، فهل للشفيع أن يشفع بنصيب أحدهما فقط ؟ • مذهب الحنابلة، والشافعية أنَّ للشفيع أن يشفع بنصيب أحدهما فقط؛ لأنَّ البيع وإن كان صفقة واحدة فهما عقدان؛ لأنه اشترى من كل واحد نصيبه. • ومذهب أبي حنيفة، ومالك، وبعض الحنابلة أنه ليس له الشفعة إلا بالنصيبين حتى لا تتبعض الصفقة على المشتري فيتضرر. والصحيح أن الصفقة إذا كانت بتبعضها يحصل الضرر على المشتري؛ فليس له الشفعة إلا بالنصيبين، وإن كانت بتبعضها لا يحصل ضرر على المشتري؛ فيجوز له أن يشفع بنصيب أحدهما، والله أعلم. (١) مسألة [٢٠]: إذا اشترى اثنان نصيب واحد، فهل لشريكه الشفعة في نصيب واحد منهم فقط ؟ • أكثر العلماء على أنَّ له الشفعة في نصيب واحد منهم، وبه قال أحمد، ومالك، والشافعي، وأبو حنيفة في إحدى الروايتين عنه، وقال في الأخرى: يجوز ذلك بعد القبض، ولا يجوز قبل القبض؛ لأنَّ قبل القبض تتبعض صفقة البائع، وقول الجمهور هو الصواب؛ إلا أنه إذا كان المشتريان أراداها مشتركة، ويحصل الضرر عليهما في تبعيض السلعة، فالذي يظهر أنه في هذه الحال ليس له أن يشفع إلا في

стр. 3490

المبيع كاملًا، والله أعلم. (١) مسألة [٢١]: عهدة الشفيع على المشتري، أم البائع ؟ ومعنى العهدة: أي إذا وجد بالشقص عيبًا، أو خرج مستحقًّا فعلى من يرجع؟ • فمذهب الحنابلة، والشافعية، والمالكية أنه يرجع على المشتري، والمشتري يرجع على البائع؛ لأنَّ الشفيع أخذه من المشتري. • وقال ابن أبي ليلى، والبتي: يرجع على البائع؛ لأنه هو المالك الأصلي. • وقال أبو حنيفة: يرجع على من أخذه منه. والقول الأول هو الصحيح، والله أعلم. (٢) مسألة [٢٢]: إذا مات الشفيع قبل الطلب بالشفعة، فهل تورث عنه ؟ • ذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنَّ الشفعة تسقط، ولا تورث عنه، وهو قول الحسن، وابن سيرين، والشعبي، والنخعي، والثوري، وأحمد، وإسحاق، والظاهرية، وأصحاب الرأي؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- جعل الخيار للشريك لا لورثته، فإذا مات ولم يطالب؛ سقطت. • وقال بعض أهل العلم: لا تسقط، بل للورثة أن يطالبوا بالشفعة؛ لأنها من حقوق الأرض، وقد ورثوا الأرض، فيتبعها الحقوق المتعلقة بها، وهذا قول

стр. 3491

مالك، والشافعي، والعنبري، واختاره الشيخ ابن عثيمين ﵀، وهو الراجح؛ لأنها حق من الحقوق؛ فلا تسقط بالموت، والله أعلم. (١) تنبيه: إذا طالب الشريك بالشفعة، ثم مات؛ ورثت بلا خلاف كما ذكر ذلك ابن قدامة في المصدر المتقدم. مسألة [٢٣]: إذا مات المفلس هل تنتقل الشفعة إلى الورثة إذا كان قد طالب ؟ • مذهب الحنابلة، والشافعية أنها تنتقل إلى الورثة؛ لأنها حق من حقوق مورثهم، فلا يسقط حقه لكونه مفلسًا، وحقوق الغرماء متعلقة بالتركة، وليست حقوقهم واجبة في عين التركة. • وقال أبو حنيفة: لا شفعة للورثة؛ لأنَّ الحق انتقل إلى الغرماء. وأُجيب: بعدم التسليم بأنَّ التركة انتقلت إلى الغرماء، بل هي للورثة؛ بدليل أنه لو زاد ثمنها لما أعطي الغرماء إلا حقهم فقط، وإنما يتعلق حقهم بها كما أشرنا إلى ذلك، والقول الأول هو الراجح، والله أعلم. مسألة [٢٤]: توكل الشفيع في البيع أو الشراء هل يسقط حقه من الشفعة ؟ • من أهل العلم من قال: لا تسقط الشفعة، سواء كان وكيلًا للبائع أو للمشتري، وهذا قول الشافعي، وبعض الحنابلة. • ومنهم من قال: تسقط إذا كان وكيلًا للبائع دون المشتري؛ لأنه ربما حابى

стр. 3492

في الثمن؛ لأنه سيشفع. وهذا قول بعض الشافعية، وبعض الحنابلة. • ومنهم من قال: تسقط إذا كان وكيلًا للمشتري، وهو قول الحنفية. والصحيح أنها تسقط مطلقًا؛ لأنه يعلم بالبيع وأقره، وفي الحديث المتقدم: «لا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه»، والله أعلم. (١) مسألة [٢٥]: هل للكافر على المسلم شفعة ؟ • ذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا شفعة للكافر على المسلم، وهو قول الحسن، والشعبي، والحنابلة، وذلك لأنه يصير له السلطة على المسلم، والكافر ذليل لا يجعل له سلطة على المسلم، واستدل بعضهم بحديث: «لا شفعة لنصراني»، وهو حديث ضعيفٌ باطل، أخرجه البيهقي (٦/ ١٠٨)، والدارقطني في «العلل» (١٢/ ٦١)، من حديث أنس، وفي إسناده: نائل بن نجيح، تكلم فيه الدارقطني، وابن عدي، وهذا الحديث مما أنكر عليه، وقد صوَّب الدارقطني، والبيهقي أنه من قول الحسن، وقال أبو حاتم في الحديث: باطل. • وذهب الأكثر إلى أن للذمي شفعة على المسلم؛ لعموم الأحاديث، وكما أن له الرد بالعيب على المسلم؛ لأن هذا من حقوقه، فكذلك ههنا، وهو قول شريح، والنخعي، وإياس، وعمر بن عبد العزيز، وحماد، والثوري، ومالك، والشافعي، والعنبري، وأصحاب الرأي. وهذا القول هو الصواب، والله أعلم. (٢)

стр. 3493

مسألة [٢٦]: الشفعة بشركة الوقف . صورتها: أن تكون الأرض بين رجلين أحدهما مالك، والآخر نصيبه موقوف عليه، فإذا أراد المالك أن يبيع نصيبه، فهل لشريك الوقف أن يشفع؟ • أكثر الحنابلة، والشافعية أنه لا شفعة له؛ لكونه ليس بمالك. وقال بعض الحنابلة، والشافعية: له الشفعة؛ لوجود الضرر الحاصل في حق المالك، وهذا القول رجحه الإمام ابن عثيمين ﵀، وهو الصحيح، والله أعلم. (١) مسألة [٢٧]: هل النماء والغلة للمشتري، أم للشفيع ؟ إذا كانت منفصلة؛ فهي للمشتري عند أهل العلم. • وإن كانت متصلة فذهب جماعة من الفقهاء إلى أنها للشفيع، ورجَّح الإمام ابن عثيمين ﵀ أنها للمشتري، فيعطيه الشفيع قيمة الزيادة، وهو مقتضى قول الجمهور كما تقدم في المسألة (٦). (٢) مسألة [٢٨]: إذا باع شقصًا ومعه شيء آخر لا شفعة فيه ؟ • مذهب الجمهور أنَّ الشفيع له أن يأخذ الشقص بحصته من الثمن. • وقال البتي، وسوار، والعنبري، وابن حزم: يأخذ الكل، أو يترك الكل حتى

стр. 3494

لا يبعض الصفقة. وقول الجمهور هو الصواب، والله أعلم. (١) مسألة [٢٩]: إذا ادَّعى الشفيع أنَّ الشقص مشترى، وقال الآخر: إنما هو هبة ؟ على الشريك البينة على قوله، وإلا فالقول قول الآخر مع يمينه، وعلى هذا عامة أهل العلم. (٢) مسألة [٣٠]: هل الإقالة في البيع تمنع الشفعة ؟ قال الإمام ابن المنذر ﵀ في «الأوسط» (١٠/ ٤٩٦): وأجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم فيمن اشترى شقصًا، وللشقص شفيع؛ فأقاله البائع، وطلب الشفيع شفعته، أن الشفيع أحق بشفعته بالثمن الذي باع ذلك به. كذلك قال مالك، وعبيد الله بن الحسن، وأصحاب الرأي. اهـ ونقل ابن رشد أيضًا الإجماع على أنَّ الإقالة لا تبطل الشفعة كما في «بداية المجتهد». وقال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٧/ ٤٦٧): فإن قايل البائع المشتري، أو رده عليه بعيب؛ فللشفيع فسخ الإقالة، والرد والأخذ بالشفعة؛ لأن حقه سابق عليهما، ولا يمكنه الأخذ معهما، وإن تحالفا على الثمن، وفسخا البيع؛ فللشفيع أن يأخذ الشقص بما حلف عليه البائع؛ لأن البائع مقر بالبيع بالثمن الذي حلف عليه، ومقر للشفيع باستحقاق الشفعة بذلك، فإذا بطل حق المشتري بإنكاره لم يبطل حق الشفيع بذلك، وله أن يبطل فسخهما ويأخذ؛ لأن حقه أسبق. اهـ

стр. 3495

بَابُ القِرَاض ٨٩٤ - عَنْ صُهَيْبٍ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «ثَلَاثٌ فِيهِنَّ البَرَكَةُ، البَيْعُ إلَى أَجَلٍ، وَالمُقَارَضَةُ، وَخَلْطُ البُرِّ بِالشَّعِيرِ لِلْبَيْتِ، لَا لِلْبَيْعِ». رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ. (١) ٨٩٥ - وَعَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ ﵁ أَنَّهُ كَانَ يَشْتَرِطُ عَلَى الرَّجُلِ إذَا أَعْطَاهُ مَالًا مُقَارَضَةً: أَنْ لَا تَجْعَلَ مَالِي فِي كَبِدٍ رَطْبَةٍ، وَلَا تَحْمِلَهُ فِي بَحْرٍ، وَلَا تَنْزِلَ بِهِ فِي بَطْنٍ مَسِيلٍ؛ فَإِنْ فَعَلْت شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَقَدْ ضَمِنْت مَالِي. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ. (٢) وَقَالَ مَالِكٌ فِي «المُوَطَّإِ»: عَنِ العَلَاءِ بْنِ عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: إنَّهُ عَمِلَ فِي مَالٍ لِعُثْمَانَ عَلَى أَنَّ الرِّبْحَ بَيْنَهُمَا. وَهُوَ مَوْقُوفٌ صَحِيحٌ. (٣)

стр. 3496

المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث مع ذكر بعض المسائل الملحقة مسألة [١]: تعريف القراض . معناه عند الفقهاء: أن يدفع رجلٌ إلى آخر مالًا يتجر له فيه على أن ما حصل من الربح بينهما على حسب ما يشترطانه. أهل الحجاز يسمونه (قراضًا). وأهل العراق يسمونه (مضاربة). فأما تسميته قراضًا، فقيل: هو مشتق من القطع؛ فكأن صاحب المال اقتطع من ماله قطعة وسلمها إلى العامل، واقتطع له قطعة من الربح. وقيل: اشتقاقه من المساواة، والموازنة، يقال: تقارض الشاعران، إذا وازن كل واحد منهما الآخر بشعره وههنا من العامل العمل ومن الآخر المال؛ فتوازنا. وتسميته (مضاربة) مأخوذ من الضرب في الأرض، وهو السفر فيها للتجارة، قال تعالى: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ [المزمل:٢٠]، ويحتمل أن يكون من ضرب كل واحد منها في الربح بسهم. (١) مسألة [٢]: مشروعية القراض . قال ابن حزم ﵀ في «المحلى» (١٣٦٧): القراض كان في الجاهلية، وكانت قريش أهل تجارة لا معاش لهم من غيرها، وفيهم الشيخ الكبير الذي لا يطيق السفر، والمرأة، والصغير، واليتيم، فكانوا وَذَوُو الشغل والمرض يُعْطُون المال

стр. 3497

مضاربة لمن يتجر به بجزء مُسَمَّى من الربح، فأقر رسول الله ﷺ ذلك في الإسلام، وعمل به المسلمون عملًا متيقنًا لا خلاف فيه، ولو وجد فيه خلاف ما التفت إليه؛ لأنه نقل كافة بعد كافة إلى زمن رسول الله ﷺ وعلمه بذلك، وقد خرج ﷺ في قراض بمال خديجة ﵂ (١). ا هـ وقال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٧/ ١٣٣): وأجمع أهل العلم على جواز المضاربة في الجملة. اهـ وقال ابن حزم ﵀ في «مراتب الإجماع» (ص ١٦٢): كل أبواب الفقه ليس منها باب إلا وله أصلٌ في القرآن والسنة نعلمه ولله الحمد حاشا القراض، فما وجدنا له أصلًا فيهما ألبتة، ولكنه إجماع صحيح مجرد، والذي نقطع عليه أنه كان في عصر النبي ﷺ ، فأقرَّه. انتهى المراد. (٢) قلتُ: وقد صحَّ عن بعض الصحابة ذلك، ولا مخالف لهم، كحكيم بن حزام، وابن عمر، وقضى به عمر، وفعله عثمان كما في الباب. (٣) مسألة [٣]: تقدير نصيب العامل . اشترط أهل العلم للمضاربة تقدير نصيب العامل من الربح. قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٧/ ١٤٠): وَمَنْ شَرْطِ صِحَّةِ الْمُضَارَبَةِ

стр. 3498

تَقْدِيرُ نَصِيبِ الْعَامِلِ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَحِقُّهُ بِالشَّرْطِ، فَلَمْ يُقَدَّرْ إلَّا بِهِ. وَلَوْ قَالَ: خُذْ هَذَا الْمَالَ مُضَارَبَةً. وَلَمْ يُسَمِّ لِلْعَامِلِ شَيْئًا مِنْ الرِّبْحِ، فَالرِّبْحُ كُلُّهُ لِرَبِّ الْمَالِ، وَالْوَضِيعَةُ عَلَيْهِ، وَلِلْعَامِلِ أَجْرُ مِثْلِهِ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ. وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ. وَقَالَ الْحَسَنُ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَالْأَوْزَاعِيُّ: الرِّبْحُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ؛ كَمَا لَوْ قَالَ: وَالرِّبْحُ بَيْنَنَا. وَأُجِيْبَ بِالْفَرْقِ بَيْنَ الصُّوْرَتَيْنِ، فَمَسْأَلَةُ الْبَابِ لَم يُحَدَّدْ الرِّبْح؛ فَصَارَ مَجهولًا، فَلَا تَصِحُّ الْمُضَارَبَةُ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: (الرِّبْحُ بَيْنَنَا)؛ فَهُوَ إِضَافَةٌ إلَيْهِمَا إضَافَةً وَاحِدَةً، لَمْ يَتَرَجَّحْ فِيهَا أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ، فَاقْتَضَى التَّسْوِيَةَ. انتهى بتصرف. وقال ابن القيم ﵀ في «أعلام الموقعين» (١/ ٣٨٦ - ٣٨٧): الصَّوَابُ أَنَّهُ يَجِبُ فِي الْمُضَارَبَةِ الْفَاسِدَةِ بِرِبْحِ الْمِثْلِ، فَيُعْطَى الْعَامِلُ مَا جَرَتْ الْعَادَةُ أَنْ يُعْطَاهُ مِثْلُهُ، إمَّا نِصْفَهُ أَوْ ثُلُثَهُ. فَأَمَّا أَنْ يُعْطَى شَيْئًا مُقَدَّرًا مَضْمُونًا فِي ذِمَّةِ الْمَالِكِ كَمَا يُعْطَى فِي الْإِجَارَةِ وَالْجَعَالَةِ؛ فَهَذَا غَلَطٌ مِمَّنْ قَالَهُ، وَسَبَبُ غَلَطِهِ ظَنُّهُ أَنَّ هَذِهِ إجَارَةٌ، فَأَعْطَاهُ فِي فَاسِدِهَا عِوَضَ الْمِثْلِ كَمَا يُعْطِيهِ فِي الصَّحِيحِ الْمُسَمَّى، وَمِمَّا يُبَيِّنُ غَلَطَ هَذَا الْقَوْلِ أَنَّ الْعَامِلَ قَدْ يَعْمَلُ عَشْرَ سِنِينَ أَوْ أَكْثَرَ، فَلَوْ أُعْطِيَ أُجْرَةَ الْمِثْلِ؛ أُعْطِيَ أَضْعَافَ رَأْسِ الْمَالِ، وَهُوَ فِي الصَّحِيحَةِ لَا يَسْتَحِقُّ إلَّا جُزْءًا مِنْ الرِّبْحِ إنْ كَانَ هُنَاكَ رِبْحٌ، فَكَيْفَ يَسْتَحِقُّ فِي الْفَاسِدَةِ أَضْعَافَ مَا يَسْتَحِقُّهُ فِي الصَّحِيحَةِ. اهـ وهذا الذي قرره ابن القيم قال به مالك في رواية، واختاره الشيخ ابن عثيمين

стр. 3499

-﵀، وهو الصواب، والله أعلم. ثم رأيت شيخ الإسلام يقول بهذا القول كما في «الإنصاف» (٥/ ٣٨٤). (١) مسألة [٤]: إذا دفع رب المال إلى العامل مالًا وطلب منه إضافة مال إليه، ثم يعمل وللعامل ربح أكثر ؟ • مذهب الحنابلة جواز ذلك، ويكون شركة وقراضًا؛ لأنهما تساويا في المال، وانفرد أحدهما بالعمل؛ فجاز أن ينفرد بزيادة الربح. • ومذهب الشافعية أنَّ ذلك لا يصح؛ لأنَّ الشركة إذا وقعت على المال كان الربح تابعًا له دون العمل. وأُجيب: بمنع ذلك؛ فإن الربح تابع للمال والعمل كما أنه حاصل بهما. قال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب مذهب الحنابلة، بل لو جعلا الربح بالسوية مع وجود العمل من أحدها، أو جعل للعامل أقل؛ جاز ذلك إذا وجد التراضي كما بيَّنَّا ذلك في باب الشركة. (٢) مسألة [٥]: إذا قدر صاحب المال نصيبه من الربح ولم يقدر نصيب العامل ؟ وذلك كأن يقول: تاجر بهذا المال، ولي ثلث الربح، ففيه قولان: الأول: تصح المضاربة، وللعامل بقية الربح، وهو قول جماعة من الحنابلة،

стр. 3500

وجماعة من الشافعية، وأبي ثور، وأصحاب الرأي؛ لأنَّ الربح لهما لا يستحقه غيرهما، فإذا قدر نصيب أحدهما منه؛ فالباقي للآخر من مفهوم اللفظ. الثاني: لا تصح؛ لأنَّ العامل إنما يستحق بالشرط، ولم يشترط له شيء، وهذا قول بعض الحنابلة، وبعض الشافعية، والقول الأول هو الصواب. (١) مسألة [٦]: إذا قال: خذ هذا المال فاتَّجِرْ به، والربح كله لك. أو: والربح كله لي ؟ ذكر أهل العلم أنه إن قال: (خذ هذا المال، والربح كله لك) أنَّ هذا يُعَدُّ قرضًا لا قراضًا. وإذا قال: (والربح كله لي) يُعدُّ إيضاعًا، لا قراضًا. (٢) مسألة [٧]: إذا قال: خذ هذا المال مضاربة، والربح كله لك. أو: كله لي ؟ • مذهب أحمد، والشافعي أنَّ هذا لا يصح؛ لأنه شرط ينافي مقتضى المضاربة؛ فإنَّ مقتضاها الاشتراك في الربح. • ومذهب أبي حنيفة أنه يصح، ويكون قرضًا، أو إيضاعًا كما تقدم في التي قبلها. • ومذهب مالك أنه يصح، وتكون مضاربة صحيحة، والشرط في الربح لأحدهما يجري مجرى الهبة. قال أبو عبد الله غفر الله له: إن قصد أن يكون (قرضًا) أو (إيضاعًا) كان ذلك

стр. 3501

كما قال أبو حنيفة، والعبرة بالمعاني لا بالألفاظ، وإن قصد مضاربة؛ فالراجح قول مالك، والله أعلم. (١) مسألة [٨]: إذا ضارب رجلين، فقال: لكما كذا وكذا من الربح. ولم يبين كم لكل واحد منهما ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٧/ ١٤٣): وَيَجُوزُ أَنْ يَدْفَعَ مَالًا إلَى اثْنَيْنِ مُضَارَبَةً فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ؛ فَإِنْ شَرَطَ لَهُمَا جُزْءًا مِنْ الرِّبْحِ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ؛ جَازَ، وَإِنْ قَالَ: لَكُمَا كَذَا وَكَذَا مِنْ الرِّبْحِ. وَلَمْ يُبَيِّنْ كَيْفَ؛ فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ؛ لِأَنَّ إطْلَاقَ قَوْلِهِ بَيْنَهُمَا يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ، كَمَا لَوْ قَالَ لِعَامِلِهِ: وَالرِّبْحُ بَيْنَنَا. وَإِنْ شَرَطَ لِأَحَدِهِمَا ثُلُثَ الرِّبْحِ وَلِلْآخَرِ رُبْعَهُ، وَجَعَلَ الْبَاقِيَ لَهُ؛ جَازَ. وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ. وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُمَا شَرِيكَانِ فِي الْعَمَلِ بِأَبْدَانِهِمَا، فَلَا يَجُوزُ تَفَاضُلُهُمَا فِي الرِّبْحِ كَشَرِيكَيْ الْأَبْدَانِ. وَلَنَا: أَنَّ عَقْدَ الْوَاحِدِ مَعَ الِاثْنَيْنِ عَقْدَانِ، فَجَازَ أَنْ يَشْتَرِطَ فِي أَحَدِهِمَا أَكْثَرَ مِنْ الْآخَرِ، كَمَا لَوْ انْفَرَدَ. وَلِأَنَّهُمَا يَسْتَحِقَّانِ بِالْعَمَلِ وَهُمَا يَتَفَاضَلَانِ فِيهِ؛ فَجَازَ تَفَاضُلُهُمَا فِي الْعِوَضِ كَالْأَجِيرَيْنِ. وَلَا نُسَلِّمُ وُجُوبَ التَّسَاوِي فِي شَرِكَةِ الْأَبْدَانِ، بَلْ هِيَ كَمَسْأَلَتِنَا فِي جَوَازِ تَفَاضُلِهِمَا، ثُمَّ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ ذَلِكَ عَقْدٌ وَاحِدٌ، وَهَذَانِ عَقْدَانِ. اهـ قلتُ: والصحيح مذهب أحمد، والشافعي، والله أعلم.

стр. 3502

مسألة [٩]: إذا قارض اثنان واحدًا بمال لهما، وشرط له كل واحد ربحًا غير ربح صاحبه ؟ قال أبو محمد ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٧/ ١٤٣): وَإِنْ قَارَضَ اثْنَانِ وَاحِدًا بِأَلْفٍ لَهُمَا؛ جَازَ. وَإِذَا شَرَطَا لَهُ رِبْحًا مُتَسَاوِيًا مِنْهُمَا؛ جَازَ. وَإِنْ شَرَطَ أَحَدُهُمَا لَهُ النِّصْفَ، وَالْآخَرُ الثُّلُثَ؛ جَازَ، وَيَكُونُ بَاقِي رِبْحِ مَالِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ. وَإِنْ شَرَطَا كَوْنَ الْبَاقِي مِنْ الرِّبْحِ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ؛ لَمْ يَجُزْ. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَكَلَامُ الْقَاضِي يَقْتَضِي جَوَازَهُ. وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَلَنَا أَنَّ أَحَدَهُمَا يَبْقَى لَهُ مِنْ رِبْحِ مَالِهِ النِّصْفُ، وَالْآخَرَ يَبْقَى لَهُ الثُّلُثَانِ. فَإِذَا اشْتَرَطَا التَّسَاوِي فَقَدْ شَرَطَ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ جُزْءًا مِنْ رِبْحِ مَالِهِ بِغَيْرِ عَمَلٍ، فَلَمْ يَجُزْ، كَمَا لَوْ شَرَطَ رِبْحَ مَالِهِ الْمُنْفَرِدِ. اهـ قلتُ: وما المانع من ذلك إذا طابت نفسه بذلك بعد معرفته بالمقدار؟! فالصحيح قول أبي ثور، وأبي حنيفة، وهو ترجيح الشوكاني في «السيل» كما تقدمت الإشارة إلى ذلك في كتاب الشركة. مسألة [١٠]: إذا شرط أحدهما لنفسه مع الربح دراهم معلومة ؟ قال ابن قدامة ﵀ (٧/ ١٤٦): وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ مَتَى جَعَلَ نَصِيبَ أَحَدِ الشُّرَكَاءِ دَرَاهِمَ مَعْلُومَةً، أَوْ جَعَلَ مَعَ نَصِيبِهِ دَرَاهِمَ، مِثْلُ أَنْ يَشْتَرِطَ لِنَفْسِهِ جُزْءًا وَعَشْرَةَ دَرَاهِمَ؛ بَطَلَتْ الشَّرِكَةُ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مِنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى إبْطَالِ الْقِرَاضِ إذَا شَرَطَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا لِنَفْسِهِ دَرَاهِمَ مَعْلُومَةً. وَمِمَّنْ

стр. 3503

حَفِظْنَا ذَلِكَ عَنْهُ مَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. قال: وَإِنَّمَا لَمْ يَصِحّ ذَلِكَ لِمَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ إذَا شَرَطَ دَرَاهِمَ مَعْلُومَةً، احْتَمَلَ أَنْ لَا يَرْبَحَ غَيْرَهَا، فَيَحْصُلَ عَلَى جَمِيعِ الرِّبْحِ، وَاحْتَمَلَ أَنْ لَا يَرْبَحَهَا، فَيَأْخُذَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ جُزْءًا. وَقَدْ يَرْبَحُ كَثِيرًا، فَيَسْتَضِرُّ مَنْ شُرِطَتْ لَهُ الدَّرَاهِمُ. وَالثَّانِي: أَنَّ حِصَّةَ الْعَامِلِ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ مَعْلُومَةً بِالْأَجْزَاءِ، لَمَّا تَعَذَّرَ كَوْنُهَا مَعْلُومَةً بِالْقَدْرِ، فَإِذَا جُهِلَتْ الْأَجْزَاءُ؛ فَسَدَتْ، كَمَا لَوْ جُهِلَ الْقَدْرُ فِيمَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا بِهِ. وَلِأَنَّ الْعَامِلَ مَتَى شَرَطَ لِنَفْسِهِ دَرَاهِمَ مَعْلُومَةً، رُبَّمَا تَوَانَى فِي طَلَبِ الرِّبْحِ؛ لِعَدَمِ فَائِدَتِهِ فِيهِ وَحُصُولِ نَفْعِهِ لِغَيْرِهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ لَهُ جُزْءٌ مِنْ الرِّبْحِ. اهـ وقال ابن رشد ﵀ في «بداية المجتهد» (٤/ ٢٦): ولا خلاف بين العلماء أنه إذا اشترط أحدهما لنفسه من الربح شيئًا زائدًا غير ما انعقد عليه القراض أنَّ ذلك لا يجوز؛ لأنه يصير ذلك الذي انعقد عليه القراض مجهولًا. اهـ مسألة [١١]: إذا اشترط صاحب المال على العامل: أنَّ لي ربح هذه السلعة، أو هذا الشهر، ولك الآخرة، أو الآخر ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٧/ ١٤٦): وإن دفع إليه ألفين مضاربة على أنَّ لكل واحد منهما ربح ألف، أو على أنَّ لأحدهما ربح أحد الثوبين، أو ربح إحدى السفرتين، أو ربح تجارته في شهر، أو عام بعينه ونحو ذلك؛ فسد الشرط والمضاربة؛ لأنه قد يربح في ذلك المعين دون غيره، وقد يربح في غيره دونه،

стр. 3504

فيختص أحدهما بالربح، وذلك يخالف موضوع الشركة، ولا نعلم في هذا خلافًا. اهـ مسألة [١٢]: هل للمضارب أن يبيع نسيئة إذا أطلق رب المال الإذن ؟ • ذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه ليس له ذلك، وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد في رواية، وذلك لأنه ليس له التصرف إلا على وجه الحظ، والاحتياط، وفي النسيئة تغرير بالمال. • وقال بعض أهل العلم: له ذلك، وهو قول أحمد في رواية، وبعض الحنابلة، وقال به أبو حنيفة؛ لأنَّ الإذن في التجارة ينصرف إلى التجارة المعتادة، وهذا عادة التجار، ولأنه يقصد به الربح، والربح في النَّسَاء أكثر. قال أبو عبد الله غفر الله له: القول الثاني أظهر؛ إلا أنْ يتعامل نسيئة مع إنسان مماطل معروف بذلك؛ فعلى العامل غرم ذلك إنْ لم يكن له إذن فيه، والله أعلم. (١) تنبيه: في المسألة السابقة إذا قال له: (اعمل برأيك)، أو (كيف شئت)، فأجاز له الحنابلة أن يبيع نسيئة، ومنعه الشافعي. «المغني» (٧/ ١٤٧). مسألة [١٣]: هل له أن يسافر بالمال للتجارة به ؟ • اختلف أهل العلم فيما إذا أطلق رب المال الإذن ولم يأمر بالسفر، أو يَنْهَ، هل للمضارب أن يسافر به، أم لا؟

стр. 3505

• منهم من قال: له السفر، و هو قول مالك، ووجهٌ للحنابلة، وحُكي عن أبي حنيفة؛ لأنَّ عادة التجار جرت بذلك، ومطلق الإذن ينصرف إلى ما جرت به العادة. • ومنهم من قال: ليس له ذلك، وهو قول الشافعي، ووجهٌ للحنابلة؛ لأنَّ في السفر تغريرًا بالمال، وخطرًا. قلتُ: والقول الأول أرجح، والله أعلم. قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٧/ ١٤٨ - ١٤٩): وَلَيْسَ لَهُ السَّفَرُ فِي مَوْضِعٍ مَخُوفٍ، عَلَى الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا. وَكَذَلِكَ لَوْ أُذِنَ لَهُ فِي السَّفَرِ مُطْلَقًا؛ لَمْ يَكُنْ لَهُ السَّفَرُ فِي طَرِيقٍ مَخُوفٌ، وَلَا إلَى بَلَدٍ مَخُوفٍ؛ فَإِنْ فَعَلَ فَهُوَ ضَامِنٌ لِمَا يَتْلَفُ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ بِفِعْلِ مَا لَيْسَ لَهُ فِعْلُهُ. اهـ مسألة [١٤]: هل نفقة العامل على نفسه من ماله، أو من مال المضاربة ؟ • من أهل العلم من قال: نفقته في مال نفسه، وهو قول ابن سيرين، وحماد، وأحمد، والشافعي، والظاهرية؛ لأنها نفقة تخصه، فكانت عليه كنفقة الحضر، ولأنه دخل على أنه يستحق من الربح الجزء المسمى، فلا يكون له غيره، ولأنه لو استحق النفقة؛ أفضى إلى أنه يختص بالربح؛ إذا لم يربح سوى ما أنفقه. • ومنهم من قال: نفقته في مال المضاربة في السفر، وهو قول مالك، وإسحاق، وأبي ثور، والأوزاعي، وأبي حنيفة؛ لأنَّ سفره لأجل المال، فكانت
следующие страницы →