← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 165

فتح العلام في دراسة أحاديث بلوغ المرام ط 4

محمد بن علي بن حزام البعداني

Полный текст (5 956 стр.). Показаны 3501–3540 · переход к 3506.

стр. 3501

كما قال أبو حنيفة، والعبرة بالمعاني لا بالألفاظ، وإن قصد مضاربة؛ فالراجح قول مالك، والله أعلم. (١) مسألة [٨]: إذا ضارب رجلين، فقال: لكما كذا وكذا من الربح. ولم يبين كم لكل واحد منهما ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٧/ ١٤٣): وَيَجُوزُ أَنْ يَدْفَعَ مَالًا إلَى اثْنَيْنِ مُضَارَبَةً فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ؛ فَإِنْ شَرَطَ لَهُمَا جُزْءًا مِنْ الرِّبْحِ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ؛ جَازَ، وَإِنْ قَالَ: لَكُمَا كَذَا وَكَذَا مِنْ الرِّبْحِ. وَلَمْ يُبَيِّنْ كَيْفَ؛ فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ؛ لِأَنَّ إطْلَاقَ قَوْلِهِ بَيْنَهُمَا يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ، كَمَا لَوْ قَالَ لِعَامِلِهِ: وَالرِّبْحُ بَيْنَنَا. وَإِنْ شَرَطَ لِأَحَدِهِمَا ثُلُثَ الرِّبْحِ وَلِلْآخَرِ رُبْعَهُ، وَجَعَلَ الْبَاقِيَ لَهُ؛ جَازَ. وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ. وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُمَا شَرِيكَانِ فِي الْعَمَلِ بِأَبْدَانِهِمَا، فَلَا يَجُوزُ تَفَاضُلُهُمَا فِي الرِّبْحِ كَشَرِيكَيْ الْأَبْدَانِ. وَلَنَا: أَنَّ عَقْدَ الْوَاحِدِ مَعَ الِاثْنَيْنِ عَقْدَانِ، فَجَازَ أَنْ يَشْتَرِطَ فِي أَحَدِهِمَا أَكْثَرَ مِنْ الْآخَرِ، كَمَا لَوْ انْفَرَدَ. وَلِأَنَّهُمَا يَسْتَحِقَّانِ بِالْعَمَلِ وَهُمَا يَتَفَاضَلَانِ فِيهِ؛ فَجَازَ تَفَاضُلُهُمَا فِي الْعِوَضِ كَالْأَجِيرَيْنِ. وَلَا نُسَلِّمُ وُجُوبَ التَّسَاوِي فِي شَرِكَةِ الْأَبْدَانِ، بَلْ هِيَ كَمَسْأَلَتِنَا فِي جَوَازِ تَفَاضُلِهِمَا، ثُمَّ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ ذَلِكَ عَقْدٌ وَاحِدٌ، وَهَذَانِ عَقْدَانِ. اهـ قلتُ: والصحيح مذهب أحمد، والشافعي، والله أعلم.

стр. 3502

مسألة [٩]: إذا قارض اثنان واحدًا بمال لهما، وشرط له كل واحد ربحًا غير ربح صاحبه ؟ قال أبو محمد ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٧/ ١٤٣): وَإِنْ قَارَضَ اثْنَانِ وَاحِدًا بِأَلْفٍ لَهُمَا؛ جَازَ. وَإِذَا شَرَطَا لَهُ رِبْحًا مُتَسَاوِيًا مِنْهُمَا؛ جَازَ. وَإِنْ شَرَطَ أَحَدُهُمَا لَهُ النِّصْفَ، وَالْآخَرُ الثُّلُثَ؛ جَازَ، وَيَكُونُ بَاقِي رِبْحِ مَالِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ. وَإِنْ شَرَطَا كَوْنَ الْبَاقِي مِنْ الرِّبْحِ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ؛ لَمْ يَجُزْ. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَكَلَامُ الْقَاضِي يَقْتَضِي جَوَازَهُ. وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَلَنَا أَنَّ أَحَدَهُمَا يَبْقَى لَهُ مِنْ رِبْحِ مَالِهِ النِّصْفُ، وَالْآخَرَ يَبْقَى لَهُ الثُّلُثَانِ. فَإِذَا اشْتَرَطَا التَّسَاوِي فَقَدْ شَرَطَ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ جُزْءًا مِنْ رِبْحِ مَالِهِ بِغَيْرِ عَمَلٍ، فَلَمْ يَجُزْ، كَمَا لَوْ شَرَطَ رِبْحَ مَالِهِ الْمُنْفَرِدِ. اهـ قلتُ: وما المانع من ذلك إذا طابت نفسه بذلك بعد معرفته بالمقدار؟! فالصحيح قول أبي ثور، وأبي حنيفة، وهو ترجيح الشوكاني في «السيل» كما تقدمت الإشارة إلى ذلك في كتاب الشركة. مسألة [١٠]: إذا شرط أحدهما لنفسه مع الربح دراهم معلومة ؟ قال ابن قدامة ﵀ (٧/ ١٤٦): وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ مَتَى جَعَلَ نَصِيبَ أَحَدِ الشُّرَكَاءِ دَرَاهِمَ مَعْلُومَةً، أَوْ جَعَلَ مَعَ نَصِيبِهِ دَرَاهِمَ، مِثْلُ أَنْ يَشْتَرِطَ لِنَفْسِهِ جُزْءًا وَعَشْرَةَ دَرَاهِمَ؛ بَطَلَتْ الشَّرِكَةُ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مِنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى إبْطَالِ الْقِرَاضِ إذَا شَرَطَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا لِنَفْسِهِ دَرَاهِمَ مَعْلُومَةً. وَمِمَّنْ

стр. 3503

حَفِظْنَا ذَلِكَ عَنْهُ مَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. قال: وَإِنَّمَا لَمْ يَصِحّ ذَلِكَ لِمَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ إذَا شَرَطَ دَرَاهِمَ مَعْلُومَةً، احْتَمَلَ أَنْ لَا يَرْبَحَ غَيْرَهَا، فَيَحْصُلَ عَلَى جَمِيعِ الرِّبْحِ، وَاحْتَمَلَ أَنْ لَا يَرْبَحَهَا، فَيَأْخُذَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ جُزْءًا. وَقَدْ يَرْبَحُ كَثِيرًا، فَيَسْتَضِرُّ مَنْ شُرِطَتْ لَهُ الدَّرَاهِمُ. وَالثَّانِي: أَنَّ حِصَّةَ الْعَامِلِ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ مَعْلُومَةً بِالْأَجْزَاءِ، لَمَّا تَعَذَّرَ كَوْنُهَا مَعْلُومَةً بِالْقَدْرِ، فَإِذَا جُهِلَتْ الْأَجْزَاءُ؛ فَسَدَتْ، كَمَا لَوْ جُهِلَ الْقَدْرُ فِيمَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا بِهِ. وَلِأَنَّ الْعَامِلَ مَتَى شَرَطَ لِنَفْسِهِ دَرَاهِمَ مَعْلُومَةً، رُبَّمَا تَوَانَى فِي طَلَبِ الرِّبْحِ؛ لِعَدَمِ فَائِدَتِهِ فِيهِ وَحُصُولِ نَفْعِهِ لِغَيْرِهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ لَهُ جُزْءٌ مِنْ الرِّبْحِ. اهـ وقال ابن رشد ﵀ في «بداية المجتهد» (٤/ ٢٦): ولا خلاف بين العلماء أنه إذا اشترط أحدهما لنفسه من الربح شيئًا زائدًا غير ما انعقد عليه القراض أنَّ ذلك لا يجوز؛ لأنه يصير ذلك الذي انعقد عليه القراض مجهولًا. اهـ مسألة [١١]: إذا اشترط صاحب المال على العامل: أنَّ لي ربح هذه السلعة، أو هذا الشهر، ولك الآخرة، أو الآخر ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٧/ ١٤٦): وإن دفع إليه ألفين مضاربة على أنَّ لكل واحد منهما ربح ألف، أو على أنَّ لأحدهما ربح أحد الثوبين، أو ربح إحدى السفرتين، أو ربح تجارته في شهر، أو عام بعينه ونحو ذلك؛ فسد الشرط والمضاربة؛ لأنه قد يربح في ذلك المعين دون غيره، وقد يربح في غيره دونه،

стр. 3504

فيختص أحدهما بالربح، وذلك يخالف موضوع الشركة، ولا نعلم في هذا خلافًا. اهـ مسألة [١٢]: هل للمضارب أن يبيع نسيئة إذا أطلق رب المال الإذن ؟ • ذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه ليس له ذلك، وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد في رواية، وذلك لأنه ليس له التصرف إلا على وجه الحظ، والاحتياط، وفي النسيئة تغرير بالمال. • وقال بعض أهل العلم: له ذلك، وهو قول أحمد في رواية، وبعض الحنابلة، وقال به أبو حنيفة؛ لأنَّ الإذن في التجارة ينصرف إلى التجارة المعتادة، وهذا عادة التجار، ولأنه يقصد به الربح، والربح في النَّسَاء أكثر. قال أبو عبد الله غفر الله له: القول الثاني أظهر؛ إلا أنْ يتعامل نسيئة مع إنسان مماطل معروف بذلك؛ فعلى العامل غرم ذلك إنْ لم يكن له إذن فيه، والله أعلم. (١) تنبيه: في المسألة السابقة إذا قال له: (اعمل برأيك)، أو (كيف شئت)، فأجاز له الحنابلة أن يبيع نسيئة، ومنعه الشافعي. «المغني» (٧/ ١٤٧). مسألة [١٣]: هل له أن يسافر بالمال للتجارة به ؟ • اختلف أهل العلم فيما إذا أطلق رب المال الإذن ولم يأمر بالسفر، أو يَنْهَ، هل للمضارب أن يسافر به، أم لا؟

стр. 3505

• منهم من قال: له السفر، و هو قول مالك، ووجهٌ للحنابلة، وحُكي عن أبي حنيفة؛ لأنَّ عادة التجار جرت بذلك، ومطلق الإذن ينصرف إلى ما جرت به العادة. • ومنهم من قال: ليس له ذلك، وهو قول الشافعي، ووجهٌ للحنابلة؛ لأنَّ في السفر تغريرًا بالمال، وخطرًا. قلتُ: والقول الأول أرجح، والله أعلم. قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٧/ ١٤٨ - ١٤٩): وَلَيْسَ لَهُ السَّفَرُ فِي مَوْضِعٍ مَخُوفٍ، عَلَى الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا. وَكَذَلِكَ لَوْ أُذِنَ لَهُ فِي السَّفَرِ مُطْلَقًا؛ لَمْ يَكُنْ لَهُ السَّفَرُ فِي طَرِيقٍ مَخُوفٌ، وَلَا إلَى بَلَدٍ مَخُوفٍ؛ فَإِنْ فَعَلَ فَهُوَ ضَامِنٌ لِمَا يَتْلَفُ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ بِفِعْلِ مَا لَيْسَ لَهُ فِعْلُهُ. اهـ مسألة [١٤]: هل نفقة العامل على نفسه من ماله، أو من مال المضاربة ؟ • من أهل العلم من قال: نفقته في مال نفسه، وهو قول ابن سيرين، وحماد، وأحمد، والشافعي، والظاهرية؛ لأنها نفقة تخصه، فكانت عليه كنفقة الحضر، ولأنه دخل على أنه يستحق من الربح الجزء المسمى، فلا يكون له غيره، ولأنه لو استحق النفقة؛ أفضى إلى أنه يختص بالربح؛ إذا لم يربح سوى ما أنفقه. • ومنهم من قال: نفقته في مال المضاربة في السفر، وهو قول مالك، وإسحاق، وأبي ثور، والأوزاعي، وأبي حنيفة؛ لأنَّ سفره لأجل المال، فكانت

стр. 3506

نفقته منه كأجر الحمَّال. • وقال الحسن، والنخعي: نفقته من جميع المال، ولم يقيداه في السفر. قال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب القول الأول، وهو ظاهر اختيار شيخ الإسلام كما في «الإنصاف»، وما يتعلق بالسفر؛ فإن احتاج إلى نفقة زائدةٍ عمَّا يحتاجه في حال إقامته؛ جعلها في مال المضاربة، والله أعلم. (١) مسألة [١٥]: هل للمضارب أن يبيع بأسعار منخفضة ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٧/ ١٥٠): وَحُكْمُ الْمُضَارِبِ حُكْمُ الْوَكِيلِ، فِي أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَبِيعَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَمَنِ الْمِثْلِ، وَلَا يَشْتَرِيَ بِأَكْثَرَ مِنْهُ، مِمَّا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ؛ فَإِنْ فَعَلَ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ الْبَيْعَ يَصِحُّ وَيَضْمَنُ النَّقْصَ؛ لِأَنَّ الضَّرَرَ يَنْجَبِرُ بِضَمَانِ النَّقْص. وَالْقِيَاسُ أَنَّ الْبَيْعَ بَاطِلٌ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِيهِ، فَأَشْبَهَ بَيْعَ الْأَجْنَبِيِّ. فَعَلَى هَذَا: إنْ تَعَذَّرَ رَدُّ الْمَبِيعِ؛ ضَمِنَ النَّقْصَ أَيْضًا، وَإِنْ أَمْكَنَ رَدُّهُ وَجَبَ رَدُّهُ إنْ كَانَ بَاقِيًا، أَوْ قِيمَتُهُ إنْ كَانَ تَالِفًا. اهـ مسألة [١٦]: هل للمضارب أن يطأ أمة من مال المضاربة ؟ • لا يجوز له ذلك عند أهل العلم، وعدَّه بعضهم زانيًا، منهم: ابن حزم، وقال به بعض الحنابلة، والشافعية فيما إذا لم يظهر بالمال ربح، وعليه الحد عند الإمام ابن حزم.

стр. 3507

• ومذهب أحمد، وإسحاق، وسفيان وغيرهم أنه إن ظهر في المال ربح أنَّ عليه المهر والتعزير، وإن حملت منه؛ فولده حرٌّ، وأمه أم ولد، وعليه قيمتها، وإن لم يظهر في المال ربح؛ فعليه المهر والتعزير، وإن حملت منه؛ فولده رقيق؛ لعدم وجود شبهة الملك ههنا، وقول الشافعية أقرب، والله أعلم. قال أبو عبد الله غفر الله له: الذي يظهر لي أنَّ قول أحمد أصح في المسألة، والله أعلم. (١) مسألة [١٧]: هل للمالك أن يطأ الجارية التي اشتراها العامل للتجارة ؟ قال ابن قدامة ﵀ (٧/ ١٥٥): وَلَيْسَ لِرَبِّ المَالِ وَطْءُ الْأَمَةِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ يَنْقُصُهَا إنْ كَانَتْ بِكْرًا، وَيُعَرِّضُهَا لِلْخُرُوجِ مِنْ المُضَارَبَةِ وَالتَّلَفِ؛ فَإِنْ فَعَلَ؛ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا مَمْلُوكَتُهُ. وَإِنْ عَلِقَتْ مِنْهُ؛ صَارَتْ أُمَّ وَلَدِهِ، وَوَلَدُهُ حُرٌّ كَذَلِكَ، وَتَخْرُجُ مِنْ المُضَارَبَةِ، وَتُحْسَبُ قِيمَتُهَا، وَيُضَافُ إلَيْهَا بَقِيَّةُ الْمَالِ؛ فَإِنْ كَانَ فِيهِ رِبْحٌ؛ فَلِلْعَامِلِ حِصَّتُهُ مِنْهُ. اهـ (٢) قلتُ: وإن كان المال قد ظهرت فيه الأرباح الظاهرة؛ فقد صار العامل شريكًا فيها، ويجري على صاحب المال ما يجري على العامل في المسألة السابقة. فائدة: ذكروا أنه ليس للعامل، ولا لرب المال تزويج الأمة؛ لأنه ينقصها، وإن اتفقا على ذلك؛ جاز. (٣)

стр. 3508

مسألة [١٨]: هل للمضارب أن يدفع المال إلى غيره ليضارب به ؟ قال أبو محمد بن قدامة ﵀ في «المغني» (٧/ ١٥٦): وَلَيْسَ لِلْمُضَارِبِ دَفْعُ الْمَالِ إلَى آخَرَ مُضَارَبَةً. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ، وَحَرْبٍ، وَعَبْدِالله، قَالَ: إنْ أَذِنَ لَهُ رَبُّ الْمَالِ، وَإِلَّا فَلَا. وَخَرَّجَ الْقَاضِي وَجْهًا فِي جَوَازِ ذَلِكَ؛ بِنَاءً عَلَى تَوْكِيلِ الْوَكِيلِ مِنْ غَيْرِ إذْنِ الْمُوَكِّلِ. وَلَا يَصِحُّ هَذَا التَّخْرِيجُ، وَقِيَاسُهُ عَلَى الْوَكِيلِ مُمْتَنِعٌ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ إنَّمَا دَفَعَ إلَيْهِ الْمَالَ هَاهُنَا لِيُضَارِبَ بِهِ، وَبِدَفْعِهِ إلَى غَيْرِهِ مُضَارَبَةً يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ مُضَارِبًا بِهِ، بِخِلَافِ الْوَكِيلِ. الثَّانِي: أَنَّ هَذَا يُوجِبُ فِي الْمَالِ حَقًّا لِغَيْرِهِ، وَلَا يَجُوزُ إيجَابُ حَقٍّ فِي مَالِ إنْسَانٍ بِغَيْرِ إذْنِهِ. قال: وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَلَا أَعْرِفُ عَنْ غَيْرِهِمْ خِلَافَهُمْ. اهـ قال ابن رشد ﵀ في «بداية المجتهد» (٤/ ٣١): ولم يختلف هؤلاء المشاهير من فقهاء الأمصار أنه إن دفع العامل رأس مال القراض إلى مقارض آخر أنه ضامن إن كان خسران، وإن كان ربح؛ فذلك على شرطه، ثم يكون للذي عمل شرطه على الذي دفع إليه، فيوفيه حظه مما بقي من المال، وقال المزني عن الشافعي: ليس له إلا أجرة مثله؛ لأنه عمل على فساد. اهـ تنبيه: إذا أذن رب المال للمضارب أن يدفع المال إلى غيره مضاربة؛ جاز ذلك، قال ابن قدامة: نصَّ عليه أحمد، ولا أعلم فيه خلافًا. اهـ «المغني» (٧/ ١٥٧).

стр. 3509

مسألة [١٩]: هل للمضارب أن يأخذ من إنسان آخر مالًا مضاربة ويعمل لرجلين ؟ أما إذا لم يكن على الأول ضرر؛ فيجوز بلا خلاف، سواء أذن أم لم يأذن، وكذلك يجوز إذا أذن بلا خلاف، وإن كان عليه ضرر. • وأما إذا لم يأذن، وكان عليه ضرر: فمذهب الحنابلة عدم جواز ذلك؛ لأنَّ المضاربة يُقصَد بها الحظ والنماء، فإذا فعل ما يمنعه لم يكن له، وفي الحديث: «لا ضرر ولا ضرار». • وقال أكثر الفقهاء: يجوز؛ لأنه عقد لا يملك به منافعه كلها؛ فلم يمنع من المضاربة كما لو لم يكن فيه ضرر، وكالأجير المشترك. وأُجيب بالفرق؛ لأنَّ المضارب ربما يُشغل عن المضاربة الأولى والمسألة مفروضة في ذلك، وأما إذا لم يشغل ولم يحصل ضرر؛ فيجوز. قال أبو عبد الله غفر الله له: الصحيح قول الحنابلة، وهو اختيار شيخ الإسلام، ثم الإمام ابن عثيمين؛ إلا أنَّ مذهب الحنابلة أنه إن فعل ذلك فيضم ربحه الحاصل من المضاربة الثانية إلى مال المضاربة الأولى، واختار شيخ الإسلام وآخرون أنه لا يلزمه الضم، وهو اختيار الشيخ ابن عثيمين، وإنما يأثم على تعديه. واحتمل الشيخ ابن عثيمين ﵀ أنه يغرم إذا فات على رب المال الأول بعض المصالح، كسلعة كانت ستباع بسعر ثمين، فذهبت الفرصة في ذلك، أو ما أشبه

стр. 3510

ذلك، وهذا هو الصواب، والله أعلم. (١) مسألة [٢٠]: إذا تعدى المضارب وفعل ما ليس له فعله ؟ • عامة أهل العلم على أنَّ المضارب يصبح ضامنًا للمال، وقال به حكيم بن حزام كما في الباب. • ورُوي عن الحسن، والزهري أنه لا ضمان عليه. والصحيح قول الجمهور؛ لأنه متصرف في مالِ غيره بغير إذنه فلزمه الضمان كالغاصب. • واختلف أهل العلم فيما إذا اشترى مالم يؤذن له فيه، فربح: لمن الربح؟ على أقوال: الأول: أنَّ الربح لرب المال، قال به أبو قلابة، ونافع، وأحمد، وهو ظاهر مذهب الشافعية. الثاني: يتصدقا بالربح، وهو قول الشعبي، والنخعي، والحكم، وحماد، وابن شبرمة، وداود، وابن حزم، وأحمد في رواية، قال بعض أصحابه: هو على سبيل الورع، وهو لرب المال في القضاء. وهو قول الأوزاعي. الثالث: الربح على ما شرطاه؛ لأنه نوعُ تَعَدٍّ، فلا يمنع كون الربح بينهما على ما شرطاه، وهذا قول مالك، وإياس.

стр. 3511

الرابع: عن أحمد رواية أنه كتصرف الفضولي، والراجح عن أحمد في تصرف الفضولي أنه موقوف على إجازة المالك، واستظهره ابن مفلح في «الفروع». قلتُ: وهذا القول يظهر لي أنه أقرب الأقوال؛ فإنْ أجاز المالك ذلك العمل؛ فالربح بينهما على ما شرطاه، وإن لم يجزه؛ فالبيع فاسد، ويرجع فيه إذا استطيع، فإذا لم يستطع ذلك فيتصدق بالربح على سبيل الورع؛ وإلا فالربح لصاحب المال؛ لأنه نماء ماله، والله أعلم. (١) مسألة [٢١]: متى يستحق العامل الربح ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٧/ ١٦٥): الْمُضَارِبُ لَا يَسْتَحِقُّ أَخْذَ شَيْءٍ مِنْ الرِّبْحِ حَتَّى يُسَلِّمَ رَأْسَ الْمَالِ إلَى رَبِّهِ، وَمَتَى كَانَ فِي الْمَالِ خُسْرَانٌ وَرِبْحٌ؛ جُبِرَتْ الْوَضِيعَةُ مِنْ الرِّبْحِ، سَوَاءٌ كَانَ الْخُسْرَانُ وَالرِّبْحُ فِي مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ، أَوْ الْخُسْرَانُ فِي صَفْقَةٍ وَالرِّبْحُ فِي أُخْرَى، أَوْ أَحَدُهُمَا فِي سَفْرَةٍ وَالْآخَرُ فِي أُخْرَى؛ لِأَنَّ مَعْنَى الرِّبْحِ هُوَ الْفَاضِلُ عَنْ رَأْسِ الْمَالِ، وَمَا لَمْ يَفْضُلْ فَلَيْسَ بِرِبْحِ، وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا. اهـ (٢) مسألة [٢٢]: متى يملك العامل نصيبه من الربح ؟ • منهم من قال: يملكه بظهوره، ولو لم يقسم، وهذا مذهب الحنابلة، وبه قال أبو حنيفة؛ لأنَّ الربح إذا وجد، ملكه بحكم الشرط الصحيح الذي بينهم وهذا

стр. 3512

قولٌ للشافعي. • ومنهم من قال: لا يملكه إلا بالقسمة، وهو قول مالك، وأحمد في رواية؛ لأنه لو ملكه لاختصَّ بربحه ووجب إن يكون شريكًا لرب المال كشريكي العنان. • واختار بعض الحنابلة ومنهم شيخ الإسلام أنه يملكها بالمحاسبة، والتنضيض -هو وجود رأس المال دراهم ودنانير- والفسخ قبل القسمة والقبض. قال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول أرجح، والله أعلم، ولكن الملك لا يستقر إلا بالمحاسبة التامة، والتنضيض، وقد جزم بذلك غير واحد من الحنابلة، بل قال ابن رجب: هو المنصوص صريحًا عن الإمام أحمد ﵀. (١) مسألة [٢٣]: هل لرب المال أن يشتري لنفسه من سلع المضاربة ؟ • من أهل العلم من قال: لا يصح شراؤه منها، وهو قول الشافعي، وأحمد في رواية؛ لأنه ملكه، فلا يصح شراؤه، كشرائه من وكيله. • ومنهم من قال: يصح، وهو قول مالك، والأوزاعي، وأبي حنيفة، وأحمد في رواية؛ لأنه قد تعلق بها حق المضارب، ويشتري بمثل ما يشتري غيره؛ لتعلق حق المضارب به، وهذا القول هو الصواب، والله أعلم. (٢)

стр. 3513

مسألة [٢٤]: هل للمضارب أن يشتري لنفسه من سلع المضاربة ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٧/ ١٦٧): وَإِنْ اشْتَرَى الْمُضَارِبُ لِنَفْسِهِ مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ، وَلَمْ يَظْهَرْ فِي الْمَالِ رِبْحٌ؛ صَحَّ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: الْبَيْعُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ شَرِيكٌ. وَلَنَا أَنَّهُ مِلْكٌ لِغَيْرِهِ؛ فَصَحَّ شِرَاؤُهُ لَهُ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى الْوَكِيلُ مِنْ مُوَكِّلِهِ. اهـ قلتُ: الصحيح قول الجمهور، حتى وإن ظهر في المال ربح؛ لأنه يصبح في حكم الشريك، والصحيح أنَّ الشريك يجوز له أن يشتري بسعر ما يبيع لغيره، والله أعلم. (١) مسألة [٢٥]: إن مات المضارب وأموال المضاربة ليست متميزة من أمواله ؟ • مذهب أحمد ﵀ أنَّها تصير دينًا في ذمته توفى من تركته، وإن كان مفلسًا؛ كان صاحب المال مع الغرماء أسوة، وقال الشافعي: ليس على المضارب شيء؛ لاحتمال أن يكون المال قد هلك. والصحيح قول أحمد. (٢) مسألة [٢٦]: إذا تبين للمضارب أن في يده ربحًا، فهل له أن يأخذ منه بغير إذن صاحب المال ؟ قال ابن قدامة ﵀: الرِّبْحَ إذَا ظَهَرَ فِي الْمُضَارَبَةِ؛ لَمْ يَجُزْ لِلْمُضَارِبِ أَخْذُ شَيْءٍ مِنْهُ بِغَيْرِ إذْنِ رَبٍّ الْمَالِ. لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا. وَإِنَّمَا لَمْ

стр. 3514

يَمْلِكْ ذَلِكَ لَأُمُورٍ ثَلَاثَةٍ: أَحَدهَا: أنَّ الرِّبْحَ وِقَايَةٌ لِرَأْسِ الْمَالِ، فَلَا يَأْمَنُ الْخُسْرَانَ الَّذِي يَكُونُ هَذَا الرِّبْحُ جَابِرًا لَهُ، فَيَخْرُجُ بِذَلِكَ عَنْ أَنْ يَكُونَ رِبْحًا. وَالثَّانِي: أَنَّ رَبَّ الْمَالِ شَرِيكُهُ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ مُقَاسَمَةُ نَفْسِهِ. الثَّالِث: أَنَّ مِلْكَهُ عَلَيْهِ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ؛ لِأَنَّهُ بِعَرْضِ أَنْ يَخْرُجَ عَنْ يَدِهِ بِجُبْرَانِ خَسَارَةِ الْمَالِ. وَإِنْ أَذِنَ رَبُّ الْمَالِ فِي أَخْذِ شَيْءٍ؛ جَازَ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا، لَا يَخْرُجُ عَنْهُمَا. اهـ (١) مسألة [٢٧]: إذا تعجلا قسمة الربح قبل الانتهاء من التجارة ؟ قال أبو محمد بن قدامة ﵀ في «المغني» (٧/ ١٧٢): وَإِنْ طَلَبَ أَحَدُهُمَا قِسْمَةَ الرِّبْحِ دُونَ رَأْسِ الْمَالِ، وَأَبَى الْآخَرُ؛ قُدِّمَ قَوْلُ الْمُمْتَنِعِ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ رَبَّ الْمَالِ، فَلِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ الْخُسْرَانَ فِي رَأْسِ الْمَالِ، فَيَجْبُرُهُ بِالرِّبْحِ، وَإِنْ كَانَ الْعَامِلَ؛ فَإِنَّهُ لَا يَأْمَنُ أَنْ يَلْزَمَهُ رَدُّ مَا أَخَذَ فِي وَقْتٍ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ. وَإِنْ تَرَاضَيَا عَلَى ذَلِكَ؛ جَازَ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا، وَسَوَاءٌ اتَّفَقَا عَلَى قِسْمَةِ جَمِيعِهِ أَوْ بَعْضِهِ، أَوْ عَلَى أَنْ يَأْخُذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَيْئًا مَعْلُومًا يُنْفِقُهُ. ثُمَّ مَتَى ظَهَرَ فِي الْمَالِ خُسْرَانٌ، أَوْ تَلِفَ كُلُّهُ؛ لَزِمَ الْعَامِلَ رَدُّ أَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ مِمَّا أَخَذَهُ، أَوْ نِصْفِ خُسْرَانِ الْمَالِ، إذَا اقْتَسَمَا الرِّبْحَ نِصْفَيْنِ، وَبِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا تَجُوزُ الْقِسْمَةُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ رَبُّ الْمَالِ مَالَهُ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: إذَا اقْتَسَمَا الرِّبْحَ، وَلَمْ يَقْبِضْ رَبُّ الْمَالِ رَأْسَ مَالِهِ، فَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُونَ: يَرُدُّ الْعَامِلُ الرِّبْحَ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ رَبُّ الْمَالِ مَالَهُ.

стр. 3515

قال: وَلَنَا عَلَى جَوَازِ الْقِسْمَةِ، أَنَّ الْمَالَ لَهُمَا؛ فَجَازَ لَهُمَا أَنْ يَقْتَسِمَا بَعْضَهُ، كَالشَّرِيكَيْنِ. أَوْ نَقُولَ: إنَّهُمَا شَرِيكَانِ؛ فَجَازَ لَهُمَا قِسْمَةُ الرِّبْحِ قَبْلَ الْمُفَاصَلَةِ، كَشَرِيكَيْ الْعِنَانِ. اهـ قلتُ: وظاهر كلام مالك فيما نقله ابن رشد (٤/ ٣٠) أنَّ العامل لا يرد الربح بعد أخذه، وإن حصلت الخسارة. والصحيح قول الجمهور؛ إلا أنْ يفسخا المضاربة ويأخذ صاحب المال ماله، ثم يعقدا مضاربة أخرى، وقد يحمل قول مالك ﵀ على هذه الصورة، والله أعلم. مسألة [٢٨]: إذا شرط على العامل شيئًا من الوضيعة الخسران ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٧/ ١٧٦): مَتَى شَرَطَ عَلَى الْمُضَارِبِ ضَمَانَ الْمَالِ، أَوْ سَهْمًا مِنْ الْوَضِيعَةِ؛ فَالشَّرْطُ بَاطِلٌ. لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، وَالْعَقْدُ صَحِيحٌ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ، وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ الْعَقْدَ يَفْسُدُ بِهِ. وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ فَاسِدٌ، فَأَفْسَدَ الْمُضَارَبَةَ، كَمَا لَوْ شَرَطَ لَأَحَدِهِمَا فَضْلَ دَرَاهِمَ. قال: وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ، وَلَنَا أَنَّهُ شَرْطٌ لَا يُؤَثِّرُ فِي جَهَالَةِ الرِّبْحِ؛ فَلَمْ يَفْسُدْ بِهِ، كَمَا لَوْ شَرَطَ لُزُومَ الْمُضَارَبَةِ. وَيُفَارِقُ شَرْطَ الدَّرَاهِمَ؛ لِأَنَّهُ إذَا فَسَدَ الشَّرْطُ ثَبَتَتْ

стр. 3516

حِصَّةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي الرِّبْحِ مَجْهُولَةً. اهـ (١) مسألة [٢٩]: إذا شرط رب المال على العامل أن لا يشتري إلا من رجل بعينه، أو سلعة بعينها ؟ • من أهل العلم من منع هذا الشرط، وهو قول مالك، والشافعي؛ لأن في ذلك تضييقًا على العامل، ويمنع مقصود المضاربة من الربح. • ومنهم من قال: الشرط صحيح، وهو مذهب أحمد، وأبي حنيفة؛ لأنها مضاربة خاصَّة لا تمنع الربح بالكلية، ولصاحب المال من ذلك قصد للمحافظة على ماله، وما أشبه ذلك. وهذا القول هو الصواب، والله أعلم. (٢) مسألة [٣٠]: توقيت المضاربة . • الخلاف في ذلك كالخلاف السابق في المسألة السابقة، والراجح جواز التوقيت، وعليه عمل الناس اليوم، وليس مع من منع من التوقيت حجة. (٣) مسألة [٣١]: إذا كان على رجل لرجل دين، فهل له أن يجعله مضاربة ؟ • مذهب جمهور العلماء المنع من ذلك، بل حكاه ابن المنذر إجماعًا، والسبب في ذلك عند مالك أنه قد يفعل ذلك لعجز الرجل عن الدين فيفضي ذلك إلى تأخير مع زيادة، وهو الربا. وعلل غيره بأنَّ ما في ذمة الرجل مضمونًا عليه؛

стр. 3517

فليس له أن يحوله إلى أمانة ليست مضمونة عليه بدون قبض صاحبه. • وذهب بعض الحنابلة إلى جواز ذلك، ونصر ذلك ابن القيم ﵀. فقال ﵀ كما في «أعلام الموقعين» (٣/ ٣٥٠ - ): وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ يَجُوزُ، وَهُوَ الرَّاجِحُ فِي الدَّلِيلِ، وَلَيْسَ فِي الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ مَا يَمْنَعُ مِنْ جَوَازِ ذَلِكَ، وَلَا يَقْتَضِي تَجْوِيزُهُ مُخَالَفَةَ قَاعِدَةٍ مِنْ قَوَاعِدِ الشَّرْعِ، وَلَا وُقُوعًا فِي مَحْظُورٍ مِنْ رِبًا، وَلَا قِمَارٍ، وَلَا بَيْعِ غَرَرٍ، وَلَا مَفْسَدَةَ فِي ذَلِكَ بِوَجْهٍ مَا؛ فَلَا يَلِيقُ بِمَحَاسِنِ الشَّرِيعَةِ الْمَنْعُ مِنْهُ، وَتَجْوِيزُهُ مِنْ مَحَاسِنِهَا وَمُقْتَضَاهَا. قال: وَقَوْلُهُمْ: (إنَّهُ يَتَضَمَّنُ إبْرَاءَ الْإِنْسَانِ لِنَفْسِهِ بِفِعْلِ نَفْسِهِ) كَلَامٌ فِيهِ إجْمَالٌ يُوهِمُ أَنَّهُ هُوَ الْمُسْتَقِلُّ بِإِبْرَاءِ نَفْسِهِ، وَبِالْفِعْلِ الَّذِي بِهِ يَبْرَأُ، وَهَذَا إيهَامٌ؛ فَإِنَّهُ إنَّمَا بَرِئَ بِمَا أَذِنَ لَهُ رَبُّ الدَّيْنِ مِنْ مُبَاشَرَةِ الْفِعْلِ الَّذِي تَضَمَّنَ بَرَاءَتَهُ مِنْ الدَّيْنِ، فَأَيُّ مَحْذُورٍ فِي أَنْ يَفْعَلُ فِعْلًا أَذِنَ لَهُ فِيهِ رَبُّ الدَّيْنِ، وَمُسْتَحِقُّهُ يَتَضَمَّنُ بَرَاءَتَهُ؟ فَكَيْفَ يُنْكِرُ أَنْ يَقَعَ فِي الْأَحْكَامِ الضِّمْنِيَّةِ التَّبَعِيَّةِ مَا لَا يَقَعُ مِثْلُهُ فِي الْمَتْبُوعَاتِ، وَنَظَائِرُ ذَلِكَ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُذْكَرَ؟ حَتَّى لَوْ وَكَّلَهُ، أَوْ أَذِنَ لَهُ أَنْ يُبَرِّئَ نَفْسَهُ مِنْ الدَّيْنِ؛ جَازَ وَمَلَكَ ذَلِكَ، كَمَا لَوْ وَكَّلَ الْمَرْأَةَ أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا، فَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ أَنْ يَقُولَ: طَلِّقِي نَفْسَك إنْ شِئْت، أَوْ يَقُولَ لِغَرِيمِهِ: أَبْرِي نَفْسَك إنْ شِئْت. قال: فَإِنْ قِيلَ: فَالدَّيْنُ لَا يَتَعَيَّنُ، بَلْ هُوَ مُطْلَقٌ كُلِّيٌّ ثَابِتٌ فِي الذِّمَّةِ، فَإِذَا أَخْرَجَ مَالًا وَاشْتَرَى بِهِ، أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ، لَمْ يَتَعَيَّنْ أَنْ يَكُونَ هُوَ الدَّيْنُ، وَرَبُّ الدَّيْنِ لَمْ يُعَيِّنْهُ؛ فَهُوَ بَاقٍ عَلَى إطْلَاقِهِ. قِيلَ: هُوَ فِي الذِّمَّةِ مُطْلَقٌ، وَكُلُّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِهِ طَابَقَهُ صَحَّ أَنْ

стр. 3518

يُعَيَّنَ عَنْهُ وَيُجْزِئَ، وَهَذَا كَإِيجَابِ الرَّبِّ تَعَالَى الرَّقَبَةَ الْمُطْلَقَةَ فِي الْكَفَّارَةِ؛ فَإِنَّهَا غَيْرُ مُعَيَّنَةٍ، وَلَكِنْ أَيُّ رَقَبَةٍ عَيَّنَهَا الْمُكَلَّفُ وَكَانَتْ مُطَابِقَةً لِذَلِكَ الْمُطْلَقِ؛ تَأَدَّى بِهَا الْوَاجِبُ، وَنَظِيرُهُ هَاهُنَا: أَنَّ أَيَّ فَرْدٍ عَيَّنَهُ، وَكَانَ مُطَابِقًا لِمَا فِي الذِّمَّةِ؛ تَعَيَّنَ وَتَأَدَّى بِهِ الْوَاجِبُ. وَهَذَا كَمَا يَتَعَيَّنُ عِنْدَ الْأَدَاءِ إلَى رَبِّهِ، وَكَمَا يَتَعَيَّنُ عِنْدَ التَّوْكِيلِ فِي قَبْضِهِ؛ فَهَكَذَا يَتَعَيَّنُ عِنْدَ تَوْكِيلِهِ لِمَنْ هُوَ فِي ذِمَّتِهِ أَنْ يُعَيِّنَهُ، ثُمَّ يُضَارِبَ بِهِ، أَوْ يَتَصَدَّقَ، أَوْ يَشْتَرِيَ بِهِ شَيْئًا، وَهَذَا مَحْضُ الْفِقْهِ، وَمُوجَبُ الْقِيَاسِ، وَإِلَّا فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ تَعَيُّنِهِ إذَا وَكَّلَ الْغَيْرَ فِي قَبْضِهِ، وَالشِّرَاءِ، أَوْ التَّصَدُّقِ بِهِ، وَبَيْنَ تَعْيِينِهِ إذَا وَكَّلَ مَنْ هُوَ فِي ذِمَّتِهِ أَنْ يُعَيِّنَهُ وَيُضَارِبَ أَوْ يَتَصَدَّقَ بِهِ؟ فَهَلْ يُوجِبُ التَّفْرِيقَ فِقْهٌ أَوْ مَصْلَحَةٌ لَهُمَا، أَوْ لِأَحَدِهِمَا، أَوْ حِكْمَةٌ لِلشَّارِعِ فَيَجِبُ مُرَاعَاتُهَا؟ اهـ قلتُ: وقول مالك (يفضي إلى الربا) غير صحيح؛ لأنَّ الزيادة إن حصلت فهي حصلت بعقد المضاربة، ولم تحصل مقابل التأخير، فتنبه. وما رجحه ابن القيم هو الصواب، والله أعلم. (١) مسألة [٣٢]: إذا وكله في قبض دين من رجل آخر، ثم يضاربه به ؟ منع من ذلك مالك وغيره؛ لأنه فيه اشتراطًا على العامل بعمل شيء زائد على عمله المقرر شرعًا بقراضه، وأجاز الأكثر هذه الصورة؛ لانتفاء العلل التي ذكرت في المسألة السابقة، وهذا هو الصواب، والله أعلم. (٢)

стр. 3519

مسألة [٣٣]: إذا كان لرجل على آخر مال مغصوب، فاتفق معه على أن يجعله مضاربة ؟ • مذهب أحمد، وأبي حنيفة أنه يصح، ويزول ضمان الغصب؛ لأنه حُوِّل إلى مضاربة برضى صاحب المال، والمضاربة ليس فيها ضمان على العامل بدون تفريط وتعدي. • وقال الشافعي، وبعض الحنابلة: لا يزول ضمان الغصب؛ لأنه قد ثبت عليه الضمان لغصبه، فلا يخرج بإذنه له في التجارة عن كونه مغصوبًا مضمونًا. قلتُ: ويظهر لي -والله أعلم- أن القول الأول أرجح، وبالله التوفيق. (١) مسألة [٣٤]: المضاربة من العقود الجائزة . قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٧/ ١٧٢): وَالْمُضَارَبَةُ مِنْ الْعُقُودِ الْجَائِزَةِ، تَنْفَسِخُ بِفَسْخِ أَحَدِهِمَا، أَيِّهِمَا كَانَ، وَبِمَوْتِهِ، وَجُنُونِهِ، وَالْحَجْرِ عَلَيْهِ لِسَفَهٍ؛ لِأَنَّهُ مُتَصَرِّفٌ فِي مَالِ غَيْرِهِ بِإِذْنِهِ، فَهُوَ كَالْوَكِيلِ. وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَا قَبْلَ التَّصَرُّفِ وَبَعْدَهُ. فَإِذَا انْفَسَخَتْ وَالْمَالُ نَاضٌّ لَا رِبْحَ فِيهِ؛ أَخَذَهُ رَبُّهُ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ رِبْحٌ؛ قَسَمَا الرِّبْحَ عَلَى مَا شَرَطَاهُ. اهـ قال ابن رشد ﵀ في «بداية المجتهد» (٤/ ٢٨ - ٢٩): أجمع العلماء على أنَّ اللزوم ليس من موجبات عقد القراض، وأنَّ لكل واحد منهما فسخه؛ مالم يشرع العامل في القراض. واختلفوا إذا شرع العامل، فقال مالك: هو لازم، وهو عقد

стр. 3520

يورث؛ فإن مات وكان للمقارض بنون أمناء كانوا في القراض مثل أبيهم، وإن لم يكونوا أمناء؛ كان لهم أن يأتوا بأمين. وقال الشافعي، وأبو حنيفة: لكل واحد منهم الفسخ إذا شاء، وليس هو عقد يورث. فمالك ألزمه بعد الشروع في العمل لما فيه من ضرر ورآه من العقود المورثة. والفرقة الثانية شبهت الشروع في العمل بما بعد الشروع في العمل. اهـ قال أبو عبد الله غفر الله له: الراجح أنه عقد جائزٌ، ولا يلزم إلا بوجود ضرر في الفسخ على أحدهما؛ فيصبح لازمًا حتى يزول الضرر، والله أعلم. (١) مسألة [٣٥]: إذا فسخا المضاربة والمال عرض، فطلب أحدهما البيع ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٧/ ١٧٣): وَإِنْ انْفَسَخَتْ وَالْمَالُ عَرْضٌ، فَاتَّفَقَا عَلَى بَيْعِهِ أَوْ قَسَمَهُ؛ جَازَ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا، لَا يَعْدُوهُمَا. وَإِنْ طَلَبَ الْعَامِلُ الْبَيْعَ، وَأَبَى رَبُّ الْمَالِ، وَقَدْ ظَهَرَ فِي الْمَالِ رِبْحٌ؛ أُجْبِرَ رَبُّ الْمَالِ عَلَى الْبَيْعِ. وَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ، وَالثَّوْرِيِّ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْعَامِلِ فِي الرِّبْحِ، وَلَا يَظْهَرُ إلَّا بِالْبَيْعِ. وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ رِبْحٌ؛ لَمْ يُجْبَرْ؛ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِيهِ، وَقَدْ رَضِيَهُ مَالِكُهُ كَذَلِكَ فَلَمْ يُجْبَرْ عَلَى بَيْعِهِ. وَهَذَا ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: فِيهِ وَجْهٌ آخَرُ، أَنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى الْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا زَادَ فِيهِ زَائِدٌ، أَوْ رَغِبَ فِيهِ رَاغِبٌ، فَزَادَ عَلَى ثَمَنِ الْمِثْلِ؛ فَيَكُونُ لِلْعَامِلِ فِي الْبَيْعِ حَظٌّ. قال: وَلَنَا أَنَّ الْمُضَارِبَ إنَّمَا اسْتَحَقَّ الرِّبْحَ إلَى حِينِ الْفَسْخِ، وَذَلِكَ لَا يُعْلَمُ

стр. 3521

إلَّا بِالتَّقْوِيمِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُسْتَعِيرَ إذَا غَرَسَ، أَوْ بَنَى، أَوْ الْمُشْتَرِيَ؛ كَانَ لِلْمُعِيرِ وَالشَّفِيعِ أَنْ يَدْفَعَا قِيمَةَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لِلْأَرْضِ، فَهَاهُنَا أَوْلَى. اهـ (١) قلتُ: قول ابن قدامة: (وَإِنْ طَلَبَ الْعَامِلُ الْبَيْعَ، وَأَبَى رَبُّ الْمَالِ، وَقَدْ ظَهَرَ فِي الْمَالِ رِبْحٌ؛ أُجْبِرَ رَبُّ الْمَالِ عَلَى الْبَيْعِ) يظهر لي والله أعلم: أنه ليس لازمًا على رب المال البيع؛ لأنه يمكن أن يعرف الربح بمجرد التقويم، ثم يلزمه إعطاء العامل حقه. مسألة [٣٦]: المضاربة بمالٍ جزافًا ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٧/ ١٨٣): وَمَنْ شَرْطِ الْمُضَارَبَةِ أَنْ يَكُونَ رَأْسُ الْمَالِ مَعْلُومَ الْمِقْدَارِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَجْهُولًا وَلَا جُزَافًا، وَلَوْ شَاهَدَاهُ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ: يَصِحُّ إذَا شَاهَدَاهُ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْعَامِلِ مَعَ يَمِينِهِ فِي قَدْرِهِ؛ لِأَنَّهُ أَمِينُ رَبِّ الْمَالِ، وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِيمَا فِي يَدَيْهِ؛ فَقَامَ ذَلِكَ مَقَامَ الْمَعْرِفَةِ بِهِ. قال: وَلَنَا أَنَّهُ مَجْهُولٌ؛ فَلَمْ تَصِحَّ الْمُضَارَبَةُ بِهِ، كَمَا لَوْ لَمْ يُشَاهِدَاهُ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي بِكَمْ يَرْجِعُ عِنْد الْمُفَاصَلَةِ، وَلِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى الْمُنَازَعَةِ وَالِاخْتِلَافِ فِي مِقْدَارِهِ؛ فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ كَانَ فِي الْكِيسِ. وَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِالسَّلَمِ، وَبِمَا إذَا لَمْ يُشَاهِدَاهُ. اهـ قلتُ: والصحيح قول أحمد، والشافعي، ولكن إن دفعه إليه توكيلًا له بأن يحسبه

стр. 3522

ويعده، ثم يتضاربان عليه؛ فيصح، ولعلَّ هذه الصورة هي التي أرادها أبو ثور ومن معه، والله أعلم. مسألة [٣٧]: ما هي التصرفات التي تجب على العامل ؟ قال ابن رشد ﵀ في «بداية المجتهد» (٤/ ٣٠): والجميع متفقون على أنَّ العامل إنما يجب له أن يتصرف في عقد القراض ما يتصرف فيه الناس غالبًا في أكثر الأحوال يعني في تجاراتهم. اهـ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٧/ ١٦٣): وَعَلَى الْعَامِلِ أَنْ يَتَوَلَّى بِنَفْسِهِ كُلَّ مَا جَرَتْ الْعَادَةُ أَنْ يَتَوَلَّاهُ الْمُضَارِبُ بِنَفْسِهِ، مِنْ نَشْرِ الثَّوْبِ، وَطَيِّهِ، وَعَرْضِهِ عَلَى الْمُشْتَرِي، وَمُسَاوَمَتِهِ، وَعَقْدِ الْبَيْعِ مَعَهُ، وَأَخَذَ الثَّمَنِ، وَانْتِقَادِهِ، وَشَدِّ الْكِيسِ، وَخَتْمِهِ، وَإِحْرَازِهِ فِي الصُّنْدُوقِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَلَا أَجْرَ لَهُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لِلرِّبْحِ فِي مُقَابَلَتِهِ؛ فَإِنْ اسْتَأْجَرَ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ، فَالْأَجْرُ عَلَيْهِ خَاصَّةً؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ عَلَيْهِ. فَأَمَّا مَا لَا يَلِيهِ الْعَامِلُ فِي الْعَادَةِ، مِثْلُ النِّدَاءِ عَلَى الْمَتَاعِ، وَنَقْلِهِ إلَى الْخَانِ، فَلَيْسَ عَلَى الْعَامِلِ عَمَلُهُ، وَلَهُ أَنْ يَكْتَرِيَ مَنْ يَعْمَلُهُ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ فِي الْمُضَارَبَةِ غَيْرُ مَشْرُوطٍ؛ لِمَشَقَّةِ اشْتِرَاطِهِ، فَرُجِعَ فِيهِ إلَى الْعُرْفِ. اهـ مسألة [٣٨]: إذا تلف المال قبل التصرف فيه ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٧/ ١٧٦): إذَا تَلِفَ المَالُ قَبْلَ الشِّرَاءِ؛ انْفَسَخَتْ المُضَارَبَةُ؛ لِزَوَالِ الْمَالِ الَّذِي تَعَلَّقَ الْعَقْدُ بِهِ، وَمَا اشْتَرَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ لِلْمُضَارَبَةِ، فَهُوَ لَازِمٌ لَهُ، وَالثَّمَنُ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ عَلِمَ بِتَلَفِ المَالِ قَبْلَ نَقْدِ الثَّمَنِ، أَوْ

стр. 3523

جَهِلَ ذَلِكَ، وَهَلْ يَقِفُ عَلَى إجَازَةِ رَبِّ المَالِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، إحْدَاهُمَا: إنْ أَجَازَهُ؛ فَالثَّمَنُ عَلَيْهِ، وَالْمُضَارَبَةُ بِحَالِهَا، وَإِنْ لَمْ يُجِزْهُ؛ لَزِمَ الْعَامِلَ. وَالثَّانِيَةُ: هُوَ لِلْعَامِلِ عَلَى كُلِّ حَالٍ. فَإِنْ اشْتَرَى لِلْمُضَارَبَةِ شَيْئًا، فَتَلِفَ المَالُ قَبْلَ نَقْدِهِ؛ فَالشِّرَاءُ لِلْمُضَارَبَةِ، وَعَقْدُهَا بَاقٍ، وَيَلْزَمُ رَبَّ الْمَالِ الثَّمَنُ، وَيَصِيرُ رَأْسَ المَالِ الثَّمَنُ دُونَ التَّالِفِ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ تَلِفَ قَبْلَ التَّصَرُّفِ فِيهِ. وَهَذَا قَوْلُ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: رَأْسُ المَالِ هَذَا وَالتَّالِفُ. وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ. قال: وَلَنَا أَنَّ التَّالِفَ تَلِفَ قَبْلَ التَّصَرُّفِ فِيهِ؛ فَلَمْ يَكُنْ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، كَمَا لَوْ تَلِفَ قَبْلَ الشِّرَاءِ. وَلَوْ اشْتَرَى عَبْدَيْنِ بِمَالِ المُضَارَبَةِ، فَتَلِفَ أَحَدُ الْعَبْدَيْنِ؛ كَانَ تَلَفُهُ مِنْ الرِّبْحِ، وَلَمْ يَنْقُصْ رَأْسُ المَالِ بِتَلَفِهِ؛ لِأَنَّهُ تَلِفَ بَعْدَ التَّصَرُّفِ فِيهِ. وَإِنْ تَلِفَ الْعَبْدَانِ كِلَاهُمَا، انْفَسَخَتْ المُضَارَبَةُ؛ لِزَوَالِ مَالِهَا كُلِّهِ؛ فَإِنْ دَفَعَ إلَيْهِ رَبُّ الْمَالِ بَعْدَ ذَلِكَ أَلْفًا؛ كَانَ الْأَلْفُ رَأْسَ الْمَالِ، وَلَمْ يُضَمَّ إلَى المُضَارَبَةِ الْأُولَى؛ لِأَنَّهَا انْفَسَخَتْ لِذَهَابِ مَالِهَا. اهـ (١) مسألة [٣٩]: هل للمقارض أن يستدين مالًا يتجر به مع مال القراض ؟ • قال ابن رشد ﵀ في «بداية المجتهد» (٤/ ٣٠): واختلفوا في العامل يستدين مالًا، فيتجر به مع مال القراض، فقال مالك: ذلك لا يجوز. وقال الشافعي، وأبو حنيفة: ذلك جائز، ويكون الربح بينهما على شرطهما. وحجة مالك أنه كما لا يجوز أن يستدين على المقارضة كذلك لا يجوز أن يأخذ

стр. 3524

دينًا فيها. اهـ قال أبو عبد الله غفر الله له: الراجح قول الشافعي، والقياس الذي ذكره ابن رشد قياس فاسد؛ لوجود الفرق بين الأصل والفرع، والله أعلم. مسألة [٤٠]: بأي شيء ينفسخ القراض ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٧/ ١٧٤): وَأَيُّ الْمُتَقَارِضَيْنِ مَاتَ أَوْ جُنَّ؛ انْفَسَخَ الْقِرَاضُ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ جَائِزٌ، فَانْفَسَخَ بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا وَجُنُونِهِ، كَالتَّوْكِيلِ؛ فَإِنْ كَانَ الْمَوْتُ أَوْ الْجُنُونُ بِرَبِّ الْمَالِ، فَأَرَادَ الْوَارِثُ أَوْ وَلِيُّهُ إتْمَامَهُ، وَالْمَالُ نَاضٌّ؛ جَازَ، وَيَكُونُ رَأْسُ الْمَالِ وَحِصَّتُهُ مِنْ الرِّبْحِ رَأْسَ الْمَالِ، وَحِصَّةُ الْعَامِلِ مِنْ الرِّبْحِ شَرِكَةً لَهُ مُشَاعَةٌ. وَهَذِهِ الْإِشَاعَةُ لَا تَمْنَعُ؛ لِأَنَّ الشَّرِيكَ هُوَ الْعَامِلُ، وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ التَّصَرُّفَ. قال: وَإِنْ كَانَ الْمَالُ عَرَضًا وَأَرَادُوا إتْمَامَهُ، فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ جَوَازُهُ، وَهُوَ مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ ... ، وَذَكَرَ الْقَاضِي وَجْهًا آخَرَ، أَنَّهُ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْقِرَاضَ قَدْ بَطَلَ بِالْمَوْتِ، وَهَذَا ابْتِدَاءُ قِرَاضٍ عَلَى عُرُوضٍ. وَهَذَا الْوَجْهُ أَقْيَسُ؛ لِأَنَّ الْمَالَ لَوْ كَانَ نَاضًّا كَانَ ابْتِدَاءَ قِرَاضٍ، وَكَانَتْ حِصَّةُ الْعَامِلِ مِنْ الرِّبْحِ شَرِكَةً لَهُ يَخْتَصُّ بِهَا دُونَ رَبِّ الْمَالِ. وَإِنْ كَانَ الْمَالُ نَاقِصًا بِخَسَارَةٍ أَوْ تَلَفٍ؛ كَانَ رَأْسُ الْمَالِ الْمَوْجُودِ مِنْهُ حَالَ ابْتِدَاءِ الْقِرَاضِ، فَلَوْ جَوَّزْنَا ابْتِدَاءَ الْقِرَاضِ هَاهُنَا وَبِنَاءَهُمَا عَلَى الْقِرَاضِ؛ لَصَارَتْ حِصَّةُ الْعَامِلِ مِنْ الرِّبْحِ غَيْرَ مُخْتَصَّةٍ بِهِ، وَحِصَّتُهَمَا مِنْ الرِّبْحِ مُشْتَرَكَةً بَيْنَهُمَا، وَحُسِبَتْ عَلَيْهِ الْعُرُوض بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِمَا، فِيمَا إذَا كَانَ الْمَالُ نَاقِصًا، وَهَذَا لَا يَجُوزُ فِي الْقِرَاضِ بِلَا خِلَافٍ.

стр. 3525

قال: وَإِنْ مَاتَ الْعَامِلُ أَوْ جُنَّ، وَأَرَادَ ابْتِدَاءَ الْقِرَاضِ مَعَ وَارِثِهِ أَوْ وَلِيِّهِ؛ فَإِنْ كَانَ نَاضًّا، جَازَ كَمَا قُلْنَا فِيمَا إذَا مَاتَ رَبُّ الْمَالِ، وَإِنْ كَانَ عَرْضًا؛ لَمْ يَجُزْ ابْتِدَاءُ الْقِرَاضِ إلَّا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يُجَوِّزُ ابْتِدَاءَ الْقِرَاضِ عَلَى الْعُرُوضِ، بِأَنْ تُقَوَّمَ الْعُرُوض، وَيُجْعَلَ رَأْسُ الْمَالِ قِيمَتَهَا يَوْمَ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّ الَّذِي كَانَ مِنْهُ الْعَمَلُ قَدْ مَاتَ، أَوْ جُنَّ، وَذَهَبَ عَمَلُهُ، وَلَمْ يَخْلُفْ أَصْلًا يَبْنِي عَلَيْهِ وَارِثُهُ. انتهى بتصرف وتلخيص. (١) مسألة [٤١]: متى يكون الضمان في الخسارة على العامل ؟ ذكر أهل العلم أنَّ الضمان على العامل فيما إذا تعدى، أو فرط، ولا ضمان عليه فيما سوى ذلك. (٢) مسألة [٤٢]: هل تصح المضاربة بالعروض ؟ أما المضاربة بالدراهم والدنانير فهي جائزة بالإجماع. • واختلفوا: هل تصح المضاربة بالعروض، أم لا؟ فمذهب الجمهور عدم جواز ذلك. • وأجازه ابن أبي ليلى، والأوزاعي. وحجة الجمهور: أنَّ رأس المال إذا كان عروضًا؛ كان غررًا؛ لأنه يقبض العرض وهو يساوي قيمة ما ويرده، وهو يساوي قيمة غيرها، فيكون رأس المال

стр. 3526

والربح مجهولًا، والصحيح قول الجمهور؛ لما فيه من الغرر، إلا أن يكونوا قوموا العروض في حال الشراكة، وجعلوا رأس المال هو ما قومت به العروض، وأما إن كان رأس المال هو الثمن الذي بيعت به العروض فقد أجاز ذلك أهل العلم. (١) مسألة [٤٣]: إذا فسدت المضاربة لتخلف بعض شروطها، أو ما أشبه ذلك، فماذا يترتب عليه من أحكام ؟ يترتب على فسادها أحكام: أحدها: تنفذ تصرفات المضارب؛ لأنَّ له إذنًا في ذلك، فإذا بطل العقد بقي الإذن، فملك به التصرف كالوكيل. الثاني: اختلف أهل العلم في الأرباح الحاصلة بعد فساد المضاربة، وقد تقدم نقل الخلاف في ذلك في المسألة رقم [٢٠]. الثالث: الضمان فيما يتلف، كحكم الضمان في المضاربة الصحيحة، وهو مذهب أحمد، والشافعي. (٢) مسألة [٤٤]: إذا اختلف العامل ورب المال في صفة الإذن ؟ مثل أن يقول العامل: أذنت في البيع بخمسة دراهم. قال: بل بعشرة. • فمذهب أحمد، وأبي حنيفة أنَّ القول قول العامل؛ لأنه مؤتمن، ولأنَّ رب المال يدعي عليه زيادة وينكرها.

стр. 3527

• ومذهب الشافعي، وبعض الحنابلة أن القول قول رب المال؛ لأنَّ الأصل عدم الإذن، ولأنَّ القول قول رب المال في أصل الإذن، فكذلك في صفته. قلتُ: والقول الأول أقرب، والله أعلم. (١) مسألة [٤٥]: لو اختلف العامل ورب المال في قدر النصيب من الربح ؟ مثل أن يقول العامل: شرطت لي نصف الربح. قال رب المال: بل الثلث. • ذهب كثير من أهل العلم إلى أنَّ القول قول رب المال؛ لأنه ينكر زيادة تُدَّعى عليه، وهذا قول أحمد، وإسحاق، والثوري، وابن المبارك، وأبي ثور، وأصحاب الرأي. • وقال بعض أهل العلم: القول قول العامل إذا ادَّعى سهم المثل، أو زيادة يتغابن الناس بها، وهذا قول مالك، وأحمد في رواية. • ومذهب الشافعي أنهما يتحالفان، ويتفاسخان، وله أجرة المثل. • وقال الليث: له قراض مثله. قلتُ: والأقرب هو القول الأول، ما لم تظهر قرينة تقوي جانب العامل؛ فيكون القول قوله كما قال مالك ﵀، والله أعلم. (٢)

стр. 3528

مسألة [٤٦]: إذا ادَّعى العامل ردَّ المال، فأنكر ذلك رب المال ؟ • مذهب أحمد، وبعض الشافعية أنَّ القول قول رب المال؛ لأنه منكر لما يُدَّعى عليه. • وقال بعض الشافعية: القول قول العامل؛ لأنه مؤتمن. والأقرب القول الأول، والله أعلم. (١) مسألة [٤٧]: إذا اختلف العامل ورب المال في قدر رأس المال، أو تلفه، أو في الإذن بشراء شيء ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٧/ ١٨٤ - ): وَالْعَامِلُ أَمِينٌ فِي مَالِ المُضَارَبَةِ؛ لِأَنَّهُ مُتَصَرِّفٌ فِي مَالِ غَيْرِهِ بِإِذْنِهِ، لَا يَخْتَصُّ بِنَفْعِهِ، فَكَانَ أَمِينًا، كَالْوَكِيلِ. وَفَارَقَ المُسْتَعِيرَ؛ فَإِنَّهُ قَبَضَهُ لِمَنْفَعَتِهِ خَاصَّةً، وَهَا هُنَا المَنْفَعَةُ بَيْنَهُمَا. فَعَلَى هَذَا: الْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي قَدْرِ رَأْسِ المَالِ. قَالَ ابْنُ المُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُمْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْعَامِلِ فِي قَدْرِ رَأْسِ المَالِ. كَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَبِهِ نَقُولُ. وَلِأَنَّهُ يَدَّعِي عَلَيْهِ قَبْضَ شَيْءٍ، وَهُوَ يُنْكِرُهُ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ المُنْكِرِ. قال: وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ قَوْلُهُ فِيمَا يَدَّعِيه مِنْ تَلَفِ المَالِ، أَوْ خَسَارَةٍ فِيهِ، وَمَا يُدَّعَى عَلَيْهِ مِنْ خِيَانَةٍ وَتَفْرِيطٍ، وَفِيمَا يَدَّعِي أَنَّهُ اشْتَرَاهُ لِنَفْسِهِ أَوْ لِلْمُضَارَبَةِ؛ لِأَنَّ

стр. 3529

الِاخْتِلَافَ هَاهُنَا فِي نِيَّتِهِ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا نَوَاهُ. قال: وَلَوْ اشْتَرَى عَبْدًا، فَقَالَ رَبُّ المَالِ: كُنْت نَهَيْتُك عَنْ شِرَائِهِ. فَأَنْكَرَ الْعَامِلُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ النَّهْيِ. وَهَذَا كُلُّهُ لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا. اهـ (١) تنبيه: جميع المسائل التي تقدمت وقيل فيها: (القول قول أحدهما)؛ فالمراد بذلك عند أهل العلم مع اليمين، فَتَنبَّه.

стр. 3530

فتح العلام في دراسة أحاديث بلوغ المرام حديثيا وفقهيا مع ذكر بعض المسائل الملحقة تأليف أبي عبدالله محمد بن علي بن حزام الفضلي البعداني في دار الحديث بدماج الجزء السابع تابع كتاب البيوع المُسَاقَاةُ وَالإِجَارَة - إِحْيَاءُ المَوَات - الوَقْف - الهِبَةُ وَالعُمْرَى والرُّقْبَى اللُّقَطَة - الفَرَائِض - الوَصَايَا - الوَدِيعَة

стр. 3531

بَابُ المُسَاقَاةِ وَالإِجَارَةِ ٨٩٦ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَامَلَ أَهْلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَرٍ أَوْ زَرْعٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا: فَسَأَلُوا أَنْ يُقِرَّهُمْ بِهَا عَلَى أَنْ يَكْفُوا عَمَلَهَا وَلَهُمْ نِصْفُ الثَّمَرِ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «نُقِرُّكُمْ بِهَا عَلَى ذَلِكَ مَا شِئْنَا». فَقَرُّوا بِهَا، حَتَّى أَجْلَاهُمْ عُمَرُ ﵁. وَلِمُسْلِمٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَفَعَ إلَى يَهُودِ خَيْبَرَ نَخْلَ خَيْبَرَ وَأَرْضَهَا عَلَى أَنْ يَعْتَمِلُوهَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَلَهُمْ شَطْرُ ثَمَرِهَا. (١) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث كِتاب البيوع مسألة [١]: تعريف المساقاة . مأخوذة من السَّقي، وهي دفع الشجر إلى آخر؛ ليقوم بسقيه، وعمل سائر ما يحتاج إليه بجزء مشاع من الثمرة، وسُمِّيت (مساقاة)؛ لأنها مفاعلة من السقي؛ لأنَّ أهل الحجاز أكثر حاجة شجرهم إلى السقي؛ لأنهم يستقون من الآبار، فسميت بذلك. (٢)

стр. 3532

مسألة [٢]: مشروعية المساقاة . دلَّ حديث ابن عمر المذكور على مشروعية المساقاة، وهو الأصل في هذا الباب، وقال بمشروعية ذلك عامة أهل العلم من الصحابة، والتابعين ومن بعدهم. • وخالف أبو حنيفة، وزُفر، فلم يجيزا ذلك؛ لأنها إجارة بثمرة لم تخلق، أو إجارة بثمرة مجهولة، وتأولوا حديث ابن عمر ﵄ بأن اليهود أصبحوا عبيدًا للنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فليس عمل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- من باب المساقاة، وإنما النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يعطيهم النصف نفقة عليهم، ومنهم من ردَّه؛ لمخالفته للقياس. وقد ردَّ أهل العلم عليه، وبينوا بُعْدَ قوله عن الصواب، ونحن نبرأ إلى الله من مثل هذه الأقوال المخالفة للأحاديث الصريحة، وبالله التوفيق. (١) مسألة [٣]: هل تشرع المساقاة في جميع الأشجار المثمرة ؟ • ذهب داود الظاهري إلى أنها لا تجوز إلا في النخيل؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ساقى يهود خيبر على ذلك. • وذهب الشافعي إلى جوازها في النخيل، والعنب؛ لأنَّ الزكاة تجب في ثمرتهما. • وذهب عامة أهل العلم إلى أنَّ المساقاة تجوز في كل شجر يثمر، واستدلوا

стр. 3533

على ذلك بعموم حديث ابن عمر المذكور في الباب؛ فهو يشمل كل ثمر، ولا تكاد بلدة ذات أشجار تخلو من شجر غير النخيل، ولأنَّ الحاجة تدعو إلى المساقاة في غير النخيل والعنب، ووجوب الزكاة ليس من العلل المجوزة للمساقاة، ولا أثر لذلك فيها. (١) مسألة [٤]: هل تشرع المساقاة في الأشجار التي لا ثمر لها ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٧/ ٥٣١): وَأَمَّا مَا لَا ثَمَرَ لَهُ مِنْ الشَّجَرِ، كَالصَّفْصَافِ، وَالْجَوْزِ، وَنَحْوِهِمَا، أَوْ لَهُ ثَمَرٌ غَيْرُ مَقْصُودٍ، كَالصَّنَوْبَرِ، وَالْأَرْزِ؛ فَلَا تَجُوزُ الْمُسَاقَاةُ عَلَيْهِ. وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ. وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَنْصُوصٍ عَلَيْهِ، وَلَا فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ، وَلِأَنَّ الْمُسَاقَاةَ إنَّمَا تَكُونُ بِجُزْءٍ مِنْ الثَّمَرَةِ، وَهَذَا لَا ثَمَرَةَ لَهُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّا يُقْصَدُ وَرَقُهُ، أَوْ زَهْرُهُ، كَالتُّوتِ، وَالْوَرْدِ، فَالْقِيَاسُ يَقْتَضِي جَوَازَ الْمُسَاقَاةِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الثَّمَرِ؛ لِأَنَّهُ نَمَاءٌ يَتَكَرَّرُ كُلَّ عَامٍ، وَيُمْكِنُ أَخْذُهُ وَالْمُسَاقَاةُ عَلَيْهِ بِجُزْءِ مِنْهُ، فَيَثْبُتُ لَهُ مِثْلُ حُكْمِهِ. اهـ (٢) مسألة [٥]: هل تصح المساقاة على ثمرة قد ظهرت ؟ • ذهب الأكثر إلى الجواز، وهو قول مالك، وأبي يوسف، ومحمد، وأبي ثور، وأحمد في رواية، وهو قولٌ للشافعي؛ لأنها إذا جازت في المعدومة مع كثرة الغرر فيها؛ فمع وجودها وقلة الغرر فيها أولى.

стр. 3534

• وذهب بعضهم إلى عدم الجواز، وهو رواية عن أحمد، وقولٌ للشافعي؛ لأنه ليس بمنصوص عليه، ولا في معنى المنصوص، ومال إليه ابن قدامة، ويُراجع كلامه. والذي يظهر لي أنَّ القول الأول أقرب، وهو ظاهر اختيار الشيخ ابن عثيمين، والله أعلم. (١) مسألة [٦]: تحديد نصيب العامل من الثمرة . يُشترط في صحة المساقاة عند أهل العلم تحديد نصيب العامل مشاعًا من الثمرة، كالنصف، أو الثلث، أو الربع، أو ما أشبه ذلك، كما فعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مع أهل خيبر. وعلى هذا فإنَّ عَقْدَ المساقاة على جزء مبهمٍ كالسهم، والجزء، والنصيب، والحظ ونحوه لا يجوز؛ لأنه إذا لم يكن معلومًا لم تمكن القسمة بينهما، ولو ساقاه على آصُعٍ معلومة، أو جعل مع الجزء المعلوم آصعًا؛ لم يَجز؛ لأنه ربما لم يحصل ذلك، أو لم يحصل غيره، فيستضر ربُّ الشجر، وربما كثر الحاصل فيستضر العامل، وإن شرط له ثمر نخلات بعينها لم يجز؛ لأنها قد لا تحمل؛ فتكون الثمرة كلها لرب المال، وقد لا تحمل غيرها؛ فتكون الثمرة كلها للعامل. (٢)

стр. 3535

مسألة [٧]: هل تصح المساقاة على الشجر الذي على السيول والأنهار وما لا يحتاج إلى سقي ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٧/ ٥٣٨): وَتَصِحُّ الْمُسَاقَاةُ عَلَى الْبَعْلِ مِنْ الشَّجَرِ، كَمَا تَجُوزُ فِيمَا يَحْتَاجُ إلَى سَقْيٍ. وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا عِنْدَ مِنْ يُجَوِّزُ الْمُسَاقَاةَ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إلَى الْمُعَامَلَةِ فِي ذَلِكَ، كَدُعَائِهَا إلَى الْمُعَامَلَةِ فِي غَيْرِهِ، فَيُقَاسُ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الْمُزَارَعَةِ. اهـ مسألة [٨]: بماذا ينعقد عقد المساقاة ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٧/ ٥٣٨): وَتَصِحُّ الْمُسَاقَاةُ بِلَفْظِ الْمُسَاقَاةِ، وَمَا يُؤَدِّي مَعْنَاهَا مِنْ الْأَلْفَاظِ، نَحْوِ: عَامَلْتُك، وَفَالَحْتك، وَاعْمَلْ فِي بُسْتَانِي هَذَا حَتَّى تَكْمُلَ ثَمَرَتُهُ، وَمَا أَشْبَهَ هَذَا؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ الْمَعْنَى، فَإِذَا أَتَى بِهِ بِأَيِّ لَفْظٍ دَلَّ عَلَيْهِ؛ صَحَّ كَالْبَيْعِ، وَإِنْ قَالَ: اسْتَأْجَرْتُك لِتَعْمَلَ لِي فِي هَذَا الْحَائِطِ، حَتَّى تَكْمُلَ ثَمَرَتُهُ، بِنِصْفِ ثَمَرَتِهِ. فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا لَا يَصِحُّ. ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ يُشْتَرَطُ لَهَا كَوْنُ الْعِوَضِ مَعْلُومًا، وَالْعَمَلِ مَعْلُومًا، وَتَكُونُ لَازِمَةً، وَالْمُسَاقَاةُ بِخِلَافِهِ. وَالثَّانِي يَصِحُّ. وَهُوَ أَقْيسُ؛ لِأَنَّهُ مُؤَدٍّ لِلْمَعْنَى، فَصَحَّ بِهِ الْعَقْدُ كَسَائِرِ الْأَلْفَاظِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا. اهـ قال أبو عبد الله غفر الله له: العبرة بالمعنى لا باللفظ؛ فإن كانا قاصدين مساقاة؛ فتصح، والله أعلم، وهو ترجيح ابن القيم، وعزاه للجمهور. (١)

стр. 3536

مسألة [٩]: ما هي الأعمال التي تلزم العامل ورب المال ؟ يذكر أهل العلم أنَّ على العامل الأعمال التي فيها صلاح الثمرة وزيادتها من الأعمال التي لا تتأبد، مثل السقي، والحرث، وتقليم الشجر، وقطع الحشائش المضرة، وما أشبه ذلك. وعلى رب المال ما فيه حفظ الأصل، كسد الحيطان، وإنشاء الأنهار، وحفر البئر، وتجهيز آلاته القديمة، أو الحديثة، وشراء ما يلقح به، وما أشبه ذلك. قلتُ: والعمدة في ذلك هو العُرف، وما ذكره هو الذي تعارف الناس عليه، والله أعلم. (١) مسألة [١٠]: إذا قال رب الأرض: إذا سقيته بكلفة فلك النصف، وإن لم يكن بكلفة فلك الثلث. ونحو ذلك ؟ ومثل ذلك إذا قال: إذا زرعته برًّا فلك النصف، وإن زرعته شعيرًا فلك الثلث. • ففي هذه المسألة قولان للحنابلة أشهرهما المنع؛ لأنه يؤدي إلى جهالة العمل، وجهالة القدر. والصحيح هو الجواز؛ لعدم وجود دليل يمنع ذلك، وليس في ذلك ظلمٌ، ولا غرر، ولا ربا، والله أعلم. (٢)

стр. 3537

مسألة [١١]: المساقاة على شجرٍ صغير، أو على شجر يغرسه . قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٧/ ٥٥٢): وَإِذَا سَاقَاهُ عَلَى وَدِيِّ النَّخْلِ صغاره أَوْ صِغَارِ الشَّجَرِ، إلَى مُدَّةٍ يَحْمِلُ فِيهَا غَالِبًا، وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا جُزْءٌ مِنْ الثَّمَرَةِ مَعْلُومٌ؛ صَحَّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ أَكْثَرُ مِنْ أَنَّ عَمَلَ الْعَامِلِ يَكْثُرُ، وَنَصِيبَهُ يَقِلُّ، وَهَذَا لَا يَمْنَعُ صِحَّتَهَا. اهـ وقال ﵀ (٧/ ٥٥٢): وَإِنْ سَاقَاهُ عَلَى شَجَرٍ يَغْرِسُهُ، وَيَعْمَلُ فِيهِ حَتَّى يَحْمِلَ، وَيَكُونُ لَهُ جُزْءٌ مِنْ الثَّمَرَةِ مَعْلُومٌ؛ صَحَّ أَيْضًا. وَالْحُكْمُ فِيهِ كَمَا لَوْ سَاقَاهُ عَلَى صِغَارِ الشَّجَرِ، عَلَى مَا بَيَّنَاهُ. اهـ (١) مسألة [١٢]: هل عقد المساقاة والمزارعة لازم، أم جائزٌ ؟ • مذهب أحمد، وبعض أصحاب الحديث أنَّ المساقاة والمزارعة من العقود الجائزة، واستدلوا على ذلك بحديث معاملة أهل خيبر؛ فإنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «نقركم بها على ذلك ما شئنا»، ولأنه عقد على جزء من نماء المال؛ فكان جائزًا كالمضاربة، وفارق الإجارة؛ لأنها بيع، فكانت لازمة، قالوا: ولو كان عقدًا لازمًا؛ للزم بيان المدة وتحديدها. • ومذهب أكثر الفقهاء أنها عقد لازم؛ لأنه عقد معاوضة، فكان لازمًا كالإجارة، ولأنه لو كان جائزًا لرب المال فسخه إذا أدركت الثمرة، فيسقط حق العامل، فيستضر، واختار هذا القول شيخ الإسلام ﵀ كما في «الإنصاف».

стр. 3538

• وقال بعض الحنابلة: هي جائزة من جهة العامل، لازمة من جهة المالك، كالإجارة. واختار الشيخ ابن عثيمين ﵀ قول الجمهور كما في «الشرح الممتع» (٩/ ٤٥٣)، فقال: وهذا هو الصحيح، وعليه عمل الناس اليوم؛ لأننا لو قلنا: إنه عقد جائز؛ كثر الضرر والنزاع بين الناس، ولأنَّ العامل ربما يتحيل فيأتي إلى صاحب الملك، ويأخذ منه الملك مساقاة في موسم المساقاة، فإذا زال الموسم جاء إلى المالك وفسخ، وكذلك بالعكس ربما يكون المالك أعطى العامل هذا الملك ليعمل فيه، فإذا زادت الأسهم للملاك فسخها، وأعطاه أجرة المثل، فالصواب أن المساقاة عقد لازم، ويتعين فيها تحديد المدة. اهـ قال أبو عبد الله غفر الله له: يظهر لي -والله أعلم- أنهما إن كان اشترطا عند العقد الاستمرار، أو كان عرف الناس ذلك؛ فيكون عقدًا لازمًا، وإلا فهو عقد جائز كالمضاربة؛ فإنَّ صاحب الشجر قد يرى عاملًا أفضل من الأول، فيرغب فيه، والعامل قد يكسل عن العمل، أو يمرض، أو يشغل، فيريد الترك، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة:١]. وقد ذكر القائلون بأنه عقد جائز أنه إن كان الفسخ قبل ظهور الثمرة؛ فإن كان من رب الشجر؛ فعليه للعامل أجرة المثل، والأقرب أن يقال: له نصيب المثل. وإن كان الفسخ من العامل فلا شيء له.

стр. 3539

وإن كان الفسخ بعد ظهور الثمرة من العامل، وتنازل عن حقه؛ فلا إشكال، وأما إن لم يتنازل عن حقه، أو أراد رب الأرض الفسخ؛ فالثمرة بينهما، ويلزم العامل إتمام العمل في هذه ا لصورة، وذكر ذلك ابن حزم أيضًا. وننبه أيضًا أنَّ العقد يصبح لازمًا إذا كان في الفسخ ضرر على العامل، أو رب المال، والله أعلم. (١) مسألة [١٣]: هل يشترط للمساقاة تحديد المدة ؟ • أما مذهب الجمهور فهو اشتراط التحديد؛ لأنهم يرون عقد المساقاة من العقود اللازمة؛ فوجب عندهم تحديدها، ولا تنفسخ عندهم بالموت، بل يقوم الوارث مقام مورثه؛ لأنه عقد لازم. • ومذهب الحنابلة في الأشهر، وهو قول الظاهرية عدم اشتراط ذلك؛ لأنَّ عقد المساقاة عندهم جائز كالمضاربة؛ فإن كل واحد منهما يملك فسخها متى شاء، وهذا هو الصواب، والله أعلم. (٢) مسألة [١٤]: إن شرط العامل على رب المال أن يعمل معه بعض الأعمال التي تجب عليه، والعكس ؟ • مذهب أحمد، والشافعي، ومالك أنه لا يصح اشتراط ذلك، ولا تصح

стр. 3540

المساقاة بذلك؛ لأنَّ المساقاة التي أباحها الشرع جاءت بأن يكون على أحدهما الشجر والآخر عليه العمل، فأصبح الشرط مخالفًا لمقتضى العقد، واستثنى مالك الأعمال اليسيرة. • وللحنابلة وجهٌ -وهو رواية عن أحمد- أنه يصح؛ لأنه شرط لا يخل بمصلحة العقد، ولا مفسدة فيه، ولا يؤدي إلى الجهالة، أو الغرر، أو الربا، وما أشبه ذلك، وهذا القول أرجح، والله أعلم. وهو مقتضى اختيار شيخ الإسلام، وابن القيم رحمة الله عليهما. (١) مسألة [١٥]: إذا شرط العامل على رب المال أن يعمل معه غلمانه ؟ قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٧/ ٥٤١): وَإِنْ شَرَطَ أَنْ يَعْمَلَ مَعَهُ غِلْمَانُ رَبِّ الْمَالِ، فَهُوَ كَشَرْطِ عَمَلِ رَبِّ الْمَالِ؛ لِأَنَّ عَمَلَهُمْ كَعَمَلِهِ؛ فَإِنَّ يَدَ الْغُلَامِ كَيَدِ مَوْلَاهُ. وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: كَمَا ذَكَرْنَا. وَالثَّانِي: يَجُوزُ؛ لِأَنَّ غِلْمَانَهُ مَالُهُ، فَجَازَ أَنْ تَعْمَلَ تَبَعًا لِمَالِهِ، كَثَوْرِ الدُّولَابِ، وَكَمَا يَجُوزُ فِي الْقِرَاضِ أَنْ يَدْفَعَ إلَى الْعَامِلِ بَهِيمَةً يَحْمِلُ عَلَيْهَا، وَأَمَّا رَبُّ الْمَالِ فَلَا يَجُوزُ جَعْلُهُ تَبَعًا. وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ. فَإِذَا شَرَطَ غِلْمَانًا يَعْمَلُونَ مَعَهُ؛ فَنَفَقَتُهُمْ عَلَى مَا يَشْتَرِطَانِ عَلَيْهِ. فَإِنْ أَطْلَقَا، وَلَمْ يَذْكُرَا نَفَقَتَهُمْ؛ فَهِيَ عَلَى رَبِّ الْمَالِ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ مَالِكٌ: نَفَقَتُهُمْ عَلَى الْمُسَاقِي، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَشْرُطَهَا عَلَى رَبِّ الْمَالِ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ عَلَى الْمُسَاقِي، فَمُؤْنَةُ مَنْ يَعْمَلُهُ عَلَيْهِ،
следующие страницы →